كتاب الْعِلَلِ
وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْعِلَلِ فِي الْأَحَادِيثِ وَالرِّجَالِ وَالتَّارِيخِ فَهُوَ مَا اسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ كُتُبِ التَّارِيخِ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مَا نَاظَرْتُ بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ، وَمِنْهُ مَا نَاظَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبَا زُرْعَةَ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَقَلُّ شَيْءٍ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي زُرْعَةَ ، وَإِنَّمَا حَمَلَنَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ لِأَنَّا سُئِلْنَا عَنْ هَذَا فَلَمْ نَفْعَلْهُ زَمَانًا ، ثُمَّ فَعَلْنَاهُ لِمَا رَجَوْنَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ النَّاسِ لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَكَلَّفُوا مِنْ التَّصْنِيفِ مَا لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ مِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَبَارَكِ ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ صَنَّفُوا فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً كَثِيرَةً وَلَهُمْ بِذَلِكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ عِنْدَ اللَّهِ لِمَا نَفَعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ به فِيهُمْ الْقُدْوَةُ فِيمَا صَنَّفُوا ، وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لَا يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الْكَلَامَ فِي الرِّجَالِ وَقَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَطَاوُسٌ تَكَلَّمَا فِي مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، وَتَكَلَّمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، وَتَكَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ فِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ وَضَعَّفُوا فَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْطَعْنَ عَلَى النَّاسِ وَالْغِيبَةَ إِنَّمَا أَرَادُوا عِنْدَنَا أَنْ يُبَيِّنُوا ضَعْفَ هَؤُلَاءِ لِكَيْ يُعْرَفُوا لِأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ، وَبَعْضَهُمْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الْحَدِيثِ ، وَبَعْضَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَةٍ وَكَثْرَةِ خَطَإٍ فَأَرَادَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ أَنْ يُبَيِّنُوا أَحْوَالَهُمْ شَفَقَةً عَلَى الدِّينِ وَتَثْبِيتًا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنْ الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ .
قَوْلُهُ : ( وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْعِلَلِ فِي الْأَحَادِيثِ وَالرِّجَالِ وَالتَّارِيخِ ) قَوْلُهُ : وَالرِّجَالِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْعِلَلِ أَيْ : وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الرِّجَالِ وَالتَّارِيخِ ( فَهُوَ مَا اسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ كِتَابِ التَّارِيخِ ) أَيْ لِلْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَلَهُ ثَلَاثَةُ كُتُبٍ فِي التَّارِيخِ : الْأَوَّلُ : التَّارِيخُ الْكَبِيرُ- يَرْوِيهِ عَنْهُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ فَارِسٍ ، وَأَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ النَّسَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَالثَّانِي : التَّارِيخُ الْأَوْسَطُ- يَرْوِيهِ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخَفَّافُ ، وَزَنْجَوَيْهِ بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّبَّادُ .
وَالثَّالِثُ : التَّارِيخُ الصَّغِيرُ- يَرْوِيهِ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْقَرُ ( وَمِنْهُ مَا نَاظَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ ( وَأَبَا زُرْعَةَ ) اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الرَّازِيُّ ( وَإِنَّمَا حَمَلَنَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ ) فَاعِلُ حَمَلَ مَحْذُوفٌ وَهُوَ سُؤَالُهُمْ عَنْ هَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( لِأَنَّا سُئِلْنَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( عَنْ هَذَا ) أَيْ عَنْ بَيَانِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ ( فَلَمْ نَفْعَلْهُ زَمَانًا ) أَيْ لِيَكُونَ هَذَا الْكِتَابُ جَامِعًا لِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَحْضَةً وَلَا يُخَالِطُهَا غَيْرُهَا مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ( ثُمَّ فَعَلْنَاهُ ) أَيْ ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ بَيَّنَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ وَعِلَلَ الْأَحَادِيثِ ( لِمَا رَجَوْنَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ النَّاسِ ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ لِرَجَائِنَا مَنْفَعَتِهِمْ فِي بَيَانِ ذَلِكَ ( لِأَنَّا ) مُتَعَلِّقٌ بِرَجَوْنَا وَعِلَّةٌ لَهُ ( قَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ تَكَلَّفُوا ) أَيْ تَحَمَّلُوا الْمَشَقَّةَ مِنَ التَّصْنِيفِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : ( مَا لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ . وَالْمَعْنَى تَحَمَّلُوا مَشَقَّةَ تَصْنِيفِ الْكُتُبِ الَّتِي لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهَا ( مِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ - إِلَى قَوْلِهِ-
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ ) سَبَقَ تَرَاجِمُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَفِي الشَّرْحِ ( صَنَّفُوا فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً كَثِيرَةً وَلَهُمْ بِذَلِكَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ عِنْدَ اللَّهِ لِمَا نَفَعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ فِيهِمُ الْقُدْوَةُ فِيمَا صَنَّفُوا ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْقُدْوَةُ مُثَلَّثَةٌ وَكَعِدَّةٍ مَا تَسَنَّنْتُ بِهِ وَاقْتَدَيْتُ بِهِ انْتَهَى . وَالْمَرَادُ بِالْقُدْوَةِ هُنَا الِاقْتِدَاءُ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ : لَمَّا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ وَاتَّسَعَتِ الْبِلَادُ وَتَفَرَّقَتِ الصَّحَابَةُ فِي الْأَقْطَارِ وَكَثُرَتِ الْفُتُوحُ وَمَاتَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ ، وَقَلَّ الضَّبْطُ احْتَاجَ الْعُلَمَاءُ إِلَى تَدْوِينِ الْحَدِيثِ وَتَقْيِيدِهِ بِالْكِتَابَةِ وَلَعَمْرِي إِنَّهَا الْأَصْلُ فَإِنَّ الْخَاطِرَ يَغْفُلُ ، وَالذِّهْنَ يَغِيبُ ، وَالذِّكْرَ يُهْمَلُ وَالْقَلَمَ يَحْفَظُ وَلَا يَنْسَى ، فَانْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى زَمَانِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِثْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ كَانَ فِي عَصْرِهِمَا فَدَوَّنُوا الْحَدِيثَ ، حَتَّى قِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي الْإِسْلَامِ كِتَابُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَقِيلَ : مُوَطَّأُ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ وَبَوَّبَ الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيْحٍ بِالْبَصْرَةِ ، ثُمَّ انْتَشَرَ جَمْعُ الْحَدِيثَ وَتَدْوِينُهُ وَسَطْرُهُ فِي الْأَجْزَاءِ وَالْكُتُب ، وَكَثُرَ ذَلِكَ وَعَظُمَ نَفْعُهُ إِلَى زَمَنِ الْإِمَامَيْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيِّ فَدَوَّنَا كِتَابَيْهِمَا وَأَثْبَتَا مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا قَطَعَا بِصِحَّتِهِ ، وَثَبَتَ عِنْدَهُمَا نَقْلُهُ ، ثُمَّ ازْدَادَ انْتِشَارُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصْنِيفِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ ، وَتَفَرَّقَتْ أَغْرَاضُ النَّاسِ وَتَنَوَّعَتْ مَقَاصِدُهُمْ إِلَى أَنِ انْقَرَضَ ذَلِكَ الْعَصْرُ الَّذِي كَانَا فِيهِ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدْ جَمَعُوا وَأَلَّفُوا مِثْلَ أَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أحمد بْنِ شُعَيْبٍ النِّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ وَكَانَ ذَلِكَ الْعَصْرُ خُلَاصَةَ الْعُصُورِ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْعِلْمِ وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى .
( وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لَا يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الْكَلَامَ فِي الرِّجَالِ ) أَيِ التَّكَلُّمَ فِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَجَرْحِهِمْ وَتَضْعِيفِهِمْ ، وَبَيَانِ مَا فِيهِمْ مِنَ الْأُمُورِ الْمُوَرَّثَةِ لِضَعْفِ أَحَادِيثِهِمْ كَالْكَذِبِ وَالِاتِّهَامِ بِهِ وَالْفِسْقِ وَالْبِدْعَةِ وَالْغَفْلَةِ وَسُوءِ الْحِفْظِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِنَّمَا عَابُوا ذَلِكَ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ وَجَهْلِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا غِيبَةٌ ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ فِي شَيْءٍ . قَالَ فِي التَّدْرِيبِ : وَجُوِّزَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ صِيَانَةً لِلشَّرِيعَةِ وَذَبًّا عَنْهَا . قَالَ تَعَالَى : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي التَّعْدِيلِ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ ، وَفِي الْجَرْحِ : بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ . وَتَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَمَّا قَوْلُ صَالِحِ جَزَرَةَ : أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ شُعْبَةُ ثُمَّ تَبِعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، ثُمَّ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ . فَيَعْنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَصَدَّى لِذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ ، لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللَّهِ? فَقَالَ : لَأَنْ يَكُونُوا خُصَمَائِي أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ : لِمَ لَمْ تَذُبَّ الْكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي ? وَقَالَ أَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ ، لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : لَا تَغْتَابَ الْعُلَمَاءَ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ : وَيْحكَ هَذَا نَصِيحَةٌ ، وَلَيْسَ هَذَا غِيبَةً . وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : تَغْتَابُ . قَالَ : اسْكُتْ ، إِذَا لَمْ نُبَيِّنْ كَيْفَ تَعْرِفُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ? انْتَهَى .
فَائِدَةٌ : قَدْ ذَكَرَ الشَّاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ فِي الْبُسْتَانِ فَائِدَةً فَلَنَا أَنْ نَذْكُرَهَا هَهُنَا بِأَلْفَاظِهِ فَقَالَ : بايد دانست كه جاهلان ونافهمان قدماي أَهْل حَدِيْثٍ را عُمُومًا وَيَحْيَى بْن مَعِينٍ را خُصُوصًا مطعون ساختة اندكه ايشان خُصُوصًا اين شخص از جمله ايشان در خَلْق اللَّهِ زبان خودرا درازكرده وكسى رادر غكو وكسى راملبس وجعلي وكسى را مفتري وبهتاني ميكونيد واين غيبت محرمه را علم مي دانتد وعبادت مي انكارند جنانجه بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ شَاعِرٌ مَغْرِبِيٌّ درين باب يَحْيَى بْن مَعِينٍ راهجو كرده بلكه عِلْم حَدِيثٍ را تعريض بطن نموده كفته است ، شِعْرٌ : أَرَى الْخَيْرَ فِي الدُّنْيَا يَقِلُّ كَثِيرُهُ وَيَنْقُصُ نَقْصًا وَالْحَدِيثُ يَزِيدُ فَلَوْ كَانَ خَيْرًا كَانَ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَلَكِنَّ شَيْطَانَ الْحَدِيثِ مَرِيدُ وَلِابْنِ مَعِينٍ فِي الرِّجَالِ مَقَالَةٌ سَيُسْأَلُ عَنْهَا وَالْمَلِيكُ شَهِيدُ وَإِنْ يكُ حَقًّا فَهِيَ فِي الْحُكْمِ غِيبَةٌ وَإِنْ يكُ زُورًا فَالْقِصَاصُ شَدِيدُ ليكن اين جاهل وأمثال أو نفهميده اندكه اين طعن وجرح ايشان رجال را محض برائي صيانت شريعت ودين ست . بس كويا از قبيل قتال كفار وخوارج وأهل بدعت وسياست وتغرير أهل منكر است كه بهترين عبادات ست ازغيبت محرمة نيست وازين أبيات مشئومة كه مرقومة شد أبو عبد الله بن فتوح حميدي صَاحِب الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ جواب داده وقصيده دراز دارد درانجادر مخاطبئه اين شاعر ميكويد قصيدة : وَإِنِّي إِلَى إبْطَالِ قَوْلِكَ قَاصِدُ وَلِي مِنْ شَهَادَاتِ النُّصُوصِ جُنُودُ إِذَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا كَلَامُ نَبِيِّنَا لَدَيْكَ فَإِنَّ الْخَيْرَ مِنْكَ بَعِيدُ وَأَقْبَحُ شَيْءٍ أَنْ جَعَلْتَ لِمَا أَتَى عَنِ اللَّهِ شَيْطَانًا وَذَاكَ شَدِيدُ بعد أذان درحق ابن معين ميكويد شعر : وَمَا هُوَ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ وَكُلُّهُمْ فِيمَا حَكَاهُ شُهُودُ فَإِنْ صَدَّ عَنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ حَامِلٌ فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ فِيهِ عَنِيدُ وَلَوْلَا رُوَاةِ الدِّينِ ضَاعَتْ وَأَصْبَحَتْ مَعَالِمُهُ فِي الْآخِرِينَ تُبِيدُ هُمْ حَفِظُوا الْآثَارَ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وَغَيْرُهُمْ عَمَّا اقْتَنَوْهُ رُقُودُ وَهُمْ هَاجَرُوا فِي جَمْعِهَا وَتَبَادَرُوا إِلَى كُلِّ أُفُقٍ وَالْمَرَامُ كَئُودُ وَقَامُوا بِتَعْدِيلِ الرُّوَاةِ وَجَرْحِهِمْ قِيَامَ صَحِيحِ النَّقْلِ وَهُوَ حَدِيدُ بِتَبْلِيغِهِمْ صَحَّتْ شَرَائِعُ دِينِنَا حُدُودٌ تَحَرَّوْا حِفْظَهَا وَعُهُودُ وَصَحَّ لِأَهْلِ النَّقْلِ مِنْهَا احْتِجَاجُهُمْ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا عَانِدٌ وَحَقُودُ وَحَسْبُهُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ بَلَّغُوا وَعَنْهُمْ رَوَوْا ، لَا يُسْتَطَاعُ جُحُودُ فَمَنْ حَادَ عَنْ هَذَا الْيَقِينِ فَحَاقِدٌ مُرِيدٌ لِإِظْهَارِ الشُّكُوكِ مُرِيدُ وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ الْهُدَى وَدَلِيلُهُ فَلَيْسَ لِمَوْجُودِ الضَّلَالِ وُجُودُ وَإِنْ رَامَ أَعْدَاءُ الدِّيَانَةِ كَيْدَهَا فَكَيْدُهُمْ بِالْمُخْزِيَاتِ مَكِيدُ وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ غياث الشبلي نيزارين أبيات در قصيدة دراز جواب داده . قصيدة : وَلِابْنِ مَعِينٍ فِي الَّذِي قَالَ أُسْوَةٌ وَرَأْيٌ مُصِيبٌ لِلصَّوَابِ سَدِيدُ وَأَجْرَمَهُ يُعْلِي الْإِلَهُ مَحَلَّهُ وَمَنْزِلَهُ فِي الْخُلْدِ حَيْثُ يُرِيدُ يُنَاضِلُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَصَحْبِهِ وَيَطْرُدُ عَنْ أَحْوَاضِهِ وَيَذُودُ وَجُمْلَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا بِقَوْلِهِ وَمَا هُوَ فِي شَيْءٍ أَتَاهُ فَرِيدُ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِدِينِنَا
فَمَنْ كَانَ يُرْوَى عِلْمُهُ وَيُفِيدُ هُمْ وَرِثُوا عِلْمَ النُّبُوَّةِ وَاحْتَوَوْا مِنَ الْفَضْلِ مَا عِنْدَ الْأَنَامِ رُقُودُ وَهُمْ كَمَصَابِيحِ الدُّجَى يُهْتَدَى بِهِمْ وَنَارٌ بِهِمْ بَعْدَ الْمَمَاتِ خُمُودُ عَلَيْكَ ابْنَ عَتَّابٍ لُزُومَ سَبِيلِهِمْ فَحَالُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ حَمِيدُ ونيزا أحمد بن عمرو بن عصفور جواب داده است باين أَبْيَات شِعْرٍ : أَيَا فِي الْعِلْمِ زَيْدٌ عِمَادُهُ رُوَيْدًا بِمَا يُبْدِي بِهِ وَيُعِيدُ جَعَلْتَ شَيَاطِينَ الْحَدِيثِ مَرِيدَةً أَلَا إِنَّ شَيْطَانَ الضَّلَالِ مَرِيدُ وَقَرَعْتَ بِالتَّكْذِيبِ مَنْ كَانَ صَادِقًا فَقَوْلُكَ مَرْدُودٌ وَأَنْتَ عَنِيدُ وَذُو الْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا نُجُومُ هِدَايَةٍ إِذَا غَابَ نَجْمٌ لَاحَ بَعْدُ جَدِيدُ بِهِمْ عَزَّ دِينُ اللَّهِ طُرًّا وَهُمْ لَهُ مَعَاقِلُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَجُنُودُ انْتَهَى .
فَائِدَةٌ : قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَوَيْهِ : سَمِعْتُ ابْنَ الْجُنَيْدِ ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : إِنَّا لَنَطْعَنُ عَلَى أَقْوَامٍ لَعَلَّهُمْ قَدْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ . قَالَ مُحَمَّدٌ : فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكِتَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا فَبَكَى وَارْتَعَدَتْ يَدَاهُ وَسَقَطَ الْكِتَابُ وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَسْتَعِيدُنِي الْحِكَايَةَ انْتَهَى ( فَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى التَّكَلُّمِ فِي الرِّجَالِ ( عِنْدَنَا ) أَيْ عِنْدِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ( النَّصِيحَةُ ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لِقَوْلِهِ حَمَلَهُمْ ( لَا يُظَنُّ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( لِأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا ) بِصِيغَة الْمَجْهُولِ مِنَ التَّضْعِيفِ ( كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى الْبِدْعَةِ ( وَبَعْضُهُمْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الْحَدِيثِ ) أَيْ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ . قَالَ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : الطَّعْنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ بِأَنْ يَرْوِي عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- مَا لَمْ يَقُلْهُ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ ، أَوْ تُهْمَتُهُ بِذَلِكَ بِأَنْ لَا يُرْوَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْقَوَاعِدِ الْمَعْلُومَةِ ، وَكَذَا مَنْ عُرِفَ بِالْكَذِبِ فِي كَلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ، وَهَذَا دُونَ الْأَوَّلِ انْتَهَى ( وَبَعْضُهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَةٍ ) أَي عَنِ الْإِتْقَانِ ، وَالْمَرَادُ مِنَ الْغَفْلَةِ كَثْرَتُهَا ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْغَفْلَةِ لَيْسَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ لِقِلَّةِ مَنْ يُعَافِيهِ اللَّهُ مِنْهَا ( وَكَثْرَةِ خَطَأٍ ) هَذَا عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِقَوْلِهِ غَفْلَةٍ ( شَفَقَةً عَلَى الدِّينِ ) أَيْ رَحْمَةً عَلَيْهِ وَنَصِيحَةً لَهُ ، وَمِنْ مَعَانِي الشَّفَقَةِ الرَّحْمَةُ وَحِرْصُ النَّاصِحِ عَلَى إِصْلَاحِ الْمَنْصُوحِ ( وَتَثَبُّتاً ) أَيْ لِلتَّثَبُّتِ فِي الدِّينِ وَالتَّحَفُّظِ فِيهِ ( لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ ) قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ : اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ ، أَنْ لَا يَرْوِي مِنْهَا إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ ، وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ ، وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيِ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ . وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا ، إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ كَنَحْوِ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ ، وَهُوَ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ وَالشَّهَادَةَ يَشْتَرِكَانِ فِي أَوْصَافٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَوْصَافٍ فَيَشْتَرِكَانِ فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَدَالَةِ وَالْمُرُوَّةِ وَضَبْطِ الْخَبَرِ ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ . وَيَفْتَرِقَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ وَالْعَدَدِ وَالتُّهْمَةِ وَقَبُولِ الْفَرْعِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ ، فَيُقْبَلُ خَبَرُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْوَاحِدِ وَرِوَايَةُ الْفَرْعِ مَعَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ شَيْخُهُ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِلَّا فِي الْمَرْأَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مَعَ غَيْرِهَا ، وَتُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِالتُّهْمَةِ كَشَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ . وَمِمَّا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا أَوْ يَجُرُّ بِهِ إِلَيْهِ نَفْعًا وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ الْأَعْمَى فَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ ، وَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ خَبَرِهِ ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْخَبَرِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَخُصُّ فَيَظْهَرُ فِيهِ التُّهْمَةُ وَالْخَبَرُ يَعُمُّهُ وَغَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ فَتَنْتَفِي التُّهْمَةُ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ ، وَقَدْ شُذَّ عَنْهُمْ فِي أَفْرَادِ بَعْضِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ، فَمِنْ ذَلِكَ شَرْطُ بَعْضِ أَصْحَابِ الْأُصُولِ أَنْ يَكُونَ تَحَمُّلُهُ الرِّوَايَةَ فِي حَالِ الْبُلُوغِ وَالْإِجْمَاعُ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْبُلُوغُ حَالَ الرِّوَايَةِ لَا حَالَ السَّمَاعِ ، وَجَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَةَ الصَّبِيِّ وَقَبُولَهَا مِنْهُ فِي حَالِ الصَّبِيِّ ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا مَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى .