وَمِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ
3032 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، نَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قال : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ سَمِعَ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : إِنَّا أَعْمَيَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَهَلْ لَنَا رُخْصَةٌ ، فَنَزَلَتْ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ ، عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِقْسَمٌ ، يُقَالُ : مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَيُقَالُ : مَوْلَى عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ ، وَمقسم يكنى أَبُا الْقَاسِمِ .
قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ ، بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ، ( سَمِعَ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَيُقَالُ لَهُ : مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِلُزُومِهِ لَهُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ ) هَذَا تَفْسِيرٌ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : الْقَاعِدُونَ ، الْقَاعِدُونَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : الْمُجَاهِدُونَ الْخَارِجُونَ إِلَى غَزْوَةِ بَدْرٍ ، وَلَكِنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ ، ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : قَوْلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ : قِيلَ : أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ هُوَ أَخُو أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ ، وَاسْمُ أَبِي أَحْمَدَ عَبْدٌ بِدُونِ إِضَافَةٍ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَأَيْضًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ لَهُ عُذْرًا إِنَّمَا الْمَعْذُورُ أَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ابْنُ جَحْشٍ ، وَلَيْسَ بِالْأَسَدِيِّ ، وَكَانَ أَعْمَى ، وَأَنَّهُ جَاءَ هُوَ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَذَكَرَا رَغْبَتَهُمَا فِي الْجِهَادِ مَعَ ضَرَرِهِمَا ، فَنَزَلَتْ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَجَعَلَ لَهُمَا مِنَ الْأَجْرِ مَا لِلْمُجَاهِدِينَ . انْتَهَى .
اعلم أَنَّ الْحَافِظَ قَدْ نَقَلَ فِي الْفَتْحِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا عَنِ التِّرْمِذِيِّ بِتَمَامِهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ سِيَاقًا وَاحِدًا ، وَمِنْ قَوْلِهِ : دَرَجَةً إِلَخْ ، مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جُرَيْجٍ بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ : دَرَجَةً ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي ابْنِ جَحْشٍ ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخُوهُ ، وَأَمَّا هُوَ فَاسْمُهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ، دَرَجَاتٍ مِنْهُ قَالَ عَلِيٌّ : الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنَينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ . وَحَاصِلُ تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، أَمَّا أُولُو الضَّرَرِ فَمُلْحَقُونَ فِي الْفَضْلِ بِأَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ .
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا أَيْ مِنْ أُولِي الضَّرَرِ وَغَيْرِهِمْ .
وقوله : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ، دَرَجَاتٍ مِنْهُ أَيْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَنَسٍ ، وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنَ اسْتِوَاءِ أُولِي الضَّرَرِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ لِأَنَّهَا اسْتَثْنَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ ، فَأَفْهَمَتْ إِدْخَالَهُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ إِذ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَعَدَمِهِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِوَاؤُهُمْ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ لَا فِي الْمُضَاعَفَةِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَفِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْجِهَادِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ وَالنَّصْبِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمًى وَنَحْوِهِ ، وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ لِضَرَرٍ ، دَرَجَةً فَضِيلَةً لِاسْتِوَائِهِمَا فِي النِّيَّةِ وَزِيَادَةِ الْمُجَاهِدِ بِالْمُبَاشَرَةِ وَكُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى الْجَنَّةَ ، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ لِغَيْرِ ضَرَرٍ أَجْرًا عَظِيمًا ، وَيُبْدَلُ مِنْهُ دَرَجَاتٍ مِنْهُ مَنَازِلَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ الْكَرَامَةِ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً مَنْصُوبَتَانِ بِفِعْلِهِمَا الْمُقَدَّرِ ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا لِأَوْلِيَائِهِ ، رَحِيمًا بِأَهْلِ طَاعَتِهِ . انْتَهَى .
قَالَ فِي الْكَمَالَيْنِ : فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا إِلَخْ ، فِيمَنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَالَّذِي قَبْلَهُ فِيمَنْ قَعَدَ بِعُذْرٍ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَيْنِ كِلَيْهِمَا فِيمَنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ وَأَوْجَبَ فِي الْأَوَّلِ دَرَجَةً ، وَفِي الثَّانِي دَرَجَاتٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَجَةِ الظَّفْرُ وَالْغَنِيمَةُ ، وَالذِّكْرُ الْجَمِيلُ فِي الدُّنْيَا ، وَبِالدَّرَجَاتِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ . بَيَّنَتْ بِالْإِفْرَادِ فِي الْأَوَّلِ ، وَالْجَمْعِ فِي الثَّانِي ، لِأَنَّ ثَوَابَ الدُّنْيَا فِي جَنْبِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ يَسِيرٌ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ إِلَى قَوْلِهِ : وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ .