كتاب الْعِلَلِ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ يَحْيَى : مَا فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ كَانَ مَالِكٌ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ ، سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فَقَالَ أَحْمَدُ : ، وَكِيعٌ أَكْبَرُ فِي الْقَلْبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ إِمَامٌ ، سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيَّ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : لَوْ حَلَفْتُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَحَلَفْتُ أَنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَالْكَلَامُ فِي هَذَا وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَكْثُرُ وَإِنَّمَا بَيَّنَّا شَيْئًا مِنْهُ عَلَى الِاخْتِصَارِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنَازِلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَفَاضُلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ ، فَمَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَيِّ شَيْءٍ تُكُلِّمَ فِيهِ . وَالْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ إِذَا كَانَ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ أَوْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ فِيمَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِثْلُ السَّمَاعِ .
( فقال أحمد : وكيع أكبر في القلب ) وقال أحمد أيضا : ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ولا أحفظ منه ، كما في تهذيب التهذيب ، فالظاهر أن أحمد أراد بقوله : وكيع أكبر في القلب أنه أوعى للعلم وأحفظ والله تعالى أعلم . ( لو حلفت ) بصيغة المتكلم المجهول من التحليف ( بين الركن والمقام ) المراد بالركن : الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود ، وبالمقام مقام إبراهيم ( والكلام في هذا ) أي في تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان ( والرواية عن أهل العلم ) أي : في هذا الباب ( فمن تكلم فيه من أهل العلم لأي شيء تكلم فيه ) بصيغة المجهول ، ومن موصولة مبتدأ ( من أهل العلم ) حال من الضمير المجرور ، أي : فالرجل الذي تكلم فيه وهو من أهل العلم ( لأي شيء تكلم فيه ) أي : ينظر لأي سبب من أسباب الكلام ومراتب الجرح تكلم فيه . ( والقراءة على العالم ) مبتدأ وخبره قوله : هو صحيح ( إذا كان يحفظ ) أي العالم ( ما يقرأ عليه ) أي : من الحديث وهو مفعول يحفظ ( أو يمسك أصله ) أي : يأخذ العالم كتابه ( فيما يقرأ عليه ) صفة لقوله : أصله أي أصله الذي فيما يقرأ عليه ( إذا لم يحفظ ) ظرف لقوله : يمسك ( هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع ) يعني أن القراءة على العالم والعرض عليه صحيح كصحة السماع من العالم لا فرق بينهما أو هما متساويان في أصل الصحة مع قطع النظر عن أن يكون أحدهما أعلى من الآخر أولا والأول هو الظاهر ، قال الحافظ السيوطي في التدريب : اختلفوا في مساواة القراءة على الشيخ للسماع من لفظه في المرتبة ورجحانه عليها ورجحانها عليه على ثلاثة مذاهب ، فحكي الأول وهو المساواة عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ، ومعظم علماء الحجاز والكوفة ، والبخاري وغيرهم ، وحكاه الرامهرمزي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ، ثم روي عن علي ، قال : القراءة على العالم بمنزلة السماع منه ، وعن ابن عباس قال : اقرءوا علي فإن قراءتكم علي كقراءتي عليكم ، رواه البيهقي في المدخل ، وحكاه أبو بكر الصيرفي ، عن الشافعي ، قلت : وعندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها ردا على من كان أنكرها لا في اتحاد المرتبة ، أسند الخطيب في الكفاية من طريق ابن وهب ، قال : سمعت مالكا وسئل عن الكتب التي تعرض عليه أيقول الرجل : حدثني ، قال: نعم ، كذلك القرآن ليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول : أقرأني فلان ، وأسند الحاكم في علوم الحديث عن مطرف ، قال : سمعت مالكا يأبى أشد الإباء على من يقول : لا يجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ ، ويقول : كيف لا يجزيك هذا في الحديث ويجزيك في القرآن ، والقرآن أعظم .
وحكي الثاني وهو ترجيح السماع عليها عن جمهور أهل المشرق وهو الصحيح ، وحكي الثالث وهو ترجيحها عليه عن أبي حنيفة ، وابن أبي ذئب ، وغيرهما ، ورواية عن مالك حكاها عنه الدارقطني وابن فارس ، والخطيب ، وحكاه الدارقطني أيضا عن الليث بن سعد ، وشعبة ، وابن لهيعة ، ويحيى بن سعيد ، ويحيى بن عبد الله بن بكير ، والعباس ابن الوليد بن مزيد ، وأبي الوليد ، وموسى بن داود الضبي ، وأبي عبيد ، وأبي حاتم ، وحكاه ابن فارس ، عن ابن جريج ، والحسن بن عمارة ، وروى البيهقي في المدخل عن مكي بن إبراهيم قال : كان ابن جريج وعثمان بن أبي الأسود ، وحنظلة بن أبي سفيان ، وطلحة بن عمرو ، ومالك ، ومحمد بن إسحاق وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة وهشام ، وابن أبي ذئب ، وسعيد بن أبي عروبة ، والمثنى بن الصباح ، يقولون : قراءتك على العالم خير من قراءة العالم عليك ، واعتلوا بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الرد عليه . وعن أبي عبيد: القراءة علي أثبت من أن أتولى القراءة أنا ، وقال صاحب البديع بعد اختياره التسوية : محل الخلاف ما إذا قرأ الشيخ في كتابه لأنه قد يسهو ، فلا فرق بينه وبين القراءة عليه، أما إذا قرأ الشيخ من حفظه ، فهو أعلى بالاتفاق ، واختار شيخ الإسلام ( يعني الحافظ ابن حجر ) أن محل ترجيح السماع ما إذا استوى الشيخ والطالب ، أو كان الطالب أعلم ؛ لأنه أوعى لما يسمع فإن كان مفضولا فقراءته أولى ؛ لأنها أضبط له ، قال : ولهذا كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب ، وصرح كثيرون بأن القراءة بنفسه أعلى مرتبة من السماع بقراءة غيره ، وقال الزركشي: القارئ والمستمع سواء ، انتهى . قلت : الأمر كما قال الحافظ وظهر من كلامه هذا أن قراءة المتعلمين على الشيخ أولى وأرجح من قراءته عليهم .