سُورَةِ الشورى
سُورَةِ الشورى
3249 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَال : سَمِعْتُ طَاوُسًا قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَعَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ ، فَقَالَ : إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
( سُورَةُ الشُّورَى ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : سُورَةُ حم عسق ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ آيَةً .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ) الْهِلَالِيِّ أَبِي زَيْدٍ الْعَامِرِيِّ الْكُوفِيِّ الزَّرَّادِ ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ، قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أَيْ مَظْرُوفَةً فِيهَا بِحَيْثُ تَكُونُ الْقُرْبَى مَوْضِعًا لِلْمَوَدَّةِ وَظَرْفًا لَهَا ، لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ عَنْهَا ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ ، أَيْ إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي بَيْنَكُمْ أَوْ تَوَدُّوا أَهْلَ قَرَابَتِي ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا . قَالَ الزَّجَّاجُ : " إِلا الْمَوَدَّةَ " اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ ، أَيْ إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي فَتَحْفَظُونِي ، وَالْخِطَابُ لِقُرَيْشٍ ، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَالشَّعْبِيِّ فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى الِانْقِطَاعِ : لَا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا قَطُّ وَلَكِنْ أَسْأَلُكُمُ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ ، ارْقُبُونِي فِيهَا وَلَا تُعَجِّلُوا إِلَيَّ وَدَعُونِي وَالنَّاسَ ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ) قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَدْ جَاءَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ قَرَابَتُكَ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ .. الْحَدِيثَ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَهُوَ سَاقِطٌ لِمُخَالَفَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ ( فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَعَلِمْتَ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِلْإِنْكَارِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَجِلْتَ . قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ أَسْرَعْتَ فِي التَّفْسِيرِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ ) الْبَطْنُ مَا دُونَ الْقَبِيلَةِ وَفَوْقَ الْفَخِذِ ( لَهُ ) أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فقَالَ : إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ ) فَحَمَلَ الْآيَةَ عَلَى أَنْ تُوَادُّوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ الْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمْ ، فَهُوَ خَاصٌّ بِقُرَيْشٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِمَوَدَّتِهِمْ ؟ قَالَ : " فَاطِمَةُ وَوَلَدُهَا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ " . فَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، فِيهِ مُتَّهَمٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عَنْ شَيْخٍ شِيعِيٍّ مُحْتَرِقٍ ، وَهُوَ حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ ، وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ . وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ لِفَاطِمَةَ أَوْلَادٌ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَإِنَّهَا لَمْ تُزَوَّجْ بِعَلِيٍّ إِلَّا بَعْدَ بَدْرٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَتَفْسِيرُ الْآيَةِ بِمَا فَسَّرَ بِهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَحَقُّ وَأَوْلَى ، وَلَا تُنْكِرُ الْوَصَاةُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَاحْتِرَامُهُمْ وَإِكْرَامُهُمْ ، إِذْ هُمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ بَيْتٍ وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَخْرًا وَحَسَبًا وَنَسَبًا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ كَالْعَبَّاسِ وَبَنِيهِ وَعَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَنَفَعَنَا بِمَحَبَّتِهِمْ ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ .
وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ، وَالْقَوْلُ بِنَسْخِ هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ مُرْضٍ ؛ لِأَنَّ مَوَدَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَفَّ الْأَذَى عَنْهُ وَمَوَدَّةَ أَقَارِبِهِ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ ، وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَى نَسْخِ هَذِهِ الْآيَةِ .
وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى مَا آتَيْتُكُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى أَجْرًا إِلَّا أَنْ تُوَادُّوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَنْ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ . وَهَكَذَا رَوَى قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلَهُ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ : وَهَذَا كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِقَوْلٍ ثَانٍ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : " إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى " ، أَيْ
" إِلَّا أَنْ تَعْمَلُوا بِالطَّاعَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَى " انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ : لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى هَذَا الْبَلَاغِ وَالنُّصْحِ لَكُمْ مَالًا تُعْطُونِيهِ ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تَكُفُّوا شَرَّكُمْ عَنِّي وَتَذْرُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَاتِ رَبِّي ، إِنْ لَمْ تَنْصُرُونِي فَلَا تُؤْذُونِي بمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ ، وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الْبَاقِيَةُ فَمَرْجُوحَةٌ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ .