بَاب مَا جَاءَ فِي إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ
2763 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
باب ما جاء في إعفاء اللحية
قَوْلُهُ : ( أحْفُوا الشَّوَارِبَ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ ثُلَاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا مِنَ الْإِحْفَاءِ أَوِ الْحَفْوِ ، وَالْمُرَادُ الْإِزَالَةُ قَالَهُ الْحَافِظُ . قُلْتُ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ ثُلَاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا ، ثُلَاثِيًّا مُجَرَّدًا وَثُلَاثِيًّا مَزِيدًا فِيهِ . وَالشَّوَارِبُ جَمْعُ الشَّارِبِ وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطًا فِي بَابِ قَصِّ الشَّارِبِ ( وَأعْفُوا اللِّحَى ) مِنَ الْإِعْفَاءِ وَهُوَ التَّرْكُ ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ خَمْسُ رِوَايَاتٍ أعْفُوا وَأَوْفُوا وَأَرْخُوا وَارْجُوا وَوَفِّرُوا ، وَمَعْنَاهَا كُلُّهَا تَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا . قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ : يُقَالُ فِي جَمْعِ اللِّحْيَةِ لِحًى ، وَلُحًى بِكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ . قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ الطَّبَرِيُّ : ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَكَرِهُوا تَنَاوُلَ شَيْءٍ مِنَ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَمِنْ عَرْضِهَا ، وَقَالَ قَوْمٌ : إِذَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ يُؤْخَذُ الزَّائِدُ ، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَإِلَى عُمَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ فَعَلَهُ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ : كُنَّا نُعَفِّي السِّبَالَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَقَوْلُهُ نُعَفِّي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ نَتْرُكُهُ وَافِرًا ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّ السِّبَالَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ سَبَلَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ : وَهِيَ مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ اللِّحْيَةِ ، فَأَشَارَ جَابِرٌ إِلَى أَنَّهُمْ يُقَصِّرُونَ مِنْهَا فِي النُّسُكِ . ثُمَّ حَكَى الطَّبَرِيُّ اخْتِلَافًا فِيمَا يُؤْخَذُ مِنَ اللِّحْيَةِ هَلْ لَهُ حَدٌّ أَمْ لَا ، فَأَسْنَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَخْذِ الَّذِي يَزِيدُ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ الْكَفِّ . وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا مَا لَمْ يَفْحُشْ ، وَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ ، قَالَ وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ النَّهْيَ عَلَى مَنْعِ مَا كَانَتِ الْأَعَاجِمُ تَفْعَلُهُ مِنْ قَصِّهَا وَتَخْفِيفِهَا ، قَالَ : وَكَرِهَ آخَرُونَ التَّعَرُّضَ لَهَا إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَأَسْنَدَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ وَاخْتَارَ قَوْلَ عَطَاءٍ وَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَوْ تَرَكَ لِحْيَتَهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهَا حَتَّى أَفْحَشَ طُولُهَا وَعَرْضُهَا ، لَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَنْ يَسْخَرُ بِهِ . وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا . انْتَهَى . ثُمَّ تَكَلَّمَ الْحَافِظُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ عِيَاضٌ : يُكْرَهُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ وَقَصُّهَا وَتَحْذِيفُهَا ، وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا إِذَا عَظُمَتْ فَحَسَنٌ ، بَلْ تُكْرَهُ الشُّهْرَةُ فِي تَعْظِيمِهَا كَمَا يُكْرَهُ فِي تَقْصِيرِهَا كَذَا قَالَ . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْخَبَرِ فِي الْأَمْرِ بِتَوْفِيرِهَا ، قَالَ : وَالْمُخْتَارُ تَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهَا بِتَقْصِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَكَانَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ النُّسُكِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِيهِ .
قُلْتُ : لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ لَكَانَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعَطَاءٍ أَحْسَنَ الْأَقْوَالِ وَأَعْدَلَهَا ، لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ يُؤْخَذُ الزَّائِدُ ، وَاسْتَدَلَّ بِآثَارِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْإِعْفَاءِ الْمَرْفُوعَةِ الصَّحِيحَةِ تَنْفِي هَذِهِ الْآثَارَ .
فَهَذِهِ الْآثَارُ لَا تَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الصَّحِيحَةِ ، فَأَسْلَمُ الْأَقْوَالِ هُوَ قَوْلُ مِنْ قَالَ بِظَاهِرِ أَحَادِيثِ الْإِعْفَاءِ وَكَرِهَ أَنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِنْ طُولِ اللِّحْيَةِ وَعَرْضِهَا ، واللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
اعْلَمْ أَنَّ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ . قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى نَافِعٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِقْدَارُ الْمَأْخُوذِ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ فِي
النُّسُكِ فَحَلَقَ رَأْسَهُ كُلَّهُ وَقَصَّرَ مِنْ لِحْيَتِهِ لِيَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ وَخَصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ : " وَفِّرُوا اللِّحَى " . فَحَمَلَهُ عَلَى حَالَةٍ غَيْرِ حَالَةِ النُّسُكِ . قَالَ الْحَافِظُ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَخُصُّ هَذَا التَّخْصِيصَ بِالنُّسُكِ بَلْ كَانَ يَحْمِلُ الْأَمْرَ بِالْإِعْفَاءِ عَلَى غَيْرِ الْحَالَةِ الَّتِي تَتَشَوَّهُ فِيهَا الصُّورَةُ بِإِفْرَاطِ طُولِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ أَوْ عَرْضِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الدِّرَايَةِ : قَوْلُهُ إِنَّ الْمَسْنُونَ فِي اللِّحْيَةِ أَنْ تَكُونَ قَدْرَ الْقَبْضَةِ ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ : رَأَيْتَ ابْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ لِيَقْطَعَ مَا زَادَ عَلَى الْكَفِّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : ( أحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأعْفُوا اللِّحَى ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : " خُذُوا الشَّوَارِبَ وَأعْفُوا اللِّحَى " . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ أَوْ مَا قَارَبَهُ ، بِخِلَافِ الْأَخْذِ الْمَذْكُورِ . وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ . انْتَهَى .
قُلْتُ : فِي هَذَا الْجَمْعِ نَظَرٌ كَمَا لَا يَخْفَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .