بَاب مِنْهُ
بَاب مِنْهُ
3419 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قال : ثَنِي أَبِي ، قال : ثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيْلَةً حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي ، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي ، وَتَلُمُّ بِهَا شَعَثِي ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي ، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي ، وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي ، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي ، وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي ، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ ، وَرَحْمَةً أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ فِي الْقضاءِ وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أُنْزِلُ بِكَ حَاجَتِي وَإِنْ قَصُرَ رَأْيِي وَضَعُفَ عَمَلِي ، افْتَقَرْتُ إِلَى رَحْمَتِكَ ، فَأَسْأَلُكَ يَا قَاضِيَ الْأُمُورِ وَيَا شَافِيَ الصُّدُورِ كَمَا تُجِيرُ بَيْنَ الْبُحُورِ أَنْ تُجِيرَنِي مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ، وَمِنْ دَعْوَةِ الثُّبُورِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ ، اللَّهُمَّ مَا قَصُرَ عَنْهُ رَأْيِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيَّتِي وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِي مِنْ خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أَوْ خَيْرٍ أَنْتَ مُعْطِيهِ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ ، فَإِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ وَأَسْأَلُكَهُ بِرَحْمَتِكَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ، اللَّهُمَّ ذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ ، وَالْأَمْرِ الرَّشِيدِ أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ ، وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ ، الرُّكَّعِ السُّجُودِ ، الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ ، إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودٌ ، وَإِنك تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هَادِينَ مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ ، سِلْمًا لِأَوْلِيَائِكَ ، وَعَدُوًّا لِأَعْدَائِكَ ، نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ ، وَنُعَادِي بِعَدَاوَتِكَ مَنْ خَالَفَكَ ، اللَّهُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الْإِجَابَةُ ، وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَلْبِي ، وَنُورًا فِي قَبْرِي ، وَنُورًا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ، وَنُورًا مِنْ خَلْفِي ، وَنُورًا عَنْ يَمِينِي ، وَنُورًا عَنْ شِمَالِي ، وَنُورًا مِنْ فَوْقِي ، وَنُورًا مِنْ تَحْتِي ، وَنُورًا فِي سَمْعِي ، وَنُورًا فِي بَصَرِي ، وَنُورًا فِي شَعْرِي ، وَنُورًا فِي بَشَرِي ، وَنُورًا فِي لَحْمِي ، وَنُورًا فِي دَمِي ، وَنُورًا فِي عِظَامِي ، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا ، وَاجْعَلْ لِي نُورًا ، سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ الْعِزَّ وَقَالَ بِهِ ، سُبْحَانَ الَّذِي لَبِسَ الْمَجْدَ وَتَكَرَّمَ بِهِ ، سُبْحَانَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ ، سُبْحَانَ ذِي الْفَضْلِ وَالنِّعَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ بِطُولِهِ .
باب منه
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الدَّارِمِيُّ ( أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ محمد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ( ثَنِي أَبِي ) أَيْ عِمْرَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مَقْبُولٌ ، مِنَ الثَّامِنَةِ ( ثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي ، صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ جِدًّا ، مِنَ السَّابِعَةِ ( عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : دَاوُدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ أَبُو سَلْيمَانَ أَمِيرُ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مَقْبُولٌ ، مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْكَ ( رَحْمَةً ) أَيْ عَظِيمَةً كَمَا أَفَادَهُ تَنْكِيرُهُ ( مِنْ عِنْدِكَ ) أَيِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ( تَهْدِي ) أَيْ تُرْشِدُ ( بِهَا قَلْبِي ) إِلَيْكَ وَتُقَرِّبُهُ لَدَيْكَ وَخَصَّهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعَقْلِ وَمَنَاطُ التَّجَلِّي ( وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي ) أَيْ أَمْرِي الْمُتَفَرِّقَ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ : تَجْمَعُ بِهَا شَمْلِي أَيْ مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِي وَتَفَرَّقَ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، يُقَالُ : جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُمْ ، أَيْ مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَفَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُمْ ، أَيْ مَا اجْتَمَعَ مِنْ أَمْرِهِمْ ( وَتَلُمُّ ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيْ تَجْمَعُ ( شَعَثِي ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ مَا تَفَرَّقَ مِنْ أَمْرِي ، يُقَالُ : لَمَّ اللَّهُ شَعَثَ فُلَانٍ أَيْ قَارَبَ بَيْنَ شَتِيتِ أُمُورِهِ وَأَصْلَحَ مِنْ حَالِهِ مَا تَشَعَّثَ ( غَائِبِي ) أَيْ مَا غَابَ عَنِّي أَيْ بَاطِنِي بِكِمَال الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ الْحِسَانِ وَالْمَلَكَاتِ الْفَاضِلَةِ ( شَاهِدِي ) أَيْ ظَاهِرِي بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْخِلَالِ الْحَمِيدَةِ ( وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي ) أَيْ تَزِيدُهُ
وَتَنُمِّيهِ وَتُطَهِّرُهُ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ( وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي ) أَيْ تَهْدِينِي بِهَا إلى مَا يُرْضِيكَ وَيُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ ( وَتَرُدُّ بِهَا أُلْفَتِي ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتُكْسَرُ أَيْ أَلِيفِي أَوْ مَأْلُوفِي ، أَيْ مَا كُنْتُ آلَفُهُ ( وَتَعْصِمُنِي ) أَيْ تَمْنَعُنِي وَتَحْفَظُنِي ( بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ ) أَيْ تَصْرِفُنِي عَنْهُ وَتَصْرِفُهُ عَنِّي ( لَيْسَ بَعْدَهُ كُفْرٌ ) فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ نُورُ الْيَقِينِ انْزَاحَ عَنْهُ ظَلَامُ الشَّكِّ وَغَيْمُ الرَّيْبِ ( وَرَحْمَةً ) أَيْ عَظِيمَةً ( أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) أَيْ عُلُوَّ الْقَدْرِ فِيهِمَا ( الْفَوْزَ فِي الْقَضَاءِ ) أَيِ الْفَوْزَ بِاللُّطْفِ فِيهِ ( نُزُلَ الشُّهَدَاءِ ) النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ وَقَدْ تُسَكَّنُ الزَّايُ أَيْ مَنْزِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوْ دَرَجَتَهُمْ فِي الْقُرْبِ مِنْكَ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ ، وَمَنْزِلُهُ أَوْفَى وَأَفْخَمَ ، لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ لِلتَّشْرِيعِ . قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَصْلُهُ قِرَى الضَّيْفِ يُرِيدُ مَا لِلشُّهَدَاءِ مِنَ الْأَجْرِ ( وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ ) الَّذِينَ قَدَّرْتَ لَهُمُ السَّعَادَةَ الْأُخْرَوِيَّةَ ( إِنِّي أُنْزِلُ ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ أَيْ أُحِلُّ ( بِكَ حَاجَتِي ) أَيْ أَسْأَلُكَ قَضَاءَ مَا أَحْتَاجُهُ مِنْ أَمْرِ الدَّارَيْنِ ( وَإِنْ قَصَّرَ رَأْيِي ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ مِنَ التَّقْصِيرِ ، أَيْ عَجَزَ عَنْ إِدْرَاكِ مَا هُوَ أَنْجَحُ وَأَصْلُهُ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ ( وَضَعُفَ عَمَلِي ) أَيْ عِبَادَتِي عَنْ بُلُوغِ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ ( فَأَسْأَلُكَ ) ، أَيْ فَبِسَبَبِ ضَعْفِي وَافْتِقَارِي إِلَيْكَ أَطْلُبُ مِنْكَ ( يَا قَاضِيَ الْأُمُورِ ) حَاكِمَهَا وَمُحْكِمَهَا ( وَيَا شَافِيَ الصُّدُورِ ) أَيْ مُدَاوِيَ الْقُلُوبِ مِنْ أَمْرَاضِهَا الَّتِي إِنْ تَوَالَتْ عَلَيْهَا أَهْلَكَتْهَا هَلَاكَ الْعَبْدِ ( كَمَا تُجِيرُ ) أَيْ تَفْصِلُ وَتَحْجِزُ ( بَيْنَ الْبُحُورِ ) أَيْ تَمْنَعُ أَحَدَهَا مِنَ الِاخْتِلَاطِ بِالْآخَرِ مَعَ الِاتِّصَالِ ( أَنْ تُجِيرَنِي ) أَيْ تَمْنَعَنِي ( مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ) بِأَنْ تَحْجِزَهُ عَنِّي وَتَمْنَعَهُ مِنِّي ( وَمِنْ دَعْوَةِ الثُّبُورِ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ هُوَ الْهَلَاكُ أَيْ أَجِرْنِي مِنْ أَنْ أَدْعُوَ ثُبُورًا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ النَّارِ : ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ بِأَنْ تَرْزُقَنِي الثَّبَاتَ عِنْدَ سُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ ( وَمَا قَصَّرَ عَنْهُ رَأْيِي ) أَيِ اجْتِهَادِي فِي تَدْبِيرِي ( وَلَمْ تَبْلُغْهُ نِيَّتِي ) أَيْ تَصْحِيحُهَا فِي ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ ( وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِي ) إِيَّاكَ ( أَوْ خَيْرٍ أَنْتَ مُعْطِيهِ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةٍ وَعَدَّلَهُ بِخُصُوصِهِ فَلَا يُعَدُّ مَعَ مَا قَبْلَهُ تَكْرَارًا ( فَإِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ ) أَيْ فِي حُصُولِهِ مِنْكَ لِي ( بِرَحْمَتِكَ ) الَّتِي لَا نِهَايَةَ لِسَعَتِهَا ( اللَّهُمَّ ذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : هَكَذَا يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُونَ بِالْبَاءِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ أَوِ الدِّينُ أَوِ السَّبَبُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَصَفَهُ بِالشِّدَّةِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الْحِبَالِ ، وَالشِّدَّةُ فِي الدِّينِ الثَّبَاتُ وَالِاسْتِقَامَةُ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الصَّوَابُ الْحِيَلُ بِالْيَاءِ وَهُوَ الْقُوَّةُ يُقَالُ : حَوْلٌ وَحَيْلٌ بِمَعْنًى ، انْتَهَى . ( وَالْأَمْرِ الرَّشِيدِ ) أَيِ السَّدِيدِ الْمُوَافِقِ لِغَايَةِ الصَّوَابِ ، أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ مِنَ الْفَزَعِ وَالْأَهْوَالِ ( يَوْمَ الْوَعِيدِ ) لِلْكُفَّارِ بِالْعَذَابِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ( يَوْمَ الْخُلُودِ ) أَيْ خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ ( الشُّهُودِ ) جَمْعُ الشَّاهِدِ أَيِ النَّاظِرِينَ إِلَى رَبِّهِمْ ( الرُّكَّعِ السُّجُودِ ) الْمُكْثِرِينَ لِلصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الدُّنْيَا ( الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ ) بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ( وَدُودٌ ) أَيْ شَدِيدُ الْحُبِّ لِمَنْ وَالَاكَ ( وَإِنَّكَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ ) فَتُعْطِي مَنْ تَشَاءُ مَسْئُولَهُ وَإِنْ عَظُمَ ( هَادِينَ ) أَيْ دَالِّينَ لِلْخَلْقِ عَلَى مَا يُوصِلُهُمْ إِلَى الْحَقِّ ( مُهْتَدِينَ ) أَيْ إِلَى إِصَابَةِ الصَّوَابِ قَوْلًا وَعَمَلًا ( غَيْرَ ضَالِّينَ ) عَنِ الْحَقِّ ( وَلَا مُضِلِّينَ ) لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ ( سَلْمًا ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ صُلْحًا ( لِأَوْلِيَائِكَ ) أَيْ حِزْبِكَ ( لِأَعْدَائِكَ ) مِمَّنِ اتَّخَذَ لَكَ شَرِيكًا أَوْ نِدًّا ( نُحِبُّ بِحُبِّكَ ) أَيْ بِسَبَبِ حُبِّنَا لَكَ ( بِعَدَاوَتِكَ ) أَيْ بِسَبَبِ عَدَاوَتِكَ ( مَنْ خَالَفَكَ ) أَيْ خَالَفَ أَمْرَكَ ( اللَّهُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ ) أَيْ مَا أَمْكَنَنَا مِنْهُ قَدْ أَتَيْنَا بِهِ وَلَمْ نَأْلُ جَهْدًا وَهُوَ مَقْدُورُنَا ( وَعَلَيْكَ الْإِجَابَةُ ) فَضْلًا مِنْكَ لَا وُجُوبًا ( وَهَذَا الْجُهْدُ ) بِالضَّمِّ وَتُفْتَحُ الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ ( وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ ) بِضَمِّ التَّاءِ أَيِ الِاعْتِمَادُ ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُورًا ) أَيْ عَظِيمًا فَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ ( وَنُورًا فِي قَبْرِي ) أَسْتَضِيءُ بِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّحْدِ ( وَنُورًا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ) أَيْ يَسْعَى أَمَامِي ( وَنُورًا مِنْ خَلْفِي ) أَيْ مِنْ وَرَائِي لِيَتْبَعَنِي أَتْبَاعِي وَيَقْتَدِيَ بِي أَشْيَاعِي ( وَنُورًا عَنْ يَمِينِي وَنُورًا عَنْ شِمَالِي وَنُورًا مِنْ فَوْقِي وَنُورًا مِنْ تَحْتِي ) يَعْنِي اجْعَلِ النُّورَ يَحُفُّنِي مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ السِّتِّ ( وَنُورًا فِي سَمْعِي وَنُورًا فِي بَصَرِي ) وَبِزِيَادَةِ ذَلِكَ تَزْدَادُ الْمَعَارِفُ ( وَنُورًا فِي بَشَرِي ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ ظَاهِرِ جِلْدِي ( وَنُورًا فِي لَحْمِي ) الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ( وَنُورًا فِي دَمِي وَنُورًا فِي عِظَامِي ) نَصَّ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ إِبْلِيسَ يَأْتِي الْإِنْسَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ فَيُوَسْوِسُهُمْ ، فَدَعَا بِإِثْبَاتِ النُّورِ فِيهَا لِيَدْفَعَ ظُلْمَتَهُ ( اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ ، أَيِ اجْعَلْ لِي نُورًا شَامِلًا لِلْأَنْوَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذِهِ الْأَنْوَارُ الَّتِي دَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا ، فَيَكُونُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الظُّلَمِ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ ، أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ . قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : هِيَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ثُمَّ قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ النُّورَ مُظْهِرٌ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ ، فَنُورُ السَّمْعِ مُظْهِرٌ لِلْمَسْمُوعَاتِ ، وَنُورُ الْبَصَرِ كَاشِفٌ لِلْمُبْصِرَاتِ ، وَنُورُ الْقَلْبِ كَاشِفٌ عَنِ الْمَعْلُومَاتِ ، وَنُورُ الْجَوَارِحِ مَا يَبْدُو عَلَيْهَا مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى طَلَبِ النُّورِ لِلْأَعْضَاءِ عُضْوًا عُضْوًا أَنْ يَتَحَلَّى بِأَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَاتِ وَيَتَعَرَّى عَمَّا عَدَاهُمَا ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تُحِيطُ بِالْجِهَاتِ السِّتِّ بِالْوَسَاوِسِ ، فَكَانَ التَّخَلُّصُ مِنْهَا بِالْأَنْوَارِ السَّادَّةِ لِتِلْكَ الْجِهَاتِ ، قَالَ : وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْهِدَايَةِ وَالْبَيَانِ وَضِيَاءِ الْحَقِّ ، وَإِلَى ذَلِكَ يُرْشِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ
انْتَهَى مُلَخَّصًا ( تَعَطَّفَ الْعِزَّ ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : أَيِ تَرَدَّى بِالْعِزِّ ، الْعِطَافُ وَالْمِعْطَفُ الرِّدَاءُ وَقَدْ تَعَطَّفَ بِهِ وَاعْتَطَفَ وَتَعَطَّفَهُ وَاعْتَطَفَهُ وَسُمِّيَ عِطَافًا ؛ لِوُقُوعِهِ عَلَى عِطْفَيِ الرَّجُلِ وَهُمَا نَاحِيَتَا عُنُقِهِ ، وَالتَّعَطُّفُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَجَازٌ يُرَادُ بِهِ الِاتِّصَافُ ، كَأَنَّ الْعِزَّ شَمَلَهُ شُمُولَ الرِّدَاءِ ( وَقَالَ بِهِ ) أَيْ أَحَبَّهُ وَاخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ يَقُولُ بِفُلَانٍ ، أَيْ بِمَحَبَّتِهِ وَاخْتِصَاصِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ حَكَمَ بِهِ ، فَإِنَّ الْقَوْلَ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الْحُكْمِ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مَعْنَاهُ غَلَبَ بِهِ ، وَأَصْلُهُ مِنَ القَيْلِ الْمَلِكُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفُذُ قَوْلُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( لَبِسَ الْمَجْدَ ) أَيِ ارْتَدَى بِالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ ( وَتَكَرَّمَ بِهِ ) أَيْ تَفَضَّلَ وَأَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ ( لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ ) أَيْ لَا يَنْبَغِي التَّنْزِيهُ الْمُطْلَقُ إِلَّا لِجَلَالِهِ تَقَدَّسَ ( ذِي الْفَضْلِ ) أَيِ الزِّيَادَةِ فِي الْخَيْرِ ( وَالنِّعَمِ ) جَمْعُ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى إِنْعَامٍ ( ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) أَيِ الَّذِي يُجِلُّهُ الْمُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ وَعَنْ أَفْعَالِهِمْ أَوِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : مَا أَجَلَّكَ وَمَا أَكْرَمَكَ ! . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَفِي أَسَانِيدِهِ مَقَالٌ لَكِنَّهَا تَعَاضَدَتْ ( لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا ) أَيْ مُطَوَّلًا ( وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْحَدِيثِ ) أَيْ مُخْتَصَرًا ( وَلَمْ يَذْكُرْهُ ) أَيْ لَمْ يُذْكَرْ أَحَدٌ مِنْهُمَا ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ هَذِهِ أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .