سُورَةِ الْحِجْرِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْحُدَّانِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ امْرَأَةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْنَاءَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ، وكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِئَن لا يَرَاهَا وَيَسْتَأْخِرُ بَعْضُهُمْ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ فَإِذَا رَكَعَ نَظَرَ مِنْ تَحْتِ إِبْطَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ نُوحٍ . ( سُورَة الْحِجْرِ ) هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإِجْمَاعِهِمْ ، وَهِيَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ آيَةً قَوْلُهُ : ( نَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْحُدَّانِيِّ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ آخِرُهُ نُونٌ قَبْلَ يَاءِ النِّسْبَةِ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ) هُوَ النُّكْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ وَلَقَدْ عَلِمْنَا مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَتَقَدَّمَ هَلَاكُهُمْ ، وَمَنْ قَدْ خُلِقَ وَهُوَ حَيٌّ ، وَمَنْ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ مِمَّنْ سَيُخْلَقُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْأَئِمَّةِ .
ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : عَنى بِالْمُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ : الْأَحْيَاءَ ، الَّذِينَ لَمْ يَهْلَكُوا ، ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ فِي آخِرِهِمْ . وَذَكَرَ أَسْمَاءَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَ الْأُمَمِ ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ فِي الْخَيْرِ . وَالْمُسْتَأْخِرِينَ عَنْهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ فِي الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ فِيهَا بِسَبَبِ النِّسَاءِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ قَالَ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْأَمْوَاتَ مِنْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ فَتَقَدَّمَ مَوْتُهُ ، وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ اسْتَأْخَرَ مَوْتُهُمْ مِمَّنْ هُوَ حَيٌّ وَمَنْ هُوَ حَادِثٌ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ .
لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، إِذْ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ وَلَمْ يَجْرِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَلَا جَاءَ بَعْدُ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْمُسْتَقْدِمِينَ فِي الصَّفِّ لِشَأْنِ النِّسَاءِ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ فِيهِ لِذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ جَرِيرٍ مُلَخَّصًا . قلتَ : لَوْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لَكَانَ هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي الْجَوْزَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا لَفْظُهُ : وَهَذَا فِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنَيْهِمَا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ الْحُدَّانِيِّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ تَضْعِيفُهُ ، وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ . وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ النُّكْرِيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْجَوْزَاءِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ فِي الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْجَوْزَاءِ فَقَطْ لَيْسَ فِيهِ لِابْنِ عَبَّاسٍ ذِكْرٌ .
وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا أَشْبَهُ مِنْ رِوَايَةِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ .