وَمِنْ سُورَةِ الْكَوْثَرِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رَأَيْتُ نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ حَافَّتيهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ ، قُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِئيلُ ؟ قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( وَمِنْ سُورَةِ الْكَوْثَرِ ) مَكِّيَّةٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَهِيَ ثَلَاثُ آيَاتٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾أَيْ : عَنْ أَنَسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فَوْعَلٍ مِنَ الْكَثْرَةِ ، سُمِّيَ بِهِ النَّهْرُ ؛ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَآنِيَتِهِ وَعِظَمِ قَدْرِهِ وَخَيْرِهِ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كَثِيرٍ فِي الْعَدَدِ أَوِ الْقَدْرِ وَالْمخَطَرِ كَوْثَرًا . ( حَافَتَيْهِ ) بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ : فِي جَانِبَيْهِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : حَافَتَا الْوَادِي وَغَيْرِهِ : جَانِبَاهُ ، وَالْجَمْعُ حَافَّاتٌ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : حَافَّتَاهُ بِالْأَلِفِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ ( قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ ) وَالْقِبَابُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى ، جَمْعُ قُبَّةٍ ، وَهُوَ بِنَاءٌ سَقْفُهُ مُسْتَدِيرٌ مُقَعرٌ . ( قُلْتُ : مَا هَذَا ) أَيْ مَا هَذَا النَّهْرُ ( قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ ) هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَوْثَرِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾هُوَ هَذَا النَّهْرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾قَالَتْ : نَهْرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، الْحَدِيثَ ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْكَوْثَرُ : الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ .
قَالَ أَبُو بِشْرٍ : قُلْتُ لِسَعِيدٍ : إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ . قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا تَأْوِيلٌ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَمَعَ بِهِ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ ، لَا يُخَالِفُ قَوْلَ غَيْرِهِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّهْرَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ ، وَلَعَلَّ سَعِيدًا أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْلَى ؛ لِعُمُومِهِ ، لَكِنْ ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّهْرِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ . انْتَهَى .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْكَوْثَرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ أَعْطَاهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالْكَوْثَرِ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حَوْضٌ أُعْطِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ : هُوَ اسْمُ النَّهْرِ الَّذِي أُعْطِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنَّةِ ، وَصَفَهُ اللَّهُ بِالْكَثْرَةِ لِعِظَم قَدْرِهِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ ؛ لِتَتَابُعِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَهَا بِهَذَا الْخِطَابِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَانْحَرْ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : حَضَّهُ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَعَلَى الْحِفْظِ عَلَيْهَا فِي أَوْقَاتِهَا بِقَوْلِهِ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ : فَصَلِّ لِرَبِّكَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَبِقَوْلِهِ : وَانْحَرْ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ إِلَى النَّحْرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَالدُّخُولِ فِيهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : فَصَلِّ لِرَبِّكَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَبِقَوْلِهِ : وَانْحَرْ نَحْرَ الْبُدْنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : صَلِّ يَوْمَ النَّحْرِ صَلَاةَ الْعِيدِ وَانْحَرْ نُسُكَكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : قِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّ قَوْمًا كَانُوا يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَيَنْحَرُونَ لِغَيْرِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : اجْعَلْ صَلَاتَكَ وَنَحْرَكَ لِلَّهِ ، إِذْ كَانَ مَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ يَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ . ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ حُصِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ ، وَصُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَنْحَرَ الْبُدْنَ وَيَنْصَرِفَ فَفَعَلَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ فَصَلِّ وَادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَاجْعَلْ صَلَاتَكَ كُلَّهَا لِرَبِّكَ خَالِصًا دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ ، وَكَذَلِكَ نَحْرُكَ اجْعَلْهُ لَهُ دُونَ الْأَوْثَانِ شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ الَّذِي لَا كُفْءَ لَهُ ، وَخَصَّكَ بِهِ مِنْ إِعْطَائِهِ إِيَّاكَ الْكَوْثَرَ . وَإِنَّمَا قُلْتُ : ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَخْبَرَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ عَطِيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ ، وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِالْكَوْثَرِ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ خَصَّهُ بِالصَّلَاةِ لَهُ وَالنَّحْرِ عَلَى الشُّكْرِ لَهُ عَلَى مَا أَعْلَمَهُ مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ بِإِعْطَائِهِ إِيَّاهُ الْكَوْثَرَ ، فَلَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ ، وَبَعْضِ النَّحْرِ دُونَ بَعْضٍ وَجْهٌ إِذ كَانَ حَثًّا عَلَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ الْكَوْثَرَ إِنْعَامًا مِنَّا عَلَيْكَ بِهِ ، وَتَكْرِمَةً مِنَّا لَكَ ، فَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ الْعِبَادَةَ ، وَأَفْرِدْ لَهُ صَلَاتَكَ وَنُسُكَكَ خِلَافًا لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ ، وَنَحَرَ لِلْأَوْثَانِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .