بَاب مِنْهُ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ . قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ مِثْلَ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْهُ فَأَرْسَلَهُ . بَابٌ مِنْهُ قَوْلُهُ : ( عَنْ زِيَادٍ ) هُوَ ابْنُ أبي زِيَادٍ مَيْسَرَةُ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ السُّكُونِيُّ ، حِمْصِيٌّ مَشْهُورٌ مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ .
قَوْلُهُ : ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ ) أَيْ أَلَا أُخْبِرُكُمْ ( وَأَزْكَاهَا ) أَيْ أَنْمَاهَا وَأَنْقَاهَا ، وَالزَّكَاءُ النَّمَاءُ وَالْبَرَكَةُ ( عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ) الْمَلِيكُ بِمَعْنَى الْمَالِكُ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْمَلِكُ كَكَتِفٍ وَأَمِيرٍ وَصَاحِبٍ ، ذُو الْمُلْكِ ( وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيِ الْفِضَّةُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ ( وَخَيْرٍ ) مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى ( خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ) مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى : أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَذْلِ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، انْتَهَى . وَقِيلَ : عَطْفٌ عَلَى ( خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَيْرُ الْأَعْمَالِ مُطْلَقًا ، وَهَذَا خَيْرٌ مِنْ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ ، أَوْ عَطْفٌ مُغَايِرٌ بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الْأَعْمَالُ اللِّسَانِيَّةُ ، فَيَكُونُ ضِدَّ هَذَا ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْفِعْلِيَّةِ ( قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ : هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ ، بَلْ قَدْ يَأْجُرُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَلِيلِ الْأَعْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْجُرُ عَلَى كَثِيرِهَا ، فَإِذَا الثَّوَابُ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَفَاوُتِ الرُّتَبِ فِي الشَّرَفِ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ، وَابْنُ شَاهِينَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الذِّكْرِ ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا فِي الْمُوَطَّأِ وَقَفَهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ .
قَوْلُهُ : ( مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) ( مِنْ ) الْأُولَى صِلَةُ أَنْجَى وَالثَّانِيَةُ تَفْضِيلِيَّةٌ . اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ : قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ ، فَفِي الْمُوَطَّأِ مَالِكٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ لَكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ؟ إِلَى قَوْلِهِ : قَالُوا : بَلَى . قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى .
قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ : وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلَ مُعَاذٍ هَذَا مَرْفُوعًا ( وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ) كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَمِكِّيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ .