حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي قَصِّ الشَّارِبِ

2761 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا " وَفِي الْبَاب عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ صُهَيْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ

قَوْلُهُ : ( نَا عَبِيدَةُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ( بْنُ حُمَيْدٍ ) الْكُوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْحَذَّاءِ ( عَنْ يُوسُفَ بْنِ صُهَيْبٍ ) الْكِنْدِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ ) الْكِنْدِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ يُوسُفُ بْنُ صُهَيْبٍ وَغَيْرُهُ أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي أَخْذِ الشَّارِبِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ . انْتَهَى ( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ) بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ .

قَوْلُهُ : ( مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا ) أَيْ فَلَيْسَ مِنَ الْعَامِلِينَ بِسُنَّتِنَا ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى جَوَازِ قَصِّ الشَّارِبِ ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِّ مَا يُقَصُّ مِنْهُ وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى اسْتِئْصَالِهِ وَحَلْقِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : " احْفُوا وَانْهَكُوا " ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى مَنْعِ الْحَلْقِ وَالِاسْتِئْصَالِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَكَانَ يَرَى تَأْدِيبَ مَنْ حَلَقَهُ . وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : إِحْفَاءُ الشَّارِبِ مُثْلَةٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَقُصُّ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ . وَلَا يُحْفِيهِ مِنْ أَصْلِهِ ، قَالَ : وَأَمَّا رِوَايَةُ احْفُوا الشَّوَارِبَ فَمَعْنَاهَا احْفُوا مَا طَالَ عَنِ الشَّفَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ أَطْرَافُ الشَّفَةِ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، فَكَانَ مَذْهَبُهُمْ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَالشَّوَارِبِ أَنَّ الْإِحْفَاءَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ مَذْهَبَهُ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ .

قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَلَمْ أَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ شَيْئًا مَنْصُوصًا فِي هَذَا ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمِ الْمُزَنِيُّ ، وَالرَّبِيعُ كَانَا يُحْفِيَانِ شَوَارِبَهُمَا وَيَدُلُّ ذَلِكَ أَنَّهُمَا أَخَذَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ . وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : أَنَّهُ كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ إِحْفَاءً شَدِيدًا ، وَسَمِعْتُهُ يُسْأَلُ عَنِ السُّنَّةِ فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ فَقَالَ : يُحفى . وَقَالَ حَنْبَلٌ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَرَى لِلرَّجُلِ يَأْخُذُ شَارِبَهُ وَيُحْفِيهِ أَمْ كَيْفَ يَأْخُذُهُ ؟ قَالَ : إِنْ أَحْفَاهُ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ أَخَذَهُ قَصًّا فَلَا بَأْسَ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُغْنِي : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُحْفِيَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقُصَّهُ . وَقَدْ رَوَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْإِحْفَاءِ وَعَدَمِهِ . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ الْإِحْفَاءَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي أُسَيْدٍ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ إِحْفَاءَ الشَّوَارِبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعَيْنِ : عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ ، فَذَكَرَ مِنْهَا قَصَّ الشَّارِبِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْفِطْرَةَ خَمْسٌ وَذَكَرَ مِنْهَا قَصَّ الشَّارِبِ وَاحْتَجَّ الْمُحِفُّونَ بِأَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِالْإِحْفَاءِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ . انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْإِحْفَاءُ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ احْفُوا مَا طَالَ عَنِ الشَّفَتَيْنِ ، بَلِ الْإِحْفَاءُ الِاسْتِئْصَالُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالْكَشَّافِ وَسَائِرِ كُتُبِ اللُّغَةِ . قَالَ : وَرِوَايَةُ الْقَصِّ لَا تُنَافِيهِ لِأَنَّ الْقَصَّ قَدْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْفَاءِ وَقَدْ لَا يَكُونُ وَرِوَايَةُ الْإِحْفَاءِ مُعَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ : ( مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا ) . لَا يُعَارِضُ رِوَايَةَ الْإِحْفَاءِ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةً يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا ، وَلَوْ فُرِضَ التَّعَارُضُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكَانَتْ رِوَايَةُ الْإِحْفَاءِ أَرْجَحَ ; لِأَنَّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَخَذَ مِنْ شَارِبِ الْمُغِيرَةِ عَلَى سِوَاكِهِ قَالَ : وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَهُ إِحْفَاءٌ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعَهُ إِحْفَاءٌ مَمْنُوعَةٌ . وَهُوَ إِنْ صَحَّ كَمَا ذَكَرَ لَا يُعَارِضُ تِلْكَ الْأَقْوَالَ مِنْهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . وَذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِحْفَاءِ وَالْقَصِّ وَقَالَ : دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ وَلَا تَعَارُضَ ، فَإِنَّ الْقَصَّ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ وَالْإِحْفَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ فَيَتَخَيَّرُ فِيمَا شَاءَ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُرَجِّحُ قَوْلَ الطَّبَرِيِّ ثُبُوتُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ .

قُلْتُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ هُوَ الظَّاهِرُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّوْكَانِيِّ : وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعَهُ إِحْفَاءٌ مَمْنُوعَةٌ إِلَخْ ، فَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ مَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مَعَهُ إِحْفَاءٌ . قَالَ الْحَافِظُ : بَعْدَ نَقْلِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ

[4/11]

عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : ضِفْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ مَا لَفْظُهُ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ عَلَى سِوَاكٍ ; فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ وَضَعَ سِوَاكًا عِنْدَ الشَّفَةِ تَحْتَ الشَّعْرِ وَأَخَذَ الشَّعْرَ بِالْمِقَصِّ ، قِيلَ : الْمَعْنَى قَصَّهُ عَلَى أَثَرِ سِوَاكٍ أَيْ بَعْدَ مَا تَسَوَّكَ ، ويُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ : فَوَضَعَ السِّوَاكَ تَحْتَ الشَّارِبِ وَقَصَّ عَلَيْهِ . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَبْصَرَ رَجُلًا وَشَارِبُهُ طَوِيلٌ ، فَقَالَ : ائْتُونِي بِمِقَصٍّ وَسِوَاكٍ ، فَجَعَلَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِهِ ، ثُمَّ أَخَذَ مَا جَاوَزَهُ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالضِّيَاءُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث