وَمِنْ سُورَةِ الْفَجْرِ
حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا : نا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ، قَالَ : هِيَ الصَّلَاةُ بَعْضُهَا شَفْيعٌ ، وَبَعْضُهَا وِتْرٌ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ أيضا ، عَنْ قَتَادَةَ . ( وَمِنْ سُورَةِ الْفَجْرِ ) مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً ، وَقِيلَ : تِسْعٌ وَعِشْرُونَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ) الْفَلَّاسُ ( وَأَبُو دَاوُدَ ) الطَّيَالِسِيُّ ( قَالَا : نا هَمَّامُ ) بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ الْعَوْذِيُّ ( عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ ) الضُّبَعِيِّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَبِي عُمَارَةَ الْبَصْرِيِّ ، وَالِدِ أَبِي جَمْرَةَ - بِالْجِيمِ - قُتِلَ يَوْمَ الزَّاوِيَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ ، مِنَ الثَّانِيَةِ ، وَقِيلَ : لَهُ صُحْبَةٌ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَقِيلَ : عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ فِي ذِكْرِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ، وَرَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ .
قَوْلُهُ : ( بَعْضُهَا شَفْعٌ ) كَالرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّنَائِيَّةِ ( وَبَعْضُهَا وَتْرٌ ) كَالْمَغْرِبِ ؛ فَإِنَّهَا ثَلَاثٌ ، وَهِيَ وَتْرُ النَّهَارِ ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْوَتْرِ فِي آخِرِ التَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ الشَّفْعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْوَتْرُ مِنْهَا ، لَكِنِ الْحَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، وَهُوَ الرَّاوِي لَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ شَفْعُ كُلِّ الْأَشْيَاءِ وَوَتْرُهَا كَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ ، وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَقِيلَ : شَفْعُ اللَّيَالِي وَوَتْرُهَا ، وَقِيلَ : الشَّفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ ، وَالْوَتْرُ : لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَقِيلَ : الشَّفْعُ الْخَلْقُ ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ، وَقِيلَ : الشَّفْعُ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ، وَالْوَتْرُ : أَيَّامُ مِنًى الثَّلَاثَةُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ : الْعَدَدُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ الْعَدَّ لَا يَخْلُو عَنْهُمَا ، وَقِيلَ : الشَّفْعُ الْحَيَوَانُ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ وَأُنْثَى ، وَالْوَتْرُ : الْجَمَادُ ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا صَاحِبُ فَتْحِ الْبَيَانِ .
وَقَالَ : وَلَا يَخْفَاكَ مَا فِي غَالِبِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنَ السُّقُوطِ الْبَيِّنِ ، وَالضَّعْفِ الظَّاهِرِ ، وَالِاتِّكَالِ فِي التَّعْيِينِ عَلَى مُجَرَّدِ الرَّأْيِ الزَّائِفِ ، وَالَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنَى الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَهُمَا مَعْرُوفَانِ وَاضِحَانِ ، فَالشَّفْعُ عِنْدَ الْعَرَبِ : الزَّوْجُ ، وَالْوَتْرُ : الْفَرْدُ ، فَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ إِمَّا نَفْسُ الْعَدَدِ ، أَوْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْدُودَاتِ بِأَنَّهُ شَفْعٌ أَوْ وَتْرٌ ، وَإِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِ شَيْءٍ مِنَ الْمَعْدُودَاتِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ نَفْسُهُ دُونَ غَيْرِهِ فَذَاكَ ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَنَاوُلِهَا لِغَيْرِهِ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، ( وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَسْقَطَ ذِكْرَ الرَّجُلِ الْمُبْهَمِ . وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ هَذَا هُوَ خَالِدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَزْدِيُّ الْحُدَّانِيُّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ يُغْرِبُ ، مِنَ السَّابِعَةِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ : وَعِنْدِي أَنَّ وَقْفَهُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَشْبَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلَى عِمْرَانَ ، فَهَذَا يُقَوِّي مَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ .