حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ الْبُرُوجِ

حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالَا : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ هَمَسَ - وَالْهَمْسُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ تَحَرُّكُ شَفَتَيْهِ كَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ - فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا صَلَّيْتَ الْعَصْرَ هَمَسْتَ ، قَالَ : إِنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أُعْجِبَ بِأُمَّتِهِ ، فَقَالَ : مَنْ يَقُومُ لِهَؤُلَاءِ ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ أَنْ أَنْتَقِمَ مِنْهُمْ ، وَبَيْنَ أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ ، فَاخْتَارُوا النِّقْمَةَ ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الْمَوْتَ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا . قَالَ : وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، قَالَ : كَانَ مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ ، وَكَانَ لِذَلِكَ الْمَلِكِ كَاهِنٌ ، يَكْهَنُ لَهُ ، فَقَالَ الْكَاهِنُ : انْظُرُوا لِي غُلَامًا فَهِمًا - أَوْ قَالَ : - فَطِنًا لَقِنًا ، فَأُعَلِّمَهُ عِلْمِي هَذَا ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ ، فَيَنْقَطِعَ مِنْكُمْ هَذَا الْعِلْمُ ، وَلَا يَكُونَ فِيكُمْ مَنْ يَعْلَمُهُ ، قَالَ : فَنَظَرُوا لَهُ عَلَى مَا وَصَفَ ، فَأَمَرُوهُ أَنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ الْكَاهِنَ ، وَأَنْ يَخْتَلِفَ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقِ الْغُلَامِ رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَةٍ - قَالَ مَعْمَرٌ : أَحْسِبُ أَنَّ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مُسْلِمِينَ - قَالَ : فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَسْأَلُ ذَلِكَ الرَّاهِبَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ ، قَالَ : فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَمْكُثُ عِنْدَ الرَّاهِبِ ، وَيُبْطِئُ عَنْ الْكَاهِنِ فَأَرْسَلَ الْكَاهِنُ إِلَى أَهْلِ الْغُلَامِ إِنَّهُ لَا يَكَادُ يَحْضُرُنِي ، فَأَخْبَرَ الْغُلَامُ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ : إِذَا قَالَ لَكَ الْكَاهِنُ : أَيْنَ كُنْتَ ؟ فَقُلْ : عِنْدَ أَهْلِي ، وَإِذَا قَالَ لَكَ أَهْلُكَ : أَيْنَ كُنْتَ ؟ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ كُنْتَ عِنْدَ الْكَاهِنِ ، قَالَ : فَبَيْنَمَا الْغُلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ مَرَّ بِجَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ كَثِيرٍ قَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ تِلْكَ الدَّابَّةَ كَانَتْ أَسَدًا ، قَالَ : فَأَخَذَ الْغُلَامُ حَجَرًا فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ الرَّاهِبُ حَقًّا فَأَسْأَلُكَ أَنْ أَقْتُلَه ، ثُمَّ رَمَى فَقَتَلَ الدَّابَّةَ ، فَقَالَ النَّاسُ : مَنْ قَتَلَهَا ؟ قَالُوا : الْغُلَامُ ، فَفَزِعَ النَّاسُ ، فقَالُوا : قَدْ عَلِمَ هَذَا الْغُلَامُ عِلْمًا لَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدٌ ، قَالَ : فَسَمِعَ بِهِ أَعْمَى ، فَقَالَ لَهُ : إِنْ أَنْتَ رَدَدْتَ بَصَرِي فَلَكَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : لَا أُرِيدُ مِنْكَ هَذَا ، وَلَكِنْ أَرَأَيْتَ إِنْ رَجَعَ إِلَيْكَ بَصَرُكَ أَتُؤْمِنُ بِالَّذِي رَدَّهُ عَلَيْكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَدَعَا اللَّهَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ، فَآمَنَ الْأَعْمَى ، فَبَلَغَ الْمَلِكَ أَمْرُهُمْ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ ، فَقَالَ : لَأَقْتُلَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ قِتْلَةً لَا أَقْتُلُ بِهَا صَاحِبَهُ ، فَأَمَرَ بِالرَّاهِبِ وَالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ أَعْمَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ عَلَى مَفْرِقِ أَحَدِهِمَا فَقَتَلَهُ ، وَقَتَلَ الْآخَرَ بِقِتْلَةٍ أُخْرَى ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ : انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا ، فَأَلْقُوهُ مِنْ رَأْسِهِ ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ مِنْهُ جَعَلُوا يَتَهَافَتُونَ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ ، وَيَتَرَدَّوْنَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْغُلَامُ ، قَالَ : ثُمَّ رَجَعَ ، فَأَمَرَ بِهِ الْمَلِكُ أَنْ يَنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْبَحْرِ ، فَيُلْقُونَهُ فِيهِ ، فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى الْبَحْرِ ، فَغَرَّقَ اللَّهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَأَنْجَاهُ ، فَقَالَ الْغُلَامُ لِلْمَلِكِ : إِنَّكَ لَا تَقْتُلُنِي حَتَّى تَصْلُبَنِي وَتَرْمِيَنِي ، وَتَقُولَ : إِذَا رَمَيْتَنِي ، بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ هَذَا الْغُلَامِ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ ، ثُمَّ رَمَاهُ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ هَذَا الْغُلَامِ ، قَالَ : فَوَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ حِينَ رُمِيَ ثُمَّ مَاتَ ، فَقَالَ أُنَاسٌ : لَقَدْ عَلِمَ هَذَا الْغُلَامُ عِلْمًا مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ ؛ فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هَذَا الْغُلَامِ . قَالَ : فَقِيلَ لِلْمَلِكِ : أَجَزِعْتَ أَنْ خَالَفَكَ ثَلَاثَةٌ ، فَهَذَا الْعَالَمُ كُلُّهُمْ قَدْ خَالَفُوكَ .

قَالَ : فَخَدَّ أُخْدُودًا ، ثُمَّ أَلْقَى فِيهَا الْحَطَبَ وَالنَّارَ ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ : مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكْنَاهُ ، وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ أَلْقَيْنَاهُ فِي هَذِهِ النَّارِ ، فَجَعَلَ يُلْقِيهِمْ فِي تِلْكَ الْأُخْدُودِ ، قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ حَتَّى بَلَغَ : الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ قَالَ : فَأَمَّا الْغُلَامُ فَإِنَّهُ دُفِنَ ، قال : فَيُذْكَرُ أَنَّهُ أُخْرِجَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأُصْبُعُهُ عَلَى صُدْغِهِ كَمَا وَضَعَهَا حِينَ قُتِلَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ صُهَيْبِ ) بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ .

قَوْلُهُ : ( هَمَسَ ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ ( وَالْهَمْسُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ تَحَرُّكُ شَفَتَيْهِ كَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ ) تَفْسِيرُ الْهَمْسِ هَذَا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْهَمْسُ : الْكَلَامُ الْخَفِيُّ ، لَا يَكَادُ يُفْهَمُ ( كَانَ أُعْجِبَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِعْجَابِ ( بِأُمَّتِهِ ) أَيْ : مِنْ جِهَةِ الْكَثْرَةِ ، يُقَالُ : أُعْجِبَ بِالشَّيْءِ : سَرَّهُ الشَّيْءُ ، وَعَجِبَ مِنْهُ ( فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ) أَيْ ذَلِكَ النَّبِيِّ ( أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ أَنْ أَنْتَقِمَ مِنْهُمْ ) أَيْ أُعَاقِبَهُمْ ( فَاخْتَارُوا ) النِّقْمَةَ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ وَكَفَرْحَةٍ هِيَ : الْمُكَافَأَةُ بِالْعُقُوبَةِ . اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ صُهَيْبٍ هَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا مُخْتَصَرًا مُجْمَلًا ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مُطَوَّلًا مُفَصَّلًا ، فَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى هَمَسَ شَيْئًا لَا أَفْهَمُهُ ، وَلَا يُخْبِرُنَا بِهِ ، قَالَ : أَفَطِنْتُمْ لِي ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ : إِنِّي ذَكَرْتُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أُعْطِيَ جُنُودًا مِنْ قَوْمِهِ ، فَقَالَ : مَنْ يُكَافِئُ هَؤُلَاءِ ؟ أَوْ مَنْ يَقُومُ لِهَؤُلَاءِ ؟ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْكَلَامِ ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنِ اخْتَرْ لِقَوْمِكَ إِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ إِمَّا أَنْ نُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، أَوِ الْجُوعَ ، أَوِ الْمَوْتَ ، فَاسْتَشَارَ قَوْمَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا : أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ فَكُلُّ ذَلِكَ إِلَيْكَ ، وخِرْ لَنَا ، فَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَكَانُوا إِذَا فَزِعُوا فَزِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَيْ رَبِّ ، أَمَّا عَدُوٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا ، أَوِ الْجُوعُ فَلَا ، وَلَكِنِ الْمَوْتُ فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا ، فَهَمْسِي الَّذِي تَرَوْنَ أَنِّي أَقُولُ : اللَّهُمَّ بِكَ أُقَاتِلُ ، وَبِكَ أُصَاوِلُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .

وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ صُهَيْبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَيَّامَ حُنَيْنٍ ، يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِشَيْءٍ ، لَمْ نَكُنْ نَرَاهُ يَفْعَلُهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَرَاكَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ ، فَمَا هَذَا الَّذِي تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ ؟ قَالَ : إِنَّ نَبِيًّا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَعْجَبَتْهُ كَثْرَةُ أُمَّتِهِ ، فَقَالَ : لَنْ يَرُومَ هَؤُلَاءِ شَيْءٌ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ خَيِّرْ أُمَّتَكَ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ إِمَّا أَنْ نُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهُمْ ، أَوِ الْجُوعَ ، وَإِمَّا أَنْ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ ، فَشَاوَرَهُمْ فَقَالُوا : أَمَّا الْعَدُوُّ فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ ، وَأَمَّا الْجُوعُ فَلَا صَبْرَ لَنَا عَلَيْهِ ، وَلَكِنِ الْمَوْتُ ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ سَبْعُونَ أَلْفًا . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَنَا أَقُولُ الْآنَ حَيْثُ رَأَى كَثْرَتَهُمُ : اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ ، وَبِكَ أُصَاوِلُ ، وَبِكَ أُقَاتِلُ . ( قَالَ : وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، قَالَ : كَانَ مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ : وَهَذَا السِّيَاقُ لَيْسَ فِيهِ صَرَاحَةٌ أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ .. . عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ أَخْبَارِ النَّصَارَى ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : صَرَّحَ بِرَفْعِ الْقِصَّةِ بِطُولِهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ صُهَيْبٍ .

وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَوَقَفَهَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ ، انْتَهَى . قُلْتُ : فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ إِلَخْ ( غُلَامًا فَهِمًا ) أَيْ : سَرِيعَ الْفَهْمِ ( أَوْ قَالَ : فَطِنًا ) أَيْ حَاذِقًا ( لَقِنًا ) أَيْ : حَسَنَ التَّلَقُّنِ لِمَا يَسْمَعُهُ ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ بِوَزْنِ كَتِفٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ ( فَنَظَرُوا لَهُ ) أَيْ : لِلْكَاهِنِ ( عَلَى مَا وَصَفَ ) أَيْ : ذَكَرَ لَهُمُ الْكَاهِنُ ( فَأَمَرُوهُ ) أَيْ : فَوَجَدُوا غُلَامًا عَلَى مَا وَصَفَهُ فَأَمَرُوهُ ( وَأَنْ يَخْتَلِفَ إِلَيْهِ ) أَيْ : يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ ( رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَةٍ ) الرَّاهِبُ : وَاحِدُ رُهْبَانِ النَّصَارَى ، وَهُوَ مَنِ اعْتَزَلَ عَنِ النَّاسِ إِلَى دَيْرٍ طَلَبًا لِلْعِبَادَةِ ، وَالصَّوْمَعَةُ كَجَوْهَرَةٍ : بَيْتٌ لِلنَّصَارَى يَنْقَطِعُ فِيهِ رُهْبَانُهُمْ ( قَالَ مَعْمَرٌ : أَحْسَبُ أَنَّ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مُسْلِمِينَ ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ هَذِهِ الْقِصَّةِ ( فَلَمْ يَزَلْ بِهِ ) أَيِ : الْغُلَامُ بِالرَّاهِبِ ( قَالَ : فَأَخَذَ الْغُلَامُ حَجَرًا ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ : الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ . فَأَخَذَ حَجَرًا ( قَالَ : فَسَمِعَ بِهِ أَعْمَى ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ : أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي ، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى ، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيَتْ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ .

( لَأَقْتُلَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ قِتْلَةً ) بِكَسْرِ الْقَافِ ، أَيْ : بِنَوْعٍ مِنَ الْقَتْلِ ( لَا أَقْتُلُ بِهَا صَاحِبَهُ ) صِفَةٌ لِقَوْلِهِ : قِتْلَةً : ( فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ : آلَةٌ ذَاتُ أَسْنَانٍ يُنْشَرُ بِهَا الْخَشَبُ وَنَحْوُهُ ( عَلَى مَفْرَقِ أَحَدِهِمَا ) الْمَفْرَقُ كَمَقْعَدٍ وَمَجْلِسٍ : وَسَطُ الرَّأْسِ ، وَهُوَ الَّذِي يُفْرَقُ فِيهِ الشَّعْرُ ( وَقَتَلَ الْآخَرَ بِقِتْلَةٍ أُخْرَى ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى ، فَدَعَا بِالْمِيشَارِ ، فَوَضَعَ الْمِيشَارَ فِي مَفْرَقِ رَأْسِهِ ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ ، فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ ، فَأَبَى ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرَقِ رَأْسِهِ ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ، فَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ هَذِهِ تُخَالِفُ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْجَمْعِ ، فَتَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ . ( جَعَلُوا يَتَهَافَتُونَ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ ) أَيْ : يَتَسَاقَطُونَ مِنْهُ ( وَيَتَرَدَّوْنَ ) مِنَ التَّرَدِّي أَيْ يَسْقُطُونَ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا . ( فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى الْبَحْرِ ، فَغَرَّقَ اللَّهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَأَنْجَاهُ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَذَهَبُوا بِهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِم شِئْتَ ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ ، فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ .

( حَتَّى تَصْلُبَنِي ) أَيْ : عَلَى جِذْعٍ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : صَلَبَهُ كَضَرَبَهُ : جَعَلَهُ مَصْلُوبًا كَصَلَّبَهُ ( فَوَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ حِينَ رُمِيَ ثُمَّ مَاتَ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : ثُمَّ رَمَاهُ ، فَوَضعَ السَّهْم فِي صُدْغِهِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ ، فَمَاتَ . ( أَجَزِعْتَ ) بِكَسْرِ الزَّايِ مِنَ الْجَزَعِ ، مُحَرَّكَةٌ وَهُوَ نَقِيضُ الصَّبْرِ ( أَنْ خَالَفَكَ ثَلَاثَةٌ ) أَيِ الْأَعْمَى وَالرَّاهِبُ وَالْغُلَامُ .

( فَخَدَّ ) أَيْ : شَقَّ ( أُخْدُودًا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ : الشَّقُّ الْعَظِيمُ ، وَجَمْعُهُ : أَخَادِيدُ ( يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ ) أَيْ فِي شَأْنِ هَذِهِ الْقِصَّةِ : قُتِلَ أَيْ : لُعِنَ ، وَهُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَقِيلَ جَوَابُهُ : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ أَيِ : الْمَلِكُ الَّذِي خَدَّ الْأُخْدُودَ وَأَصْحَابُهُ ( النَّارِ ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ الْأُخْدُودِ ذَاتِ الْوَقُودِ وَصْفٌ لَهَا بِأَنَّهَا عَظِيمَةٌ ، لَهَا مَا يَرْتَفِعُ بِهِ لَهَبُهَا مِنَ الْحَطَبِ الْكَثِيرِ وَأَبْدَانِ النَّاسِ ، وَبَعْدَهُ إِذْ ظَرْفٌ لِـ قُتِلَ أَيْ : لُعِنُوا حِينَ أَحْرَقُوا بِالنَّارِ قَاعِدِينَ حَوْلَهَا هُمْ عَلَيْهَا أَيْ : حَوْلَهَا عَلَى جَانِبِ الْأُخْدُودِ قُعُودٌ أَيْ : جُلُوسٌ عَلَى الْكَرَاسِيِّ ، ( وَهُمْ ) أَيِ الَّذِينَ خَدُّوا الْأُخْدُودَ وَهُمُ الْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ بِالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ إِيمَانِهِمْ ( شُهُودٌ ) أَيْ : حُضُورٌ . رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ أَنْجَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُلْقَيْنَ فِي النَّارِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ قَبْلَ وُقُوعِهِمْ فِيهَا فَخَرَجَتِ النَّارُ إِلَى مَنْ ثَمَّ فَأَحْرَقَتْهُمْ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا أَيْ : مَا عَابُوا مِنْهُمْ وَمَا أَنْكَرُوا إِلَّا الْإِيمَانَ كَقَوْلِهِ : وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ذَكَرَ الْأَوْصَافَ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا أَنْ يُؤْمَنَ بِهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَزِيزًا غَالِبًا قَادِرًا يُخْشَى عِقَابُهُ حَمِيدًا مُنْعِمًا يَجِبُ لَهُ الْحَمْدُ عَلَى نِعْمَتِهِ ، وَيُرْجَى ثَوَابُهُ ( قَالَ فَيُذْكَرُ أَنَّهُ أُخْرِجَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَخْ ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كَانَ في زَمَانَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَفَرَ خُرْبَةً مِنْ خُرَبِ نَجْرَانَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ ، فَوُجِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ التَّامِرِ تَحْتَ دَفْنٍ فِيهَا قَاعِدًا وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى ضَرْبَةٍ فِي رَأْسِهِ مُمْسِكًا عَلَيْهَا بِيَدِهِ ، فَإِذَا أُخِذَتْ يَدُهُ عَنْهَا انْبَعَثَت دَمًا ، وَإِذَا أُرْسِلَتْ يَدُهُ رُدَّتْ عَلَيْهَا ، فَأَمْسَكَتْ دَمَهَا وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ : رَبِّي اللَّهُ ، فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُخْبِرُ بِأَمْرِهِ ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِمْ أَنْ أَقِرُّوهُ عَلَى حَالِهِ وَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَفَعَلُوا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مِنْهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث