وَمِنْ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ
3134 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ : هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قال : هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ رُؤْيَا عَيْنٍ ، وَهِيَ مَا رَأَى النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ رُؤْيَاهُ الَّتِي رَأَى أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ ، فَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ : يُقَالُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أُرِيَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ
وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ ، فَجعلَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ السَّيْرَ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَرَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَتْ أُنَاسٌ : قَدْ رُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَدْ كَانَ حَدَّثَنَا أَنَّهُ سَيَدْخُلُهَا ، فَكَانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ هِيَ رُؤْيَا مَنَامٍ : إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَأَى فِي مَنَامِهِ قَوْمًا يَعْلُونَ مِنْبَرَهُ ، فَذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، ثم قَالَ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى به الرُّؤْيَا ، رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَا رَأَى مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ، وَإِيَّاهُ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ وَمَا جَعَلْنَا رُؤْيَاكَ الَّتِي أَرَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَسْرَيْنَا بِكَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ، يَقُولُ : إِلَّا بْلَاءً لِلنَّاسِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ لَمَّا أُخْبِرُوا بِالرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ازْدَادُوا بِسَمَاعِهِمْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَمَادِيًا فِي غَيِّهِمْ وَكُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ . انْتَهَى .
( قَالَ : هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ) أُرِيَهَا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْإِرَاءَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَرْئِيِّ ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ قَالَ : هُوَ مَا أُرِيَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَزَادَ عَنْ سُفْيَانَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : وَلَيْسَتْ رُؤْيَا مَنَامٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِطْلَاقِ لَفْظِ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يُرَى بِالْعَيْنِ فِي الْيَقَظَةِ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْحَرِيرِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا يُقَالُ رُؤْيَا فِي الْمَنَامِ ، وَأَمَّا الَّتِي فِي الْيَقَظَةِ فَيُقَالُ : رُؤْيَةٌ ، وَمِمَّنِ اسْتَعْمَلَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ الْمُتَنَبِّي فِي قَوْلِهِ :
وَرُؤْيَاكَ أَحْلَى فِي الْعُيُونِ مِنَ الْغَمْضِ
وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ خَطَّأَهُ . كَذَا فِي الْفَتْحِ .
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الرُّؤْيَا تَقْدِيرُهُ : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ( قَالَ : هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنَ التَّابِعِينَ . وَأَمَّا الزَّقُّومُ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي كِتَابِ النَّبَاتِ : الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ غَبْرَاءُ تَنْبُتُ فِي السَّهْلِ صَغِير الْوَرَقِ مُدَوَّرَتُهُ لَا شَوْكَ لَهَا ، زَفْرَةٌ مُرَّةٌ وَلَهَا نُورٌ أَبْيَضُ ضَعِيفٌ تُجْرِسُهُ النَّحْلُ ، وَرُءُوسُهَا قِبَاحٌ جِدًّا ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ : يُخْبِرُنَا مُحَمَّدٌ أَنَّ فِي النَّارِ شَجَرَةً وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَةَ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ .
فَإِنْ قُلْتَ : أَيْنَ لُعِنَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِي الْقُرْآنِ .
قُلْتُ : لُعِنَتْ حَيْثُ لُعِنَ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهَا ، لِأَنَّ الشَّجَرَةَ لَا ذَنْبَ لَهَا حَتَّى تُلْعَنَ ، وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِلَعْنِ أَصْحَابِهَا عَلَى الْمَجَازِ . وَقِيلَ : وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِاللَّعْنِ لِأَنَّ اللَّعْنَ الْإِبْعَادُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَهِيَ فِي أَصِلْ جَهَنَّمَ فِي أَبْعَدِ مَكَانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .