حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ

3355 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ الْحَجَّاجِ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا زِلْنَا نَشُكُّ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ حَتَّى نَزَلَتْ : أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ : مَرَّةً عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ الْمِنْهَالِ .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .

قَوْلُهُ : ( نا حَكَّامُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ ( بْنُ سَلْمٍ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ) الرَّازَيِّ ( عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ( عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ) الْأَسَدِيِّ . قَوْلُهُ : ( مَا زِلْنَا نَشُكُّ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ حَتَّى نَزَلَتْ : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ أَيْ هَذِهِ السُّورَةُ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّكَاثُرِ : التَّفَاخُرُ ، أَيْ : أَشْغَلَتْكُمُ الْمُفَاخَرَةُ وَالْمُبَاهَاةُ وَالْمُكَاثَرَةُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْعَدَدِ وَالْمَنَاقِبِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ رَبِّكُمْ ، وَمَا يُنْجِيكُمْ عَنْ سَخَطِهِ ، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ أَيْ : حَتَّى مِتُّمْ وَدُفِنْتُمْ فِي الْمَقَابِرِ ، يُقَالُ لِمَنْ مَاتَ : زَارَ قَبْرَهُ ، وَزَارَ رَمْسَهُ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ : أَلْهَاكُمْ حِرْصُكُمْ عَلَى تَكْثِيرِ أَمْوَالِكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ حَتَّى أَتَاكُمُ الْمَوْتُ وَأَنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ .

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَلْهَاهُمُ التَّكَاثُرُ أَنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ مَا يَلْقَوْنَ إِذَا هُمْ زَارُوا الْقُبُورَ وَعِيدًا مِنْهُ لَهُمْ وَتَهَدُّدًا ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا ، ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُهُ : ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ كَلَّا مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلُوا أَنْ يُلْهِيَكُمُ التَّكَاثُرُ ، وَقَوْلُهُ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ إِذَا زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ أَيُّهَا الَّذِينَ أَلْهَاهمُ التَّكَاثُرُ غِبَّ فِعْلِكُمْ وَاشْتِغَالِكُمْ بِالتَّكَاثُرِ فِي الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ رَبِّكُمْ ، وَقَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلُوا أَنْ يُلْهِيَكُمُ التَّكَاثُرُ بِالْأَمْوَالِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ إِذَا زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ مَا تَلْقَوْنَ إِذَا أَنْتُمْ زُرْتُمُوهَا مِنْ مَكْرُوهِ اشْتِغَالِكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ بِالتَّكَاثُرِ ، وَكَرَّرَ قَوْلَهُ : ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتِ التَّغْلِيظَ فِي التَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ كرروا الْكَلِمَةَ مَرَّتَيْنِ ، انْتَهَى .

[ تَنْبِيهٌ ] : اعْلَمْ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ ؛ أحْدَهَا هَذِهِ الْآيَةُ ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ إِلَخْ ، وَأَصْرَحُهَا وَأَوْضَحُهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ

قَالَ الْعَلَّامَةُ نِظَامُ الدِّينِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِه هَذِهِ الْآيَةِ ص 38 ج 24 مَا لَفْظُهُ : وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ ؛ لِأَنَّ تَعْذِيبَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَجِيءُ فِي قَوْلِهِ : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ انْتَهَى .

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا انْتَهَى .

وَقَالَ الرَّازِيُّ : احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ ، قَالُوا : الْآيَةُ تَقْضِي عَرْضَ النَّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَيْضًا الدُّنْيَا لِأَنَّ عَرْضَ النَّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، مَا كَانَ حَاصِلًا فِي الدُّنْيَا ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ إِنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ ، وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ . فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ عَرْضِ النَّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا عَرْضَ النَّصَائِحِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدِّينِ إِذَا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ وَخَوَّفُوهُمْ بِعَذَابِ اللَّهِ فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النَّارَ ، ثُمَّ نَقُولُ فِي الْآيَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ . وَقَوْلُهُ : يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْصُلَ ذَلِكَ الْعَذَابُ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ .

الثَّانِي : أَنَّ الْغُدْوَةَ وَالْعَشِيَّةَ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ فِي الدُّنْيَا ، أَمَّا فِي الْقَبْرِ فَلَا وُجُودَ لَهُمَا ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ فِي الدُّنْيَا عُرِضَ عَلَيْهِمْ كَلِمَاتٌ تُذَكِّرُهُمْ أَمْرَ النَّارِ ، لَا أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ نَفْسُ النَّارِ ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ : يَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَلِمَاتُ الْمُذَكِّرَةُ لِأَمْرِ النَّارِ كَانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْعُدُولِ إِلَى الْمَجَازِ .

أَمَّا قَوْلُهُ : الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ هَذَا الْعَذَابِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، قُلْنَا : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى فِي الْقَبْرِ بِإِيصَالِ الْعَذَابِ إِلَيْهِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ، ثُمَّ عِنْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ يُلْقَى فِي النَّارِ فَيَدُومُ عَذَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَيْضًا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْغُدْوَةِ وَالْعَشِيَّةِ كِنَايَةً عن الدَّوَامِ كَقَوْلِهِ : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا أَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَبْرِ وَالْقِيَامَةِ غُدْوَةٌ وَعَشِيَّةٌ قُلْنَا : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ ، انْتَهَى .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث