بَاب مَا جَاءَ مَثَلِ الْمُؤْمِنِ الْقَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقَارِئِ
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ، نَا مَعْنٌ ، نا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا ، وَهِيَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ النَّخْلَةُ ، فَاسْتَحْيَيْتُ يعني أَنْ أَقُولَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ؛ فَحَدَّثْتُ عُمَرَ بِالَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ : لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ) الْأَنْصَارِيُّ ( نا مَعْنٌ ) هُوَ ابْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ ، ( نا مَالِكٌ ) إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ : قَالَ : صَحِبْتَ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ ، فَقَالَ : ( إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ ) ، وَلَهُ عَنْهُ فِي الْبُيُوعِ : كُنْتَ عِنْدَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا . لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا ، وَهِيَ مِثْلُ الْمُؤْمِنِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ ، وَهُمَا بِمَعْنًى ، قَالَ الْجَوْهَرِ ؛ مِثْلُهُ وَمَثَلُهُ كَلِمَةُ تَسْوِيَةٍ كَمَا يُقَالُ : شِبْهُهُ وَشَبَهُهُ بِمَعْنًى ، قَالَ : وَالْمَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا مَا يُضْرَبُ مِنَ الْأَمْثَالِ .
انْتَهَى . وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ النَّخْلَةِ وَالْمُؤْمِنِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ سُقُوطِ الْوَرَقِ ، مَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : هِيَ النَّخْلَةُ لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ ، وَلَا تَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارٍ ، فَقَالَ : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ .
وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَبَرَكَةُ النَّخْلِ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا ، مُسْتَمِرَّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا ، فَمِنْ حِينِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا ، حَتَّى النَّوَى فِي عَلَفِ الدَّوَابِّ ، وَاللِّيفُ فِي الْحِبَالِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى ، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ الْمُؤْمِنِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، وَنَفْعُهُ مُسْتَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ ( حَدِّثُونِي ) أَيْ أَخْبِرُونِي ( فَوَقَعَ النَّاسُ ) أَيْ ذَهَبَتْ أَفْكَارُهُمْ فِي أَشْجَارِ الْبَادِيَةِ ، فَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ يُفَسِّرُهَا بِنَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ ، وَذَهِلُوا عَنِ النَّخْلَةِ ، يُقَالُ : وَقَعَ الطَّائِرُ عَلَى الشَّجَرَةِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا ، ( وَوَقَعَ فِي نَفْسِي ) بَيَّنَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجْهَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَظَنَنْتَ أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَجْلِ الْجُمَّارِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُلْغَز لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَطَّنَ لِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ السُّؤَالِ ، وَأَنَّ الْمُلْغِزَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي التَّعْمِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَجْعَلُ لِلْمُلْغَزِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ ، بَلْ كُلَّمَا قَرَّبَهُ كَانَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ ( فَاسْتَحْيَيْتَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ : فَأَرَدْتَ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ ، ( أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا ) زَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : أَحْسَبُهُ قَالَ : حُمْرُ النَّعَمِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ امْتِحَانُ الْعَالِمِ أَذْهَانَ الطَّلَبَةِ بِمَا لَا يَخْفَى مَعَ بَيَانِهِ لَهُمْ إِنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَدُ رُوَاتِهِ : هِيَ صِعَابُ الْمَسَائِلِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، أَوْ مَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ تَعَنُّتِ الْمَسْئُولِ ، أَوْ تَعْجِيزِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ مُخْتَصَرٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْرَدَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ لَفْظِهِ : مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ .