بَاب فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
3603 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا أبو معاوية ، وَابن نمير ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ اللَّهُ تعالى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي ، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَإِنْ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَيُرْوَى عَنْ الْأَعْمَشِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ؛ يَعْنِي بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَهَكَذَا فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالُوا : إِنَّمَا مَعْنَاهُ يَقُولُ : إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْعَبْدُ بِطَاعَتِي وَبمَا أَمَرْتُ تسارع إِلَيْهِ مَغْفِرَتِي وَرَحْمَتِي .
، ، ، ، ، قَوْلُهُ : ( وَابْنُ نُمَيْرٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قَوْلُهُ : ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي ) الْمُؤْمِنِ ( بِي ) قَالَ الطِّيبِيُّ : الظَّنُّ لَمَّا كَانَ وَاسِطَةً بَيْنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ اسْتُعْمِلَ تَارَةً بِمَعْنَى اليَقِينٍ ، وَذَلِكَ إِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُهُ ، وَبِمَعْنَى الشَّكِّ إِذَا ضَعُفَتْ عَلَامَاتُهُ ، وَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ أَيْ : يُوقِنُونَ ، وَعَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ أَيْ : تَوَهَّمُوا ، وَالظَّنُّ فِي الْحَدِيثِ يَجُوزُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَا أُعَامِلُهُ عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِ بِي ، وَأَفْعَلُ بِهِ مَا يَتَوَقَّعُهُ مِنِّي مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَالْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى تَغْلِيبِ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ كَقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- : لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالظَّنِّ الْيَقِينُ ، وَالْمَعْنَى : أَنَا عِنْدَ يَقِينِهِ بِي وَعِلْمِهِ بِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَيَّ وَحِسَابَهُ عَلَيَّ ، وَأَنَّ مَا قَضَيْتُ بِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَا مَرَدَّ لَهُ ، لَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتُ ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتُ . انْتَهَى .
وَقَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : مَعْنَاهُ بِالْغُفْرَانِ لَهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ ، وَالْقَبُولِ إِذَا تَابَ ، وَالْإِجَابَةِ إِذَا دَعَا ، وَالْكِفَايَةِ إِذَا طَلَبَهَا ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ الرَّجَاءُ وَتَأْمِيلُ الْعَفْوِ وَهَذَا أَصَحُّ .
( وَأَنَا مَعَهُ ) أَيْ : بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالرِّعَايَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِعَانَةِ ، أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ فَمَعْنَاهُ بِالْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ) أَيْ : إِنْ ذَكَرَنِي بِالتَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ سِرًّا ذَكَرْتُهُ بِالثَّوَابِ وَالرَّحْمَةِ سِرًّا . قَالَهُ الْحَافِظُ .
( وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَهْمُوزٌ أَيْ : مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ فِي حَضْرَتِهِمْ ( ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ ) يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ ( مِنْهُمْ ) أَيْ : مِنْ مَلَأِ الذَّاكِرِينَ ( وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا ) أَيْ : مِقْدَارًا قَلِيلًا ، قَالَ الطِّيبِيُّ : شِبْرًا وَذِرَاعًا وَبَاعًا فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ : مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ مِقْدَارَ شِبْرٍ ( وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ) هُوَ قَدْرُ مَدِّ الْيَدَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَدَنِ ( وَإِنْ أَتَانِي ) حَالَ كَوْنِهِ ( يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) هِيَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ دُونَ الْعَدْوِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : هِيَ حَالٌ أَيْ : مُهَرْوِلًا ، أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ؛ لِأَنَّ الْهَرْوَلَةَ نَوْعٌ مِنَ الْإِتْيَانِ فَهُوَ كَرَجَعْتُ الْقَهْقَرَى ، لَكِنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَالِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ قَرِينَهُ يَمْشِي حَالٌ لَا مَحَالَةَ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَيَسْتَحِيلُ إِرَادَةُ ظَاهِرِهِ ، وَمَعْنَاهُ : مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَتِي تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَالتَّوْفِيقِ ، أو الْإِعَانَةِ ، وإِنْ زَادَ زِدْتُ فَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً أَيْ : صَبَبْتُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ وَسَبَقْتُهُ بِهَا ، وَلَمْ أُحْوِجْهُ إِلَى الْمَشْيِ الْكَثِيرِ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْمَقْصُودِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ جَزَاءَهُ يَكُونُ تَضْعِيفَهُ عَلَى حَسَبِ تَقَرُّبِهِ . انْتَهَى .
وَكَذَا قَالَ الطِّيبِيُّ وَالْحَافِظُ وَالْعَيْنِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ ، وَابْنُ التِّينِ ، وَصَاحِبُ الْمَشَارِقِ ، وَالرَّاغِبُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ( وَيُرْوَى عَنِ الْأَعْمَشِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ : " مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا " يَعْنِي بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَكَذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَخْ ) وَكَذَا فَسَّرَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا عَرَفْتَ .
قُلْتُ : لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ فَضْلِ الصَّدَقَةِ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ إِلَخْ ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ وَنُزُولِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالُوا : قَدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا ، وَنُؤْمِنُ بِهَا ، وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ : كَيْفَ ؟ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ ، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ إِلَخْ .