كتاب الْعِلَلِ
وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ . فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ يَسْتَغْرِبُونَ الْحَدِيثَ لِمَعَانٍ رُبَّ حَدِيثٍ يَكُونُ غَرِيبًا لَا يُرْوَى إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ مِثْلُ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللِّبَّةِ ، فَقَالَ : لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا أَجْزَأَ عَنْكَ فَهَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ ، وَلَا يُعْرَفُ لِأَبِي الْعُشَرَاءِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مشهورا فَإِنَّمَا اشْتُهِرَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ يعني وَرُبَّ رَجُلٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ فَيَشْتَهِرُ الْحَدِيثُ لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ مِثْلُ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ رَوَاهُ عَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَشُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَوَهِمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، وَالصَّحِيحُ هُوَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ هَكَذَا رَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى الْمُؤَمِّلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ شُعْبَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ أَذِنَ لِي حَتَّى كُنْتُ أَقُومُ إِلَيْهِ فَأُقَبِّلُ رَأْسَهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَرُبَّ حَدِيثٍ إِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ لِزِيَادَةٍ تَكُونُ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ مِثْلُ مَا رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ قَالَ : وَزَادَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَى أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ وَقَدْ أَخَذَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ وَاحْتَجُّوا بِهِ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَا : إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَبِيدٌ غَيْرُ مُسْلِمِينَ لَمْ يُؤَدِّ عَنْهُمْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، فَإِذَا زَادَ حَافِظٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ قُبِلَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَرُبَّ حَدِيثٍ يُرْوَى مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ لِحَالِ الْإِسْنَادِ .
( حدثنا محمود بن غيلان ، نا يحيى بن آدم ) إلى قوله : ( فقال سفيان الثوري : سمعت زبيدة يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ) تقدمت هذه العبارة بعينها في الباب المذكور وتقدم الكلام عليها هناك ، قوله : ( وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا حسن إسناده عندنا كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذا ، ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن ) في تعريف الترمذي للحسن هذا كلام من وجهين : الأول : أنه ليس بمانع لدخول الصحيح فيه ، قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر فيما حكاه العراقي: لم يخص الترمذي الحسن بصفة تميزه عن الصحيح فلا يكون صحيحا إلا وهو غير شاذ ، ولا يكون صحيحا إلا أن تكون رواية غير متهمين بل ثقات ، فظهر من هذا أن الحسن عند أبي عيسى صفة لا تخص هذا القسم بل يشركه فيها الصحيح ، فكل صحيح حسن عنده ، وليس كل حسن صحيحا انتهى ، وذكر القاضي بدر الدين ابن جماعة هذا الكلام في مختصره بطريق الإيراد فقال بعد ذكر تعريف الترمذي ، قلت : فيه نظر لأن الصحيح كله أو أكثره كذلك أيضا فيدخل الصحيح في تعريف الحسن ، انتهى ، قال صاحب ظفر الأماني : حاصله أن هذا التعريف للحسن يصدق على الصحيح فلا يكون التعريف مانعا لدخول ما ليس من جنس المحدود في الحد ، فإن الصحيح والحسن قسيمان عنده ألبتة . وأجاب عنه الطيبي في خلاصته فقال بعد ذكر إيراد ابن جماعة مانعا دخول الصحيح في هذا الحد ، قول الترمذي أن لا يكون في إسناده متهم يحتمل معنيين أحدهما أن لا يتوهم الغفلة والكذب والفسق في الراوي ، فلا يتهم به ، وثانيهما : أن يتوهم فيه ذلك ولا يتهم به ، وهذا هو معنى مستور العدالة ، وهو المعني به في التعريف ، وقد قصد بهذا القيد الاحتراز عن الصحيح لأن شرط الصحيح أن يكون مشهور العدالة ، انتهى . وقد يجاب عنه أيضا بما ذكره الحافظ أبو الفتح بأنه اشترط في الحسن أن يروى من وجه آخر ولم يشترط ذلك في الصحيح .
قيل : هذا الجواب لا يدفع الإيراد فإن غاية ما لزم منه أن يكون الحسن أخص من الصحيح حيث اشترط فيه كونه مرويا من وجه آخر ولم يشترط ذلك في الصحيح ، فهو أعم من أن يروى بوجه آخر أولا+ ، وهذا أيضا مخالف لمذهبه ، فإن الحسن والصحيح عنده قسيمان على ما هو المشهور عنه ، نعم لو شرط في الحسن أن يروى من وجه آخر وشرط في الصحيح عدمه لكان بينهما تقابل ألبتة وكم من فرق بين عدم الاشتراط واشتراط العدم فلا مخلص عن الإيراد إلا بما ذكره الحافظ أبو بكر من أن الصحيح عند الترمذي خاص والحسن عام أو بما ذكره الطيبي من جعل قوله : لا يكون في إسناده متهم احترازا عن الصحيح . والوجه الثاني : أن هذا التعريف ليس بجامع لعدم شموله الفرد من الحسن ، قال ابن جماعة أيضا: إن هذا التعريف لا يشمل الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر ويقرب منه ما ذكره العراقي من أن الترمذي مع اشتراطه أن يروى من وجه آخر في الحسن حسن أحاديث في جامعه لا تروى إلا من وجه واحد، كحديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال : غفرانك ، فإنه قال فيه: حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف ، عن أبي بردة ، ولا يعرف في الباب إلا حديث عائشة . ويجاب عنه بما ذكره أبو الفتح ، ويشير إليه كلام الطيبي من أن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم يثبت عدالته ليتقوى به الحديث، لا أن كل حسن يحتاج إليه غاية ما في الباب أن الترمذي عرف بنوع منه لا بكل أنواعه ، ولا بأس في ذلك ، وقال السيوطي في تدريب الراوي ، قال شيخ الإسلام : قد ميز الترمذي الحسن عن الصحيح بشيئين : أحدهما : أن يكون راويه قاصرا عن درجة راوي الصحيح ، بل وراوي الحسن لذاته ، وهو أن يكون غير متهم بالكذب فيدخل فيه المستور والمجهول ، ونحو ذلك ، وراوي الصحيح لا بد وأن يكون ثقة ، وراوي الحسن لذاته لا بد وأن يكون موصوفا بالضبط ، ولا يكفي كونه غير متهم ، قال: ولم يعدل الترمذي عن قوله : ثقات ، وهي كلمة واحدة إلى ما قاله إلا لإرادة قصور راويه عن وصف الثقة ، كما هي عادة البلغاء ، الثاني : مجيئه من غير وجه ، انتهى ما في التدريب .
تنبيه : قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : فإن قيل : قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه ، فكيف يقول في بعض الأحاديث : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ؟ فالجواب : أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقا ، وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه وهو : ما يقول فيه حسن من غير صفة أخرى ، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث : حسن ، وفي بعضها صحيح ، وفي بعضها غريب ، وفي بعضها حسن صحيح ، وفي بعضها حسن غريب ، وفي بعضها صحيح غريب ، وفي بعضها حسن صحيح غريب ، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط ، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في أواخر كتابه : وما قلنا في كتابنا حديث حسن فإنما أردنا حسن إسناده عندنا ، وكل حديث يروى ولا يكون راويه متهما بالكذب ، ويروى من غير وجه نحو ذلك ، ولا يكون شاذا فهو عندنا حديث حسن ، فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه حسن فقط . أما ما يقول فيه حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن صحيح غريب فلم يعرج على تعريفه ، كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه صحيح فقط ، أو غريب فقط ، فكأنه ترك ذلك استغناء بشهرته عند أهل الفن ، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه حسن فقط ، إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح جديد ، ولذلك قيده بقوله عندنا ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي، وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها ، ولم يستقر وجه توجيهها+ ، انتهى . قوله : ( وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث غريب ) اعلم أن الترمذي رحمه الله قد اعتنى بذكر الأحاديث الغريبة في كتابه الجامع ، وبيان غرابتها ما لم يعتن به غيره ، فلنا أن نبين معنى الحديث الغريب أولا ثم نذكر أقسامه .
قال الحافظ في شرح النخبة : أي الحديث الغريب وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند ، قال : ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند أي : في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي، أو لا يكون كذلك بأن يكون التفرد في أثنائه ، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد ثم يتفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد ، فالأول الفرد المطلق كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته ، تفرد به عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد كحديث شعب الإيمان ، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة ، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح ، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم . وفي مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني أمثلة كثيرة لذلك ، والثاني : الفرد النسبي ، سمي نسبيا لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين ، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا ، ويقل إطلاق الفردية عليه ؛ لأن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا ، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق ، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي ، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما ، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان ، أو أغرب به فلان انتهى . ( فإن أهل الحديث يستغربون الحديث ) أي : يجعلونه غريبا ويطلقون عليه اسم الغريب ( لمعان ) أي : لوجوه عديدة ( مثل حديث حماد بن سلمة ، عن أبي العشراء ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ، أما تكون الذكاة إلخ ) تقدم شرح هذا الحديث في باب الذكاة في الحلق واللبة من أبواب الصيد ( فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العشراء ) فهذا الحديث غريب لتفرد حماد بن سلمة بروايته عن أبي العشراء ، ويقال له : الفرد المطلق ( وإن كان هذا الحديث عند أهل العلم مشهورا فإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة ، لا نعرفه إلا من حديثه ) يعني : أن هذا الحديث غريب لتفرد حماد بن سلمة عن أبي العشراء ومشهور عند أهل العلم لاشتهاره عن حماد بن سلمة ، فرواه عنه غير واحد كعفان وهدبة بن خالد ، وإبراهيم ابن الحجاج ، وحوثرة بن أشرس فإنهم كلهم رووا هذا الحديث عن حماد بن سلمة عن أبي العشراء ، عن أبيه كذا في مسند الإمام أحمد رحمه الله ( يعني ) هذا بيان وتفسير لما قبله ( ورب رجل من الأئمة يحدث بالحديث ، لا يعرف إلا من حديثه فيشتهر الحديث لكثرة من روى عنه ) كحماد بن سلمة فإنه إمام من الأئمة حدث بحديث أبي العشراء المذكور عن أبيه ، لا يعرف هذا الحديث إلا عنه ثم اشتهر عنه هذا الحديث لكثرة من روى عنه ، كما عرفت ، وذكر الترمذي لهذا مثالا آخر فقال ( مثل ما روى عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته ) تقدم شرح هذا الحديث في باب كراهية بيع الولاء وهبته من أبواب البيوع ( وروى يحيى بن سليم هذا الحديث ( إلى قوله ) هكذا روى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ) تقدم كلام الترمذي هذا في الباب المذكور ، وتقدم شرحه هناك ( فقال شعبة : لوددت أن عبد الله بن دينار أذن لي حتى كنت أقوم إليه فأقبل رأسه ) ، قال شعبة هذا احتراما لعبد الله بن دينار ، فإن هذا الحديث قد اشتهر عنه ، ولا يرويه غيره ( ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث ) هذا نوع ثان من أنواع الغريب التي ذكرها الترمذي ههنا ( وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه ) ، أي: إنما تقبل الزيادة إذا كان راويها حافظا ضابطا ( مثل ما روى مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر إلخ ) تقدم شرح هذا الحديث في باب صدقة الفطر من أبواب الزكاة ، ( منهم الشافعي وأحمد بن حنبل ) ومنهم مالك وهو قول الجمهور ، وقال الثوري وابن المبارك ، وإسحاق ، وغيرهم : يؤدي+ عنهم ، وإن كانوا غير مسلمين ، واحتجوا بعموم حديث : ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر .
وقد تم الجواب عنه في الباب المذكور ( ورب حديث يروى من أوجه كثيرة ) أي : عن جماعة من الصحابة ( وإنما يستغرب لحال الإسناد ) يعني ويرويه واحد عن صحابي آخر لا يرويه غيره عنه فيستغرب لحال هذا الإسناد ، وهذا نوع ثالث من أنواع الحديث الغريب ، وهو الذي يكون غريبا إسنادا لا متنا ، قال في التدريب شرح التقريب : وينقسم أي الغريب إلى غريب متنا وإسنادا كما لو انفرد بمتنه راو واحد إلى غريب إسنادا لا متنا ، كحديث معروف ، روى متنه جماعة من الصحابة ، انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر ، وفيه يقول الترمذي : غريب من هذا الوجه ، انتهى .