وَمِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ، نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، نَا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ ، قَال : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : أَبُوكَ فُلَانٌ ، قال : فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ ) بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ ( أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ) الْبَحْرَانِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ ، صَدُوقٌ مِنْ كِبَارِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ( أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسِ ) بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَجُلٌ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ : مَنْ أَبِي ( مَنْ أَبِي ) جُمْلَةٌ مِنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ مَقُولُ الْقَوْلِ . فَإِنْ قُلْتَ : لِمَ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : لِأَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ إِذَا لَاحَى أَحَدًا فَنَسَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى أَبِيهِ .
فَإِنْ قُلْتَ : مِنْ أَيْنَ عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ ابْنُهُ ؟ قُلْتُ : إِمَّا بِالْوَحْيِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ بِحُكْمِ الْفَرَاسَةِ ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ، لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِلَخْ ، قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا النَّهْيِ مَنْ كَرِهَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ . وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنَ الْغَافِلِينَ مَنْعَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا تَقَعُ الْمَسْأَلَةُ فِي جَوَابِهِ ، وَمَسَائِلُ النَّوَازِلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ، إِلَّا أَنَّهُ أَسَاءَ فِي قَوْلِهِ الْغَافِلِينَ عَلَى عَادَتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ : أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ ، وَلَيْسَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَيْءٍ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .