بَاب مَا جَاءَ مَثَلِ الْمُؤْمِنِ الْقَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقَارِئِ
بَاب مَا جَاءَ مَثَلِ الْمُؤْمِنِ الْقَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقَارِئِ
2866 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُنْجَةِ ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ ، رِيحُهَا طَيِّبٌ ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ ، رِيحُهَا مُرٌّ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا .
باب ما جاء مثل المؤمن القارئ للقرآن وغير القارئ
قَوْلُهُ : ( مَثَلُ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) عَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ لِإِفَادَةِ تَكْرِيرِهِ لَهَا ، وَمُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهَا حَتَّى صَارَتْ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ ، كَفُلَانٍ يَقْرِي الضَّيْفَ ، وَيَحْمِي الْحَرِيمَ وَيُعْطِي ، وَفِي رِوَايَةٍ : " يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ " ( كَمَثَلِ الْأُتْرُنْجَةِ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ ، وَبِتَخْفِيفِ الْجِيمِ ، وَفِيهِ لُغَاتٌ ؛ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْأُتْرُجُّ وَالْأُتْرُجَّةُ وَالتُّرُنْجَةُ وَالتُّرُنْجُ مَعْرُوفٌ ، وَهِيَ أَحْسَنُ الثِّمَارِ الشَّجَرِيَّةِ ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ الْعَرَبِ . انْتَهَى . وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ بِالْأُتْرُنْجَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مَا يُوجَدُ مِنَ الثِّمَارِ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ ، وَأَجْدَى لِأَسْبَابِ كَثِيرَةٍ جَامِعَةٍ لِلصِّفَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهَا وَالْخَوَاصِّ الْمَوْجُودَةِ فِيهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ كُبْرُ جِرْمِهَا ، وَحُسْنُ مَنْظَرِهَا ، وَطِيبُ مَطْعَمِهَا ، وَلِينُ مَلْمَسِهَا ، تَأْخُذُ الْأَبْصَارَ صِبْغَةً وَلَوْنًا ، فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ، تَتُوقُ إِلَيْهَا النَّفْسُ قَبْلَ التَّنَاوُلِ ، تُفِيدُ آكِلَهَا بَعْدَ الِالْتِذَاذِ بِذَوْقِهَا ، طِيبَ نَكْهَةٍ وَدِبَاغَ مَعِدَةٍ ، وَهَضْمًا وَاشْتِرَاكَ الْحَوَاسِّ الْأَرْبَعِ : الْبَصَرُ وَالذَّوْقُ وَالشَّمُّ وَاللَّمْسُ فِي الِاحْتِظَاءِ بِهَا ( وَمَثَلُ الْمُؤْمِنَ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) أَيْ " وَيَعْمَلُ بِهِ " كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : التَّمْثِيلُ فِي الْحَقِيقَةِ وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ صِرْفٍ ، لَا يُبْرِزُهُ عَنْ مكنونِهِ إِلَّا تَصْوِيرُهُ بِالْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ ، ثُمَّ إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ تَأْثِيرٌ فِي بَاطِنِ الْعَبْدِ وَظَاهِرِهِ ، وَإِنَّ الْعِبَادَ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ النَّصِيبُ الْأَوْفَرُ مِنْ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْقَارِئُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ أَلْبَتَّةَ ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَثَّرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ ، وَهُوَ الْمُرَائِي أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَؤُهُ ، وَإِبْرَازُ هَذِهِ الْمَعَانِي وَتَصْوِيرُهَا إِلَى الْمَحْسُوسَاتِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوَافِقُهَا وَيُلَائِمُهَا أَقْرَبُ وَلَا أَحْسَنُ وَلَا أَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَاتِ وَالْمُشَبَّهَ بِهَا
وَارِدَةٌ عَلَى تَقْسِيمِ الْحَاصِلِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِمَّا مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ ، وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِقٌ صِرْفٌ أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ ، وَالْأَوَّلُ إِمَّا مُوَاظِبٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرُ مُوَاظِبٍ عَلَيْهَا ، وَعَلَى هَذَا فَقِسِ الْأَثْمَارَ الْمُشَبَّهَ بِهَا ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ فِي الْمَذْكُورَاتِ مُنْتَزَعٌ مِنْ أَمْرَيْنِ مَحْسُوسَيْنِ : طَعْمٌ وَرِيحٌ ، وَلَيْسَ بِمُفَرَّقٍ كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ :
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي
( كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ ) هِيَ كُلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرِّيحِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْمُومِ ( كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ ) الْحَنْظَلُ نَبَاتٌ يَمْتَدُّ عَلَى الْأَرْضِ كَالْبِطِّيخِ وَثَمَرُهُ يُشْبِهُ ثَمَرَ الْبِطِّيخِ ، لَكِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ جِدًّا ، وَيُضْرَبُ الْمَثَلُ بِمَرَارَتِهِ ، ( رِيحُهَا مُرٌّ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ : طَعْمُهَا مُرٌّ ، وَلَا رِيحَ لَهَا ، قَالَ الْعَيْنِيُّ : قِيلَ الَّذِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَحْسَنُ لِأَنَّ الرِّيحَ لَا طَعْمَ لَهُ ؛ إِذِ الْمَرَارَةُ عَرَضٌ وَالرِّيحُ عَرَضٌ ، وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ بِالْعَرَضِ ، وَوُجِّهَ هَذَا بِأَنَّ رِيحَهَا لَمَّا كَانَ كَرِيها اسْتُعِيرَ لِلْكَرَاهَةِ لَفْظُ الْمَرَارَةِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْكَرَاهَةِ الْمُشْتَرَكَةِ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ .