وَمِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنُين
3172 حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ ابْنُهَا حَارِثة بْنُ سُرَاقَةَ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرَبٌ ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : أَخْبِرْنِي عَنْ حَارِثَةَ ، لَئِنْ كَانَ أَصَابَ خَيْرًا احْتَسَبْتُ وَصَبَرْتُ ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْخَيْرَ اجْتَهَدْتُ فِي الدُّعَاءِ ، فَقَالَ نبِيُّ اللَّهُ : يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جَنان فِي جَنَّةٍ ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى ، وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ .
قَوْلُهُ ( عَنْ سَعِيدِ ) بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ( أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ ) الْأَنْصَارِيَّةَ الْخَزْرَجِيَّةَ عَمَّةَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، صَحَابِيَّةٌ ( كَانَ أُصِيبَ ) أَيْ قُتِلَ ( أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ ) أَيْ لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ ، أَوْ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَيْنَ أَتَى ، أَوْ جَاءَ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنْ رَامِيهِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا وَبِالْإِضَافَةِ وَالْوَصْفِ ، وَقِيلَ بِالسُّكُونِ إِذَا أَتَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي ، وَبِالْفَتْحِ إِذَا رَمَاهُ فَأَصَابَ غَيْرَهُ ، انْتَهَى ( لَئِنْ كَانَ أَصَابَ خَيْرًا احْتَسَبْتُ وَصَبَرْتُ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ ( وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْخَيْرَ اجْتَهَدْتُ فِي الدُّعَاءِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا أَيْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَازُ . قَالَ الْحَافِظُ : كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ النَّوْحِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ، فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ كَانَ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ بَدْرٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ : اجْتَهَدْتُ فِي الدُّعَاءِ بَدَلَ قَوْلِهِ : فِي الْبُكَاءِ وَهُوَ خَطَأٌ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ دُونَ بَعْضٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْآتِيَةِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنَ الرِّقَاقِ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ : فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ الْبُكَاءِ . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ هَذِهِ : وَإِلَّا فَسَتَرَى مَا أَصْنَعُ ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ( إِنَّهَا جِنَانٌ فِي جَنَّةٍ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبَانٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ فِي جَنَّةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ : ( إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ ) وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " إِنَّهَا جِنَانٌ " يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : هِيَ الْعَرَبُ تَقُولُ مَا شَاءَتْ ، وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ التَّفْخيمُ وَالتَّعْظِيمُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وَجِنَانٌ مُبْتَدَأٌ وَالتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ ، وَالْمُرَادُ بِالْجِنَانِ الدَّرَجَاتُ فِيهَا لِمَا وَرَدَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا ( وَالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ ) أَيْ أَرْفَعُهَا ، وَالرَّبْوَةُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ ( وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا ) الْمُرَادُ بِالْأَوْسَطِ هُنَا الْأَعْدَلُ وَالْأَفْضَلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا فَعَطَفَ الْأَفْضَلَ عَلَيْهِ لِلتَّأْكِيدِ . قَوْلُهُ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ .