بَاب ما جاء مَا يُكْرَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ
2838 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْمَكِّيُّ ، نَا سُفْيَانُ بن عيينة ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِك الْأَمْلَاكِ ، قَالَ سُفْيَانُ ، شَاهَانْ شَاهْ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَخْنَعُ يَعْنِي : أَقْبَحُ .
قَوْلُهُ : ( أَخْنَعُ اسْمٍ ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الْخُنُوعِ ، وَهُوَ الذُّلُّ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : أَخْنَعُ : أَذَلُّ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : سَأَلْتَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَعْنِي إِسْحَاقَ اللُّغَوِيَّ عَنْ " أَخْنَعُ " فَقَالَ : أَوْضَعُ . قَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ أنه أَشَدُّ الْأَسْمَاءِ صَغَارًا ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْخَانِعُ الذَّلِيلُ ، وَخَنَعَ الرَّجُلُ ذَلَّ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَإِذَا كَانَ الِاسْمُ أَذَلَّ الْأَسْمَاءِ كَانَ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَشَدَّ ذُلًّا . وَقَدْ فَسَّرَ الْخَلِيلُ أَخْنَعَ : بِأَفْجَرَ ؛ فَقَالَ : الْخَنْعُ الْفُجُورُ ، يُقَالُ : أَخْنَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْمَرْأَةِ : إِذَا دَعَاهَا لِلْفُجُورِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ بِأَقْبَحَ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِالْمَعْنَى اللَّازِمِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : " أَخْنَى الْأَسْمَاءِ " وَهُوَ مِنَ الْخَنَا ، بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مَقْصُورٌ ، وَهُوَ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَخْنَى عَلَيْهِ الدَّهْرُ ، أَيْ : أَهْلَكَهُ . وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ : " أَخْبَثُ " بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ ، وَبِلَفْظِ : " أَغْيَظُ " وَهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ( تُسَمَّى ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ مِنَ التَّسَمِّي ؛ أَيْ سَمَّى نَفْسَهُ ، أَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ ، فَرَضِيَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ ( مَلِك الْأَمْلَاكِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ مَلِكٍ ، وَالْأَمْلَاكُ جَمْعُ مِلْكٍ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ وَجَمْعُ مَلِيكٍ ( قَالَ سُفْيَانُ : شاهان شاه ) وَقَدْ تَعَجَّبَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ تَفْسِيرِ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ اللَّفْظَةَ الْعَرَبِيَّةَ بِاللَّفْظَةِ الْعَجَمِيَّةِ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ ، وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْهُم عَنْ مُرَادِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ شاهان شاه كَانَ قَدْ كَثُرَ التَّسْمِيَةُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ، فَنَبَّهَ سُفْيَانُ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَمِّهِ لَا يَنْحَصِرُ فِي مَلِكِ الْأَمْلَاكِ ، بَلْ كُلُّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ فَهُوَ مُرَادٌ بِالذَّمِّ .
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ شاه شاهان وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْعَجَمِ تَقْدِيمُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ ، فَإِذَا أَرَادُوا قَاضِي الْقُضَاةِ بِلِسَانِهِمْ ، قَالُوا موبذان موبذ ، فموبذ هُوَ الْقَاضِي ، وموبذان جَمْعُهُ ، فَكَذَا شاه هُوَ الْمَلِكُ ، وشاهان هُوَ الْمُلُوكُ .
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِهَذَا الِاسْمِ لِوُرُودِ الْوَعيدِ الشَّدِيدِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ خَالِقِ الْخَلْقِ ، وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، وَسُلْطَانُ السَّلَاطِينِ ، وَأَمِيرُ الْأُمَرَاءِ ، وَقِيلَ : يَلْتَحِقُ بِهِ أَيْضًا مَنْ تَسَمَّى بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوسِ وَالْجَبَّارِ ، وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ تَسَمَّى قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَوْ حَاكِمَ الْحُكَّامِ ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَذَكَرَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، فَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعْهُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ .