مَنَاقِبِ أبي حفص عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَبَّاحٍ الْبَزَّارُ ، نَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابٍ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قال : أَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا ، فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، تَعَالَيْ فَانْظُرِي . فَجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ لِي : أَمَا شَبِعْتِ ؟ أَمَا شَبِعْتِ ؟ قَالَتْ : فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَا لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ ، إِذْ طَلَعَ عُمَرُ . قَالَتْ : فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا .
قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الجن والإنس قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ . قَالَتْ : فَرَجَعْتُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
قَوْلُهُ : ( فَسَمِعْنَا لَغَطًا ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ؛ أي صَوْتًا شَدِيدًا وَضَجَّةً لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا . ( فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ أَيْ جَارِيَةٌ ، أَوِ امْرَأَةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْحَبَشِ . ( تَزْفِنُ ) بِسُكُونِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَيُضَمُّ ؛ أَيْ تَرْقُصُ وَتَلْعَبُ .
( وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا ) ؛ أَيْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَيَتَفَرَّجُونَ عَلَيْهَا . ( تَعَالَيْ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ؛ أَيْ هَلُمِّي وَتَقَدَّمِي . ( فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ ) بِالْإِضَافَةِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ ، تَثْنِيَةُ لَحْيٍ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ : مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ مِنَ الْإِنْسَانِ .
( عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَهُوَ مُجْتَمَعُ رَأْسِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ . ( إِلَيْهَا ) ؛ أَيِ الْحَبَشِيَّةِ . ( مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ ) ظَرْفٌ لِـ أَنْظُرَ حُذِفَ مِنْهُ فِي ، أَيْ فِيمَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَا ؛ لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ ) ؛ أَيْ لَا لِعَدَمِ الشِّبَعِ حِرْصًا عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا ، بَلْ كَانَ قَصْدِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي وَغَايَةَ مَرْتَبَتِي وَمَحَبَّتِي عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( إِذْ طَلَعَ عُمَرُ ) ؛ أَيْ ظَهَرَ . ( فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا ) بِتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الِارْفِضَاضِ ؛ أَيْ تَفَرَّقُوا عَنْهَا مِنْ هَيْبَةِ عُمَرَ .
( إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَدْ فَرُّوا ، كَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ فِي صُورَةِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَإِلَّا كَيْفَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَاهُ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ .