حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

مِنْ سُورَةِ التَّحْرِيمِ

حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ قَال : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ؟ فَقَالَ لِي : وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ - قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَرِهَ وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ - فَقَالَ لي : هِيَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ، قَالَ : ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنِي الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، فَتَغَضَّبْتُ يوما عَلَى امرأتي ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ ، قَالَ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : قَدْ خَابَتْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَخَسِرَتْ قَالَ : وَكَانَ مَنْزِلِي بِالْعَوَالِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ ، وَكَانَ لِي جَارٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، كُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : فَيَنْزِلُ يَوْمًا ويَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ ، وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، قَالَ : فَكُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ ؛ لِتَغْزُوَنَا . قَالَ : فَجَاءَنِي يَوْمًا عِشَاءً فَضَرَبَ عَلَى الْبَابِ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، قُلْتُ : أَجَاءَتْ غَسَّانُ ؟ قَالَ : أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ، طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ . قَالَ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا .

قَالَ : فَلَمَّا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي ، فَقُلْتُ : أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتْ : لَا أَدْرِي هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرَبَةِ ، قَالَ : فَانْطَلَقْتُ فَأَتَيْتُ غُلَامًا أَسْوَدَ ، فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ؛ قَالَ : فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ قَالَ قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، قَالَ : فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا حَوْلَ الْمِنْبَرِ نَفَرٌ يَبْكُونَ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ ، قَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيْضًا فَجَلَسْتُ ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، قَالَ : فَوَلَّيْتُ مُنْطَلِقًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي ، فَقَالَ : ادْخُلْ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ ، قال : فَدَخَلْتُ ، فَإِذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ ، فَرَأَيْتُ أَثَرَهُ فِي جَنْبَيْهِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، لو رَأَيْتُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : ما تُنْكِرُ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ . قَالَ : فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ : أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَانَا الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ . قال : فَقُلْتُ : قَدْ خَابَتْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَتْ ، أَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ ؟ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ : لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا ، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أنْ كَانَتْ صَاحِبَتُكِ أَوْسَمَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : فَتَبَسَّمَ أُخْرَى ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَسْتَأْنِسُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَمَا رَأَيْتُ فِي الْبَيْتِ إِلَّا أُهُبَةً ثَلَاثَةً ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَهُ .

فَاسْتَوَى جَالِسًا فَقَالَ : أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، قَالَ : وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فجَعَلَ لَهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ بَدَأَ بِي ، قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ شَيْئًا ، فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ، قَالَتْ : ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ الْآيَةَ ، قَالَتْ : عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ ، قالت : فَقُلْتُ : أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ . قَالَ مَعْمَرٌ : فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تُخْبِرْ أَزْوَاجَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ .

فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا بَعَثَنِي اللَّهُ مُبَلِّغًا وَلَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . ( ومن سُورَة التَّحْرِيمِ ) مَدَنِيَّةٌ ، وَهِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ آيَةً .

قَوْلُهُ : ( لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ ) أَيْ : عَلَى أَنْ أَسْأَلَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ : مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ آيَةٍ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ ( اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ ) أَيْ فِي حَقِّهِمَا : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ خِطَابًا لِحَفْصَةَ ، وَعَائِشَةَ ، عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي مُعَاتَبَتِهِمَا ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ، أَيْ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَهُوَ الْوَاجِبُ ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا أَيْ : مَالَتْ عَنِ الْوَاجِبِ فِي مُخَالَصَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حُبِّ مَا يُحِبُّهُ وَكَرَاهَةِ مَا يَكْرَهُهُ ، وَوُجِدَ مِنْكُمَا مَا يُوجِبُ التَّوْبَةَ ، وَهُوَ أَنَّهُمَا أَحَبَّتَا مَا كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( حَتَّى حَجَّ عُمَرُ ) أَيْ خَرَجَ حَاجًّا ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ : حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ ( وَاعَجَبًا لَكَ ) قَالَ الْحَافِظُ : يَجُوزُ فِي عَجَبًا التَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ . قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : وَا فِي قَوْلِهِ : وَاعَجَبًا ، إِنْ كَانَ مُنَوَّنًا فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ ، وَمِثْلُهُ وَاهًا وَوَيْ ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ : عَجَبًا جِيءَ تَعَجُّبًا وَتَوْكِيدًا ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَالْأَصْلُ فِيهِ : وَاعَجَبِي ، فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً ، فَصَارَتِ الْيَاءُ أَلِفًا كَقَوْلِهِمْ : يَا أَسَفَا وَيَا حَسْرَتَا ، وَفِيهِ شَاهِدٌ لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ وَا فِي مُنَادًى غَيْرِ مَنْدُوبٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُبَرِّدِ وَهُوَ مَذْهَبٌ صَحِيحٌ . قَالَ : وَتَعَجَّبَ عُمَرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ شُهْرَتِهِ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ ، كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرُ مَعَ شُهْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ فِي نَفْسِ عُمَرَ ، وَتَقْدِيمِهِ فِي الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَعَ مَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَشْهُورًا بِهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَمُدَاخَلَةِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ ، وَتَعَجَّبَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ فَنُونِ التَّفْسِيرِ حَتَّى مَعْرِفَةِ الْمُبْهَمِ ( قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَرِهَ اللَّهُ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ ) قَالَ الْحَافِظُ : واسْتَبْعَدَ الْقُرْطُبِيُّ مَا فَهِمَهُ الزُّهْرِيُّ وَلَا بُعْدَ فِيهِ ( هِيَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي النِّكَاحِ : هُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ( ثُمَّ أَنْشَأَ ) أَيْ : شَرَعَ عُمَرُ ( يُحَدِّثُنِي الْحَدِيثَ ) أَيِ الْقِصَّةَ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا ( مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ) مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ ( نَغْلِبُ النِّسَاءَ ) أَيْ : نَحْكُمُ عَلَيْهِنَّ وَلَا يَحْكُمْنَ عَلَيْنَا بِخِلَافِ الْأَنْصَارِ ، فَكَانُوا بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ ( فَطَفِقَ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ ، أَيْ : جَعَلَ وَأَخَذَ ( يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ : مِنْ سِيرَتِهِنَّ وَطَرِيقَتِهِنَّ ( فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي ) مِنَ الْمُرَاجَعَةِ ، أَيْ : تُرَادِدُنِي فِي الْقَوْلِ وَتُنَاظِرُنِي فِيهِ ( فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ ذَلِكَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : قَالَتْ : وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ ؟ ( وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ ) أَيْ : مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ اللَّيْلُ ( قَدْ خَابَتْ ) مِنَ الْخَيْبَةِ وَهِيَ : الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ ( وَكَانَ مَنْزِلِي بِالْعَوَالِي ) جَمْعُ عَالِيَةٍ ، وَهِيَ قُرًى بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ ، وَكَانَتْ مَنَازِلَ الْأَوْسِ ( فِي بَنِي أُمَيَّةَ ) أَيْ نَاحِيَةَ بَنِي أُمَيَّةَ ؛ سُمِّيَتِ الْبُقْعَةُ بِاسْمِ مَنْ نَزَلَهَا ( وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) اسْمُهُ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ أَوْ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ ، وَالثَّانِي اسْتَنْبَطَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ مِنَ الْمُواخَاةِ بَيْنَهُمَا ، وَمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ مُقَدَّمٌ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ .

( كُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ ) أَيْ مِنَ الْعَوَالِي أَيْ كُنَّا نَجْعَلُهُ نَوْبًا ( فَيَنْزِلُ ) أَيْ جَارِي الْأَنْصَارِيُّ ( وَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ ) أَيْ مِنَ الْحَوَادِثِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : لَا يَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ ، وَلَا يَسْمَعُ عُمَرُ شَيْئًا إِلَّا حَدَّثَهُ بِهِ ( فَكُنَّا نُحَدِّثُ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ ( أَنَّ غَسَّانَ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ ، أَيْ : قَبِيلَةَ غَسَّانَ ، وَمَلِكُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شَمِرٍ ، وَهُمْ كَانُوا بِالشَّامِ ( تُنْعِلُ الْخَيْلَ ) بِضَمِّ التَّاءِ مِنَ الْإِنْعَالِ ، يُقَالُ : نُعِلْتُ وَانْتَعَلْتُ إِذَا لَبِسْتُ النَّعْلَ ، وَأَنْعَلْتُ الْخَيْلَ إِذَا أَلْبَسْتُهَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِعْدَادِهِمْ لِلْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ( قَالَ ) أَيْ عُمَرُ ( فَجَاءَنِي ) أَيْ جَارِي ( فَضَرَبَ عَلَى الْبَابِ ) أَيْ ضَرْبًا شَدِيدًا ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ( قَالَ : أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمَرَ ؛ لِكَوْنِ حَفْصَةَ بِنْتَهُ ( طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ ) إِنَّمَا وَقَعَ الْجزمُ بِالطَّلَاقِ ؛ لِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ بِالِاعْتِزَالِ ، فَظَنَّ الطَّلَاقَ ( قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا ) لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُنَّ قَدْ تُفْضِي إِلَى الْغَضَبِ الْمُفْضِي إِلَى الْفُرْقَةِ ( شَدَدْتُ عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( ثِيَابِي ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجَمُّلِ بِالثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ لِقَاءِ الْأَئِمَّةِ وَالْكِبَارِ احْتِرَامًا لَهُمْ ( فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ الْغُرْفَةُ ( قَالَ : فَانْطَلَقْتُ ) أَيْ : فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ حَفْصَةَ ( فَأَتَيْتُ غُلَامًا أَسْوَدَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ : فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : اسْمُ هَذَا الْغُلَام : رَبَاحٌ ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ، سَمَّاهُ سِمَاكٌ فِي رِوَايَتِهِ ( ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ) أَيْ : مِنْ شُغْلِ قَلْبِهِ بِمَا بَلَغَهُ مِنَ اعْتِزَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ . وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ غَضَبٍ مِنْهُ وَلِاحْتِمَالِ صِحَّةِ مَا أُشِيعَ مِنْ تَطْلِيقِ نِسَائِهِ ، وَمِنْ جُمْلَتِهِنَّ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ ، فَتَنْقَطِعُ الْوَصْلَةُ بَيْنَهُمَا ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ مَا لَا يَخْفَى ( مُتَّكِئٌ عَلَى رِمْلِ حَصِيرٍ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ .

قَالَ الْحَافِظُ : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَدْ تُضَمُّ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ : عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّسْجُ ، تَقُولُ : رَمَلْتُ الْحَصِيرَ وَأَرْمَلْتُهُ إِذَا نَسَجْتُهُ ، وَحَصِيرٌ مَرْمُولٌ أَيْ : مَنْسُوجٌ . وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ سَرِيرَهُ كَانَ مَرْمُولًا بِمَا يُرْمَلُ بِهِ الْحَصِيرُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ : عَلَى حَصِيرٍ وَقَدْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي جَنْبِهِ . وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ حَصِيرًا تَغْلِيبًا ( قُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَمَّا ظَنَّ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ الِاعْتِزَالَ طَلَاقٌ أَوْ نَاشِئٌ عَنْ طَلَاقٍ فَأَخْبَرَ عُمَرَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ جَازِمًا بِهِ ، فَلَمَّا اسْتَفْسَرَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ حَقِيقَةً كَبَّرَ تَعَجُّبًا مِنْ ذَلِكَ ، انْتَهَى .

قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَبَّرَ اللَّهَ حَامِدًا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ( وَجَدْنَا قَوْمًا ) أَيِ الْأَنْصَارَ ( فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ ) بَدَأَ بِهَا لِمَكَانَتِهَا مِنْهُ ( قَالَتْ ) أَيْ : حَفْصَةُ ( نَعَمْ ) أَيْ نُرَاجِعُهُ ( لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ : لَا تُرَادِدِيهِ فِي الْكَلَامِ ، وَلَا تَرُدِّي عَلَيْهِ قَوْلهُ . ( وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ ) أَيْ : مَا ظَهَرَ لَكِ ( وَلَا يَغُرَّنَّكِ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالنُّونِ ( أَنْ كَانَتْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ( صَاحِبَتُكِ ) أَيْ ضَرَّتُكِ ( أَوْسَمَ ) مِنَ الْوَسَامَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالْجَمَالُ ، أَيْ : أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : أَوْضَأَ مِنَ الْوضَاءة وَهُوَ الْحُسْنُ ( وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) الْمَعْنَى : لَا تَغْتَرِّي بِكَوْنِ عَائِشَةَ تَفْعَلُ مَا نَهَيْتُكِ عَنْهُ ، فَلَا يُؤَاخِذُهَا بِذَلِكَ ؛ فَإِنَّهَا تَدُلُّ بِجَمَالِهَا وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، فَلَا تَغْتَرِّي أَنْتِ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَلَّا تَكُونِي عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يَكُونُ لَكِ مِنَ الْإِدْلَالِ مِثْلُ الَّذِي لَهَا .

( فَتَبَسَّمَ ) أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أُخْرَى ) أَيْ : تَبَسُّمَةً أُخْرَى ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَسْتَأْنِسُ ؟ ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ : أَنْبَسِطُ فِي الْحَدِيثِ ، وَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ لِقَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ فِيهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ بِنْتَهُ كَانَتِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ ، فَخَشِيَ أَنْ يَلْحَقَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَعْتَبَةِ فَبَقِيَ كَالْمُنْقَبِضِ عَنِ الِابْتِدَاءِ بِالْحَدِيثِ حَتَّى اسْتَأْذَنَ فِيهِ ( إِلَّا أُهُبَةً ثَلَاثَةً ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَبِفَتْحِهِمَا جَمْعُ : إِهَابٍ ، وَهُوَ : الْجِلْدُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا يُقَالُ لِلْجِلْدِ : إِهَابٌ قَبْلَ الدَّبْغِ ، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا ( فَقَالَ : أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ ) يَعْنِي أَنْتَ فِي شَكٍّ فِي أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا . ( أُولَئِكَ ) أَيْ فَارِسُ وَالرُّومُ ( عُجِّلَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّعْجِيلِ ( قَالَ ) أَيْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( وَكَانَ أَقْسَمَ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فَجَعَلَ لَهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي النِّكَاحِ : فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ - مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ - تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ قَالَ : مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ ، فَقَوْلُهُ : فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ ، فَلِذَلِكَ عَطَفَهُ بِالْفَاءِ ، وَقَوْلُهُ : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَيِ اعْتِزَالُهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ إِفْشَاءِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَا بِمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَجَاءَتْ فَوَجَدَتْهَا مَعَهُ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَفْعَلُ هَذَا مَعِي دُونَ نِسَائِكَ ؟ فَقَالَ : لَا تُخْبِرِي أَحَدًا ، هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ . وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا ، فَتَوَاطَأَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى أَنَّ أَيَّتَهُمَا دَخَلَ عَلَيْهَا ، فَلْتَقُلْ لَهُ : أَأَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ .

فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي كنت أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ ، وَقَدْ حَلَفْتُ ، لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا . فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعُوتِبَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، كَمَا اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ حَلِفِهِ . قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ ، أَنَّهَا فِي قِصَّةِ الْعَسَلِ ، لَا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ الْمَرْوِيَّةِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَمْ تَأْتِ قِصَّةُ مَارِيَةَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ .

قَالَ النَّسَائِيُّ : إِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْعَسَلِ جَيِّدٌ صَحِيحٌ غَايَةٌ ، انْتَهَى . وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي سَبَبِ اعْتِزَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِوَايَاتٍ أُخْرَى ؛ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلَتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَهَا ، فَوَجَدَتْ مَعَهُ مَارِيَةَ ، فَقَالَ : لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ حَتَّى أُبَشِّرَكِ بِبِشَارَةٍ ، إِنَّ أَبَاكِ يَلِي هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ ، إِذَا أَنَا مِتُّ ، فَذَهَبَتْ إِلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ ، وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ أَنْ يُحَرِّمَ مَارِيَةَ فَحَرَّمَهَا ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَفْصَةَ فَقَالَ : أَمَرْتُكِ أَنْ لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتِهَا ، فَعَاتَبَهَا ، وَلَمْ يُعَاتِبْهَا عَلَى أَمْرِ الْخِلَافَةِ . فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ .

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَفِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، نَحْوَهُ بِتَمَامِهِ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ سَبَبًا لِاعْتِزَالِهِنَّ ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَعَةِ صَدْرِهِ ، وَكَثْرَةِ صَفْحِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ حَتَّى تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ مِنْهُنَّ . قَالَ : وَالرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا قِصَّةُ مَارِيَةَ ؛ لِاخْتِصَاصِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِهَا ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ ؛ فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُنَّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَابُ جَمِيعُهَا اجْتَمَعَتْ فَأُشِيرَ إِلَى أَهَمِّهَا . وَيُؤَيِّدُهُ شُمُولُ الْحَلِفِ لِلْجَمِيعِ ، وَلَوْ كَانَ مَثَلًا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ فَقَطْ لَاخْتَصَّ بِحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ ، انْتَهَى .

وَقَوْلُهُ : حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَيُرْوَى حَتَّى عَاتَبَهُ الله وَهَذِهِ هِيَ الْأَظْهَرُ ، وَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ( فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ) أَيْ لَيْلَةً ( دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِيهِ أَنَّ مَنْ غَابَ عَنْ أَزْوَاجِهِ ، ثُمَّ حَضَرَ يَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ ، وَلَا أَنْ يُقْرِعَ كَذَا قِيلَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَدَاءَةُ بِعَائِشَةَ ؛ لِكَوْنِهِ اتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَهَا قَالَهُ الْحَافِظُ . ( قَالَ : يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ شَيْئًا ، فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ إِلَخْ ) سَبَقَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ . ( وَلَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا ) يُقَالُ : تَعَنَّتَهُ ، أَيْ : أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْأَذَى ، وَطَلَبَ زَلَّتَهُ وَمَشَقَّتَهُ .

قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَيُّوبَ ، وَعَائِشَةَ ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي آخِرِهِ : وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ ، قَالَ : لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا ؛ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ .

ورد في أحاديث15 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث