حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ ، ثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، نَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، نَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ ، قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ، فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ في هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ، قَالَ : لا بل أَجْرُ خَمْسِينَ رجلا مِنْكُمْ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( نَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ) الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأُرْدُنِّيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا مِنَ السَّادِسَةِ ( نَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ ) بِالْجِيمِ اللَّخْمِيُّ شَامِيٌّ مَقْبُولٌ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : يُقَالُ : إِنَّهُ عَمُّ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ لَهُ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ : ( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ) ، الْحَدِيثَ ( عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ ) الدِّمَشْقِيِّ اسْمُهُ يُحْمِدُ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَقِيلَ : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمِيمِ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّانِيَةِ .

قَوْلُهُ : ( فَقُلْتَ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، يَعْنِي مَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا تَقُولُ فِيهَا ، فَإِنَّ ظَاهِرَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِصْلَاحُ نَفْسِهِ ( أَمَا ) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ ( لَقَدْ سَأَلْتَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ ( خَبِيرًا ) أَيْ عَارِفًا وَعَالِمًا بِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ( سَأَلْتُ ) بِضَمِّ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ ( بَلِ ائْتَمَرُوا ) أَيِ امْتَثِلُوا ( بِالْمَعْرُوفِ ) أَيْ وَمِنْهُ الْأَمْرُ بِهِ ( وَتَنَاهَوْا ) أَيِ انْتَهُوا وَاجْتَنِبُوا ( عَنِ الْمُنْكَرِ ) وَمِنْهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ نَهْيِهِ أَوِ الِائْتِمَارِ بِمَعْنَى التَّآمُرِ ، كَالِاخْتِصَامِ بِمَعْنَى التَّخَاصُمِ ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّنَاهِي . وَالْمَعْنَى لِيَأْمُرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنْهَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ طَائِفَةً عَنِ الْمُنْكَرِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ ( بَلِ ائْتَمِرُوا ) إِضْرَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ ، أَيْ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقُلْتُ : أَمَا نَتْرُكُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا تَتْرُكُوا بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ إِلَخْ ( حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ ) أَيْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا .

وَالْمَعْنَى إِذَا عَلِمْتَ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ شُحًّا مُطَاعًا أَيْ بُخْلًا مُطَاعًا ، بِأَنْ أَطَاعَتْهُ نَفْسُكَ وَطَاوَعَهُ غَيْرُكَ . قَالَهُ الْقَارِي . وفي النِّهَايَةِ : هُوَ أَشَدُّ الْبُخْلِ ، وَقِيلَ : الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ ، وَقِيلَ : الْبُخْلُ فِي أَفْرَادِ الْأُمُورِ وَآحَادِهَا ، وَالشُّحُّ عَامٌّ ، وَقِيلَ : الْبُخْلُ بِالْمَالِ وَالشُّحُّ بِالْمَالِ وَبِالْمَعْرُوفِ ، ( وَهَوًى مُتَّبَعًا ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ، أَيْ وَهَوًى لِلنَّفْسِ مَتْبُوعًا .

وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا يَتَّبِعُ هَوَاهُ ( وَدُنْيَا ) بِالْقَصْرِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ وَالْجَاهِ فِي الدَّارِ الدَّنِيَّةِ ( مُؤْثَرَة ) أَيْ مُخْتَارَةً عَلَى أُمُورِ الدِّينِ ( وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِعْجَابُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ هُوَ وِجْدَانُ الشَّيْءِ حَسَنًا وَرُؤْيَتُهُ مُسْتَحْسَنًا بِحَيْثُ يَصِيرُ صَاحِبُهُ بِهِ مُعْجَبًا ، وَعَنْ قَبُولِ كَلَامِ الْغَيْرِ مُجَنَّبًا ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ( فَعَلَيْكَ نَفْسِكَ ) مَنْصُوبٌ وَقِيلَ : مَرْفُوعٌ ، أَيْ فَالْوَاجِبُ أَوْ فَيَجِبُ عَلَيْكَ حِفْظُهَا مِنَ الْمَعَاصِي . لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْإِغْرَاءِ بِمَعْنَى الْزَمْ خَاصَّةَ نَفْسِك - قَوْلُهُ : ( وَدَعِ الْعَوَامَّ ) أَيِ اتْرُكْ أَمْرَ عَامَّةِ النَّاسِ الْخَارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ الْخَوَاصِّ ، ( فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا ) أَيْ قُدَّامَكُمْ مِنَ الْأَزْمَانِ الْآتِيَةِ ، ( الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ) يَعْنِي يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِالصَّبْرِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كَمَشَقَّةِ الصَّابِرِ عَلَى قَبْضِ الْجَمْرِ بِيَدِهِ ، ( يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ) ، وفي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : ( يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ ) أَيْ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ ( قَالَ لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هَؤُلَاءِ فِي الْأَجْرِ عَلَى الصَّحَابَةِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ ، وَقَدْ جَاءَ أَمْثَالُ هَذَا أَحَادِيثُ أُخَرُ ، وَتَوْجِيهُهُ كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْفَضْلَ الْجُزْئِيَّ لَا يُنَافِي الْفَضْلَ الْكُلِّيَّ . وقد تَكَلَّمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ : يُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَةِ بَعْضٍ مِنْهُمْ أَوْ أَفْضَلَ وَمُخْتَارُ الْعُلَمَاءِ خِلَافُهُ .

انْتَهَى . وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : لَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ : أحْدَيهُمَا : أَنَّ الْأَعْمَالَ تَشْرُفُ بِثَمَرَاتِهَا ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْغَرِيبَ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ كَالْغَرِيبِ فِي أَوَّلِهِ وَبِالْعَكْسِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي ، يُرِيدُ الْمُنْفَرِدِينَ عَنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ . إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَقُولُ : الْإِنْفَاقُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ أَيْ مُدَّ الْحِنْطَةِ .

والسبب فِيهِ أَنَّ تِلْكَ النَّفَقَةِ أَثْمَرَتْ فِي فَتْحِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ مَا لَا يُثْمِرُ غَيْرُهَا ، وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ بِالنُّفُوسِ لَا يَصِلُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ إِلَى فَضْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِقِلَّةِ عَدَدِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقِلَّةِ أَنْصَارِهِمْ ، فَكَانَ جِهَادُهُمْ أَفْضَلَ ، وَلِأَنَّ بَذْلَ النَّفْسِ مَعَ النُّصْرَةِ وَرَجَاءَ الْحَيَاةِ لَيْسَ كَبَذْلِهَا مَعَ عَدَمِهَا ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَكُونُ الْقَابِضُ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ لَا يَسْتَطِيعُ دَوَامَ ذَلِكَ لِمَزِيدِ الْمَشَقَّةِ ، فَكَذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُ فِي حِفْظِ دِينِهِ ، وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمُعِينِ وَعَدَمِ الْمُنْكِرِ . فَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ الْحَدِيثُ . انْتَهَى ، كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث