حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ

3922 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ . وثنا الْأَنْصَارِيُّ نا مَعْنٌ نا مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

قَوْلُهُ : ( طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ ) أَيْ : ظَهَرَ " هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا " قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ أُحُدًا يُحِبُّنَا حَقِيقَةً جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ تَمْيِيزًا يُحِبُّ بِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَكَمَا حَنَّ الْجِذْعُ الْيَابِسُ ، وَكَمَا سَبَّحَ الْحَصَى ، وَكَمَا فَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِ مُوسَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ لِمَا اخْتَرْنَاهُ ، وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ : وَإِنَّ أُحُدًا يُحِبُّنَا حَقِيقَةً ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ يُحِبُّنَا أَهْلُهُ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ . انْتَهَى . " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ " نِسْبَةُ التَّحْرِيمِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بِاعْتِبَارِ دُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ ذَلِكَ ، فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ أَنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، " وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " مَعْنَاهُ اللَّابَتَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَالْمُرَادُ تَحْرِيمُ الْمَدِينَةِ وَلَابَتَيْهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالُوا : الْمَدِينَةُ لَهَا حَرَمٌ فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرِهَا ، وَلَا أَخْذُ صَيْدِهَا ، وَلَكِنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ فِيهِ عِنْدَهُمْ ، خِلَافًا لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَإِنَّهُ قَالَ : يَجِبُ الْجَزَاءُ ، وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ سَلَبُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : مَنِ اصْطَادَ فِي الْمَدِينَةِ صَيْدًا أُخِذَ سَلَبُهُ ، وَيَرْوِي فِيهِ أَثَرًا عَنْ سَعْدٍ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ بِخِلَافِهِ .

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَيْسَ لِلْمَدِينَةِ حَرَمٌ كَمَا كَانَ لِمَكَّةَ ، فَلَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ صَيْدِهَا وَقَطْعِ شَجَرِهَا ، كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ، لِلْعَيْنِيِّ .

وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي عُمَيْرٍ : مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ قَالَ : لَوْ كَانَ صَيْدُهَا حَرَامًا مَا جَازَ حَبْسُ الطَّيْرِ .

وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ ، قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ صَادَ مِنَ الْحِلِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْمَدِينَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِرْسَالُهُ لِحَدِيثِ أَبِي عُمَيْرٍ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ لَكِنْ لَا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْحِلِّ عِنْدَهُمْ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْحَرَمِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ أَبِي عُمَيْرٍ كَانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ .

وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ قَطْعِ النَّخْلِ لِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، وَلَوْ كَانَ قَطْعُ شَجَرِهَا حَرَامًا مَا فَعَلَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ وَحَدِيثُ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ كَانَ بَعْدَ رُجُوعِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ خَيْبَرَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ يَقُولُ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى خَيْبَرَ أَخْدِمُهُ ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ فَضْلِ الْخِدْمَةِ فِي الْغَزْوِ .

وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ

[4/375]

يَكُونَ سَبَبُ النَّهْيِ عَنْ صَيْدِ الْمَدِينَةِ وَقَطْعِ شَجَرِهَا كَوْنَ الْهِجْرَةِ كَانَتْ إِلَيْهَا فَكَانَ بَقَاءُ الصَّيْدِ وَالشَّجَرِ مِمَّا يَزِيدُ فِي زِينَتِهَا وَيَدْعُو إِلَى أُلْفَتِهَا كَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْ هَدْمِ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا مِنْ زِينَةِ الْمَدِينَةِ فَلَمَّا ، انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ زَالَ ذَلِكَ .

وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَقَدْ ثَبَتَ عَلَى الْفَتْوَى بِتَحْرِيمِهَا سَعْدٌ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمْ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ كَذَا فِي الْفَتْحِ .

وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ لِلْمَدِينَةِ حَرَمًا كَمَا أَنَّ لِمَكَّةَ حَرَمًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث