حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ مَثَلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ

بَاب مَا جَاءَ مَثَلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ

2865 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ الْحَارِثَ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا ، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا ، قَالَ عِيسَى : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا ، وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا ، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ ، وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ ، فَقَالَ يَحْيَى : أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلَأَ ، وقعدوا عَلَى الشُّرَفِ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ : أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ ، فَقَالَ : هَذِهِ دَارِي ، وَهَذَا عَمَلِي ، فَاعْمَلْ ، وَأَدِّ إِلَيَّ ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ ؟ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ، وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا ، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ ، فَقَالَ : أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ ، وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ : السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ، وَالْجِهَادُ وَالْهِجْرَةُ ، وَالْجَمَاعَةُ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يراجع ، وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثى جَهَنَّمَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ ، فقَالَ : وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ ، فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : الْحَارِثُ الْأَشْعَرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَلَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ ، عَنْ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو سَلَّامٍ اسْمُهُ مَمْطُورٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ .

باب ما جاء مثل الصلاة والصيام والصدقة

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ( نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ الْمِنْقَرِيُّ ( نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ) هُوَ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ ( نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ) هُوَ الطَّائِيُّ ( عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ) بْنِ أَبِي سَلَّامٍ مَمْطُورٍ الْحَبَشِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ ، ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ فِي الْمُغْنِي : الْحَبَشِيُّ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَمُعْجَمَةٍ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَبَشِ ، أَيِ الْجَبَلِ الْأَسْوَدِ وَإِلَى حَبَشٍ حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ ، مِنْهُمْ أَبُو سَلَّامٍ مَمْطُورٌ الْأَعْرَجُ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ الْأَصِيلِيُّ : الْحُبْشِيُّ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ . انْتَهَى ( أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَاسْمُهُ مَمْطُورٌ هُوَ جَدُّ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ( أَنَّ الْحَارِثَ الْأَشْعَرِيَّ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيُّ الشَّامِيُّ صَحَابِيٌّ ، يُكَنَّى أَبَا مَالِكٍ ، تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ أَبُو سَلَّامٍ ، وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ اثْنَانِ غَيْرُ هَذَا .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ) أَيْ أَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ( وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا ) مِنَ الْإِبْطَاءِ وَهُوَ ضِدُّ الْإِسْرَاعِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : " فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهِنَّ " " فَقَالَ يَحْيَى : أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا إِلَخْ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : فَقَالَ : يَا أَخِي لَا تَفْعَلْ ؛ فَإِنِّي أَخَافُ إِنْ سَبَقْتَنِي بِهِنَّ إِلَخْ ( فَجَمَعَ النَّاسَ ) أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ( فَامْتَلَأَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ ( وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ ) بِضَمِّ الشِّينِ

[4/38]

الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ شُرْفَةٍ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : شُرْفَةُ الْقَصْرِ بِالضَّمِّ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ شُرَفٌ . وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : شُرْفَةٌ بِالضَّمِّ كَنُكْرَةٍ ( فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ( فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : فَإِنَّ اللَّهَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ إِلَى وَجْهِ عَبْدِهِ ( فِي عِصَابَةٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ جَمَاعَةٍ ( مَعَهُ صُرَّةٌ ) بِضَمِّ الصَّادِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ .

قَالَ فِي الْقَامُوسِ : هِيَ شَرْحُ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا ( فَكُلُّهُمْ يُعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا ) " أَوْ " لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ كُلُّهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَجِدَ رِيحَهَا ( أَنَا أَفْدِيهِ ) مِنَ الْفِدَاءِ ، وَهُوَ فِكَاكُ الْأَسِيرِ أَيْ أَفُكُّ عُنُقِي ( بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ) أَيْ بِجَمِيعِ مَالِي ( خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : خَرَجَ فِي أَثَرِهِ وَإِثْرِهِ أَيْ بَعْدَهُ ( سِرَاعًا ) بِكَسْرِ السِّينِ حَالٌ مِنَ الْعَدُوِّ أَيْ مُسْرِعِينَ ( حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ ) الْحِصْنُ بِالْكَسْرِ : كُلُّ مَكَانٍ مَحْمِيٍّ مَنِيعٍ لَا يُوصَلُ إِلَى جَوْفِهِ ، وَالْحَصِينُ مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمَنِيعُ ، يُقَالُ : دِرْعٌ حَصِينٌ : أَيْ مُحْكَمَةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ لِلْمُبَالَغَةِ ( فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ ) أَيْ حَفِظَهَا مِنْهُمْ ( السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ) أَيْ لِلْأَمِيرِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ ( وَالْجِهَادُ ) أَيْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ ( وَالْهِجْرَةُ ) أَيِ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَمِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْ دَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى دَارِ السُّنَّةِ ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ ، لِقَوْلِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ( وَالْجَمَاعَةُ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ ، أَيْ آمُرُكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ وَالِانْخِرَاطِ فِي زُمْرَتِهِمْ ( فَإِنَّهُ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : اسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرُهُ ، وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِعُرَى الْجَمَاعَةِ ( قِيدَ شِبْرٍ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ، أَيْ : قَدْرَهُ ، وَأَصْلُهُ الْقَوَدُ مِنَ الْقَوَدِ ، وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْقِصَاصُ ، وَالْمَعْنَى : مَنْ فَارَقَ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ الْبِدْعَةِ ، وَنَزَعَ الْيَدَ عَنِ الطَّاعَةِ وَلَوْ كَانَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يُقَدَّرُ فِي الشَّاهِدِ بِقَدْرِ شِبْرٍ ( فَقَدْ خَلَعَ ) أَيْ نَزَعَ ( رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ عُرْوَةٌ فِي حَبْلٍ ، يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَهِيمَةِ أَوْ يَدِهَا ، تُمْسِكُهَا ، فَاسْتَعَارَهَا لِلْإِسْلَامِ ، يَعْنِي مَا شَدَّ الْمُسْلِمُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ ، أَيْ : حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمَعْنَى فَقَدْ نَبَذَ عَهْدَ اللَّهِ ، وَأَخْفَرَ ذِمَّتَهُ الَّتِي لَزِمَتْ أَعْنَاقَ الْعِبَادِ لُزُومَ الرِّبْقَةِ بِالْكَسْرِ ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الرِّبْقِ ، وَهُوَ حَبْلٌ فِيهِ عِدَّةُ عُرًى يُشَدُّ بِهِ الْبُهْمُ ، أَيْ أَوْلَادُ الضَّأْنِ ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْ تِلْكَ الْعُرَى رِبْقَةٌ ( وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : عَطْفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ مُفَسِّرَةً لِضَمِيرِ الشَّأْنِ ، لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْجَمَاعَةِ ، وَعَدَمَ الْخُرُوجِ عَنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْخُرُوجَ مِنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ هِجِّيرَى الْجَاهِلِيَّةِ ، كَمَا قَالَ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً . فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ بِسُنَنِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ ؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَيْهَا ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْ مَا قَالَ الْقَاضِي ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : الدَّعْوَى تُطْلَقُ عَلَى الدُّعَاءِ ، وَهُوَ النِّدَاءُ ، وَالْمَعْنَى : مَنْ نَادَى فِي الْإِسْلَامِ بِنِدَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ خَصْمُهُ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ قَوْمَهُ : يَا آلَ فُلَانٍ ، فَيَبْتَدِرُونَ إِلَى نَصْرِهِ ظَالِمًا كَانَ أَوْ مَظْلُومًا جَهْلًا مِنْهُمْ وَعَصَبِيَّةً .

وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ يَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ ( فَإِنَّهُ ) أَيِ الدَّاعِيَ الْمَذْكُورَ ( مِنْ جُثَى جَهَنَّمَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ : مَقْصُورٌ أَيْ مِنْ جَمَاعَاتِهَا ، جَمْعُ جَثَوَةٍ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمَجْمُوعَةُ ، وَرُوِيَ : مِنْ جُثِيِّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جَاثٍ ، مِنْ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَجْثُو ، وَيَجْثِي ، وَكَسْرُ الْجِيمِ جَائِزٌ لِمَا بَعْدَهَا مِنَ الْكِسْرَةِ ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ( وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ ) أَيْ وَلَوْ صَلَّى وَصَامَ .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِبَعْضِهِ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث