حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ

حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ السُّدِّيِّ قَالَ : سَأَلْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا فَحَدَّثَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ ، ثُمَّ كَالرِّيحِ ، ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ السُّدِّيِّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، قال : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قَالَ : يَرِدُونَهَا ثُمَّ يَصْدُرُونَ بِأَعْمَالِهِمْ .

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ السُّدِّيِّ بِمِثْلِهِ ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : قُلْتُ لِشُعْبَةَ : إِنَّ إِسْرَائِيلَ حَدَّثَنِي ، عَنْ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ شُعْبَةُ : وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ السُّدِّيِّ مَرْفُوعًا ، وَلَكِنِّي أَدَعُهُ عمدا . قَوْلُهُ ( عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْوُرُودِ فِي الْآيَةِ ، فَقِيلَ : هُوَ الدُّخُولُ ، رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عمر بْنِ دِينَارٍ ، أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : الْوُرُودُ الدُّخُولُ ، لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا ، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنَينَ بَرْدًا وَسَلَامًا .

وروى التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ : سَمِعْتَ مُرَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : يَرُدُّونَهَا أَوْ يَلِجُونَهَا ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْوُرُودِ الْمَمَرُّ عَلَيْهَا ، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، وَسَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَزَادَ : يَسْتَوُونَ كُلُّهُمْ عَلَى مَتْنِهَا ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : أَمْسِكِي أَصْحَابَكَ وَدَعِي أَصْحَابِي ، فَيَخْرُجُ الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّةً أَبْدَانُهُمْ ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مَنْ عَبَّرَ بِالدُّخُولِ تَجُوزُ بِهِ عَنِ الْمُرُورِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَارَّ عَلَيْهَا فَوْقَ الصِّرَاطِ فِي مَعْنَى مَنْ دَخَلَهَا ، لَكِنْ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ الْمَارَّةِ بِاخْتِلَافِ أَعْمَالِهِمْ ، فَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَرْقِ ، وَيُؤَيِّدُ صِحَّةَ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مُبَشِّرٍ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا قَالَ : لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ النَّارُ ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا الْآيَةَ . وَفِي هَذَا بَيَانُ ضَعْفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : الْوُرُودُ مُخْتَصٌّ بِالْكُفَّارِ ، وَمَنْ قَالَ : مَعْنَى الْوُرُودِ الدُّنُوُّ مِنْهَا ، وَمَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ الْإِشْرَافُ عَلَيْهَا ، وَمَنْ قَالَ : مَعْنَى وُرُودِهَا : مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْحُمَّى ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ ، وَلَا يُنَافِيه بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ . انْتَهَى ( يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ ) يَرِدُ عَلَى وَزْنِ يَعِدُ مُضَارِعٌ مِنَ الْوُرُودِ بِمَعْنَى الْحُضُورِ ، يُقَالُ وَرَدْتَ مَاءَ كَذَا ، أَيْ حَضَرْته ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وُرُودًا لِأَنَّ الْمَارَّةَ عَلَى الصِّرَاطِ يُشَاهِدُونَ النَّارَ وَيَحْضُرُونَهَا .

قال التُّورْبَشْتِيُّ : الْوُرُودُ لُغَةً قَصْدُ الْمَاءِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هَاهُنَا الْجَوَازُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِضَمِّ الدَّالِ ، أَيْ يَنْصَرِفُونَ عَنْهَا ، فَإِنَّ الصُّدرَ إِذَا عُدِّيَ بِعَنِ اقْتَضَى الِانْصِرَافَ ، وَهَذَا عَلَى الِاتِّسَاعِ ، وَمَعْنَاهُ النَّجَاةُ ، إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ انْصِرَافٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمُرُورُ عَلَيْهَا ، فَوَضَعَ الصَّدْرَ مَوْضِعَ النَّجَاةِ لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي بَيْنَ الصُّدُورِ وَالْوُرُودِ . قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله : ثُمَّ فِي ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا فِي أَنَّهَا لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ لَا الزَّمَانِ ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ، التَّفَاوُتَ بَيْنَ وُرُودِ النَّاسِ النَّارَ وَبَيْنَ نَجَاةِ الْمُتَّقِينَ مِنْهَا ، فَكَذَلِكَ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، التَّفَاوُتَ بَيْنَ وُرُودِ النَّاسِ النَّارَ وَبَيْنَ صُدُورِهِمْ مِنْهَا ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّدُورِ الِانْصِرَافُ ، انْتَهَى . قَالَ الْقَارِي : والْحَاصِلُ أَنَّ الْخَلْقَ بَعْدَ شُرُوعِهِمْ فِي الْوُرُودِ يَتَخَلَّصُونَ مِنْ خَوْفِ النَّارِ وَمُشَاهَدَةِ رُؤْيَتِهَا وَمُلَاصَقَةِ لَهَبِهَا وَدُخَانِهَا وَتَعَلُّقِ شَوْكِهَا وَأَمْثَالِهَا عَلَى مَرَاتِبَ شَتَّى فِي سُرْعَةِ الْمُجَاوَزَةِ وَإِبْطَائِهَا .

( بِأَعْمَالِهِمْ ) أَيْ بِحَسْبِ مَرَاتِبِ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ ( فَأَوَّلُهُمْ ) أَيْ أَسْبَقُهُمْ ( كَلَمْحِ الْبَرْقِ ) أَيْ كَسُرْعَةِ مُرُورَه ( ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ ) أَيْ جَرْيِهِ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْعَدْوُ الشَّدِيدُ ( ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ ) أَيْ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَعَدَّاهُ بِفِي لِتَمَكُّنِهِ مِنَ السَّيْرِ ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ، وَقِيلَ أَرَادَ الرَّاكِبَ فِي مَنْزِلِهِ وَمَأْوَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ السَّيْرُ وَالسُّرْعَةُ أَشَدَّ ( ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ ) أَيْ عَدْوِهِ ( ثُمَّ كَمَشْيِهِ ) أَيْ كَمَشْيِ الرَّجُلِ عَلَى هَيْئَتِهِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . قَوْلُهُ : ( نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ .

قَوْلُهُ : ( وَلَكِنِّي أَدْعُهُ عَمْدًا ) أَيْ أَتْرُكُهُ ، يَعْنِي أَتْرُكُ رِوَايَتَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ التَّرْكِ فَلْيُتَأَمَّلْ . تَنْبِيهٌ : ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي فَائِدَةِ دُخُولِ الْمُؤْمِنَينَ النَّارَ وُجُوهًا ، أَحَدُهَا : أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُمْ سُرُورًا إِذَا عَلِمُوا الْخَلَاصَ مِنْهُ . وَثَانِيهَا : أَنَّ فِيهِ مَزِيدُ هَمٍّ عَلَى أَهْلِ النَّارِ حَيْثُ يَرَوْنَ الْمُؤْمِنَينَ يَتَخَلَّصُونَ مِنْهَا وَهُمْ بَاقُونَ فِيهَا .

وَثَالِثُهَا : أَنَّهُمْ إِذَا شَاهَدُوا ذَلِكَ الْعَذَابَ عَلَى الْكُفَّارِ صَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الْتِذَاذِهِمْ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ ، وَلَا نَقُولُ صَرِيحًا إنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَدْخُلُونَ النَّارَ أَدَبًا مَعَهُمْ ، وَلَكِنْ نَقُولُ : إِنَّ الْخَلْقَ جَمِيعًا يَرِدُونَهَا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ . فَالْعُصَاةُ يَدْخُلُونَهَا بِجَرَائِمِهِمْ ، وَالْأَوْلِيَاءُ وَالسُّعَدَاءُ يَدْخُلُونَهَا لِشَفَاعَتِهِمْ ، فَبَيْنَ الدَّاخِلِينَ بَوْنٌ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث