وَمِنْ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ
3131 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِئيلُ : أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ ؟ قَالَ : فَارْفَضَّ عَرَقًا ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ .
قَوْلُهُ : ( أُتِيَ بِالْبُرَاقِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَرِيقِ ، فَقَدْ جَاءَ فِي لَوْنِهِ أَنَّهُ أَبْيَضُ . أَوْ مِنَ الْبَرْقِ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ شَاةٌ بَرْقَاءُ إِذَا كَانَ خِلَالُ صُوفِهَا الْأَبْيَضِ طَاقَاتٌ سُودٌ ،
وَلَا يُنَافِيه وَصْفُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْبُرَاقَ أَبْيَضُ ؛ لِأَنَّ الْبَرْقَاءَ مِنَ الْغَنَمِ مَعْدُودَةٌ فِي الْبَيَاضِ ( لَيْلَةَ أُسْرِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِسْرَاءِ ( بِهِ ) أَيْ بِالنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ( مُلْجَمًا ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْإِلْجَامِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَلْجَمَ الدَّابَّةَ أَلْبَسَهَا اللِّجَامَ وَهُوَ كَكِتَابٍ ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ( مُسْرَجًا ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْإِسْرَاجِ ، يُقَالُ أَسْرَجْتَ الدَّابَّةَ : إِذَا شَدَدْتَ عَلَيْهَا السَّرْجَ ( فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ ) أَيْ صَارَ الْبُرَاقُ صَعْبًا عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ( أَبِمُحَمِّدٍ ) ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ ( تَفْعَلُ هَذَا ) أَيِ هذا الِاسْتِصْعَابَ ( فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ( فَارْفَضَّ عَرَقًا ) أَيْ جَرَى عَرَقُهُ وَسَالَ ، ثُمَّ سَكَنَ وَانْقَادَ وَتَرَكَ الِاسْتِصْعَابَ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ لَمَّا شَمَسَ وَضَعَ جِبْرِئيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ، فَقَالَ : أَمَا تَسْتَحْيِي ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ أَنَسًا . وَلِلنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ مَوْصُولًا ، وَزَادَ : وَكَانَتْ تُسَخَّرُ لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْبُرَاقَ كَانَ مُعَدًّا لِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاءِ خِلَافًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَابْنِ دِحْيَةَ ، وَأَوَّلُ قَوْلِ جِبْرِيلَ : فَمَا رَكِبَكَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ ، أَيْ مَا رَكِبَكَ أَحَدٌ قَطُّ ، فَكَيْفَ يَرْكَبُكَ أَكْرَمُ مِنْهُ .
وقد حزَمَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْبُرَاقَ إِنَّمَا اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الزُّبَيْدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَرْكَبُونَ الْبُرَاقَ ، قَالَ : وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ . قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ ذَكَرْتُ النَّقْلَ بِذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ آثَارًا تَشْهَدُ لِذَلِكَ .