بَاب فِي فَضْلِ الْفِقْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ
2684 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ نَا خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِيهُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " خَصْلَتَانِ لَا يجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ هَذَا الشَّيْخِ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ الْعَامِرِيِّ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَرْوِي عَنْهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ( نَا خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ الْعَامِرِيُّ ) أَبُو سَعِيدٍ الْبَلْخِيُّ فَقِيهٌ ، مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَرُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ ، مِنَ التَّاسِعَةِ ، ( عَنْ عَوْفٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ ( عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ) هُوَ مُحَمَّدٌ . قَوْلُهُ : ( خَصْلَتَانِ لَا يجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ ) بِأَنْ تَكُونَ فِيهِ وَاحِدَةٌ دُونَ الْأُخْرَى أَوْ لَا يَكُونَا فِيهِ بِأَنْ لَا تُوجَدَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالِاجْتِمَاعِ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى جَمْعِهِمَا وَزَجْرًا لَهُمْ عَنِ الِاتِّصَافِ بِأَحَدِهِمَا . وَالْمُنَافِقُ إِمَّا حَقِيقِيٌّ وَهُوَ النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ ، أَوْ مَجَازِيٌّ وَهُوَ الْمُرَائِي ، وَهُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ ( حُسْنُ سَمْتٍ ) أَيْ خُلُقٌ وَسِيرَةٌ وَطَرِيقَةٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ التَّزَليِّ بِزِيِّ الصَّالِحِينَ .
وَقَالَ مَيْرَكُ : السَّمْتُ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ أَعْنِي الْمَقْصِدَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ هَيْئَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ تَحَرِّي طُرُقِ الْخَيْرِ وَالتَّزَيِّ بِزِيِّ الصَّالِحِينَ مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الْمَعَائِبِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ ( وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ ) عُطِفَ بِلَا ؛ لِأَنَّ حُسْنَ سَمْتٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَلَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الْمُسَاقِ . قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : حَقِيقَةُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى اللِّسَانِ فَأَفَادَ الْعَمَلَ وَأَوْرَثَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى ، وَأَمَّا الَّذِي يَتَدَارَسُ أَبْوَابًا مِنْهُ لِيَتَعَزَّزَ بِهِ وَيَتَأَكَّلَ بِهِ فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الرُّتْبَةِ الْعُظْمَى ؛ لِأَنَّ الْفِقْهَ تَعَلَّقَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - : وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ . قِيلَ : لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ إِحْدَاهُمَا قَدْ تحْصُلُ دُونَ الْأُخْرَى بَلْ هُوَ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الِاتِّصَافِ بِهِمَا وَالِاجْتِنَابِ عَنْ أَضْدَادِهِمَا ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ مَنْ يَكُونُ عَارِيًا مِنْهُمَا وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ إِذْ فِيهِ حَثٌّ عَلَى أَدَائِهَا وَتَخْوِيفٌ مِنَ الْمَنْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنْ أَوْصَافِ الْمُشْرِكِينَ . كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَهُوَ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ ( وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ ) أَيْ كَيْفَ حَالُ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ وَأَطَالَ تَرْجَمَتَهُ وَقَالَ فِيهِ : فَقِيهُ أَهْلِ بَلْخٍ وَزَاهِدُهُمْ ، تَفَقَّهَ بِأَبِي يُوسُفَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَخَذَ الزُّهْدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ، رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَذَكَرَ جَمَاعَةً قَالَ : وَكَانَ قُدُومُهُ إِلَى نَيْسَابُورَ سَنَةَ 203 ، وَتُوُفِّيَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ 215 ، وَقَالَ الْعَقِيلِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ : حَدَّثَ عَنْ عَوْفٍ ، وَقَيْسٍ بِمَنَاكِيرَ وَكَانَ مُرْجِئًا ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ : صَدُوقٌ ، مَشْهُورٌ ، كَانَ يُوصَفُ بِالسَّتْرِ وَالصَّلَاحِ وَالزُّهْدِ ، وَكَانَ فَقِيهًا عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ : كَانَ مُرْجِئًا غَالِيًا ، أَسْتَحِبُّ مُجَانَبَةَ حَدِيثِهِ لِتَعَصُّبِهِ ، انْتَهَى .