وَمِنْ سُورَةِ هُودٍ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ قَالَ : كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ . قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ يَزِيدُ : الْعَمَاءُ أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ . هَكَذَا يقول حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَكِيعُ بْنُ حُدُسٍ ، وَيَقُولُ شُعْبَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَهُشَيْمٌ : وَكِيعُ بْنُ عُدُسٍ .
، ، حَدِيثٌ حَسَنٌ . ( وَمِنْ سُورَةِ هُودٍ ) هِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا وَأَقِمِ الصَّلاةَ الْآيَةَ أَوْ إِلَّا فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ الْآيَةَ وَ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ الْآيَةَ وَهِيَ مِائَةٌ وَثِنْتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ آيَةً . قَوْلُهُ : ( عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ ) بِالْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْمَضْمُومَتَيْنِ ، وَقَدْ يُقَالُ بِالْعَيْنِ بَدَلَ الْحَاءِ .
قَوْلُهُ : ( قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ( كَانَ فِي عَمَاءٍ إِلَخْ ) . قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لَهُ : قَوْلُهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ يَعْنِي لَا الْمَاءُ وَلَا الْعَرْشُ وَلَا غَيْرُهُمَا ، وَقَوْلُهُ : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ يَعْنِي خَلَقَ الْمَاءَ وَخَلَقَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ، وَقَوْلُهُ فِي عَمَاءٍ : وَجَدْته فِي كِتَابٍ عَمَاءً مُقَيَّدًا بِالْمَدِّ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَمْدُودًا فَمَعْنَاهُ سَحَابٌ رَقِيقٌ . وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ : فِي عَمَاءٍ أَيْ فَوْقَ سَحَابٍ مُدَبِّرًا لَهُ وَعَالِيًا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَعْنِي مَنْ فَوْقَ السَّمَاءِ وَقَال تَعَالَى وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يَعْنِي عَلَى جُذُوعِهَا ، وَقَوْلُهُ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ أَيْ مَا فَوْقَ السَّحَابِ هَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ( ومَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ ) أَيْ مَا تَحْتَ السَّحَابِ هَوَاءٌ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ الْعَمَى مَقْصُورٌ ، وَالْعَمَى إِذَا كَانَ مَقْصُورًا فَمَعْنَاهُ لَا شَيْءَ ثَابِتٌ لِأَنَّهُ مِمَّا عَمَى عَنِ الْخَلْقِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ شَيْءٍ .
فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابِهِ : كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ ، ثُمَّ قَالَ : مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ : أَيْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَمَى الَّذِي هُوَ لَا شَيْءَ مَوْجُودٌ هَوَاءٌ وَلَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ غَيْرَ شَيْءٍ فَلَيْسَ يَثْبُتُ لَهُ هَوَاءٌ بِوَجْهٍ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ صَاحِبُ الْغَرِيبَيْنِ : قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَعْنَاهُ أَيْنَ كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا فَحُذِفَ الْمُضَافُ اخْتِصَارًا ، كَقَوْلِهِ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ . وقال ابْنُ الْأَثِيرِ : الْعَمَاءُ فِي اللُّغَةِ : السَّحَابُ الرَّقِيقُ ، وَقِيلَ الْكَثِيفُ ، وَقِيلَ هُوَ الضَّبَابُ ، وَلَا بُدَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ : أَيْنَ كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا فَحُذِفَ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي الْعَمَى- الْمَقْصُورِ- أَنَّهُ هُوَ كُلُّ أَمْرٍ لَا يُدْرِكُهُ الْفَطِنُ .
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِنَّمَا تَأَوَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَعْقُولِ عَنْهُمْ ، وَإِلَّا فَلَا نَدْرِي كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَاءُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُ صِفَتَهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْخَازِنِ .
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ : قَالَ الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ ابْنُ الْمُنَيِّرِ : وَجْهُ الْإِشْكَالِ فِي الْحَدِيثِ الظَّرْفِيَّةُ وَالْفَوْقِيَّةُ وَالتَّحْتِيَّةُ ، قَالَ : وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي بِمَعْنَى عَلَى ، وَعَلَى بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ ، أَيْ كَانَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى هَذَا السَّحَابِ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا وَالضَّمِيرُ فِي فَوْقِهِ يَعُودُ إِلَى السَّحَابِ ، وَكَذَلِكَ تَحْتَهُ ، أَيْ كَانَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى هَذَا السَّحَابِ الَّذِي فَوْقَهُ الْهَوَاءُ وَتَحْتَهُ الْهَوَاءُ ، وَرُوِيَ بِلَفْظِ الْقَصْرِ فِي الْعَمَى . وَالْمَعْنَى عَدَمُ مَا سِوَاهُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : كَانَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ عَدَمًا عَمًى لَا مَوْجُودًا وَلَا مُدْرَكًا ، وَالْهَوَاءُ : الْفَرَاغُ أَيْضًا الْعَدَمُ كَأَنَّهُ قَالَ : كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ . انْتَهَى .
قُلْتُ : إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ عَمًى بِالْقَصْرِ فَلَا إِشْكَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى حَدِيثِ : كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ عَمَاءً بِالْمَدِّ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلٍ ، بَلْ يُقَالُ : نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُهُ بِصِفَةٍ ، أَيْ نُجْرِي اللَّفْظَ عَلَى مَا جَاءَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ ( وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ . قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ مَرْفُوعًا : إِنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ . وَرَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ .
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ ، ثُمَّ قَالَ : اكْتُبْ ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ أَوَّلِيَّةَ الْقَلَمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَدَا الْمَاءِ وَالْعَرْشِ ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا منه صَدَرَ مِنَ الْكِتَابَةِ ، أَيْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ اكْتُبْ أَوَّلَ مَا خُلِقَ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَحْمَدُ ) أَيِ ابْنُ مَنِيعٍ ( قَالَ يَزِيدُ ) أَيِ ابْنُ هَارُونَ فِي تَفْسِيرِ الْعَمَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ( الْعَمَاءُ أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ ) كَذَا فَسَّرَ يَزِيدُ الْعَمَاءَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْعَمَاءَ بِالْمَدِّ هُوَ السَّحَابُ الرَّقِيقُ ، وَالْعَمَى بِالْقَصْرِ بِمَعْنَى لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .