وَمِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ
3059 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بَاذَانَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ قَالَ : بَرِئَ الناس مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيَّ بْنِ بَدَّاءٍ ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سهم ، يُقَالُ : لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ ، وَهُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ ، قَالَ تَمِيمٌ : فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ ، فَلَمَّا أتينَا إِلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا وَفَقَدُوا الْجَامَ ، فَسَأَلُونَا عَنْهُ ، فَقُلْنَا : مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا ، وَمَا دَفَعَ إِلَيْنَا غَيْرَهُ ، قَالَ تَمِيمٌ : فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمْ الْخَبَرَ وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يعُظم بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ فَحَلَفَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِلَى قَوْلِهِ : أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا فَنُزِعَتْ الْخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ ، وَأَبُو النَّضْرِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ يُكْنَى أَبَا النَّضْرِ ، وَقَدْ تَرَكَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ ، سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ سَّائِبِ الْكَلْبِيُّ يُكْنَى أَبَا النَّضْرِ وَلَا نَعْرِفُ لِسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ الْمَدَينِيِّ رِوَايَةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي النَّضْرِ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ بِشْرٍ الْكَلْبِيُّ الْكُوفِيُّ النَّسَّابَةُ الْمُفَسِّرُ ، مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ بَاذَانَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : بَاذَامَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ . وَيُقَالُ : آخِرُهُ نُونٌ ، أَبُو صَالِحٍ ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، ضَعِيفٌ مُدَلِّسٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ بَرِئَ النَّاسُ مِنْهَا ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، ( غَيْرِي وَغَيْرِ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءِ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ : أَنَّ عَدِيَّ بْنَ بَدَّاءٍ كَانَ أَخَا تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، لَكِنْ فِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ أَحَدُهُمَا تَمِيمٌ وَالْآخَرُ يَمَانِيٌّ . قَالَهُ الْحَافِظُ ( يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ ) أَي يَتَرَدَّدَانِ إِلَيْهِ لِلتِّجَارَةِ ، ( يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدِهِ فِي تَفْسِيرِهِ ( وَمَعَهُ جَامٌ ) بِالْجِيمِ وَتَخْفِيف الْمِيمِ : أَيْ إِنَاءٌ ( يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ ) أَيْ لِيَبِيعَهُ مِنْهُ ، ( وَهُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ مُعْظَمُ أَمْوَالِ تِجَارَتِهِ أَوْ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ . وَعُظْمُ الشَّيْءِ كِبَرُهُ ، ( فَمَرِضَ ) أَيْ بُدَيْلٌ السَّهْمِيُّ ( فَأَوْصَى
إِلَيْهِمَا ) أَيْ إِلَى تَمِيمٍ ، وَعَدِيٍّ .
وفي رِوَايَةٍ أَنَّ السَّهْمِيَّ الْمَذْكُورَ مَرِضَ ، فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ ثُمَّ أَوْصَى إِلَيْهِمَا ( أَنْ يُبَلِّغَا ) مِنَ الْإِبْلَاغِ ، أَيْ يُوَصِّلَا ( مَا تَرَكَ ) مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لِـ " يُبَلِّغَا " ( أَهْلَهُ ) مَفْعُولٌ ثَانٍ ( فَلَمَّا مَاتَ ) أَيْ بُدَيْلٌ ( وَفَقَدُوا الْجَامَ ) أَيْ فَقَدَ أَهْلُ بُدَيْلٍ الْجَامَ الْمَذْكُورَ وَلَمْ يَجِدُوهُ فِي مَتَاعِهِ ( تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ تَحَرَّجْتُ مِنْهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ تَأَثَّمَ فُلَانٌ : إِذَا فَعَلَ فِعْلًا خَرَجَ بِهِ مِنَ الْإِثْمِ ، كَمَا يُقَالُ تَحَرَّجَ إِذَا فَعَلَ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْحَرَجِ ( عِنْدَ صَاحِبِي ) أَيْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ ( فَأَتَوْا ) أَيْ أَهْلُ بُدَيْلٍ ( بِهِ ) أَيْ بِعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ ( فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ ) أَيْ طَلَبَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ أَهْلِ بُدَيْلٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ ( فَلَمْ يَجِدُوا ) أَيِ الْبَيِّنَةَ ( أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ ) أَيْ عَدِيًّا ( فَحَلَفَ ) أَيْ عَدِيٌّ .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِلَخِ الْآيَةُ بِتَمَامِهَا مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ارْتَفَعَ اثْنَانِ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ حِينَئِذٍ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ أَوْ فَاعِلُ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ عَلَى أَنَّ خَبَرَهَا مَحْذُوفٌ أَيْ فِيمَا نَزَّلَ عَلَيْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ بَيْنَكُمُ اثْنَانِ . وَأَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى الْبَيْنِ تَوَسُّعًا لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ بَيْنَهُمْ ، وَإِذَا حَضَرَ : ظَرْفٌ لِلشَّهَادَةِ ، حِينَ الْوَصِيَّةِ : بَدَلٌ مِنْهُ ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ : يَعْنِي مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ يَا مَعْشَر الْمُؤْمِنَينَ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ مِنْ أَقَارِبِكُمْ وَهُمَا صِفَتَانِ لِاثْنَانِ
واخْتُلفوا فِي هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ ، فَقِيلَ هُمَا الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُوصِي ، وَقِيلَ هُمَا الْوَصِيَّانِ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمَا وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ وَالشَّاهِدُ لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ وَجَعَلَ الْوَصِيَّ اثْنَيْنِ تَأْكِيدًا ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْحُضُورِ كَقَوْلِكَ شَهِدْتَ وَصِيَّةَ فُلَانٍ بِمَعْنَى حَضَرْتَ ، أَوْ آخَرَانِ كَائِنَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ وَهُمُ الْكُفَّارُ ، وَقِيلَ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ وَقَبِيلَتِكُمْ وَهُمْ مُسْلِمُونَ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَنْسَبُ بِسِيَاقِ الْآيَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا ، فَيَكُونُ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ فِي خُصُوصِ الْوَصَايَا كَمَا يُفِيدُهُ النَّظْمُ الْقُرْآنِيُّ . وَيَشْهَدُ لَهُ السَّبَبُ لِلنُّزُولِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُوصِي مَنْ يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَلْيَشْهَدْ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ فَإِذَا قَدِمَا وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ عَلَى وَصِيَّتِهِ حَلَفَا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُمَا مَا كَذَبَا وَلَا بَدَّلَا وَأَنَّ مَا شَهِدَا بِهِ حَقٌّ فَيُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا كَذَبَا أَوْ خَانَا حَلَفَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمُوصِي وَغَرِمَ الشَّاهِدَانِ الْكَافِرَانِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِمَا مِنْ خِيَانَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْد ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي أَعْنِي تَفْسِيرَ ضَمِيرِ مِنْكُمْ بِالْقَرَابَةِ أَوِ الْعَشِيرَةِ وَتَفْسِيرِ غَيْرِكُمْ بِالْأَجَانِبِ : الزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَقَوْلُهُ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا بِمَرْضِيِّينَ وَلَا عُدُولٍ ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ ، وَهُوَ الْحَقُّ لِعَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ يدل عَلَى النَّسْخِ .
وأما قَوْلُهُ تَعَالَى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَقَوْلُهُ : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فَهُمَا عَامَّانِ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ بِحَالَةِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ وَبِحَالَةِ عَدَمِ الشُّهُودِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ خَاصٍّ وَعَامٍّ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ أَيْ سَافَرْتُمْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فَقَطْ . وَالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَعَذَّرَ كَمَا فِي السَّفَرِ فَمِنْ غَيْرِكُمْ ، وَقِيلَ هُوَ قَيْدٌ فِي أَصْلِ شَهَادَةٍ وَذَلِكَ أَنْسَبُ عَلَى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِاتِّخَاذِ الْوَصِيَّيْنِ فِي الْأَرْضِ ، فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ يَعْنِي فَنَزَلَ بِكُمْ أَسْبَابُ الْمَوْتِ ، فَأَوْصَيْتُمْ إِلَيْهِمَا ، وَدَفَعْتُمْ مَالَكُمْ إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ ذَهَبَا إِلَى وَرَثَتِكُمْ بِوَصِيَّتِكُمْ وَبِمَا تَرَكْتُمْ ، فَارْتَابُوا فِي أَمْرِهِمَا ، وَادَّعَوْا عَلَيْهِمَا خِيَانَةً ، فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّكُمْ تَحْبِسُونَهُمَا أَيْ تُوقِفُونَهُمَا ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ أَوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أَيْ وَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ مَحْبُوسَانِ ، وَالشَّرْطُ بِجَوَابِهِ الْمَحْذُوفِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ ، وَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمُ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أَيْ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ . وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَهَا ، فَالتَّقْيِيدُ بِالْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ أَغْنَى عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ مَعَ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ مِنْ تَعْظِيمِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَذَلِكَ لِقُرْبِهِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَيُقْسِمَانِ أَيِ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَوِ الْوَصِيَّانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أَيْ : إِنْ شَكَكْتُمْ فِي شَأْنِهِمَا وَاتَّهَمْتُمُوهُمَا فَحَلِّفُوهُمَا ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ مَنْ يَقُولُ الْآيَةُ نَازِلَةٌ فِي إِشْهَادِ الْكُفَّارِ ؛ لِأَنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ .
وَمَنْ قَالَ الْآيَةُ نَازِلَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ قَالَ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَقَوْلُهُ إِنِ ارْتَبْتُمْ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ يُقْسِمَانِ وَجَوَابُهُ ، وَهُوَ لَا نَشرِي بِهِ أَيْ بِالْقَسَمِ ثَمَنًا أَيْ لَا نَعْتَاضُ عَنْهُ بِعِوَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الزَّائِلَةِ ، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوِ الْمُقْسَمُ لَهُ ذَا قَرَابَةٍ مِنَّا ، وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّمَا أَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا وَنَهَى عَنْ كِتْمَانِهَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ يَعْنِي إِنْ كَتَمْنَا الشَّهَادَةَ أَوْ خُنَّا فِيهَا فَإِنْ عُثِرَ يُقَالُ عُثِرَ عَلَى كَذَا : اطُّلِعَ عَلَيْهِ وَيُقَالُ عَثَرْتَ مِنْهُ عَلَى خِيَانَةٍ أَيِ اطَّلَعْتَ ، وَأَعْثَرْتَ غَيْرِي عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ وَأَصْلُ الْعُثُورِ : الْوُقُوعُ وَالسُّقُوطُ عَلَى الشَّيْءِ ، وَقِيلَ الْهُجُومُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَكُلُّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ .
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا اطَّلَعَ وَظَهَرَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ عَلَى أَنَّهُمَا أَيِ الشَّاهِدَيْنِ أَوِ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الِاثْنَيْنِ وَصِيَّانِ أَوْ شَاهِدَانِ عَلَى الْوَصِيَّةِ اسْتَحَقَّا إِثْمًا أَيْ فَعَلَا مَا يُوجِبُهُ مِنْ خِيَانَةٍ أَوْ كَذِبٍ فِي الشَّهَادَةِ بِأَنْ وُجِدَ عِنْدَهُمَا مَثَلًا مَا اتُّهِمَا بِهِ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا ابْتَاعَاهُ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ أَوْصَى لَهُمَا بِهِ ، فَآخَرَانِ أَيْ فَشَاهِدَانِ آخَرَانِ أَوْ فَحَالِفَانِ آخَرَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ ، يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا أَيْ مَقَامَ الذَيْنِ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ، فَيَشْهَدَانِ أَوْ يَحْلِفَانِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ ، مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ مِنْ بَيْنِهِمْ أَيِ الْأَقْرَبَانِ إِلَى الْمَيِّتِ الْوَارِثَانِ لَهُ الْأَحَقَّانِ بِالشَّهَادَةِ وَمَفْعُولُ اسْتَحَقَّ مَحْذُوفٌ ، أَيِ اسْتَحَقَّا عَلَيْهِمْ أَنَّ يُجَرِّدُوهُمَا لِلْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُمَا ، وَيُظْهِرُوا بِهَا كَذِبَ الْكَاذِبِينَ ، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ الْآخَرَانِ الْقَائِمَانِ مَقَامَ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى وَضْعِ الْمُظْهَرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ ، وَقُرِئَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْإِثْمُ أَيْ جُنِيَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ . فَالْأَوْلَيَانِ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَنْ هُمَا فَقِيلَ الْأَوْلَيَانِ أَوْ هُوَ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي " يَقُومَانِ " أَوْ مِنْ آخَرَانِ ، فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ : أَيْ فيَحْلِفَانِ عَلَى خِيَانَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَيَقُولَانِ : لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا يَعْنِي أَيْمَانُنَا أَحَقُّ وَأَصْدَقُ مِنْ أَيْمَانِهِمَا ، وَمَا اعْتَدَيْنَا أَيْ مَا تَجَاوَزْنَا الْحَقَّ فِي أَيْمَانِنَا ،
وَقَوْلِنَا إِنَّ شَهَادَتَنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَةِ هَذَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ الْخَائِنَيْنِ ، إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ أَيْ إِنْ حَلَفْنَا كَاذِبَيْنِ ، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا يَعْنِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمْنَا بِهِ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ أَقْرَبُ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا ، يَعْنِي أَنْ يَأْتِيَ الْوَصِيَّانِ وَسَائِرُ النَّاسِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا الَّذِي تَحَمَّلُوهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا خِيَانَةٍ ، أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ أَيْ وَأَقْرَبُ أَنْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ الْأَيمَانُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ فَيَحْلِفُوا عَلَى خِيَانَتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فَيَفْتَضِحُوا ويَغْرَمُوا فَرُبَّمَا لَا يَحْلِفُونَ كَاذِبِينَ إِذَا خَافُوا هَذَا الْحُكْمَ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ : بِتَرْكِ الْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ وَاسْمَعُوا : مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ سَمَاعَ قَبُولٍ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ ، إِلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ ( فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ ) سَمَّى مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَفْسِيرِهِ الْآخَرَ الْمُطَّلِبَ بْنَ أَبِي وَدَاعَةَ ، وَهُوَ سَهْمِيٌّ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ( وَلَا نَعْرِفُ لِسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ الْمَدِينِيِّ رِوَايَةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ) مَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ الَّذِي وَقَعَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ ، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ بَاذَانَ أَبِي صَالِحٍ مَعْرُوفَةٌ ، وَلَيْسَ أَبُو النَّضْرِ هَذَا سَالِمًا ، أَبَا النَّضْرِ الْمَدِينِيَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ بَاذَانَ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ .