وَمِنْ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ
3166 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا وَكِيعٌ ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالُوا : نا شُعْبَةُ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَوْعِظَةِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ عُرَاةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ، فَأَقُولُ : رَبِّ أَصْحَابِي ، فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ الْآيَةِ ، فَيُقَالُ : هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ ، نَحْوَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ نَحْوَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَأَبُو دَاوُدَ ) ، هُوَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ ) أَيْ سَتُبْعَثُونَ ( عُرَاةً ) بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عَارٍ وَهُوَ مَنْ لَا سِتْرَ لَهُ ( غُرْلًا ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمْعُ أَغْرَلَ وَهُوَ الْأَقْلَفُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ ، وَهُوَ مَنْ بَقِيَتْ غُرْلَتُهُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ مِنَ الذَّكَرِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
الْكَافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ نُعِيدُهُ أَيْ : نُعِيدُ الْخَلْقَ إِعَادَةً مِثْلَ الْأَوَّلِ ، وَالْمَعْنَى بَدَأْنَاهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ، كذا نُعِيدُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ وَعْدًا عَلَيْنَا مَنْصُوبٌ بِوَعَدْنَا مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ ، وَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهُ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ أَيْ مَا وَعَدْنَاهُ قَالَ ( أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَبْسُوطًا فِي بَابِ شَأْنِ الْحَشْرِ مِنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ عُرَاةً ( وَإنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي ) أَيْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ ( فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) أَيْ إِلَى جِهَةِ النَّارِ ( فَأَقُولُ : رَبِّ أَصْحَابِي ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَؤُلَاءِ ( إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ) الْمُرَادُ مِنَ الْإِحْدَاثِ الِارْتِدَادُ عَنِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي ( فَيُقَالُ : هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ) وَفِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ ( أَنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى ) قَالَ الْقَاضِي : يُرِيدُ بِهِمْ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي أَيَّامِهِ كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ وَأَضْرَابِهِمْ ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ وَإِنْ شَاعَ عُرْفًا فِيمَنْ يُلَازِمُهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ لُغَةً فِي كُلِّ مَنْ تَبِعَهُ أَوْ أَدْرَكَ حَضْرَتَهُ وَوَفَدَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَرَّةً ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالِارْتِدَادِ إِسَاءَةَ السِّيرَةِ وَالرُّجُوعَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا ، انْتَهَى ( فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ) هُوَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى أُمَّتِي شَهِيدًا أَيْ مُطَّلِعًا رَقِيبًا حَافِظًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ أَيْ مَوْجُودًا فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أَيْ قَبَضْتَنِي بِالرَّفْعِ إِلَى السَّمَاءِ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ الْحَفِيظَ لِأَعْمَالِهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ قَوْلِي وَقَوْلِهِمْ بَعْدِي وَغَيْرِ ذَلِكَ شَهِيد أَيْ مُطَّلِعٌ عَالِمٌ بِهِ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ أَيْ مَنْ أَقَامَ عَلَى الْكُفْرِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ أَنْتَ مَالِكُهُمْ تَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ شِئْتَ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أَيْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ، وَتَمَامُ الْآيَةِ : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ الْحَكِيمُ فِي صُنْعِهِ ( فَيُقَالُ : هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ) هَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِحْدَاثِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ; هُوَ الِارْتِدَادُ عَنِ الْإِسْلَامِ .