بَاب مَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ
بَاب مَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ
2898 - ، حَدَّثَنَا بندار نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا زَائِدَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ امْرَأَةِ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ مَنْ قَرَأَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَقَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مَسْعُودٍ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَحْسَنَ مِنْ رِوَايَةِ زَائِدَة وَتَابَعَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ إِسْرَائِيلُ ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الثِّقَاتِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَنْصُورٍ وَاضْطَرَبُوا فِيهِ .
باب ما جاء في سورة الإخلاص
قَوْلُهُ : ( نا زَائِدَةُ ) هُوَ ابْنُ قُدَامَةَ ( عَنْ مَنْصُورٍ ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ) هُوَ الْأَوْدِيُّ ( عَنِ امْرَأَةِ أَبِي أَيُّوبَ ) هِيَ أُمُّ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ ( عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ) الْأَنْصَارِيُّ ، اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ .
قَوْلُهُ : ( أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ) وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَزَادَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَسَأَلُوا أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ( مَنْ قَرَأَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، اللَّهُ الصَّمَدُ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمَذْكُورِ فَقَالَ ( اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ يَقْرَأُ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾فَهِيَ ثُلُثُ الْقُرْآنِ " فَكَأَنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِالْمَعْنَى ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى السُّورَةَ بِهَذَا الِاسْمِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ بِغَيْرِ " قُلْ " فِي أَوَّلِهَا ، ( فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوبَ : ( فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فَقَالَ ( اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ ) كَمَا عَرَفْتَ . قَالَ الْحَافِظُ : حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : هِيَ ثُلُثٌ بِاعْتِبَارِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ وَتَوْحِيدٌ . وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هِيَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَكَانَتْ ثُلُثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : جَزَّأَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ ؛ وَهُمَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِّيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ ، فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمَامِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ ثُلُثًا . انْتَهَى . وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ : مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلُ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، وَقِيلَ : مِثْلُهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ . وَهِيَ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَيُؤَيِّدُ الْإِطْلَاقَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَخِيرِ وَقَالَ فِيهِ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ " . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ احْشُدُوا فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، فَخَرَجَ فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ثُمَّ قَالَ : أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ " . وَلِأَبِي عُبَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَإِذَا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهَلْ ذَلِكَ لِثُلُثٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِأَيِّ ثُلُثٍ فُرِضَ مِنْهُ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، وَيَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كَانَ كَمَنْ قَرَأَ خَتْمَةً كَامِلَةً ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، يَخْتَصُّ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهَا فِي لَيْلَتِهِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَرْدِيدٍ .
قَالَ الْقَابِسِيُّ : وَلَعَلَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَرَى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ غَيْرَهَا فَلِذَلِكَ اسْتَقَلَّ عَمَلُهُ ، فَقَالَ لَهُ الشَّارِعُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَإِنْ قَلَّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ .
قُلْتُ : حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْمَذْكُورُ بِلَفْظِ : مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ قِرَاءَةَ سُورَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾تَعْدِلُ قِرَاءَةَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ " يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ قِرَاءَتَهَا تَعْدِلُ قِرَاءَةَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ وَيَحْصُلُ لِقَارِئِهَا ثَوَابُ قِرَاءَةِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ ، فَالرِّوَايَاتُ بَعْضُهَا يُفَسِّرُ بَعْضًا ، هَذَا مَا عِنْدِي واللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي سَعِيدِ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ قَالُوا : وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدِيثُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فَأَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ مَرْفُوعًا : مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾عَشِيَّةَ عَرَفَةَ أَلْفَ مَرَّةٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَرْغِيبِهِ وَنَقَلَ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ .