وَمِنْ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ
3165 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بن سعيد الْأُمَوِيُّ ، ثَنِي أَبِي ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ، قَوْلِهِ : إِنِّي سَقِيمٌ وَلَمْ يَكُنْ سَقِيمًا ، وَقَوْلُهُ لِسَارَّةَ أُخْتِي ، وَقَوْلِهِ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ، قَوْلِهِ : إِنِّي سَقِيمٌ وَلَمْ يَكُنْ سَقِيمًا ) بِجَرِّ " قَوْلِهِ " عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا طَلَبُوا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ إِلَى عِيدِهِمْ فَأَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ لِلْأَمْرِ الَّذِي هَمَّ بِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ٨٨ ، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾وَفِيهِ إِيهَامٌ مِنْهُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَمَارَةِ عِلْمِ النُّجُومِ عَلَى أَنَّهُ سَيَسْقَمُ لِيَتْرُكُوهُ فَيَفْعَلُ بِالْأَصْنَامِ مَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ ، أَوْ سَقِيمُ الْقَلْبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَيْظِ بِاتِّخَاذِكُمُ النُّجُومَ آلِهَةً أَوْ بِعِبَادَتِكُمُ الْأَصْنَامَ ( وَقَوْلِهِ لِسَارَّةَ أُخْتِي ) بِالْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَّةُ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ ، فَقَالَ لَهَا : إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ ، وَقَوْلُهُ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ كَسَّرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَصْنَامَهُمْ إِلَّا كَبِيرَهَا وَعَلَّقَ الْفَأْسَ فِي عُنُقِهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْمَاذرِيُّ : أَمَّا الْكَذِبُ فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغِ وَيُعَدُّ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْكَذْبَةِ الْوَاحِدَةِ فِي حَقِيرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَفِي إِمْكَانِ وُقُوعِهِ مِنْهُمْ وَعِصْمَتِهِمْ مِنْهُ الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الصَّحِيحُ أَنَّ الْكَذِبَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغِ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ مِنْهُمْ سَوَاءٌ جَوَّزْنَا الصَّغَائِرَ مِنْهُمْ وَعِصْمَتَهُمْ مِنْهَا أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ قَلَّ الْكَذِبُ أَمْ كَثُرَ لِأَنَّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ يَرْتَفِعُ عَنْهُ وَتَجْوِيزُهُ يَرْفَعُ الْوُثُوقَ بِأَقْوَالِهِمْ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَّةَ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْكَذَبَاتِ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَهْمِ الْمُخَاطَبِ وَالسَّامِعِ ، وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَيْسَتْ كَذِبًا مَذْمُومًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ وَرَّى بِهَا فَقَالَ فِي سَارَّةَ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي بَاطِنِ الْأُمُورِ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَا تَوْرِيَةَ فِيهِ لَكَانَ جَائِزًا فِي دَفْعِ الظَّالِمِينَ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَأَخْرَجَهَا عَنْ كَوْنِهَا كَذِبًا ، وَلَا مَعْنَى لِلِامْتِنَاعِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظٍ أَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : أَمَّا إِطْلَاقُ لَفْظِ الْكَذِبِ عَلَيْهَا فَلَا يَمْتَنِعُ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ بِهِ ، وَأَمَّا تَأْوِيلُهَا فَصَحِيحٌ لَا مَانِعَ مِنْهُ ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فَقَالَ : مَا فِيهَا كَذْبَةٌ إِلَّا يُمَاحِلُ بِهَا عَنِ الْإِسْلَامِ أَيْ يُجَادِلُ وَيُدَافِعُ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا ، قَوْلُهُ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .