بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْيَتِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، نَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ ، ثَنِي مُنْذِرٌ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ وهو ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ أُسَمِّيهِ مُحَمَّدًا وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكَانَتْ رُخْصَةً لِي ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( ثَنِي مُنْذِرُ ) بْنُ يَعْلَى الثَّوْرِيُّ بِالْمُثَلَّثَةِ ، أَبُو يَعْلَى الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَوْلُهُ : ( أَرَأَيْتَ ) أَيْ أَخْبِرْنِي ( إِنْ وُلِدَ لِي ) أَيْ وَلَدٌ ( بَعْدَكَ ) أَيْ بَعْدَ وَفَاتِكَ ( قَالَ : نَعَمْ ) فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَانِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعْدَهُ لِرَفْعِ الِالْتِبَاسِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ قَالَهُ الْقَارِي .
قُلْتُ : وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَا عَرَفْتَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا نَظَرٌ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَكَانَتْ رُخْصَةً لِي ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَوَازَ كَانَ خَاصًّا لَهُ ، فَالْأَحْوَطُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ لِأَحَدٍ أَصْلًا ، سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَوْ أَحْمَدَ أَمْ لَمْ يَكُنْ ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ . وَصَوَّبَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ ؛ حَيْثُ قَالَ : وَالصَّوَابُ أَنَّ التَّسَمِّيَ بِاسْمِهِ جَائِزٌ ، وَالتَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، وَالْمَنْعُ فِي حَيَاتِهِ أَشَدُّ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ غَرِيبٌ لَا يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِيهِ نَوْعُ تَسَاهُلٍ فِي التَّصْحِيحِ ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ : إِنَّهَا رُخْصَةٌ لَهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبْقَاءِ الْمَنْعِ لِمَنْ سِوَاهُ .
انْتَهَى . قُلْتُ : أَرَادَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهَا قَالَتْ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَلَدْتَ غُلَامًا فَسَمَّيْته مُحَمَّدًا ، وَكَنَّيْته أَبَا الْقَاسِمِ فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي ، أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي ؟ وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْحَجَبِيُّ . ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ الْحَجَبِيَّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ مَجْهُولٌ .
انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ بِأَنَّ فِي صِحَّةِ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَظَرٌ فَلَا وَجْهَ لِلنَّظَرِ ; لِأَنَّ رِجَالَهُ كُلَّهُمْ ثِقَاتٌ وَسَنَدُهُ مُتَّصِلٌ .