حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ

حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قال : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حِينَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى قَالَ : فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ ، قال : حَسِبْتُهُ قَالَ : مُضْطَرِبٌ الرَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ قَالَ وَلَقِيتُ عِيسَى قَالَ : فَنَعَتَهُ قَالَ : رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّه خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ يَعْنِي الْحَمَّامَ ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ ، قَالَ : وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ فيه خَمْرٌ فَقِيلَ لِي : خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ لِي : هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( وَمِنْ سُورَة بَنِي إِسْرَائِيلَ ) مَكِّيَّةٌ إِلَّا وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ الْآيَاتُ الثَّمَانِ .

مِائَةٌ وَعَشْرُ آيَاتٍ أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً . قَوْلُهُ : ( قَالَ ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ ( فَنَعَتَهُ ) أَيْ وَصَفَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُوسَى فَإِذَا رَجُلٌ قَالَ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ : فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْته ، قَالَ مُضْطَرِبٌ بِحَذْفِ قَالَ قَبْلَ حَسِبْتُهُ ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْقَائِلُ حَسِبْتُهُ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالْمُضْطَرِبُ : الطَّوِيلُ غَيْرُ الشَّدِيدِ ، وَقِيلَ : الْخَفِيفُ اللَّحْمِ . وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ بِلَفْظِ ضَرِبٌ وَفُسِّرَ بِالنَّحِيفِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا .

انْتَهَى ( الرَجِلُ الرَّأْسِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ، دَهِينُ الشَّعْرِ مُسْتَرْسِلُهُ . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : شَعْرٌ رَجِلٌ : أَيْ غَيْرُ جَعْدٍ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ يُنْسَبُونَ إِلَى شَنُوءَةَ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ ، وَلُقِّبَ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ شَنُوئِيٌّ بِالْهَمْزِ بَعْدَ الْوَاوِ ، وَبِالْهَمْزِ بِغَيْرِ وَاوٍ . وقال الدَّاوُدِيُّ : رِجَالُ الْأَزْدِ مَعْرُوفُونَ بِالطُّولِ ( قَالَ : رَبَعَةٌ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَهُوَ الْمَرْفُوعُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَوِيلٍ جِدًّا وَلَا قَصِيرٍ جِدًّا بَلْ وَسَطٌ ( مِنْ دِيمَاسٍ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ( يَعْنِي الْحَمَّامَ ) هُوَ تَفْسِيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَالدِّيمَاسُ فِي اللُّغَةِ : السِّرْبُ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْكِنِّ وَالْحَمَّامُ مِنْ جُمْلَةِ الكن .

وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِصَفَاءِ اللَّوْنِ وَنَضَارَةِ الْجِسْمِ وَكَثْرَةِ مَاءِ الْوَجْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعِ كِنٍّ فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ عَرْقَانُ . وفي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً . وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يُرَادَ الْحَقِيقَةُ وَأَنَّهُ عَرَقَ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ مِنْ رَأْسِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ مَزِيدِ نَضَارَةِ وَجْهِهِ .

وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدم ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ : يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ ( قَالَ : وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ ) أَيْ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : أَنَا أَشْبَهُ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ بِهِ صُورَةً وَمَعْنًى ( وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ ) قِيلَ : وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ لَبَنٌ كَأَنَّهُ جَعَلَهُ لَبَنًا كُلَّهُ تَغْلِيبًا لِلَّبَنِ عَلَى الْإِنَاءِ لِكَثْرَتِهِ وَتَكْثِيرًا لِمَا اخْتَارَهُ ، وَلَمَّا كَانَ الْخَمْرُ مَنْهِيًّا عَنْهُ قَلَّلَهُ فَقَالَ ( وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ ) أَيْ خَمْرٌ قَلِيلٌ . اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي عَدَدِ الْآنِيَةِ ، فَفِي بَعْضِهَا : أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ كَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ : ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ . وفي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ : فَصَلَّى بِهِمْ يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ : إِنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ ، وَإِنَاءٌ فِيهِ خَمْرٌ ، وَإِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ .

وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ أَيْضًا فِي مَكَانِ عَرْضِ الْآنِيَةِ ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ : ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَ جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِإِنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ وَإِنَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ . فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ عَرْضَ الْآنِيَةِ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ .

وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ : أَنَّهُ كَانَ فِي السَّمَاءِ . قال الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَغَيْرِهَا : يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ إِمَّا بِحَمْلِ ثُمَّ عَلَى غَيْرِ بَابِهَا مِنَ التَّرْتِيبِ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ هُنَا ، وَإِمَّا بِوُقُوعِ عَرْضِ الْآنِيَةِ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَسَبَبُهُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْعَطَشِ كَمَا فِي حَدِيثِ شَدَّادٍ : فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَخَذَنِي مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أَخَذَنِي ، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ عَسَلٌ إِلَخْ ، وَمَرَّةً عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَرُؤْيَةُ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي عَدَدِ الْآنِيَةِ وَمَا فِيهَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ ، وَمَجْمُوعُهَا أَرْبَعَةُ آنِيَةٍ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ مِنَ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي رَآهَا تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ لَمَّا ذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى : يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، وَمِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وَمِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ، وَمِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ، فَلَعَلَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَهْرٍ إِنَاءٌ .

انْتَهَى ( هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْأَوَّلُ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مَجْهُولًا ، وَالثَّانِي مَعْلُومًا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ تَسْمِيَةِ اللَّبَنِ فِطْرَةً لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ يَدْخُلُ بَطْنَ الْمَوْلُودِ وَيَشُقُّ أَمْعَاءَهُ ، وَالسِّرُّ فِي مَيْلِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ مَأْلُوفًا لَهُ وَلِأَنَّهُ لَا يَنْشَأُ عَنْ جِنْسِهِ مَفْسَدَةٌ ( أَمَا ) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ ( إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ ) أَيْ ضَلَّتْ نَوْعًا مِنَ الْغَوَايَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى شُرْبِهَا ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَرِبَهَا لَأُحِلَّ لِلْأُمَّةِ شُرْبُهَا فَوَقَعُوا فِي ضَرَرِهَا وَشَرِّهَا ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْمُقْتَدِي مِنَ النَّبِيِّ وَالْعَالِمِ وَالسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِمْ سَبَبٌ لِاسْتِقَامَةِ أَتْبَاعِهِمْ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْقَلْبِ لِلْأَعْضَاءِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث