بَاب مَا جَاءَ فِي الشُّؤْمِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الشُّؤْمِ
2825 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ وَالدَّابَّةِ .
هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ عَنْ حَمْزَةَ ، وإِنَّمَا يَقُولُونَ : عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَكَذَا رَوَى لَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المخزومي ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَمْزَةَ ، وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَصَحُّ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيَّ رَوَيَا عَنْ سُفْيَانَ ، ولَمْ يَرْوِ لَنَا الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى مَالِكٌ بن أنس هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ : عَنْ سَالِمٍ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِمَا . وَفِي الْبَاب عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالْمَسْكَنِ .
باب ما جاء في الشؤم
قَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِمٍ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) حَمْزَةُ هَذَا هُوَ شَقِيقُ سَالِمٍ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ .
قَوْلُهُ : ( الشُّؤْمُ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ ، وَقَدْ تُسَهَّلُ فَتَصِيرُ وَاوًا ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْوَاوُ فِي الشُّؤْمِ هَمْزَةٌ ، وَلَكِنَّهَا خُفِّفَتْ فَصَارَتْ وَاوًا ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ حَتَّى لَمْ يُنْطَقْ بِهَا مَهْمُوزَةً ، وَلِذَلِكَ أَثْبَتْنَاهَا هَاهُنَا ، وَالشُّؤْمُ ضِدُّ الْيُمْنِ ، يُقَالُ : تَشَاءَمْتَ بِالشَّيْءِ ، وَتَيَمَّنْتَ بِهِ ، ( فِي ثَلَاثَةٍ ) أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ( فِي الْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ وَالدَّابَّةِ ) بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ : هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَإنَّ الدَّارَ قَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى سُكْنَاهَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ أَوِ الْهَلَاكِ ، وَكَذَا اتِّخَاذُ الْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوِ الْفَرَسِ أَوِ الْخَادِمِ قَدْ يَحْصُلُ الْهَلَاكُ عِنْدَهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَعْنَاهُ : قَدْ يَحْصُلُ الشُّؤْمُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ : " إِنْ يَكُنِ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ " . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَثِيرُونَ : هُوَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الطِّيَرَةِ ؛ أَيِ الطِّيَرَةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا ، أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا ، أَوْ فَرَسٌ أَوْ خَادِمٌ ، فَلْيُفَارِقِ الْجَمِيعَ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَطَلَاقُ الْمَرْأَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : شُؤْمُ الدَّارِ : ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا وَأَذَاهُمْ ، وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ : عَدَمُ وِلَادَتِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا وَتَعَرُّضُهَا لِلرِّيَبِ ، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ : أَنْ لَا يُغْزَى عَلَيْهَا ، وَقِيلَ : حِرَانُهَا وَغَلَاءُ ثَمَنِهَا ، وَشُؤْمُ الْخَادِمِ : سُوءُ خُلُقِهِ وَقِلَّةُ تَعَهُّدِهِ لِمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالشُّؤْمِ هَهُنَا عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ بِحَدِيثِ : " لَا طِيَرَةَ " عَلَى هَذَا ، فَأَجَابَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ : بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ مِنْ حَدِيثِ : ( لَا طِيَرَةَ ) أَيْ لَا طِيَرَةَ إِلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . ( وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَصَحُّ ) أَيْ رِوَايَةُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بِدُونِ ذِكْرِ حَمْزَةَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ بِذِكْرِ حَمْزَةَ مَعَ سَالِمٍ ( لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيَّ رَوَيَا عَنْ سُفْيَانَ ، وَلَمْ يَرْوِ لَنَا الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) يَعْنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيَّ رَوَيَا عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَرْوِ لَنَا الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ : لَمْ يَرْوِ الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ . انْتَهَى ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ ، عَنْ سُفْيَانَ إِنَّمَا تَحْفَظُهُ عَنْ سَالِمٍ . قَالَ الْحَافِظُ : لَكِنَّ هَذَا الْحَصْرَ مَرْدُودٌ ، فَقَدْ حَدَّثَ بِهِ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا ، وَمَالِكٌ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ نَفْسِهِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ ، وَهُوَ يَقْتَضِي رُجُوعَ سُفْيَانَ عَمَّا سَبَقَ مِنَ الْحَصْرِ ، وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَجَعَلَ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي عُمَرَ هَذِهِ مَرْجُوحَةً ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا أَيْضًا يُونُسُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الطِّبِّ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبُو أُوَيْسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ثَلَاثَتِهِمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كُلِّهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ ، عَنْ يُونُسَ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ مُقْتَصِرًا عَلَى حَمْزَةَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى سَالِمٍ . فَالظَّاهِرُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ يَجْمَعُهُمَا تَارَةً وَيُفْرِدُ أَحَدَهُمَا أُخْرَى . وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَالَ : عَنْ سَالِمٍ أَوْ حَمْزَةَ أَوْ كِلَاهُمَا ، وَلَهُ أَصْلٌ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَنَسٍ ) أَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ ، وَلَفْظُهُ : ( الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ ) ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا ، وَكَثِيرٌ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى ، فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا ، وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : ذَرُوهَا ذَمِيمَةً ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالسَّكَنِ ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَذَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : إِنْ فُرِضَ وُجُودُ الشُّؤْمِ يَكُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ نَفْيُ صِحَّةِ الشُّؤْمِ وَوُجُودُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ، فَلَا يُنَافِيهِ حِينَئِذٍ عُمُومُ نَفْيِ الطِّيَرَةِ فِي قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ " .
فَإِنْ قُلْتَ : فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ " إِلَخْ .
قُلْتُ : قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ ، مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : ( الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ ) إِلَخْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ الْآيَةَ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ نَفْيُ التَّطَيُّرِ ، ثُمَّ إِثْبَاتُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَلَفْظُهُ : " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ " وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ " .
وَمِنْهَا مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ومَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَذْهَبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي التَّطَيُّرِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ يَكْرَهُ سَيْرَهُ فَلْيُفَارِقْهُ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشُّؤْمِ فِي قَوْلِهِ : " الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ " مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْ شُؤْمِ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِوَارِهَا ، وَمِنْ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلِدَ
وَأَنْ تَحْمِلَ لِسَانَهَا عَلَيْك ، وَمِنْ شُؤْمِ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغْزَى عَلَيْهِ ، وَقِيلَ حِرَانُهَا وَغَلَاءُ ثَمَنِهَا ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا : مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ : الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ : الْمَرْأَةُ السُّوءُ ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ : الْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ : وثَلَاثَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ الْمَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوؤُكَ وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْك . وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا ، فَإِنْ ضَرَبْتَهَا أَتْعَبَتْكَ ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تَلْحَقْ أَصْحَابَك ، وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ الْمَرَافِقِ .