مَنَاقِبِ أبي حفص عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
باب
3690 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، ثَنِي أَبِي قال : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَال : سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ يَقُولُ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي ، وَإِلَّا فَلَا . فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتْ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ ! إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتْ الدُّفَّ !
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا انْصَرَفَ ) ؛ أَيْ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ ) ؛ أَيْ حَضَرَتْ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( سَالِمًا ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " صَالِحًا " ؛ أَيْ مَنْصُورًا . ( بَيْنَ يَدَيْكَ ) ؛ أَيْ قُدَّامَكَ وَفِي حُضُورِكَ . ( بِالدُّفِّ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَهُوَ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ ، وَرُوِيَ الْفَتْحُ أَيْضًا ؛ هُوَ مَا يُطَبَّلُ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الدُّفُّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ الْجَلَاجِلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا اتِّفَاقًا .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ الَّذِي فِيهِ قُرْبَةٌ وَاجِبٌ ، وَالسُّرُورُ بِمَقْدِمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرْبَةٌ سِيَّمَا مِنَ الْغَزْوِ الَّذِي فِيهِ تُهْلَكُ الْأَنْفُسُ ، وَعَلَى أَنَّ الضَّرْبَ بِالدُّفِّ مُبَاحٌ ، وَفِي قَوْلِهَا " وَأَتَغَنَّى " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَمَاعَ صَوْتِ الْمَرْأَةِ بِالْغِنَاءِ مُبَاحٌ إِذَا خَلَا عَنِ الْفِتْنَةِ .
( إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي ، وَإِلَّا فَلَا ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الدُّفِّ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالنَّذْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا وَرَدَ فِيهِ الْإِذْنُ مِنَ الشَّارِعِ كَضَرْبِهِ فِي إِعْلَانِ النِّكَاحِ ، فَمَا اسْتَعْمَلَهُ بَعْضُ مَشَائخِ الْيَمَنِ مِنْ ضَرْبِ الدُّفِّ حَالَ الذِّكْرِ فَمِنْ أَقْبَحِ الْقَبِيحِ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَنَاصِرٌ نَبِيَّهُ ، قَالَهُ الْقَارِي . ( وَهِيَ تَضْرِبُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، ( تَحْتَ اسْتِهَا ) بِهَمْزِ وَصْلٍ مَكْسُورٍ وَسُكُونِ سِينٍ ؛ أَيْ إِلْيَتِهَا . ( ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ ) ؛ أَيْ عَلَى الدُّفِّ ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : وَإِنَّمَا مَكَّنَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ضَرْبِ الدُّفِّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّهَا نَذَرَتْ ، فَدَلَّ نَذْرُهَا عَلَى أَنَّهَا عَدَّتِ انْصِرَافَهُ
عَلَى حَالِ السَّلَامَةِ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهَا ، فَانْقَلَبَ الْأَمْرُ فِيهِ مِنْ صَنْعَةِ اللَّهْوِ إِلَى صَنْعَةِ الْحَقِّ وَمِنَ الْمَكْرُوهِ إِلَى الْمُسْتَحَبِّ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ بِهِ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِأَدْنَى ضَرْبٍ ثُمَّ عَادَ الْأَمْرُ فِي الزِّيَادَةِ إِلَى حَدِّ الْمَكْرُوهِ ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَمْنَعَهَا لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْجِعُ إِلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ ، فلِذَا سَكَتَ عَنْهَا وَحَمِدَ انْتِهَاءَهَا عَمَّا كَانَتْ فِيهِ بِمَجِيءِ عُمَرَ . انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي : وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَمْنَعَهَا مَنْعًا لَا يَرْجِعُ إِلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ قَرَّرَ إِمْسَاكَهَا عَنْ ضَرْبِ الدُّفِّ هَاهُنَا بِمَجِيءِ عُمَرَ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ " وَلَمْ يُقَرِّرِ انْتِهَارَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْجَارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُدَفِّفَانِ أَيَّامَ مِنًى ؟ قُلْتُ : مُنِعَ أَبُو بَكْرٍ بِقَوْلِهِ " دَعْهُمَا " ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ " فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ " وَقَرَّرَ ذَلِكَ هُنَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ مُتَفَاوِتَةٌ ، فَمِنْ حَالَةٍ تَقْتَضِي الِاسْتِمْرَارَ وَمِنْ حَالَةٍ لَا تَقْتَضِيهِ ، انْتَهَى .
( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ ) ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيك الشَّيْطَانَ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ " . قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِعُمَرَ تَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ لَا أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الْعِصْمَةِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا فِرَارُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي طَرِيقٍ يَسْلُكُهَا ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وَسْوَسَتِهِ لَهُ بِحَسَبِ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ قُدْرَتُهُ ، فَإِنْ قِيلَ : عَدَمُ تَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ بِالْوَسْوَسَةِ يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّهُ إِذَا مَنَعَ مِنَ السُّلُوكِ فِي طَرِيقٍ فَالْأَوْلَى أَنْ لا يُلَابِسَهُ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ وَسْوَسَتِهِ لَهُ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُفِظَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْعِصْمَةِ له لِأَنَّهَا فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَاجِبَةٌ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مُمْكِنَةٌ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَلْقَى عُمَرَ مُنْذُ أَسْلَمَ إِلَّا خَرَّ بِوَجْهِهِ " ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ وَاسْتِمْرَارِ حَالِهِ عَلَى الْجِدِّ الصِّرْفِ وَالْحَقِّ الْمَحْضِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَهْرَبُ إِذَا رَآهُ . انْتَهَى .
( إِنْي كُنْتُ جَالِسًا ) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ، ( وَهِيَ تَضْرِبُ ) حَالٌ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ هَذَا فِي الْفَتْحِ وَسَكَتَ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ) ؛ أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِيهِ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ " ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا .