حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

سُورَةِ الْحِجْرِ

3127 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ نَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قَالَ : لِلْمُتَفَرِّسِينَ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ( نَا أَحْمَدُ بن أَبِي الطَّيِّبِ ) الْبَغْدَادِيُّ ، أَبُو سُلَيْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِالْمَرْوَزِيِّ ، صَدُوقٌ حَافِظٌ لَهُ أَغْلَاطٌ ، ضَعَّفَهُ بِسَبَبِهَا أَبُو حَاتِمٍ ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ مُتَابَعَةً وَهُوَ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( نَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ) الْمَلَائِيُّ الْكُوفِيُّ ( عَنْ عَطِيَّةَ ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ .

قوله : ( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنَ ) الْفِرَاسَةُ بِالْكَسْرِ ، اسْمٌ مِنْ قَوْلِك : تَفَرَّسْتُ فِي فُلَانٍ الْخَيْرَ ، وَهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : مَا دُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا يُوقِعُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ فَيَعْلَمُونَ بِذَلِكَ أَحْوَالَ النَّاسِ بِنَوْعٍ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَإِصَابَةِ الْحَدْسِ وَالنَّظَرِ وَالظَّنِّ وَالتَّثَبُّتِ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي : مَا يَحْصُلُ بِدَلَائِلِ التَّجَارِبِ وَالْخُلُقِ وَالْأَخْلَاقِ تُعْرَفُ بِذَلِكَ أَحْوَالُ النَّاسِ أَيْضًا . وَلِلنَّاسِ فِي عِلْمِ الْفِرَاسَةِ تَصَانِيفُ قَدِيمَةٌ وَحَدِيثَةٌ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْخَازِنِ . وَقَالَ الْمَنَاوِيُّ : اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنَ ، أَيِ اطِّلَاعَهُ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ بِسَوَاطِعِ أَنْوَارٍ أَشْرَقَتْ عَلَى قَلْبِهِ ، فَتَجَلَّتْ لَهُ بِهَا الْحَقَائِقُ ( فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ) أَيْ يُبْصِرُ بِعَيْنِ قَلْبِهِ الْمَشْرِقِ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى . وَأَصْلُ الْفِرَاسَةِ : أَنَّ بَصَرَ الرُّوحِ مُتَّصِلٌ بِبَصَرِ الْعَقْلِ فِي عَيْنَيِ الْإِنْسَانِ ، فَالْعَيْنُ جَارِحَةٌ وَالْبَصَرُ مِنَ الرُّوحِ ، وَإِدْرَاكُ الْأَشْيَاءِ مِنْ بَيْنِهِمَا ، فَإِذَا تَفَرَّغَ الْعَقْلُ وَالرُّوحُ مِنْ أَشْغَالِ النَّفْسِ أَبْصَرَ الرُّوحُ وَأَدْرَكَ الْعَقْلُ مَا أَبْصَرَ الرُّوحُ ، وَإِنَّمَا عَجَزَ الْعَامَّةُ عَنْ هَذَا لِشُغْلِ أَرْوَاحِهِمْ بِالنُّفُوسِ وَاشْتِبَاكِ الشَّهَوَاتِ بِهَا ، فَشُغِلَ بَصَرُ الرُّوحِ عَنْ دَرْكِ الْأَشْيَاءِ الْبَاطِنَةِ ، وَمَنْ أَكَبَّ عَلَى شَهَوَاتِهِ وَتَشَاغَلَ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ حَتَّى خَلَّطَ عَلَى نَفْسِهِ الْأُمُورَ وَتَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ الظُّلُمَاتُ ، كَيْفَ يُبْصِرُ شَيْئًا غَابَ عَنْهُ ( ثُمَّ قَرَأَ ) رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِلنَّاظِرِينَ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : لِلْمُعْتَبَرِينَ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ : لِلْمُتَفَكِّرِينَ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لِلْمُتَفَرِّسِينَ .

قال الْخَازِنُ : وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ : اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنَ إِلَخْ .

قوله : ( هَذَا حَدِيثٌ

[4/133]

غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ السُّنِّيِّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْخَطِيبُ . وَأَخْرَجَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْبَزَّارُ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ .

قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَخْ ) رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍه عَنْ مُجَاهِدٍ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قَالَ : لِلْمُتَفَرِّسِينَ . انْتَهَى .

وَأَصْلُ التَّوَسُّمِ : التَّثَبُّتُ وَالتَّفَكُّرُ ، تَفَعُّلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَسْمِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْدِ الْبَعِيرِ أَوِ الْبَقَرِ ، وَقِيلَ : أَصْلُهُ اسْتِقْصَاءُ التَّعَرُّفُ ، يُقَالُ : تَوَسَّمْتَ أَيْ تَعَرَّفْتَ مُسْتَقْصِيًا وُجُوهَ التَّعَرُّفِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنَ الْوَسْمِ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ ، وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ فِي الْفِرَاسَةِ أَخْبَارٌ وَحِكَايَاتٌ مَعْرُوفَةٌ ، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي تَوَالِي التَّأْسِيسِ ، قَالَ السَّاجِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنِي الحميدي قال : خَرَجْتَ أَنَا وَالشَّافِعِيُّ مِنْ مَكَّةَ فَلَقِينَا رَجُلًا بِالْأَبْطَحِ ، فَقُلْتَ لِلشَّافِعِيِّ : ازْكَنْ مَا لِلرَّجُلِ ، فَقَالَ : نَجَّارٌ أَوْ خَيَّاطٌ ، قَالَ : فَلَحِقْتُهُ فَقَالَ : كُنْتُ نَجَّارًا وَأَنَا خَيَّاطٌ . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قُتَيْبَةَ قَالَ : رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيَّ قَاعِدَيْنِ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، فَمَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ حَتَّى نَزْكَنَ عَلَى هَذَا الْآتِي ، أَيُّ حِرْفَةٍ مَعَهُ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : خَيَّاطٌ ، وَقَالَ الْآخَرُ : نَجَّارٌ ، فَبَعَثَنا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ فَقَالَ : كُنْتَ خَيَّاطًا وَأَنَا الْيَوْمَ نَجَّارٌ .

قال الْحَافِظُ : وَسَنَدُ كُلٍّ مِنَ الْقِصَّتَيْنِ صَحِيحٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَالزَّكَنُ : الْفِرَاسَةُ ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُزَنِيِّ قَالَ : كُنْتَ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَامِعِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ يَدُورُ عَلَى النِّيَامِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، لِلرَّبِيعِ : قُمْ فَقُلْ لَهُ : ذَهَبَ لَكَ عَبْدٌ أَسْوَدُ مُصَابٌ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ؟ قَالَ الرَّبِيعُ : فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقُلْتُ : تَعَالَ . فَجَاءَ إِلَى الشَّافِعِيِّ فَقَالَ : أَيْنَ عَبْدِي ؟ فَقَالَ : مُرَّ تَجِدْهُ فِي الْحَبْسِ ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَوَجَدَهُ فِي الْحَبْسِ ، قَالَ الْمُزَنِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ : أَخْبِرْنَا فَقَدْ حَيَّرْتنَا ، فَقَالَ : نَعَمْ ، رَأَيْتَ رَجُلًا دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ يَدُورُ بَيْنَ النِّيَامِ ، فَقُلْتَ : يَطْلُبُ هَارِبًا ، وَرَأَيْتُهُ يَجِيءُ إِلَى السُّودَانِ دُونَ الْبِيضِ ، فقُلْتَ : هَرَبَ لَهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ ، وَرَأَيْتُهُ يَجِيءُ إِلَى مَا يَلِي الْعَيْنَ الْيُسْرَى ، فَقُلْتُ : مُصَابٌ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ ، قُلْنَا : فَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ فِي الْحَبْسِ ؟ قَالَ : الْحَدِيثُ فِي الْعَبِيدِ : إِنْ جَاعُوا سَرَقُوا وَإِنْ شَبِعُوا زَنَوْا ، فَتَأَوَّلْتُ أَنَّهُ فَعَلَ أَحَدَهُمَا ، فَكَانَ كَذَلِكَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث