سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ
3121 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَنُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : تَلَتْ عَائِشَةُ هَذِهِ الْآيَةَ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ ؟ قَالَ : عَلَى الصِّرَاطِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وقد روي مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَائِشَةَ .
قَوْلُهُ : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : يَوْمَ أَيِ اذْكُرْ وَارْتَقِبْ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ الْمُشَاهَدَةُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ فِي الذَّاتِ كَمَا فِي بَدَّلْتُ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الصِّفَاتِ كَمَا فِي بَدَّلْتُ الْحَلْقَةَ خَاتَمَك ، وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَبِالثَّانِي قَالَ الْأَكْثَرُ وَالسَّمَاوَاتُ : أَيْ وَتُبَدَّلُ السَّمَاوَاتُ غَيْرَ السَّمَاوَاتِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَرَّ ، وَتَقْدِيمُ تَبْدِيلِ الْأَرْضِ لِقُرْبَانِهَا ....
وَلِكَوْنِ تَبْدِيلِهَا أَعْظَمَ أَثَرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا .
أخرج مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ . قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ : فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا وغيره مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، قُلْتُ : أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : عَلَى الصِّرَاطِ . وَالصَّحِيحُ عَلَى هَذَا إِزَالَةُ عَيْنِ هَذِهِ الْأَرْضِ . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَسَاكِرَ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي قَوْلِ اللَّهِ : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ قَالَ : أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ حَرَامٌ وَلَمْ يُعْمَلْ بِهَا خَطِيئَةٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ . وَفِي الْبَابِ رِوَايَاتٌ ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ وَفِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ . الْحَدِيثَ .
وَقَدْ أَطَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي بَيَانِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي تَذْكِرَتِهِ : وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ نَصٌّ فِي أَنَّ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ تُبَدَّلُ وَتُزَالُ وَيَخْلُقُ اللَّهُ أَرْضًا أُخْرَى تَكُونُ عَلَيْهَا النَّاسُ بَعْدَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْجِسْرِ وَهُوَ الصِّرَاطُ ، لَا كَمَا قَالَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : إِنَّ تَبْدِيلَ الْأَرْضِ عِبَارَةٌ عَنْ تَغْيِيرِ صِفَاتِهَا وَتَسْوِيَةِ آكَامِهَا وَنَسْفِ جِبَالِهَا وَمَدِّ أَرْضِهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَذَكَرَ شَبِيبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي كِتَابِ الْإِفْصَاحِ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ وَأَنَّهُمَا تُبَدَّلَانِ كَرَّتَيْنِ ، إِحْدَاهُمَا هَذِهِ الْأُولَى قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ ، وَالثَّانِيَةُ إِذَا وَقَفُوا فِي الْمَحْشَرِ وَهِيَ أَرْضٌ عَفْرَاءُ مِنْ فِضَّةٍ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْهَا دَمٌ حَرَامٌ وَلَا جَرَى عَلَيْهَا ظُلْمٌ ، وَيَقُومُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ التَّذْكِرَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخَلَائِقَ وَقْتَ تَبْدِيلِ الْأَرْضِ تَكُونُ فِي أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ ، رَافِعِينَ لَهُمْ عَنْهَا ، قَالَ فِي الْجُمَلِ : فَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعَ كَلَامِهِ أَنَّ تَبْدِيلَ هَذِهِ الْأَرْضِ بِأَرْضٍ أُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ يَكُونُ قَبْلَ الصِّرَاطِ ، وَتَكُونُ الْخَلَائِقُ إِذْ ذَاكَ مَرْفُوعَةً فِي أَيْدِي الْمَلَائِكَةِ ، وَأَنَّ تَبْدِيلَ الْأَرْضِ بِأَرْضٍ مِنْ خُبْزٍ يَكُونُ بَعْدَ الصِّرَاطِ ، وَتَكُونُ الْخَلَائِقُ إِذْ ذَاكَ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَهَذِهِ الْأَرْضُ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنَينَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ . انْتَهَى مَا فِي فَتْحِ الْبَيَانِ .
( فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ قَالَ : عَلَى الصِّرَاطِ ) وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا : يَكُونُونَ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِسْرِ الصِّرَاطُ . وَأَنَّ فِي قَوْلِهِ عَلَى الصِّرَاطِ مَجَازًا لِكَوْنِهِمْ يُجَاوِزُونَهُ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ زِيَادَةً يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا لِثُبُوتِهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الزَّجْرَةِ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ نَقْلِهِمْ مِنْ أَرْضِ الدُّنْيَا إِلَى أَرْضِ الْمَوْقِفِ ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ٢١ ، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كَذَا فِي الْفَتْحِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ .