title: 'كتاب الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمام كاملاً' canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-38' content_type: 'book_full' book_id: 38 hadiths_shown: 700

كتاب الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمام كاملاً

المؤلف: علاء الدين مغلطاي بن قليج التركي المصري الحنفي

عدد الأحاديث: 700

الأحاديث

1

لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور 5 - ثنا محمد بن بشار ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا محمد بن جعفر ( ح ) ، ونا بكر بن خلف أبو بشر ختن المقرئ ، نا يزيد بن زريع ، نا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح بن أسامة ، عن أبيه أسامة بن عمير الهذلي ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : لا يقبل اللّه صلاة إلا بطهور ، ولا يقبل صدقة من غلول . 6 - ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبيد بن سعيد ، وشبابة بن سوار ، عن شعبة نحوه . في مسند أبي داود الطيالسي ، ثنا شعبة ، عن قتادة قال : سمعت أبا المليح يحدث عن أبيه فذكره . وهو حديث صحيح ، خرجه ابن حبان في كتابه من جهة قتادة . وقال البغوي فيما رويناه عنه في شرح السنة : هذا حديث صحيح ، ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه ، وخرّجه الإسفرائيني في صحيحه ، وفي كتاب البيهقي : إن اللّه لا يقبل وأبو المليح اسمه عامر بن أسامة بن عمير بن عامر بن أقيشر ، واسمه عمير ، خرجا حديثه في صحيحيهما ، قال ابن سعد : توفي سنة اثنتي عشرة ومائة . وقال الفلاس : توفي سنة ثمان وتسعين . وذكر مسلم في كتاب الوحدان والعسكري والطبري في المذيل : أنه لم يرو عن أبيه غيره ، وكذلك قال ابن بنت منيع في معجمه ، وابن عبد البر .

2

7 - نا علي بن محمد ، نا وكيع ، نا إسرائيل ، عن سماك ( ح ) ، وحدّثنا محمد بن يحيى ، نا وهب بن جرير ، نا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن مصعب بن سعد ، عن ابن عمر قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : لا يقبل اللّه صلاة إلا بطهور ، ولا صدقة من غلول . في كتاب مسلم ، عن سماك ، عن مصعب : دخل ابن عمر على ابن عامر - يعني عبد اللّه - يعوده وهو مريض فقال : ألا تدعو الله لي يا ابن عمر ؟ فقال : إني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول فذكره ، وفي آخره : وكنت على البصرة ، وفي صحيح ابن خزيمة عنه : فجعلوا يثنون عليه وابن عمر ساكت ، فقال : أما إني لست بأغشهم ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فذكره ، وفي سنن الكجي : فقال ابن عامر : يا أبا عبد الرحمن ، ما منعك أن تقول؟ ولما ذكره الترمذي قال : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب ، وأحسن شيء . وذكره أبو القاسم ، في الأوسط من حديث مندل ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع عنه بلفظ : لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا صلاة لمن لا طهور له ، ولا دين لمن لا صلاة له ، وإنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد ، وقال : لم يروه عن ابن عمر إلا مندل ، ولا عن مندل إلا حسن بن حسين ، تفرد به حسين بن الحكم الحبري الكوفي .

3

8 - ثنا سهل بن أبي سهل أبو زهير ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك : سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول . هذا حديث خرجه أبو عوانة في صحيحه ، من حديث سهل بن أبي سهل ، واسمه زنجلة ، روى عنه جماعة . وقال أبو حاتم : صدوق ، وأبو زهير بن عبد الرحمن بن مغراء بن الحارث بن عياض بن عبد الله بن وهب الكوفي قاضي الأردن ، سئل عنه وكيع فقال : طلب الحديث قبلنا وبعدنا . وكان أبو خالد الأحمر يحسن الثناء عليه . وقال أبو زرعة : صدوق ، وتكلّم ابن المديني في روايته عن الأعمش ، وسنان بن سعد لما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال : حدّث عنه المصريون ، وهم يختلفون فيه ، يقولون : سنان بن سعد ، وسعد بن سنان ، وسنان بن سعيد ، وأرجو أن يكون سنان بن سعد ، وقد اعتبرت حديثه ، فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات ، وما روي عن سعد بن سنان فيه المناكير ، فكأنهما - واللّه أعلم - اثنان ، وصحح البخاري قول من قال : سنان ، وكذلك ابن يونس ، وسئل عنه ابن معين ، فقال : ثقة ، وكذلك قاله الدارقطني . وقال النسائي في كتاب التمييز : ضعيف ، وبنحوه قال الإمام أحمد . وقال أبو داود : قلت لأحمد بن صالح : سنان بن سعد سمع أنسا ؟ فغضب من إجلاله له . وقال العجلي : سعد بن سنان مصري تابعي ثقة .

4

9 - نا محمد بن عقيل ، نا الخليل بن زكريا ، نا هشام بن حسان ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول . هذا حديث قال ابن عدي : رواه الخليل بن زكريا ، عن هشام ، عن الحسن . ورواه عن هشام أيضا المنهال بن بحر ، وبه يعرف ، والخليل أضعف من منهال ، وذكره في باب محمد بن عبد العزيز الدينوري ، عن منهال . قال : هذا بهذا الإِسناد باطل ، فذكر محمد عن منهال . ورواه الخليل ، والمنهال خير من الخليل . ولما ذكره أبو نعيم في كتابه قال : هذا حديث مشهور لا يعرف إلا من حديث ابن عقيل بهذا اللفظ من حديث علي . انتهى ، وهو معلَّل بأشياء منها : محمد بن عقيل ، وإن كان الحاكم قال فيه : هو من الثقات النبلاء ، مات سنة سبع وخمسين ومائتين ، فقد ذكر أنه أُنْكِرَ عليه حديثان ، والخليل وإن قال فيه جعفر الصائغ : كان ثقة مأمونا ، فقد كذبه القاسم بن زكريا . وقال ابن عدي : عامة أحاديثه مناكير . وقال العقيلي : يحدث بالبواطيل . وقال أبو الفتح الأزدي : متروك الحديث ، وسماع الحسن من أبي بكرة مختلف فيه ، فممن أنكره أبو الحسن الدارقطني ، قال : هو عن أبي بكرة مرسل لم يسمع منه ، ذكره في سؤالات الحاكم له . وفي صحيح البخاري في كتاب الفتن : قال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة يقول ، فذكر حديثا . وفي كتاب الصلح أيضا قال : سمعت أبا بكرة يقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين . قال أبو عبد الله : قال ابن المديني : إنما يثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث ، وفي كتاب ابن بطال : وزعم الداودي أنّ راوي هذا عن أبي بكرة إنما هو الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - وفي كتاب المراسيل لابن أبي حاتم : عن بهز : سمع الحسن من أبي بكرة شيئا ؟ قال : لا . قال الباجي في أسماء رجال البخاري : أخرج البخاري حديثا فيه : قال الحسن : سمعت أبا بكرة ، فأولّه الدارقطني وغيره من الحفاظ على أنه الحسن بن علي ؛ لأن الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة ، ولما ذكره الحاكم في التاريخ رواه عن محمد بن علي بن عمر ، ثنا محمد بن عقيل ، نا الخليل به ، وزاد بعد قوله : ولا صدقة من غلول ، وابدأ بمن تعول ، وفيه ردّ لما قاله الترمذي وزيادة عليه ، وكذا حديث عمران بن حصين ، قال - صلى الله عليه وسلم - : لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول رواه الحاكم في تاريخ بلده ، عن أبي الفضل محمد بن أحمد القاضي ، نا أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسين ، نا أحمد بن عبد اللّه ، نا زيد بن حباب ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي السوار عنه ، وحديث علي نحوه ، ذكره ابن أبي غرزة في مسنده ، وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه ، ذكره الحافظ أبو بكر بن خزيمة - رحمه اللّه تعالى - فيما رويناه عنه في صحيحه ، فقال : ثنا أبو عمار الحسين بن حريث ، نا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن كثير ، وهو ابن زيد ، عن الوليد ، وهو ابن رباح ، عن أبي هريرة ، فذكره . ولما ذكر ابن عدي هذا الحديث من جهة أبي سلمة وابن سيرين قال : لا أعلم من رفعه إلَّا غسّان بن عبيد الموصلي . ورواه غسان عن أبي حذيفة مرفوعا ، وغيرهما أوقفه ، وهذا بهذا الإِسناد باطل . انتهى . وما أسلفناه من عند ابن خزيمة يرد قوله ، ولما ذكره الطبراني في الأوسط قال : لم يروه عن الأعمش ، يعني عن أبي حازم عنه إلا أبو مريم وابن فضيل ، ولم يروه عن ابن فضيل إلا السري بن عاصم ، وأغفل أيضا حديث جابر بن عبد اللّه ، ذكره الطبراني في المعجم الأوسط من حديث سليمان بن قرم ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد عنه مرفوعا ، أنا المقرئ الصالح موسى الحنفي الكردي - رحمه الله - أنا أبو نصر ، نا زنجويه ، نا محمد بن أسلم ، نا يعلى بن عبيد ، نا يحيى بن عبيد اللّه ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول . ورواه ابن المنذر في كتاب الإقناع ، عن الربيع أنبأنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، أخبرني كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عنه ، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه ، وحديث أبي سعيد الخدري مرفوعا : لا يقبل اللّه صدقة من غلول ، ولا صلاة بغير طهور . رواه الإسفرائيني في صحيحه وأبو القاسم في الأوسط من حديث مكحول ، عن رجاء بن حيوة عنه . وقال : لم يروه عن مكحول إلا محمد بن سليمان بن أبي داود ، تفرد به محمد بن عبيد اللّه بن يزيد القردواني ، عن أبيه ، ورواه ابن أبي شيبة في مسنده ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي سُفيان السعدي ، عن أبي نضرة عنه ، ولفظه : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، وفي كل ركعتين تسليمة ، ولا صلاة لكل من لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في الفريضة وغيرها . وحديث أبي بكر الصديق ، قال - عليه السلام -: لا يقبل اللّه صدقة من غلول ، ولا صلاة بغير طهور ، وابدأ بمن تعول ، ذكره أبو عوانة في صحيحه . وحديث عبد الله بن عباس ذكره أيضا من حديث نافع مولى يوسف السلمي ، عن عطاء عن ابن عباس يرفعه ، وقال : لم يروه عن عطاء غير نافع ، ولا عن نافع إلا سعدان بن يحيى ، تفرد به سليمان بن عبد الرحمن ، ولا يُروى عن ابن عباس إلا بهذا الإِسناد . انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما ذكره ابن أبي شيبة أيضا في مصنفه عن أبي خالد الأحمر ، عن ابن كريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس مرفوعا . ولما ذكره الحاكم في تاريخ بلده : نا أبو بكر الجيزي ، نا إبراهيم بن محمد بن يزيد السكري ، نا عبد العزيز بن منيب المروزي ، نا إسحاق بن عبد الله بن كيسان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، فذكره ، وحديث الزبير بن العوام عنده أيضا ، وقال : لم يروه عن الليث بن سعد ، يعني عن هشام عن أبيه عن الزبير إلا أبو قتادة الحراني ، ولا يُرْوَى عن الزبير إلا بهذا الإِسناد . [وفي المعجم الكبير حديث أبي مسعود البدري ، وفي مصنف ابن أبي شيبة : حديث رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان عن جدته عن أبيها بمعناه ، وهو حديث ضعيف . ابن عرفة : غل في المغنم ، يَغُل غلولًا : إذا سرق من الغنيمة ، سُمي بذلك ، لأن الأيدي مغلولة عنه ، أي : ممنوعة ، وفي الصحاح : أغل ، يغل ، غلَّ] ، وقال القزاز : سمي بذلك لأن الرجل كان إذا أخذ منه شيئا ستره في متاعه ، فقيل للخائن : غال ، ومغل من هذا ، يعني قوله : يغل الماء والسيل يغل غللا وغلولا ، إذا جرى من الشجر ، وغللت الشيء أغلّه غلا : سترته ، والطهور بالفتح : الماء الذي يتطهر به ، وبالضم الفعل ، وقال سيبويه : بالفتح يقع على الماء والمصدر معا ، وقال الخليل : الفتح في الفعل والماء ، ولم يعرف الضم ، وحكي الضم فيهما جميعا .

5

2 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يزيد بن هارون ، عن همام ، عن قتادة ، عن صفية بنت شيبة ، عن عائشة قالت : كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع . هذا حديث إسناده صحيح متصل ، وإلى هذا أشار أبو عيسى ، وفي كتاب أبي داود : رواه أبان ، عن قتادة ، قال : سمعت صفية . يعني بذلك ما رواه أبو بكر البيهقي في السنن الكبير : ثنا أبو الحسن علي بن أحمد المقرئ ، ثنا أحمد بن سلمان ، نا جعفر بن شاكر ، ثنا عفان ، نا أبان به ، وفي سنن الدارقطني : بنحو المد وبنحو الصاع ، وقال في العلل : رواه عن قتادة : الدستوائي ، وابن أبي عروبة ، وعمران القطان ، والجماعة عن أبي الزبير . وقيل : عن شعبة ، كلّهم عن قتادة ، عن صفية ، وقال عمرو بن عامر : عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن عائشة ، وقال حماد بن سلمة : عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة ، وقال شيبان : عن قتادة ، عن الحسن ، عن أمه ، عن عائشة . وأصحها قول من قال : قتادة عن صفية . ورواه أبو حصين وإبراهيم بن المهاجر ، عن صفية ، وقال : وهو غريب بهذا الإِسناد . ورواه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب التمييز بإسناد صحيح ، عن محمد بن عبيد ، نا يحيى بن زكرياء ، عن موسى بن عبد اللّه الجهني - وكان ثقة - قال لي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال . وقال : أخبرتني عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بمثل هذا . وفي مسند أحمد بن منيع البغوي : حزرته ثمانية أو تسعة أو عشرة أرطال . وفي هذا الإسناد بيان لصحة سماع مجاهد من عائشة ، وسيأتي بيان ذلك بعد إن شاء اللّه تعالى ، وفي قول الدارقطني : قال حماد ، عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة نظر ؛ لما رواه الكجي في سننه ، عن أبي عمر ، ثنا حماد ، عن قتادة ، عن صفية أو معاذة - شَك حماد- عن عائشة ، فهذا كما ترى حماد لم يقل عن واحدة منهما جزما ، واللّه أعلم .

6

3 - حدثنا هشام بن عمار ، نا الربيع بن بدر ، نا أبو الزبير ، عن جابر : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ بالمد ، ويغتسل بالصاع . هذا حديث في إسناده علّتان : الأولى : ضعف الربيع بن بدر الملقب عليلة ، فإن أبا إسحاق الجوزجاني وهاه . وقال أبو حاتم الرازي : ذاهب الحديث . وقال النسائي والأزدي والدارقطني : متروك الحديث . وقال البستي : كان يقلب الأسانيد ، ويروي عن الثقات المقلوبات ، وعن الضعفاء الموضوعات . وقال أبو داود : لا يكتب حديثه . وقال يعقوب بن سفيان الفسوي في تاريخه الكبير : لا يُكتب حديثه . وقال في موضع آخر : ضعيف متروك . وقال البخاري في الأوسط : يخالف . وذكره الساجي ، والعقيلي ، والبلخي ، وأبو أحمد بن عدي ، وأبو العرب القيرواني ، وأبو إسحاق الحربي في الضعفاء . الثانية : الاختلاف في سماع محمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير ، من جابر ، حتى قال أبو الحسن بن القطان وغيره : كل ما لم يصرح فيه بالسماع ، ولم يكن من رواية الليث عنه منقطع . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث الربيع بن صبيح ، عن أبي الزبير ، وقال : لم يروه عن الربيع إلا الوليد بن مسلم . تفرد به محمد بن أبي السري ، ومن حديث أبي جَعفر محمد بن علي بن الحسين ، عن جابر بمثله . وقال : لم يروه عن شعبة - يعني عن مخول بن راشد - عن جعفر عنه إلا سعيد بن عامر الضبعي . ولفظه عن جابر في المعجم الكبير : يجزئ من الغسل صاع ، ومن الوضوء مد ، وأرسله ابن أبي شيبة في المصنف . رواه عن : عبد الرحيم بن سليمان ، عن الحجاج ، عن أبي جعفر به ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سوى ما أسلفناه ، ذكرها أبو عبد اللّه في مستدركه ، عن أبي بكر بن إسحاق ، ثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي ، نا هارون بن إسحاق ، نا محمد بن فضيل ، عن حُصَين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر . وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرّجاه بهذا اللفظ . ولما ذكره أبو داود في سننه من حديث أحمد ، ثنا هشيم ، نا يزيد بن أبي زياد ، عن سالم به ، ضعفه أبو محمد المنذري بيزيد ، بقوله : لا يحتج به ، وفيما قاله نظر في موضعين : الأول : اضطرابه في يزيد ؛ فتارة يحسن حديثا هو فيه ، وتارة يضعفه ، كما فعل هنا ، وتارة يسكت عنه موهما صحته ، وسنبيّنه - إن شاء اللّه تعالى - في أليق المواضع به ، وليس لقائل أن يقول : فعله ذلك لما يعضده من متابع أو شاهد أو عدمهما ، لما أسلفناه من متابعة الربيع بن بدر ، وابن الحسين ، وحصين . الثاني : ، رواه عن يزيد وحصين عن سالم ، فسلم الحديث من طعن إن كان في يزيد ، ذكر ذلك أبو بكر البيهقي ، عن الحاكم ، أنا أبو العباس ، نا أحمد بن عبد الجبار ، نا ابن فضيل به ، وعلى البيهقي في هذا الإسناد استدراك ؛ لأجل ضعف أحمد بن عبد الجبار ، وعدوله عن حديث الحاكم المذكور قبل هذا ، ورويناه في كتاب الحافظ أبي بكر بن خزيمة الصحيح عن هارون بن إسحاق الهمذاني من كتابه ، نا ابن فضيل عنهما ، فذكره .

7

4 - حدثنا محمد بن المؤمل بن الصباح وعباد بن الوليد قالا : حدثنا بكر بن يحيى بن زبان ، نا حبان بن علي ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جدّه قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : يجزئ من الوضوء مد ، ومن الغسل صاع ، فقال رجل : لا يجزئنا ، فقال : هذا كان يجزئ من هو خير منك وأكثر شعرا ، يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم . هذا حديث في إسناده ضعفاء . الأول : حبان بن علي العنزي أبو علي الكوفي ، رحمه اللّه وغفر له ، روى عن التابعين ، قال فيه حجر بن عبد الجبار : ما رأيت فقيها بالكوفة أفضل منه . وقال يحيى بن معين : صدوق ، وفي رواية : ليس حديثه بشيء . وقال ابن نمير : في حديثه وحديث أخيه مندل بعض الغلط . وقال أبو زرعة : ليّن . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وسئل عنه ابن المديني فضعفه . وقال الدارقطني : متروك . ومرة قال : ضعيف ، ويخرج حديثه . وقال أبو الحسان الزيادي : توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة ، ويقال : سنة إحدى ، فإن مولده سنة إحدى عشرة . وقال البخاري : ليس هو عندهم بالقوي . وقال النسائي : ضعيف ، وكذلك قاله ابن سعد . وقال العجلي : صدوق . وقال الخطيب : كان رجلا صالحا دينا . وقال أبو داود : لا أحدّث عنه . وقال المرزباني : قال حبان لأخيه مندل ، وكان يسمى عمرا : عجبا يا عمرو من غفلتنا والمنايا مقبلات عنقا قاصدات نحونا مسرعة يتخللن إلينا الطرقا وإذا أذكر فقدان أخي أتقلب في فراشي أرقا وأخي أين أخ مثل أخي قد جرى في كل خير سبقا وقال ابن قانع : ضعيف ، وبنحوه قال ابن طاهرٍ . الثاني : يزيد بن أبي زياد ، وقد اختلف فيه . فأمّا البخاري في الأوسط فإنه قال : ابن زياد أو ابن أبي زياد ، وفي الكبير ، قال : ابن زياد عن الزهري منكر الحديث ، وتتبع ذلك عليه أبو محمد ابن أبي حاتم ، فقال : قال أبو زرعة : إنّما هو يزيد بن أبي زياد ، وسمعت أبي يقول كما قال . انتهى . فعلى ما أسلفناه في التاريخ الأوسط لا وهم عليه ، وكذا فرّق النسائي بين ابن زياد وابن أبي زياد . وقال في ابن زياد : متروك الحديث . وقال الآجري : سألت أبا داود ، عن ابن أبي زياد فقال : ثبت ، لا أعلم أحدا يترك حديثه ، وغيره أحب إليّ منه . وقال ابن سعد : كان ثقة في نفسه إلا أنّه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب . وقال ابن المديني وابن معين : ضعيف الحديث لا يحتج به . وقال ابن المبارك : ارْمِ به . وقال أبو حاتم الرازي : ضعيف الحديث ، كل أحاديثه موضوعة وباطلة . وقال ابن حبان : كان صدوقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغيّر ، وكان يتلقّن ما لقن ، فوقعت المناكير في حديثه ، فسماع من سمع منه قبل التغيّر صحيح ، وبنحوه ذكره الساجي . وذكر ابن الجوزي يزيد بن زياد ، وقيل : ابن أبي زياد ، ويقال : أبو زياد اسمه ، واسم أبيه : ميسرة ، في ترجمة واحدة ، وبنحوه ذكره ابن سرور المقدسي ، وذكر أنّ مسلما روى له . وقال ابن نمير : ليس بشيء . وقال الترمذي : ضعيف في الحديث . الثالث : عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أبو محمد الهاشمي المدني ، سمع جماعة من الصحابة ، كان أحمد بن حنبل وإسحاق يحتجان بحديثه ، ولكن ليس بالمتين عندهما ، قاله الحاكم . وقال ابن سعد : منكر الحديث لا يحتج بحديثه ، وكان كثير العلم ، ومات سنة خمس وأربعين ومائة . وقال أبو معمر : كان ابن عيينة لا يحمد حفظه . وقال ابن معين : ليس بذاك ، وفي رواية : ضعيف . وقال أبو حاتم : ليّن الحديث ليس ممن يحتج بحديثه ، يكتب حديثه ، وهو أحب إلي من تمام بن نجيح ، وسئل عنه أبو زرعة ، فقال : يختلف عليه في الأسانيد . وقال العجلي : جائز الحديث . وقال الترمذي : صدوق ، ولكن تكلّم فيه بعضهم من قبل حفظه . وقال الفسوي : صدوق وفي حديثه ضعف . وقال ابن عدي : يكتب حديثه . وقال الترمذي : صدوق ، لكن تكلّم فيه بعضهم من قبل حفظه . وقال ابن حبان : كان رديء الحفظ يحدث على التوّهم ، فيجيء بالخبر على غير سننه ، فوجب مجانبة أخباره . وأما الحاكم فإنه صحّح حديثه في مستدركه ، وذكره أبو عبد اللّه البرقي في كتاب الطبقات ، في باب من ينسب إلى الضعف في الرواية ممن يُكتب حديثه . وروي لنا عن القطان أنه قال : عاصم عندي نحو ابن عقيل في الضعف . الرابع : أبو عبد اللّه محمد بن عقيل ، وهو مجهول لا يُعرف حاله ، ولا نعرف له غير روايته عن أبيه ورواية ابنه عنه ، واللّه أعلم . ومع هذا فباعتبار مجموع الأحاديث المتقدّمة يكون حسنا ؛ لما أسلفناه من الاختلاف في رجال إسناده ، وفيه زيادة على ما قاله الترمذي عند حديث سفينة ، وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك ، وأغفل أيضا حديث أم سلمة من رواية الحسن عن أمه عنها ، ذكره الطبراني في الأوسط . وقال : لم يروه عن أشعث بن عبد الملك - يعني عن الحسن - إلا سيف بن محمد ، تفرد به جمهور بن منصور ، وحديث أنس عند البخاري : يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ، ويتوضأ بالمدّ ، وحديث ابن عباس من عنده أيضا مرفوعا : يجزئ في الوضوء مد ، وفي الغسل صاع . وقال : لم يروه غير خصيف ، عن عكرمة عنه إلا عبد العزيز بن عبد الرحمن الباسلي . تفرّد به لوين ، وذكره أبو الحسن الدارقطني في كتاب الأفراد من حديث إسرائيل ، عن مسلم الأعور ، عن مجاهد ، وأشار إلى تفرّد إسرائيل به ، وحديث أم عمارة ، عن أبي داود يرفعه : أتي بماء قدر ثلثي المد وإسناده صحيح ، وحديث زينب بنت أبي سلمة بمعناه . ذكره القشيري . وحديث أبي أمامة ذكره الطبراني في المعجم الكبير وابن عدي في الكامل من حديث الصلت بن دينار ، عن شهر بن حوشب ، وضعفه بهما ، وحديث أبي سعيد مرفوعا من مسند ابن أبي أسامة من حديث عطية عنه ، وحديث الربيع بنت معوذ ، ذكره الدارقطني في سننه من جهة ابن عقيل عنها ، وحديث أم سعد بنت زيد بن ثابت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : الوضوء مد ، والغسل صاع ، ذكره ابن الأثير في معرفة الصحابة ، وحديث ابن عمر ذكره أبو محمد عبد الحق ، وضعفه ، وحديث أبي روح ، ذكره في المصنف عن عبيدة ، عن عبد الملك بن عمير بنحوه . وكان الشافعي وأحمد يقولان : ليس معنى هذا الحديث على التوقيف أنه لا يجوز أكثر منه ، ولا أقل منه ؛ بل هو بقدر ما يكفي ، واللّه أعلم .

8

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال الإمام العلامة أبو عبد الله ابن ماجه ، رحمه الله تعالى : كتاب الطهارة باب ما جاء في مقدار الوضوء والغسل من الجنابة 1 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبي ريحانة ، عن سفينة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بالمد ، ويغتسل بالصاع . هذا حديث رواه مسلم في صحيحه ، وخرج هو والدارمي في مسنده بسماع إسماعيل من أبي ريحانة ، وفي بعض طرقه : أو قال يطهره المد . قال : وقد كان كبر ، وما كنت أثق بحديثه ، ولفظ العسكري : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغسله الصاع من الجنابة ، ويوضئه المد . وقال فيه أبو عيسى : حسن صحيح ، ونحوه قاله أبو علي الطوسي في أحكامه ، وفيه علة خفيت على من صححه ، وهي الانقطاع المنافي للصحة فيما بين أبي ريحانة وسفينة ، نص على ذلك أبو حاتم البستي ، فإنه لما ذكره في الثقات تردد في سماعه من سفينة بعد وصفه إياه بالخطأ ، وبنحوه ذكره الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، فإن محمد بن موسى لما سأله عنه قال : ما أعَلم إلا خيرا ، قلت : سمع من سفينة ؟ قال : ينبغي ، هو قديم ، سمع من ابن عمر ، فهذا من أبي عبد الله ظن وحسبان ، لا قطع ببرهان ، ولا كل من سمع من شخص ينبغي له السّماع من قرينه ، هذا الزهري سمع جماعة من الصحابة ، منهم ابن عمر ، ولم يسمع من بعض التابعين ، والحسن سمع من علي وأبي عثمان ، ولم يسمع ممن توفي بعدهما بنحو من ثلاثين سنة، واللّه أعلم . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث مرجى بن رجاء ، ثنا أبو ريحانة ، ثم قال : ولم يروه عن مرجى إلا يعقوب بن إسحاق الحضرمي .

9

54 - حدثنا أبو مروان ، نا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن محمود بن الربيع : وكان قد عقل مجة مجها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دلو من بئرهم . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه بزيادة : مجهّا في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو . وفي الباب : حديث أبي موسى عند البخاري : دعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقدح من ماء فغسل يديه ، ووجهه فيه ومجّ فيه ، ثم قال لهما : اشربا وأفرغا على وجوهكما ونحوركما يعني : أبا موسى وبلالا ، ففعلا ، قال : فنادته أم سلمة من وراء الستر : ( أفضلا لأمكما ، فأفضلا لها ) ، وحديث السائب بن يزيد قال : ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله ، إن ابن أختي وجع ، فمسح برأسي ودعا لي بالبركة ، ثم توضأ ، فشربت من وضوئه ، وحديث أبي جحيفة : توضأ عليه السلام ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به خرجهما البخاري ، وفيه : وأمر جرير بن عبد الله أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه .

10

باب المج في الإناء 53 - حدثنا سويد بن سعيد ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن مسعر . ح ، وثنا محمد بن عثمان بن كرامة ، ثنا أبو أسامة ، عن مسعر ، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه ، قال : أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدلو فمضمض منه ، فمج فيه مسكا ، أو أطيب من المسك ، واستنثر خارجا من الدلو . هذا حديث لولا انقطاعه لحكمنا بصحة إسناده على رسم الصحيح ، فإن ابن معين قال : لم يسمع عبد الجبار من أبيه شيئا ، وفي رواية : قيل : إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر ، وفي سؤالات الكناني لأبي حاتم : عبد الجبار سمع من أبيه شيئا ؟ قال : لم يسمع من أبيه ، وقال ابنه عنه في كتاب الجرح والتعديل : روي عن أبيه مرسلا ، ولم يسمع منه ، وهو مما استدركناه عليه في كتاب المراسيل تأليفه ؛ لذكره له في موضعين ، وأغفله في موضع هو أنسب منهما ، وقال البخاري : قال لي محمد بن حجر : ولد بعد أبيه بستة أشهر ، وقال فطر : والحسن بن عبيد الله عن عبد الجبار : سمعت أبي ، ولا يصح سماعه من أبيه وهو في بطن أمه ، ومات أبوه قبل أن يولد .

11

56 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن موسى بن عبد الله بن يزيد ، عن مولى لعائشة عن عائشة قالت : ما نظرت ، أو ما رأيت فرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قط قال أبو بكر : كان أبو نعيم يقول عن مولاة لعائشة . هذا حديث خرجه ابن ماجه أيضا في كتاب النكاح ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى هناك ، ورواه الطبراني في الأوسط ، عن أحمد بن زكريا شاذان ، ثنا بركة بن محمد الحلبي ، ثنا يوسف بن أسباط ، ثنا الثوري ، عن ابن جحادة ، عن قتادة ، عن أنس عنها به ، وقال : لم يروه إلا بركة بن محمد ، وفي الباب حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك قلت : فإذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : إن استطعت أن لا يراها أحد ، فلا يرينها قلت : فإذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحيي منه خرجه أبو داود ، وحديث أبي هريرة قال : رأيت سبعين من أهل الصفة ، ما منهم رجل عليه رداء ، إما بردة وإما كساء ، ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته خرجه البخاري ، وحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا زوج أحدكم عبده أمته ، أو أجيره ، فلا ينظر إلى شيء من عورتها يريد الأمة خرجه أبو داود ، وسيأتي لهذا الباب إن شاء الله تعالى زيادة في كتاب الصلاة .

12

باب النهي أن يرى عورة أخيه 55 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا زيد بن الحباب ، عن الضحاك بن عثمان ، ثنا زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ، ولا ينظر الرجل إلى عورة الرجل . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه بزيادة : ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد . وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن ابن أسلم إلا الضحاك تفرد به ابن أبي فديك ، وزيد بن حباب ، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد .

13

60 - حدثنا حرملة بن يحيى ، ثنا ابن وهب ( ح ) وثنا ابن حميد ، ثنا زيد بن الحباب قالا : ثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن عمر بن الخطاب قال : رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا توضأ ، فْترك موضع الظفر على قدمه ، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة ، قال : فرجع . هذا حديث خرجه مسلم رحمه الله في صحيحه ، عن سلمة بن شبيب ، ثنا الحسن بن محمد بن أعين ، ثنا معقل ، عن أبي الزبير بلفظ : ارجع فأحسن وضوءك ، فرجع ، ثم صلى ، وفي كتاب الصحيح لأبي عوانة ، وذكره : فيه بيان أنه رجع في وضوئه ، ثم صلى ، وفيه أيضا من حديث مغيرة بن سقلاب ، عن الوازع بن نافع ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عمر ، عن أبي بكر الصديق قال : كنت جالسًا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء رجل قد توضأ ، وبقي على ظهر قَدَمِهِ مثل ظفر إبهامه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع فأتم وضوءك ففعل انتهى . وقال عبد الحق عند ذكره غيره : وحديث عمر أصح إسنادا ، وأجل ، يعني من هذا ، فدلّ أنّ الحديث إنّما رواه عمر عن أبي بكر ، وقد جمع بينهما أحمد بن عبيد الصفّار في مسنده من حديث ابن عمر عنهما مرفوعا ، ولما ذكره الطبراني في الأوسط قال : لا يروى عن أبي بكر إلا بهذا الإسناد ، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث قراد أبي نوح ، عن شعبة ، عن إسماعيل ، عن أبي المتوكل قال : توضأ عمر وبقي على ظهر رجله لمعة لم يصبها الماء ، فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعيد الوضوء ، فقال : أبو المتوكل لم يسمع من عمر ، وإسماعيل هذا لا بأس به ، ولما ذكر في الخلافيات هذا المتن قال : إسناده جيد ، وقد تقدّم كلام أبي محمد في حديث عمر ، وقال الحافظ أبو الفضل الهروي : إنّما يعرف من حديث ابن لهيعة ، عن أبي الزبير بهذا اللفظ ، وابن لهيعة لا يحتج به ، وهو خطأ عندي؛ لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان ، عن جابر فجعله من قول عمر ، وقال البيهقي : ورواه أبو سفيان عن جابر بخلاف ما رواه أبو الزبير ، ورواه سفيان عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن عمر مثله ، وقد رُوي عن عمر ما دلّ على أنّ أمره بالوضوء كان على طريق الاستحباب ، وإنما الواجب غسل تلك اللمعة فقط ، وفي الباب حديث خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى رجلا يصلي ، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعيد الوضوء والصلاة . رواه أبو داود من حديث بقية ، عن بحير عنه ، وقال ابن حزم : لا يصح وهو مرسل ، ورده أبو محمد الإشبيلي ببقية ، واستدرك عليه ابن القطان الإرسال ، وقال البيهقي : هو حديث مرسل ، وأعلّه بعض الحفاظ من المتأخرين ؛ بأنّ بقية وإن كان حديثه في الصحيح فعنعنته لا تقبل لتدليسه ، وفي ذلك نظر لما قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : هذا - يعني حديث خالد - إسناد جيّد ؟ قال : نعم . قلت لأبي عبد الله : إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يسمه ، فالحديث صحيح ؟ قال : نعم انتهى ، والذي عليه المحدّثون قاطبة : أنّ جهالة اسم الصحابي غير قادحة في الإسناد ، ولا سيما مع شهادة التابعي المعروف له بالصحبة ، وهو قول مطابق لما تقدم من كلام ابن القطان ، وذهل عنه في هذا الموضع ، وأما من أعلّه بتدليس بقية فمردود ؛ لتصريح أبي عبد الله الحاكم في مستدركه بقول بقية : ثنا بحير ، فذكره ، وفي مراسيل أبي داود من حديث العلاء بن زياد ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه اغتسل ، فرأى لمعة على منكبيه لم يصبها الماء فأخذ خصلة من شعر رأسه فعصرها على منكبه ، ثم مسح يده على ذلك المكان ، قال ابن حزم ، وأبو الفرج ابن الجوزي : وقد أسند عن العلاء عن رجل من الصحابة والصحيح مرسل أبي داود ، وحديث حميد بن سعد ، عن أبي سلمة ، عن أبيه قال : أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت : يا رسول الله إنّ أهلي تغار علي إذا وطئت جواري ، قال : ولم تعلمهن ذلك ؟ ، قلت : من جهة الغسل ، قال : وإذا كان ذلك منك فاغسل رأسك عند أهلك ، وإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر بدنك . ذكره الإسماعيلي في جمعه لحديث مسعر من جهة عن مسعر عنه ، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات ردّه بضعف إسناده ، وحديث ابن عمر : أنّه توضأ وبقي على رجله قطعة ، لم يصبها الماء ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء ذكره في الخلافيات وردّه بالانقطاع ، قال : وقد روي عن ابن عمر نفسه موقوفا وإسناده جيّد ، وحديث ليث ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي أمامة ، أو عن أخي أبي أمامة : رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوما على أعقاب أحدهم مثل موضع الدرهم ، أو مثل موضع ظفر لم يصبه الماء الحديث . ذكره البيهقي في سننه ، وحديث ابن مسعود : أنّ رجلا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يغتسل من الجنابة ، فيخطئ بعض جسده الماء ؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : يغسل ذلك المكان ، ثم يصلي . ذكره البيهقي من رواية عاصم بن عبد العزيز الأشجعي ، وهو ضعيف .

14

باب من توضأ فترك موضعا لم يصبه الماء 59 - حدثنا حرملة بن يحيى ، ثنا عبد الله بن وهب ، نا جرير بن حازم ، عن قتادة ، عن أنس ، أنّ رجلا أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد توضأ وترك موضع الظفر لم يصبه الماء ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارجع فأحسن وضوءك . هذا حديث لما ذكره أبو داود قال : وليس هذا الحديث بمعروف ، ولم يروه إلا ابن وهب وحده ، وفي كتاب ابن داسة : هذا الحديث ليس بمعروف ، عن جرير بن حازم ، ولم يروه إلا ابن وهب ، وقال الدارقطني : تفرد به جرير ، عن قتادة ، ولم يروه عنه غير ابن وهب ، وكذا قاله أبو القاسم في الأوسط ، وقال البيهقي في الخلافيات : هذا حديث إسناده صحيح ، رواته كلّهم مجمع على عدالتهم ، وبنحوه قاله عبد الحق ، وذكره أبو عوانة في صحيحه ، ولما ذكر ابن حزم حديث عمر في هذا الباب قال : لا يصح ؛ لأنّ أبا قلابة لم يدرك عمر ، وأبو سفيان ضعيف ، وحديث أنس أحسن منه

15

باب اللعاب يصيب الثوب 52 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن حماد بن سلمة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حامل الحسن بن علي عليهما السلام على عاتقه ، ولعابه يسيل عليه . هذا حديث إسناده على رسم الصحيح ، وفي الباب حديث أنس : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بزق في ثوبه رواه البخاري ، وحديثه أيضا : أنه عليه السلام رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه ، ثم قال بطرف ثوبه فبصق فيه رواه أيضا ، وحديث أبي هريرة : فتفل في ثوبه عليه السلام ، ثم مسح بعضه على بعض رواه مسلم ، وحديث عمرو بن خارجة قال : خطبنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنى ، وهو على راحلة ، وهي تقصع بجرّتها ولعابها يسيل بين كتفي الحديث ، رواه أبو عيسى وصححه ، وحديث مروان بن الحكم والمسور : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الحديبية ، فذكر الحديث ، وفيه : وما تنخم صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وحديث أبي رافع ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بزق في ثوبه قال مهنأ : سألت أحمد عن القاسم بن مهران ، فقال : ثقة ، وما أعرف له غير حديث واحد عن أبي رافع ، فذكره ، قال : وهذا أبو رافع الصائغ وحديث أبي سعيد : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بزق في ثوبه ، ثم دلكه . قال عبد الله عن أبيه : لم يرفعه إلا عبد الصمد بن عبد الوارث ، وفي كتاب الميموني ، عن أحمد ، نحن لا نرى بالبزاق بأسا ، هو نظيف . أليس يروى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بزق في ثوبه ؟ ! ، وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن حماد بن سلمة ، يعني عن ثابت ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد إلا عبد الصمد ، قال ابن بطال : هذا يدل على طهارة البزاق ، والمخاط ، وهو أمر مجمع عليه لا أعلم فيه اختلافا إلا ما روي عن سلمان الفارسي ، وأنّ الحسن بن حي كرهه في الثوب ، وفي كتاب الطحاوي : أن الأوزاعي كره أن يدخل سواكه في وضوئه انتهى ، وحديث سلمان المشار إليه قال فيه الجوزجاني : باطل ، وراويه عنه محمد بن عطية ، لم يسمع منه شيئا ، فعلى هذا لا ينسب إلى سلمان في نقل عنه . وما حكاه عن ابن حي يحمل على التقدير ، وسيأتي لهذا زيادة أيضا في كتاب الحج إن شاء الله تعالى .

16

11 - ثنا سويد بن سعيد ، ثنا علي بن مسهر ، عن أبي سفيان طريف السعدي ( ح ) ، ونا أبو كريب ، نا أبو معاوية ، عن أبي سفيان السعدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم . وخرجه الترمذي بزيادة : ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها . هذا حديث رواه بحشل في تاريخ واسط ، عن محمد بن حسان البرجلاني ، نا محمد بن يزيد ، نا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان ، عن أبي سفيان ، ولفظه : مفتاح الصلاة الوضوء ، وتحريمها التكبير ، وأذنها التسليم ، ولا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن أو بغيرها من القرآن ، وإذا ركع فليضع يده على ركبتيه ، وليسوي ظهره ، ولا يدبح تدبيح الحمار . وحديث علي أجود إسنادا وأصح من حديث أبي سعيد ، وخالف ذلك الحاكم ؛ لما ذكره من جهة الثوري ، عن أبي سفيان ، عن أبي نضرة به ، قال : هذا حديث صحيح الإِسناد على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وشواهده عن أبي سفيان ، عن أبي نضرة كثيرة ، فقد رواه أبو حنيفة وحمزة الزيات وأبو مالك النخعي ، وأشهر إسناد فيه حديث ابن عقيل ، انتهى . وفيما قاله نظر ؛ وذلك لأن أبا طريف لم يخرج مسلم له شيئا ، وسيأتي الكلام على ضعفه ، ورواه البزار في مسنده ، عن علي بن المنذر ، نا محمد بن فضيل ، نا أبو سفيان به زاد : في كل ركعة قرأ بفاتحة الكتاب وسورة ، قال : وهذا الكلام لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا أبو سعيد بهذا الإِسناد ، وإن كان همّام قد روى عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن نقرأ في الصلاة بفاتحة الكتاب وما تيسر ، فحديث همام يؤيّد حديث أبي سفيان ، وإن كان بغير لفظه . انتهى . وخرّجه الدارقطني بلفظ : مفتاح الصلاة الوضوء . أبو سفيان اسمه طريف بن شهاب الأشل . وقال البخاري : كان عطارديا ، وقال أيضا : أبو معاوية طريف بن سعد ، ويقال : طريف بن سفيان ، وجمع أبو عمر بين السعدي والعطاردي ، وهو الصحيح ؛ لأن عطارد هو من عوف بن كعب بن سور بن زيد مناه بن تميم ، وقال : أجمعوا على أنّه ضعيف الحديث . انتهى . وأبو إسحاق الحربي يفهم من كلامه غير ما قاله أبو عمر ، وذلك أنه لما ذكره في كتاب العلل ، قال : ليس هو أوثق الناس ، وتقدّم تصحيح الحاكم حديثه . وقال ابن عدي : أسانيده مستقيمة ، وفي كتاب الدارقطني : حديث عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث ابن عقيل ، وإسناده لا بأس به ، وذلك أنه رواه عن محمد بن عمرو بن البختري ، قال الخطيب : كان ثقة ثبتا عن أحمد بن الخليل ، وقد وثّقه النسائي والحاكم ، ومحمد بن نعيم الضبيّ ، عن الواقدي محمد بن عمر ، وقد أثنى عليه مالك ، ووثقه غيره من الأئمة ، وسيأتي الكلام عليه مستوفى - إن شاء اللّه تعالى - عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، وهو مذكور في كتاب الثقات لابن حبان ، عن عباد بن تميم ، عن عمه عبد الله بن زيد به . ورواه البيهقي في كتاب السنن الكبير ، عن أبي عبد اللّه الحافظ ، أنا أبو بكر بن إسحاق ، أنا الحسن بن علي بن زياد ، نا إبراهيم بن موسى الرازي ، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، نا شعبة ، عن حبيب بن زيد ، عن عباد بن تميم . وقاله أبو زرعة الرازي بسند متابع لما تقدّم ، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط ، قال : تفرّد به الواقدي ، ولا يروى عن ابن زيد إلا بهذا الإِسناد ، وحديث أم عمارة أصح ، يعني الحديث المذكور من عند أبي داود قبل ، واللّه أعلم . وخالف ذلك الحافظ أبو بكر بن خزيمة ؛ فرواه في صحيحه ، عن أبي كريب ، نا يحيى فذكره بلفظ : أتي بثلثي مد فتوضأ ، فجعل يدلك ذراعيه . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وفيه رد لما ذكره أبو عيسى من أن حديث علي أصح شيء في الباب ، وفيه ردّ عليه أيضا في قوله : وفي الباب عن علي وعائشة ، وكذا حديث جابر بن عبد اللّه المذكور عند أبي نعيم في تاريخه من حديث أبي داود عن سليمان بن معاذ الضبي عن أبي يحيى القتات ، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث سليمان بن قرم ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد عنه يرفعه : مفتاح الجنة الصلاة ، ومفتاح الصلاة الوضوء ، وقال ابن العربي : أصح شيء في هذا الباب وأحسن حديث مجاهد عن جابر ، وفيه نظر ، فما أسلفناه من الأحاديث أصح منه، وحديث ابن عباس مرفوعا : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم المذكور عنده من حديث نافع مولى يوسف السلمي ، عن عطاء عنه . وقال : لم يروه عن عطاء إلا نافع ، ولا عن نافع إلا سعدان بن يحيى ، تفرّد به سليمان بن عبد الرحمن ، ولا يُرْوَى عن ابن عباس إلَّا بهذا الإِسناد ، وأما الصحابة فقد روي عن جماعة منهم ذلك موقوفا ، منهم : ابن مسعود وابن عباس ، وإسناد حديثهما صحيح ، وعائشة . قال الطحاوي : ذهب قوم إلى أنّ الرجل إذا انصرف من صلاته بغير تسليم فصلاته باطلة ، وخالفهم في ذلك آخرون ، وافترقوا على قولين ؛ فمنهم من قال : إذا قعد مقدار التشهد فقد تمّت صلاته وإنْ لم يسلم ، ومنهم من قال : إذا رفع رأسه من آخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته ، وإن لم يتشهّد ولم يسلم ، فكان من الحجة للفريقين على أهل المقالة الأولى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : تحليلها التسليم ، إنما روي عن علي ، وقد روي عنه من رأيه في مثل ذلك ما يدل على أن معنى ذلك عنده على غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى ، وهو ما رواه أبو عوانة ، عن الحكم ، عن عاصم ، عن علي ، قال : إذا رفع رأسه من آخر سجدة ، فقد تمت صلاته . وقد روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة ، عن ابن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا رفع رأسه من آخر السجود فقد مضت صلاته إذا هو أحدث وفي بعض ألفاظه : إذا قضى الإِمام الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن أتمّ معه الصلاة قبل أن يسلم الإِمام ، فقد تمّت صلاته ، فلا يعود فيها . قال أبو جعفر : فهذا معناه غير معنى الحديث الأوّل ، وقد روي بلفظ آخر : إذا رفع المصلي رأسه من آخر الصلاة ، وقضى تشهده ثم أحدث ، فقد تمت صلاته ، فلا يعود . واحتج الذين قالوا : لا تتم الصلاة حتى يقعد قدر التشهد ، بما نا فهد ، نا أبو نعيم وأبو غسان قالا : ثنا زهير ، عن الحسن بن الحر ، حدثني القاسم بن مخيمرة ، قال : أخذ علقمة بيدي فحدّثني أنَّ ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده فعلّمه التشّهد ، وقال فيه : فإذا فعلت هذا أو قضيت هذا فقد تمت صلاتكم ، إنْ شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنَّ ترك التسليم غير مفسد للصلاة ، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - : صلى الظهر خمسا ، فلما أخبر بصنيعه ثنى رجله فسجد سجدتين ، فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام ، ولم ير ذلك مفسدا للصلاة ، ولو رأى ذلك مفسدا لها لأعادها ، فلما لم يعدها ، وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم ؛ دَلَّ ذلك على أن السلام ليس من صلبها ، ألا ترى أنّه لو كان جاء بالخامسة وقد بقي عليها مما قبلها سجدة ، كان ذلك مفسدا للأربع ؛ لأنه خلطهن بما ليس منهن ، ولو كان السلام واجبا كوجوب السجود لكان حكمه أيضا كذلك ، ولكنّه بخلافه فهو سنّة . انتهى . وعليه فيه مآخذ : الأول : قوله : إنما روي عن علي ، يريد أنه لم يرو غيره ، وقد قدمنا حديثين من غير روايته ، أحدهما صحيح . والثاني : ردّه المرفوع بالموقوف الذي هو من رواية عاصم بن ضمرة وهو متكلّم فيه ، حتى قال ابن عدي : تفرد عن علي بأحاديث باطلة ، لا يتابعه الرواة عليها ، والبلية منه . وقال ابن حبان : كان رديء الحفظ ، فاحش الخطأ ، يرفع عن علي قوله كثيرا ، فلما فحش ذلك منه استحق الترك . وعلى تقدير صحته يكون العمل بروايته ، لا برأيه ، هذا هو مذهب أكثر العلماء . الثالث : ابن أنعم وابن رافع ضعيفان ، وحديث عبد الرحمن عن ابن عمرو منقطع فيما ذكره ابن أبي حاتم ، مع ضعفه ونكارة حديثه فيما قاله البخاري ، وبكر بن سوادة ، وإن كان ثقة ، فحديثه عن ابن عمرو لم أر أحدا صرح به ، ولا ذكر له رواية عنه فيما أعلم ، والذي وصفه به ابن يونس : روى عن سهل بن سعد والتابعين . الرابع : حديث ابن مسعود : فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك . وهي زيادة ذكر الخطيب وغيره أنها مدرجة ، وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .

17

مفتاح الصلاة الطهور 10 - ثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن محمد ابن الحنفية ، عن أبيه - رضي اللّه عنه - قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم . هذا حديث خرجه الترمذي من حديث سفيان ، عن ابن عقيل ، وقال : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن وقد تقدّم الكلام في ابن عقيل قبل ، وذكر حديثه هذا الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة من حديث وكيع ، عن سفيان عنه ، وخرّجه الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده ، عن وكيع ، وشرطه معروف . وقال ابن العربي في الأحوذي : إسناد أبي داود أصح من سند الترمذي ، ولا وجه لما قاله ؛ لأن مداره على ابن عقيل ، وقد جاء التكبير في غير ما حديث ، عن أبي هريرة في الصحيحين : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم . وفي حديث المسيء صلاته : إذا قمت إلى الصلاة ، فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر ، وحديث عمران بن حصين وابن عباس ، وكلهم في الصحيح ، وابن عمر عند النسائي ، وابن مسعود ، صححه الترمذي ، والتسليم كذلك رواه ابن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص ، وهما في الصحيح ، وسهل بن سعد عند أحمد ، ووائل بن حجر ، وحذيفة وغيرهم ، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى ولفظ أبي نعيم في تاريخ أصبهان : مفتاح الصلاة الوضوء .

18

باب المسح على الجبائر 51 - حدثنا محمد بن أبان البلخي ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا إسرائيل ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن علي قال : انكسرت إحدى زندي ، فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فأمرني أن أمسح على الجبائر . هذا حديث قال ابن حاتم : سألت أبي عنه ، فقال : هذا حديث باطل لا أصل له ، وعمرو بن خالد متروك الحديث ، وقال الْمَرْوَذِيُّ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدَ اللَّهِ عَنِ هذا الْحَدِيثِ : عَبْدُ الرَّزَاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمُرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ : حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ ، فقال : بَاطِلٌ ، لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا ؟ قُلْتُ : ذَكَرُوهُ عَنْ صَاحِبِ الزُّهْرِيِّ ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ بِكَلَامٍ غَلِيظٍ ، وفي سُؤَالَاتِ عَبْدِ اللَّهِ : سمعت رجلا يقول ليحيى : تحفظ عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنه مسح على الجبائر . فقال : هذا حديث باطل ، ما حدّث به معمر قط ، وسمعت يحيى يقول : علي بدنة مجللة مقلّدة إن كان معمر حدّث بهذا هذا باطل ، ولو حدّث بهذا عبد الرزاق كان حلال الدم . من حدّث بهذا عن عبد الرزاق ؟ قالوا : محمد بن يحيى قال : لا والله ما حدّث به معمر ، وعليه حجة من هذا يعني المسجد إلى مكة ، إن كان معمر حدّث بهذا قط . قال عبد الله : وهذا الحديث يرويه أيضا إسرائيل ، عن عمرو بن خالد : وهو لا يسوي حديثه شيئا ، وقال أبي : متروك ، روى عن زيد مسح الجبائر ، وقال العقيلي ، وذكر هذا الحديث : لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به ، وفي تاريخ نيسابور : وقال الغلابي : سئل ابن معين وأنا حاضر ، أتحفظ عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي في المسح على الجبائر ؟ فقال يحيى : لا والله الذي لا إله إلا هو ما حدّث معمر بهذا قط ، فقال له الرجل : ثنا به محمد بن يحيى النيسابوري ، ثنا عبد الرزاق ، عن معمر قال : فثبت يحيى على قوله ، وقال الحاكم : ذكرت هذا على العجب ، فإنا لا نعرفه من حديث محمد بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، ولا يحفظ في الجبائر غير حديث عمرو بن خالد ، عن زيد ، عن آبائه ، وفي الخلافيات : هذا حديث لا يثبت ، وقال ابن حزم : هذا خبر لا تحل روايته إلا على بيان سقوطه ؛ لأنه انفرد به أبو خالد عمرو بن خالد ، وهو مذكور بالكذب ، وقال عبد الحق : هذا حديث لا يصح ، قال أبو الحسن : لم يزد في تعليله على هذا ، وإنه لكاف عند من يعلم حال عمرو ، وإنما ذكرته الآن باعتبار حال من لا يعلمه ، فاعلم أنّه أحد الكذابين ، قال إسحاق بن راهويه : كان يضع الحديث ، وقال ابن معين : هو كذّاب غير ثقة ، ولا مأمون ، يعني : أبا خالد القرشي الهاشمي مولاهم ، أصله كوفي انتقل إلى واسط ، قال البخاري : منكر الحديث ، وقال الإمام أحمد : متروك الحديث ليس بشيء ، وفي رواية كذّاب ، يروي عن زيد بن علي ، عن آبائه نسخة موضوعة يكذب ، وقال الدارقطني : كان كذابا ، وفي رواية البرقاني عنه متروك ، وقال وكيع : كان في جوارنا ، يضع الحديث ، فلما فطن له تحول إلى واسط ، وقال أبو زرعة : كان وضّاعا ، وفي كتاب الآجري : سألت أبا داود عن عمرو بن خالد ، فقال : ليس بشيء ، وقال الساجي : هو منكر الحديث ، قال : كان يحيى بن سعيد قرب أمر الحسن بن ذكوان ، قال : أظنّه ليس به بأس كأنه أتي من عمرو بن خالد ، وفي كتاب العقيلي قال أبو عوانة : كان يشتري الكتب من الصيادلة ، وقال أبو عبد الرحمن النسائي : متروك الحديث ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه . وفي الباب حديث رواه ابن عمر أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمسح على الجبائر ذكره الدارقطني من حديثه ، عن أبي بكر الشّافعي ، نا أبو عمارة محمد بن أحمد بن المهدي ، نا عبدوس بن مالك العطار ، ثنا شبابة ، ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد عنه ، ثم قال : ولا يصح مرفوعا ، وأبو عمارة ضعيف جدا ، وبنحوه قاله أبو الفرج في علله المتناهية ، قال أبو حنيفة : المسح على الجبائر سنة ، وقال أبو يوسف ، ومحمد : فرض للحديث ، ولأنه قد عفي عن غسل ما تحته لحرج يلحقه بنزع الجبائر فيتحول إليه حكمه ، كما في الخف ، إلا أن أبا حنيفة يقول : الوضوء ثابت بكتاب الله تعالى ، ولا يمكن الزيادة عليه إلا بمثله؛ لأن الزيادة تجري مجرى النسخ عندنا ، ولأنه يصير من الوضوء ، والوضوء بنفسه ثابت متيقن ، ولا يمكن إثبات شطر منه بخبر الواحد والقياس ، وإنما أثبتنا الخف محلا للمسح بأخبار مشهورة قريبة من التواتر ؛ وأبو حنيفة يأمر بالمسح على الجبائر عملا بخبر الواحد ، ولكن لا يفسد بتركه لهذا ، كالطواف بالبيت يؤمر فيه بالطهارة عملا بخبر الواحد ، ولكن لا يفسد بدونها ، ذكره أبو زيد في الأسرار ، قال ابن المنذر : وهو قول ابن عمر ، وعطاء ، وعبد الملك بن عمير ، والنخعي ، والحسن ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، والمزني .

19

باب الحائض تختضب 50 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا حجاج ، ثنا يزيد بن إبراهيم ، ثنا أيوب ، عن معاذة أن امرأة سألت عائشة قالت : تختضب الحائض ؟ فقالت : قد كنا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن نختضب ، فلم يكن ينهانا عنه . هذا حديث إسناده صحيح على شرط الشيخين ، وفي كتاب الحيض لأحمد بن حنبل بسند صحيح أيضا ، ثنا عبد الرحمن ، عن حماد بن سلمة ، عن أيوب ، وعبيد الله عن نافع : أنّ نساء ابن عمر ، وأولاده كن يختضبن وهنّ حيض .

20

المحافظة على الوضوء 12 - ثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ثوبان ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : استقيموا ولا تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن . هذا حديث قال فيه أبو عبد اللّه النيسابوري لما خرّجه من حديث منصور ، عن سالم ، ومن حديث الأعمش ، عن سالم بلفظ : واعلموا أن خير دينكم الصلاة : صحيح على شرط الشيخين . ولم أعرف علة من العلل يُعَلَّل مثلها هذا الحديث ، إلَّا وهم من وهم أبي بلال الأشعري ؛ فإنه وهم منه على أبي معاوية فيما حدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه ، ثنا الحسين بن يسار الحناط ، نا أبو بلال الأشعري ، نا ابن خازم ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولن يواظب على الوضوء إلا مؤمن . انتهى كلامه ، وليس كما قال ، فإن هذا حديث منقطع ، والمنقطع ليس صحيحا ، وممن صرح بذلك الإِمام أحمد ، فإنه قال : سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان ، بينهما معدان بن أبي طلحة . وقال أبو حاتم الرازي : لم يدركه ، وبنحوه قاله ابن حبان . وأما تحسين الترمذي حديثه عن ثوبان يرفعه : والذين يكنزون الذهب والفضة ، فالكلام معه كالكلام مع الحاكم ، وقد وقع له أيضا حديث ثوبان متصل بسند صحيح ، ذكره أبو حاتم بن حبّان في كتابه الصحيح ، فقال : نا أبو يعلى ، نا سريج بن يونس وأبو خيثمة ، قالا : ثنا الوليد بن مسلم ، نا ابن ثوبان ، نا حسان بن عطية ، أن أبا كبشة السلولي حدّثه أنّه سمع ثوبان ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : سددوا وقاربوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ، قال أبو حاتم : خبر سالم عن ثوبان منقطع ، فلذلك تنكبناه ، وفي مسند الطيالسي إشارة إلى حديث ابن حبان هذا ، وإنه لما ذكر خبر سالم ، قال : ويروى هذا الحديث عن الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن ثابت ، عن حسان ، عن أبي كبشة ، عن ثوبان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ورواه الدارمي ، عن يحيى بن بشر ، نا الوليد ، فذكره .

21

13 - نا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب ، نا المعتمر بن سليمان ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : استقيموا ، ولن تحصوا ، واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن . هذا الإِسناد لا بأس به ؛ لأن إسحاق هذا قال فيه أحمد : صدوق . وقال الدارقطني : ثقة مأمون . وتابعه على ذلك الحسين بن علي عند ابن أبي شيبة في مسنده ، عن زائدة ، عن ليث ، ومحمد بن أبي شيبة عند ابن طاهر في كتاب صفة التصوف ، وليث بن أبي سليم حاله في الضعف مشهورة ، ومع ذلك قال عبد الغني : خرّج حديثه الشيخان ، ومجاهد فمنصوص على سماعه من ابن عمرو ، واللّه أعلم .

22

14 - ثنا محمد بن يحيى ، ثنا ابن أبي مريم ، ثنا يحيى بن أيوب ، حدثني إسحاق بن أسيد ، عن أبي حفص الدمشقي ، عن أبي أمامة يرفع الحديث ، قال : استقيموا ، ونعما إن استطعتم ، وخير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن . إسحاق بن أسيد وإن كان مذكورا في كتاب الثقات لابن حبان ، فقد وصفه بالخطأ مع ذلك . وقال ابن حبان : ليس بالمشهور ولا نشتغل به . وقال أبو أحمد ابن عدي : هو مجهول ، يعني بذلك جهالة الحال ، لا العين . وذلك أنه روى عنه جماعة ، منهم حيوة بن شريح ، والليث بن سعد ، وسعيد بن أبي أيوب ، وعقبة بن نافع ، ويحيى بن أيوب ، ذكر أبو محمد بن سرور أنّ الجماعة رووا حديثه إلَّا مسلما ، وروى ذلك أبو الحسن بن القطان ، فقال : هو ممن يجب على مسلم إخراج حديثه ، وأيضا فالبخاري لم يخرج حديثه محتجا به ، إنّما روى عنه تعليقا ، بَيَّنَ ذلك أبو نصر الكلاباذي - رحمهم اللّه تعالى - وأبو حفص الدمشقي ، ولم يذكره ابن أبي حاتم ولا البخاري ، وذكر أبو عمر في كتاب الانتقاء : أنّه روى عن مكحول ، قال : وروى عنه إسحاق بن أسيد حديثا منكرا ، وقد قيل : إنّه عثمان بن أبي العاتكة ، وليس ممن تقوم به حجة . انتهى . فعلى هذا تكون روايته عن أبي أمامة منقطعة مع ضعفها . قال أبو عمر : يعني استقيموا على الطريقة النهجة ؛ التي نهجت لكم ، وسددوا وقاربوا ، فإنكم لن تطيقوا الإِحاطة في أعمال البر ، ولا بدّ للمخلوق من ملال وتقصير في الأعمال ، فإن قاربتم ووفقتم كنتم أجدر أن تبلغوا ما يراد منكم .

23

49 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو الوليد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن محمد بن سيرين ، عن صفية بنت الحارث ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار . هذا حديث لما خرجه أبو عيسى بلفظ : الحائض المرأة البالغ قال : حديث عائشة حسن ، ولفظ ابن خزيمة ، وخرجه في صحيحه : لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار ، وخرجه ابن الجارود في منتقاه ، وصححه ابن حزم ، وخرجه ابن حبان باللفظين جميعا وحسنه الطوسي ، وقال أبو داود : رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، زاد في كتاب التفرّد ، وحديث ابن سيرين ، عن عائشة ، عن النبي - عليه السلام - بلفظ آخر ، ولفظه ، أعني الطوسي ، عن محمد بن سيرين : أنّ عائشة نزلت على صفية أم طلحة الطلحات فرأت بنات لها ، فقالت : إنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل وفي حجرتي جارية فألقى لي حقوه ، فقال : شقّيه بشقّين فأعطى هذه نصفا والفتاة التي عند أم سلمة نصفا ، فإني لا أراهما إلا قد حاضتا ، أو إني لا أراهما إلا قد حاضتا ، قال أبو داود : وكذلك رواه هشام ، عن ابن سيرين . انتهى ، ابن سيرين لم يسمع من عائشة شيئا قاله ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، وتبعه الدارقطني على ذلك ولما ذكر الأزدي حديث صفية قال : هكذا رواه حماد ، ورواه شعبة ، وسعيد بن بشير ، عن قتادة موقوفا ، وأما قول عبد الحق صفية بنت طلحة فخطأ ، والصواب : أم طلحة ، كذا هو في كتاب أبي داود الذي نقله منه رواية اللؤلؤي ، وابن العبد ، وابن داسة ، وعاب أبو الحسن عليه سكوته عنه ، قال : وقد يظن به أنه تبرأ من عهدته بعض التبري بابرازه سنده ، وليس كذلك ، وما ذكره إلا ليستقيم له الإخبار عن عائشة ، وفي لفظ للبيهقي عنها أنها قالت : ما ظهر منها الوجه والكفان ، وفي الباب حديث رواه قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، حدثني أبو سفيان طلحة بن نافع ، عن الحسن ، عن أمّه أنها قالت : دخلت على أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي تصلي في درع وخمار ، فلما أن صلّت قالت : هاتي الملحفة يا جارية قال أبو حاتم : هذا خطأ إنما هو دخلت على أم سلمة ، وكانت خادما لها والخطأ ليس من قيس ؛ لأنا لا نعلم أبا سفيان روى عن الحسن شيئا ، وقصة أم حبيبة عندي أنّ الخطأ لعلّه من الأعمش ، وفي الموطأ ، عن محمد بن زيد بن قنفذ ، عن أمه أنها سألت أم سلمة ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب ، فقالت : تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها ، قال أبو عمر : هذا هو الصحيح من قول أم سلمة ، وقد ذكره أبو داود مرفوعا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وحديث أبي قتادة قال عليه السلام : لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها ، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر رواه أبو القاسم في الأوسط ، عن محمد بن أبيِ حرملة ، ثنا إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي ، ثنا عمرو بن هاشم البيروتي ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، وقال لم يروه عن الأوزاعي إلا عمرو بن هاشم تفرد به إسحاق . وحديث يحيى بن جابر أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم ، فذكر الحديث قال : وامرأة قامت إلى الصلاة وأذنها بادية ذكره أبو داود في المراسيل ، وحديث عبد اللّه بن عمر ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، فقالت أم سلمة : فكيف تصنع النساء بذيولهن ؟ قال : يرخين شبرا ، فقالت : إذا تنكشف أقدامهنّ قال : فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه ، قال فيه الترمذي : حسن صحيح ، وحديث عن ميمونة : أنها كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار ، رواه مالك عن الثقة عنده ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله الخولاني ، وكان في حجر ميمونة عنها ، وزعم الدارقطني أنّ الثقة هذا هو ليث بن سعد ، وقد أخطأ من رفعه ، وحديث أسامة بن زيد : أنه كسا امرأته قبطية . فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرها فلتجعل تحتها غلالة ، فإني أخشى أن تصف عظامها ، ذكره البيهقي في المعرفة من حديث ابن عقيل ، عن محمد بن أسامة ، عن أبيه ، وحديث عطاء قال : إذا صلّت الأمة غطت رأسها وعينيها بخرقة ، أو خمار ، كذلك كن يصنعن على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذكره عبد الرزاق في مصنفه ، عن ابن جريج عنه قال : ثنا الثوري ، عن جابر به ، وعن أم ثور ، عن زوجها بشر قال : قلت لابن عباس : في كم تصلي المرأة من الثياب ؟ قال : في درع وخمار ، وعن الأوزاعي ، عن مكحول عمن سأل عائشة في كم تصلي المرأة من الثياب ؟ فقالت له : سل علي بن أبي طالب ، ثم ارجع إلي فأخبرني فأتى عليا فسأله ، فقال : في الخمار والدرع السابغ ، فرجع إلى عائشة فأخبرها ، فقالت : صدق ، وفي المصنف لأبي بكر ، عن مجاهد : أيما امرأة صلّت ، ولم تغط شعرها لم يقبل الله لها صلاة ، وفي الاستذكار : لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب ، وهذا لم يقله غيره فيما علمت ، وعن ابن جريج قال : تقنع الأمة رأسها في الصلاة ، وعن سليمان بن موسى إذا حاضت المرأة لم تقبل لها صلاة حتى تختمر وتواري رأسها ، قال أبو عمر : وروي ذلك أيضا عن عروة ، وعكرمة ، وجابر بن زيد ، وإبراهيم ، والحكم ، وحماد ، وهو قول فقهاء الأمصار ، قال ابن حزم : لم يخف علينا ما روي عن عمر - رضي الله عنه - في خلاف هذا ، وعن غيره يعني من التفرقة بين الحرّة والأمة ، ولكن لا حجة في قول أحد دون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإذا تنازع السلف وجب الرد إلى ما افترض الله الرد إليه من القرآن والسنة . وليس فيهما فرق بينهما ، والله أعلم ، قال أبو عمر : والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق ؛ أنّ على المرأة أن تغطي جسمها كلّه بدرع صفيق سابغ ، وتخمر رأسها ، فإنها كلّها عورة إلا وجهها وكفيها [ . انتهى ، مستندهم فيما يظهر : حديث أسماء بنت عميس أنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة ، وعندها أختها أسماء وعليها ثياب شامية واسعة الأكمة الحديث ، وفيه : ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هكذا ، وأخذا عليه السلام كميه ، فغطى بهما كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه ، ونصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه ، ذكره في الأوسط ، وقال : لا يروى عن أسماء إلا بهذا الإسناد تفرد به ابن لهيعة] ، واختلفوا في ظهور قدميها ، فقال مالك ، والليث بن سعد : تسترهما في الصلاة ، قال مالك : فإن لم تفعل أعادت ما دامت في الوقت ، وعند الليث بن سعد تعيد أبدا ، وقال الشافعي : ما عدا وجهها وكفيها عورة ، فإن انكشف ذلك منها في الصلاة أعادت ، وقال أبو حنيفة : قدمها ليس بعورة ، فإن صلت وقدمها مكشوفة لم تعد ، وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال : كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها ، وهو قول لا نعلمه قال به غيره إلا أحمد بن حنبل في رواية انتهى كلام أبي عمر ، وفيما نقله عن الشافعي نظر ؛ لما ذكره الترمذي عنه ، قال الشافعي : وقد قيل إن كان ظهر قدميها مكشوفا فصلاتها جائزة .

24

باب إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار 48 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن عمرو بن سعيد ، عن عائشة أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل عليها ، فاختبأت مولاة لها ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حاضت ؟ فقالت : نعم . قال : فشق لها من عمامته ، فقال : اختمري بهذا . هذا حديث إسناده جيد ، ولولا ما في عبد الكريم أبي أمية من الكلام ، لكان صحيحا لتوثيق أبي حاتم البستي عمرا ، والله أعلم ، وقال ابن أبي حاتم : وسأل أبا زرعة ، فقال : روى ابن أبي ليلى ، عن عبد الكريم ، عن سعيد بن عمرو ، عن عائشة إذا حاضت ، فقال أبو زرعة : ما يرويه الثوري أصح ، وسألت أبي عنه ، فقال : هو عمرو بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن المعلى ، ولما ذكر ابن عساكر عمرا هذا نسبه إلى العاص ، وتبعه على ذلك الشيخ جمال الدين ، وكأنّ ما قاله أبو حاتم أشبه ، وإن كان كما قاله فهو رجل مجهول لا تعرف حاله

25

47 - حدثنا سهل بن أبي سهل ، ثنا سفيان بن عيينة ، ثنا الشيباني ، عن عبد اللّه بن شدّاد ، عن ميمونة أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ، وعليه مرط عليه ، عليه بعضه ، وعليها بعضه ، وهي حائض . هذا حديث له أصل في الصحيحين ، وقد تقدّم الكلام عليهما قبل .

26

باب في الصلاة في ثوب الحائض 46 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، عن طلحة بن يحيى ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض ، وعلي مرط لي ، وعليه بعضه . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي حصين ، عن أبي صالح الحنفي عنها بلفظ : يصلي وعليه طائفة من ثوبي وأنا حائض قال : لم يروه عن أبي حصين إلا قيس، وزائدة .

27

45 - حدثنا عبد الله بن سعيد ، ثنا المحاربي ، عن سلام بن سليم ، عن حميد ، عن أنس قال : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقت للنفساء أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك . هذا حديث رواه أبو أحمد بن عدي ، عن سلام ، وقال : هو متروك الحديث ، وقال عبد الحق هو حديث معتل بسند متروك ، وقال أبو الحسن الدارقطني في سننه : لم يروه عن حميد غير سلام ، هذا وهو سلام الطويل ، وهو ضعيف ، يعني سلام بن سلم ، ويقال : ابن سليمان ، ويقال : ابن سالم أبو عبد الله التميمي السعدي الخراساني الطويل ساكن المدائن ، وإن كان أبو عبد الله قد قال فيه : ثقة ، وصحح حديثه في مستدركه ، فقد قال فيه يحيى : ضعيف لا يكتب حديثه ، وقال مرّة : ليس بشيء ، وفي رواية ابن أبي شيبة عنه له أحاديث مناكير ، وضعفه ابن المديني جدا ، وقال أحمد : منكر الحديث ، وقال البخاري ، والرازي : تركوه ، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كذاب ، وقال النسائي ، وعلي بن الجنيد ، والأزدي : متروك الحديث ، وقال أبو حاتم بن حبّان : يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمّد لها ، وفي كتاب أبي العرب : قال أبو الحسن : سلام ضعيف لا يكتب حديثه ، وفي كتاب العقيلي ، عن الأعين قال : سمعت أبا نعيم يضعفه ، وذكره البرقي في كتاب الضعفاء ، وكذلك الساجي ، وأبو القاسم البلخي ، وقال البيهقي : لا يحتج بحديثه ، وقال الحربي : غيره أوثق منه ، وذكره الفسوي فيمن يرغب عن الرواية عنهم ، ولما ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في علله ردّه بسلام ، وكذلك أبو الفضل بن طاهر في كتاب التذكرة ، وفي الباب حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : وقت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنفساء أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ، ذكره أبو الفرج البغدادي في كتاب العلل من حديث حسين بن علوان ، عن هشام ، عن أبيه عنها ، وقال : لا يصح ، وقال ابن حبان : حسين يضع على هشام وغيره لا يحل كتب حديثه ، وحديث عثمان بن أبي العاص قال : وقت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنساء في نفاسهن أربعين يوما ذكره أبو أحمد ابن عدي ، وقال : لا يصح فيه أبو بلال ، وعطاء بن عجلان ، وهما متروكان ، وذكره أبو الحسن الدارقطني من رواية عمر بن هارون ، عن أبي بكر الحنفي ، عن الحسن أن امرأة عثمان لما تعلت من نفاسها تزيّنت ، فقال عثمان : أخبرك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أمرنا أن نعتزل النساء أربعين يوما . ثم قال : رفعه عمر بن هارون عنه ، وخالفه وكيع ، يعني : فرواه موقوفا ، وكذلك رواه أشعت ، ويونس بن عبيد ، وهشام ، واختلف عن هشام ، ومبارك بن فضالة فرووه عن الحسن ، عن عثمان موقوفا ، وكذلك روي عن عمر وابن عباس ، وأنس وغيرهم من قولهم ، ولما ذكره ابن الجارود في منتقاه موقوفا قال : وأسنده أبو بكر الهذلي ، عن الحسن ، وقال الحاكم هذه سنة غريبة ، فإن سلم هذا الإسناد من أبي بلال ، فإنه مرسل صحيح ، فإن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص ، وله شاهد بإسناد مثله ، وقال عبد الحق : حديث معتل بإسناد متروك ، وحديث معاذ بن جبل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لا نفاس دون أسبوعين ، ولا نفاس فوق أربعين ، فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت ، وصلّت ، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين ، خرجه أبو أحمد من حديث محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة ، عن عبد الرحمن بن غنم عنه ، وقال الدارقطني : لم يروه غير ابن سعيد ، وهو متروك الحديث يريد الدارقطني هذا المتن بطوله ، وإلا ، فقد رواه من طريق آخر مختصرا من غير روايته ، ورواه الحاكم من حديث عبد السلام بن محمد ، ثنا بقية ، أخبرني الأسود بن ثعلبة ، عن عبادة بن نسي ، عن ابن غنم به ، ثم قال : قد استشهد مسلم ببقية ، وأما الأسود ، فإنه شامي معروف ، والحديث غريب في الباب . وحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وقّت للنفساء أربعين يوما ، خرجه أحمد بن حنبل في كتاب الحيض ، عن حبان بن علي ، عن شيخ قد سمّاه ، عن ابن أبي مليكة عنها ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تنتظر النفساء أربعين يوما ، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر ، فإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل ، وتصلي ، فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة وقال أبو محمد الأزدي حديث معتل بسندٍ متروكٍ ، وحديث عائذ بن عمرو ، وكان ممن بايع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحت الشجرة : أن امرأته نفست ، وأنها رأت الطهر بعد عشرين ليلة ، فتطهرّت ، ثم أتت فراشه ، فقال : ما شأنك ؟ قالت : قد طهرت ، قال : فضربها برجله ، وقال : إليك فلست بالذي تغريني عن ديني حتى يمضي لك أربعون ليلة ، ذكره الدارقطني من حديث الجلد بن أيوب ، وهو ضعيف عن أبي إياس معاوية بن قرّة عنه ، وحديث جابر بن عبد الله قال : وقت للنفساء أربعين يوما ، ذكره أبو القاسم في الأوسط ، عن أحمد بن خليد ، ثنا عبيد بن جناد ، ثنا سليمان بن حيان أبوّ خالد الأحمر ، عن الأشعث بن سوار ، عن أبي الزبير عنه ، وقال : لم يروه عن أشعث إلا أبو خالد ، وحديث عمر بن الخطاب بمثله وأثر عن ابن عباس قال : تنتظر النفساء أربعين يوما ، أو نحوها ، ذكره الدارمي في مسنده بسند صحيح عن أبي الوليد الطيالسي ، ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك عنه ، وبنحوه ذكره ابن الجارود في منتقاه ، وعن عطاء قال : إن كانت لها عادة وإلا جلست أربعين ليلة ، وعن الحسن أنه قال : في النفساء ترى الدم تتربص أربعين ليلة ، ثم تصلي ، وفي أحكام أبي علي الطوسي أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أنّ النفساء تدع الصلاة أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ، فإنها تغتسل ، وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين ، فإن أكثر أهل العلم قالوا : لا تدع الصلاة بعد الأربعين ، وهو قول أكثر الفقهاء وبه يقول سفيان ، وابن المبارك ، وأحمد ، ويروى عن الحسن أنه قال : إنّها تدع الصلاة خمسين يوما إذا لم تر الطهر ، ويروى عن عطاء بن أبي رباح ستين يوما ، وهو قول الشّافعي ، وفي كتاب الإقناع لابن المنذر : وأكثر النفاس عند أصحابنا شهران ، وإن طهرت ليوم ، أو أقل من يوم اغتسلت وصلّت ، وحديث عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : النفساء إذا تطاول بها الدم تمسك أربعين ، ثم تغتسل ذكره البيهقي في الخلافيات ، وقال : إسناده ضعيف ، وقال : وروي من وجه آخر ضعيف ، وفي لفظ : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أكثر الحيض عشرة وأقلّه ثلاث ، ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء ، ورُدّه بالحسين بن علوان ، وحديث زيد بن ثابت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يكون الحيض أقل من ثلاثة ، وأكثر من عشرة ذكره البيهقي في السنن الكبير ، وقال لا يصح ، وحديث معاذ بن جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حيض أقل من ثلاثة ، ولا فوق عشرة ذكره العقيلي ، وردّه بمحمد بن الحسن الصدفي بأنه مجهول ، قال : وحديثه غير محفوظ ، وذكره ابن عدي أيضا من حديث محمد بن سعيد المصلوب ، وفي كتاب السنن الكبير للبيهقي من حديث الأسود ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ مرفوعا : إذا مضى للنفساء سبع ، ثم رأت الطهر فلتغتسل ولتصلي ، وفي رواية بقية ، ثنا علي بن علي ، عن الأسود ، وهو أصح وإسناده ليس بالقوي ، قال ابن منده : واستدل بعضهم بقول النبي -صلى الله عليه وسلم - : تمكث نصف دهرها لا تصلي وهذا لا يثبت من وجه من الوجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ القشيري : وأما الذي يذكره الفقهاء من قعودها في رواية أبي سعيد الخدري : شطر عمرها ، أو شطر دهرها لا تصلي ، فقد طلبته كثيرا ، فلم أجده في شيء من الكتب الحديثية ، ولم أجد له إسنادا بحال ، ولما ذكر ابن عدي حديث سليمان بن عمرو ، عن يزيد بن يزيد بن جابر ، عن مكحول : الحيض عشر ، وحديثا آخر قبله ، قال : وهذان الحديثان وضعهما سليمان بن عمرو ، وإن كان إبراهيم بن زكريا راوي الحديث الثاني فيه ضعف ، فإنه خير من سليمان بكثير ، وحديث مكحول عن زيد بن ثابت يرفعه : لا يكون الحيض أقل من ثلاث ، ولا أكثر من عشر ، ذكره البيهقي في الخلافيات ، وقال : وقيل : عن مكحول ، وحديث عبد اللّه بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحيض ثلاث وأربع ذكره سعيد بن عمرو البرذعي في سؤاله لأبي زرعة . قلت : هارون بن زياد الفسوي ، قال : لا أعرفه ، قلت : روى عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، فذكر هذا الحديث ، فقال : هذا باطل وزور ، وحديث العلاء بن كثير ، عن مكحول ، عن أبي الدرداء ، وأبي هريرة مرفوعا : تنتظر النفساء أربعين يوما ، ذكره ابن عدي ، وردّه بالإرسال ، وحديث عبد اللّه ابن عمرو قال - عليه السلام - : الحائض تنظر ما بينها وبين عشر ، فإن رأت الطهر ، فهي طاهر ، وإن جاوزت العشر؛ فهي مستحاضة : تغتسل ، وتصلي . ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن عبدة بن أبي لبابة يعني عن عبد الله بن باباه ، عن ابن عمرو إلا ابن علاثة ، تفرد به عمرو بن حصين ، وأما أقلّ الحيض ، وأكثره ، ففيه أحاديث منها : حديث مكحول عن أبي أمامة الباهلي ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يكون الحيض للجارية والثيّب التي قد يئست من المحيض أقل من ثلاثة أيام ، ولا أكثر من عشرة أيام ، فإذا رأت الدم فوق عشرة أيام فهي مستحاضة ، فما ، زاد على أيام أقرائها قضت ، ودم الحيض أسود خاثر ، ودم المستحاضة أصفر رقيق ، فإن غلبها فلتحشي كرسفا ، رواه الدارقطني من حديث عبد الملك ، عن العلاء بن كثير ، وقال : عبد الملك مجهول ، والعلاء ضعيف الحديث ، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئا ، وقال البخاري : العلاء ، عن مكحول منكر الحديث ، وفي المعرفة : وروي من أوجه كلّها ضعيفة ، وقال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن مكحول إلا العلاء ، وحديث مكحول ، عن واثلة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أقل الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة أيام رواه أيضا ، وقال : حماد بن المنهال يعني راويه مجهول ، ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف ، وحديث أنس بن مالك أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الحيض ثلاثة أيام ، وأربعة ، وخمسة ، وستة ، وسبعة ، وثمانية ، وتسعة ، فإذا جاوزت العشر فهي مستحاضة وقال البيهقي في الخلافيات : هذا حديث باطل ، ورواه الدارقطني في سننه من حديث الجلد بن أيوب موقوفا قوله : الثلاث والخمس إلى العشر ، وفي سؤالات الميموني : قلت لأبي عبد الله : ثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : في الحيض عشرة أيام ، أو خمسة عشر ؟ قال : لا يثبت عنه ، قلت : حديث أنس ؟ قال : ليس بشيء ، قال سفيان بن عيينة : حديث الجلد محدث ، لا أصل له ، وفي المعرفة للبيهقي ، روي حديث الجلد من أوجه ضعيفة أخر : عن أنس مرفوعا وموقوفا ، وليس له عن أنس أصل إلا من جهة الجلد ، ومنه سرقه هؤلاء الضعفاء ، وقال الشّافعي لمن يناظره : نحن وأنت لا نثبت مثل حديث الجلد ، ونستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقلّ من هذا ، وفي تاريخ أبي زرعة : أنّ أمّ ولد لأنس بن مالك استحيضت ، قال أنس بن سيرين : فأمروني أن أسأل ابن عباس ، قال أبو زرعة : فسمعت أحمد بن حنبل يحتج بهذه القصة ، ويرد بها ما يروى عن أنس مما رواه الجلد ، وقال : ولو كان هذا صحيحا عن أنس لم يؤمر ابن سيرين أن يسأل ابن عباس ، قال أبو زرعة : قلت لأحمد بن حنبل فحديث معاوية بن قرة ، عن أنس في الحيض صحيح ، فلم يره صحيحا إذ ردّوا المسألة إلى ابن سيرين ليسأل ابن عباس ، ولم يدفع لقاء أنس بن سيرين ، وسؤاله ابن عباس ، وفي كتاب الدارمي ، ثنا محمد بن يوسف قال سفيان : بلغني عن أنس أنه قال : أدنى الحيض ثلاثة أيام سئل عبد الله تأخذ بهذا ؟ قال : نعم إذا كان عادتها ، وفي كتاب حرب قال إسحاق : معناه ، وإن لم يكن الإسناد لما ضعفه حماد بن زيد وغيره ، أنّه جعل الغالب من أقراء الحيض دون العشر ، وسيرها مستحاضة بعد العشر ، ولم يجعل أيضا الحيض عشرا ، ولكن جعل ذلك اختيارا على معنى الاحتياط ، وليس في حديث الجلد على ضعفه لا يكون الحيض أكثر من العشر ، وأحسن الناس سياقة له ابن علية ، فإنه قال : تغتسل ، وتصلي بعد العشر ، ولم يقل إنها بعد العشر غير حائض ، ولا حائض ، ولما ذكر ابن الجوزي في كتاب التحقيق حديث أنس بن مالك ، وأبي أمامة ، وواثلة ، ومعاذ بن جبل قال : ليس فيها ما يصح ، وحديث أبي سعيد ، وعلي يرفعانه أقلّ الحيض ثلاث ، وأكثره عشر وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر ذكرها الخطيب من حديث أنه قيل له : أي شيء تعرف في أقلِّ الحيض ، وأكثره ؟ وما بين الحيضتين من الطهر ؟ فقال : الله أكبر حدثني يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وثنا أبو طوالة ، عن أبي سعيد ، وجعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه . وأما الورس فهو نبت يزرع باليمن زرعا ، ولا يكون بغيرها ، ولا يكون شيء منه بريًّا ، ونباته مثل نبات السمسم ، فإذا جف عِنْد إدراكه تفتقت سنابله ، وهي خرائطه ، وأمكنته فينتفض منه الورس ، ويزرع سنة ، فيجلس عشر سنين ، أي يقيم في الأرض ينبت ويثمر ، وأجوده حديثه ، ويسمّى الباردة ، وهي التي لم يعتق شجرها ، والعتيقة منه : ما تقادم شجره قال الشاعر يصف القطا : سماوية كدر كأن عيونها يداس بها ورس حديث وكركم فبين جودة حديثه ، ومنه جنس يسمى الحبش ، وفيه سواد ، وهو آخر الورس ، وللعرعرة ورس ، ولا يكون إلا في عرعر جفت من ساقها ، فتؤخذ بين لحائها وللصميم : ورس إذا فرك انفرك ، ولا خير فيه ، ولكنه يغش به الورس ، وللرمث ورس ، وذلك في آخر الصيف إذا . انتهى منتهاه اصفر صفرة شديدة حتى يصفر منه ما لابسه ، فيقال : أورس الرمث فهو وارث ، ولم يقولوا : ورس كما لم يقولوا : مورس ، وكان المراد بوارس أنه ذو ورس كما قيل في ذي التمر تامر ، وقد قيل : وريس كما قيل : وارس ، قال الشاعر : في مزبلات روحت صفرته بنواضح يقطرن غير وريس أي : غضة حديثة النبات ، وإنما يورس إذا بلغ نهايته ، وقال الأصمعي : أورس فهو وارس الشجر إذا أورق ، وأثقل الموقع فهو ثاقل ، ولم يعرف غيرهما ، وزعم بعض الرواة أنه يقال : أورس فهو مورس ، وهذا غير معروف إنّما هو قياس ، وقال بعض الثقات : ورس فهو وارس ، وقال أبو عبيدة : بلد عاشب ، ولا يقولون الأعشب ، وباقل الرمث ، وقد أبقل ، وأورس الرمث ، وقد أورس فيقولون في النعت على فعل ، وفي الفعل على أفعل ، وهكذا تكلّمت به العرب قاله أبو حنيفة وفيه نظر لما نذكره بعد ففي كتاب القانون للشيخ الرئيس : هو شيء أحمر قاني شبيه بسحيق الزعفران ، وطبعه حار يابس ينفع من الكلف والنمش ، وفي كتاب الجامع لابن البيطار ، قال إسحاق بن عمران : هو صنفان حبشي وهندي ، فالحبشي : أسود وهو مرذول ، والهندي : أحمر قاني ، ويقال : إن الكركم عروقه يؤتى بها من الصين ، ومن بلاد اليمن ، وله حب كحب الماش ، وأجوده الأحمر الجيّد القليل الحب اللين في اليد القليل النخالة ، وما كان على لون البنفسج الجيّد الخارج ، عن الحمرة القليل شمه ، والشّم : شيء دقيق ليّن يتعلّق باليد إذا دخلت في وعائه ، وقال : غيره الورس : حار يابس في أوّل الثانية قابض له قوة صابغة ، صبغه أصفر بحمرة ، يجلو وينفع الكلف إذا طلي به ومن البهق الأبيض ، وقال غيره : كأنه نشارة روس البابونج ، لونه لون زهر العصفر ، وأخبرني الثقة ممن سكن بلاد الحبشة أنه ينزل على نوع من الشجر لم يعرفه ، ويجمعونه في أوانه لقطا ، ويستعملونه ، وليس بنبات مزروع كما زعم من زعم ، والورس عندهم يأتي به الحبشان إلى مكة ، ولا يعرفون الورس في بلاد المغرب ألبتة ، وإن الذي يسمى بالورس ببلاد الأندلس وما والاها ، فليس من الورس بسبب ، ولا نسب ، وإنما هو شيء يتكوّن من مرائر البقر .

28

باب النفساء كم تجلس 44 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، ثنا شجاع بن الوليد ، عن علي بن عبد الأعلى ، عن أبي سهل ، عن مُسة الأزدية ، عن أم سلمة قالت : كانت تجلس النفساء على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعين يوما ، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف . هذا حديث رواه أبو داود من حديث ابن المبارك ، عن يونس بن نافع ، عن كثير بن زياد ، قال : حدثتني الأزدية قالت : حججت فدخلت على أم سلمة ، فقالت : يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض ، فقالت : لا يقضين ، كانت المرأة من نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقعد في النفاس أربعين ليلة ، ولا يأمرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ بقضاء صلاة النفاس ، قال محمد بن حاتم : اسمها مسّة ، وتكنى أم بسة ، وقال فيه أبو عيسى : لا نعرفه إلا من حديث أبيِ سهل ، عن مسّة الأزدية ، عن أم سلمة ، واسم أبي سهل كثير بن زياد ، وقال محمد بن إسماعيل : علي بن عبد الأعلى ثقة ، وأبو سهل ثقة ، ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث أبيِ سهل ، زاد في العلل : ولا أعرف لمسة غير هذا الحديث ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرّجاه ، ولا أعرف في معناه غير هذا ، يعني حديث الأزدية قال : وشاهده ما ثناه أبو جعفر ، فذكر حديث مسّة وفي قوله : ( ولا أعرف في معناه غيره ) نظر إن أراد شيئا ما لما ذكره بعد هو من الأحاديث ، وإن أراد الصحة فصحيح ، والله تعالى أعلم . وقال أبو علي الطوسي : لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل ، ولما ذكره البيهقي أتبعه تحسينا بحاله ، وكذلك الخطابي ، وقال في الخلافيات : أبو سهل ليس له ذكر في الصحيحين ، وذكره ابن حبان في المجروحين واستحب مجانبة ما انفرد به ، وقال الأزدي : حديث مسة أحسنها يعني الأحاديث التي في الباب ، وعاب ذلك عليه أبو الحسن ابن القطان بقوله : أم مسة لا يعرف حالها ، ولا عينها ، ولا تعرف في غير هذا الحديث فخبرها هذا ضعيف الإسناد ، وهي علّته ، ومنكر المتن ، فإن أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما منهنّ من كانت نفساء أيّام كنّ معه إلا خديجة وزوجيتها كانت قبل الهجرة ، فإذن لا معنى لقولها : كانت المرأة من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - تقعد في النفاس أربعين ليلة ، إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه من بنات ، وقريبات ، وسريته مارية انتهى كلامه ، وفيه نظر في مواضع : الأوّل : قوله : إنّ مسّة لا تعرف عينها ، وليس هو بابي عذرة هذا القول ، فقد سبقه إليه أبو محمد ابن حزم ، وهو قول مردود بقول ابن حبان روى عنها غير واحد منهم الحكم بن عتيبة ، وفي الخلافيات : روى عنها العرزمي ، وزيد بن علي بن الحسين . الثاني : عصبه الجناية برأس مسّة ، وسكوته عن غيرها ، وهو أبو سهل ، وإن كان ابن معين وثقه ، وقال أبو حاتم : لا بأس به ، فقد قال أبو حاتم بن حبان حين ذكره في كتابه يروي عن الحسن وأهل العراق مقلوبات . الثالث : ما ادّعاه في متنها من النكارة مردود بمجيئه من غير طريقها كما سنذكره بعد - إن شاء الله تعالى وفي لفظ الدارقطني : إنّ أم سلمة سألته - صلى الله عليه وسلم - كم تجلس المرأة إذا ولدت ؟ قال : أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ، رواه من حديث العرزمي عن الحكم ، عن مسّة ، ورواه ابن وهب في مسنده عن الحارث بن نبهان ، عن محمد ، عن أبي الحسن عنها ، وفي كتاب الضعفاء لابن حبّان : روى كثير بن زياد ، عن الحسن ، عن أم سلمة : كان النساء يقعدن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نفاسهن أربعين ليلة وأربعين يوما ، وكنّا نطلي على وجوهنا بالورس من الكلف ، وهو إسناد جيد ، إن سلم من انقطاع ما بين الحسن ، وأم سلمة ، فإن أبا حاتم شكّ فيه ، وكثير تقدم الكلام عليه .

29

باب الوضوء شطر الإِيمان 15 - ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، ثنا محمد بن شعيب بن شابور ، أخبرني معاوية بن سلام ، عن أخيه أنه أخبره عن جده أبي سلام ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك الأشعري ، أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : إسباغ الوضوء شطر الإيمان ، والحمد لله ملء الميزان ، والتسبيح والتكبير ملء السماوات والأرض ، والصلاة نور ، والزكاة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كلّ الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها . خرجه مسلم ، عن إسحاق بن منصور ، نا حبان بن هلال ، نا أبان ، نا يحيى أن زيدا حدّثه أن أبا إسلام حدّثه ، عن أبي مالك به ، وتتبع ذلك الدارقطني ، وزعم أن الصواب ما قاله معاوية بن سلام ، يعني بذلك المذكور عند ابن ماجه والنسائي والترمذي ، وما عند مسلم منقطع ، قال المازري : يحتمل قوله : الطهور شطر الإِيمان وجهين : الأول : أنه ينتهي تضعيف الأجر به إلى نصف أجر الإيمان من غير تضعيف ، وهذا كأحد التأويلات في قوله - عليه السلام -: إن قَل هو اللّه أحد تعدل ثلث القرآن . الثاني : أن يكون معناه أن الإِيمان يجُب ما قبله من الآثام ، وقد أخبر - عليه السلام - أن الوضوء يذهب عن الإنسان به الخطايا ، إلا أنه قد قام الدليل أنَّ الوضوء لا يصح الانتفاع به إلا مع مضَامة الإيمان له ، فكأنه لم يحصل به رفع الإثم إلا مع مضامة شيء ثان ، ولما كان الإيمان يمحو الآثام المتقدّمة عليه بانفراده ، صار الطهور في التشبيه كأنه على الشَطر منه ، وفي هذا الحديث حجة على من يرى أن الوضوء لا يفتقر إلى نية .

30

ما جاء في الحائض ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر 42 - حدثنا محمد بن يحيى ، نا عبيد اللّه بن موسى ، عن شيبان النحوي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أم بكر أنها أخبرته أنّ عائشة قالت : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر قال : إنّما هي عرق ، أو عروق ، قال محمد بن يحيى : يريد بعد الطهر : بعد الغسل . هذا حديث لما ذكره الإسماعيلي الحافظ في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير ، ورواه عن الحسن بن سفيان ، وابن أبي حسان ، ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن عائشة به ، قال : أدخل بعضهم في هذا الحديث بين أبي سلمة ، وعائشة أم بكر انتهى فلو صرح هنا بالسماع لكان الحديث صحيحا .

31

43 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأ معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أم عطية قالت : لم نكن نرى الصفرة والكدرة شيئا . ثنا محمد بن يحيى ، ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي ، ثنا وهيب ، عن أيوب ، عن حفصة ، عن أم عطية قالت : كنّا لا نعد الصفرة ، والكدرة شيئا قال محمد بن يحيى : وهيب أولاهما عندنا بهذا . هذا حديث رواه البخاري في صحيحه بالإسناد المتقدّم كما نراه موقوفا ، وزاد أبو داود : بعد الطهر ، وهذه الزيادة لما خرّجها أبو عبد الله حكم بصحتها على شرط الشيخين ، ولما ذكره أبو نعيم في مستخرجه عن أبي عمرو بن حمدان ، عن الحسن بن سفيان ، عن إبراهيم بن الحجاج ، ثنا وهيب ، عن أيوب ، عن حفصة ، عن أم عطية قال : ورواه البخاري عن قتيبة ، عن إسماعيل ، عن أيوب موهما أن البخاري خرجه عن حفصة ، كما خرجه هو ، وليس كذلك، على أن له في ذلك سلفا ، وهو أبو داود ، فإنه لما ذكر حديث حفصة ، وقال : محمد بن سيرين مثله ، قال الأزدي : كذا قال مثله ، ولم يذكر النص ، والحديث معروف عن ابن سيرين ، وليس فيه بعد الطهر ، وهو الصحيح المشهور ، وتكلف بعضهم الجواب عن عدم تخريج البخاري لحديث حفصة بما لا يجزئ شيئا قال : إمّا أن يكون لم تصل طريقه إليه من جهة يرضاها ، أو لأنّ طريق محمد أصحّ عنده ، وأما تخريج الحاكم حديث ابن سيرين بلفظ البخاري في مستدركه فيشبه أن يكون وهما لما أسلفناه ، ولفظ الدارقطني في السنن : كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئا ، وهي الصفرة ، والكدرة ، وفي كتاب ابن بطال بعد الغسل ، وقال : رواه حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن حفصة عنها ، وفي الباب حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - : ما كنّا نعد الصفرة والكدرة شيئا ، خرجه البيهقي في الكبير من حديث بحر بن كنيز ، عن الزهري ، عن عروة عنها ، ثم قال : وهذا إسناد ضعيف لا يسوي ذكره ، وروي بإسناد أمثل من ذلك ، ثم ذكره من حديث أبي النضر ، عن محمد بن راشد ، عن سليمان بن موسى ، عن عطاء عنها : إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عن الصلاة حتى تراه أبيض كالقصة ، فإذا رأت فلتغتسل ولتصلي، فإذا رأت بعد ذلك صفرة ، أو كدرة فلتتوضأ ، ولتصلي ، فإذا رأت ماء أحمر فلتغتسل ، ولتصلي موقوف ، وذكره ابن حزم من حديث قاسم بن أصبع . ثنا ابن وضاح ، ثنا موسى بن معاوية ، ثنا وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن معاذة عنها : ما كنا نعد الصفرة ، والكدرة حيضا ، وقال عبد الله بن أحمد حدثني أبي ، ثنا ابن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أم الهذيل ، عن عائشة به ، قال أبي : إنّما هو حفصة ، عن أم عطية ، وزعم بعض من ألّف شرط للبخاري أنّ أبا محمد بن حزم ذكره في كتابه محتجا به ، وقال : هو في غاية الجلالة ، ويشبه أن يكون وهما منه على أبي محمد ، وأنى له الاحتجاج به ، وراويه عنده ، وإنما قال أبو محمد بن حزم ما نقله عنه في حديث أنس بن سيرين : استحيضت امرأة من آل أنس فأمروني فسألت ابن عباس ، فقال : أما ما رأت الدم الحمراني ، فلا تصلي، فإذا رأت الطّهر ، ولو ساعة من نهار فلتغتسل ، وتصلي ، وحديث أبي بكر ذكره في معرض الخلاف لا الاحتجاج ، وفي البخاري معلّقا : وكن النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرفس فيه الصفرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ، وفي الموطأ بسند صحيح من رواية علقمة بن أبي علقمة بلال ، عن أمه مولاة عائشة عنها ، وأمه اسمها مرجانة ، ذكرها أبو حاتم في كتاب الثقات ، وأما قول النووي : هذا صحيح لكونه تعليقا عند البخاري فغير كاف لما للناس في التعليق من الخلاف ، اللهم إلا أن يضم إليه ما ذكرنا من بيان سنده ، وصحته ، والله أعلم . وأمّا قول صاحب تقريب المدارك إثر سند مالك هكذا خرجه البخاري يعني مسندا فوهم لما أسلفناه ، وأما ابن حزم ، فقال : قد خولفت أم علقمة في ذلك عن عائشة بما هو أقوى من روايتها ، وفي الموطأ بسند صحيح ، وهو عند البخاري معلّق أيضا ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته ، عن ابنة زيد بن ثابت : أنّه بلغها أنّ نساء كَُّن يدعين بالمصابيح في جوف الليل ، لينظرنّ إلى الطهر : فكانت تعيب ذلك عليهنّ وتقول : ما كان النِّساء يصنعن هذا ، عمّة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم ، قال ابن الحذاء : وإن كانت عمّة جدّه فهي عمة له أيضا ، ويشبه أن يكون لها صحبة ، وقد روت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثا ، وذكرها أبو عمر في الاستيعاب ، وابنة زيد يشبه أن تكون أم سعد المذكورة عند ابن عبد البر في الصحابيات ، وقد روى البيهقي ما يشدّه من جهة محمد بن سليمان بن خلف ، عن علي بن حجر ، عن إسماعيل ، عن عبّاد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة ، عن عائشة : أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلا في الحيض الحديث ، وهذان الأثران ذكرهما أبو عمر كما في الموطأ ، ولم يتعرض للكلام عليهما بشيء ألبتة ، وحديث زينب : كنا لا نعد الصفرة ، والكدرة شيئا ، ذكره أبو حامد في وسيطه ، قال أبو عمر : اختلف قول مالك في الصفرة ، والكدرة ، ففي المدونة إذا رأته في أيام حيضتها ، أو في غير أيّام حيضتها فهو حيض ، وإن لم تر مع ذلك دما ، وفي المجموعة : إذا رأته في أيّام الحيض ، أو في أيّام الاستظهار فهو كالدّم ، وما رأته بعد ذلك فهو استحاضة ، وهذا قول صحيح ، إلا أن الأوّل أشهر ، وقال الشّافعي ، والليث ، وعبيد الله بن الحسن: هما في أيام الحيض حيض ، وهو قول أبي حنيفة ، ومحمد ، وقال أبو يوسف : لا تكون الكدرة في أيام الحيض حيضا إلا بأثر الدم ، وهو قول داود : إن الصفرة والكدرة لا تعد حيضا إلا بعد الحيض لا قبله ، قال البيهقي : وروينا عن عائشة بنت أبي بكر أنها قالت : اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك حتى ترين البياض خالصا ، وهذا أولى مما روي عن أم عطية ؛ لأنّ عائشة أعلم بذلك منها ، ويحتمل أن يكون مراد أم عطية بذلك إذا ، زادت على أكثر الحيض ، انتهى . قد روينا عن عائشة موافقتها لأم عطية ، والله أعلم .

32

باب ثواب الطهور 16 - ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفعه اللّه بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة ، حتى يدخل المسجد . أخرجاه في الصحيح بلفظ : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته ، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة ، وذلك أنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء ، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة ، ولا ينهزه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ، وحطَّ عنه بها خطيئة ، حتى يدخل المسجد ، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة في حبسه ، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ، يقولون : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، اللهم تب عليه ، ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه . قوله : لا ينهزه ، أي : لا يبعثه ، ولا يشخصه إلا ذلك ، ومنه انتهاز الفرصة ، وهو الانبعاث لها والمبادرة ، وهي بفتح الياء ، نهز الرجل ينهز ، وحُكي فيه ضم الياء ، ومنه أنّ هذه المعاني أسباب الدرجات ، وأضيف إلى ذلك أمور أخر وردت في ذلك من الدعاء عند دخول المسجد ، والخروج منه ، والسلام على أهل المسجد وتحيته ، وغير ذلك ، نقل أن التضعيف لمجرّد الجماعة ، وهي كلّها زيادة على الدرجات .

33

17 - نا سويد بن سعيد ، ثنا حفص بن ميسرة ، حدثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد اللّه الصنابحي ، عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : من توضأ فتمضمض واستنشق ، خرجت خطاياه من فيه وأنفه ، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه ، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه ، فإذا غسل يديه خرجت خطاياه من يديه ، فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه ، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه ، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة . هذا حديث مختلف في إرساله واتصاله ، وقد خرج مسلم معناه من حديث عمرو بن عبسة ، وفيه طول ، وفي آخره : فحدَّث عمرو بهذا الحديث أبا أمامة صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له أبو أمامة : يا عمرو بن عنبسة ، انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل ؟ فقال عمرو : لقد كبر سني ورقّ عظمي ، واقترب أجلي ، وما بي حاجة أن أكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على الله ، لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات - ما حدثت به أبدا ، ولكني سمعته أكثر من ذلك ، وكما رواه حفص هنا رواه عن مالك في الموطأ يحيى بن يحيى والقعنبي وجمهور الرواة . وقالت طائفة ، منهم مطرف ، وإسحاق بن عيسى الطباع عن مالك ، عن زيد ، عن عطاء ، عن أبي عبد اللّه الصنابحي ، واختلف عن زيد بن أسلم في ذلك ، فقالت طائفة عنه ما قال مالك في أكثر الروايات عنه . وقالت طائفة أخرى : عن زيد ، عن عطاء ، عن أبي عبد اللّه الصنابحي . قال أبو عمر : وما أظن هذا الاضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم ، والصواب قول من قال فيه : ، وروى زهير بن محمد ، عن زيد ، عن عطاء ، عن عبد اللّه الصنابحي قال : سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول ، فذكر قوله : إنّ الشّمس تطلع ومعها قرن الشيطان الحديث ، وهو خطأ عند أهل العلم ، والصنابحي لم يلق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم قاله أبو عمر وزهير بن محمد لا يحتج به إذا خالفه غيره ، قاله أبو عمر وقد روي عن ابن معين أنه سئل عن عبد اللّه الصنابحي يروي عنه المدنيون ، فقال : يشبه أن يكون له صحبة ، وأصح من هذا عن ابن معين أنه سئل عن أحاديث الصنابحي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لمن سأله : ليست له صحبة ، وبنحوه قاله الترمذي في كتاب العلل الكبير ، عن البخاري ، رحمهما اللّه تعالى . وأما قول أبي عمر : إن زهير بن محمد لا يحتج به ، فليس كذلك ؛ لأنه ممن خرج حديثه الشيخان في صحيحيهما ، ومن كانت هذه حاله لا يقال فيه ما ذكره ، لا سيما مع عدم الحالة المصرَح بها ، بل هو في المعنى متابع مالكا ، وفي ذلك غنية ، واللّه أعلم وإنما فيهم الصنابح بن الأعسر الأحمسي كوفي ، روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث ، وفي الباب أيضا أحد يقال له عبد اللّه الصنابحي قال ابن إسحاق : عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد اللّه اليزني ، عن عبد الرحمن بن عسيلة ، قال : لم يكن بيني وبين وفَاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا خمس ليال ، توفي وأنا بالجحفة ، كذا زعم أبو عمر أن الذي يروي عنه مرثد هو الذي يروي عنه عطاء ، وأبو حاتم يخالف ذلك والذي يروي عنه أبو الخير فهو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ، روى عن أبي بكر وفي هذا أيضا توهيم من ادّعى أن مالكا وهم في تسميته عبد الله ، وقد قيل ذلك له ، فلم يرجع ؛ بل أصر عليه ، وزعم أن كذلك حفظ ، ووجده كذلك في كتابه ، ففي هذا دلالة أنه لم يرجع إلى ما قيل له ؛ لعلمه أنّه غير صواب ؛ إذ لو كان صوابا لكان أسرع الناس رجوعا إليه ، مع تسليمه أنّ الخطأ لا يسلم أحد منه . ذكر أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو السليماني في كتاب سماه الحث على اقتباس الحديث : قال إبراهيم بن المنذر : سمعت معن بن عيسى يقول : قلت لمالك بن أنس : إن الناس يقولون : إنك تخطئ في أسامي الرجال ، تقول : عبد الله الصنابحي ، وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي ، وتقول : عمر بن عثمان ، وإنما هو عمرو بن عثمان ، وتقول : عمر بن الحكم السلمي ، وإنما هو معاوية بن الحكم! فقال مالك : هكذا حفظنا ، وهكذا وقع في كتابي ، ونحن نخطئ ، ومَنْ يسلم من الخطأ ؟! ويزيد ذلك وضوحًا أيضًا ما ذكره الحاكم في المستدرك من حديث مالك عن زيد عن عطاء عن عبد الله الصنابحي : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وليس له علة ، وإنما خرجا حديث عثمان ، وأبي هريرة غير تام ، وعبد الله الصنابحي صحابي مشهور وترجم ابن قانع في معجمه حرف العين المهملة باسم عبد الله الصنابحي ، وكذا ترجم عليه غيره من المؤلفين ، وأما النسائي فإنه ذكر في كتاب مسند حديث مالك هذا الحديث عن قتيبة ، ثم قال : عن الصنابحي ، ولم يسمه ، وهو ما أغفل ذكره أبو عمر ، قال أبو الحسن بن القطان : ونسبة الوهم إلى مالك أو مَنْ هو فوقه خطأ ، ولا سبيل إليه إلا بحجة بينة ، ومالك لم ينفرد بما قال من ذلك عن زيد ، بل قد وافقه عليه أبو غسان محمد بن مطرف أحد الثقات المخرج لهم في الصحيحين ، وفي كتاب أبي جعفر البغوي ، ثنا أبو أحمد ، أنا أبان البجلي ، حدثني أبو مسلم قال : دخلت على أبي أمامة وهو يتفلى في المسجد ، فذكر حديثا فيه : مَنْ توضأ فأسبغ الوضوء ، وغسل يديه ووجهه ، ومسح على رأسه وأذنيه ، ثم قام إلى صلاة مفروضة ، غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه ، وقبضت عليه يداه ، وسمعته أذناه ، ونظرته عيناه ، وحدث به نفسه من سوء ، وقال : سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصيه ، قال : ثنا الحسن بن موسى ، ثنا شيبان عن معاوية ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كعب بن مرة السلمي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا توضأت فغسلت كفيك ، خرجت ذنوبك من كفيك ، فذكره مطولًا ، فهذا كله يوضح لك أن ما قاله مالك ومَنْ تبعه صواب ، وما قاله أبو عمر عكسه ، وذكر البخاري في الأوسط : وحدثني يوسف بن راشد ، ثنا إسحاق الطباع ، أخبرني مالك ، عن زيد ، عن عطاء ، عن الصنابحي بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ ، وهذا عندي أصح ، وفي كتاب التمهيد : أجمع العلماء على أن غسل الوجه ، واليدين ، والرجلين إلى الكعبين ، ومسح الرأس فرض ذلك كله ، لأمر الله تعالى به ، لا خلاف علمته في شيء من ذلك ، إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه بعد هذا في بابه إن شاء الله تعالى ، وقد استدل بعض مَنْ لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بهذا الحديث لخروج الخطايا معه ، فوجب التنزه عنه ، لأنه ماء الذنوب ، وهذا عندي لا وجه له ، لأن الذنوب لا تنجس الماء ، لأنها لا أشخاص لها ، ولا أجسام تمازج الماء ، فتفسده ، وإنما معنى قوله : خرجت الخطايا مع الماء إعلامًا منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم . وقد اختلف الفقهاء في الماء المستعمل : فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : لا يتوضأ به ، ومَنْ توضأ به أعاد ، لأنه ليس ماء مطلقًا ويتيمم واجده ، لأنه ليس بواجد ماءً ، وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج ، وهو قول الأوزاعي ، وأما مالك فقال : لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء ، ولا خير فيه ، ثم قال : إذا لم يجد غيره توضأ به ، ولم يتيمم ، لأنه ماء طاهر ، لم يغيره شيء . وقال أبو ثور وداود : الوضوء بالمستعمل جائز ، لأنه ماء طاهر ، لا ينضاف إليه شيء ، وهو ماء مطلق ، واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة ، وإلى هذا ذهب محمد بن نصر المروزي ، ورُوي عن علي ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، والنخعي ، ومكحول ، والزهري ، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه ، فوجد في لحيته بللًا أن يمسح بذلك البلل رأسه . فهؤلاء كلهم اختاروا الوضوء بالماء المستعمل ، وأما مالك والشّافعي وأبو حنيفة ومن قال بقولهم ، فلا يجوز ذلك عندهم ، ولو فعل لم يجزه ، وكان عليه الإعادة لكلّ ما صلى بذلك الوضوء ؛ لأنه قد أُدِّيَ به فرض ، فلا يؤدى به فرض آخَر كالجمار وشبهها . قال أبو عمر : الجمار مختلف فيه . وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا : إنَّ الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة ، واحتج بظاهر حديث الصنابحي ، وبمثله من الآثار ، وبقوله : فما ترون ذلك يُبْقِي من ذنوبه ، وهذا جهل بيّن ، وموافقة للمرجئة ، وكيف يجوز لذي لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها ، وهو يسمع قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ، وقوله تبارك وتعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا َ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ في آي كثيرة ، ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البرّ مكفرة للكبائر ، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه ولا قَاصد إليه ، ولا حضره في حينه ذلك الندم عليه لما كان لأمر اللّه تعالى بالتوبة معنى ، ولكان كلّ من توضأ وصلى ، يشهد له بالجنة بإثر سلامه من صلاته ، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر ، وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح ، وقد أجمع المسلمون أنَّ التوبة على المذنب فرض ، والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية ، وقال - عليه السلام - : الندم توبة . وقال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر . وهذا يبيّن لك ما ذكرنا ، ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات لمن اجتنب الكبائر ، فيكون على هذا المعنى قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ ، كفرنا عنكم الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض ، وإن لم تجتنبوا الكبائر ، ولم تتوبوا منها ، لم تنتفعوا بتكفير الصغائر ، إذا واقعتم الموبقات المهلكات ، وهذا كله قبل الموت ، وبهذا قال جماعة المسلمين ، وجاءت به الآثار الصحاح ، ولو تدبر هذا القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فيه ويديه ورأسه ورجليه ؛ لعلم أنّها الصغائر في الأغلب ، ولعلم أنها معفو عنها بترك الكبائر . دليله : قوله - عليه السلام -: العينان يزنيان ، والفم يزني ، ويصدق ذلك كله الفرج ، أو يكذبه . يريد - واللّه أعلم - أن الفرج بعمله يوجب الهلكة ، وما لم يكن كذلك فأعمال البر تغسل ذلك كلّه ، واللّه أعلم .

34

18 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن بشار قالا : ثنا غندر محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن يزيد بن طلق ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إن العبد إذا توضأ فغسل يديه خرت خطاياه من يديه ، فإذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه ، فإذا غسل ذراعيه ومسح برأسه خرت خطاياه من ذراعيه ورأسه ، فإذا غسل رجليه خرت خطاياه من رجليه . هذا الحديث خرجه أبو عبد اللّه في مستدركه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم ، عن الضحاك بن عثمان ، عن أيوب بن موسى ، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك ، عن ابن عبسة ، وقال فيه : صحيح الإِسناد على شرطهما ولم يخرجاه ، وأبو عبيد تابعي كبير ، لا ينكر سماعه من عمرو . وفي الحديث صحة سماعه ، وله شاهد على شرط مسلم ، عن عمرو بن عبسة ، وفي الأوسط من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبي أمامة مرفوعًا : إذا توضأ أحدكم حط ما أصاب بفيه الحديث ، وفي موضع آخر من حديث شهر بن حوشب عنه : إن العبد إذا غسل يديه خرجت خطايا يديه الحديث ، وقال : لم يروه عن أبي أيوب الإفريقي إلا أبو فروة يزيد بن سنان ، وأما حديث ابن ماجه ففي إسناده ضعف ، وقد تقدَّم معناه من كتاب مسلم ، وسبب ضعفه عبد الرحمن بن البيلماني الأنباري ، والبيلمان : هي خرق تعمل منها القلوع . وقال الرشاطي : بيلمان من بلاد السند ، قال فيه أبو حاتم الرازي : لين ، وبنحوه قاله الإشبيلي ، وقال الدارقطني : ضعيف ، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث ، فكيف بما يرسله ! وقال أبو الفتح الأزدي : منكر الحديث ، روى عن ابن عمر بواطيل ، ولما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال : لا يجب أن يعتبر بشيء من حديثه ، إذا كان من رواية ابنه ؛ لأن ابنه يضع على أبيه العجائب ، وممن ضعفه أيضا : يعقوب بن طاهر ، وذكر الحاكم في كتاب المدخل : أن الشيخين اتفقا على تخريج حديث عمرو بن عبسة ، ولم يرد ذلك عبد الغني بن سعيد فيما ردّه ، فكأنه قرّره ، وتتبع ذلك عليهما الحافظ أبو محمد بن يربوع الشنتريني ، فزعم أن مسلما تفرد بحديثه دون البخاري ، واللّه أعلم .

35

19 - حدثنا محمد بن يحيى ، نا هشام بن عبد الملك ، نا حماد ، عن عاصم ، عن رز بن حبيش ، أنّ عبد الله بن مسعود قال : قيل : يا رسول اللّه ، كيف تعرف من لم تر من أمتك ؟ قال : غر محجلون ، بلق من آثار الطهور . خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه ، عن أبي يعلى ، ثنا كامل بن طلحة ، نا حماد به ، ولفظ أحمد في مسنده : من آثار الوضوء . وفي الأوسط عن أبي إسرائيل الملائي ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قالوا : يا رسول اللّه ، كيف تعرف من لم تر من أمتك ؟ قال : لم يروه عن أبي إسرائيل إلا حسن بن حسين العرني ، وفيه حديث جابر بن عبد اللّه أيضا ، وقال : لم يروه عن الأعمش ، يعني عن أبي مسلم ، عن جابر إلا يحيى بن يمان . وفي صحيح مسلم حديث أبي هريرة يرفعه : أرأيت لو أنَّ رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ، ألا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض الحديث . وفي كتاب الترمذي بيان الغرّة مم هي ؟ إذ هي في الأحاديث السابقة مجملة عن عبد الله بن بسر مرفوعا : أمتي يوم القيامة غر من السجود ، محجلون من الوضوء . قال : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .

36

20 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، نا الوليد بن مسلم ، نا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني محمد بن إبراهيم ، حدثني شقيق بن سلمة ، حدثني حمران مولى عثمان ، قال : رأيت عثمان بن عفان قاعدا في المقاعد ، فدعا بوضوءٍ فتوضأ ، ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مثل وضوئي هذا ، ثم قال : من توضأ مثل وضوئي هذا ، غفر له ما تقدم من ذنبه . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ولا تغتروا .

37

21 - حدّثنا هشام بن عمار ، نا عبد الحميد بن حبيب ، نا الأوزاعي ، حدثني يحيى ، حدّثني محمد بن إبراهيم ، حدثني عِيسى بن طلحة ، حدثني حمران ، عن عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . هذا حديث إسناده صحيح ؛ لأن الوليد إنما نحذر منه التدليس أو التسوية ، وهنا أمِنا ذلك لتصريحه بسماعه ، وسماع شيخه ومتابعة عبد الحميد له - وإن كان قد أتى بعيسى مكان شقيق - وهما ثقتان ، فلا يضر ذلك الحديث ، ويكون محمد سمعه منهما ، أو يكون القول في ذلك قول الوليد لتقدمه به على عبد الحميد ، فإن بعضهم ، وهو أبو حاتم ، يزعم أنَّه ليس بصاحب حديث . وقال النسائي : ليس بالقوي ، ويكون أراد ذكر شقيق ، فوهم إلى عيسى ، واللّه تعالى أعلم . وله أصل في الصحيحين من حديث الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن حمران من غير زيادة ولا تغتروا ، وهي في صحيح أبي حاتم البستي . قال : ، ثنا ابن سلم ، ثنا عبد الرحمن به . ولفظه : قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : من توضأ مثل وضوئي هذا ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، ثم قال - عليه السلام -: ولا تغتروا ، وفي حديث مسلم زيادة : وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة . [وفي الباب غير حديث ، من ذلك حديث أبي أمامة يرفعه : مَنْ توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم قام إلى الصلاة ، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه ، رواه الطبراني في معجمه الكبير عن شهر بن حوشب عنه ، وفي آخره : قال أبو ظبية : وأنا سمعت عمرو بن عبسة يحدث بمثل هذا الحديث ، حدث ، فذكر كما ذكر أبو أمامة ، وحديث سلمان الخير مرفوعًا : مَنْ توضأ ، فأحسن الوضوء ، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق ، رواه من حديث ابن جدعان عن أبي عثمان عنه ، وحديث كعب بن مرة البهزي يرفعه : إذا توضأت ، فغسلت كفيك خرجت خطاياك من كفيك ، فإذا غسلت وجهك خرجت خطاياك من وجهك الحديث ، رواه ابن جرير عن منصور عن سالم عنه ، وحديث أبي أيوب يرفعه : مَنْ توضأ كما أمر ، وصلى كما أمر ، غُفِرَ له ما تقدم من عمل ، أكذلك يا عقبة بن عامر؟ قال : نعم . رواه عن ابن عبد الحكم عن قتيبة بن سعيد ، ثنا الليث ، ثنا أبو الزبير ، عن سفيان بن عبد الرحمن ، عن عاصم بن سفيان الثقفي عنه ، وحديث جابر مرفوعًا : أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء ، رواه الطبراني في الأوسط ، وقال : لم يرو هذا عن الأعمش يعني عن أبي مسلم عنه إلا يحيى بن يمان] . قوله : واستنشق ، يعني حرك الماء ، بريح الأنف ، قال القزاز : النشق مصدر نشقت الشيء أنشقه نشقا ، إذا شممته ، واسم ما يستنشقه النشوق ، والشيء منشوق ومستنشق ، وتقول : نشق الرجل بمعنى استنشق ؛ ولذلك قال المتلمس : ولو أن محموما بخيبر مدنفا تنشق رباها لأقلع صالبه أي : وجد ريحها ، وتقول للرجل : استنشق يا فلان هذه الريح ، وهذه ريح مكروهة النشق ، أي الرائحة ، ومنه قول رؤبة : كأنه مستنشق من الفرقِ حرا من الخردل مكروه النشق وفي الغريبين : أي يبلغ الماء خياشيمه . وذكر ابن قتيبة أنّ الاستنشاق والاستنثار سواء ، مأخوذ من النثرة ، وهي طرف الأنف ، ويشبه أن يكون وهِم ؛ لأنّ أهل اللغة فرّقوا بينهما ، وفي نفس الحديث : فليجعل في أنفه ثم لينتثر ، فدلَّ أنَّ النثر طرح الماء بريح الأنف متبددا ، وقد أنكر ذلك عليه غير واحد من الأئمة . قوله : أشفار عينيه ، يعني حروف أجفانه ، واحدها شُفر بضم الشين ، كذا ذكره ثعلب ، وذكر ابن قتيبة فتح الشين في أدب الكاتب . وفي الجامع : شفير كلّ شيء حدّه ، وفي المحكم : وشافره أيضا ، وأما الفراء فَحَكَى فيه الضم ، وأنكره بعضهم . قوله : خرت خطاياه ، قال في الجمهرة : خر يخر خرًّا ، إذا هوى من علو إلى سفل ، وكل واقع من حائط وغيره فقد خرّ ، يخر خرًّا ، وكذلك الرجل إذا سقط وهو قائم على وجهه . وقال الهروي : سقط يخر خرورا بضم الخاء ، وبنحوه قال الجوهري . قوله : غرة ، يريد البياض في الوجه ، والغرَّة بياض في وجهة الفرس تفوق الدرهم ، يقال : فرس أغر ، والأغر الأبيض ، وقوم غرّان ، قال امرؤ القيس : ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غران ورجل أغر : أي شريف ، وفلان غُرةُ قومه : أي سيدهم ، وغُرَّةُ كل شيء أوّله وأكرمه ، ذكره صاحب الصحاح ، وفي الجمهرة : وكلّ شيء بدا لك من وضوءٍ أو صبح ، فقد بدت لك غرته . وقال القزاز : الأغر والغراء : الأبيض والبيضاء ، ومنه قول الأعشى : غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوَجِي الوَحِل وقيل : الغراء الواسعة الجبهة ، وقيل : هي البيضاء النقية العرض . وقالت الأعراب : هي التي تتسع جبهتها وملاح ما بين عينيها ، وتتباعد قصبتها من جبينها . وقيل : هي البيضاء العينين ، وهذا امرؤ غر محجّل ، أي واضح ، ولذلك قال الشاعر : ألا حييا ليلى وقولا لها هلا لقد ركبت امرأ أغر محجلا وفي كتاب النبات لأبي حنيفة : الغراء من نبات التبر ، ولها زهرة بيضاء شديدة البياض ناصعة . وقال أبو نصر : الغراء ثمرة بيضاء ، يعني بالثمرة الزهرة ، قال أبو حنيفة : ونباتها مثل نبات الجزر ، وحبّها كحبّه ، وهي طيبة الريح ، وخالف ذلك أبو زياد ، أنشد أبو العباس للقلاخ ، يقوله لإِبراهيم بن النعمان بن بشير ، لما زوج أخته من يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان : لله درّ جياد كنت سائسها ضيعتها وبها التحجيل والغرر وفي الكناية : وإذا كان بوجه الفرس بياض يسير بقدر الدرهم فما دون ذلك ، فذلك القرحة ، والفرس أقرح ، فإذا جاوز ذلك فهو الغرة ، فإن كانت قوائمه الأربع بيضَاء لا يبلغ البياض منها الركبتين فهو محجل ، فإن كان البياض بيديه دون رجليه فهو أعصم . وذكر الأصمعي أنه الذي يرتفع البياض إلى موضع القيد ، قال : ومنه الحجل . وفي الصحاح : التحجيل : بياض في قوائم الفرس ، أو في ثلاث منها ، أو في رجليه ، قلّ أو كثر بعد أن تجاوز الأرساغ ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين ، فإذا كان في قوائمه الأربع فهو محجل أربع ، وإن كان في الرجلين جميعا فهو محجل الرجلين ، فإن كان بإحدى رجليه وجاوز الأرساغ فهو محجّل الرجل اليمنى أو اليسرى ، فإن كان البياض في ثلاث قوائم دون رجل أو دون يد ، فهو محجل ثلاث مطلق يد أو رجل ، فلا يكون التحجيل واقعا بيد أو يدين ، ما لم يكن معها أو معهما رجل أو رجلان ، فإن كان محجل يد ورجل من شق فهو ممسك الأيامن ، مطلق الأياسر ، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن . وأما المقاعد فذكر القاضي في المشارق أنَّها موضع عند باب المسجد . وقيل : مصاطب حوله . وقيل : هي دكاكين عند دار عثمان . وقال الداوودي : هي الدرج . وفي سنن الدارقطني : هي عند مصلّى الجنائز عند المسجد .

38

41 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو الوليد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس أن اليهود كانوا لا يجلسون مع الحائض في بيت ، ولا يؤاكلوها ، ولا يشاربوها قال : فذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأنزل الله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ . قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اصنعوا كل شيء إلا الجماع . هذا حديث خرجه مسلم بزيادة ، فقالت اليهود : ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه . فجاء أسيد بن حضير ، وعباد بن بشر إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالا : يا رسول الله : إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا ننكحهن فتمعر وجه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى ظننا أن قد وجد عليهما ، فخرجا فاستقبلهما هديّة من لبن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعث في آثارهما فسقاهما ، فظننا أنه لم يجد عليهما ، وذكر الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في كتابه أسباب النزول الذي قرأته على أبي النون القاهري رحمه الله تعالى ، عن ابن المقير ، أنبأ أبو الفضل أحمد بن طاهر الميهني عنه قال : أنبأ أبو بكر محمد بن عمر الخشاب ، أنبأ أبو عمرو بن حمدان ، أنبأ أبو عمران موسى بن العباس ، ثنا محمد بن عبيد الله بن يزيد القردواني حدثني أبي ، عن سابق بن عبد الله ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ، وقال المفسرون : كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ، ولم يشاربوها ، ولم يساكنوها في بيت كفعل المجوس ، فسأل أبو الدحداح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأنزل الله تعالى الآية . وفي الباب : حديث عبد الله بن سعد ، وسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مؤاكلة الحائض ، فقال : واكلها رواه ابن ماجه في موضع آخر ، وقال فيه الطوسي : حسن غريب ، وهو قول عامة أهل العلم ، واختلفوا في فضل طهورها . وأما العرق فهو : عظم عليه لحم ، وقيل : العرق الذي قد أخذ أكثر لحمه ، والعراق : العظم بغير لحم ، والعرق الفدرة من اللحم ، وجمعها عراق ، وهو من الجمع العزيز ، وله نظائر قد أحصيتها في المخصص ، وحكى ابن الأعرابي في جمعه عراق بالكسر وهو أقيس ، وأنشد : يبيت ضيفي في عراق ملس وفي شمول عرضت للنحس أي ملس من الشحم ، والنحس : الريح التي فيها غبرة وعرق العظم يعرقه عرقا ، واعترقه أكل ما عليه ، ذكره ابن سيّده ، وفي الجمهرة : وعرقت العظم أعرقه وأعرقه ، وفي الصحاح : والعرق بالفتح مصدر قولك : عرقت العظم أعرقه بالضم عرقا ، ومعرقا إذا أكلت ما عليه من اللحم ، وقال : أكف لساني عن صديقي فإن أجأ إليه فإني عارق كل معرق وفي الجامع : عرقت العظم واللحم فأنا أعرقه عرقا ، واعترقه اعتراقا مثله ، وكذا تعرقته تعرقا، وأعرقت فلانا عرقا من لحم : أعطيته إيّاه ، والعراق الذي قد أخذ عنه اللحم . هذا قول الخليل ، وقال غيره : العراق : الفدرة من اللحم ، وقيل : هو العظم الذي عليه اللحم ، يقال له : عرق وعراق ، وكذا قال اللحياني : من اللحم عرق وعراق ، وقيل : العراق جمع العرق ، كما قالوا : ظئر وظؤار ، وهم يقولون : هذه ثريدة كثيرة العراق يريدون فدر اللحم . وهو غلط على قول من قال : العراق العظم بغير لحم ، وقال بعضهم : إذا كان في القطعة عظم سميت عراقا ، وإذا لم يكن فيها عظم فهي بضعة ، وفي الحديث : دخل على أم سلمة فتناول عرقا . فدلّ على أنّ العرق عظم عليه لحم ، ومما يدل على أنه يكون بغير لحم حديث جابر : فكأني أنظر إليه ، وفي يده عرق يتمششه ، فالعراق هنا العظم وقد عرى من اللحم ، وقالوا : يدلّ على أنّ العراق العظم بغير لحم ، وقول الراجز : وهو يطير الطير عن زرع له : عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن مطرادي الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبري اللحم عن عراقها والموت في عنقي وفي وأعناقها فإنّما يريد : تبري اللحم عن عظامها . والعرب تقول : هذا كلّه ثريد ، تريد به مرّة اللحم بالعظم ، ومرة العظم بغير لحم ، كما تقول في العراق على ما قدمناه ، وأكثر قولهم : إنّ العرق اللحم ، والعراق العظم ، والمعروق من العظام الذي أكل لحمه ، ولذلك قال الشاعر : ولا تهدي بمعروق العظام وكذلك يقولون : رجل معروق ومعترق إذا لم يكن على قصبه لحم ، ويقال ذلك للمهزول ، ومنه قول رؤبة يذكر امرأة ورجلا : غول تصدى لسبنتي معترق ، فمعترق : شديد القصب من اللحم ، وتعرقت ما على العظم مثل عرقت ، وقال الهروي : تعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك ، وأما السؤر : بالهمزة فهو ما بقي من الشراب ، وغيره في الإناء ، كذا ذكره ثعلب ، وذكر ابن درستويه أنّ العامة لا تهمز ، وتركها الهمز ليس بخطأ ، ولكن الهمز أفصح . وفي كتاب اللبلي : هو يستعمل في كل بقية ، وأسأر فلان من الطعام : إذا أبقى منه .

39

باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها 40 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كنت أتعرّق العظم ، وأنا حائض ، فيأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيضع فمه حيث كان فمي ، وأشرب من الإناء ، فيأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيضع فمه حيث كان فمي ، وأنا حائض . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، وفي لفظ للنسائي : يدعوني فآكل معه ، وأنا عارك ، وكان يأخذ العرق فيقسم علي فيه فآخذه منه ، ثم أضعه ، فيأخذه ، فيعترق منه ، ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق ، ويدعو بالشّراب فذكر بقية ذلك

40

39 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن إبراهيم بن مهاجر سمعت صفية تحدّث عن عائشة أنّ أسماء سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الغسل من المحيض ، فقال : تأخذ إحداكن ماءها وسدرها ، فتطهر ، فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها ، فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة من مسكة ، فتطهر بها ، قالت أسماء : كيف أتطهر بها ؟ قالت عائشة : كأنها تخفي ذلك ، تتبعي بها آثار الدم . قالت : وسألت عن الغسل من الجنابة ، فقال : تأخذ إحداكن ماءها ، فتطهر ، فتحسن الطهور ، أو تبلغ في الطهور حتى تصب الماء على رأسها ، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تفيض الماء على جسدها . فقالت عائشة : نعم النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدّين . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، وفي لفظ لمسلم : أن أسماء بنت شكل ، وتبعه على ذلك غير واحد ، منهم : أبو العباس الطرقي في أطرافه ، وابن بشكوال ، وأبو الفضل ابن طاهر في الإيضاح ، وابن الأثير في استدراكه على أبي عمر ، وابن فتحون ، وأبو موسى المديني في معرفة الصحابة ، ولماّ ذكرها ابن قرقول ضبط اسم أبيها بكاف ساكنة ، وأكثر النّاس على فتحها ، وأما ابن الجوزي ، فإنه اضطرب كلامه ، فذكر في مشكل الصحيحين : أنها ابنة شكل ، وقال في التلقيح هي بنت يزيد بن السكن : وقال الخطيب أبو بكر : هي أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء ، وتبعه على ذلك غير واحد ، حتى قال الحافظ الدمياطي : هذا هو الصحيح؛ لأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل مستدلا بقول البخاري في هذا الحديث أنّ امرأة من الأنصار ، وهي شهادة على النفي ؛ لأنّ مسلمًا أثبتها ، وتبعه من أسلفناه ، أو ظهر لهم ما ظهر له ، فذكروه لا لمتابعته ، وأيا ما كان ، فلا يدفع إلا بدليل واضح ، وكون الخطيب خالف ذلك لا يقتضي وهما لاحتمال أن تكونا امرأتين سألتا عن أمر واحد كما تقدّم نظائره ، أو يكون الخطيب هو الواهم من اللام إلى النون في غير ذلك من الاحتمالات ، ويوضحه أنّ ابن سعد والطبراني وغيرهما ذكروا ابنة يزيد بأحاديث ليس فيها هذا ، وفرق ابن منده بين أسماء بنت يزيد وبين ابنة شكل ، وكذا غيره ، وذكر أبو موسى هذا الحديث في ترجمة ابنة شكل ويزيد ذلك وضوحا ، ويبرئ مسلما من التفرد ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده ، كرواية مسلم سواء ، وفي كتاب المستخرج لأبي نعيم الحافظ كذلك عن أبي جعفر محمد بن محمد ، ثنا الحسين بن محمد بن حاتم ، ثنا الوليد بن شجاع ، ثنا أبو الأحوص ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن صفية ، عن عائشة ، قالت : دخلت أسماء بنت شكل الحديث ، قال أبو داود في كتاب التفرد ، عن إبراهيم بن مهاجر : فرصة ممسكة ، قال مسدد كان أبو عوانة يقول : فرصة ، وكان أبو الأحوص يقول : قرصة انتهى ، وقوله : فرصة يعني : بكسر الفاء وسكون الراء هذا هو المشهور ، وهي القطعة من الصوف ، أو غيره ، يقال : فرصت الشيء بمعنى قطعته بالفراص ، وأنكر أبو محمد بن قتيبة ذلك ، وقال : إنما هي قرضة بالقاف والضاد المعجمة : وهي القطعة ، وقال بعضهم : قرصة بفتح القاف وسكون الراء ، ثم صاد مهملة ، أي : شيئا يسيرا مثل القرصة بطرف الإصبعين ، وقوله من مسكة أي : من مسك ، وهو دم الغزال المعروف ، وقال بعضهم : من مسك بفتح الميم أي جلّد عليه شعر ، قال عياض : وهي رواية الأكثرين ، وأنكرهما ابن قتيبة ، وقال : المسك لم يكن عندهم من السعة بحيث يمتهنونه في هذا ، والجلد ليس فيه ما يتميّز من غيره ، فيخص به ، قال : وإنما أراد فرصة من شيء صوف ، أو قطن ، أو خرقة ونحوه ، وقال بعضهم : أراد قطعة من جلد عليها صوف ، والصواب : الأوّل ، وتدلّ عليه الرواية الأخرى فرصة ممسكة بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين مع فتحها أي : قطعة من صوف ونحوها مطيبة بالمسك وروى بعضهم : ممسكة بضم الميم الأولى وسكون الثانية وسين مخففة مفتوحة ، وقيل : مكسورة أي من الإمساك ، وفي بعض الروايات : خذي فرصة ممسكة فتحملي بها ، وقيل : أراد بالممسكة الخلق التي أمسكت كثيرا كأنه السك أن لا تستعمل الجديد من القطن وغيره للارتفاق به ؛ ولأنّ الخلق أصلح لذلك ، ووقع في كتاب عبد الرزاق : يعني بالفرصة السك وقال بعضهم : هي الذريرة ، وفي الأوسط لأبي القاسم : خذي سكيكتك ، فقالت : أصنع بها ماذا ؟ وقال : لم يروه عن عطاء بن السائب ، يعني عكرمة عن عائشة ، إلا حماد بن سلمة ، تفرد به أبو عمر الضرير . وزعم المحاملي الشافعي : أنه يستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تطيب جمع المواضع التي أصابها الدم من بدنها ، والحكمة في ذلك : تطييب المحل ورفع الرائحة الكريهة ، وقيل : لأنه أسرع إلى علوق الولد ، واختلف في وقت استعمالها لذلك ، فقال بعضهم : بعد الغسل ، وقال آخرون : قبله . وفي صفة الاغتسال أحاديث سبق ذكرها ، ومنها حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سالم خادم النبي عليه السلام قال : كن أزواج النبي عليه السلام يجعلن رؤوسهن أربع قرون ، فإذا اغتسلن جمعنهن على وسط رؤوسهن ، ولم ينقضنهن . رواه في الأوسط ، وقال : لم يروه عن جعفر إلا عمر بن هارون ، ولا يروى عن سالم إلا بهذا الإسناد .

41

باب في الحائض كيف تغتسل 38 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لها ، وكانت حائضا : انقضي شعرك ، واغتسلي ، وقال علي في حديثه : انقضي رأسك . هذا حديث تقدم ذكرنا له ، وأن إسناده صحيح على شرط الشيخين ، وهو في مسند العدني مطولا : خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام حجة الوداع ، فأهللنا بعمرة جميعا ، قالت : فقدمت مكة ، وأنا حائض ، فلم أطف بالبيت ، ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : انقضي رأسك . وهو في الصحيح أيضا .

42

باب في كفارة من أتى حائضا 37 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا يحيى بن سعيد ، ومحمد بن جعفر ، وابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : في الذي يأتي امرأته وهي حائض ؟ قال يتصدّق بدينار ، أو بنصف دينار . هذا حديث لما رواه أبو داود قال : هكذا الرواية الصحيحة : دينار ، أو نصف دينار ، وربما لم يرفعه شعبة ، ثنا عبد السلام بن مطهر ، نا جعفر - يعني ابن سليمان عن علي بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن الجزري ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : إذا أصابها في الدم فدينار ، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار ، قال أبو داود ، وكذلك قال ابن جريج ، عن عبد الكريم ، عن مقسم ، وعنه من حديث شريك ، عن خصيف ، عن النبي عليه السلام : إذا وقع الرجل بأهله وهي حائض فليتصدق بنصف دينار ، وكذا قال علي بن بذيمة ، عن مقسم ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسل ، وروى الأوزاعي ، عن يزيد بن أبي مالك ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آمره أن يتصدق بخمس دينار ، يعني معضلا ، ولما أخرجه النسائي في عشرة النساء فيما ذكره ابن عساكر ، وتبعه المزي ، ولم أره في المكان المذكور من المجتبى والكبير ، قال : قال شعبة : أمّا حفظي فمرفوع ، وقال : فلان وفلان : إنه لا يرفعه ، وخرجه أيضا عن الحسن الزعفراني ، عن محمد بن الصباح ، عن إسماعيل بن زكريا ، عن عمرو بن قيس ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : واقع رجل امرأته وهي حائض الحديث . وفي لفظ : إذا كان الدم عبيطا ، وفي كتاب الحيض لأحمد : قال أبو عبد الله : لم يرفعه عبد الرحمن ، ولا بهز عن شعبة ، وفي السنن للبيهقي عن أبي عبد الله : قال أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه : جملة هذه الأخبار مرفوعها وموقوفها يرجع إلى عطاء العطار ، وعبد الحميد ، وأبي أمية ، وفيهم نظر ، وأما قول البيهقي : وقيل : عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس موقوفا ، وإن كان محفوظا فهو من قول ابن عباس يصح ، وفيه نظر ؛ لأنّ إسناده عنده صحيح ، رواه عن أبي بكر القاضي ، عن أبي العباس الأصم ، عن محمد بن إسحاق الصغاني ، عن أبي الجواب ، عن الثوري عنه ، وأبو الجواب حديثه في صحيح مسلم ، وفي كتاب الجوزقاني ، وذكره من حديث الوليد بن مسلم ، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، عن علي بن بذيمة ، سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس مرفوعا بلفظ : يعتق نسمة هذا حديث منكر . تفرد به عبد الرحمن وهو ضعيف جدا ، وفي كتاب الخلال : قال أحمد : لو صح الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنّا نرى عليه الكفارة ، قيل له : في نفسك منه شيء ؟ قال : نعم ؛ لأنه من حديث فلان أظنه قال عبد الحميد : وقال عبد الرحمن ابن مهدي : قيل لشعبة : إنك كنت ترفعه ؟ قال : إني كنت مجنونا فصححت ، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عنه قال : اختلفت فيه الرواية ، ولم يسمعه الحكم من مقسم ، وسمعت أبا زرعة يقول : لا أعلم قتادة روى عن عبد الحميد شيئا ، ولا عن الحكم ، وقال أبو سليمان الخطابي : وقال أكثر العلماء : لا شيء عليه ، وليستغفر الله ، وزعموا : أنّ هذا الحديث مرسل ، أو موقوف على ابن عباس ، ولا يصح متصلا مرفوعا ، والذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بتشغيلها ، وقال ابن المنذر : هذا حديث في سنده اضطراب ، فإن ثبت قلنا به ، وإن لم يثبت لم نقل به ، وقال عبد الحق في الكبرى : لا يصح ، ولما ذكره في الوسطى عاب على أبي عيسى قوله : روي موقوفا على ابن عباس ، ولم يتعرض لضعفه وهو لا يروى بإسناد يحتج به ، وقد روي فيه : يتصدق بخمس دينار ، وعند أبي داود : يعتق نسمة ، قال : وقيمة النسمة يومئذ دينار ، ولم يخص في إتيان الحائض دما من دم ، ذكره النسائي عن ابن عباس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا يصح في إتيان الحائض إلا التحريم ، ولما ذكره أبو محمد من حديث مقسم ، عن ابن عباس : إن كان الدم عبيطا فدينار ، وإن كان فيه صفرة فنصف دينار ردّه ؛ بأنّ مقسما ليس بالقوي ، فسقط الاحتجاج به ، ومن جهة شريك ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مرفوعا : يتصدّق بنصف دينار ، ثم قال : خصيف وشريك كلاهما ضعيف ، ومن جهة الأوزاعي ، عن يزيد بن أبي مالك ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن مرسلا : يتصدّق بخمس دينار ردّه بالإرسال ورده البيهقي بالانقطاع ، ومن جهة عبد الكريم بن أبي المخارق قال : وهو حديث باطل ، ومن جهة عبد الملك بن حبيب ، ثنا أصبغ بن الفرج ، عن السبيعي ، عن زيد بن عبد الحميد ، عن أبيه أنّ عمر وطئ جارية له ، فإذا بها حائض ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصدق بنصف دينار . وحديث عبد الملك أيضا ، عن المكفوف ، عن أيوب بن خوط ، عن قتادة ، عن ابن عباس مرفوعا : فليتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ، ثم قال : كفى بهذا سقوطا كونهما من رواية عبد الملك ، كيف وفيهما غيره ، أما الشعبي فيه تصحيف وهو : السبيعي وليس الشعبي ، كما جاء عند ذكر سند الحديث فقال أصبغ بن الفرج عن السبيعي عن زيد ، فلا يدرى من هو ؟ ومع ذلك فهو مرسل ، وأما المكفوف ، فلا يعرف من هو ؟ وابن خوط ساقط ، ومن حديث الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن علي بن بذيمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مرفوعا : يعتق نسمة ، ورده بأن راويه عن الوليد : موسى بن أيوب ، وهو ضعيف ، وكذلك ابن جابر ، قال : فسقطت جميع الآثار في هذا الباب انتهى كلامه ، وفيه نظر : من حيث فسر عبد الكريم بابن أبي المخارق ، وإن كان له في ذلك سلف ، وهو ما رواه روح بن عبادة عند الطبراني ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن عبد الكريم أبي أمية كما قاله أبو الوليد الفرضي وغيره من أنه الجزري لا ابن أبي المخارق ، والله تعالى أعلم ، وقال أبو عمر بن عبد البر : وهذا حديث مضطرب ، ولا تقوم بمثله حجة ، وقال الشافعي رحمه الله : فإن أتى رجل امرأته حائضا ، أو بعد تولية الدم ، ولم تغتسل ، فليستغفر الله تعالى ، ولا يعد ، وقد روي فيه شيء لو كان ثابتا أخذنا به ، لكنه لا يثبت مثله ، وفي المعرفة لأبي بكر ، وذكر حديث مقسم فأعله بوقف شعبة له ، ورواية شريك بقوله : وكان شريك يشكّ في رفعه ، ورواية عبد الكريم أبي أمية تارة عن مقسم ، وتارة عن عكرمة ، وأبو أمية لا يحتج به ، ورواه يعقوب بن عطاء ، وهو لا يحتج ، عن مقسم ، عن ابن عباس مرفوعا ، موقوفا : يتصدّق بدينار ، فإن لم يجد فبنصف دينار ، وكذا رواه عليّ بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن الجزري ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، وضعّف ابن القطّان حديث خصيف به ، ولما ذكر أبو الفرج : حديث ابن عباس في تحقيقه ضعفه ، وقال الغزالي : هو حديث ضعيف ، وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى ، وذكره : هذا حديث ضعيف باتفاق الحفاظ ، ولما ذكره أبو الحسن في كتاب الغرائب قال : غريب من حديث عمرو بن قيس الملائي ، عن الحكم ، عن عبد الحميد تفرد به عمر بن شبيب . وقد روي عن جماعة من السلف ما يؤذن بأنه غير صحيح منهم : الشعبي ، وسئل عن فاعل ذلك ، فقال : ذنب أتاه ، ليستغفر الله ، ويتوب إليه ، ولا يعود ، وقال ابن جبير : ذنب أتاه ، وليس عليه كفارة ، وقال القاسم : يعتذر إلى الله ، ويتوب ، وقال عطاء : يستغفر الله ، وليس عليه شيء ، وكذا قاله ابن أبي مليكة ، وعن أبي قلابة أن رجلا أتى أبا بكر ، فقال : رأيت في المنام كأني أبول دما ؟ قال : تأتي امرأتك وهي حائض ؟ قال : نعم قال : اتق الله ، ولا تعد ، وعن ابن سيرين ، وسئل عن ذلك قال : يستغفر الله تعالى ، وقاله إبراهيم ، ذكره الدارمي في مسنده ، قال ابن المنذر : وبه قال عطاء ، ومكحول ، والزهري ، وأبو الزناد ، وربيعة وحماد بن أبي سليمان ، وأيوب ، ومالك ، والليث ، والثوري ، والنعمان ، ويعقوب ، وأما المصححون فالإمام أحمد بن حنبل في رواية أبي داود عنه أنه قال : ما أحسن حديث عبد الحميد في كفارة الحيض ، قيل له : تذهب إليه ؟ قال : نعم ، وفي رواية الميموني عنه : عبد الحميد ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز والناس قديما قد حملوا عنه ، وليس به بأس ، وقال الحربي : هذا الحديث اختلف فيه أصحاب شعبة ، فرفعه يحيى ، وغندر ، ومعاذ ، ووهيب ، وابن أبي عدي ، ووقفه وكيع ، وابن مهدي ، وحكى عنه ابن مهدي : كنت في رفعه كالمجنون ، فصححت إنّي رجعت إلى إيقافه ، فإن كان ذلك من قول شعبة صحيحا ، فكأنه رجع عن رفعه وبعضهم يريد عبد الحميد رفعه ، وخالف روح أيضا عبد الحميد ، وأوقفه ، وجعل مكان مقسم عكرمة ، وعبد الحميد هو ابن أخي عمر بن الخطاب ، أمّه : ميمونة بنت بشر ، ولاه عمر بن عبد العزيز الكوفة ، وكان أبو الزناد كاتبه ، وكان من أحسن الناس وجها روى عنه بكير بن الأشج ، وزيد بن أبي أنيسة وغيرهما . وأمّا حديث حماد بن الجعد عن قتادة ، عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، وحديث ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، لم يذكر عبد الحميد والحكم يوجب أن يكون القول قول حماد بن الجعد ؛ لأنّه زاد ، قال : واختلف أصحاب الحكم ، فرفعه إسماعيل بن مسلم، وسفيان بن حسين ، ورقبة ، وأوقفه الأعمش ، والمسعودي ، وأبو عبد الله الشقري ، وابن أبي ليلى ، وخالد ، وأرسله خصيف ، فكان اتفاقه في هذا الحديث أثبت عندي ، واختلف أصحاب خصيف ، فرفعه شريك، وإسرائيل ، وأوقفه ابن سعيد ، ومعمر ، وأرسله الثوري ، وابن جريج ، وقول حماد ، عن عكرمة وهم بيّن ، فالحكم يوجب أن يكون القول قول شريك ، وإسرائيل ، واختلف أصحاب عبد الكريم ، فكان ممن رفعه ابن عيينة ، وأبان ، وحجاج ، وابن جعفر ، وابن جريج ، وأرسله أبو الأحوص ، فالقول قول من رفعه لكثرتهم ، وعبد الكريم هذا غيره أوثق منه ، وأما حديث علي بن الحكم، والثوري ، عن علي بن بذيمة ، عن مقسم ، فأسنده علي بن الحكم ، وأرسله الثوري ، ولما ذكره أبو جعفر في شرح المشكل ، وذكر بعده حديث عمر أنه كانت له امرأة تكره الجماع ، فوقع عليها وهي حائض ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تصدق بخمسي دينار قال : والأحاديث الأول أولى من هذا لثبت رواتها ولتجاوزهم في المقدار ، ولما ذكره الحاكم من حديث مسدد ، ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم مرفوعا ولفظه : بدينار ، أو نصف دينار ، قال : هذا حديث صحيح ، فقد احتجا جميعا بمقسم ، فأما عبد الحميد فمأمون ثقة ، وشاهده ودليله بما ثناه علي بن حمشاذ ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا عبد السلام بن مطهر ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن علي بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن الجزري ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : إذا أصابها في الدم فدينار وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار . قد أرسل هذا الحديث ، وأوقف أيضا ، ونحن على أصلنا الذي أصلناه أنّ القول قول الذي يسند ، ويصل إذا كان ثقة ، وذكره أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الجوزقاني الحافظ في باب صحاح الأحاديث ومشهورها ، وكذلك ابن الجارود في منتقاه ، وقال ابن أبي داود في كتاب الطهارة : هذه سنة تفرد بها أهل المدينة ، وعبد الحميد من ولد عمر بن الخطاب ثقة مأمون ، وفي كتاب حرب الكرماني قيل لإسحاق ، أو قال قائل : كيف يتصّدق بدينار ، أو نصف دينار ؟ قيل له : في ذلك في حديث ابن عيينة يبين ما سألت ، حيث قال : إن كان الدم عبيطا فدينار ، وإن كان فيه صفرة فنصف دينار ، فخمس دينار ، على قدر رقّة الدّم وغلظه ، وقربّ طهارة من بعده ، وفرق بينهما من لا يغلط ، ولا يسهو ، فمن رغب عن هذه السنة الصحيحة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد زل وأخطأ ، وينبغي للمسلم إذا جاءه مثل هذا وأشباهه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه من سعده أن يقبله بقبول حسن ، وقال الحافظ أبو الحسن ابن القطان - رحمه الله تعالى - : وأما زعمهم أن متن الحديث بالجملة ، لا بالنسبة إلى رواية راو بعينه مضطرب فذلك عندي خطأ من الإعلال ، والصواب هو أن ننظر رواية كل راو بحسبها ، ونعلم ما يخرج عنه فيها ، فإن صح من طريق قبل ، ولو كانت له طرق أخرى ضعيفة ، وهم إذا قالوا : هذه روي فيه بدينار ، وروي بنصف دينار فباعتبار صفات الدم ، وروي دون اعتبارها ، وروي باعتبار أوّل الحيض وآخره ، وروي بخمسي دينار ، وروي بعتق نسمة فأثبت من هذا في الذهن صورة سواء ، وهو عند التبين والتحقيق لا يضرّه ، ونحن نذكر الآن كيف هو صحيح بعد أن نقدم أن نقول يحتمل قوله : ( دينار ، أو نصف دينار ) ثلاثة أمور . أحدها : أن يكون تخييرا ، ويبطل هذا بأن يقال : إنّما يصح التخيير بين شيئين ، أمّا من فعل الشيء ، أو بعضه فمحال إذ حكم التخيير أن يكون بين شيئين ، أو أشياء حكمها واحد ، فإذا خيرّ بين الشيء وبعضه كان بعض أحدهما متروكا بغير بدل . والأمر الثاني : أن يكون شكا من الراوي . والثالث : أن يكون باعتبار حالين ، وهذا هو الذي يتعين منها ، ونبينه بأن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب اعتمده أهل الصحيح ، منهم البخاري ، ومسلم ، ووثّقه النسائي ، والكوفي ، ويحق له ، فقد كان محمود السيرة في إمارته على الكوفة لعمر ضابطا لما يرويه ومن دونه في السند لا يسأل عنهم ، وسيتكرر على سمعك من بعض المحدّثين أنّ الحديث في كفارة من أتى حائضا لا يصح فليعلم أنّ لا عيب له عندهم إلا الاضطراب زعموا ، فمِمّن صرح بذلك أبو علي بن السكن قال : هذا حديث مختلف في إسناده ولفظه ، ولا يصح مرفوعا ، لم يصححه البخاري ، وهو صحيح من كلام ابن عباس انتهى ، فنقول له : الرجال الذين رووه مرفوعا ثقات ، وشعبة إمام أهل الحديث ، قد ثبت في رفعه إيّاه ، فممن رواه عنه مرفوعا يحيى القطّان ، وناهيك به ، وغندر ، وهو أخصّ النّاس به ، ورواه سعيد بن عامر ، عن شعبة ، فقال : عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، عن ابن عباس قوله ، وقال شعبة : أما حفظي فمرفوع ، وقال : فلان ، وفلان : إنه كان لا يرفعه ، فقال له بعض القوم : يا أبا بسطام ، ثنا بحفظك ودعنا من فلان وفلان ، فقال : والله ما أحب أني حدثت بهذا ، أو سئلت ، أو أني عمرت في الدنيا عمر نوح عليه السلام في قومه ، فهذا غاية التثبت ، وهبك أن أوثّق أهل الأرض خالفه فيه ، فوقفه على ابن عباس ، كان ماذا ؟ أليس إذا روى الصحابي حديثا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجوز له ، بل يجب عليه أن يتقلّد بمقتضاه فيفتي به ، هذا قوة للخبر ، لا توهين له ، فإن قلت : فكيف بما ذكر ابن السكن ، ثنا يحيى ، وعبد الله بن سليمان ، وإبراهيم قالوا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا شعبة بالإسناد المتقدّم مثله موقوفا ، وقال رجل : إنّك كنت ترفعه ؟ قال : إني كنت مجنونا فصححت ؟ قلنا : نظن أنه لما أكثر عليه في رفعه إياه توقى رفعه ، لا لأنه موقوف ، لكن إبعادا للظنة عن نفسه ، وأبعد من هذا الاحتمال أن يكون شك في رفعه في ثاني حال ، فوقفه ، فإن كان هذا ، فلا نبالي أيضا ، بل لو نسي الحديث بعد أن حدّث به لم يضرّه ، فإن أبيت إلا أن يكون شعبة رجع عن رفعه ، فاعلم أنّ غيره من أهل الثقة والأمانة قد رواه عن الحكم مرفوعا ، كما رواه شعبة فيما تقدّم ، وهو عمرو بن قيس الملائي ، قال فيه عن الحكم ما قال شعبة من رفعه إياه ، إلا أن لفظه : فأمره أن يتصدّق بنصف دينار ، ولم يذكر دينارا ، وذلك لا يضرّه ، فإنه إنّما حكى قصة معينة قال فيه : واقع رجل امرأته وهي حائض ، فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتصدّق بنصف دينار . ذكره النسائي ، فهذه حال يجب فيها نصف دينار ، وهو مؤكد لما قلناه من أن دينارا ، أو نصف دينار إنما هو باعتبار حالين ، لا تخيير و شك ، ورواه أيضا مرفوعا هكذا عن عبد الحميد بن عبد الرحمن : قتادة ، وهو من هو ، قال النسائي : أنا خشيش بن أصرم ، ثنا روح ، وعبد الله بن بكر ، ثنا ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عبد الحميد به مرفوعا ، بدينار ، أو بنصف دينار ، إلا أن الأظهر في هذه الرواية أنه شك من الراوي في هذه القصة بعينها ، فهذا شأن حديث مقسم ، ولن نعدم عنه فيه وقفا وإرسالا وألفاظا أخر ، لا يصح منها شيء غير ما ذكرناه ، وأما ما روي من خمسي دينار ، أو عتق نسمة ، فما منها شيء يعول عليه ، فلا يعتمد في نفسه ، ولا يطعن به على حديث مقسم ، والله أعلم انتهى كلامه . وقول ابن حزم : مقسم ليس بالقوي ، فسقط الاحتجاج به فيه نظر ؛ لأنه ممن حديثه في الصحيحين على سبيل الاحتجاج وأثنى عليه غير واحد من الأئمة ، وفي قول الدارقطني : تفرد به عمر بن شبيب ، يعني عن الملائي نظر لما أسلفناه من كتاب النسائي ، وأما قول ابن السكن فمردود ؛ بأن البخاري لم يخرج ، ولم يصحح كل حديث ، وقال : انتقيت كتابي من مائة ألف حديث صحيحة ، وإنما خرجت هنا ما أجمعوا عليه ، فلا حجة إذا في عدم تصحيح البخاري له ، وأما قول النووي فمردود بما قدّمناه أيضا ، وأما ما أعله به أحمد فمعارض بما تقدم ، ولعله ظهر لك ذاك بعد ، وأما تضعيف الجوزقاني ؛ فلرواية خاصة بدليل ما ذكره بعد ، ويؤكد صحته قول جماعة من السلف به ، منهم : الحسن قال : عليه عتق رقبة ، أو عشرون صاعا لأربعين مسكينا ، وقال عطاء : يتصدق بدينار ، وفي رواية : بنصف دينار ، وقال الأوزاعي : بخمس دينار ، ذكره الدارمي ، زاد ابن المنذر : وقتادة ، وإسحاق ، والنخعي ، وسعيد بن جبير ، وهو قول محمد بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، وفي كتاب الماوردي : قال أصحابنا : ولو اعتقد مسلم حله صار كافرا مرتدا ، فإن فعله ناسيا ، أو جاهلا بتحريمه ، أو بوجود الحيض ، أو مكرها ، فلا إثم عليه ، ولا كفارة ، وإن تعمّدا الوطأ عالما بما سبق ، فقد ارتكب كبيرة يجب عليها التوبة ، وفي وجوب الكفارة قولان للشافعي رحمه الله تعالى : ويشبه أن يكون خطر ذلك لما رواه الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال عليه السلام : من وطئ امرأة وهي حائض ، فقضي بينهما ولد ، فأتى به جذام ، فلا يلومن إلا نفسه . قال أبو القاسم في الأوسط لم يروه عن الزهري إلا الحسن بن الصلت شيخ من أهل الشّام ، تفرد به محمد بن أبي السري .

43

باب النهي عن إتيان الحائض 36 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا حماد بن سلمة ، عن حكم الأثرم ، عن أبي تميمة الهجيمي ، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من أتى حائضا ، أو امرأة في دبرها ، أو كاهنا فصدّقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هذا حديث لما خرجه أبو عيسى قال : لا يعرف إلا من حديث حكيم ، عن أبي تميمة ، عن أبي هريرة ، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ ، فقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : من أتى حائضا فليتصدق بدينار ، فلو كان إتيان الحائض كفرا لم يؤمر فيه بالكفارة ، وضعّف محمد هذا الحديث من جهة إسناده ، وقال في العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فلم يعرفه إلا من هذا الوجه ، وضعف الحديث جدا ، وقال البخاري في التاريخ الكبير ، وذكر حكيما بهذا الحديث : وهذا حديث لم يتابع عليه ، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة ، وفي كتاب العقيلي : هذا رواه جماعة عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة موقوفا ، وقال الطوسي في أحكامه : هذا حديث يضعف من قبل إسناده ، وقال عبد الحق في الكبرى : لا يصح ، وقال أبو أحمد بن عدي : حكيم يعرف بهذا الحديث ، وليس له غيره إلا اليسير ، وقال البزار : حكيم بصري ، حدّث عنه عوف ، وابن سلمة ، ولكن في حديثه شيء ؛ لأنه حدّث عنه حماد بحديث منكر ، قال ذلك : في مسند عياض بن حمار ، وقال محمد بن يحيى : قلت لابن المديني : حكيم الأثرم من هو ؟ قال : أعيانا هذا ، وفي رواية عنه : لا أدري من أين هو ؟ روى عنه عوف الأعرابي ، وسعيد بن عبد الرحمن ، أخو أبي حرة ، وفي كتاب ابن البرقي ، عن ابن معين : ضعيف ، وأبى ذلك البستي ، فذكره في كتاب الثقات ، وسمّى أباه أيضا حكيما ، ونسبه بصريا ، ووصفه بالرواية عن الحسن أيضا ، وذكر حديثه في الصحيح ، وكذلك ابن الجارود ، وفي كتاب الآجري : سألت أبا داود عن حكيم الأثرم ، فقال : ثقة ، حدّث يحيى بن سعيد ، عن حماد بن سلمة عنه ، وقال النسائي في كتاب التمييز : ليس به بأس ، ولو سلم الحديث من شائبة الانقطاع لكان قول من صححه صحيحا ، والله تعالى أعلم ، على أنّ ابن سعد يؤخذ من كلامه اتصاله ، وذلك أنه لماّ ذكر طريف بن مجالد في الطبقة الثانية من البصريين الذين رووا عن عثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وأبي بن كعب ، وأبي موسى وصفه بالثقة ، وقال توفي سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن عبد الملك ومن أدرك مثل هؤلاء ، فلا يبعد سماعه من أبي هريرة ، على أنّ البخاري لم يجزم بعدم سماعه منه جريا منه على قاعدته ، مع أنه ليس مدلسا ، ولقيه له ممكن ، فعنعنته تحمل على السماع حتى يأتي ما يمنع ذلك صريحا ، والله تعالى أعلم ، وسيأتي له إن شاء الله شواهد ومتابعات في كتاب النكاح ، وكلام العقيلي لا يؤثر في صحة هذا الحديث ، فإنه غيره .

44

باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا 33 - حدثنا عبد الله بن الجراح ، ثنا أبو الأحوص ، عن عبد الكريم ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي تأتزر في فور حيضها ، ثم يباشرها ، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يملك إربه . حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف ، ثنا عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا جرير ، عن منصور عن الشيباني جميعا عن عبد الرحمن بن الأسود ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا حاضت أمرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تأتزر بإزار ، ثم يباشرها . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم ، ولفظ محمد : كنت أغتسل ، أنا والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد ، كلانا جنب ، فكان يأمرني فأتزر ، فيباشرني وأنا حائض ، وكان يخرج رأسه ، وهو معتكف فأغسله وأنا حائض ، في لفظ : أن تتزر في فور حيضها ، ثم يباشرها ، وفي لفظ أبي داود : ثم يضاجعها ، ولما ذكره ابن عساكر أغفل ما صدر به ابن ماجه الباب ، وذكر السندين بعده ، وهو في جماعة من الأصول ، كما تراه ، والله تعالى أعلم ، ولما أخرج أبو عبد الله في مستدركه : وأيكم يملك إربه الحديث من حديث عثمان بن أبي شيبة ، نا جرير ، عن الشيباني ، عن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ؛ إنما أخرجا في الباب حديث منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ، ثم يضاجعها ، وما شعر أن مسلما روى هذا اللفظ من حديث علي بن مسهر ، أنبأ أبو إسحاق ، عن عبد الرحمن ، به سواء ، وفي كتاب ابن حزم عنها من طريق ضعيفة : كانت تنام مع النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وبينهما ثوب ، وفي لفظ عنها : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عما يحل للرجل من امرأته؟ قال : ما فوق الإزار ، ورواه أيضا في الأوسط من حديث قُرة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة قالت : طرقتني الحيضة ، وأنا مع النبي على فراشه فانسللت حتى وقعت بالأرض ، فقال : ما شأنك ؟ فأخبرته أني حضت ، فأمرني أن أشد علي إزاري إلى أنصاف فخذي وأن أرجع ، وفيه من حديث ابن أبي مليكة ، عن عبيد بن عمير عنها قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألته : ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض ؟ فقال : ما فوق السرة ، وقال : لم يروه عن ابن خيثم ، يعني عن ابن أبي مليكة ، إلا القاسم تفرد به مقدم بن محمد ، وفي كتاب الدارمي من حديث يزيد بن بابنوس عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوشّحني وأنا حائض ويصيب من رأسي وبيني وبينه ثوب ، وفي كتاب التمهيد من حديث ابن لهيعة أنّ قرط بن عوف سألها : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يضاجعك وأنت حائض ؟ قالت : نعم إذا شددت علي إزاري ، وذلك إذ لم يكن لنا إلا فراش واحد ، فلما رزقنا الله تعالى فراشين اعتزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم قال : لا يروى إلا من طريق ابن لهيعة ، وليس بحجة ، وفي الموطأ عن ربيعة : أن عائشة كانت مضطجعة مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثوب واحد ، وأنها وثبت وثبة شديدة ، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ما لك ؟ لعلك نفست الحديث قال ابن الحصار : هذا مقطوع لا نقدر على إسناده من حديث عائشة فيما علمت ، وفي لفظ للنسائي : تتزر بإزار واسع ، ثم يلتزم صدرها وثدييها ، وفي الأوسط : كنت أغطّي سفلي ، ثم يباشرني ، وقال : لم يروه عن نافع إلا ابن أرطأة ، ولا عن حجاج إلا عمرو بن أبي قيس وحفص بن غياث ، وفي حديث آخر يضاجعني وأنا حائض ، ثم نغتسل جميعا من إناء واحد ، وقال : لم يروه عن بحر السقاء إلا الحارث بن مسلم

45

35 - حدثنا الخليل بن عمرو ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ، عن معاوية بن حديج ، عن معاوية بن أبي سفيان ، عن أم حبيبة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : سألتها كيف كنت تصنعين مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحيض ؟ قالت : كانت إحدانا في فورها أوّل ما تحيض تشدّ عليها إزارا إلى أنصاف فخذيها ، ثم تضطجع مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هذا حديث إسناده صحيح ، وفي طريقه ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض ، الخليل كتب عنه جماعة منهم : أبو حاتم الرازي ، ومحمد بن هارون الفلاس ، وعلي بن إسحاق زاطيا ، وقاسم بن زكرياء . ومحمد بن سلمة حديثه في صحيح مسلم ، وسويد بن قيس تقدّم ذِكْرنا له ، وأن البستي وثقة . وفي الباب غير ما حديث ، من ذلك : حديث ميمونة : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن يباشر المرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض ، وقع لنا عاليا ، أنبأ به الإمام تاج الدين بن دقيق العيد ، أنبأ ابن الجميزي ، أنبأ السلفي ، أنبأ الثقفي ، ثنا ابن بالويه ، ثنا محمد بن يعقوب ، ثنا الحسن بن علي بن عفان ، نا أسباط بن محمد ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن شدّاد عنها ، وهو مخرج في الصحيح ، وفي كتاب النسائي من حديث ندبة ، عن مولاتها ميمونة ، وهي مرمية بالجهالة : إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين والركبتين تحتجز به ، ولما ذكر الحافظ ضياء الدين حديث ميمونة هذا في أحكامه أشار إلى أنّه عند أحمد ، وأبي داود ، والنسائي ، وكذلك المنذري وغفلا عمّا أسلفناه ، وحديث عمير مولى عمر بن الخطاب قال : جاء نفر من أهل العراق إلى عمر ، فقال لهم عمر : أبإذن جئتم ؟ قالوا : نعم قال : ما جاء بكم ؟ ! قالوا : جئنا نسأل عن ثلاث ، قال : وما هن ؟ قالوا : صلاة الرجل في بيته تطوعا ما هي ؟ وما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض ؟ ، وعن الغسل من الجنابة ؟ فقال : لقد سألتموني عن ثلاثة أشياء ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنهن ، أما الحائض : فما فوق الإزار ، وليس له ما تحته ، وذكر باقي الحديث ، وفي لفظ : لا يطلعن إلى ما تحته حتى تطهر ، رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده وهو ضعيف ، كذا قاله ابن حزم وهو غير صحيح؛ لأنه ممن وثقه العجلي ، وأبو حاتم البستي ، وصحح أبو عيسى له حديثا ، وخرّج له ابن الجارود في منتقاه من طريق ضعيفة ، ومن طريق أخرى منقطعة ضرب على ذلك ابن حزم . وحديث حكيم بن حزام ، عن عمه عبد الله بن سعد أنّه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : لك ما فوق الإزار ذكره أبو داود ، وأصله عند ابن ماجه . وحديث عكرمة ، عن بعض أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا ، رواه أبو داود بإسناد صحيح ، عن موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد ، عن أيوب عنه ، وحديث عبد الله بن عباس : إنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يباشر أم سلمة وعلى قبلها ثوب ، يعني وهي حائض ، أنبأ به المسند المعمر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف المصري ، أنبأ أم أحمد زينب الحرانية قراءة عليها وأنا أسمع ، أنبأ ابن طبرزد ، أنبأ أبو غالب البناء ، أنبأ أبو الغنائم بن المأمون ، أنبأ أبو القاسم بن حبابة ، أنبأ أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، ثنا هشام بن خالد ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة عنه ، وذكره ابن حزم من طريق عبد الرحيم بن سليمان ، عن محمد بن كريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أنه سئل عما يحل من المرأة الحائض لزوجها ؟ فقال : سمعنا ، والله أعلم إن كان قاله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو كذلك يحل له ما فوق الإزار ، ورده لعدم تحقيق ابن عباس إسناده ، وما أسلفناه يقضي عليه ، والله أعلم ، وحديث معاذ سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض ؟ فقال : ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أجل ، رواه أبو داود من حديث بقية ، عن سعد الأغطش ، وقال : ليس بالقوي ، وقال ابن حزم : هذا خبر لا يصح ؛ لأنه عن بقية ، وليس بالقوي عن الأغطش ، وهو مجهول ، ورواه أبو القاسم في الكبير من حديث إسماعيل بن عياش ، قال حدثني سعيد بن عبد الله الخزاعي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ به ، فخرجا من الإسناد ، وحديث كريب مولى ابن عباس قال سمعت أم المؤمنين تقول : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضطجع معي ، وأنا حائض وبيني وبينه ثوب ، ذكره ابن وهب في مسنده من حديث مخرمة ، عن أبيه عنه ، وحديث أبي ميسرة قال : قالت أم المؤمنين : كنت أتزر ، وأنا حائض ، ثم أدخل مع النبي عليه السلام في لحافه ، رواه الدارمي في مسنده بإسناد صحيح ، عن عبد الصمد ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق عنه ، وحديث زيد بن أسلم أنّ رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : لتشد عليها إزارها ، ثم شأنك بأعلاها ذكره مالك في الموطأ ، وقال أبو عمر في التمهيد : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث مسندا بهذا اللفظ ، ومعناه صحيح ثابت ، والله تعالى أعلم . قوله : أنفست بفتح النون ، يعني : حضت هكذا الرواية ، قال الهروي : نفست المرأة ، ونفست إذا ولدت ، ونفست بالفتح أيضا لا غير : حاضت ، وفي أفعال ابن طريف عكسه نفست المرأة بضم النون : إذا ولدت ، ونُفِسَتْ وَنَفِسَتْ بضم النون وفتحها : إذا حاضت ، وكذا حكاه ابن القوطية أيضا ، وحكى الزمخشري أن اللحياني قال في نوادره : نفست المرأة تنفس بكسر الماضي والمستقبل مثل حسب يحسب وأخواته ، وليس ذلك بمعروف ، قال أبو علي الفارسي في التذكرة : وأصله من التشقق والانصداع ، يقال : تنفست القوس : إذا تشققت ، وقال ابن درستويه في شرحه للفصيح : إنمّا سُمّي الدم نفسا لنفاسته في البدن ، وقوام الروح والبدن به ، وحكى ابن عديس أنّ الحائض يقال لها نفساء ، وبوّب البخاري على هذا : باب من سمّى النفاس حيضا ورد عليه ، وقيل : الصواب أن نقول : باب من سمّى الحيض نفاسا ، وكأنه أراد : حكم هذا هو كحكم هذا في منع الصلاة ، أو لاشتراكهما لغة كما تقدّم . قولها : فانسللت ، قيل : لأنها خافت وصول شيء من الدم إليه ، أو تقذرت نفسها ، ولم ترضها لمضاجعته عليه السلام ، أو خافت نزول الوحي وشغله بحركتها عمّا هو فيه ، فلهذا أخفت انسلالها . والإرب فيه لغات : قال الجوهري : إرب ، وإربة ، وأرب ، ومأربة ، وهي : الحاجة ، زاد القزاز والجمع : آراب ومآرب ، ومنه قول عائشة : كان أملككم لإربه أي لحاجته ، ولإربته ، وهي الحاجة أيضا ، زاد اللحياني في نوادره : والمأربة بفتح الراء وكسرها وضمها الحاجة . اختلف العلماء في مباشرة الحائض ، فأجاز مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي في أصح الأقوال ما فوق الإزار ، وهو قول ابن المسيب ، وسالم ، والقاسم ، وطاوس ، وشريح ، وقتادة ، وسليمان بن يسار ، والأوزاعي . وقال أحمد ، وإسحاق ، ومحمد بن الحسن ، وداود ، وأصبغ ، وبعض أصحاب الشافعي : يستمتع منها بما دون الفرج ، وهو قول ابن عباس ، والنخعي ، والشعبي ، والحسن ، وعكرمة ، والثوري تعلّقا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس الذي في الصحيح : اصنعوا كل شيء إلا النكاح . قال ابن حزم : وأما حديث عائشة : كنت إذا حضت نزلت عن المثال إلى الحصير ، فلم نقرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يدن مني حتى أطهر ، فخبر ساقط وقوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ، والمحيض في اللغة : قد يكون موضع الحيضة ، وهو الفرج ، وهذا فصيح معروف ، فتكون الآية حينئذ موافقة لخبر أنس ، وهذا هو الذي صح عمن جاء عنه في ذلك شيء من الصحابة ، قال مسروق : سألت عائشة : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قالت : كل شيء إلا الفرج ، وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ قال : اعتزلوا نكاح فروجهن ، وهو قول أم سلمة ، ومسروق ، عطاء ، وغيرهم ، وأما مؤاكلة الحائض ومضاجعتها وقبلتها ، فأمر مجمع عليه فيما حكاه محمد بن جرير في كتاب تهذيب الآثار إلا ما شهد به عبيدة السلماني .

46

34 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن بشر ، ثنا محمد بن عمرو ، ثنا أبو سلمة عن أم سلمة قالت : كنت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في لحافه فوجدت ما يجد النساء من الحيضة فانسللت من اللحاف ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنفست ؟ قلت : وجدت ما يجد النساء من الحيضة قال : ذاك ما كتب على بنات آدم ، قالت : فانسللت فأصلحت من شأني ، ثم رجعت ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعالي فادخلي معي في اللحاف ، قالت : فدخلت معه . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، وفي كتاب الدارمي زيادة ، وكانت هي والنبي يغتسلان من الإناء الواحد من الجنابة ، وكان يقبلها وهو صائم

47

باب الحائض تتناول الشيء من المسجد 30 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن البهي عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ناوليني الخمرة من المسجد ، فقلت : إني حائض ، فقال : ليست حيضتك في يدك . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه وخرّج أيضا حديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : يا عائشة ناوليني الخمرة الحديث ، وفي مسند أحمد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها الحديث ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث ثابت بن عبيد ، عن القاسم عنها أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ناوليني الخمرة . قال : ورواه البهي ، عن عائشة ، فقال : حديث ثابت ، عن القاسم أحب إلي ، وذلك أن البهي يدخل بينه وبين عائشة عروة ، وربما قال : حدّثتني عائشة

48

31 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، نا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدني رأسه ، وأنا حائض ، وهو مجاور ، تعني معتكفا ، فأغسله ، وأرجّله . هذا حديث خرجه الجماعة في كتبهم من حديث الزهري ، عن عروة .

49

32 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأ سفيان ، عن منصور بن صفية ، عن أمه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضع رأسه في حجري ، وأنا حائض ، ويقرأ القرآن . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، وفي الباب : حديث ميمونة بنت الحارث : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضع رأسه في حجر إحدانا ، فيتلو القرآن وهي حائض ، وتقوم إحدانا لخمرته إلى المسجد ، فتبسطها وهي حائض . رواه أبو عبد الرحمن من حديث سفيان ، عن منبوذ بن أبي سليمان ، ويقال : ابن سليمان الموثق عند ابن معين والبستي عن أمه ، وهي مجهولة الحال ، لم يرو عنها غير ابنها فيما أعلم . ولفظ أبي قرة السكسكي في سننه : ذكر ابن جريج في حديثه أخبرني منبوذ عن أمه أنها أخبرته عن ميمونة سمعتها تقول لابن عباس : أي بني ، وأين الحيضة من اليد كانت إحدانا الحديث . وحديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في المسجد ، فقال : يا عائشة ناوليني الثوب ، فقالت : إني حائض ، فقال : إن حيضتك ليست في يدك . ذكره في المحلى من حديث يحيى بن سعيد ، عن يزيد بن كيسان ، وأبي حازم عنه وصححه ، وحديث أم سلمة قالت : دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صرحة هذا المسجد ، فنادى بأعلى صوته : إنّ المسجد لا يحل لجنب ، ولا حائض . ذكره ابن ماجه بعد هذا في باب اجتناب الحائض المسجد ، فقال : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن يحيى ، ثنا أبو نعيم ، ثنا ابن أبي غنية ، عن أبي الخطاب الهجري ، عن محدوج الهذلي ، عن جسرة قالت : أخبرتني أم سلمة به ، وذكرته هنا اختصارا ، وهو حديث قال ابن أبي حاتم : سمعت أبا زرعة ، وذكره بلفظ : لا يصلح هذا لجنب ، ولا حائض ، إلا للنبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، وعلي وفاطمة . فقال : يقولون : عن جسرة ، عن أم سلمة ، والصحيح ، عن عائشة ، قال أبو محمد : وقد روى أفلت عن جسرة ، عن عائشة غير أنه لم يذكر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، وقال البخاري في تاريخه : محدوج ، عن جسرة فيه نظر ، وقال ابن حزم : أما محدوج فساقط ، يروي المعضلات عن جسرة ، وأبو الخطاب مجهول ، فسقط هذا الخبر ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن محمد بن يحيى ، ثنا معلى بن أسد ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا الأفلت بن خليفة ، حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت : سمعت عائشة تقول : جاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد ، فقال : وجهوا هذه البيوت عن المسجد ، ثم دخل النبي عليه السلام ، فلم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل فيهم رخصة ، فخرج إليهم ، فقال : وجهوا هذه البيوت عن المسجد ، فإني لا أحل المسجد لحائض ، ولا جنب . ولما رواه أبو داود قال : هو فليت العامري ، ورواه محمد في تاريخه الكبير ، عن موسى ، ثنا عبد الواحد ، عن فليت أبي حسان ، عن جسرة بزيادة : إلا لمحمد وآل محمد ، وقال يحيى بن سعيد : عن سفيان ، عن فليت العامري ، وقال ابن مهدي : عن سفيان ، عن فليت سمع جسرة ودهثمة ، وعند جسرة عجائب ، وقال عروة وعباد عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : سدوا الأبواب إلا باب أبيِ بكر . وهذا أصح ، وقال ابن حزم : أفلت غير مشهور ، ولا معروف بالثقة ، وفي موضع آخر : وحديثه - يعني هذا - باطل ، وقال أبو سليمان الخطابي : وضعفوا هذا الحديث ، فقالوا : فليت راويه مجهول ، ولا يصح الاحتجاج بحديثه ، وقال البغوي في شرح السنة : ضعف أحمد هذا الحديث ؛ لأن راويه أفلت ، وهو مجهول انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لرواية الثوري ، وعبد الواحد اللذين سبق ذكرهما عنه ، وقال الإمام أحمد : ما أرى به بأسا ، وهو معارض لما ذكره البغوي ، وقال أبو حاتم : شيخ ، وقال البرقاني : وقلت له يعني الدارقطني : فليت بن خليفة ، عن جسرة ، قال : من أهل الكوفة ، صالح ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات فهاتان الجهالتان الحال والعين قد زالتا ، ولله الحمد ، وقال أبو محمد الإشبيلي : وذكر حديث عائشة لا يثبت من قبل إسناده ، قال ابن القطّان : ما أراه عنى في تضعيفه هذا الحديث إلا أفلت ، وذكر بعض ما أسلفناه من تحسين حاله ، وجسرة وثّقها الكوفي ، فقال : تابعية ثقة ، وقول البخاري : ( عندها عجائب ) لا يكفي لمن يسقط بها ما روت ، ويجيء على نظر أبي محمد أن تكون مشهورة مقبولة لرواية اثنين عنها : فليت وقدامة بن عبد الله العامري الهذلي ، ولم أقل فيه : صحيح ، وإنما أقول : إنّه حسن ، وكلامه يعطي أنّه ضعيف ، فاعلمه انتهى . وزاد عبد الغني بن سرور في الرواة عنها محدوجا ، وذكرها ابن حبان في كتاب الثقات فهو إذا صحيح على شرطه أيضا ، والله تعالى أعلم . وأما قول البزار إثر حديث : إن تعذّبهم ، فإنهم عبادك . من حديث قدامة العامري ، عن جسرة ، عن عائشة لا نعلم حدّث عن جسرة غير قدامة فمردود بما قدّمناه ، ودجاجة بكسر الدال المهملة لا غير ، قاله ابن حبيب في كتاب أفعل من كذا ، والزمخشري في كتابه المستقصي في الأمثال ، بخلاف الطائر ، فإنه مثلث الدال ، حكاه اللبلي ، وحديث كثير بن زيد ، عن المطلب بن عبد الله أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لم يكن لأحد أن يجلس في المسجد ، ولا يمرّ فيه إذا كان جنبا . ذكره ابن حزم ، وضعّفه بمحمد بن الحسن بن زبالة وكثير بقوله : هما مذكوران بالكذب ، وليس كما زعم أبو محمد ؛ لأنّ كثيرا ممن وثّقه أبو زكريا يحيى بن معين في رواية ابن أبي خيثمة ، وفي رواية معاوية بن صالح عنه ، وخرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة له حديثا في صحيحه ، وكذلك الحاكم ، وقال محمد بن عبد الله بن عمار : هو ثقة ، وذكره البستي في الثقات ، وخرّج له حديثا في صحيحه ، وقال عبد الله بن أحمد ، عن أبيه : ما أرى به بأسا ، وقال أبو الحسن فيما نقله عنه أبو العرب : حجازي ثقة ، ولم أر أحدا رماه بكذب ، ولا شدد القول فيه ، والّذي رمي به قول أبي عبد الرحمن في تمييزه ، وذكره : هو ضعيف ، وقال أبو زرعة : ليّن ، وفي رواية عن ابن معين : ليس بشيء ، وفي رواية : ليس بذاك القوي ، وقال ابن جرير الطبري : هو عندهم لا يحتج بنقله ، وحديث أنس ابن مالك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سدوا هذه الأبواب ، فإني لا أحل المسجد الحديث ، وفيه : فقال بعض الناس : سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر ، فقال : إني رأيت على أبوابهم ظلمة ، وعلى باب أبي بكر نورا ، قال : فكانت الأخيرة أعظم عليهم من الأولى . ذكره ابن عدي من حديث كاتب الليث ، وهو منكر الحديث عنه ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس ، وقد جاءت أحاديث تعارض هذه : منها : حديث عائشة : أن سعدا رمي في أكحله ، فضرب له النبي - عليه السلام - خباء في المسجد ليعوده من قرب ، وإن دمه سال من جرحه حتى دخل خباء القوم . وحديثها عن وليدة كان لها في المسجد خباء ، أو حفش وهما في الصحيح ، وكذا حديث ابن عمر : كنت شابا عزبا ، وكنت أبيت في المسجد في عهد النبي عليه السلام ، وحديث عثمان بن أبي العاص : إنّ وفد ثقيف قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأنزلهم المسجد حتى يكون أرق لقلوبهم . خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، وكذا حديث جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا . إلا أن يكون عبدا ، أو أحدا من أهل الذمة ، وحديث عمرو بن دينار ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال عليه الصلاة والسلام : لا يمنع القائلة في المسجد مقيما ، ولا ضيفا . ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب المساجد من تأليفه ، وحديث : المؤمن لا ينجس ، وحديث : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا . وقد تقدم ذكرهما ، وذكر زيد بن أسلم : أن الصحابة كانوا يجنبون في المسجد ، ذكره ابن المنذر ، وعن عطاء بن يسار قال : رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوءهم للصلاة ، وعن جابر قال : كان يمر أحدنا في المسجد جنبا مجتازا ، ذكرهما سعيد بن منصور في سننه ، وحديث ثمامة بن أثال : وربطه مشركا في المسجد ، عند مسلم : وأنّ أهل الصفة كانوا يبيتون في المسجد ، ولا شك أنّ فيهم من يحتلم ، ولم يأت أنهم نهوا عن ذلك ، وفي المصنف : ثنا هشيم ، عن العوام : أنّ عليا كان يمِر في المسجد وهو جنب ، وعن أبي عبيدة : يمِر ، ولا يجلس فيه ، ثم قرأ : ولا جنبا إلا عابري سبيل ، وعن هشام : الجنب والحائض يمران في المسجد ، وقال بكر : قلت للحسن : تصيبني الجنابة ، فأستطرق المسجد ، وآخذ من قبل دار عبد الله بن عمر ؟ قال : بل استطرق إذا كان أقرب ، وفي الإشراف : ورخّص في المرور : ابن مسعود ، وابن عبّاس ، وابن المسيّب ، وابن جبير ، وهذا هو الملجئ لأهل الظاهر بأن جوّزوا لهما دخول المسجد ، وكذلك النفساء ، قال أبو محمد : لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك ، وأما الشافعي ، ومالك ، وأبو حنيفة : فمنعوهم مطلقا ، قال أبو حنيفة : فإن اضطروا إلى ذلك تيمموا ، ومروا ، وقال أحمد ، وإسحاق : الجنب إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد .

50

23 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا أبو أسامة وعبد الله بن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : لولا أن أشق على أمتي ، لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة . أخرجاه في الصحيح .

51

24 - حدثنا سفيان بن وكيع ، ثنا عثام بن علي ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ركعتين ركعتين ، ثم ينصرف فيستاك . رواه النسائي في الصلاة ، عن قتيبة ، عن عثام ، وبذلك صح إسناده ؛ لأن سفيان ضعيف ، ومنهم من اتهمه بالكذب ، وهو أبو زرعة الرازي . وقال البخاري : يتكلمون فيه لأشياء لقنوه إياها . وقال النسائي : ليس بشيء . وقال ابن حبان : قيل له في أشياء لقنها ، فلم يرجع عنها ، فاستحق الترك لإِصراره . وقال ابن عدي : كان إذا لقن يلقن ، وبنحوه قال أبو حاتم الرازي ، وعثام ممن احتج به في الصحيح ، ووصف مع ذلك بالثقة والصدق ، وزعم أبو القاسم ابن عساكر - رحمه الله - في كتاب الأطراف أنّ ابن ماجه خرّج هذا الحديث بهذا الإِسناد في كتاب السنة ، وتبعه على ذلك الحافظ المزي ، وما قدّمناه يقضي على قولهما وقد استظهرت النسخ من السنن ، فوجدته كذلك . وقال الحاكم عندما خرجه من حديث محمد بن حيان ، نا عثام : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وليس كما زعم لكونه على شرط البخاري وحده ؛ لتفرّده بعثمان فيما ذكره ابن سرور وغيره عندما رواه عن محمد بن عبد اللّه بن بزيغ ، نا عثام ، فذكره مختصرا ، وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن الأعمش إلَّا عثام بن علي ، وهو ثقة .

52

25 - حدّثنا هشام بن عمار ، نا محمد بن شعيب ، نا عثمان بن أبي العاتكة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم ، مرضاة للربِّ ، ما جاءني جبريل إلا وصاني بالسّواك ، حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي ، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم ، وإني لأستاك حتى إني لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي . هذا حديث إسناده معلل بأشياء منها : عثمان بن أبي العاتكة سليمان أبو حفص الأزدي الدمشقي القاص ، قال فيه ابن معين : ليس بشيء . وقال النسائي : ضعيف . وقال أبو أحمد الحاكم : وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، مع أن دحيما كان يثني عليه ، وينسبه إلى الصدق ، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد إلا من قبل علي . وقال أبو حاتم : لا بأس به ، بليته من كثرة روايته عن علي ، وأما ما روي عن غيره فمقارب . ومنها علي بن يزيد أبو عبد الملك الألهاني الدمشقي ، قال فيه البخاري : منكر الحديث . وقال أبو حاتم الرازي : ضعيف الحديث ، أحاديثه منكرة . وقال النسائي والأزدي والدارقطني : متروك . وقال يعقوب بن شيبة : واهي الحديث . وقال أحمد : هو ضعيف . ولما ذكره أبو مسهر قال : ما أعلم إلا خيرا ، وذكر أبو عبد اللّه في مستدركه حديثا من رواية يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة مرفوعا : إن أغبط الناس عندي لمؤمن خفيف الحاذ ، ثم قال : هذا إسناد للشاميين صحيح عندهم ، ولم يخرجاه - يعني الشيخين - وليس كما زعمه لما أسلفناه ، ولما قاله ابن حبان وغيره من أنّ هؤلاء إذا اجتمعوا في إسناد ، كان ذلك الحديث من عمل أيديهم ، وكأنه اعتمد على قول أبي مسهر في علي والبخاري في ابن زحر ، والله أعلم يقصد في هذا الكلام اثنان هما : عثمان بن أبي العاتكة ، و علي بن يزيد . ومنها القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن مولى خالد بن يزيد بن معاوية ، وهو إن قال فيه الكوفي : شامي تابعي ، يكتب حديثه وليس بالقويّ . وقال إبراهيم بن الجنيد ، عن ابن معين : هو ثقة إذا روى عن الثقات . وقال الحربي في كتاب العلل : من ثقات المسلمين ، توفي سنة ثنتي عشرة ومائة . وقال الجوزجاني في تاريخه : كان خيارا فاضلا . وقال الفسوي : ثقة . وسئل عنه أبو حاتم ، فقال : حديث الثقات عنه مستقيم ، لا بأس به ، وإنما ينكر عليه من قبل الضعفاء ، فقد قال فيه الإِمام أحمد بن حنبل : منكر الحديث ، حدث عنه علي بن يزيد بأعاجيب ، وما أراها إلا من قبله . وقال أبو حاتم البستي : كان يروي عن أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - المعضلات . وفي سؤالات الآجري عن أحمد بن صالح تضعيفه ، وفي الأوسط للبخاري : روى عنه المعلى وغيره أحاديث مقاربة ، وأما من يتكلم فيه مثل علي بن يزيد ونحوه ففي حديثه ثَمَّ مناكير واضطراب ، ومع ذلك ففي متنه أشياء لها أصول صحيحة وشواهد حسنة . أما قوله : السواك مطهرة للفم ، مرضاة للرب فهو حديث عائشة عند ابن خزيمة ، والحاكم ، وابن حبان ، وذكره البخاري تعليقا . وقال البغوي في شرح السنة : هذا حديث حسن ، وعند ابن حبان أيضا من حديث أبي هريرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم الحديث ، وعند القاضي أبي بكر أحمد بن علي المروزي في مسند أبي بكر الصديق من حديثه ، عن ابن أبي خيثمة ، نا يونس بن محمد ، نا حماد ، عن ابن أبي عتيق ، عن أبيه ، عن أبي بكر سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : السواك مطهرة للفم ، مرضاة للرب ، وسنده صحيح . وحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : عليكم بالسواك ؛ فإنه مطهرة للفم ، مرضاة للرب ، ذكره في طبقات الموصل من حديث ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن نافع عنه ، وقوله : ما جاءني جبريل - عليه السلام - إلا أوصاني بالسواك . شاهده عند ابن خزيمة في صحيحه ، عن عبد الله بن حنظلة : كان - عليه السلام - أمر بالوضوء لكل صلاة ؛ طاهرا كان أو غير طاهر ، فلما شق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالسواك عند كل صلاة . وقوله : لقد خشيت أن يفرض علي ، شاهده ما رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ، قال عليه السلام : لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه سينزل علي قرآن أو وحي . وعنده أيضا عن واثلة ، قال عليه السلام : أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي . وذكر أبو نعيم من جهة محمد بن مسلمة أن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن صهيب ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن حلحلة ، ورافع بن خديج ، قالا : قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : السواك واجب ، السواك واجب . وقوله : لفرضته شاهده حديث تمام بن عباس - رضي اللّه عنهما - قال - عليه السلام - : ما لي أراكم تأتون قلحا ، استاكوا ، لولا أن أشقَّ على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرض عليهم الوضوء . رواه أحمد ، وعلّله ابن القطان ، وفيما أعلَّه به نظر ، ولما رواه في الأفراد من حديث جعفر بن تمام بن عباس ، عن أبيه ، عن العباس قال : هذا حديث غريب من حديث الثوري ، عن منصور ، تفرد به أبو خالد عبد العزيز بن أبان عنه ، ولا نعلم حدّث به عنه غير الحسن بن مكرم ، وحديث أبي هريرة : لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرطهما [جميعًا ، وليس له علة ، وله شاهد بهذا اللفظ ، فذكر حديث تمام بن عباس بنحوه ، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن عمرو البجلي عن الحسن بن صالح ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سليمان بن صرد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : استاكوا ، وتنظفوا ، وقال : لم يروه عن الحسن إلا إسماعيل ، ولا يروى عن سليمان إلا بهذا الإسناد ، وحديث جعفر بن أبي طالب : كانوا يدخلون على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قلحًا ، فقال : استاكوا رواه الدارقطني] . وفي الكامل لابن عدي قال - عليه السلام - : لولا أن أشق على أمتي ، لجعلت السواك عليهم عزيمة . وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك لأبي عبد الله : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل صلاة . وفي الصحيح : لولا أن أشق على أمتي ، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة . وقوله : حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي ، شاهده حديث عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال - عليه السلام - : لقد أمرت بالسواك حتى خفت على أسناني ، قال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن عطاء إلا الحسين بن واقد ، وحديث جبير بن مطعم مرفوعا : لقد أمرت بالسواك ، حتى لقد خشيت أن يدردني ، من عند أبي نعيم ، وقد رُوي مرسلًا ، ورواه عن غير واحد من الصحابة ، وحديث عطاء عن عائشة قلت : يا رسول الله ، الرجل يذهب فوه ، يستاك ؟ قال : نعم ، قلت : كيف يصنع؟ قال : يدخل أصبعه في فيه . قال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن عطاء إلا عيسى بن عبد الله الأنصاري ، تفرد به الوليد بن مسلم ، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد ، فقد ظهر لك بمجموع ما ذكر صحة المتن ، وعرفان مخرجه ، وضعف الإِسناد ، والله أعلم .

53

26 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا شريك ، عن المقدام بن شريح بن هانئ ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قلت : أخبريني بأي شيء كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدأ إذا دخل عليك ؟ قالت : كان إذا دخل يبدأ بالسواك رواه مسلم في صحيحه ، وذكر أبو عبد الله ابن منده الإِجماع على صحته ، وفيما قاله نظر لأمرين : الأول : إن أراد إجماع أهل العلم قاطبة فمتعذر ، وإن أراد إجماع الأئمة المتعاصرين أصحاب الليث - وهو الأشبه بمصطلحه ؛ لأنه بيّن في غير موضع أنه يريد ذلك - فغير صواب أيضا ؛ لأنه لم يخرجه أحد منهم زيادة على من ذكرناه غير النسائي ، والسجستاني في رواية ابن داسة فقط ، فأي إجماع مع مخالفة البخاري والترمذي ؟! وعند ابن خزيمة وأبي عوانة ، وسيأتي له تتمة عند أحمد - رحمه الله تعالى - إذا دخل بيته .

54

27 - حدثنا محمد بن عبد العزيز ، نا مسلم بن إبراهيم ، نا بحر بن كنيز ، عن عثمان بن ساج ، عن سعيد بن جبير ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : إن أفواهكم طرق القرآن ؛ فطيبوها بالسواك . هذا أثر إسناده ضعيف ؛ لضعف بحر راويه مولى باهلة السقاء ، قال فيه يزيد بن زريع : لا شيء . وقال يحيى : ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه ، كل الناس أحب إلي منه . وقال النسائي وابن الجنيد والدارقطني : ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه . وقال الحربي في العلل : ضعيف . وفي كتاب الآجري : سئل أبو داود عنه ، فقال : ضعيف ، وسئل عنه مرة أخرى وعن عمران ، فقال : عمران فوق بحر ، بحر متروك . وقال أبو حاتم : ضعيف . وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم . وقال ابن سعد : مات سنة ستين ومائة ، وكان ضعيفا . وقال البخاري في التاريخ : ليس عندهم بقوي . الثاني : الجهالة بحال عثمان ، وإن كان ابن أبي حاتم قد وصفه بالرواية عن خصيف ، وبرواية المعتمر بن سليمان ، ومحمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عنه ، ووصفه البخاري بأنه من الجزيرة ، فلم أر أحدا تعرّض للمعرفة بحاله ، وهو وبحر مما يستدرك ذكرهما على ابن سرور ، وكذلك يستدرك الحديث على ابن عساكر . وزعم بعض المتأخرين أنّ عثمان بن ساج هذا هو عثمان بن عمرو بن ساج ، نسبه إلى جدّه أخذا من طبقات الجزريين لأبي عروبة ، وما علم أن أبا محمد بن أبي حاتم فرّق بينهما ، ولا نعدل عن كلامه إلا ببيان واضح . الثالث : محمد بن عبد العزيز أيضا لا يُدرى من هو ؛ لأنَّ ابن سرور ذكر فيمن روى عنه ابن ماجه اثنين ، يقال لكل منهما : محمد بن عبد العزيز . الأول : المعروف بابن أبي رزمة ، والثاني : لم يصفه برواية ابن ماجه عنه ، فاللّه أعلم أيهما هذا ، فإن كان ابن أبي رزمة وما إخاله ، فهو مشهور بالثقة ، وإن كان الآخر فهو مجهول ، وبنحو ما ذكرهما به ذكره الشيخ جمال الدين ، ولم يذكر أحدا منهما برواية عن مسلم بن إبراهيم ، وكذلك الخطيب في تاريخه على كثرة تعدادهما للمشائخ . الرابع : انقطاع ما بين سعيد وعلي ؛ فإن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب المراسيل : سئل أبو زرعة ، عن سعيد بن جبير عن علي ، فقال : مرسل ، وفي التاريخ الأوسط : عن أبي معشر ، عن سعيد بن جبير قال : رأيت عقبة بن عمرو ، ثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث نحوه ، ثنا يحيى قال : مات أبو مسعود أيام علي ، ولا أحسبه حفظ ؛ لأن سعيد بن جبير لم يدرك أيام علي . انتهى . وقول البخاري : ولا أحسبه حفظ ؛ يعني وفاة أبي مسعود ؛ لأنه هو صرح في ذلك بسماع سعيد منه ، ويكون مولد سعيد على ما ذكره هو وغيره بعد موت علي - رضي اللّه عنه - بست سنين ؛ لأنه قتل سنة خمس وتسعين ، وهو ابن تسع وأربعين ، واللّه أعلم . وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعا من طريق سالمة من المذكورين ، أنا بهذا المعمر أبو التقى صالح بن مختار - رحمه اللّه تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا المسند أبو العباس بن عبد الدائم بقراءة والدي عليه ، أنا أبو الفرج يحيى بن محمود الثقفي قراءة عليه ، أنا أبو القاسم الجوزي ، أنا أبو الحسين ، أنا الربيع ، نا عمر بن نعيم وكيل المتقي من أصل سماعه ، نا حمدون بن الحارث بن ميمون المقري ، نا العباس بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي ، نا شعبة ، عن الحسن بن عبيد اللّه ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إن العبد إذا قام يصلي وقد تسوك ، أتاه الملك فقام خلفه ، ولا يخرج منه شيء إلا دخل جوف الملك ، فطهروا أفواهكم بالسواك . أخبرنا المسند المعمر أبو زكريا يحيى المقدسي - رحمه اللّه - عن العلامة ابن بنت الحميري ، أنا شهدة ، أنا أبو عبد اللّه الحسين بن طلحة ، أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله ، نا القاضي أبو عبد اللّه الحسين بن إسماعيل ، نا عبيد الله بن سعد الزهري ، نا عمي ، نا أبي ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن سالم بن عبد اللّه ، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة ، أنها حدثته أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضؤون . وروى مجالد ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن جعفر ، قال - عليه السلام - : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليغسل يده من الغمر ، ما قام عبد إلى الصلاة قط إلا التقم ملك فاه ، فلا يخرج من فيه آية إلا في فم الملك . ذكره التقي يحيى بن أبي الرضا في كتاب نصرة الصحاح من تأليفه . وفي مجموع الرغائب لابن عساكر ، عن أبي هريرة : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أسوكتهم خلف آذانهم يستنون لكل صلاة . [وروى السواك والتسوك جماعة من الصحابة ، منهم : عامر بن ربيعة عند أبي داود ، وابن مسعود في مسند الموصلي ، وبهز وربيعة ذكرهما الطبراني ، إلا ربيعة بن أكثم ، ذكره أبو عمر ، ومليح بن عبد الله في تاريخ ابن أبي خيثمة ، وجبير بن مطعم ، وسعد ، وعباس بن عبد المطلب عند أبي نعيم الحافظ ، ورزين عند الكجي ، وسليمان بن صرد في الأوسط لأبي القاسم ، وعبد الله بن جراد عند أبي نعيم ، وابن حلحلة ، ورافع بن خديج عند أبي نعيم ، وأبي بن سهل بن سعد ، وجابر ، وأبو هريرة ، وابن محيريز ، وأسامة ، وأُبي ، ومثل ذلك أنس وأبو سعيد الخدري في علل الرازي ، ومعاذ بن جبل في المعجم الأوسط ، وكثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ، وأبو خيرة الصباحي في تاريخ البخاري ، وابن أبي ليلى عن أصحاب محمد عند أبي نعيم رضي الله عنهم أجمعين] . السواك والمسواك : ما يدلك به الأسنان من العيدان . قال القزاز : استعمل منه سكت الشيء ، أسوكه سوكا ، إذا دلكته ، ومنه اشتقاق السواك ، تقول : ساك فمه ، يسوكه سوكا ، إذا دلكه بالمسواك ، فإذا قلت : استاك ؛ لم يذكر الفم ، والمسواك يذكر ويؤنث ، والتذكير أكثر ، وهو نفس العود الذي يستاك به ، وأصله الشيء الضعيف ، يقال : جاءت الغنم والإِبل تستاك هزالا ، أي ما تحرك رؤوسها ، وقد تساوكت الإبل وغيرها : أصابها الهزال ، قال عبيد الله بن الحر الجعفي : إلى الله أشكو ما أرى بجيادنا تساوك هزلى مخهن قليل والسواك : مشي الجائع ، وفي الصحاح : ويجمع على سوك ، مثل كتاب وكتب ، قال الشاعر : أغر الثنايا أحمر اللثاث تمنحه سوك الإسحل وشرع السواك لتعظيم شأن العبادة وشأن المناجى ؛ ليكون على كمال من الطهارة والنظافة ؛ لأنه مزيل للقلح ، مضعف للأجر ، مطيب للنكهة ، مسكن للصداع ، مذهب لوجع الأضراس ، يزيد صاحبه فصاحة ، مذهب البلغم ، مجلٍّ للبصر . جاء ذلك في آثار مرسلة ذكرها أبو نعيم والطبراني . ومذهب الجمهور عدم وجوبه للصلاة ، خلافا لإسحاق وداود إذ أوجباه ، وبالغ إسحاق فأبطل الصلاة بتعمد تركه . قال أبو عمر : فضل السواك مجمع عليه ، لا اختلاف فيه ، والصلاة عند الجميع بسواك أفضل منها بغير سواك ، حتى قال الأوزاعي : هو شطر الوضوء . ويتأكد عند إرادة الصلاة ، وعند الوضوء ، وقراءة القرآن ، والاستيقاظ من النوم ، وعند تغيّر الفم ، ويستحب بين كل ركعتين من صلاة الليل ، ويوم الجمعة ، وقبل النوم ، وبعد الوتر ، وعند الأكل ، وفي السحر . والأولى الاستياك بالأراك والبشام ، والزيتون ؛ لمجيئه في حديث معاذ مرفوعا : نعم السواك الزيتون ، من شجرة مباركة ، يطيب الفم ، ويذهب الحفر ، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي . ذكره الطبراني في الأوسط من حديث إبراهيم بن أبي عبلة ، عن عبد الله بن الديلمي ، عن عبد الرحمن بن غنم عنه ، وقال : لم يروه عن إبراهيم إلا ابن محصن ، ثم بكل ما يجلو الأسنان ؛ إذا لم يكن فيه صبغ ولون ، خلا الريحان والقصب ، واستضعف ابن العربي الأول ، وقاسه على الكحل ، وحمل بعض الحنفية السواك للصلاة على صلاة المتيمم ، أو من لم يجد ماء ولا ترابا حتى لا يخلو المصلي من سواك ، إن لم يكن عند الوضوء فعند الصلاة ؛ جمعا بين الأحاديث ، أو يحمل على ما في حديث يوسف السمتي ، عن الأعمش ، عن أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستاك بفضل وضوئه . وحمل بعض العلماء : يشوص على دلك السن بالأصابع وهو في حديث ضعفه البيهقي ، عن أنس مرفوعا : يجزئ من السواك الأصابع ، وفي حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال - عليه السلام - : الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك . قال أبو القاسم في كتابه الأوسط : لم يروه عن كثير إلا أبو غزية محمد بن موسى ، تفرد به هارون بن موسى الفروي ؛ دلالة على ذلك أيضا . وبعضهم يزعم أنّه الدلك عرضا ، وقال بعضهم : هو الغسل . وقيل : التنقية ، قاله أبو عبيد . وقيل : هو الحك ، قاله ابن عبد البر . ويستحب الاستياك طولا ؛ لحديث أبي موسى عند أحمد : دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يستاك ، وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق . قال حماد : ووصفه لنا غيلان كأنه يستن طولا . وحديث بهز وربيعة بن أكثم وعطاء بن أبي رباح : كان - عليه السلام - يستاك عرضا ، ضعَّفها البيهقي . وحديث عائشة مرفوعا : كان يستاك عرضا ولا يستاك طولا ذكره أبو نعيم وهو ضعيف . وزعم بعضهم أنه ليس بين حديث أبي موسى وما ذكرناه تعارض ، فإن حديث أبي موسى يدل على أن تسوك اللسان والحلق طولا ، وحديث بهز ومن تابعه في الأسنان عرضا . وفي قوله - عليه السلام -: لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة يقتضي جواز الاستياك للصائم ؛ أخذا بعموم اللفظ ، يوضحه حديث عامر بن ربيعة : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم ، قال فيه الترمذي : حسن . وحديث عائشة يرفعه : من خير خصال الصائم السواك ، وحديث أنس : لا بأس بالسواك للصائم ، وحديث ابن عمر : كان - عليه السلام - يستاك آخر النهار وهو صائم ، ذكره ابن طاهر في التذكرة ، وضعفه على معارضة غيرهم لهم في ذلك ، وسيأتي في موضعه ، إن شاء اللّه تعالى . وما قدمناه أحسن دلالة ممن قال ذلك يؤخذ من قول عائشة : بأي شيء كان - عليه السلام - يبدأ إذا دخل عليك بيتك ؟ قالت : بالسواك ؛ لأن الحديث إنما جاء في دخوله البيت ليلا ، فلا حجة فيه ، بيانه : رواية شريح قلت لعائشة : بأي شيء كان يبدأ - عليه السلام - إذا دخل عليك بيتك ؟ قالت : يبدأ بالسواك ، ويختم بركعتي الفجر ، ذكره الإِمام أبو حاتم في صحيحه .

55

باب السواك 22 - ثنا محمد بن عبد اللّه بن نمير ، نا أبو معاوية وأبي ، عن الأعمش ( ح ) ، وثنا علي بن محمد ، نا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور وحصين ، عن أبي وائل ، عن حذيفة قال : كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يتهجد يشوص فاه بالسواك . أخرجاه في صحيحيهما .

56

باب الحائِض لا تقضي الصلاة 29 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا علي بن مسهر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة : أن امرأة سألتها : أتقضي الحائض الصلاة ؟ قالت لها عائشة : أحرورية أنت ؟ قد كنا نحيض عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم نطهر ، ولم يأمرنا بقضاء الصلاة . هذا حديث اجتمع على تخريجه الأئمة الستة بلفظ : فكنا نؤمر بقضاء الصوم ، ولم نؤمر بقضاء الصلاة ، وفي كتاب البخاري : ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا همام ، ثنا قتادة قال : حدثتني معاذة ، فهذا يوضح لك صحة سماع قتادة من معاذة ، خلافا لمن أنكره ، وهو شعبة ، وأحمد ، وابن معين كما أسلفناه قبل ، وفي صحيح مسلم ما يوضح أنّ السائلة هي معاذة نفسها ، وفي الباب : حديث أبي سعيد الخدري المذكور في الصحيحين مرفوعا ، وفيه : أليس إذا حاضت لم تصل ، ولم تصم ؟ قلنا : بلى ، قال : فذاك من نقصان دينها . وحديث ابن عمر مرفوعا من عند مسلم بنحوه ، وفيه : وتمكث الليالي لا تصلي ، وفي لفظ : في رمضان ، وحديث أبي هريرة من عند أبي عيسى مرفوعا : ( تمكث الثلاثة والأربع لا تصلي ) ، وقال فيه : حسن صحيح غريب . قولها : أحرورية أنت ؟ تعني : الخوارج ، ويسمون : الشراة ، والمحكمة ، والمارقة ، قال الإمام أبو محمد الحسن بن أحمد بن إسحاق التستري في كتابه افتراق الأمة : وهي ترضى بجميع هذه الألقاب إلا بالمارقة ، فإنها تأباه ، وهم الذين خرجوا على علي - رضي الله عنه - بحروراء ممدودة ، وحكى بعضهم القصر أيضا بعد مناظرة ابن عباس إيّاهم ورجوع ألفين ، فقال : على ما نسميكم ؟ قال : أنتم الحرورية لاجتماعكم بحرورى . قال أبو العباس في الكامل : والنسبة إلى مثل حروراء حروراوي فاعلم ، وكذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة ، ولكنه ينسب إلى البلد بحذف الزوائد ، فقيل : الحروري ، قال الصلتان العبدي - يعني فيها : أرى أمه شهرت سيفها وقد زيد في سوطها الأصبحي بنجدية وحرورية وأزرق يدعو إلى أزرقي فملتنا أننا مسلمون على دين صديقنا والنبي وذكر الشهرستاني أنهم كانوا بحروراء من ناحية الكوفة ، ورأسهم عبد الله بن الكواء ، وعتاب بن الأعور ، وعبد الله بن وهب الراسبي وعروة بن جرير ، ويزيد بن عاصم ، وحرقوص بن زهير البجلي ، وكذا ذكر جماعة من العلماء : أنّ حروراء قرب الكوفة منهم : أبو الحسن المدائني في كتاب أخبار الخوارج ، وأبو جعفر الطبري ، وابن أعثم في كتاب الفتوح تأليفه ، وأبو محمد الرشاطي ، وابن أبي حازم ، وابن الخراز ، وزاد السمعاني : على ميلين من الكوفة ، وأما ما ذكره الإمام جمال الإسلام أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني في كتاب الفرق بين الفرق من أنّ حروراء موضع بالشّام ، فيشبه أن يكون وهما ، لما أسلفنا من كلام الأئمة ، ولتفرده فيما أعلم بهذا القول ؛ ولأنّ عليا إنّما كان بالكوفة ، وقتالهم له كان هناك ، ولم يأت أنّه قاتلهم بالشام ؛ ولا أنهم بعدوا عنه ، إنّما كان يرسل إليهم رجلا بعد آخر ، فيناظرهم على شبهتهم ، والله أعلم . وأمّا قول الشهرستاني : إن رأسهم كان ابن الكواء وعتاب فهو غير صواب ، لما ذكره من أسلفنا قوله : كان رئيسهم ابن الكواء وحرقوص ، وإنما الذين عددهم كانوا رؤوسا في قومهم كبارا ، قال الشهرستاني : وكبار فرقهم ستة الأزارقة ، والصفرية ، والنجدات ، والعجاردة ، والإباضية ، والثعالبة ، والباقون فروع وهم : البيهسية ، الصلتيّة ، والميمونية ، والحمزية ، والخلفية ، والأطرافيّة ، والشّعيبية ، والخازمية ، والأخنسية ، والمعبدية ، والرشيدية ، والشيبانية ، والمكرمية ، والمعلومية ، والحفصية ، والحارثية ، واليزيدية ، والزيادية ، ويجمعهم القول ، بالتبرئ من عثمان ، وعلي ، ويقدمون ذلك على كل طاعة ، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك ، ويكفرون أصحاب الكبائر ، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة ، وجوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا ، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا ، أو حرا ، أو نبطيا ، أو قرشيا ، وحكى القرطبي أنهم يرون على الحائض قضاء الصلاة إذ لم تسقط عنها في كتاب الله تعالى على أصلهم في ردّ السنة ، على خلاف بينهم في هذه المسألة ، وقد أجمع المسلمون على خلافهم ، وأنه لا صلاة تلزمها ، ولا قضاء عليها ، وقيل : إنّ عائشة إنما قالت لها ذلك لمخالفتهم السنة ، وخروجهم عن الجماعة ، فخافت عليها عائشة ، فقالت لها ذلك ؛ لأنّ السنّة بخلاف ما سألت ، وحكي عن سمرة أّنه كان يأمر أهله بقضاء الصلاة في الحيض ، فأنكرت عليه أم سلمة ، وذكر النووي رحمه الله أنّها لا تقضي في زمن الحيض شيئا إلا ركعتي الطواف .

57

باب ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب 26 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا يحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي قالا : ثنا سفيان ، عن ثابت بن هرمز أبي المقدام ، عن عدي بن دينار ، عن أم قيس بنت محصن قالت : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن دم الحيض يصيب الثوب ؟ قال : اغسليه بماء وسدر وحكيه ولو بضلع . هذا حديث خرجه ابن خزيمة عن بندار ، وأبو حاتم في صحيحه ، عن محمد ابن عمر الهمداني عنه ، وقال : قوله عليه السلام : اغسليه بالماء أمر فرض ، وذكر السدر والحك بالضلع أمر ندب وإرشاد ، وقال أبو الحسن ابن القطان : وهو حديث في غاية الصحة ، وعاب على أبي مُحمد قوله : الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر ، قال : وهو قد يفهم منه أنّ حديث أم قيس هذا يروى على وجهين : أحدهما : فيه ذكر الضلع والسدر . والآخر : لا يذكر ذلك فيه ، وهي الطرق الصحيحة ، والوجه الآخر : أنّ الأحاديث الصحاح من غير روايتها ليس فيها ذلك ، فلو كان الأول كان متسسما للحديث بالاضطراب وترجيح إحدى روايتيه على الأخرى ، وإذ كان الوجه الثاني فذلك لا يكون تضعيفا له إذا صح من طريقه ، فاعلم الآن أنه إنما يعني هذا الوجه ، أعني : أنّ غيره من الأحاديث كحديث أسماء ليس فيه ذلك ، وحديث أم قيس المذكور مستتب اللفظ صحيح الإسناد ، ولا أعلم له علّة ، والعجب أنه أورد قبله حديث ابن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر ، وهو عين ما أنكر عليه زوجها هشام ، فلم يقل أبو محمد فيه شيئا ، بل سكت عنه ، ثم ذكر هذا بعده ، وهو أحق بأن يصحح ، فلم يباله ، وقال فيه : ما ذكرناه ، والله أعلم ، ولما ذكره عبد الحق في الكبير أتبعه : عدي لا أعلم روى عنه إلا ثابت ، وقد وثقة النسائي ، فكان يلزم أبا الحسن ألا يصححه كما فعل في حديث عمرو بن بجدان ونظائره لكونهم لم يرو عنهم إلا واحد ، وإن كان قد وثّق كما سبق ، والله أعلم ، ولفظ العسكري في كتاب الصحابة حكيه بضلع وأتبعيه ماء وسدرا ، وفي لفظ : قال عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - الحك مثل الغسل

58

28 - حدثنا حرملة بن يحيى ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها قالت : إن كانت إحدانا لتحيض ، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله ، وتنضح على سائره ، ثم تصلي فيه . هذا حديث تفرد به ابن ماجه موقوفا ، وإسناده صحيح ، وفي الصحيحين : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه ، فإن أصابه شيء من دم بلّته بريقها ، ثم قصعته بظفرها ، وفي كتاب أبي داود بسند فيه ضعف : تغسله ، فإن لم يذهب أثره فلتقرصه بشيء من صفرة ، قالت : كنت أحيض عند النبي ثلاث حيضات جميعا لا أغسل لي ثوبا . ورواه الدارمي في مسنده بسند جيّد ، وفي لفظ لأبي داود : أخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكساء فلبسه ، ثم خرج يصلي الغداة ، ثم جلس : فقال رجل : يا رسول اللّه هذه لمعة من الدم ، فقبض إلى ما يليها فبعث بها إلي مصرورة في يد الغلام ، فقال : اغسلي هذه ، ثم أجفّيها ، ثم أرسلي بها لي ، ففعلت : فجاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصف النهار وهي عليه . وحديث أبي هريرة : أنّ خولة بنت يسار أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله : ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه ، قال : فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ، ثم صلى فيه ، قالت يا رسول الله : إن لم يخرج أثره ؟ قال : يكفيك الماء ، ولا يضرك أثره . رواه الإمام أحمد ، وفي تاريخ ابن أبي خيثمة الأوسط : ثنا أبو داود ، ثنا علي بن ثابت ، عن الوازع بن نافع ، عن أبي سلمة ، عن خولة بنت يسار قالت : قلت : يا رسول الله الحديث ، جعله من مسندها ، وفي كتاب الطبراني ، عن الحسين بن إسحاق ، عن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا علي بن ثابت الجزري ، عن الوازع ، عن أبي سلمة ، عن خولة بنت حكيم ، فذكره ، والله أعلم ، والوازع تركه جماعة منهم النسائي ، وحديث امرأة من غفار قالت : أردفني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حقيبة رحله ، قالت : فوالله لنزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الصبح فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله ، وإذا بها دم مني ، وكانت أول حيضة حضتها ، قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت ، فلما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما بي ورأى الدم قال : ما لك لعلك نفست ، قلت : نعم . قال : فأصلحي من نفسك ، ثم خذي إناء من ماء ، واطرحي فيه ملحا ، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ، ثم عودي لمركبك . قالت : فلما فتح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر ، رضخ لنا من الفيء ، قالت : وكانت لا تطهر إلا جعلت في طهورها ملحًا ، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت . أنبأ به أبو الحسن بن الصلاح رحمه اللّه تعالى بقراءتي عليه ، ثنا الحافظ أبو علي البكري ، أنبأ أبو عبيد الله محمد بن محمد بن محمد بن غانم ، أنبأ الشيوخ أبو طاهر روح ، وأبو الفضل عباس ، أنبأ أبو الرجاء الراراني ، وأبو سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ ، قالوا : أنبأ الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده - رحمه الله تعالى - بجميع كتاب المردفين ، قال : أنبأ أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد السيرافي ، ثنا القاضي أبو عبد الله أحمد بن إسحاق بن خربان النهاوندي ، ثنا محمد بن عبد الرزاق ، نا سليمان ، ثنا محمد بن عمرو الرازي ، ثنا سلمة - يعني ابن فضيل - ثنا محمد يعني ابن إسحاق ، عن سليمان بن سحيم ، عن آمنة ابنة أبي الصلت عنها ، قال ابن منده : وأنبأ محمد بن أحمد بن عبد الرحيم ، أنبأ عبد الله بن محمد المقري ، ثنا ابن أبي عاصم ، ثنا أحمد بن محمد بن نيزك ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا أبي ، ثنا ابن إسحاق ، عن سليمان بن سحيم ، عن آمنة بنت أبي الصلت الغفارية قالت : أتيت النبي عليه السلام في نسوة من بني غفار فقلنا : يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا ، وهو يسير إلى خيبر . فنداوي الجرحى ونعين المسلمين ما استطعنا ، فقال : على بركة الله فخرجنا معه ، وكنت جارية حديثة السن ، فأردفني عليه السلام على حقيبة راحلته الخامس : ترك إعلاله بدخول أم علي بين سليمان ، وأمه ، إذ هي مجهولة العين والحال ، وأظنّه إنما ترك ذاك لكونه جاء على لسان ابن أبي سبرة ، وهو ممن لا يعتمد على قوله ، ولو كان ثقة لكان إعلاله الحديث بهذه العلّة حسنا ، وليس لقائل أن يقول : سليمان ثقة مجمع عليه ، وروى عن أمه ، وليس مدلسا ، فلا اعتبار بمن أدخل بينهما راويا ، لاحتمال أن تكون ماتت وهو صغير كما جرى لأبي عبيدة بن عبد الله وغيره ، أو يكون سمع منها ، ولم يسمع هذا بعينه ، فسمعه عنها ، هذا إذا صرّح بالسماع منها ، وهنا فلم يصرح به ، والله أعلم . السادس : قوله : إنّ الغفارية صاحبة القصة ، وقد قدمنا عن ابن منده أنها هي صاحبتها لا غيرها ، وهذا كلّه مشيا على مذهبه ، وما استلزمه ، وإلا فنحن في غنية عن هذا جميعه ؛ لأنّ من كان مذكورا في كتب الصحابة كفينا مؤنته ، سواء شهد له التابعي بالصحبة ، أو لم يشهد له ، وسواء روى عنه واحد ، أو أكثر ، هذا هو المعمول عليه والجادة ، وأما إعراض المنذري عن كلّ من تقدّم ذكره وتضعيفه الحديث بمحمد بن إسحاق فغير حسن ؛ لأنه ممن لا يضعف به الأحاديث ، لا سيّما هو ، فإنه فعل ذلك في غير ما حديث ، صححه أو سكت عنه ، وهو من روايته ، وأحيانا ينبّه عليه ، فما أدري ما يوجب ذلك ؟ وليس لقائل أن يقول : لعله يصححه بما عضده من متابعات وشواهد ؛ لأنّه لم يقل ذلك ، ولو قاله ما قبل منه ، إلا بابرازه ذكر ذلك ، لكيما يعلم هل المتابع أهل لذلك أم لا ؟ هذا هو الاصطلاح ، ولسنا من تحسين الظن ، أو التخرص في إيراد ، ولا صدر ، والله تعالى أعلم ، وحديث الحسن ، عن أبيه ، عن أم سلمة : إنّ إحداهن تسبقها القطرة من الدم ، فإذا أصاب إحداكن ذلك فلتقصعه بريقها . رواه الدارمي من حديث أبي بكر الهذلي ، وهو ضعيف ، وفي الأوسط لأبي القاسم من حديثه ، عن أحمد بن زهير ، ثنا علي بن إشكاب ، ثنا محمد بن ربيعة الكلابي ، ثنا المنهال بن خليفة ، عن خالد بن سلمة ، عن مجاهد عنها قالت : كانت إحدانا تحيض في الثوب ، فإذا كان يوم طهرها غسلت ما أصابه ، ثم صلت فيه ، وإن إحداكن اليوم تفرغ خادمها لغسل ثوبها يوم طهرها . لم يروه عن مجاهد إلا خالد ، تفرد به المنهال . ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن أحمد بن أبي سريج الرازي ، أنبأ أبو أحمد ، ثنا المنهال بلفظ ، وقيل لها : كيف كنتن تصنعن بثيابكن إذا طمثتن على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إنّا كنا لنطمث في ثيابنا ، أو في دروعنا ، فما نغسل منه إلا أثر ما أصابه الدم الحديث . غريبه ، قوله : ( بضلع ) بضاد معجمة ، قال ابن الأعرابي : الضلع العود ها هنا ، وقال الأزهري : الأصل فيه ضلع الجنب ، ويقال للعود الذي فيه عرض واعوجاج : ضلع شبيها بالضلع ، وفي ديوان الأدب ، في باب فعل بكسر بالفاء ، وفتح العين : الضلع : واحد الأضلاع ، والضلع أيضا : الجبيل المنفرد ، وأبى ابن سيده ، فقال : هو الجبيل الصغير الذي ليس بالطويل ، وقيل : هو جبل مستدق طويل ، وقيل : هو الجبل مستدق ومنقاد ، وأما قول القشيري في روايتنا : يخطئ من جهة ابن حيوة ، عن النسائي بصلع الصاد المهملة ، وفي الحاشية : الصلع بالصاد المهملة - المجرد وقع في مواضع بضاد معجمة ، ولعلّه تصحيف ؛ لأنه لا معنى يقتضي تخصيص الضلع ، وأما الحجر فيحتمل أن يحمل ذكره على غلبة الوجود ، واستعماله في الحك ، فيشبه أن يكون وهما ، انتهى ، وما ذكرنا قبل يوضح ذلك ، ويبين أنّه غير مصحف ، والتصحيف وجده بخط غير معروف ، ولعلّه إن صحّ كون الصلع بضم الصاد المهملة ، وذلك أنّ أبا نصر حكى في صحاحه : والصلاع بالضم والتشديد : العريض من الصخر ، الواحدة : صلاعة ، وكذلك الصلع ، لأنه مقصور منه ، وقال الأصمعي : الصلع الذي لا ينبت ، وأصله من صلع الرأس ، وكذا ذكره ابن سيده في محكمه ، وفي الجامع : والصلع : الحجر ، والذي في الحديث وقاع بصلع ، قيل : هو الحجر ، وقيل : هو الأرض التي لا تنبت ، فتبيّن أن الموقع للكاتب ما فسر به هذا الحديث هنا ، فتوهمه هناك أيضا ، وليس صحيحا ؛ لأنّ عامة الأصول إنما فيها ضلع بالمعجمة كما سبق ، وأنه ليس بالضلع الذي هو العظم ، والله أعلم . قوله : ( اقرصيه ) ، قال أبو موسى المديني - رحمه الله - يعني : ادلكيه بأطراف أصابعك ، وأظفارك مع صب الماء حتى يذهب أثره ، وقرصته : إذا قبضته بإصبعك على جلده ولحمه فآلمته ، وقرصته : شتمته ، وتناولته باللسان ، وقال الهروي : سألته امرأة عن دم الحيض قرصيه بالماء أي : قطعيه ، قال المنذري : وقد روي مخففا ، ومثقلا ، ومعناهما واحد . قوله : ( حتيه ) بتاء مثناة من فوق بمعنى : الحك والقشر . والحيض : أصله عند اللغويين : السيلان ، يقال : حاض الوادي : إذا سال ، قال الأزهري وغيره : الحيض جريان دم المرأة في أوقات معلومة ، يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها ، ومخرجه قعر الرحم ، يقال : حاضت المرأة ، تحيض حيضا ، ومحيضا ومحاضا : فهي حائض ، كذا ذكره أبو العباس في فصيحه ، وفي الصحاح : بالهاء ، قال الشاعر : كحائضة يزنى بها غير طاهر وفي كتاب اللبلي عن كتاب الراعي : هو اجتماع فرج المرأة ، وفي شرح الفصيح للتدمري : سمي بذلك تشبيها بالحيض ، وهو ماء أحمر يخرج من شجر السمر ، يقال عن ذاك حاضت السمرة ، وفي المحكم : يجمع على حيض وحوائض ، ويقال : امرأة طامث بالمثلثة والمثناة ، وطامس ، ودارس ، وعارك ، وفارك ، وضاحك ، وكابر ، ومعصر ، ونافس ، وطامئ بالهمز بمعنى واحد ، حكاه الهروي والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهما ، وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان : أنّ الأرنب تحيض ، وكذلك الخفاش ، واختلف النّاس في أول من حاض ، فزعم بعضهم : أنّ أوّل ما كان على بني إسرائيل ، ورد بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ، وقال تعالى : وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ قال قتادة وغيره : حاضت .

59

27 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو خالد الأحمر ، عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن دم الحيض يكون في الثوب ؟ قال : اقرصيه واغسليه وصلي فيه . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم ، ولفظ البخاري سألت امرأة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيض كيف تصنع ؟ قال : إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ، ثم لتنضحه ، ثم لتصل فيه . ولفظ مسلم يصيب ثوبها من دم الحيضة قال : تحته ، ثم لتقرصه بالماء ، ثم تنضحه ، ثم تصلي فيه ، وفي لفظ لأبي داود من حديث محمد بن إسحاق : أتصلي فيه ؟ قال : تنظر : فإن رأت فيه دما فلتقرصه بشيء من ماء ، ولتنضح ما لم تر ، ولتصل فيه . وفي لفظ حتيه ، ثم اقرصيه بالماء ، ثم انضحيه ، وزعم في التفرد أنه حديث تفرد به أهل المدينة ، وفي لفظ الترمذي : اقرصيه بماء ، ثم رشيه ولفظ ابن خزيمة : كيف تصنع بثيابها التي كانت تلبس ؟ فقال : إن رأيت فيها شيئا فلتحكه ، ثم لتقرصه بشيء من ماء ، وتنضح في سائر الثوب ماء ، وتصلي فيه ، وفي لفظ : إن رأيت ماء فحكِّيه ، وفي لفظ : ثم رشي وصلي فيه ، وفي لفظ : ثم تنضحيه ، وتصلي فيه ، ولفظ أبي نعيم : لتحته ، ثم لتقرصه بالماء ، ثم لتنضحه ، ثم لتقرصه بالماء ، ثم لتنضحه ، ثم لتصل فيه

60

باب ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها 25 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ شريك ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عن عمّه عمران بن طلحة ، عن أمه حمنة بنت جحش أنها استحيضت على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : إني استحضت حيضة منكرة شديدة قال لها : احتشي كرسفا قالت له : إنّه أشدّ من ذلك إنّي أثج ثجا ؟ قال : تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام ، أو سبعة أيام ، ثم اغتسلي غسلا فصلي وصومي ثلاثة وعشرين ، أو أربعة عشرين وأخرّي الظهر وقدمي العصر واغتسلي لهما غسلا ، وأخري المغرب وعجلي العشاء ، واغتسلي لهما غسلا ، وهذا أحب الأمرين . هذا حديث لما رواه أبو داود ، عن زهير ، ومحمد بن أبي سمينة وغيرهما ، ثنا عبد الملك بن عمرو ، عن ابن عقيل بلفظ : أو أربعا وعشرين وأيامها وصومي ، فإن ذلك يجزيك ، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهنّ ، وإن قويت على أن تؤخِّري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلي فتجمعي الصلاتين الظهر والعصر ، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي ، وتغتسلين مع الفجر فافعلي ، وصومي إن قدرت على ذلك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذا أعجب الأمرين إلي . قال : وروى هذا الحديث عمرو بن ثابت ، عن ابن عقيل قال : قالت حمنة : فقلت : هذا أعجب الأمرين إلي ، لم تجعله قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمعت أحمد بن حنبل يقول : في الحيض حديث ثالث في نفسي منه شيء يعني هذا أنبأ أحمد بن صالح ، عن عنبسة بن خالد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن أم حبيبة بهذا الحديث ، وهي حمنة ، وعن زياد بن أيوب ، وعن هشيم ، عن أبي بشر ، عن عكرمة أن أم حبيبة استحيضت بنحوه ، ولما رواه أبو عيسى ، عن ابن بشار ، عن العقدي قال فيه : حسن صحيح ، قال : ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي ، وابن جريج وشريك عن ابن عقيل ، إلا أن ابن جريج كان يقول : عمر بن طلحة والصحيح عمران ، وسألت محمدا عن هذا الحديث ؟ فقال : هو حديث حسن ، وهكذا قال أحمد بن حنبل : هو حديث حسن صحيح وهو معارض بما ذكرناه قبل ، وفي العلل : قال محمد : إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة قديم ، ولا أدري سمع منه ابن عقيل أم لا ؟ ولما سئل عنه الرازي وهنه ، ولم يقو إسناده . وخرجه الحاكم من حديث عبيد الله الرقي ، وفيه : حتى إذا رأيت أنّك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي ، وفيه قال عليه السلام : وهذا أعجب الأمرين إلي ، ثم قال : قد اتفق الشيخان على إخراج حديث المستحاضة عن عائشة ، وليس فيه هذه الألفاظ التي في حديث حمنة رواية ابن عقيل ، وهو من أشراف قريش ، وأكثرهم رواية غير أنهما لم يحتجا به وشواهده حديث الشعبي ، عن قمير ، عن عائشة ، وحديث أبي عقيل ، عن بهية عنها ، وذكرهما في هذا الموضع يطول . وخرجه أبو علي الطوسي في أحكامه من حديث شريك ، وقال فيه : حسن صحيح ، وقال أبو جعفر في المشكل : هو من أحسن الأحاديث المروية في هذا ، وصححه أيضا أبو محمد الإشبيلي ، وقال الخطابي : وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث ؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك . وقال أبو بكر البيهقي : تفرد به ابن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به ، وقال ابن منده : وحديث حمنة ( تحيضي في علم الله ستا ، أو سبعا ) لا يصح عندهم من وجه من الوجوه ؛ لأنه من رواية ابن عقيل ، وقد أجمعوا على ترك حديثه ، انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لأن الترمذي ذكر أن الحميدي ، وأحمد ، وإسحاق كانوا يحتجون بحديثه ، وأي إجماع مع مخالفتهم ، وقد أسلفنا قول البخاري وغيره في تصحيح حديثه مع تفرده به ، وليس لقائل أن يقول: كيف يحتج به أحمد ، وقد قال : إن في قلبه من حديثه شيء ؟ لأنه لم يرد إلا اختلاف الحكم لا النظر في الإسناد وإليه نحا ابن عبد البر ، وأما قول البخاري : إبراهيم بن محمد قديم ، ولا أدري سمع منه ابن عقيل أم لا ؟ ففيه نظر ؛ لأن ابن عقيل روى عن جماعة من الصحابة ، وت ، وفي سنة خمس وأربعين ومائة بعد سن عالية ، وإبراهيم توفي سنة ست عشرة ومائة فيما حكاه غير واحد منهم : علي ابن المديني ، وأبو عبيد بن سلام ، وخليفة بن خياط ، فبيّن وفاتيهما ما ترى من القرب المسوغ للرواية لا سيما وبلدهما المدينة تجمعهما ، والبخاري لم يقل لم يسمع منه خبر ما إنما هو استبعاد يقربه ما ذكرنا ، وأما قول أبي عمر ابن عبد البر ( والأحاديث في إيجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة ، وفي الجمع بين الصلاتين ، وفي الوضوء لكل صلاة مضطربة كلها ) ، فليس بشيء ؛ لأن اضطرابها لا يضرّها لصحة سندها ، والحديث إذا صح من طريق لا يؤثر في صحته اختلاف لفظ من طريق أخرى غير صحيحة ، بل يكون الحكم للصحيحة على غيرها ، والله تعالى أعلم . وأما قول علي بن المديني : حمنة بنت جحش هي أم حبيبة تكنى بذاك حكاه عنه عثمان بن سعيد الدارمي تابعه عنه أكثرهم بقوله : ( أحفظ أربع نسوه في هذا عن الزهري ، وقد ركن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتبين من نسائه أم حبيبة وزينب بنت جحش وتبين من ربيبته زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة ، فقد خالفهما يحيى بن معين فزعم : أن المستحاضة المكناة أم حبيبة بنت جحش ليست بحمنة ، وهذا أسلفناه عن الواقدي أنّ من قال : هذا غلط ، وكذا قاله : أبو عمرو ، وأما قول البيهقي : وحديث ابن عقيل يدلّ على أنّها غير أم حبيبة ، وكان ابن عيينة ربما قال في حديث عائشة : حبيبة بنت جحش ، وهو خطأ إنما هي أم حبيبة كذلك قاله أصحاب الزهري سواه فكذلك أيضا لما قدمناه من كلام الحربي وغيره ، وأنّ الصواب ما خطأه هنا ، وقد ذكر الحميدي عنه ، وكذا قاله الطبراني في المعجم الكبير ، وحمنة هذه كانت تحت طلحة بن عبيد الله وأنها ولدت له محمدا ، وعمران ، قاله الزبير بن بكار ، وليست أخت أم حبيبة قاله الحاكم في الإكليل ، وبنحوه ذكره شباب في كتاب الطبقات ، وأحمد بن يحيى البلاذري ، وابن سعد ، والكلبي ، وأبو عبيد في كتاب النسب وغيرهم ، وهو مما يصحح قول ابن عقيل ، عن أمه حمنة ، وأما قول العسكري : حمنة بنت جحش هي أم حبيبة ، وأخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر الجهمي أن لها أختا أخرى ، وهي أم حبيبة بنت جحش كانت تحت ابن عوف وأنّها هي التي استحيضت ، وأصحاب الحديث على أنّ حمنة هي التي استحيضت ، وهي أم حبيبة فيردّه ما حكاه عن الجهمي وهو دائبا يعتمده ، وما أسلفناه ، والله أعلم . قال الشّافعي : وإن روي في المستحاضة حديث مُطلق فحديث حمنة يبين أنه اختيار ، وأنّ غيره يجزئ منه ، وفي باب الاستحاضة أحاديث ، من ذلك : حديث جابر بن عبد الله : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر المستحاضة بالوضوء عند كل صلاة قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن أبي أيوب الإفريقي ، يعني عن ابن عقيل ، إلا أبو يوسف القاضي ، وحديث الأوزاعي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : المستحاضة تغتسل من قرء إلى قرء . قال : لم يروه عن الأوزاعي إلا سلمة بن كلثوم تفرد به عبيد بن جناد ، وحديث فاطمة بنت قيس قالت : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المستحاضة ؟ فقال : تعتد أيام أقرائها ، ثم تغتسل لكل طهر ، ثم تحتشي ، وتصلي قال : لم يروه عن ابن جريج ، يعني عن أبي الزبير ، عن جابر عنها إلا جعفر بن سليمان ، وقال : وهي فاطمة بنت أبي حبيش قيس . قال ابن أبي حاتم ، عن أبيه : ليس هذا بشيء ، وقال البيهقي : لا تقوم عليه الحجة ، وتقدّم حديث عائشة أنّ فاطمة جاءت إليها ، وقال فيه أبو عبد الله : حديث صحيح ، ولم يخرجاه ، وحديث سودة بنت زمعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها ، ثم تغتسل غسلا واحدا ، ثم تتوضأ لكل صلاة قال : لم يروه عن الحكم يعني ابن عتيبة ، عن أبي جعفر عنها إلا العلاء بن المسيب ، ولا عن العلاء إلا حفص بن غياث تفرد به الحسن بن عيسى ، وحديث أسماء ابنة مرشد الحارثية أنها جاءت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : تنكرت حيضتي ، قال : كيف ؟ قالت : تأخذني، فإذا تطهرت منها عاودتني قال : إذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثا . ذكره البيهقي من حديث ، وفي رواية أبي بكر بن الجهم المالكي : جعله من مسند جابر بن عبد الله ، وحديث زينب بنت أم سلمة أنّ امرأة كانت تهراق الدم ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة ، وتصلي خرجه أبو داود ، عن أبي معمر ، عن عبد الوارث ، عن حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة قال : أخبرتني زينب قال البيهقي : خالفه يعني : حسينا هشام الدستوائي ، فأرسله عن يحيى عن أم سلمة أن أم حبيبة ، ورواه الأوزاعي عن يحيى فجعل المستحاضة زينب ، وأنّها كانت تعتكف مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهي تهريق الدم : قال : ويروى من وجه آخر عن عكرمة بخلاف هذا أنّ أمّ حبيبة ، وهو منقطع . وقال الرازي : وقال المعلم ، عن يحيى عن أبي سلمة : أخبرتني زينب بنت أم سلمة أنّ امرأة ، وهو مرسل . وفي المصنف : ثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن زينب بنت أم سلمة قالت : رأيت ابنة جحش ، وكانت مستحاضة تخرج من المركن والدّم عاليه ، ثم تصلي ، وحديث زينب بنت جحش أنها قالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنّها مستحاضة ؟ فقال : تجلس أيّام أقرائها ، وتغتسل ، وتؤخر الظهر ، وتعجل العصر ، وتغتسل ، وتصلي وتؤخر المغرب وتعجل العشاء ، وتغتسل ، وتصليهما جميعا ، وتغتسل للفجر . رواه النسائي ، عن سويد ، عن ابن المبارك ، عن سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، ولما ذكره البيهقي أعلّه بامتناع عبد الرحمن من رفعه ؛ وذلك أنه قيل له : عن النبي عليه السلام ؟ قال : لا أحدثك عن النبي عليه السلام بشيء ، قاله النضر بن شميل وغيره ، عن شعبة انتهى . وحديث النسائي المذكور يقضي على قوله . وأمّا امتناع عبد الرحمن من رفعه ؛ فلأنّه سمع : ( فأمرت ) فما بقي له بأن يقول : فأمرها النبي عليه السلام ؛ لأنّ اللفظ الأول ليس بصريح في النسب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بل هو مسند بطريق اجتهادي ، فليس له أن ينقله إلى ما هو صريح ، ولا يلزم من امتناعه من صريح النسبة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يكون مرفوعا ، على ما هو معروف من أنّ هذه الصيغة مرفوعة ، وفي صحيح البخاري ما يوضحه ، عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتكف واعتكف معه بعض نسائه ، وهي مستحاضة ترى الدم ، فرّبما وضعت الطست تحتها من الدم . وكلام أبي داود يعطي أن هذه زينب بنت جحش رضي الله عنها . وفي حديث العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر أن سودة بنت زمعة استحيضت . وفي الموطأ أن زينب بنت جحش التي كانت تحت ابن عوف استحيضت . قال السهيلي : ولم تكن زينب قط عند عبد الرحمن ، ولا قاله أحد ، والغلط لا يسلم منه بشر ، والتي كانت تحت عبد الرحمن أختها أم حبيب ، ويقال : أم حبيبة غير أن شيخنا أبا عبد الله محمد بن نجاح أخبرني أن أم حبيبة اسمها زينب ، فهما زينبان غلبت على إحداهما الكنية . قال السهيلي : فعلى هذا لا يكون في حديث الموطأ وهم ، ولا غلط ، وكان اسم زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم برة ، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب ، كره أن تزكي المرأة نفسها بذلك انتهى كلامه ، وفيه نظر لما أسلفناه عن جماعة من العلماء أن اسم أم حبيب : حبيبة ، ومن أن قول ابن نجاح لم نره ، فهو قول شاذ لم يعزه لكتاب ، ولا لعالم قديم قط ، والله أعلم . وحديث أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثا فيه : ودم الحيض أسود خاثر ، تعلوه حمرة ، ودم المستحاضة أصفر رقيق ، فإن غلبها فلتحتشي كرسفا ، فإن غلبها فلتعلها بأخرى ، فإن غلبها في الصلاة ، فلا تقطع الصلاة ، وإن قطر ، ويأتيها زوجها ، وتصوم ، وتصلي ، رواه البيهقي من حديث العلاء بن كثير ، وهو ضعيف الحديث عن مكحول ، ولم يسمع من أبي أمامة ، وسيأتي التنبيه على وهم من وهم في نسبته . وحديث أسماء بنت عميس قلت : يا رسول الله ، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا ، فلم تصل ، فقال عليه السلام : سبحان الله ، هذا من الشيطان ، لتجلس في مركن ، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا ، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا ، وتغتسل للفجر غسلا ، وتتوضأ فيما بين ذلك ، رواه الحاكم ، وقال فيه : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه بهذه الألفاظ . وممن استحيض في زمانه عليه السلام : بادية بنت غيلان ، روى حديثها القاسم بن محمد عن عائشة أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله لا أقدر على الطهر الحديث ، ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن الزهري عن القاسم إلا محمد بن إسحاق ، ولا عن ابن إسحاق إلا عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي ، تفرد به عبد الرحمن بن صالح الأزدي ، وسهلة بنت سهيل روى حديثها أبو داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة ، فلما شق عليها أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل ، والمغرب والعشاء بغسل ، وتغتسل للصبح ، ولما رواه البيهقي قال : قال أبو بكر بن إسحاق : قال بعض مشائخنا : لم يسند هذا الخبر غير محمد بن إسحاق، وشعبة لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعا ، وخطأه أيضا في تسمية المستحاضة ، وقد اختلف الرواة في إسناده فرواه شعبة ، وابن إسحاق كما مضى ، ورواه ابن عيينة ، فأرسله ، إلا أنه وافق محمدا في رفعه انتهى كلامه ، وفيه ما يحتاج إلى نظر . وقال في الأوسط : لم يروه عن العلاء بن هارون ، يعني عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها إلا أسباط بن عبد الواحد ، تفرد به إدريس بن أبي الرباب ، وروي عن أبي جعفر عن أسماء بنت عميس ، يعني المذكور قبل . قال أبو عمر : وهو إجماع من علماء المسلمين نقلته الكافة كما نقله الآحاد العدول ، ولا مخالف فيه إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة ، وأما علماء السلف والخلف قاطبة بالأمصار : فكلّهم على أن الحائض لا تصلّي ، ولا تقضي الصلاة أيام حيضتها ، إلا أن من السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة ، وتذكر الله تعالى ، وتستقبل القبلة ذاكرة لله جالسة ، روي ذلك عن عقبة بن عامر ، وقال : كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهن ، وقال عبد الرزاق : قال معمر : بلغني أنّ الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة ، وابن جريج ، عن عطاء لم يبلغني ذلك ، وإنه لحسن ، قال أبو عمر : وهو أمر متروك عند جماعة الفقهاء ، بل يكرهونه ، قال أبو قلابة : سألنا عنه ، فلم نجد له أصلا ، وقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرفه ، وإنا لنكرهه . قوله : فاغسلي عنك الدم : هو أن تغتسل عند إدبار حيضتها وإقبال استحاضتها كما تغتسل الحائض عند رؤية طهرها ؛ لأنّ المستحاضة طاهر ، ودمها دم عرق كدم الجرح السائل ، وهذا إنّما يكون في امرأة تعرف دم حيضتها من دم استحاضتها . قال أبو عمر : وكان مالك يستحب لها الوضوء لكل صلاة ، ولا يوجبه عليها ، كما لا يوجبه من سلس البول ، وممن أوجبه : الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعي ، وهؤلاء كلّهم ، ومالك منهم لا يرون غسلا غير مرّة واحدة عند إدبار حيضتها وإقبال استحاضتها ، ثم تغسل عنها الدم ، وتصلي ، ولا تتوضأ إلا عند الحدث ، عند مالك ، وهو قول عكرمة ، وأيوب ، وكذلك التي تقعد أيامها المعروفة ، ثم تستطهر عند مالك ، ولا تستطهر عند غيره ، وتغتسل أيضا عند انقضاء أيامها واستطهارها ، ولا شيء عليها ، إلا أن تحدث حدثا يوجب الغسل ، وأما عند الشافعي ، وأبي حنيفة، والثوري ومن ذكرنا معهم : فتتوضأ لكل صلاة على حسب ما ذكرنا ، وذهبت طائفة من العلماء : إلى أن الغسل لكل صلاة واجب على المستحاضة للأحاديث السابقة ؛ ولأنه لا يأتي عليها وقت صلاة إلا ، وهي فيه شاكة : هل هي حائض ، أو طاهر مستحاضة ؟ أو هل طهرت في ذلك الوقت بانقطاع دم حيضتها أم لا ؟ فواجب عليها الغسل للصلاة ، ورووا هذا أيضا عن علي ، وابن عبّاس ، وابن الزبير وسعيد بن جبير ، وهو قول ابن علية ، وقال آخرون : عليها أن تجمع بين كلّ صلاتين كما تقدم ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وعلي ، وهو قول النخعي ، وعبد الله بن شدّاد وفرقة ، وقال آخرون : تغتسل كل يوم مرة في أي وقت شاءت من النهار ، ورواه معقل الخثعمي ، عن علي ، وقال آخرون : تغتسل من طهر إلى طهر ، رواه مالك في الموطأ عن ابن المسيب ، وكان مالك يقول : ما أرى الذي حدثني به من طهر إلى طهر إلا قد وهم . قال الخطابي : ما أحسن ما قال مالك ، ولا أعلمه قولا لأحد من الفقهاء ، وإنما هو من طهر إلى طهر ، وفيه نظر لما قال أبو عمر : ليس بوهم ؛ لأنه صحيح عن سعيد معروف من مذهبه ، رواه عنه جماعة ، وهو قول سالم ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وروي مثله عن ابن عمر ، وأنس ، ورواية عن عائشة ، وقد روي عن سعيد بن المسيب في ذلك مثل قول مالك والفقهاء .

61

باب ما جاء في المستحاضة إذا اختلط عليها الدم فلم تقف على أيام حيضتها . 24 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو المغيرة ، ثنا الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : استحيضت أم حبيبة بنت جحش ، وهي تحت عبد الرحمن بن عوف سبع سنين ، فشكت ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن هذه ليست بالحيضة ، وإنما هو عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي . قالت عائشة : فكانت تغتسل لكل صلاة ، ثم تصلي ، وكانت تقعد في مركن لأختها زينب بنت جحش حتى إنّ حمرة الدم لتعلو الماء . هذا حديث خرجه الأئمة الستة ، وفي كتاب الدارقطني ، وقال الليث بن سعد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن أم حبيبة : لم يذكر عائشة ، وكذلك رواه معاوية عن يحيى ، عن ابن شهاب ، ورواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئب عنه بلفظ : إن زينب بنت جحش استحيضت ، ووهم في قوله : زينب ، ورواه إبراهيم بن نافع ، وجعفر بن برقان ، عن الزهري ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا ، ورواه سهيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسماء بنت عميس أنها استحيضت ، وقال الإمام العلامة أبو إسحاق إبراهيم الحربي : الصحيح قول من قال : أم حبيب بلا هاء ، وأنّ اسمها حبيبة بنت جحش ، ومن قال : أم حبيبة ، أو زينب ، فقد وهم ، والحديث صحيح من حديث الزهري ، عن عروة ، وعمرة ، عن عائشة ، وكذلك قاله أبو الحسن البغدادي الحافظ ، وقبلهما قاله الواقدي : بعضهم يغلط فيروي أنّ المستحاضة حمنة بنت جحش ، ويظن أنّ كنيتها أم حبيبة ، وهي - يعني : المستحاضة - حبيبة أم حبيب بنت جحش ، وفي صحيح الإسفرائيني : إنّ هذه ليست بالحيضة ، ولكن هذا عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي ، ثم صلّي ، قالت عائشة : فكانت تغتسل عند كلّ صلاة ، وكانت تقعد في مركن . كذا أورده من حديث بشر بن بكر ، عن الأوزاعي ، وقال عقيبه : ثنا إسحاق الطحان ، ثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا الهيثم بن حميد ، ثنا النعمان بن المنذر ، والأوزاعي ، وأبو معيد ، عن الزهري بنحوه . وفي كتاب أبي داود : زاد الأوزاعي في هذا الحديث عن الزهري بسنده : استحيضت أم حبيبة بنت جحش ، وهي تحت عبد الرحمن بن عوف سبع سنين فأمرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي . وقال أبو داود : لم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي ، وقد رواه عن الزهري عمرو بن الحارث ، والليث ، ويونس ، وابن أبيِ ذئب ، ومعمر ، وإبراهيم بن سعد ، وسليمان بن كثير ، وابن إسحاق ، وابن عيينة لم يذكروا هذا الكلام ، وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قال : وزاد ابن عيينة فيه أيضا : أمرها أن تدع الصلاة أيّام أقرائها وهو وهم من ابن عيينة ، وحديث محمد بن عمرو ، عن الزهري فيه شيء من الذي ، زاد الأوزاعي في حديثه ، انتهى وتابعه على هذا البيهقي . وفيما سقناه من عند أبي عوانة ما يرد قوله ، وذلك أنّ النعمان وأبا معيد وافقا الأوزاعي ، وإن لم يسق لفظهما ؛ لأن قوله : ونحوه ليس صحيحا في ذلك فنظرنا، فإذا النسائي ذكر لفظ الهيثم ، فقال : أخبرني النعمان ، والأوزاعي ، وأبو معيد وهو حفص بن غيلان ، عن الزهري ، أخبرني عروة ، وعمرة ، عن عائشة قالت : استحيضت أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن ، وهي أخت زينب بنت جحش فاستفتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه ، فقال لها : إن هذه ليست بالحيضة ، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة ، فاغتسلي وصلي وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة ، قالت عائشة : فكانت تغتسل لكل صلاة ، وتصلي ، وكانت تغتسل أحيانا في مركن في حجرة أختها زينب ، وهي عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء ، ثم تخرج ، فتصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما يمنعها ذلك من الصلاة . وخرجه الطحاوي بنحوه ، وزاد : ولكنه عرق فتقه إبليس . وروى أبو داود من حديث عكرمة أن أم حبيبة بنت جحش : استحيضت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتظر أيام أقرائها ، ثم تغتسل ، وتصلي ، فإن رأت شيئا من ذلك توضأت ، وصلت . قال أبو داود : وقال القاسم بن مبرور : وهو ابن أخي طلحة بن عبد الملك الأيلي ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عمرة ، عن عائشة ، عن أم حبيبة بنت جحش ، وكذلك روى معمر ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة ، وربما قال معمر : عن عمرة ، عن أم حبيبة بمعناه ، وكذلك رواه إبراهيم بن سعد ، وابن عيينة ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة وقال ابن عيينة في حديثه : لم يقل : إن النبي عليه السلام أمرها أن تغتسل ، نا محمد بن إسحاق المسيبي ، ثنا أبي عن ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن عمرة ، عن عائشة : أنّ أم حبيبة استحيضت سبع سنين فأمرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تغتسل ، فكانت تغتسل لكل صلاة ، وكذلك رواه الأوزاعي قال فيه : قالت عائشة : وكانت تغتسل لكل صلاة ، ورواه ابن إسحاق ، عن الزهري به : استحيضت أم حبيبة في عهد النبي عليه السلام فأمرها بالغسل لكل صلاة . ورواه أبو الوليد الطيالسي ، ولم أسمعه منه ، عن سليمان بن كثير ، عن الزهري به ، فقال لها عليه السلام : اغتسلي لكل صلاة ، ورواه عبد الصمد ، عن سليمان قال : توضئي لكل صلاة . قال أبو داود : وهذا وهم من عبد الصمد ، والقول قول أبي الوليد ، وفي المعرفة قال الليث : لم يذكر ابن شهاب أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل ، ولكنه شيء فعلته هي ، قال الشّافعي : ورواه غير الزهري فرفعه ، ولكنه عن عمرة ، والزهري أحفظ ، وقد روى فيه شيئا يدل على أن الحديث غلط وهو تترك الصلاة قدر أقرائها ، وعائشة تقول : الأقراء : الأطهار وقد تقدم معنى هذا عن أحمد قبل ، وقال الحربي : روى هذا الحديث عن الزهري أحد عشر نفسا ، وقالوا : ستة أقاويل : الأول : قول ليث ، وسليمان بن كثير ، عن عروة ، عن عائشة . والثالث : قول ابن أبي ذئب : عروة ، وعمرة . والرابع : قول الأوزاعي : عروة عن عمرة ، عن عائشة ، وقد اختلف أصحاب الأوزاعي ، فقال الوليد كما قال ليث ، وقال أبو المغيرة : عروة وعمرة كقول ابن أبي ذئب . والخامس : قول معمر عمرة عن أم حبيبة . والسادس : قول يونس ، ومعاوية : عمرة عن أم حبيبة ، وأرسله إبراهيم بن نافع وجعفر ، واختلفوا في اسم هذه المرأة ، فقال ليث : أم حبيبة ، ووافقه الأوزاعي ، ومعاوية ، وإبراهيم ، ويونس ، وهؤلاء أوهموا عن الزهري ، وقال سفيان : حبيبة ، ووافقه إبراهيم بن سعد ، وابن أبي ذئب ، ومعمر ، وهذا هو الصواب هي حبيبة بنت جحش تكنى أم حبيب أخت حمنة بنت جحش ، وكان ممن أوهم في اسمها عراك ، عن عروة ، وقتادة عن عروة ، وأبو بكر بن محمد عن عروة . عراك ، وقتادة ، وهشام ، فلم يختلف أصحاب عراك : يزيد بن أبي حبيب وجعفر وربيعة أنهما قالا : أم حبيبة ، وكذا قاله قتادة ، فأما هشام ، فإن حماد بن سلمة ، وشعيب بن إسحاق ، وابن جريج ، والمفضل اختلفوا عن هشام ، فقال : شعيب وحماد ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت ابن عوف وزينب لم تكن تحته ، إنّما كانت تحت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم تستحض . وقال ابن جريج : عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن زينب أنها رأت زينب بنت جحش مثل قول شعيب ، وحماد ، زاد : عائشة ، وقال المفضل ، عن هشام ، عن أبيه ، عن زينب ، عن أمها : أنّها رأت أم حبيبة بنت جحش فزاد : عن أمّها وأصاب في قوله أم حبيب ، ورواه يزيد بن الهاد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن عمرة ، فقال : ابن أبي حازم ، عن أم حبيبة بنت جحش ، فأوهم أيضا ، وقال بكر بن مضر : عن أم حبيب ، فأصاب ، ووافقه ابن عمر وعكرمة اللهم ، إلا أن يكون أم حبيبة ، وأم حبيب كان عندهم سواء ، والصواب من هذا كلّه قول من قال حبيبة أم حبيب ، وهي زينب وحمنة المستحاضة أيضا ، إلا أن أم حبيب حبيبة كانت لها أيّام معروفة ، وحمنة أنسيت أيّامها ، واختلف عليها . وفي السنن للبيهقي ، عن عكرمة ، عن أم حبيبة أنها كانت تستحاض ، وكان زوجها يغشاها ، وعنه عن حمنة أنّها كانت مستحاضة ، وكان زوجها يجامعها ، ويذكر عن ابن عباس أنه أباح وطأها ، وهو قول ابن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، وسعيد بن جبير وغيرهم ، وقال عبد الله : سئل أبي عن وطء المستحاضة ، فقال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن غيلان . ( عن عبد الملك بن ميسرة عن الشعبي عن قمير عن عائشة قالت : المستحاضة لا يغشاها زوجها ، قال أبي : ورأيت في كتاب الأشجعي كما رواه وكيع ، ورواه غندر عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن الشعبي أنه قال : المستحاضة لا يغشاها زوجها ، قال البيهقي : وقد رواه معاذ بن معاذ عن شعبة ، ففصل قول الشعبي من قول عائشة ولفظه : عن عائشة : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها وحيضها ، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة ، قال : وقال الشعبي : لا تصوم ، ولا يغشاها زوجها ، فعاد الكلام في غشيانها إلى قول الشعبي كما قال أحمد ) .

62

باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدّت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم 21 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد قالا : ثنا أبو أسامة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة قالت : سألت امرأة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : إني أستحاض ، فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ قال : لا ، ولكن دعي قدر الأيام والليالي التي كنت تحيضين قال أبو بكر في حديثه : وقدرهنّ من الشّهور ، ثم اغتسلي ، واستثفري بثوب وصلّي . هذا حديث ظاهر إسناده صحيح لا علّة فيه ، وذاك أوقع المنذري حتى سكت عنه ، ولم يتكلّم إلا على رواية : إذا خلفت ذلك ، وحضرت الصلاة فلتغتسل . قال : وفي إسناد هذه الرواية رجل مجهول ، وما علم غفر الله له ، أن الحديث كله معلول بما رمى به هذه الرواية ، لا سيما وهو على كتاب أبي داود يتكلم ، وأبو داود هو المعلل للحديث نبيّن لك ذلك ؛ بسوق لفظه ، ثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة : أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر ، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ، ثم لتستثفر بثوب ، ثم لتصلي . ثنا قتيبة ، ويزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب ، ثنا الليث بن سعد ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار : أن رجلا أخبره عن أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم ، فذكر معناه قال : فإذا خلفت ذلك وحضرت الصلاة فلتغتسل . ثنا عبد الله بن سلمة ، ثنا أنس يعني : ابن عياض ، عن عبيد الله عن نافع ، عن سليمان ابن يسار ، عن رجل من الأنصار : أن امرأة كانت تهراق الدم ، فذكر معنى الليث قال : فإذا خلفتهن وحضرت الصلاة فلتغتسل . وساق معناه ، ثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا ابن مهدي ، ثنا صخر بن جويرية ، عن نافع بإسناد الليث بمعناه ، قال : فلتترك الصلاة قدر ذلك ، ثم إذا حضرت الصلاة : فلتغتسل ، ولتستذفر بثوب ، ثم تصلي . ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا وهيب ، ثنا أيوب ، عن سليمان ، عن أم سلمة بهذه القصة قال فيه : فلتدع الصلاة ، وتغتسل فيما سوى ذلك وتستذفر بثوب ، وتصلي . قال أبو داود : سمى المرأة التي كانت استحيضت حماد بن زيد ، عن أيوب في هذا الحديث قال : فاطمة بنت أبي حبيش فهذا كما يرى أبو داود من أن الحديث من طرقه كلها منقطع فيما بين سليمان ، وأم سلمة ، وأنه لم يسمعه منها فتخصيص بعض ألفاظه بعلة هي شاملة له كله لا وجه له ، والله أعلم . وهذا هو الاصطلاح الحديثي ، فإن الحكم للزائد ؛ ولهذا ، فإن أبا عمر لما ذكر حديث مالك قال : رواية الليث هي الصواب . وقال البيهقي : هذا حديث مشهور أودعه مالك في الموطأ ، إلا أن سليمان لم يسمعه من أم سلمة . وقال الطحاوي : هو حديث فاسد الإسناد لم يسمعه سليمان من أم سلمة ، إنما حدثه عنها به رجل مجهول . وفي علل الدارقطني : رواه عبيد الله ، ومالك ، عن سليمان ، عن أم سلمة ، ورواه موسى بن عقبة ، وابن أخيه ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن نافع عنه أن رجلا أخبره ، عن أم سلمة ، ورواه إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة عن نافع عنه ، عن مرجانة ، عن أم سلمة ، وقال صخر بن جويرية ، عن نافع عنه عمن لم يسمه ، عن أم سلمة . ورواه ابن أرطأة ، عن نافع عنه مرسلا . ورواه حماد بن زيد ، وابن علية ، عن أيوب عنه أنّ فاطمة لم تذكر أم سلمة . ورواه قتادة عنه أن فاطمة بنت أبي حبيش أسنده عنها ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفي سننه رواه عبد الوارث ، عن أيوب عنه بغير واسطة قال : ورواه وهيب ، عن أيوب كذلك ، وكذا ذكره ابن الحصار في تقريب المدارك . وأمّا قول الدارقطني : عن صخر عمن لم يسمه بعد قوله : ورواه ابن عقبة ، وابن أخيه ، عن رجل مميزا بين اللفظين ، وإن كان لفظهما واحدا ، فقد وقع لنا حديث صخر في كتاب مسائل عبد الله لأبيه أحمد ، ثنا ابن مهدي ، عن صخر بن جويرية ، عن نافع ، عن سليمان : أنه حدّثه رجل عن أم سلمة ، فذكره ، وبنحوه ذكره ابن الجارود . وأما قوله : عن موسى أدخل في حديثه عن نافع رجلا ، فقد أبى ذلك أبو العباس السراج ، فذكره في مسنده عن إسحاق بن إبراهيم قال : قلت لأبي قرة : أذكر موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن سليمان ، عن أم سلمة الحديث فأقر به ، وقال : نعم ، كذا نقله من أصلنا الذي هو بخط ابن الحبال الحافظ واستظهرت مشيخة أخرى قديمة ، والذي في سنن أبي قرة السكسكي كما قاله الدارقطني ، والله تعالى أعلم . قال البيهقي : وحديث هشام ، عن أبيه ، عن عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش أصح من هذا ، يعني : قول أبي داود وسمى حماد المرأة فاطمة ، قال البيهقي : وفيه دلالة على أنّ المرأة التي استفتت لها أم سلمة غيرها ، ويحتمل إن كانت تسميتها صحيحة في حديث أم سلمة أنّها كانت لها حالتان في مدة استحاضتها حالة تميز فيها بين الدمين ، وحالة لا تميز فيها بين الدمين ، وروى أبو سلمة هذا الحديث عنها دون التسمية ، أنبأ أبو عبد الله ، ثنا أبو بكر بن إسحاق ، أنبأ إسماعيل بن إسحاق ، ثنا إسحاق بن محمد الفروي ، ثنا عبد الله بن عمر ، عن أبي النّضر ، عن أبي سلمة عنها ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال في المستحاضة : تنظر عدد الأيام التي كانت تحيضهن ، ثم تغتسل ، وتصلي . وبنحوه قاله الخزرجي في كلامه على الموطأ ، وذكر القشيري : أنّ أسد بن موسى رواه عن الليث كرواية مالك ، ورواه أسد أيضا عن أبي خالد الأحمر ، عن ابن أرطأة ، عن نافع كذلك ، وهو مخالف لما أسلفناه عن حجاج من عند الدارقطني ، وأما اقتصار الدارقطني أنّ مالكا ، وعبيد الله روياه عن نافع ، عن سليمان عنها ، فقد ذكر ابن الجارود : أنّ يحيى بن سعيد وغيره تابعوا مالكا ، وعبيد الله ، وذكر ابن وهب في مسنده : ثنا مالك ، والليث بن سعد ، وابن سمعان ، عن نافع ، عن سليمان ، عن أم سلمة ، فذكره ، وذكر الحربي في علله : أنّ تسعة من أصحاب نافع رووه ، فأدخل ليث وجويرية بن صخر ، وموسى بن عقبة بين سليمان ، وأم سلمة رجلا مجهولا ، ولم يذكر هذا الرجل عبيد الله ، ومالك وحجاج وجرير ، ورواه أيوب عن سليمان ورواه عن أيوب خمس لم يقل عن أم سلمة - إلا وهب ، وابن أبي عروبة - وأرسله الباقون ، ولم يسمعه سليمان من أم سلمة بينهما رجل مجهول لم يسم ، إلا أنهم ذكروا الأقراء ، وجعلوه حيضا ، وذكروا الأسفار ، وأما قول ابن ماجه : وقال أبو بكر في حديثه إلى آخره ، فقد أخلّ من حديثه بشيء وذلك أنه رواه في المصنف والمسند عن ابن نمير ، وأبي أسامة ، ثم قال : إلا ابن نمير ، فإنه قال : إنّ أم سلمة استفتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : امرأة تهراق الدم ؟ فقال : تنظر قدر الأيام والليالي التي كانت تحيض ، أو قدرهن من الشهر ، ثم ذكر مثل حديث أبي أسامة .

63

22 - حدثنا علي بن محمد ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله إني امرأة أستحاض ، فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قال : إنّما ذلك عرق ، وليس بالحيضة ، فاجتنبي الصلاة أيام محيضك ، ثم اغتسلي ، وتوضئي لكل صلاة ، وإن قطر الدّم على الحصير . 23 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وإسماعيل بن موسى ، ثنا شريك ، عن أبي اليقظان ، عن عديّ بن ثابت ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ، ثم تغتسل ، وتتوضأ لكل صلاة ، وتصوم ، وتصلي . هذان الحديثان لماّ خرجهما أبو داود قال : وحديث عدي ، والأعمش ، عن حبيب ، وأيوب أبي العلاء يعني : عن ابن شبرمة ، عن امرأة مسروق ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثل حديث حبيب كلها ضعيفة لا تصحّ ، ودلّ على ضعف حديث الأعمش ، عن حبيب ؛ أنّ هذا الحديث أوقفه حفص بن غياث ، وأنكر حفص بن غياث حديث مرفوعا ، وأوقفه أيضا أسباط ، عن الأعمش موقوفا على عائشة ، ورواه أبو داود ، عن الأعمش مرفوعا أوّله ، وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كلّ صلاة ، ودلّ على ضعف حديث حبيب هذا أنّ رواية الزهري عن عروة ، عن عائشة قالت : فكانت تغتسل لكل صلاة في حديث المستحاضة ، وروى أبو اليقظان ، عن عدي ، عن أبيه ، عن علي ، وفي كتاب ابن العبد : ورواه أبو اليقظان عن أبيه وهو ضعيف جدا ، وعمار مولى بني هاشم ، عن ابن عباس ، وروى عبد الملك بن ميسرة ، وبيان ، ومغيرة ، وفراس ، ومجالد عن الشعبي حديث قمير ، عن عائشة : توضأ لكل صلاة . ورواه داود ، وعاصم عن الشعبي ، عن قمير ، عن عائشة : تغتسل كل يوم . وروى هشام بن عروة ، عن أبيه : المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وهذه الأحاديث كلها ضعيفة ، زاد ابن العبد أحاديث الوضوء إلا حديث قمير ، وحديث عمار مولى بني هاشم ، وحديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، والمعروف عن ابن عباس : الغسل ، وفي موضع آخر : قال يحيى بن سعيد لرجل : احك عني أنّ هذا الحديث لا شيء ، يعني حديث حبيب ، عن عروة ، ولما خرج أبو عيسى حديث عدي ، قال : هذا حديث تفرد به شريك ، عن أبي اليقظان ، وسألت محمدا عن هذا الحديث ؟ فقلت : جدّ عدي ما اسمه ، فلم يعرف محمد اسمه ، وذكرت له قول يحيى بن معين أنّ اسمه دينار ، فلم يعبأ به ، وقال في التاريخ الأوسط : حديث عدي ، عن أبيه ، عن جدّه ، وعن أبيه ، عن علي في المستحاضة لا يصح ، وقال أبو زرعة النصري في تاريخ دمشق : عمرو بن أخطب هو جدّ عدي بن ثابت ، ومحمد بن ثابت ، وقال في العلل : سألت محمدا عنه ؟ فقال : لا أعرفه إلا من هذا الوجه ، وقلت : قال ابن معين : هو عدي بن ثابت بن دينار ، فلم يعرفه ، ولم يعدّه شيئا . وفي كتاب الاستيعاب : دينار الأنصاري انفرد بالرواية عنه ثابت وهو جدّ عدي بن ثابت ، حديثه في المستحاضة يضعفونه . وفي كتاب الطوسي : جدّ عدي مجهول لا يعرف ، ويقال اسمه دينار ، ولم يصح ، وقال الحافظ ضياء الدين : وقد ضعف غير واحد هذا الإسناد لأجل أبي اليقظان ، وفي كتاب الطهارة لابن أبي داود : حديث عدي بن ثابت معلول ، وفي أفراد الدارقطني : تفرد به شريك عنه ، وفي إيضاح الأشكال لأبي الفضل المقدسي ، أنبأ أبو سعد ، أنبأ البرقاني ، قال : قلت لأبي الحسن : شريك ، عن أبي اليقظان ، عن عدي بن ثابت ، عن أبيه ، عن جدّه كيف هذا الإسناد ؟ قال : ضعيف . قلت : من جهة من ؟ قال : أبو اليقظان ضعيف ، قلت : فيترك ؟ قال : لا يخرج رواه الناس قديما ، قلت له : عدي بن ثابت ، ثابت ابن من ؟ قال : قد قيل : ابن دينار . وقيل : إنه يعني جدّه أبا أمّه عبد الله بن يزيد الخطمي ، ولا يصح من هذا كلّه شيء ، قلت : فيصح أنّ جدّه أبا أمّه هو عبد الله بن يزيد الخطمي ؟ قال : كذا زعم ابن معين انتهى كلامه . ويفهم منه تفرد ابن معين بما ذكره ، وليس كذلك لمتابعته على قوله ، فمن ذلك أنّ ابن حبان لما ذكره قال عدي بن ثابت الأنصاري : يروي عن البراء ، وأبي أمه عبد الله بن يزيد ، وقال ابن أبي حاتم : عدي بن ثابت الأنصاري وجده أبو أمّه عبد الله بن يزيد ، ومعهما على ذلك غير واحد . منهم الباجي ، والكلاباذي ، وأما قول ابن الجنيد فيما ذكره أبو موسى المديني في كتاب الصحابة من تأليفه عندما ترجم لابن ثابت ، وقال : هو عدي بن ثابت بن عازب ابن أخي البراء بن عازب ، فلم يصنع شيئا ؛ لأنه لم يجد له متابعا ، ولأنّ جماعة كثيرة في بني ظفر من ولد قيس بن الخطيم الشّاعر كذا ذكره الكلبي ، وأبو عبيد بن سلام ، وابن حزم ، وأبو عمر والمبرد ، وغيرهم . وزعم أبو نعيم الحافظ : أن اسم جده قيس الخطمي ، وهو على مخالفة الجم الغفير ، أقرب إلى الصواب ، وأما ذكره الحافظ المنذري من أنّه لا يعلم جدّه قال : وكلام الأئمة يدل على ذلك فغير صواب . وأمّا ما قاله الحافظ الدمياطي أنّ صوابه عدي بن أبان بن ثابت فلعمري يحتمل أن يكون جيدا لولا قول ابن سعد في كتاب الطبقات ، وولد ثابت بن قيس بن الخطيم أبانا ، وأمه أم ولد ، وعمرا ، ومحمدا ، ويزيد قتلوا يوم الحرة جميعا ، وليس لهم عقب ، فهذا كما ترى ابن سعد جزم بأن أبانا لا عقب له ، وبمثله ذكره ابن الكلبي في جمهرة الجمهرة ، ثم ذكر ابن سعد عديًّا في طبقات الكوفيين ، وسمى أباه ثابتا كالجماعة . وخرج ابن ماجه حديثا في كتابه الصلاة ، عن عدي بن ثابت ، عن أبيه ، عن جدّه ، وقال : أرجو أن يكون متصلا ، وبهذا قال الحربي في كتاب العلل ليس لجد عدي بن ثابت صحبة ، وقال البرقي في تاريخه : لم نجد من يعرف جدّه معرفة صحيحه ، ذكر بعضهم أنّه عدي بن ثابت بن قيس بن الخطمي ، وقيس لا يعرف له إسلام ، وقيل : إنّ جدّه لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي ، كذا جاء في الحديث ، ولا ينبغي أن ينسب إلى جدّه لأمّه ، فينبغي أن يوقف وينسب ويترك الحديث على ما روي ، والله تعالى أعلم . ولا معدل عن هذه الأقوال إلا بقول مبين لا يتطرّق إليه الاحتمال ، ويشبه أن يكون الموضح له روايته عن أبيه ، عن جدّه ، وجدّه على هذا يكون قيسا الشاعر ، ولم يسلم وهو أيضا عدي ، لكن يعارضه قول ابن سعد المذكور ، وأبي عمر : لا أعلم لثابت هذا رواية ، ويؤيّده عدم وجداني أبانا في كتاب من الكتب مذكورا ، والذي يتجه من هذه الأقوال على ما فيه قول أبي نعيم ، أو قول ابن معين كلاهما ، ولأن قيسا الخطمي معروف في الصحابة ويعرف بجد عدي ، وكذلك دينار فيما ذكره أبو عمر ، وابن قانع ، وابن أبي حاتم الرازي . وفي كتاب الحيض لأحمد : أنبأ شريك ، عن أبي اليقظان ، عن عدي ، عن أبيه ، عن علي مثله . وكذا هو في كتاب المصنف ، وفي سؤالات مهنأ : سألت أبا عبد الله عن حديث الأعمش ، عن حبيب ، عن عروة في المستحاضة ، فقال : ليس بصحيح ، قال قلت : من قبل من الخطأ ؟ قال : من قبل الأعمش ؛ لأن حبيبا لم يحدّث عن عروة بن الزبير بشيء . قال : قلت لأحمد : قال يحيى بن سعيد هو شبه لا شيء ، قال : نعم هو كذلك ، وقال الدوري : سمعت يحيى قال أبو بكر بن عياش : ما بالكوفة إلا ثلاثة أنفس : حبيب ، وحماد بن أبي سليمان قلت ليحيى : حبيب ؟ قال : نعم . إنّما روى حديثين أظن يحيى يريد منكرين يعني المستحاضة والقبلة ، وفي كتاب السنن الكبير للبيهقي ، وأما رواية حبيب في شأن فاطمة ، فإنها ضعيفة ، وقال في المعرفة : وهذا حديث ضعيف ضعّفه يحيى بن سعيد القطّان ، وابن المديني ، وابن معين ، وسفيان الثوري ، وحبيب لم يسمع من عروة بن الزبير شيئا ، وقد تقدم في باب القبلة من أمر هذا الحديث شيء كثير ، وأنّ أبا داود أثبت لحبيب سماعا من عروة بن الزبير ، ويزيد ذلك وضوحا أن البزار ذكر هذا والقبلة في باب عروة بن الزبير عن عائشة ، وكذا نسبه وكيع عند ابن ماجه ، عن الأعمش ، وإن ثبت هذا فيكون إسناده صحيحا على شرط الشيخين ، وأصله في الصحيحين بلفظ : إن فاطمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : إني أستحاض ، فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ قال : لا إنّ ذلك عرق ، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي . وفي لفظ : إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي . وذكر الدارقطني أنّ محمد بن عمرو بن علقمة رواه عن الزهري ، فأتى به بلفظ أغرب فيه ، وهو قوله : إن دم الحيض دم أسود يعرف . وفي كتاب المسائل لعبد الله قال : سمعت أبي يقول : كان ابن أبي عدي ثنا بهذا عن عائشة ، ثم تركه بعد ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وقال أبو حاتم : لم يتابع ابن عمرو على هذه الرواية . وقال ابن القطان : وهذا فيما أرى منقطع ، وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد بن عمرو ، عن الزهري ، عن عروة عن فاطمة أنها كانت تستحاض . فهو على هذا منقطع ؛ لأنّه قد حدّث مرة أخرى من حفظه ، فزادهم فيه ، عن عائشة فيما بين عروة وفاطمة فاتصل ، فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة ، أعني أن يحدّث به من حفظه مرسلا ومن كتابه متصلا ، فأمّا هكذا فهو موضع نظر ، وأبو محمد إنّما ساق الرواية المنقطعة ؛ فإنه ساقه عن فاطمة فالمتصلة إنما هو عن عائشة أنّ فاطمة ، وإذا نظر في هذا في كتاب أبي داود تبيّن منه أنّ عروة إنّما أخذ ذلك عن عائشة لا من فاطمة هذا ، ولو قدرنا أنّ عروة سمع من فاطمة ، وقد يظن به السماع منها لحديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكر بن عبد الله عن المنذر ، عن عروة أنّ فاطمة حدّثته أنها سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشكت إليه الدم ، فقال لها : إنما ذلك عرق الحديث . وهذا لا يصح منه سماعه منها ؛ للجهل بحال المنذر ، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه ، فقال : مجهول ليس بالمشهور ، ذكره هكذا أبو داود وهو عند غيره معنعن لم يقل فيه إنّ فاطمة حدّثته ، وكذلك حديث سهل بن أبي صالح ، عن الزهري ، عن عروة قال : حدثتني فاطمة أنها أمرت أسماء ، أو أسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة الحديث . فإنه مشكوك في سماعه إياه من فاطمة ، أو من أسماء ، وفي متن الحديث ما أنكر على سهل وعد مما ساء فيه حفظه وظهر أثر تغيره عليه ، وكان قد تغيّر وذلك أنه أحال على الأيام ، وذلك أنّه قال : فأمرها أن تقعد التي كانت تقعد ، والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم والقرء ، وعن عروة فيه رواية أخرى لم يشك فيها بأن التي حدّثته هي أسماء رواها عليّ بن عاصم ، عن سهيل عند الدارقطني فترى قصتها إنّما يرويها عروة إما عن عائشة وإمّا عن أسماء ، وقد قلنا : إنه ولو صح أنّ عروة [سمع من فاطمة لم ينفع ذلك في الحديث الأول لإدخال عروة] بينها وبينه فيه عائشة ، وزعم ابن حزم أنّ عروة أدرك فاطمة ، ولم يستبعد أن يسمعه من خالته ومن ابنة عمه ، وهذا عندي غير صحيح ، ويجب أن يزاد في البحث عنه ، وفاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد وعروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ، فهي في قعدد الزبير انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث عصبه الجناية برأس سهيل في الإحالة على الأيّام ، وليس هو بمنفرد بذلك ، لما في صحيح البخاري : ثنا أحمد بن أبي رجاء ، ثنا أبو أسامة سمعت هشام بن عروة أخبرني أبي عن عائشة أنّ فاطمة سألت ، وفيه : فدعي الصلاة قدر الأيّام التي كنت تحيضين فيها الحديث . فهذا كما ترى الإحالة على الأيام من غير روايته ، فلا تَدَخُّلٌ لسهيل في هذا السند ، وأما مشاححته ابن حزم ، فليست جيدة؛ لأنه لم يرد الحقيقة ليحررها والمجاز لا مشاحة فيه ، والله تعالى أعلم . وفي رواية عند أبي داود ، عن أسماء قالت : قلت يا رسول الله : إنّ فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت الحديث . قال أبو داود : ورواه مجاهد ، عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين . وفي سؤالات أبي طالب قال أحمد : وقيل له في حديث عائشة قال عليه السلام لفاطمة : دعي الصلاة أيّام أقرائك ، فقال : هذا خطأ ، كل من روى أيام أقرائك ، فقد أخطأ ، عائشة لم ترو عن النبي عليه السلام أقراءك ، وتعني بأن الأقراء : الأطهار ، وإنمَا روى علقمة على ما سمع من عمر وأهل الكوفة لا يعرفون إلا قول عبد الله فجعلوه الأقراء ، والأعمش كان يضبط هذا كانّ الحيض عندهم الأقراء فرووه وأما أهل المدينة ، فلا يقولون الأقراء إّنما يقولون أيام حيضك، وما كانت تحبسك حيضتك ؟ . وأمّا ما زعمه ابن عساكر ومن بعده كالمنذري والقشيري وغيرهما : من أنّ ابن ماجه خرج حديث عائشة هو والجماعة من حديث هشام ، عن أبيه عنها في الطهارة ، ففيه نظر؛ لأنّ ابن ماجه لم يخرج فيه إلا حديث حبيب ، عن عروة المذكور قبل ، وقال ابن عبد البر : هذا الحديث أصح حديث روي في هذا الباب ، وقاله أيضا أبو محمد الإشبيلي ، وقال ابن منده في صحيحه بعد إخراجه من حديث مالك ، عن هشام : هذا إسناد مجمع على صحته ، قال : وهو حديث مشهور عن هشام صحيح رواه أيوب، والثوري، وشعبة، وزائدة ، وابن نمير ، وسعدان بن يحيى، وكلها مقبولة على رسم الجماعة ، وقال أبو معاوية وحماد في حديثهما : قال عروة : تغتسل الغسل الأول ، ثم تتوضأ لكل صلاة . ولفظ أبي عوانة : فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم . وفي لفظ لابن منده : اغتسلي وصلي . وعند الترمذي قال أبو معاوية في حديثه ، فقال : توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت . وقال فيه : حسن صحيح ، وعند الدارقطني : فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، ثم اغتسلي . زاد أبو معاوية قال هشام : قال أبي : ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت . وفي لفظ لأبي عبد الرحمن : فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي ، فإنما ذلك عرق ، وليست بالحيضة . قيل له : فالغسل ؟ قال : ذلك لا يشك فيه ، وفي لفظ للبيهقي : فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي . وضعف هذه اللفظة لمخالفة سائر الرواة عن هشام قال : ولم يذكر أحد عن هشام وتوضئي إلا حماد بن زيد ، وفي موضع آخر : ليست بمحفوظة ، وفيه نظر لما ذكره ابن حبان في صحيحه من حديث أبي حمزة عن هشام به ، ثم قال : ذكر خبر المدحض قول من زعم أن هذه اللفظة تفرد بها أبو حمزة ، فذكر حديث أبي عوانة عنه بها ، ورواه من حديث أبي حمزة السكري ، عن هشام ، عن أبيه مرسلا بلفظ فاغتسلي عند طهرك وتوضئي عند كل صلاة . وروى الحسن بن زياد هذه اللفظة ، عن أبي حنيفة ، عن هشام مرفوعا . قال البيهقي : واللالكائي فيما حكاه عنه ابن الجوزي في التحقيق ، والصحيح أن هذه الكلمة من قول عروة مستدلين بقول هشام قال أبي ، ثم تتوضأ ، وليس ذلك بينّ في الإدراج لما أسلفنا قبل من حديث النسائي وغيره ، ولما يأتي بعد من عند الدارمي أيضا ، وعروة لا يمكن أن يقول هذا من نفسه ، إذ لو قاله هو لكان لفظه : ثم تتوضأ لكل صلاة ، ولم يقل : توضئي مشاكلا لما قبله ، من لفظ الأمر ، والله تعالى أعلم . ويفهم من قول البيهقي وروى اللؤلؤي تفرده بذلك ، وليس الأمر على ما يوهمه كلامه ، فقد تابعه عن أبي حنيفة المقرئ ، وأبو نعيم فيما ذكره الطحاوي بلفظ : فاغتسلي لطهرك ، ثم توضئي عند كل صلاة . وذكر ابن الهذيل فيما ذكره الحافظ أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين ، عن سالم بن عصام ، عن عمه عن محمد بن المغيرة ، عن الحكم عن أيوب عنه ، وتابع أبا حنيفة عليها أيضا يحيى بن هاشم ، رواه الحارث بن أبي أسامة عنه ، ثنا هشام ، وقال أبو عمر في التمهيد : ورواية أبي حنيفة عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا كرواية يحيى بن هاشم سواء ، قال فيه : وتوضئي لكل صلاة ، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن هشام أيضا بإسناده مثله ، وحماد في هشام ثقة ثبت ، وفي موضع آخر : وحديث فاطمة فيه ردّ على من أوجب الوضوء على المستحاضة ، فإذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا لزمها له الوضوء ، وأما دم استحاضتها ، فلا يوجب وضوءا لأنه كدم الجرح السائل ، وكيف يجب من أجله وضوء وهو لا ينقطع ، ومن كانت هذه حاله من سلس البول والمذي لا يرتفع بوضوئه حدثا ؛ لأنه لا يتمه إلا وقد حصل ذلك الحدث في الأغلب انتهى كلامه . وفيه تناقض لما أسلفنا من قوله : إن الوضوء في حديث عائشة صحيح ، وهو من أطراف حديث عائشة المذكور ، فلا رد إذا على من قال به ، والله تعالى أعلم . وأمّا قول البيهقي : إنّ أبا حمزة السكري رواه عن هشام مرسلا فيشبه أن يكون وهمًّا ؛ لأن البستي ذكره في صحيحه ، فقال : ثنا محمد بن علي بن الحسن سمعت أبي ، ثنا أبو حمزة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة أنّ فاطمة بنت أبي حبيش ، فذكره ، وفيه فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة . ثم قال : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أنّ هذه اللفظة تفردّ بها أبو حمزة ، وأبو حنيفة ، أنبأ محمد بن أحمد بن النصر في عقب خبر أبي حمزة ، ثنا محمد بن علي بن شقيق ، سمعت أبي ، ثنا أبو عوانة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة سئل عليه الصلاة والسلام عن المستحاضة ؟ فقال : تدع الصلاة أيامها ، ثم تغتسل غسلا واحدا ، ثم تتوضأ عند كل صلاة . وفي لفظ للإسماعيلي في صحيحه فإذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة ، وإذا أدبرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صلاة . ولفظ الدارمي ، وخرجه في مسنده ، عن حجاج بن منهال ، ثنا حماد بن سلمة : فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي . قال هشام ، وكان أبي يقول : تغتسل غسل الأوّل ، ثم ما يكون بعد ذلك ، فإنها تطهر ، وتصلي . وفي لفظ لأحمد : ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلي . وأمّا قول الشّافعي ذكر الوضوء عندنا غير محفوظ ، ولو كان محفوظا كان أحب إلينا من القياس ، ذكره البيهقي ، وقال : هو كذلك ، ففيه نظر لما أسلفناها ولما في الأوسط لأبي القاسم ، نا محمد بن المرزبان ، ثنا محمد بن حكيم الرازي ، نا هشام بن عبيد الله السني ، نا أبو معاذ خالد البلخي ، عن محمد بن عجلان ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قال عليه السلام : المستحاضة تغتسل مرة ، ثم تتوضأ ، يعني لكل صلاة ، وقال : لم يروه عن ابن عجلان إلا أبو معاذ ، تفرد به هشام . قال أبو عمر : فيه دليل على أنّ المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمرها بغيره ، وردّ القول من رأى عليها الجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد ، والمغرب والعشاء بغسل واحد ، وتغتسل للصبح؛ لأنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمرها بشيء من ذلك في هذا الحديث ، وفيه ردّ لمن قال بالاستظهار يومين ، أو ثلاثا أو أقل ، أو أكثر . غريبه : أمّا القرء ، فذكر الأصمعي أن الحجازيين من الفقهاء ذهبوا إلى أنه الطهر ، وذهب العراقيون إلى أنه الحيض ، ولكل واحد من القولين شاهد من الحديث واللغة ، أمّا حجة الحجازيين من الحديث : فما روي عن عمر ، وعثمان ، وعائشة ، وزيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا : الأقراء الأطهار ، وأما حجتهم من اللغة فيقول ميمون : أفي كل عام أنت جاشم غزوة تُشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثه مالا ، وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا وأمّا حجة العراقيين من الحديث فقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمستحاضة : اقعدي عن الصلاة أيّام أقرائك . وأما حجتهم من اللغة فقول الراجز : يا رب ذي ضغن على فارض له قروء كقروء الحائض قال ابن السيد وحكى يعقوب بن السكيت وغيره من اللغويين أنّ العرب تقول : أقرأت المرأة إذا طهرت وأقرأت إذا حاضت ، وذلك أنّ القرء في كلام العرب معناه الوقت ، فلذلك صلح للطهر والحيض معا ، ويدل على ذلك قول مالك بن خالد الهذلي : شنئت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح وقد احتج بعض الحجازيين لقولهم بقول الله تعالى : ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فأثبت الهاء في ثلاثة ، فدل ذلك على أنّه أراد الأطهار ، ولو أراد الحيض لقال ثلاث قروء ، ولأن الحيض مؤنثة ، وهذا لا حجة فيه عند أهل النظر ، إنما الحجة لهم فيما قدمناه ، وإنما لم تكن فيه حجة؛ لأنه لا ينكر أن يكون القرء لفظا مذكرا يعنى به المؤنث ، ويكون تذكير ثلاثة حملا على اللفظ دون المعنى ، كما تقول العرب : جاءني ثلاثة أشخاص وهم يعنون نساء والعرب تحمل الكلام تارة على اللفظ ، وتارة على المعنى ، ألا ترى إلى قراءة القراء : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي بكسر الكاف وفتحها ، وفي كتاب الأضداد ليعقوب : وقال أبو عمرو الشيباني : يقال دفع فلان إلى فلان جاريته تقرئها مشدّد مهموز ، يعني أن تحيض عنده ، وتطهر للاستبراء ، وجمعه : قروء ، قال الأصمعي : ومنه يقال : أقرأت الريح : إذا جاءت لوقتها ، وأهل الحجاز يقولون : ذهبت عنك القرة مخففة بغير همز ، يريدون وقت المرض ، قال : ومن جعله الطهر احتج بقول أبي عبيدة : أقرأت النجوم بالألف معناه : غابت ، ومنه قرء المرأة فيمن زعم أنه طهرها لغيبة الدّم عند الطهر ، لأنها خرجت من الحيض إلى الطهر ، كما خرجت النجوم من الطلوع إلى المغيب ، وقالوا : ما قرأت الناقة سلا قط مقصور بغير ألف ، ومنه قول عمرو بن كلثوم التغلبي : ذراعي حرة أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا معناه : ما حملت ، ولا غيبت في بطنها ولدا ، ومن ذلك قراء المرأة فيمن زعم أنه طهرها ، قال يعقوب : وسمعت أبا عمرو الشيباني يقول : الإقراء : أن يقري الحية سمها ، وذلك أنها تصونه ، أي تجمعه شهرا ، فإذا وفى لها شهرا أقرأت ، ومجت سمها ، ولو أنها لدغت شيئا في أقرائها لم تطنه ، ولم ينج سليمها ، ويقال : قد أقرأ سُمّها ، إذا اجتمع . وقوله : تستثفر ، قال الجوهري : استثفر الرجل بثوبه إذا ردّ طرفه بيّن رجليه إلى حجزته ، واستثفر الكلب بذنبه : أي جعله بين فخذيه ، قال الزبرقان بن بدر : تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستثفر الحامي وقال الهروي : هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة توثق طرفيها في حقب ، تشدّه على وسطها بعد أن تحشى كرسفا ، فيمنع بذلك الدم ، ويحتمل أن يكون مأخوذا من ثفر الدابة تشدّه كما يشدّ الثغر تحت الذنب ، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثفر ، يريد به فرجها ، وإن كان أصله للسباع ، فإنه استعير ، والله تعالى أعلم ، وفي الأساس : أثفر الدابة مثفار يرمي بسرجه إلى مؤخره ، ومن المجاز استثفرت المستحاضة : تلجمت . قال ابن عباس : والاستحاضة هو جريان الدم من الفرج في غير أوانه من عرق ، يقال له : العاذل بخلاف الحيض لخروجه من قعر الرحم .

64

باب ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي 18 - حدثنا محمد بن الصباح ، أنبأ سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الأرقم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا أراد أحدكم الغائط ، وأقيمت الصلاة فليبدأ به . هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه من حديث مالك ، عن هشام بلفظ : إذا وُجِدَ الْغَائِطُ فَلْيَبْدَأَ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وخرجهُ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ ، عَنْ هِشَامٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخِينِ ، ولم يُخْرِجَاهُ وَلَهُ شُهُودٌ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، فذكر حَدِيثَ ثَوْرٍ ، عَنْ يَزِيدِ بْنِ شُرَيْحٍ ، عن أبي هريرة . وحديث عائشة المذكور في الصحيح ، ولا معنى لذكره عنده بإسناده ، إلا أن يكون وَهِمَ فِيهِ ، وَلَوْ أَرَادَ التنبيه عليه لذكره مقطوعا كعادته ، وقال في موضع آخر : هذا حديث صحيح من جملة ما قدّمت ذكره من تفرد التابعي عن الصحابة ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وقال في العلل : سألت محمدا عنه فقال : رواه وهب ، عن هشام ، عن أبيه ، عن رجل ، عن ابن الأرقم ، فكان هذا أشبه عندي . قال أبو عيسى : رواه مالك وغير واحد من الثقات عن هشام ، عن أبيه ، عن ابن الأرقم لم يذكروا فيه : عن رجل ، وفي سنن أبي داود : روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق ، وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام ، عن عروة ، عن رجل حدّثه ، عن ابن الأرقم ، وأكثر الذين رووه ، عن هشام قالوا كما قال زهير يعني : بسقوط الرجل ، وقال أبو نعيم الحافظ : رواه السختياني، والثوري، وشعبة والحمادان ، ومعمر ، وابن عيينة ، وابن إسحاق ، وهمام ، وزهير ، وزائدة ، ومرجى بن رجاء ، وأبو معاوية ، وحفص ، وابن نمير ، وأبو مسهر ، ووكيع ، وأبو أسامة ، ومحمد بن بشر ، وعبدة ، وأبو ضمرة في آخرين مثله عن هشام ، ورواه وهيب ، وشعيب بن إسحاق ، وابن جريج في بعض الروايات عنه فقالوا : عن رجل . قال : ورواه أيضا أبو الأسود ، عن عروة بلفظ : إذا حضرت الصلاة ، وكان بأحدكم الغائط فليبدأ به ، ثم ليصل بعد ، ولا يأت الصلاة وهو يدافع . رواه عن سليمان ، نا المقدام بن داود ، ثنا أسد بن موسى ، ثنا ابن لهيعة ، ثنا أبو الأسود به . وخرجه إمام الأئمة في صحيحه من حديث أيوب ، عن هشام بغير واسطة ، ولفظه عن عبد الله بن أرقم ، وكان يؤم قومه فجاء وقد أقيمت الصلاة ، فقال : ليصل أحدكم ، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : إذا حضرت الصلاة وحضر الغائط فابدءوا بالغائط . ورواه أبو علي في أحكامه عن محمد بن عبد الله المقرئ ، عن ابن عيينة بلفظ : وكان يؤم أصحابه في سفر إلى مكة فأقيمت الصلاة . وصححه ورجحه أبو حاتم الرازي في كتاب العلل وصححه أيضا ابن حزم ، وفي التمهيد لم يختلف عن مالك في إسناده ولفظه ، واختلف فيه عن هشام وتابع مالكا جماعة ، وقال البزار : لا نعلم ابن أرقم روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا هذا ، ورواه بغير واسطة أبو القاسم في الأوسط من حديث زافر بن سليمان ، عن الثوري ، وقال : لم يروه عن زافر إلا عبد الله بن أبي غسان ، ومن حديث قيس بن سعد ، عن هشام ، وقال : لم يروه عن قيس إلا جرير بن حازم ، ولا عن جرير إلا ابنه وهب تفرد به محمد بن عبد الحكيم العبدي ، وأما ما ذكره الحافظ ابن عساكر في كتاب الأطراف من قوله : رواه ابن ماجه في كتاب الصلاة عن محمد بن الصباح ، أنبأ أبو يوسف ، وقرره على ذلك المزي فيشبه أن يكون وهما منهما لما أسلفناه ، ولأني لم أر لهذا في كتاب الصلاة ذكرا ، والله تعالى أعلم .

65

20 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، عن إدريس الأودي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وبه أذى . هذا حديث رواه أبو داود مطولا عن محمود بن خالد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا ثور ، عن يزيد بن شريح ، عن أبي حي المؤذن ، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفّف ، قال : ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم ، ولا يختص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل ، فقد خانهم . وقال : هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد . وخرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث شعيب بن إسحاق ، عن ثور ، عن يزيد ، عن أبي هريرة مختصرا ، وصحح إسناده كما تقّدم ، وفي الاستذكار زيادة وهو حاقن جدا . قال أبو عمر : هو حديث ضعيف لضعف إسناده منهم من يجعله عن أبي هريرة ومنهم من يجعله عن ثوبان ، وأظن أبا عمر إنما رده للجهالة بحال أبي حي المؤذن ، ويوضح ذلك ما قاله في التمهيد وروى يزيد بن شريح ، عن أبي حي ، عن أبي هريرة الحديث . وهو خبر لا تقوم به حجة عند أهل العلم بالحديث . وحديث عبد الله المبدأ بذكره صحيح الإسناد على شرط الشيخين ، والعجب من أبي عيسى كيف يحكم على حديث ابن عياش بالجودة على هذا ؟ ! اللهم ، إلا أن يريد حديث يزيد عن أبي حي وهو الأشبه ، والله أعلم . وفي الباب : حديث عائشة قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يصلي وهو يجد في بطنه شيئا . ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن أبي معشر - يعني عن هشام بن عروة ، عن أبيه عنها - إلا محمد بن بكار بن الريان . وحديث المسور بن مخرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصلين أحدكم وهو يجد من الأذى شيئا . يعني : الغائط والبول . رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عنه قال : لم يروه عن الزهري إلا ابن أخيه محمد بن عبد الله تفرد به الواقدي . وحديث أبي موسى موقوفا : لا يدافعن أحدكم الغائط والبول . قال ابن أبي حاتم : أباه عنه ، وأن أبا بكر بن عياش رواه عن سليمان التيمي ، عن أسلم أبي مراية ، قال : قعد أبو موسى يحدثنا ، فذكره . فقال : أبو بكر يخطئ في هذا الحديث ، وإنما هو أسلم العجلي ، عن أبي مراية قال : جعل أبو موسى يعلّم الناس سننهم ودينهم ، فقال : ولا يدافعن أحدكم في بطنه غائطا ، ولا بولا ، فذكره مطولا . أنبأ به الشيخان فخر الدين عثمان ونور الواني قراءة عليهما . أنبأ عبد الرحمن بن مكي قراءة عليه ، أنا جدي الحافظ قراءة عليه ، أنا أبو القاسم محمد بن محمد بن مخلد قراءة عليه ، أنبأ أبو علي الصفار ، ثنا الحسن بن عرفة ، ثنا ابن علية ، فذكره . وحديث عمران القطان ، عن هشام ، عن أبيه قال : أقام عبد اللّه بن عمر ذات يوم الصلاة ، فقال لرجل من القوم : تقدّم فصلّ ، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : إذا كان بأحدكم رز فليتوضأ . ذكره أيضا ، وقال : لم يروه عن عمران إلا محمد بن بلال . وحديث ثوبان عند أبي داود ، من حديث حبيب بن صالح ، عن يزيد بن شريح ، عن أبي حي عنه بنحو حديث أبي هريرة ، وقال فيه الترمذي : حسن . وقال في كتاب التفرد : الذي تفرد من هذا الحديث أن يخص نفسه بالدعاء . ورواه ثور ، عن يزيد عن أبي حي ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام ، ورواه معاوية بن صالح ، عن السفر ، عن يزيد ، عن أبي أمامة . وحديث أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لا يصل أحدكم وهو يدافع الأخبثين . وذكر أبو عمر في التمهيد : أنه روى عن مالك ، عن الزهري عنه مناكير ، وهو حديث لا أصل له من حديث مالك وهو باطل موضوع الإسناد . وحديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : من وجد في بطنه رزا فلينصرف حتى يفرغ من حاجته ، ثم يعود إلى صلاته . ذكره الإمام أحمد في مسنده ، وقال أبو حاتم : أنا أرضى أن يكون هذا من كلام علي موقوف . وقال أبو القاسم : لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد تفرّد به ابن لهيعة . وحديث سلمان قال : من وجد في بطنه رزا من بول ، أو غائط فلينصرف غير متكلم ، ولا داع . ذكره ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، قال : وقال : هو إسناد مقلوب ، قال أبو عمر : اختلف العلماء فيمن صلى وهو حاقن ، فقال ابن القاسم عن مالك : إذا شغله ذلك فصلى كذلك ، فإني أحبّ أن يعيد في الوقت وبعده . وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وعبيد الله بن الحسن : يكره أن يصلي وهو حاقن ، وصلاته مع ذلك جائزة ، وإن لم يترك شيئا من فرائضها . وقال الثوري : إذا خاف أن يسبقه البول قدم رجلا ، وانصرف . وقال الطحاوي : لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من أمر الدنيا لم يستحب له الإعادة ، وكذلك إذا شغله البول . قال أبو عمر : أحسن شيء روي مسندا في هذا حديث ابن أرقم ، وحديث عائشة يعني : لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . قال : وحديث ابن حي المؤذن - إن صحّ - كان معناه حاقنا جدا لم يتهيأ له إكمال صلاته على وجهها انتهى ، قد أسلفنا قبل من عنده لفظة : ( حاقنا جدا ) ، فلا حاجة إلى التخرص . وعن ابن عباس قال : لأن أصلي وهو في ناحية ثوبي أحب إلي من أن أصلي وأنا أدافعه ، ذكره الترمذي ، وجاءت فيه رخصة عن النخعي وطاوس . قال أبو عمر : الذي نقول به أنه لا ينبغي لأحد أن يفعله ، فإن فعله ، وسلمت له صلاته أجزأت عنه ، وبئس ما صنع ، والله تعالى أعلم .

66

19 - حدثنا بشر بن آدم ، ثنا زيد بن الحباب ، نا معاوية بن صالح ، عن السفر بن نسير ، عن يزيد بن شريح ، عن أبي أمامة أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يصلي الرجل وهو حاقن . هذا حديث إسناده صحيح على شرط ابن حبان ، يزيد بن شريح روى عنه حبيب بن صالح ، ومحمد بن الوليد الزبيدي ، وأبو الزاهرية ، وثور بن يزيد الكلاعي ، ويزيد بن أيهم الحمصي . قال بقية بن الوليد : هو من صالحي أهل الشام، ووثقه ابن حبان ، وقد تقدّم تصحيح الحاكم إسناد حديثه ، ولفظه عند أبي الحسن : لا يدخل بيتا إلا بإذن ، ولا يؤمن إمام فيخص نفسه بالدّعاء دونهم . والراوي عنه أظن أن فيها سقط ، فتحتاج إلى تحقيق روى عنه عبد الله بن رجاء الشيباني أيضا ، وإن كان الدارقطني قال : لا يعتبر به ، فقد وثّقه ابن حبان ، وباقي من فيه حديثهم في الصحيح ، وأما قول الدارقطني : وسئل عنه خالفه يعني السفر : ثور بن يزيد ، فرواه عن يزيد بن شريح ، عن أبي حي يعني المؤذّن عن ثوبان عن النبي - عليه السلام والله تعالى أعلم بالصواب ، فليس ترجيحا لأحد القولين على الآخر ، ولو رجّح أحدهما على الآخر قلنا : يحتمل أن يكون يريد عنده في هذا حديثان ، وأما ترجيح أبي عيسى حديث أبي حي على حديث السفر بقوله إثره : وقد روي هذا عن معاوية بن صالح ، عن السفر ، عن يزيد ، عن أبي أمامة ، وروي عن يزيد بن شريح ، عن أبي هريرة ، وحديثه عن أبي حي أجود إسنادا وأشهر ، فليس حكما منه على حديث معاوية بضعف ، ولا وهن كأنه قال : هما جيّدان ، وأحدهما أجود من الآخر ، هذا موضوع اللغة والعرف ، ولكن لا جودة لإسناد الترمذي لكونه من حديث إسماعيل بن عياش ، وإن كان من حديثه عن الشّاميين ، وقد قدّمنا ذكر من جوّد هذا الحديث ، وسيأتي تكملة إن شاء الله تعالى .

67

باب الفطرة 28 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : الفطرة خمس ، أو خمس من الفطرة : الختان ، والاستحداد ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإِبط ، وقص الشارب . خرجاه في صحيحيهما ، وأما سعيد بن أبي سعيد فرواه عنه مالك في موطئه ، عن أبي هريرة موقوفا به ، ورواه أكثر رواة الموطأ إلا بشر بن عمر ، فإنه رواه عنه مرفوعا ، ولفظ ابن حبان قال : من فطرة الإِسلام : الغسل يوم الجمعة ، والاستنان ، وأخذ الشارب ، وإعفاء اللحى ، فإن المجوس تعفي شواربها ، وتحفي لحاها ، فخالفوهم ، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم .

68

29 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، ثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن مصعب بن شيبة ، عن طلق بن حبيب ، عن ابن الزبير ، عن عائشة قالت : قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، والاستنشاق بالماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإِبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء يعني : الاستنجاء . قال زكرياء : قال مصعب : ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة . رواه مسلم في صحيحه والترمذي ، وقال : حسن . وقد اختلف في رفعه ووقفه ؛ فرواه مرفوعا مصعب منفردا به عن طلق . ورواه سليمان التيمي وجعفر بن إياس ، عن طلق ، قال : كان يقال : عشر من الفطرة ، كذا في كتاب النسائي ، ورواية الرفع انفرد بها ابن أبي زائدة ، عن مصعب ، واختلف في تصحيحه ؛ فأباه الإِمام أحمد بن حنبل فقال : مصعب بن شيبة أحاديثه مناكير ، منها عشر من الفطرة ، والنسائي . وقال : حديث التيمي أشبه بالصواب من حديث مصعب ، ومصعب منكر الحديث . وفي موضع آخر : وحديث التيمي وأبي بشر أولى ، كذا ذكره في سننه ، وقال في المجتبى : ومصعب بن شيبة في حديثه شيء ، وهذا غير الأول ، والله أعلم ، حيث قال : التيمي ، وابن إياس أثبت منه وأصح حديثا ، وأبو الحسن الدارقطني حيث قال : التيمي وابن إياس أثبت منه ، وأصح حديثًا ، وأبو عبد الله بن منده الأصبهاني ، حيث قال : خرجه مسلم وتركه البخاري وهو حديث معلول ، رواه التيمي عن طلق مرسلا . وقيل : الرفع صحيح اعتبارا بتوثيق مصعب عند ابن معين ، والعجلي ، وابن خزيمة لذكره حديثه هذا في صحيحه من حديث محمد بن بشر ، نا زكريا ، نا مصعب ، وحديث محمد بن رافع ، نا ابن نمير ، عن زكريا لم يذكر العاشرة ، لا يتيقن ولا يشك ، وفي حديث عبده : العاشرة لا أدري ما هي إلَّا أن تكون المضمضة ، وهي مدرجة ، ومذهب مسلم بن حجاج وغيرهما ، وستأتي أحاديث متابعة له وشاهدة .

69

30 - حدّثنا سهل بن أبي سهل ، ومحمد بن يحيى ، قالا : ثنا أبو الوليد ، ثنا حماد ، عن علي بن زيد ، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن عمار بن ياسر أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : من الفطرة : المضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وقص الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإِبط ، والاستحداد ، وغسل البراجم ، والانتضاح ، والاختتان . هذا حديث معلول ، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال : هذا حديث ضعيف ، ولم يبيّن سبب ذلك ، وهو ما ذكره أبو داود حين تخريجه عن موسى بن إسماعيل ، وداود بن رشيد ، قال : ثنا حماد عَن علي بن زيد ، عن سلمة بن محمد ، قال موسى : عن أبيه . وقال داود : عن عمار ، فعلى قول موسى يكون الحديث مرسلا ؛ لأن أباه لم يذكر أحد أن له صحبة ، وعلى قول داود يكون منقطعا ؛ لأن حديثه عن جدّه ، قال ابن معين : مرسل . وقال البخاري : لا يعرف أنّه سمع منه . وقال عنه : لم يره ، ومع ذلك فحاله مجهولة ، لم نر أحدا تعرض لذكرها ، وإن كان أبوه هو : محمد بن عمار بن ياسر ، والد سلمة بن محمد قد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وقد تابع داود حجاج بن منهال ، وأبو عمر الضرير ، وهدبة بن خالد فيما ذكره الطبراني في المعجم الكبير ، فهذا كما ترى متابع لحديث طلق ، ومنه ما ذكره أبو داود فيما رواه عنه ابن العَبد ، قال : روي نحوه عن ابن عباس ، قال : خمس كلها في الرأس ، منها الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية . ورُوي نحو حديث حماد عن طلق بن حبيب ومجاهد عن بكر المزني قولهم : لم يذكروا إعفاء اللحية ، وفي حديث محمد بن عبد الله بن أبي مريم ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وفيه إعفاء اللحية ، وعن إبراهيم النخعي نحوه ذكر إعفاء اللحية ، والختان ، ولفظ الطيالسي عن حماد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الفطرة فذكره . وفي حديث يعلى بن الأشدق ، عن عبد الله بن جراد - وهو مختلف في صحبته - قال - عليه السلام - : السواك من الفطرة . وفي حديث ابن عباس المذكور عند أبي نعيم من جهة إسماعيل بن عياش عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنّ جبريل أبطأ عليه ، فذكر ذلك له ، فقال : كيف لا نبطئ عنكم وأنتم حولي لا تستنون ، ولا تقَلِّمون أظفاركم ، ولا تنقون شواربكم ، ولا تحفون من حواجبكم ؟ . وحديث ابن عمر عند أبي أمية الطرسوسي ، نا مكي بن إبراهيم ، عن عاصم ، عن نافع عنه : إن الفطرة قص الشارب وحلق العانة ، حدثنا جعفر بن أحمد ، ثنا عفان بن مسلم ، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد مثله .

70

31 - حدثنا بشر بن هلال الصواف ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك قال : وقّت لنا في قصّ الشارب ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظافر ، ألا نترك أكثر من أربعين ليلة . هذا حديث صحيح رواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى وقتيبة ، كلاهما عن جعفر به ، قال ابن منده عند تخريجه إياه من حديث جعفر : وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم ، وتركه البخاري من هذا الوجه . ورواه هشيم وغيره ، عن صدقة الدقيقي ، عن أبي عمران ، عن أنس قال : وقت لنا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في قص الشارب الحديث ، وقال : هذا إسناد صحيح على رسم البخاري . انتهى . وفيِما قاله نظر ، وذلك أن صدقة بن موسى أبو المغيرة ، ويقال : أبو محمد السلمي الدقيقي البصري ليس من شرط البخاري في شيء ، وأنى ذلك مع قول ابن معين فيه : ليس بشيء ، وفي موضع آخر : ضعيف ، وبنحوه قاله النسائي . وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مما يتابع عليه ، وبعضها مما لا يتابع عليه ، وهو ضعيف . وقال ابن حبان : كان شيخا صالحا إلَّا أنّ الحديث لم يكن صناعته ؛ فكان إذا روى قلب الأخبار ، فخرج عن حد الاحتجاج به ، ولما خرّج الترمذي حديثه هذا خرج بعده حديث جعفر . وقال : هذا أصح من الأول ، وهو في ذلك كما قيل : حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشر أهون من بعض لأن جعفر بن سليمان تكلّم فيه غير واحد ، وإن كان مسلم قد خرج حديثه منفردا به ، منهم سليمان بن حرب ، وابن المديني ، وابن سعد ، وابن عدي ، ويحيى بن سعيد وغيرهم ، واللّه أعلم . ولما ذكره البزار من جهة جعفر ، قال : لا نعلم أحدا مشهورا رواه عن أنس إلا الجوني ، وصدقة ليس عندهم بالحافظ ، ولا نعلم رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلَّا أنس بن مالك . الأصل في الفطرة : الفطر وهو : المصدر مفتوح الفاء ، وهو الابتداء والاختراع ، يقال : فطره اللّه تعالى ، أي : ابتدأه واخترعه ، وكذلك افتطر فيما ذكره الزمخشري في أساس البلاغة ، قال ابن عباس : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأتها ، وهي لفظة تقال بالاشتراك على الخلقة والجبلة التي خلق اللّه تعالى الخلقَ عليها ، وفي الحديث : كل مولود يولد على الفطرة ، قيل : على نوع من الجبلة والطبع المنتهي لقبول الدين ، فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها وعلى معرفة اللّه - تعالى - والإقرار به ، أي : يولد على ما كان أقر به لما خرج من ظهر آدم . حكى ذلك القزاز في تفسير غريب البخاري ، وزعم أنّ الأول أولى الوجوه فيها . وقال الخطابي : فسّره أكثر العلماء بالسنة ، وقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر مرفوعا : من السنة : قص الشارب ، ونتف الإِبط ، وتقليم الأظفار ، وفي صحيح ابن حبان من حديث زيد بن أرقم مرفوعا : من السنة : قص الشارب ، من لم يأخذ من شاربه فليس منا . وفسرها آخرون بالدين ، منهم الماوردي ، ويدلّ عليه وروده صريحا في بعض الروايات . وأما إعفاء اللحية فهو توفيرها ، قال الجوهري : عفا الشعر والنبت وغيرهما : كثر . زاد ابن سيده في المحكم : وطال . قال الجوهري : ومنه قوله حتى عفوا أي كثروا ، عفوته ، وعفيته ، لغتان ، والعافي : الطويل الشعر ، وفي كتاب الأضداد لابن السكيت : عفا الشعر ، إذا وفا ، وعفا إذا درس ، قال الهروي : ومنه قوله - عليه السلام - : فعلى الدنيا العفا أي الدروس ، كره لنا أن نعفها كفعل بعض الأعاجم ، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن . وأما الأظفار ، فهو جمع ظفر ، مضموم الظاء والفاء ، وبضم الظاء وإسكان الفاء وبكسر الظاء وسكون الفاء ، وأظافير جمع أظفور لغة في الظفر ، ورجل أظفر : طويل الأظفار عريضها ، وظفر حديد الظفر . قاله في الأساس . والبراجم : واحدها برجمة ، بضم الباء ، وهي عقد الأصابع ومفاصِلها ، وبه سميت البراجم من تميم وعبد القيس . وقال أبو عبيد : البراجم والرواجب جميعا : مفاصل الأصابع . وأبى ذلك غيره ؛ فقال الرواجب : هي ما بين العقد من داخل ، واحدها راجبة ، والبراجم من ظهور الأصابع . والإِبط : باطن المنكب ، يذكر ويؤنث ، والتذكير أعلى ، والجمع آباط . قال الجواليقي : وبعض المتحذلقين يقوله بكسر الباء ، والصواب سكونها . انتهى . يشهد لقائل ذلك قول الراجز فيما أنشده القزاز : كان هواء في خواء إبطه ليس بمهل البروك فرشطة وأما المبرد فزعم أن ذلك للاتباع كقول عبد مناف بن ربع الهذلي : إذا تأوب نوح قامتا معه ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا والعانة : النابت من الشعر حول القبل ، وقيل : منبت الشعر هناك ، وتصغيرها عوينة . وانتقاص الماء ، بقاف وصاد مهملة ، فُسر بالاستنجاء ، ويؤيّده ورود ذلك صريحا في الموقوف عن ابن عباس ، والحديثان واحد في تعداد خصال الفطرة ، والمعنى : انقطاع البول بالماء عند الغسل ، قاله أبو عبيد . وقد قيل : الماء يذهب الماء ، وزعم ابن الأثير أنّ الصواب بفاءٍ وصاد مهملة ، والمراد : نضحه على الذكر ، من قولهم : لنضح الدّم القليل نفصة ، وجمعها نفص ، والأول أعرف . والختان قال الأزهري : أصله القطع ، ويطلق على قطع الغُلفَة من القبل تارة ، وعلى موضع القطع أخرى ، والمراد الأول ، ويقال فيه : الختانة ، قاله الجوهري ، يقال : ختن الغلام والجارية يختِنهما ويختُنهما ختنا وختانا ، فيما قال أبو زيد ، وقال : الختن للرجال ، والخفض للنساء ، والختين : المختون والمختونة ، الذكر والأنثى في ذلك سواء ، وحكم ذلك يذكر في بابه إن شاء اللّه تعالى . وفي قوله : إلا أن تكون المضمضة ، قال عياض رحمه اللّه : ولعلها الختان ، وهو أولى ؛ لأنه في حديث أبي هريرة مذكور ، واستضعف ذلك لوجهين : أحدهما : أنّ خصال الفطرة لم ترد على جهة الحصر ، ولهذا اختلف تعدادها في الأحاديث ، وجاءت بصيغة التبعيض بالنص على شيء منها في حديث الخمس ، لا يدل على فرد معنى نسيه راوٍ في حديث العشر . الثاني : ما رجّح بعينه ، بوروده في حديث أبي هريرة ، معارض بورود ما تقدّم في حديث عمار وعبد الله بن عباس . ويرجّح ذلك لأمرين : أحدهما : في حديث عمار وابن عباس مع حديث عائشة كالمتن الواحد من جهة تعداد العشر ، فما قصر في ضبطه بعض رواته يقرب إتمامه من ضبط الآخر ؛ ولهذا أوردهما ابن ماجه في باب واحد ، وكذلك غيره . الثاني : المضمضة والاستنشاق قريبان ؛ فورود المضمضة يقرب ورود الآخر ، واختلف في الناسي لذلك ؛ فعند وكيع عن زكريا أنه مصعب ، كما في الكتاب ، وقال يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبيه : إنه هو . روى ذلك مسلم في صحيحه . وقيل غير ذلك كما أسلفناه من صحيح ابن خزيمة .

71

17 - حدثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة الحماني ، ثنا عبد الحميد أبو يحيى الحماني ، ثنا الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يغتسلن أحدكم بأرض فلاة ، ولا فوق سطح لا يواريه ؛ فإن لم يكن يرى ، فإنه يُرى . هذا حديث جمع ضعفًا وانقطاعًا : عبد الحميد أبو يحيى الحماني ، وإن وثّقه ابن معين ، وخرج عند البخاري في صحيحه ، وقال ابن عدي : يكتب حديثه ، فقد ضعفه الإمام أحمد بن حنبل ، وقال ابن سعد : كان ضعيفا ، وشيخه الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي مولاهم أبو محمد الكوفي روى عن جماعة من التابعين ، وروى عنه جماعة كثيرة ، وإن كان عيسى بن يونس قال فيه : شيخ صالح ، وقال الفلاس : رجل صالح ، صدوق ، وأثنى عليه يزيد بن هارون بما سنذكره بعد ، فقد قال البخاري : قال لي أحمد بن سعيد : سمعت النضر بن شميل ، عن شعبة قال : أفادني الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، قال أحمد : أحسبه قال سبعين حديثا ، فلم يكن لها أصل . وقال لي عبد الله بن محمد : قيل لابن عيينة : أكان ابن عمارة يحفظ ؟ فقال : كان له فضل ، وغيره أحفظ منه ، وسئل عنه عبد الله بن المبارك ، فقيل : لم تركت حديثه ؟ فقال : جرّحه عندي سفيان ، وسفيان الثوري، وشعبة ، فبقولهم : تركت حديثه ، وفي تاريخ ابن المبارك : كان لا يحفظ ، وفي لفظ : ما كنا نثق بحفظ الشيخ . وقال أبو داود الطيالسي : قال لي شعبة : ائت جرير بن حازم فقل له : لا يحل لك أن تروي عن الحسن ، فإنه يكذب ، فقلت لشعبة : كيف ذاك ؟ قال : ثنا عن الحسن بأشياء لم يكن لها أصل ، ويحدّث بأحاديث وضعها . وقال النضر بن شميل : قال الحسن : الناس كلّهم في حل إلا شعبة . وقال أبو طالب : قال أحمد بن حنبل : هو متروك الحديث ؛ أحاديثه موضوعة ، لا يكتب حديثه ، وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم : سألت يحيى بن معين عنه ، فقال : لا يكتب حديثه ، وقال ابن أبي خيثمة عنه : ليس حديثه بشيء ، وفي رواية : يكذب . وقال مكي بن عبدان : سمعت مسلما يقول : هو متروك الحديث ، ومثله قاله الفسوي في تاريخه ، وعلي بن الجنيد ، والرازي ، وقال عبد المؤمن بن خلف : سألت أبا علي صالح بن محمد عنه ، فقال : لا يكتب حديثه . وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال أبو حاتم : سمعت الحميدي يقول : دمر علي ابن عمارة . وقال عبد الله بن علي بن المديني : سمعت أبي ، وذكره فقال : ما أحتاج إلى شعبة فيه ، أمره أبين من ذلك ، فقيل له : كان يغلط ؟ فقال : نعم ، وذهب إلى أنه كان يضع الحديث ، وقال الدارقطني : متروك الحديث ، وقال أبو أحمد : ما أقرب قصته إلى ما قال عمرو بن علي : إنّه كثير الوهم والغلط ، وقد قيل : إنّ الحسن كان صاحب مال ، وتحول الحكم بن عتيبة إلى منزله ، فخصه بما لم يخص به غيره ، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق ، وقال ابن حبان : كان يدلس عن الثقات بما يسمع من الضعفاء ، ثم يسقط أسماء الضعفاء ، ويروي عن الثقات . وقال الساجي : ضعيف الحديث ، متروك أجمعوا على ترك حديثه ، سمعت ابن المثنى يقول : ما سمعت يحيى ، ولا عبد الرحمن يحدثان عنه بشيء ، ولما ولي المظالم قال الأعمش : ظالم ولي المظالم ، فبعث إليه بأثواب ونفقة ، فلما أصبح قال : هكذا ولي مظالمنا من يعرف حقوقنا ، وقال ابن معين : كان ضعيفا في الحديث ، وهو ممن لا يكتب حديثه ، وقال الحربي : غيره أوثق منه ، وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور : قال يزيد بن هارون : الويل لشعبة ، والله إني لأخشى أن يكون قد لقي ذلا في الآخرة بما صنع بابن عمارة ، وإن أهل بيت الحسن يدعون اللّه تعالى عليه حتى الساعة ، وكان والله خيرا من شعبة ، لو أني وجدت أعوانا لأسقطت شعبة ، قال الحاكم : هذا كلام المشايخ الذين لا يعرفون الجرح والتعديل ، فوالله إن شعبة كان على الحق في جرحه ابن عمارة ، والحق معه ، وشعبة إمام لا يسقط بكلام أحد من الناس ، وهذا الكلام لا أعرف له راويا عن يزيد غير إبراهيم بن عبد الله الرباطي ويقال : الحمال ، وقال الطحاوي : قال جرير بن عبد الحميد : ما ظننت أني أعيش إلى زمان يحدّث فيه عن محمد بن إسحاق ، ويسكت فيه عن ابن عمارة ، وقال البزار : سكت أهل العلم عن حديثه ، وقال الجوزجاني : ساقط ، وقال الفلاس : كثير الخطأ والوهم متروك ، وذكره أبو جعفر العقيلي في كتاب ( الضعفاء ) ، وقال أبو بشر الدولابي : ثنا عبد الله بن أحمد ، عن أبيه قال : كان وكيع إذا وقفه على حديث ابن عمارة قال : أجر عليه . قال أبو بشر : وكان ابن عيينة يضعفه . ولما ذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء قال : قال لي مالك بن عيسى : إنّ أبا الحسن الكوفي ضعف ابن عمارة وترك أن يحدّث عنه ، وأما الانقطاع فهو فيما بين أبي عبيدة وأبيه ، نصّ على ذلك شعبة ، وعمرو بن مرّة ، وأبو حاتم الرازي ، وأحمد بن حنبل في رواية الحضرمي عن أبيه عنه ، وقد تقدّم ذلك قبل ، وفي الباب : حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم قال صلى الله عليه وسلم : لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل ، ولا المرأة إلى عرية المرأة . وحديث ميمونة قالت : وضعت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماء وسترته فاغتسل . رواه أيضا مسلم ، وحديث يعلى بن أمية : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رأى رجلا يغتسل بالبراز ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله جل وعز حيي ستير يحب الحياء والستر ؛ فإذا اغتسل أحدكم ، فليستتر . روه أبو داود من جهة عبد الملك العرزمي ، عن عطاء ، عن صفوان ، عن يعلى ، عن أبيه ، وعنه عن عطاء عن يعلى تاما . وخرجه الإمام أحمد بلفظ : فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوارى بشيء . ولما سأل ابن أبي حاتم فقال : المتصل محفوظ ؟ قال : ليس بذاك . وفي كتاب الخلال ، عن أحمد : هذا حديث منكر ، وقال الدارقطني : أنا أنكره ؛ لأنهم رووه ، عن عطاء مرسلا ، ووصله أسود ، وحديث أبي هريرة قال عليه السلام : إذا اغتسل أحدكم بفضاء من الأرض ، فمن استطاع أن لا يغتسل بفضاء من الأرض ، فإن كان لا بد فاعلا فليخط خطا . قال أبو القاسم في الأوسط : ورواه من حديث الزهري عن أبي سلمة عنه ، لا يروى هذا الحديث عن الزهري إلا بهذا الإسناد ، تفرد به عبد المجيد بن أبي رواد يعني : عن مروان بن سالم ، عن محمد بن عقيل ، عن الزهري . وحديث عائشة قالت : نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن دخول الحمامات ، ثم رخّص للرجال أن يدخلوها في الميازر . ورواه أبو داود بسند جيد ، وإن خالف عبد الحق . وحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إنها ستفتح لكم أرض العجم ، وستجدون فيها بيوتا يقال لها : الحمامات ، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر . ذكره أيضا من حديث الإفريقي ، عن عبد الرحمن بن رافع عنه ، وحديث طاوس ، عن ابن عباس قال عليه السلام : احذروا بيتا يقال له : الحمام ، قالوا : يا رسول الله ، ينقي الوسخ! قال : فاستتروا . رواه البزار ، وقال عبد الحق : هو أصح حديث في هذا الباب على أن الناس يرسلونه عن طاوس ، وأما ما أخرجه أبو داود في هذا ، فلا يصح منه شيء؛ لضعف إسناده . وحديث ميمونة قالت : وضعت للنبي - عليه السلام - ماء فسترته فاغتسل ذكره السراج في مسنده بإسناد صحيح عن إسحاق بن إبراهيم ، أنبأ موسى القارئ ، ثنا زائدة ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس عنها . وحديث ابن عباس قال : كان عليه السلام يغتسل من وراء الحجرات فما رأى عورته أحد قط ، وفي لفظ : إن الله نهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم : الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين : الغائط والجنابة والغسل ، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء ، فليستتر بثوبه ، أو بجدر حائط . رواه أيضا من حديث حفص بن سليمان المكتب عن علقمة بن مرثد ، عن مجاهد ، وحديث أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأى أحدكم أن يدخل الماء لا يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء ، رواه أحمد من حديث ابن جدعان عنه وهو معارض بقوله عليه السلام : لا تدخلوا الماء إلا بمئزر ، فإن للماء عامرا ذكره أبو أحمد في كامله وضعفه ، وروي عن ابن وهب ، عن ابن مهدي ، عن خالد بن حميد ، عن بعض أهل الشّام أنّ ابن عباس لم يكن يغتسل في بحر ، ولا نهر إلا وعليه إزار ، فإذا سئل عن ذلك قال : إن له عامرا . وحديث الزهري ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تغتسلوا في الصحراء ، إلا أن لا تجدوا متوارى ، فإن لم تجدوا فليخط أحدكم كالدائرة ، ثم يسمي الله ويغتسل فيها رواه أبو داود في كتاب المراسيل ، وبسنده أيضا قال عليه السلام : لا يغتسلن أحدكم إلا وقربه إنسان لا ينظر أحد وهو قريب منه يكلمه . وحديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده يرفعه : إذا اغتسل أحدكم ، فليستتر بجذم حائط . رواه السلمي في كتاب الطبقات من حديث الدوري ، عن محمد بن يوسف الأشيب ، نا عاصم ، ثنا عبد السلام عنه . وحديث برد عن مكحول ، عن عطية ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال : من اغتسل بليل في فضاء فليحاذر على عورته ، ومن لم يفعل فأصابه لمم ، فلا يلومن إلا نفسه . ذكره ابن بطال . وحديث أبي هريرة من عند الشيخين مرفوعا : وكان موسى - عليه السلام - يغتسل وحده الحديث ، وفي موضع آخر : كان موسى - عليه السلام - حييا ستيرا لا يكاد أن يرى من جلده شيء . ولقائل أن يقول : اغتسال موسى عليه السلام عريانا كان في خلوة تخفي عورته على بني إسرائيل حتى رأوه عريانا فبرأه الله مما قالوا ، ويزيد وضوحا ما روى البخاري : أن أيوب عليه السلام كان يغتسل عريانا وهما من الذين أمر الله أن يقتدى بهم ، فيجوز أن نغتسل عراة في خلوة لما ثبت في هذين الحديثين ، وما أسلفناه من الأحاديث في أنه لا يغتسل عريانا في خلوة تحمل على الاستحباب ، أو ترد لإرسالها وضعف سندها ، وبهذا قال : مالك ، والشافعي وجمهور العلماء إلا ابن أبي ليلى محتجا بما قدّمناه ، كذا ذكره ابن بطال ، وفيه نظر لما ذكره أبو البركات عبد السلام بن تيمية : وقد نص أحمد على كراهية دخول الماء بغير إزار ، قال إسحاق : والأزر أفضل لقول الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - وقد قيل لهما في دخولهما الماء وعليهما بردان ، فقالا : إن للماء سكانا ، قال إسحاق : وإن تجرّد رجونا ألا يكون إثما . وحديث جابر ، عن النبي - عليه السلام - : لا تدخلوا الحمام إلا بمئزر قال الآجري : سمعت أبا داود يقول : الحسن بن بشر روى عن زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير ، عن جابر حديثين منكرين ذكاة الجنين ولا تدخلوا الحمام إلا بمئزر فقلت له : هما عند حماد بن شعيب ، عن أبي الزبير ، فقال : حماد ضعيف . وحديث حيان بن ضمرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : نهينا أن نري عوراتنا . ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث معاذ بن حسان ، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي ، عن من حدّث سعدا عنه ، ثم قال : أمّا هو حيان بن صخر صحف به عند عبدان وغيره .

72

باب ما جاء في الاستتار عند الغسل 16 - حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري ، وأبو حفص عمرو بن علي الفلاس ، ومجاهد بن موسى ، قالوا : أنبأ عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا يحيى بن الوليد ، أخبرني محل بن خليفة ، حدثني أبو السمح قال : كنت أخدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فكان إذا أراد أن يغتسل ، قال : ولّني ، فأولّيه قفاي ، وأنشر الثّوب ، فأستره به . هذا حديث سبق الكلام على صحة سنده في باب بول الصبي الذي لم يطعم ، وسبق أنّ البزار قال في ذاك : لا نعلم أبا السمح روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير هذا الحديث ، وذكر ابن ماجه بعده حديث أم هانئ في سبحة الضحى ، وسيأتي ذكره في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى .

73

باب من احتلم ، ولم ير بللا 15 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا حماد بن خالد ، عن العمري ، عن عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا استيقظ أحدكم من نومه فرأى بللا ، ولم ير أنّه احتلم اغتسل ، وإذا رأى أنه قد احتلم ، ولم ير بللا ، فلا غسل عليه . هذا حديث خرجه أبو عيسى ، عن أحمد بن منيع ، ثنا حمّاد بن خالد بلفظ : سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يجد البلل ، ولا يذكر احتلاما ؟ قال : يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ، فلم يجد بللا ؟ قال : لا غسل عليه ، قالت أم سلمة : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل على المرأة ترى ذلك غسل ؟ قال : نعم ، إن النساء شقائق الرجال . وقال : إنما روى هذا الحديث ، وكذلك لما رواه أبو القاسم في الأوسط ، من حديث مقدام بن داود ، عن أبي الأسود ، عن عروة والقاسم بن محمد عنها قال : لم يروه عن القاسم إلا عبيد الله بن عمر ، وأبو الأسود تفرد به عن عبيد الله ، أخوه عبد الله ، وعن أبي الأسود ابن لهيعة انتهى . وهو كلام ملخص للترمذي ؛ لأنّ بعضهم اعترض عليه برواية أبي الأسود ، ولا يصلح ذلك ؛ لأنّ قوله : تفرد به عبد الله عن أخيه صحيح ، ولو كان قال : تفرد به عبد الله مطلقا لجاز عليه الاعتراض بهذا ، والله تعالى أعلم . قال أبو عمر في الاستذكار : وقد روي هذا المعنى يعني : وجد الماء في النوم ملخصا من أخبار الآحاد العدول مرفوعا ، رواه عبد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة بلفظ : إنما النساء شقائق الرجال . ولما ذكره الإشبيلي ردّه بالعمري المتقدّم الذكر ، ثم قال : وهذا اللفظ : إنّما النساء شقائق الرجال ، قد روي من حديث أنس بن مالك بإسناد صحيح ، وقرر ذلك أبو الحسن من فعله ، وقال : والحديث المشار إليه ذكره البزار فقال : ثنا عمر بن الخطاب ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس : جاءت أم سليم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت : يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام ؟ ! فقالت أم سلمة : فضحت النساء يا أم سليم فقال : إذا رأت ذلك فلتغتسل ، فقالت أم سلمة : وهل للنساء من ماء ؟ قال : نعم إنّما هن شقائق الرجال ، قال : وهذا الحديث قد رواه جماعة ، عن أنس ، ولا نعلم أحدا جاء بلفظ إسحاق عن أنس ، انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث تقريره كلام أبي محمد على صحة هذا الحديث ، ولا صحة به ؛ لأن راويه محمد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني الثقفي مولاهم المصيصي ، قال أبو جعفر العقيلي : هو من ضعفاء دمشق ، وقال أبو محمد بن الأكناني : هو من مصيصة دمشق ، وأنكر ذلك بعض العلماء ، وإن كان الحسن بن ربيع قال : هو اليوم أوثق الناس ، وكان كتب عنه أبو إسحاق الفزاري ، وكان يعرف بالخير ، وسئل عنه ابن معين فقال : كان صدوقًا ، وفي رواية : ثقة . وقال ابن سعد : نشأ بالشّام ونزل المصيصة ، وكان ثقة ، وذكره ابن حبّان في الثقات ، وقال : يخطئ ويغرب . وقال صالح بن محمد جزرة : هو صدوق كثير الخطأ ، فقد قال فيه البخاري : لين جدا وضعّفه أحمد ، وقال : بعث إلى اليمن وأتي بكتابه فرواه ، وقال عبد الله بن أحمد : ذكره أبي فضعّفه جدا ، وضعّف حديثه عن معمر جدا ، وقال : هو منكر الحديث ، أو قال : يروي أشياء منكرة ، وقال عبد الرحمن : سئل أبي عنه فقال : دفع إليه كتاب الأوزاعي من حديث كان مكتوبا ، ثنا محمد ابن كثير فقرأه إلى آخره يقول : ثنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، وهو محمد بن كثير المصيصي ، وأنّه حدّثه عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس قال : نظر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أبي بكر ، وعمر الحديث . فقال : كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ ، والآن لا أحب أن أراه ؛ وكذلك قاله علي بن المديني في علله الكبرى ، وقال ابن سعد : ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره ، وقال ابن عدي : له روايات عن معمر ، والأوزاعي خاصة لا يتابعه عليها أحد ، وقال العقيلي : وقد حدث عن معمر بمناكير لا يتابع منها على شيء ، وذكره أبو العرب في كتابه الضعفاء له ، وقال ابن سعد : توفي في أواخر سنة ست عشرة ومائتين في خلافة عبد اللّه بن هارون ؛ وكذا قاله الحافظ أبو يعقوب القراب بعد تضعيفه ، وزاد: لسبع عشرة مضت من ذي الحجة ، زاد البخاري يوم السبت ، وبنحوه ذكره ابن قانع في تاريخه ويعقوب بن سفيان ، وخالف أبو داود فقال : فيما حكاه الآجري : مات سنة ثمان عشرة ، أو سبع عشرة قال : ولم يكن يفهم الحديث ، فتبيّن بهذا صحة ما قلناه ، والله تعالى أعلم . قال أبو سليمان الخطابي : ظاهر الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى البلّة ، وإن لم يتيقّن أنّها الماء الدافق ، وروي هذا القول عن جماعة من التابعين منهم : عطاء ، والشعبي ، والنخعي ، وقال أحمد بن حنبل : أعجب إلي أن يغتسل إلا رجل به أبردة ، وقال أكثر أهل العلم : لا يجب عليه الاغتسال ؛ حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق ، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط ، ولم يختلفوا أنّه إذا لم ير الماء ، وإن كان قد رأى في النوم أنّه احتلم ، فإنه لا يجب عليه الاغتسال . وقوله : النساء شقائق الرجال أي نظائرهم ، وأمثالهم في الخلق والطباع ، فكأنهن يتفقن مع الرجال ولأن حواء خلقت من آدم عليه السلام . وفيه من الفقه : إثبات القياس ، وإلحاق حكم النظير بالنظير . وأنّ الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء ، وفيه ما دل على فساد قول أهل الظاهر : أنّ من أعتق شركا له في جارية بينه وبين شريكه ، وكان موسرا ؛ فإنه لا يقوم عليه نصيف شريكه ، ولا تعتق الجارية ؛ لأنّ الحديث إنّما ورد في العبد دون الأمة ، والله تعالى أعلم .

74

14 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا التقى الختانان ، وتوارت الحشفة ؛ وجب الغسل . هذا حديث لو قال قائل : إسناده جيّد لكان مصيبا ؛ لما أسلفناه من حال ، ولو صح ذلك ما ذكره ابن وهب في مسنده ، أنبأ الحارث بن نبهان ، عن محمد بن عبيد الله عن عمرو بلفظ : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم : ما يوجب الغسل ؟ فقال : إذا التقى الختانان ، وغابت الحشفة ؛ وجب الغسل أنزل ، أو لم ينزل فصار بهذا حديثا في غاية الضّعف ؛ لما ذكرناه من حال العرزمي ؛ ولهذا قال عبد الحق : وذكره من المدونة هذا إسناد ضعيف جدا ، والصحيح حديث مسلم ، وذكره الطبراني في الأوسط من حديثه عن عبد الله ابن محمد الصفار التستري ، ثنا يحيى بن غيلان ، ثنا عبد الله بن بزيع ، عن أبي حنيفة ، عن عمرو به ، وقال : لم يرفعه عن عمرو بن شعيب إلا أبو حنيفة ، ولا عن أبي حنيفة إلا عبد اللّه بن بزيع ، تفرّد به يحيى بن غيلان انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما أسلفناه من غير أبي حنيفة رفعه والله تعالى أعلم وفي الباب : حديث رافع بن خديج : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر به فناداه ؛ فخرج إليه فمشى معه حتى أتى المسجد ، ثم انصرف ، فاغتسل ، ثم رجع فرآه النبي عليه السلام ، وعليه أثر الغسل فسأله النبي عليه السلام عن غسله ؟ فقال : سمعت نداءك وأنا أجامع امرأتي فقمت قبل أن أفرغ فاغتسلت ، فقال النبي عليه السلام : إنّما الماء من الماء ، ثم قال النبي عليه السلام بعد ذلك : إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل . رواه الطبراني في الكبير من حديث رشدين بن سعد ، عن موسى ابن أيوب عن سهل بن رافع بن خديج ، عن أبيه به ، وحديث معاذ قال عليه السلام : إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل . ذكره الشيرازي من حديث عن عبد القدوس بن الحجاج ، أنبأ ابن أبي مريم ، ثنا ضمرة بن حبيب عنه ، وحديث بلال بن رباح أنه قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا رسول الله ، إذا خالطت أهلي فاختلعنا ، ولم أمن ، أغتسل ؟ قال : نعم ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن بلال إلا شرحبيل بن السمط ، ولا عن شرحبيل إلا ابن محيريز ، ولا عن ابن محيريز إلا علي بن أبي حملة تفرّد به ضمرة بن ربيعة ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم : أبو هريرة قال : إذا غابت المدورة ، فقد وجب الغسل . رواه في المصنف ، عن ابن علية ، عن حبيب بن شهاب ، عن أبيه عنه ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال : أمّا أنا، فإذا بلغت ذلك منها اغتسلت ، ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن معبد بن خالد ، عن علي ، وعن غالب أبي الهذيل ، عن إبراهيم ، عن علي قال : إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل . ثنا حفص ، عن حجاج ، عن أبي جعفر قال : اجتمع المهاجرون : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي أنّ ما أوجب الحدّ ، أو الجلد ، أو الرجم أوجب الغسل . ثنا غندر ، عن شعبة ، عن أبي عبد الله الشامي ، قال : سمعت النعمان بن بشير يقول في الرجل إذا أكسل ، فلم ينزل قال : يغتسل . ثنا ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : سمعت ابن عباس يقول : أمّا أنا، فإذا خالطت أهلي اغتسلت . قال الثوري : وعليه الجماعة ، قال ابن المنذر : وبه قال شريح ، وعبيدة ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ومن تبعهم ، ولا أعلم اليوم فيه بين أهل العلم اختلافا وبه نقول . قال أبو عمر : وقد قيل : معنى الماء من الماء في الاحتلام لا في اليقظة ؛ لأنّه لا يجب الغسل في الاحتلام إلا مع إنزال الماء ، وهذا مجتمع عليه . روى شريك ، عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الماء من الماء في الاحتلام . قال أبو عمر : واختلف أصحاب داود في هذا ، فمنهم من قال بما عليه الجمهور ، ومنهم من قال : لا غسل إلا بإنزال الماء الدافق ، وجعل في الإكسال الوضوء انتهى كلامه . وفيه نظر لما ذكره عياض ، ولا نعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلا الأعمش ، وداود بن علي الأصبهاني ، فهذا يبين لك أنّ الخلاف ليس بين أصحاب داود . وقال أبو محمد : الأشياء الموجبة غسل الجسد كله : إيلاج الحشفة ، أو إيلاج مقدارها من الذكر الذاهب الحشفة والذاهب أكثر من الحشفة في فرج المرأة الذي هو مخرج الولد منها بحرام ، أو حلال ، إذا كان تعمّد أنزل ، أو لم ينزل ، وممن روي عنه الغسل من الإيلاج في الفرج إن لم يكن إنزال ، فذكر الذين ذكرهم ابن المنذر ، وزاد : الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وحمزة بن عمرو الأنصاري ، وأنكر البغوي في شرح السنة ذهاب سعد بن أبي وقاص إلى الغسل ، وقال : وكذلك أبو أيوب ، وأبو سعيد الخدري ، ورافع بن خديج ، وفي صحيح الجعفي قال أبو عبد الله : الغسل أحوط ، وذلك الآخر إنّما بيّنا اختلافهم . قال ابن التين : رويناه بفتح الخاء وضبط في بعض الكتب بكسرها كأنه يقول : هذا الآخر من فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهو ناسخ لما قبله . وقال القاضي أبو بكر في قول البخاري : والغسل أحوط : كأنّ البخاري يرى أنّ الغسل مستحب ، وقال أبو الوليد بن رشد في كتاب القواعد : لما وقع الإجماع أنّ مجاوزة الختانين يوجب الحدّ وجب أن يكون هو الموجب للطهر ، وحكوا أنّ هذا القياس مأخوذ عن الخلفاء الأربعة ، وقال ابن القصار : أجمع التابعون ، ومن بعدهم على الأخذ بحديث : إذا التقى الختانان . وإذا صحّ الإجماع بعد الخلاف كان مسقطا للخلاف قبله ، ويصير ذلك إجماعا ، وإجماع الأعصار حجة عندنا كإجماع الصحابة ، قال النووي : ومنهم من حمل قوله : الماء من الماء على ما إذا باشرها دون الفرج ، واختلف في الشعب الأربع ، فقيل : هما اليدان والرجلان ، وقيل : الرجلان والفخدان ، وقيل : الرجلان والشفّران ، واختار عياض نواحي الفرج . قوله : ثم جهدها ، قال ابن العربي : هو الجهد بفتح الجيم ، قال الخطابي : يعني حفرها ، وقال غيره : بلغ مشقتها ، وفي الإكمال : الأولى بلغ جهده في عمله فيها ، وهو إشارة إلى الحركة ، وقال ابن الأعرابي : الجهد من أسماء النكاح ، وكذا ذكره ابن القطاع في كتاب أسماء النكاح من تأليفه . قال القرطبي : وعلى هذا يكون جهدها أي : نكحها ، وقوله : فلم يمن يقال : بضم الياء ، وإسكان الميم ، وهي اللغة الفصيحة ، ويقال : بفتح الياء ، وبضم الياء مع فتح الميم ، وتشديد النون حكاه عياض ، يقال : أمنى يمني : إذا أنزل المني قال تعالى : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ، والله تعالى أعلم .

75

باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان 11 - حدثنا علي بن محمد ، وعبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي قالا : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، أنبأ عبد الرحمن بن القاسم ، أنبأ القاسم بن محمد ، عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إذا التقى الختانان ، فقد وجب الغسل ، فعلته أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاغتسلنا . هذا حديث خرجه أبو عيسى من حديث الوليد ، ثم قال : ثنا هناد ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن علي بن زيد ، عن سعيد ، عن عائشة ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل . وقال : حديث عائشة حسن صحيح ، وقال في العلل الكبير : سألت محمدا ، عن هذا الحديث ؟ فقال : هذا حديث خطأ ، إنما يرويه الأوزاعي ، عن عبد الرحمن بن القاسم مرسلا ، وروى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة شيئا من قولها تأخذ الخرقة فتمسح بها الأذى ، وقال أبو الزناد : سألت القاسم بن محمد ، سمعت في هذا الباب شيئا؟ قال : لا ، ورواه الشافعي ، عن الثقة ، عن الأوزاعي ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، أو ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ، قال البيهقي : كذا رواه الربيع بالشّك ، ورواه المزني عنه ، فقال عبد الرحمن بن القاسم : بلا شك ، وكذلك قاله ابن خزيمة ، عن المزني ، ورواه حرملة ، عن الشّافعي ، عن الوليد بن مسلم ، والوليد بن مزيد ، عن الأوزاعي ، عن عبد الرحمن بغير شك ، وعاب أبو محمد الإشبيلي على الترمذي تصحيح حديث ابن زيد بقوله : وذكره الترمذي من حديث ابن زيد ، وقال فيه : حسن صحيح ، ولم يقل في علي شيئا ، وأكثر الناس يضعفه ، واعترض أبو الحسن عليه بأنه لم يصب في اعتراضه ؛ لأن اعتلال البخاري عليه بأنه يروى مرسلا ليس بعلة فيه ، ولا أيضا قول القاسم : إنه لم يسمع في هذا الباب شيئا؛ فإنه قد يعني به شيئا يناقض هذا الذي رويت ، لا بد من حمله على ذلك لصحة الحديث المذكور عنه من رواية ابنه ، وهو الثقة المأمون والوليد بن مسلم ، وإن كان مدلسا ومسويا ، فإنه قد قال فيه : ( حدثنا ) ذكر ذلك الدارقطني ، وذكر أيضا طريقا آخر عن الأوزاعي هو منه صحيح أيضا ، قال أبو الحسن ، ثنا أبو بكر النيسابوري ، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد ، أنبأ أبي قال : سمعت الأوزاعي قال : ثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها سئلت عن الرجل يجامع المرأة ، فلا ينزل ؟ فقالت : فعلته أنا والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاغتسلنا جميعا . قال الدارقطني : رفعه الوليد بن مسلم ، والوليد بن مزيد ، ورواه بشر بن بكر ، وأبو المغيرة ، وعمرو بن أبي سلمة ، ومحمد بن كثير المصيصي ، ومحمد بن مصعب وغيرهم موقوفا . انتهى . الوليد : ثقة من أكابر أصحاب الأوزاعي ، وكان الأوزاعي يقول : عليكم به ، فإن كتبه صحيحة ، أو كلاما هذا بمعناه ، وقال أيضا : ما عرض علي كتاب أصح من كتاب الوليد ، وقال فيه دحيم : صالح الحديث وابنه العباس ثقة صدوق ، وقد ذكر جميعهم سماع بعضهم من بعض فصح الحديث ، وإن كان حديث الترمذي معترضا عنده من طريق الوليد بن مسلم ، فقد صح من طريق ابن مزيد - رحمه الله تعالى انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث إغفاله ما عابه على أبي عيسى من تصحيح حديث ابن جدعان على ما ذكر ، ولهذا ، فإن عبد الحق لما ذكره في أحكامه الكبرى أفرده من حديث الأوزاعي من عند النسائي مجتنبا تصحيح الترمذي لحديث ابن جدعان ، وأبو عيسى في ذلك كما قيل : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ، العيب لأبي محمد في فهمه ، لا للترمذي بزعمه ؛ لأنه لم يصحح حديثه ، كما صححه أبو علي الطوسي في أحكامه من غير متابع ، ولا شاهد ، وكذلك البغوي في شرح السنة ، ولا قال ما يؤذن بذلك ، إنما قال : حديث عائشة صحيح ، وهذا ما لا خلاف فيه ، ولو أراد هذا الحديث لأشار إليه كعادته ، وقال : ( هذا ) ، وإن شئت لم أقل ذلك أيضا في حديث الأوزاعي المبدأ بذكره عنده ، لا من طريق غيره المصححة ؛ لما نقله عن شيخه وهو في الغالب يتبع كلامه حذو القذة بالقذة ، ولا يقال : لعله صحح حديث ابن جدعان هذا بما عضده من الشاهد قبله لتنصيصه على خطئه ، والخطأ لا يصلح عنده للشواهد ، وفي المعرفة : عورض الشافعي في هذه المسألة بطعن ابن جدعان ، وأنّ حديثه هذا ليس مما يثبت أهل الحديث ، فعارضهم برجوع أبي وأنّ ذلك لا يكون إلا عن توقيف ، وقال أبو بكر : والأمر على ما قالاه جميعا ، غير أنّ حديث عائشة هذا ثابت من جهة أخرى ، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي عاصم ، عن عثمان بن مرة ، عن السّائب ، عن عروة عنها مرفوعا ، قال : لم يروه عن عثمان إلا أبو عاصم ، فهذا رجل رفعه عنها كرواية الوليدين ، وأغفل ذكره الدارقطني ، فلم يذكره حين عدّد الواقفين والرافعين ، وأما قول الحافظ التستري : إنّ حديث الأوزاعي موقوف لم تسنده عائشة فغير صواب ؛ لأنها قالت : فعلته أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهذا مرفوع إجماعا ، ولهذا الحديث إسناد صحيح ذكره مسلم - رحمه الله تعالى - فقال : ثنا محمد بن مثنى ، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، ثنا هشام بن حسان ، ثنا حميد بن هلال ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، وثنا ابن مثنى ، ثنا عبد الأعلى ، وهذا حديثه ، ثنا هشام بن حسان ، عن حميد بن هلال ، قال : ولا أعلمه إلا عن أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري . قال : اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار ، فقال الأنصاريون : لا يجب الغسل إلا من الدفق ، أو من الماء . وقال المهاجرون : بلى إذا خالط ، فقد وجب الغسل . قال : فقال أبو موسى : أنا أشفيكم من ذلك ، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي ، فقلت لها : يا أمّاه ، أو يا أم المؤمنين ، إني أريد أن أسألك عن شيء ، وإني أستحييك فقالت : لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك فإنّما أنا أمّك ، قلت : فما يوجب الغسل ؟ قالت : على الخبير سقطت ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا جلس بين شعبها الأربع ، ومس الختان الختان ، فقد وجب الغسل كذا خرجه مسلم في صحيحه بلفظ الشك ، أعني في قوله : ولا أعلمه إلا عن أبي بردة ، ولم يذكر رواية الأنصاري : هل هي كهذه لفظا وشكا ، أو ليست مثلها ؟ ، فلما أردنا علم ذلك ليسلم الحديث من هذه الشائبة ، وليعلم هل يخالف هذه فيما يؤثر أم لا ؟ فوجدنا أبا بكر بن خزيمة خرجها بلفظ مسلم سواء ، عن ابن مثنى عنه ، وكذلك أبو العباس السراج في مسنده ، وأبو نعيم الحافظ رحمه الله تعالى ، والبيهقي في سننه ولفظه : فأتيت عائشة فقالت : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا جلس بين شعبها الأربع ، ومس الختان الختان . ولفظ أبو نعيم : إذا جلس بين شعبها الأربع ، فقد وجب الغسل . ورواه مسلم أيضا من طريق فيه لطيفة ، وهي رواية صحابي ، عن تابعية ، فقال : ثنا هارون بن معروف ، وهارون بن سعيد الأيلي ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عياض بن عبد الله ، عن أَبِي الزبير ، عن جابر بن عبد الله عن أمّ كلثوم ، عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إنّ رجلا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يجامع أهله ، ثم يكسل هل عليهما الغسل ؟ ، وعائشة جالسة ، فقال رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : إني لأفعل ذلك أنا وهذه ، ثم نغتسل . وليس لقائل أن يقول : هو من رواية أبي الزبير ، عن جابر من غير تصريح بالسماع ، ولا هو من رواية الليث عنه ، وذلك مشعر بالانقطاع ، وإن كان عند مسلم ، فإنه ينفع في المناظرة ، لا في النظر؛ لأنه وقع لنا طريق يصرح فيها بالسماع ، ذكرها الحافظ أبو بكر الخطيب ، فيما رويناه عنه في كتاب رواية الصحابة عن التابعين من حديث الإمام أحمد بن حنبل ، ثنا موسى بن داود ، ثنا عبد الله ، عن أبي الزبير ، أخبرني جابر به ، وفي الموطأ ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيّب أن أبا موسى أتى عائشة فقال : الرجل يصيب أهله ، ثم يكسل ، ولا ينزل ؟ فقالت : إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل . فقال أبو موسى : لا أسأل ، عن هذا أحدا بعدك أبدا ، كذا ذكره موقوفا ، وقال في المعرفة : هذا إسناد صحيح ، إلا أنه موقوف ، ورواه أبو قرّة موسى بن طارق ، عن مالك ، عن يحيى مرفوعا . قال أبو الحسن في الغرائب : لم يسنده ، عن مالك غير أبي قرة ، وفي مسند أبي قرة ذكر سفيان ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي سلمة ، عن عائشة مرفوعا مثله . وقد وقع لنا ما يشعر بأن ابن المسيب رواه عن أبي موسى عنها ، ذكر ذلك أبو جعفر الطحاوي من حديث أسد ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن سعيد قال : ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : إذا التقى الختانان أيوجب الغسل ؟ فأتى أبو موسى عائشة ، فذكره ، وقال البيهقي : لم يروه مرفوعا غير ابن جدعان ، وهو لا يحتج به ، والله تعالى أعلم . وقال أبو عمر في الاستذكار : وروى علي بن زيد ، عن سعيد قال : نازع أبو موسى قوما من الأنصار فقالوا : الماء من الماء . فانطلقت أنا وهو حتى دخلنا على عائشة . وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن عبد العزيز بن النعمان عنها : كان عليه السلام إذا التقى الختانان اغتسل . والأول ، وإن لم يكن مسندا ؛ فإنه يدخل في المسند بالمعنى والنظر . وفي شرح السنة : هذا حديث حسن صحيح ، لكن جريانه على ما توهمه كما بينا أنّ مثله لا يصح سنده ، ورواه الحسن عن أمه من طريق لا بأس بها ، فرفعه بنحوه ، قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن سالم الخياط ، عن الحسن إلا الوليد بن مسلم . وفي كتاب الطحاوي من حديثه ، عن ابن أبي داود ، عن عياش بن الوليد الرقام ، ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن معمر بن أبي حبيبة ، عن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه قال : إني لجالس عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا زيد بن ثابت يفتي النّاس في الغسل من الجنابة برأيه . فقال عمر : أعجل علي به ، فجاء زيد ، فقال عمر : قد بلغ من أمرك أن تفتي الناس ؟ فقال له زيد : ما أفتيت الناس برأيي ، ولكن سمعت من أعمامي شيئا فقلت به . فقال : من أي أعمامك ؟ فقال : من أبي ، وأبي أيوب ، ورفاعة بن رافع . فالتفت إلي عمر فقال : ما تقول في هذا ؟ قال : فقلت : إنّا كنّا نفعله على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم لا نغتسل . قال : أفسألتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ؟ قلت : لا . قال : علي بالناس فاتفق الناس أن الماء لا يكون إلا من الماء ، إلا ما كان من علي ، ومعاذ بن جبل ، فقال علي : لا أجد أحدا أعلم بهذا من أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأرسل إلى حفصة ، فقالت : لا علم لي . فأرسل إلى عائشة فقالت : إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل . فخطب عمر ، وقال : لئن أخبرت بأحد يفعله ، ثم لا يغتسل لأنهكنه عقوبة . ورواه أيضا من حديث ابن لهيعة ، عن يزيد ، عن ابن أبي حبيبة قال : سمعت عبيد بن رفاعة يقول : كنا في مجلس عمر بغير ذكر أبيه ، ورواه أيضا عن روح بن الفرج ، عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، حدثني معمر ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ، فالله تعالى أعلم . وذكر هذه القصة من حديث عبد الأعلى أيضاً الإمام أبو بكر محمد بن هارون الروياني في مسنده ، عن يحيى بن إسحاق ، ثنا ليث بن سعد ، عن يزيد ، عن معمر ، وفيه فقال عمر : إنّ الأمر لا يصلح . وقال معاذ : يا أمير المؤمنين : إن هذا الأمر لا يصلح ، وذكره أحمد بن منيع في مسنده باختلاف قريب ، وفيه : فجاء زيد ، فلما رآه عمر قال : أي عدو نفسه ، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك ، وفيه : قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلم يأتنا من الله تحريم ، ولم يكن من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهي ، قال : ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم ذلك ؟ قال : لا أدري ، وهو معارض بما ذكره مالك ، عن يحيى ، عن عبد الله بن كعب ، عن محمود بن لبيد أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ، ثم يكسل ، فلا ينزل فقال زيد : يغتسل فقال له محمود : إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل ، فقال له زيد بن ثابت : إن أبيا نزع عن ذلك قبل أن يموت ، وسيأتي ، وفي صحيح البستي : ثنا علي بن الحسين بن سليمان ، ثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ، ثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة ، ثنا أبو حمزة قال : حدثنا الحسين بن عمران ، عن الزهري ، سألت عروة في الذي يجامع ، ولا ينزل ؟ قال : على الناس أن يأخذوا بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدثتني عائشة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك ، ولا يغتسل ، وذلك قبل فتح مكة ، ثم اغتسل بعد ذلك ، وأمر الناس بالاغتسال . قال أبو حاتم : الحسين هذا هو ابن عمران من أهل البصرة ، وسكن مرو ، ثقة من الثقات . انتهى ، وهو حديث لا حجة به لضعف راويه الحسين بن عمران ، قال أبو جعفر العقيلي : سمعت آدم بن موسى ، سمعت البخاري قال : لا يتابع على حديثه ، ثم ذكر هذا الحديث ، وقال : والحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل لالتقاء الختانين عن عائشة وغيرها ، ولا يحفظ هذا اللفظ عن عائشة إلا في هذا الحديث ، وقال أبو العرب الحافظ : قال ابن عدي : حسين بن عمران الجهني لا يتابع على حديثه . وقال أبو بكر بن أبي حازم : حسين يأتي عن الزهري بالمناكير ، وقد ضعفه غير واحد من أصحاب الحديث انتهى كلامه ، ولم أر أحدا فيما أعلم أساء عليه الثناء غير من ذكرت ، وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا الموسوم بـ نظم المرجان في الكلام على صحيح ابن حبان ، وعلى الجملة ، فهو حديث جيد حسن في باب الاستشهاد على النسخ ، لأنها قد تمت القصتين ، وفي الموطأ من حديث مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة أنه سأل عائشة : ما يوجب الغسل ؟ فقالت : هل تدري يا أبا سلمة ما مثلك ؟ مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ ، فيصرخ معها ، إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل . وهو دليل على ما قاله أبو داود : من أن أبا سلمة كان يفعل ذلك ، وأنه قلد من لا علم له ، فعاتبته بذلك ، لأنها كانت أعلم الناس بهذا المعنى ، والله أعلم .

76

12 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عثمان بن عمر ، أنبأ يونس ، عن الزهري قال : قال سهل بن سعد الساعدي : أنبأني أبي بن كعب ، قال : إنما كانت رخصة في أول الإسلام ، ثم أمر بالغسل بعد . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، وصححه الطوسي في أحكامه ، وأبو عيسى من حديث يونس عن الزهري عن سهل ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وفي ذلك نظر ؛ لأن هذا الحديث منقطع فيما بين الزهري وسهل ، بين ذلك أبو داود إذ رواه في سننه عن أحمد بن صالح ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني بعض من أرضى بأن سهل بن سعد ، أخبره أن أبي بن كعب ، فذكره . فهذا كما ترى ابن شهاب صرح بعدم سماعه له من سهل ، وإن كان معروفا بالسماع منه ، قال البيهقي : هذا حديث لم يسمعه الزهري من سهل ، وقال الحازمي : وقفه بعضهم على سهل ، وروي بإسناد آخر موصول عن أبي حازم عن سهل ، ولم يجر فيه على الاصطلاح الحديثي ، فإن قول سهل : كان القول في الماء من الماء رخصة في أول الإسلام داخل في المرفوع ، ولهذا ، فإن ابن خزيمة قال في حديث معمر نحوه ، يعني نحو حديث يونس عن الزهري ، وحكي ذلك عن أحمد بن منيع في مسنده . وقوله : ( من أرضى ) ليس تعديلا للمحدث المبهم عند الجمهور إلا عند مقلدي القائل فقط ، ولسنا من تقليد الزهري في إيراد ، ولا صدور ، اللهم إلا إذا بين اسمه ، وعدله ، فإنه مجمع على قبول هذه المسألة ، وإذا أردت أن تعرف من المبهم المرضي لتصحيح قول من ذكرناه مع الترمذي ، لأن الصحة لا تلتئم مع الانقطاع ، فمتى شئت ذلك فسماع سماع : قال الحافظ أبو بكر بن خزيمة : هذا الرجل الذي لم يسمه عمرو يشبه أن يكون أبا حازم سلمة بن دينار ، لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسان محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل عن أبي بن كعب ، يعني بذلك ما ذكره أبو داود إثر الحديث المذكور . نا محمد بن مهران الرازي ، وأبو حاتم في صحيحه ، عن الحسن بن سفيان ، عن ابن مهران قالا : ثنا مبشر الحلبي ، عن محمد بن غسان ، عن أبي حازم . وقال البيهقي : إسناده صحيح موصول ، جريا على طريقة الفقهاء في صحة السند ، وهذا كان يصلح أن يكون دليلا لولا ما قاله ابن أبي حاتم وسأل أباه عنه فقلت : تعرف هذا الحديث ؟ فقال : ما يعرف أصلا ، يعني والله تعالى أعلم - : هذه الرواية لا أصل الحديث ، بدليل ما ذكره ابنه : سمعت أبي ، وذكر الأحاديث المروية في الماء من الماء من حديث أبي أيوب ، عن أبي ، وأبي صالح عن أبي سعيد ، فقال : هذا منسوخ بحديث سهل عن أبي . وقال الحازمي : يشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم . وذكر البستي في صحيحه شيئا شفى به النفس ، وأزال به اللبس : إن هذا الخبر رواه معمر ، عن الزهري من حديث المنذر فقال : أخبرني سهل ورواه عمرو بن الحارث عن الزهري فقال : حدثني بعض من أرضى عن سهل ، ويشبه أن يكون الزهري سمع الخبر من سهل كما قاله غندر ، وسمعه عن بعض من يرضاه عن سهل فرواه مرة عن سهل ، ومرة عن الذي رضيه عنه ، وقد تتبعت طرق هذا الحديث على أن أجد أحدا رواه عن سهل ، فلم أجد في الدنيا أحدا رواه عن سهل إلا أبا حازم فيشبه أن يكون المبهم هو ، والله أعلم . وقال موسى بن هارون : قد روى أبو حازم هذا الخبر عن سهل ، وأظن ابن شهاب سمعه منه ؛ لأنه لم يسمعه من سهل ، وقد سمع من سهل أحاديث ، فإن كان سمعه من أبي حازم ، فإنه عدل مرضي ، وبنحوه قاله البيهقي في المعرفة ، وقال أبو عمر : إنما رواه ابن شهاب ، عن أبي حازم ، عن سهل ، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول الثقات له ، ذكره في الاستذكار ، ويفهم من كلام ابن حبان أن محمد بن جعفر تفرّد بقول الزهري : أخبرني سهل ، وليس كذلك لما ذكره أبو حفص في كتابه الناسخ والمنسوخ ، ثنا أحمد بن يونس ، ثنا محمد بن شاذان ، ثنا معلى ، ثنا ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، حدثني سهل ، وكذا ذكره بقي بن مخلد ، فقال : ثنا أبو كريب ، ثنا ابن المبارك ، عن يونس به ، فيما ذكره أبو الحسن ابن القطان ، وقال : إن صحّ ما ذكره كان متصلا . وذكره الحافظ ضياء الدين في الأحاديث المختارة من حديث يونس ، عن الزهري عنه ، وذكر ابن الحصار في تقريب المدارك : أنّ أبا داود قال : النّاس كلّهم رووه عن الزهري ، عن سهل إلا عمرو بن الحارث ، فإنه أدخل بينهم رجلا ، ويرون أنّ الرجل أبا حازم ، وأما قول ابن حبان : لم أر أحدا في الدنيا رواه عن سهل إلا أبا حازم . فيشبه أن يكون وهما لما أسلفناه من تصريح الزهري بسماعه من سهل هذا الحديث ، وفي لفظ للطحاوي بسنده إلى أبي : إنّما كان الماء من الماء في أول الإسلام ، فلما أحكم الله الأمر نهى عنه ، وقال ابن أبي حازم : وعلى الجملة الحديث محفوظ ، عن سهل عن أبي ، وقال البيهقي : أنبأ أبو علي ابن شاذان ، أنبأ حمزة بن محمد بن العباس ، ثنا الدوري ، عن عثمان بن عمر ، ثنا يونس الأيلي ، عن الزهري أنّ رجالا من الأنصار فيهم أبو أيوب ، وأبو سعيد كانوا يفتون الماء من الماء ، وأنّه ليس على من أتى امرأته ، فلم ينزل غسل ، فلما ذكر ذلك لعمر ولابن عمر ، وعائشة أنكروا ذلك ، وقالوا : إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل فقال سهل بن سعد وكان قد أدرك النبي عليه السلام وهو ابن خمس عشرة سنة - : حدثني أُبيِ بن كعب ، فذكره ، وقال الشّافعي : وإنما بدأت بحديث أبي ؛ لأنّ فيه دلالة على أنّه سمع : ( الماء من الماء ) من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يسمع خلافه فقال به ، ثم لا أحسبه تركه ، إلا أن النبي عَلَيْهِ السلامَ قال بعده ما نسخه ، قال : وهذا أثبت إسنادا ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن سهل بن يوسف ، نا شعبة ، عن سيف بن وهب ، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي ، عن عميرة بن يثرب ، عن أبي بن كعب قال : إذا التقى ملتقاهما من وراء الختان وجب الغسل .

77

13 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا الفضل بن دكين ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا جلس الرجل بين شعبها الأربع ، ثم جهدها ، فقد وجب الغسل . هذا حديث أخرجوه إلا الترمذي . ولما رواه البخاري ، عن معاذ بن فضالة ، ثنا هشام ح ، وثنا أبو نعيم ، عن هشام قال : تابعه عمرو بن مرزوق ، عن شعبة مثله - يعني : المخرج عند مسلم ، عن محمد بن عمرو بن جبلة ، عن ابن أبي عدي ، وعن ابن المثنى ، عن وهب بن جرير كلاهما ، عن شعبة عنه . قال البخاري : وقال موسى : ثنا أبان ، ثنا قتادة ، أنبأ الحسن مثله ، يعني المخرج عند البيهقي من حديث عثمان وهمام بن يحيى عنه ، ولفظه : ثم أجهد نفسه ، فقد وجب الغسل أنزل ، أو لم ينزل . وهو في مسلم من حديث مطر ، عن قتادة ، ولفظ أبي داود : وألزق الختان الختان . ولفظ أبي عبد الرحمن : بين شعبها . ورواه أيضا من حديث أشعث ، عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ ، ثم اجتهد ، وقال : هذا خطأ والصواب : أشعث ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، وكذا قاله أبو حاتم لما سأله ابنه عن حديث رواه ابن شرحبيل عن عيسى بن يونس عن أشعث ؟ فقال : هذا خطأ ، قال : فقلت لأبي : ممن الخطأ ؟ فقال : إما من ابن شرحبيل ، وإما من عيسى ، وقال أبو زرعة : لا أحفظ من حديث أشعث إلا هكذا ، قلت : فيمكنك أن تقول خطأ ؟ قال : لا ، والذي عند أبي عبد الرحمن يبرئ ابن شرحبيل ؛ لأنه خرجه عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن عبد الله بن يوسف عن عيسى ، وذكر أبو الحسن في علله أنه يروى ، وليس بمحفوظ عن ابن سيرين ، ثم إنّ شعبة ، وهشاما وأبان وهماما ، وأبا عوانة رووه يعني كما تقدّم ، وكذلك قاله يزيد بن زريع ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، وخالفه عبد الأعلى ، عن سعيد فأسقط أبا رافع ، ووقفه . ورواه الليث عن قتادة مرفوعا ، لم يذكر أبا رافع وتابعه سعيد بن بشير ، عن قتادة ، ورواه حماد بن سلمة عن قتادة ، وحبيب بن الشهيد وحميد الطويل ، عن الحسن ، عن أبي هريرة موقوفا ، ورواه مطر عن الحسن عن أبي رافع مرفوعا لم يختلف عليه ، واختلف عن يونس بن عبيد فرواه نصر بن علي ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن يونس مثل رواية مطر ، وخالفه جميل بن الحسن ، ومحمد بن مثنى فقالا : عن عبد الأعلى ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة مرفوعا ؛ وكذلك رواه يزيد بن زريع ، وأبو مروان الغساني يحيى بن أبي زكريا ، وشعبة ، تفرد به النّضر بن محمد ، عن شعبة ، عن يونس مرفوعا ، لم يذكروا أبا رافع ، ولما ذكره ابن شاهين من هذه الطريق قال فيه : صحيح غريب ، قال أبو الحسن : ورواه الثوري مرفوعا بإسقاط الحسن ، ورواه جرير بن حازم عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا ، وقال يحيى القطان ، والنضر بن شميل ، عن أشعث ، عن الحسن ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وخالفهم عيسى بن يونس ، فرواه عن أشعث عن ابن سيرين مرفوعا ، ورواه عبد الأعلى عن هشام ، عن الحسن ، عن عائشة مرفوعا ، وخالفه مخلد بن حسين فرواه عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن عائشة ، وكلاهما وهم ، والصحيح : عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، وفي لفظ عنده من طريق صحيحة رجحها ابن القطان على طريق مسلم ؛ لأن طريقه فيها نظر ، وهذه سالمة منه : إذا غشي الرجل المرأة ، فكان بين شعبها الأربع ، ثم اجتهد ، فقد وجب الغسل أنزل ، أو لم ينزل ، وفي كتاب الإسماعيلي ، وقاسم بن أصبغ فيما ذكره عبد الحق في الكبرى : والتزق الختان بالختان ، وفي لفظ لابن أبي شيبة في مصنفه : إذا جلس بين فروجها الأربع .

78

باب الماء من الماء 9 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن بشار ، ثنا غندر محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذكوان ، عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر على رجل من الأنصار ، فأرسل إليه ، فخرج ، ورأسه تقطّر فقال : لعلنا أعجلناك ، قال : نعم يا رسول الله ، قال : إذا أعجلت ، أو أقحطت ، فلا غسل عليك ، وعليك الوضوء . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، فرواه البخاري ، عن إسحاق ، أنبأ النضر ، أنبأ شعبة ، عن الحكم بلفظ : إذا أعجلت ، أو أقحطت ، فعليك الوضوء . تابعه وهيب قال : ثنا شعبة ، ولم يقل غندر ويحيى ، عن شعبة : الوضوء . ورواه الإسماعيلي في صحيحه ، عن البغوي ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وثنا القاسم بن زكريا ، ثنا ابن مثنى ، ومحمد بن بشار ، نا ابن عبد الكريم ، نا بندار ، والبسري ، وأخبرني الحسن ، وعمران قالا : ثنا ابن بشار قالوا : ثنا محمد بن جعفر غندر ، وثنا القاسم أيضا ، نا ابن مثنى ، نا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، وقال غندر : ثنا شعبة ، عن الحكم ، وقال : قال أبو بكر : وهما عندنا ، عن هؤلاء كلهم ، عن غندر فيه الوضوء ، والله تعالى أعلم . ورواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، نا غندر ، عن شعبة ( ح ) ، وثنا ابن مثنى ، وابن بشار قالا : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، ولفظه : وعليك الوضوء . واختلف في إسحاق هذا الذي رواه البخاري عنه من هو ؟ فأبو نعيم في المستخرج : رواه من جهة إسحاق بن إبراهيم ، وقال : رواه البخاري ، عن إسحاق الكوسج يعني أن الاثنين روياه عن النضر ، وفي كتاب الكلاباذي كلاهما روى عنه ، وفي تقييد المهمل لأبي علي في نسخة أبي محمد الأصيلي : ثنا إسحاق ابن منصور ، ثنا النضر ، والذي في أصل شيخ شيوخنا ابن التدمري ، ما وضح هذا وبيّنه ، ولا يحتاج إلى التخرص والحسبان . ثنا إسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج المروزي ، فلا معدل إذا عن هذا ، ولا مصرف ، وفي لفظ مسلم ، وخرجه من حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه قال : خرجت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على باب عتبان فصُرخ به ، فخرج يجر إزاره الحديث . وفي مسند السراج ، ثنا عبد الجبار ، ثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عروة بن عياض ، قال : قدم علينا أبو سعيد الخدري قال : أرأيتم لو اغتسلت وأنا أعرف أنه كما يقولون ؟ قالوا : لا حرج اخرج حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله . وفي لفظ : أرأيتم لو اغتسلت ، وأنا أعرف أنه مما يقولون وفي لفظ ابن شاهين من حديث عبد الرحمن ، عن أبي سعيد قال : خرجت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين إلى قباء ، حتى إذا كنا في بني سالم ، وقف على باب عتبان بن مالك ، فقال عتبان : يا رسول الله! أرأيت الرجل يعزل عن امرأته ، ولم يمن ، وفي لفظ : إذا قحط أحدكم .

79

10 - حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن السائب ، عن عبد الرحمن بن سعاد ، عن أبي أيوب قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء من الماء . هذا حديث إسناده ضعيف ؛ للجهالة بحال عبد الرحمن بن السائب ، ويقال : ابن السائبة ، كذا رويناه في أحكام أبي علي الطوسي - رحمه الله تعالى فإني لَمْ أَرَ عنه راويا غير عمرو بن دينار ، وكذا ابن سعاد ، ويقال : ابن سعاد ، ولم يتعرض أحد لذكر حالهما فيما علمت ، وأما ما ذكره الدارمي في مسنده عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سعاد ، وكان مرضيا من أهل المدينة ، فلا ندري من القائل ذلك أهو ابن السائب ، أم عمرو ؟ ! ، فإن كان ابن السائب ، فلا نقبل قوله؛ لأنه يحتاج إلى من يعدله . وإن كان عمرو قاله ، فلا ندري أراد ابن سعاد ، أو ابن السائب ، فلما أبهم الأمر سقط الاحتجاج به ، وأيضا فهذه لفظة لا تعطي توثيقا ؛ لاحتمال أن يكون مراده الدين ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سالمة من هذين الرجلين ، ذكرها البخاري في صحيحه ، نا أبو معمر ، نا أبو نعيم ، نا عبد الوارث ، عن الحسين بن ذكوان المعلم المكتب البصري ، قال يحيى بن أبي كثير : وأخبرني أبو سلمة أنّ عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره أنّه سأل عثمان بن عفّان ، فقال : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ، فلم يمن ؟ قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره ، وقال عثمان : سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبي بن كعب ، فأمروه بذلك ، فأخبرني أبو سلمة : أن عروة أخبره أنّ أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال أبو الحسن الدارقطني في كتاب العلل : وفي هذا الموضع وهم؛ لأنّ أبا أيوب لم يسمع هذا من النبي عليه السلام ، إنّما سمعه من أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال ذلك هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أبي أيوب ، عن أبي انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لأنّ أبا أيوب قد قدمنا قوله : إنّه سمع ذلك من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على لسان أبي سلمة ، عن عروة ، وكونه رواه بواسطة في البخاري أيضا لا يؤثر فيما قلناه ؛ ولأنه يحتمل أنّه سمعه من أبي ، ثم سمعه من المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولو لم يكن هذا لما جاز له أن يقول : سمعته من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأما قول القاضي أبي بكر بن العربي - رحمه الله تعالى - في حديث أبي أيوب هذا : والعجب من البخاري كيف ساوى بين حديث عائشة في إيجاب الغسل بالتقاء الختانين ، وبين حديث عثمان ، وأبي في نفي الغسل إلا بالإنزال ، وحديث عثمان هذا ضعيف؛ لأنّ مرجعه إلى الحسين بن ذكوان ، رواه عن يحيى بن أبي كثير ، ثم قال : والحسين لم يسمعه من يحيى ؛ وإنما نقله له يحيى ؛ ولذلك أدخله البخاري عنه بصيغة المقطوع ، وهذه علّة ، وقد خولف حسين فيه عن يحيى ، فرواه عنه غيره موقوفا على عثمان ، ولم يذكر فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذه علّة ثانية ، وقد خولف أيضا أبو سلمة ، فرواه زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن زيد بن خالد أنه سأل خمسة ، أو أربعة من الصحابة ، فأمروه بذلك من غير رفع ، قال : وهذه علة ثالثة ، ففيه نظر : أمّا العلة الأولى ، فلأنّ البخاري رواه في موضع آخر عن سعد بن حفص ، عن شيبان ، عن يحيى ، وقال أبو الحسن الدارقطني : حدّث به عن يحيى : حسين المعلم ، وشيبان ، وهو صحيح عنهما . ورواه ابن شاهين من حديث معاوية بن سلام ، أنبأ يحيى به . العلة الثانية : قوله : إنّ البخاري رواه بصيغة المقطوع ، وليس كذلك؛ لأن العلماء قالوا : ليس في البخاري حديث منقطع شاهدا ، أو متابعا ، فكيف بما ذكره للاحتجاج ؟ وقد نص العلماء على أن قال : وذكر من غير قول ، أو قال لنا ، وما أشبه ذلك من ألفاظ الرواية محمولة عندهم على السماع إذا عرف اللقاء والسماع ، وحسين ممن عرف ذلك منه ، والله أعلم . ولذلك ، فإن أصحاب الأطراف ذكروا موضع ، قال يحيى ( عن ) : وهي رواية إجماع ، ولهذا ساغ لهم إخراجه في مسند أبي أيوب ، ولذا خرجه مسلم ، والإسماعيلي ، وأبو نعيم بصيغة ( عن ) ، وعلى رأي جماعة ( عن ) في صحيح مسلم متصلة ، فلأنّ تكون عند البخاري بطريق الأولى ، لما علم من شرطه ، وقد وقع لنا حديث حسين المعلم هذا مصرّحا فيه بالسماع ، من يحيى بن أبي كثير ، أنبأ بذلك الإمام المسند أبو الفتح الجودري قراءة عليه وأنا أسمع عن عبد الله بن منصور ، أنبأ الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الهمذاني ، أنبأ أبو بكر محمد بن إبراهيم الطرقي ، أنبأ يحيى بن عبد الوهاب ، نا محمد بن أحمد بن محمد الكاتب ، نا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عبد الله ابن محمد بن ناجية ، ثنا عبد الوارث بن عبد الصمد ، حدثني أبي ، حدثني أبي ، ثنا حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدثني أبو سلمة : أنّ عطاء بن يسار أخبره أنّ زيد ابن خالد أخبره أنه سأل عثمان قلت : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ، ولم يمن ؟ ! فقال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : وسألت عن ذلك علي بن أبي طالب ، والزبير ، وطلحة ، وأبيا ، فأمروه بذلك ، قال : وحدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة أن عروة أخبره أنّ أبا أيوب أخبره أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ذلك . وفي كتاب ابن شاهين ، ثنا البغوي ، ثنا هارون بن عبد الله ، ثنا عبد الصمد ، ثنا أبي ، ثنا حسين المعلم ، نا ابن أبي كثير ، فذكره . وكذا ذكره البيهقي في السنن الكبير عن أبي بكر أحمد بن إسحاق ، ثنا إبراهيم بن عبد الله ، أنا محمد قال : ثنا الحسن بن عيسى البسطامي ، ثنا عبد الصمد ، نا أبي ، نا حسين ، حدثني يحيى به . وإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة في صحيحه أيضا ، وأما قول ابن جرير في تهذيب الآثار ، وهذا خبر عندنا صحيح سنده لا علّة فيه توهنه ، ولا سبب يضعفه ؛ لعدالة رواته ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح لعلّتين : إحداهما : أنّ المعروف من رواية الثقات عن عثمان أن الختان إذا مس الختان وجب الغسل أنزل ، أو لم ينزل . والأخرى : أنّه خبر قد رواه بعضهم عن شيبان ، عن يحيى ، فجعله عن عطاء ، عن عثمان لم يجعل بينهما أحدا . والثالثة : أنّ يحيى كان عندهم مدّلسا ، والمدلس لا يقبل عندهم من خبره إلا ما قال : ثنا ، وشبهه بكلام لا يجزئ شيئا كما بيّناه . الثالثة قوله : إنّ أبا سلمة خالفه زيد فغير ضار ، ولا منافاة بين قولهما ؛ لأن أبا سلمة إمام حافظ ، زاد شيئا ، فيقبّل منه بإجماع ، ولأن الصحابة المذكورين أصحاب فتيا ، فلما سئلوا أفتوا بما عندهم من حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لأنّ مثل هذا لا يؤخذ بالأداء ، ونشطوا مرّة أخرى ، فتذكروا مستندهم ، إن قيل لهم في ذلك ، فذكروه ، فصار جمعا بين الرواية والفتيا ، والله أعلم . ويوضح ذلك ما ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ، قال أبو عمر : وقد تدبرت حديث عثمان الذي انفرد به يحيى ، فليس فيه تصريح بمجاوزة الختان الختان ، وإنما فيه جامع ، ولم يمن ، وفيه يقول : مجامعة ، ولامس الختان الختان ؛ لأنه لفظ مأخوذ من الاجتماع يكني عن الوطء ، وإذا كان كذلك ، فلا خلاف حينئذ ، ولو ذكر ما ذكره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في جمعه لحديث يحيى بن أبي كثير كان أولى مما تقدّم ، وهو قوله : قال أبو طالب : زيد بن أخزم سمعت يحيى بن سعيد القطّان ، وسئل عن حديث أبي أيوب ، فلم يحدث به ، وقال : نهاني عنه عبد الرحمن ، وقال أبو عمر في التمهيد : وحديث أبي سلمة هذا حديث منكر لا يعرف من مذهب عثمان ، ولا علي ، ولا من مذهب المهاجرين ، انفرد به يحيى ، وهو ثقة ، إلا أنه جاء بما شذ به وأنكر عليه ، ونكارته أنّه محال أن يكون عثمان سمع من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يسقط الغسل من التقاء الختانين ، ثم يفتي بإيجاب الغسل . وذلك في حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد أن عمر ، وعثمان ، وعائشة كانوا يقولون : إذا مس الختان الختان ، فقد وجب الغسل . وهو صحيح ، ولا أعلم أحدا قال : بأنّ الغسل من التقاء الختانين منسوخ ، بل الجمهور أنّ الوضوء منه منسوخ بالغسل ، ومن قال بالوضوء منه أجازه ، وأجاز الغسل ، ولم ينكره ، وقال يعقوب بن شيبة : سمعت ابن المديني ، وذكر حديث يحيى فقال : إسناده حسن ، ولكنه حديث شاذ ، وقال علي : وقد روي عن عثمان ، وعلي ، وأبي بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلافه ، قال يعقوب : هو حديث منسوخ ، وقال أبو بكر الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل : حديث حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثير يعني هذا فيه علّة تدفعه بها ؟ قال : نعم ما روي خلافه عنهم . وقال أحمد : الذي أختار : إذا جاوز الختان الختان ، فقد وجب الغسل . قيل له : قد كنت تقول غير هذا ؟ قال : ما أعلمني قلت غير هذا قط ، قيل له : قد بلغنا ذلك عنك . قال : الله المستعان . وفي صحيح الإسماعيلي ، قال : ولم يذكر يعني الراوي عليا ، ولم يقل أحد من الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم غير الحماني ، إنما قالوا مثل ذلك ، وليس الحماني من شرط هذا الكتاب ، وفي الباب غير ما حديث ، من ذلك : حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل من الأنصار فأبطأ واحتبس فقال : ما حبسك ؟ قال : كنت أصبت من أهلي ، فلما جاءني رسولك اغتسلت ، ثم لم أحدث شيئا . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء من الماء ، والغسل على من أنزل رواه أبو جعفر في شرح الآثار من جهة يزيد ، عن العلاء بن محمد بن سيار ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عنه ، وقال أبو القاسم في الأوسط ورواه من حديث وقاء بن إياس الوالبي سمعت سهيل بن ذكوان أبي صالح يذكر عن أبيه ، عن أبي هريرة : لم يروه عن وقاء إلا أبو زهير تفرّد به عبد الرحمن بن سلمة ، وحديث رافع بن خديج قال : ناداني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ، ولم أنزل ، فاغتسلت ، وخرجت ، فأخبرته فقال : لا عليك ، الماء من الماء قال رافع : ثم أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك بالغسل . رواه أحمد في مسنده من حديث رشدين بن سعد ، عن موسى بن أيوب الغافقي ، عن بعض ولد رافع ، ولم يسمه ، وقال الحازمي : هذا حديث حسن . وفيه نظر ؛ لأنّ راويه رشدين ، وحديثه لا يحسن ، وفيه رجل لم يسمه ، فهو منقطع ، وقد وقع لنا متابعا لرشدين ، وهو ابن لهيعة فيما ذكره ابن شاهين عن موسى بن أيوب ، وسمى الرجل المبهم سهلا ؛ وكذا جاء في بعض الروايات مصرّحا باسمه عن رشدين ، ذكر ذلك الحافظ أبو الطاهر البغوي فقال : أنبأ الرازي ، عن أبي الحسن أحمد بن محمد الحكيمي سماعا ، عن أبي بكر المهندس سماعا ، ثنا محمد هو ابن زبان بن حبيب ، ثنا أبو الطاهر ، ثنا رشدين ، عن موسى بن أيوب ، عن سهل بن رافع بن خديج ، عن أبيه ، فذكره ، فلو حسّنه الحازمي بهذه الأمور لساغ له ذلك ، والله تعالى أعلم . وحديث عائشة : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك ، ولا يغتسل وذلك قبل فتح مكة ، ثم اغتسل بعد ذلك ، وأمر الناس بالغسل رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه ، وسيأتي الكلام عليه بعد ، وحديث جابر بن عبد الله قال : مرّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجل من الأنصار فخرج ورأسه يقطر فقال : لعلنا أعجلناك ؟ قال : أجل يا رسول الله . قال : إذا عجل أحدكم ، أو أقحط ، فلا يغتسل رواه أبو حفص بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ ، عن أبيه ، عن الباغندي ، ثنا أبو نعيم ، ثنا أبو إسرائيل الملائي ، عن الحكم ، عن أبي صالح عنه . وحديث أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الماء من الماء ، رواه أيضا عن أحمد بن عمرو ، ثنا عبد الله ابن أسامة الحلبي ، ثنا يعقوب بن كعب ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم عنه ، وحديث عبد الله بن عباس قال : أرسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل من الأنصار ، فأبطأ عليه ، فقال : ما حبسك ؟ قال : كنت على المرأة فقمت فاغتسلت فقال : وما عليك ألا تغتسل ما لم تنزل ؟ قال : فكانت الأنصار تفعل ذلك . رواه ابن أبي داود في كتاب الطهارة تأليفه ، عن عبد الله بن سعيد ، ثنا طلحة ، عن أبي سعد ، عن عكرمة عنه ، وحديث زيد بن ثابت الآتي في الباب بعده ، وكذلك حديث رفاعة ، قال أبو عمر : قوله : إذا أعجل أحدكم ، أو أقحط يقتضي أن يكون جوابا لمن أقحط ، أو أعجل عن بلوغ التقاء الختانين ، وكذلك حديث ابن شهاب ، عن أبي سلمة رواه أصحابه كذلك ؛ لأن قوله الماء من الماء لا يدفع أن يكون الماء من التقاء الختانين ، والله تعالى أعلم . وحديث صالح السالمي الأنصاري ، قلت للنبي عليه السلام : هتفت وأنا مع المرأة قد خالطتها ، فلما أن سمعت صوتك أجبتك منها ، فلما دخلت المسجد كرهت أن أدخله حتى اغتسلت ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء من الماء . رواه أبو موسى في كتاب الصحابة من جهة ابن إسحاق ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن جدّه أبي سعيد ، قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجد بني عمرو بن عوف ، فمر بقرية بني سالم ، فذكره . ثم قال : رواه ذكوان ، عن أبي سعيد ، ولم يسم الرجل ، وكذلك أبو هريرة ، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - لم يسمياه . وحديث عبد الله بن عتبان قال : قلت : يا رسول الله ! إني كنت مع أهلي ، فلما سمعت صوتك أعجلت ، فاغتسلت فقال عليه السلام : الماء من الماء ، رواه أيضا من حديث كثير بن زيد عن المطلب عنه ، وحديث أبي عثمان الأنصاري قال : دق علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد ألممت بالمرأة ، فكرهت أن أخرج عليه حتى أغتسل ، فأبطأت عليه ، فلحقته فأخبرته ، فقال : أكنت أنزلت قلت : لا . قال : أما إنه لم يكن عليك إلا الوضوء . رواه أيضا من حديث عمر بن محمد بن الحسن ، ثنا أبي ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة عنه ، ومرسل عبد الله بن عبد الله بن عقيل قال : سلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سعد بن عبادة ثلاثا ، فلم يأذن له ، كان على حاجة ، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم فقام سعد سريعا ، فاغتسل ، ثم تبعه فقال : يا رسول الله إني كنت على حاجة فقمت فاغتسلت ، فقال صلى الله عليه وسلم : الماء من الماء . رواه معمر بن راشد في جامعه عنه .

80

33 - حدثنا محمد بن حميد ، ثنا الحكم بن بشير بن سليمان ، ثنا خلاد الصَّفَّار ، عن الحكم النصري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي جحيفة ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول : باسم اللّه . هذا حديث قال فيه أبو علي الطوسي : غريب ، ولا نعرفه إلَّا من هذا الوجه ، وقد روي في هذا الباب - يعني التسمية عند دخول الخلاء - حديث ، وليس إسناده بذاك ، وقال الترمذي عندما خرجه عن محمد بن حميد : غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وإسناده ليس بالقوي ، ولا أدري ما الموجب لذلك ؟ لأن جميع من في إسناده غير مطعون عليه بوجه من الوجوه فيما رأيت ، بل لو قال فيه قائل : إنّ إسناده صحيح ، لكان مصيبا ، والله أعلم . وبيان ذلك أنَّ محمد بن حميد قال فيه يحيى : ليس به بأس ، كيس . وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي : ثقة . وسئل عنه الذهلي فقال : ألا ترى أني هو ذا أحدث عنه ؟! وقيل للصغاني : تحدّث عن ابن حميد ؟ فقال : وما لي لا أحدّث عنه وقد حدّث عنه الإمام أحمد وابن معين ؟! وأما الحكم فروى عنه إبراهيم بن موسى ، وزنيج ومحمد بن مهران الجمال ، ويحيى بن المغيرة ، وعمرو بن رافع ، وابنه عبد الرحمن بن الحكم ، وقال أبو حاتم الرازي : هو صدوق ، وأما خلاد الصَّفّار أبو مسلم الكوفي فروى عنه عمرو بن محمد وحسين الجعفي ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، والحكم بن عبد اللّه النصري ، حديثه في صحيح مسلم ، ووصف مع ذلك بالثقة .

81

34 - حدثنا عمرو بن رافع ، ثنا إسماعيل بن علية ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال : أعوذ بالله من الخبث والخبائث . أخرجه الجماعة في كتبهم ، وذكره البزار في مسنده من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن وقتادة ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل الحديث . وإسماعيل ضعيف ، وفي كتاب أبي داود من طريق ابن العبد : أنه حدّث عبد العزيز . وقال وهيب : فليتعوذ باللّه تعالى ، وقال فيه الترمذي : هو أصح شيء في هذا الباب وأحسن ، وفي كتاب الذخيرة لابن طاهر بزيادة عن أنس : كان - عليه السلام - إذا دخل الكنيف قال : باسم اللّه ، ثم يقول : اللهم إني أعوذ بك قال : رواه أبو معشر نجيح ، وهو ضعيف ، عن أبي طلحة عنه ، وفيهَ ردّ لما ذكره الإِمام أحمد بن حنبل لما سأله مهنأ عن هذا الحديث : تعرفه عن أحد من غير وجه عبد العزيز ؟ قال : لا ، وكفاك بعبد العزيز بن صهيب ؛ فإنه ثقة ، قلت : بصري ؟ قال : نعم . وهو في كتاب الأفراد لأبي الحسن ، رواه عدي بن أبي عمارة ، عن قتادة ، عن أنس ، وهو غريب من حديث قتادة ، تفرد به عدي عنه ، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري عنه . وقال : لم يروه عن الزهري إلا صالح ، تفرد به إبراهيم بن حميد الطويل .

82

35 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا ابن أبي مريم ، ثنا يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول : اللَّهم إني أعوذ بك من الرجس النجس ، الخبيث المخبث ، الشيطان الرجيم . قال أبو الحسن القطان : نا أبو حاتم ، ثنا ابن أبي مريم ، فذكره ، ولم يقل في حديثه : الرجس النجس وإنّما قال : من الخبيث المخبث ، الشيطان الرجيم . هذا الحديث إسناده ضعيف لضعف رواته ، وقد تقدم ذكرهم قريبا . وفي الباب حديث رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ، أنبأ به المسند شرف الدين المقرئ ، أنا الإِمام بهاء الدين إجازة ، أنا الأميرة قراءة عليها ، أنا ابن هراشة ، أنا ابن البزار ، أنا إسماعيل بن نصر ، عن عبد اللّه بن محمد بن ياسين صاحب حديث ، نا أحمد بن عبد الجبار السكوني ، ثنا أبو يوسف القاضي ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن أبي الأحوص ، عن عبد اللّه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الغائط قال : أعوذ باللّه من الخبث والخبائث . وأشار الترمذي إلى حديث جابر ، وأعل حديث أبي أمامة هذا ، وحديث بريدة من عند ابن عدي في كامله ، وضعفه بحسين بن عمر ، قال أبو سليمان الخطابي : الخبث بضم الباء : جماعة الخبيث ، والخبائث : جمع الخبيثة ، يريد ذكران الشياطين وإناثهم ، وعامة أصحاب الحديث يقولون : الخبث مسكنة الباء ، وهو غلط ، والصواب مضمومة الباء . وفيما قاله نظر ؛ لأنّ الذي أنكره هو الذي حكاه أبو عبيد بن سلام والفارابي في كتاب ديوان الأدب ، فلا إنكار على المحدثين إذًا، واللّه أعلم . وأيضا ففعل - بضم الفاء والعين - تسكن عينه قياسا ، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك . وأمّا معناه فذكر ابن الأعرابي أنَّ أصله في كلام العرب المكروه ، فإن كان من الكلام فهو الشتم ، وإن كان من الملل فهو الكفر ، وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار . قال ابن الأنباري : الخبث : الكفر ، والخبائث الشياطين . وقال غيره : الخبث : الشيطان ، والخبائث : المعاصي ، وزاد بعض المتأخرين على ابن الأعرابي : وقيل الخبائث : الأفعال المذمومة ، والخصال الرديئة ، وليس ذلك بزيادة لدخوله في معنى كلامه . وقوله : ( إذا دخل الخلاء ) ، يريد إذا أراد دخول الخلاء ، كما في صحيح البخاري ، وكقوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، ويحتمل أن يراد به ابتداء الدخول ، ويبنى عليه من دخل ونسي التعوذ ، هل يتعوذ أم لا ؟ كرهه ابن عباس وغيره ، وأجازه جماعة ، منهم ابن عمر ، أخذا بقول عائشة - رضي اللّه عنها - : كان يذكر اللّه على كل أحيانه . وقد نقل القولان عن مالك . هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في الصحراء ، وهو ظاهر في لفظة : دخل . والحَشّ والحُشّ : البستان ، والجمع حشان ، كضيف وضيفان ، والحَشِّ والحُشِّ : المخرج أيضا ؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين ، والجمع حشوش ، والمحشة - بالفتح - الدبر ، ونهي عن إتيان النساء في محاشهن ، وربما جاء بالسين كما في الصحاح وفي الجمهرة ، ويسمى أيضا الحائش ، قال الشاعر : فقلت أثل زال عن حلاحل ومثمر من حائش حوامل وفي المغيث : واحد الحشوش حش ، ويجمع حشنان ، كبطن وبطنان ، فإذا استعمل في الكنيف فبالفتح لا غير ، سمي للجمع فيه ، وكل شيء جمعته فقد حششته ، وزعم الخطابي أنه يفتح ويضم كما تقدم من كلام الجوهري ، وكلامه صريح في الرد على أبي موسى ، واللّه أعلم .

83

باب ما يقول إذا دخل الخلاء 32 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي قالا : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إن هذه الحشوش محتضرة ، فإذا دخل أحدكم فليقل : اللّهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث . حدثنا جميل بن الحسن العتكي ، ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ( ح ) ، وثنا هارون بن إسحاق ، نا عبدة ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن القاسم بن عوف الشيباني ، عن زيد بن أرقم أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال فذكر الحديث . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، عن محمد بن بشار ، ومحمد بن عبد الأعلى ، ثنا خالد يعني ابن الحارث ، ثنا شعبة ، وثنا يحيى بن حكيم ، ثنا ابن أبي عدي ، ثنا شعبة ، وثنا يحيى بن حكيم ، ثنا أبو داود ، ثنا شعبة ، فذكره . وقال : هذا حديث بندار ، غير أنّه قال : عن النّضر بن أنس . وكذا قال يحيى بن حكيم في حديث ابن أبي عدي عن النضر بن أنس . قال أبو عيسى في كتاب الجامع : في إسناده اضطراب ، فذكر ما تقدّم ، وزاد : وقال معمر : عن النضر بن أنس ، عن أبيه ، زاد البزار : وقال حسام بن مصك ، عن قتادة ، عن القاسم بن عوف عن زيد ، قال : وهذا الحديث قد اختلفوا في إسناده ، عن قتادة . وفي كتاب العلل للترمذي : وسألت محمدا عنه ، وقلت له : أي الروايات عندك أصح ؟ فقال : لعلّ قتادة سمع منهما جميعا عن زيد ، ولم يقض في هذا بشيء ، وفي قوله : عن زيد ؛ إشارة إلى عدم صحة حديث النضر ، عن أبيه ، وقد جاء ذلك مصرحا به من كلام الإِمام أحمد فيما ذكره البيهقي ، وأنّ تعليل الحديث بالاضطراب على قتادة ليس قادحا ، لاحتمال سماعه منهما كما قال البخاري ، وهما ثقتان ، فسواء كان عنهما أو عن أحدهما ، وإلى كونه صحيحا عنهما قال أبو حاتم البستي ، فرواه في صحيحه من جهة عيسى بن يونس ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن القاسم ، وقال : هذا الحديث مشهور عن شعبة وسعيد جميعا ، وهو مما تفرد به قتادة ، أنا عمر بن محمد ، نا محمد بن عبد الأعلى ، نا خالد بن الحارث ، عن شعبة ، عن قتادة ، سمعت النضر بن أنس يحدث عن زيد فذكره ، ورواه الحاكم من جهة عمرو بن مرزوق ، أنا شعبة ، عن قتادة ، عن النضَّر ، عن زيد بلفظ : فإذا دخل أحدكم الغائط فليقل : أعوذ باللّه من الرجس النجس ، الشيطان الرجيم ، ثم قال : قد احتج مسلم بحديث لقتادة ، عن النضر ، عن زيد ، واحتج البخاري بعمرو بن مرزوق ، وهذا الحديث مختلف فيه عن قتادة ، ورواه شعبة ، عن القاسم ، عن زيد ، وكلا الإسنادين من شرط الصحيح ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، وزعم الإشبيلي أنه اخَتلف في إسناده ، قال : والذي أسند ثقة ؛ وفيما قاله نظر ؛ لأن الحديث لم يرم بالإِرسال حتى يكون الحكم للثقة المسند ، إنما رمي بما ذكرناه آنفا ، واللّه أعلم .

84

8 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسماعيل بن علية ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن عبيد بن عمير ، قال : بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن فقالت : يا عجبا لابن عمرو هذا ، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ؟ ! لقد كنت أنا ورسول الله نغتسل من إناء واحد ، فلا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات . هذا حديث رواه مسلم في صحيحه ولفظ النسائي : لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا ، وإذا تور موضوع مثل الصاع ، أو دونه ، فنشرع فيه جميعا ، فأفيض على رأسي ثلاث مرات ، وما أنقض لي شعرا . ولفظ ابن خزيمة : يأمر نساءه أن ينقضن رؤوسهن إذا اغتسلن من الجنابة ، فقالت : يا عجباه لابن عمرو هذا!!! قد كلفهن تعبا ، وفيه : فما أزيد على ثلاث حثيات ، أو قال : ثلاث غرفات . ولفظ مالك في الموطأ وبلغه عن عائشة ، وسئلت عن غسل المرأة من الجنابة ؟ فقال : لتحفن على رأسها ثلاث حفنات ، ولتضغث رأسها بيدها . وفي حديث جميع بن عمير التيمي المذكور عند ابن ماجه عنها : وأما نحن ، فإنا نغسل رؤوسنا خمس مرات من أجل الضفر . وفي حديث عائشة بنت طلحة المذكور عند أبي داود بسند صحيح ، ثنا نصر بن علي ، ثنا عبد الله بن داود ، عن عمر بن سويد ، عنها أنّ عائشة قالت : كنا نغتسل وعلينا الضماد ، ونحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محلات ، ومحرمات . وفي الباب : حديث رواه أبو داود فقال : نا محمد بن عوف قال : قرأت في أصل إسماعيل بن عياش ، قال ابن عوف : وثنا محمد بن إسماعيل ، عن أبيه قال : حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، قال : أفتاني جبير بن نفير ، عن الغسل من الجنابة ، أنّ ثوبان حدثهم أنهم استفتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ؟ فقال : أمّا الرجل فلينثر رأسه ، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر ، وأما المرأة ، فلا عليها ألا تنقضه ، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات وهو حديث في إسناده علل : الأولى : ضعف محمد بن إسماعيل . الثانية : انقطاع ما بينه وبين أبيه ، نص على ذلك ابن أبي حاتم بقوله : سألت أبي عنه فقال : لم يسمع من أبيه شيئا ، حملوه على أن يُحدِّث فحدّث . الثالثة : ضعف أبيه الذي سبق ذكرنا له ، والله تعالى أعلم . وحديث جابر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرأة تغتسل من حيضة ، أو جنابة لا تنقض شعرها ذكره أبو محمد الأموي في كتابه من حديث عبد الملك بن حبيب ، عن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، ثم قال : وهذا حديث ساقط ، ولو لم يكن فيه إلا ابن لهيعة لكفى سقوطا . فكيف ، وفيه عبد الملك بن حبيب وحسبك به ؟ ، ولم يقل فيه أبو الزبير : حدثني جابر ، أو سمعت جابرا وهو مدلس ، وفي المصنف : ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن عثمان بن موهب ، عن امرأة شكت إلى عائشة الغسل من الجنابة . فقالت : صبي ثلاثا فما أصاب أصاب وما أخطأ أخطأ ، نا عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، وعطاء أنهما قالا : لا ترخي شعرها ، ولكن تصب ثلاث مرات ، ثم تفركه . ثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن الحسن في المرأة تغتسل قال : يجزيها ثلاث حفنات ، وإن شاءت لم تنقض شعرها . نا غندر ، نا شعبة ؛ سألت حمادًا ، عن المرأة إذا اغتسلت ، فقال : إن كانت ترى أن الماء أصابه أجزأ عنها ، وإن كانت ترى أن الماء لم يصبه فلتنقضه . وقال الحكم : تبل أصوله ، وأطرافه ، ولا تنقضه . ثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : الحائض والجنب يصبان الماء على رؤوسهما ، ولا ينقضان . ثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع أنّ نساء ابن عمر ، وأمهات أولاده كنّ يغتسلن من الجنابة والحيض ، فلا ينقضن رؤوسهن ، ولكن يبالغن في بلها . ثنا خالد بن حيان ، ثنا جعفر بن برقان ، عن عكرمة أنه سئل عن امرأة تغتسل من الجنابة والحيض قال : ترخي الذوائب وتصب على رأسها الماء حتى يبل أصول الشعر ، ولا تنقض لها رأسا . ثنا أبو خالد ، عن حجاج ، عن فضيل ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : تخلله بأصابعها . وقال عطاء مثله . وفي الباب أحاديث تخالف ما تقدّم منها : حديث عائشة الآتي من عند ابن ماجه بعد بسند صحيح . نا علي ، عن وكيع ، عن هشام ، عن أبيه عنها أن النبي - عليه السلام - قال لها في الحيض : انقضي رأسك واغتسلي . وحديثها المخرج في الصحيحين قالت : أهللت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع بعمرة ، فذكر الحديث في حيضها ، فقالت يا رسول الله : هذا يوم عرفة ، ولم أطهر بعد ، وإنما كنت تمتّعت بالعمرة ، فقال لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انقضي رأسك ، وامتشطي وأهلي بالحج ، وأمسكي عن عمرتك قالت : ففعلت الحديث . قال أبو بكر البيهقي إثره : وهي إن اغتسلت للإهلال بالحج ، فكان غسلا مسنونا ، وقد أمرت فيه بنقض رأسها وامتشاط شعرها ، وكأنها أمرت بذلك استحبابا ، كما أمرت أسماء بنت عميس بالغسل للإهلال على النفاس استحبابا انتهى . ولقائل أن يقول ليس ذلك على طريق الاستحباب ، إنّما هو على طريق الوجوب ، ويوضحه حديث أنس بن مالك ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها ، وغسلت بالخطمي والأشنان ، وإذا اغتسلت من الجنابة ، لم تنقض رأسها ، ولم تغسله بالخطمي والأشنان ذكره البيهقي في السنن الكبير ، عن ابن البيع ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق ، أنبأ محمد بن يونس ، ثنا مسلم بن صبيح ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت عنه ، ورواه أبو الحسن في ( الأفراد ) ، عن محمد بن إسماعيل الفارسي ، عن عثمان بن خرزاد ، نا مسلم ، وأشار إلى تفرّده به عن حماد ، وهو يكنى أبا عثمان بصري . وفي المصنف ، ثنا غندر ، عن شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم أنّه كان يقول : العروس تنقض شعرها إذا أرادت أن تغتسل . نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن حذيفة أنّه قال لامرأته : خللي رأسك بالماء لا تخلله نار قليل بقياها عليه ، وهو مذهب أهل الظاهر ، قال أبو محمد : ويلزم المرأة حل ضفائرها وناصيتها في غسل المحيض وغسل الجمعة ، والغسل من غسل الميت ، ومن النفاس ، والأصل في الغسل الاستيعاب لجميع الشعر ، وإيصال الماء البشرة بيقين خلاف المسح ، فلا يسقط ذلك إلا حيث أسقطه النص ، وليس ذلك إلا في الجنابة فقط ، وقد صح الإجماع : أنّ غسل النفاس كغسل الحيض ، فإن قيل بحديث أم سلمة أفأنقضه للحيضة والجنابة ؟ قال : لا . قلنا : نعم . إلا أن حديث هشام الوارد بنقض ضفرها في الحيض زائد حكما ، ومثبت شرعا على حديث أم سلمة ، والزيادة لا يجوز تركها انتهى . ولقائل أن يقول : ليس بزيادة إنما هو تعارض ، وإذا كان كذلك رجح حديث أم سلمة بالإجماع ، وحمل حديث عائشة على الاستحباب لا على الوجوب . وقال ابن حزم : فإن قيل : فإن عائشة قد أنكرت على ابن عمرو نقض الضفائر ، قلنا : لا حجة علينا فيه لوجوه : أحدها : أنّ عائشة لم تعن بهذا إلا غسل الجنابة فقط ، وهكذا نقول ، وبيان ذلك : إحالتها في آخر الحديث على غسلها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، وهذا إنما هو في غسل الجنابة لا الحيض . انتهى . قد قدمنا مبينا من صحيح ابن خزيمة أنه من غسل الجنابة ، فلا حاجة إلى التخرص ، قال ابن حزم : الثاني : أنه لو صحّ فيها أنها أرادت الحيض لما كان فيه علينا حجة؛ لأننا لم نؤمر بقبول رأيها ، إنما أمرنا بقبول روايتها ، انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث إنّ الصحابي إذا فسر حديثا ، أو بين سببه قبل قوله إجماعا ، قال أبو محمد : الثالث : أنه قد خالفها عبد الله بن عمرو ، وهو صاحب ، وإذا وقع التنازع وجب الرد إلى القرآن والسنة لا إلى قول أحد المتنازعين دون الآخر ، والحمد للّه وحده ، ولقائل أن يقول : لعلّ ابن عمرو المخالف رجع إلى قولها لما بلغه ، ولهذا عده بعض العلماء فيما أنكرته عائشة على الصحابة ، وأنهم رجعوا إلى قولها . إمّا لنسخ لم يظهر لهم ، أو لتخصيص ، أو لنص مخالف ، أو لرأيهم . وأمّا الضفر : ففي الجامع ضفّرت الحبل أضفره ضفرا ، وهو فتلك له وإدخال بعضه في بعض ، ومنه أخذت الضفيرة المرأة ، وهو ضفرها لشعرها ، وقال أبو محمد بن السيد ، في كتاب الفرق بين الأحرف المشكلة : الضفر فتل الشعر ، أو نسجه . وفي المغيث لأبي موسى : والضفائر العقائص المضفرة ، وإن رويته بفتح الفاء ، فهو كالنقض بمعنى المنقوض ، والسكب بمعنى المسكوب ، وفي المطالع : هو ضم شديد .

85

باب ما جاء في غسل النساء من الجنابة 7 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن أيوب بن موسى ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن عبد الله بن رافع ، عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه لغسل الجنابة ؟ قال : إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ، ثم تفيضي عليك من الماء ، فتطهرين ، أو قال : فإذا أنت قد طهرت . هذا حديث رواه مسلم بلفظ : أفأنقضه للحيض والجنابة ؟ فقال : لا ، وفي لفظ : أفأحله ، فَأَغْسِلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ ؟ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاودَ ، عَنْ زُهَيْرِ بْن حرب ، وابن سرح ، نا ابن عيينة ، وفيه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، عن أم سلمة أنّ امرأة من المسلمين . وقال زهير : إِنَّمَا قَالَتِ الْحَدِيثُ . وفي لَفْظِ مِنْ حَديث المقبري ، عن أم سلمة ، واغمري قرونك عند كل حفنة ، والمقبري لم يسمع من أم سلمة ، بينهما ابن رافع ذكره أبو محمد الإشبيلي ، وتتبع ذلك عليه أبو الحسن بأنه مع ذلك من رواية أسامة بن زيد الليثي ، وهو مختلف فيه ، فلو أسند لقيل في حديثه : حسن لا صحيح ، ورواه أبو بكر محمد ابن أحمد بن الجهم الوراق المالكي بهذا السند ، ولفظه ، عن أم سلمة : أنّ امرأة سألتها عن الغسل فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت : امرأة تشد ضفر رأسها أفتنقضه لغسل الجنابة ؟ . مثله . وذكره ابن وهب في مسنده ، عن أسامة أن سعيد بن أبي سعيد حدّثه أنّه سمع أم سلمة ، فذكره ، وهذا يقتضي سماعه منها تصريحا ، ويحمل ذكر الواسطة بينهما على أنه رواه مرة عنها ومرة عن ابن نافع عنها ، والله تعالى أعلم . ولفظ ابن خزيمة في صحيحه ، وخرجه من حديث عبد الجبار بن العلاء ، عن سفيان، فإذا أنت قد طهرت من غير شك . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه الحسين بن حفص الأصبهاني ، عن سفيان ، عن أيوب بن موسى ، عن سعيد المقبري ، عن أبي رافع ، عن أمّ سلمة الحديث . فقال : هذا خطأ إنما هو سعيد ، عن عبد الله بن رافع عنها . يعني حديث البزار ، وفي كتاب الدلائل للسرقسطي ، أنا محمد بن علي وهو الصائغ ، عن سعيد بن منصور ، عن الوليد : سمعت الحسن يقول : سألت أم سلمة : يا رسول الله ، إني أمتشط فأخمر رأسي إخمارا شديدا فكيف أغتسل للجنابة والحيضة ؟ فقال : تفيضين على رأسك ثلاث غرفات ، وفي لفظ لأبي نعيم في المستخرج ، عن أم سلمة : أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة ؟ قال : لا . وفي السنن الكبير للبيهقي من حديث ابن مهدي ، عن بكار بن يحيى ، عن جدته قالت : دخلت على أم سلمة ، وأما الممتشطة ، فكانت إحدانا تكون ممتشطة ، فإذا اغتسلت ، تنقض ذلك ، ولكنها تحفن على رأسها ثلاث حفنات ، فإذا رأت البلل على أصول الشعر دلكته ، ثم أفاضت على سائر جسدها . وفي المصنف ، نا أبو داود ، عن هشام ، عن يحيى بن أبي كثير : أن امرأة سألت أم سلمة ، فقالت : صبي ثلاثا فقالت : إنّ شعري كثير فقالت : ضعي بعضه على بعض . ولفظ أبي القاسم في الأوسط من حديث الحسن عنها : فكيف أغتسل من الجنابة والحيضة ؟ ، وأما ما توهمه بعضهم من أن حديث أم سلمة مضطرب لكونه في رواية أنها سألت ، وفي أخرى امرأة من المسلمين ، وفي أخرى امرأة سألتها أن تسأل ، فليس بشيء ؛ لأن المرأة لما سألتها سألت هي لاشتراكهما في هذا ، فسألت لنفسها ، وهي امرأة من المسلمين أيضا ، والله أعلم .

86

6 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، نا وكيع ، عن سفيان ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن خولة بنت حكيم ، أنها سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ؟ فقال : ليس عليها غسل حتى تنزل كما أنه ليس على الرجل غسل حتى ينزل . هذا حديث إسناده ضعيف ، لمكان علي بن زيد بن جدعان ، وإن كان مسلم خرج حديثه مقرونا بثابت البناني ، وصحح أبو عيسى حديثه ، وكذلك أبو علي الطوسي والبغوي . وقال الساجي : كان من أهل الصدق ، وروى عن شعبة أحاديث صالحة ، أسند منها بضعة عشر حديثا ، وهو يحتمل في الرواية؛ لأنَّ الأجلّة من أهل العلم قد رووا عنه ، وليس يجري مجرى من أجمع على ضعفه في الحديث ، فقد قال فيه ابن عيينة : وهبت كتابه من ضعفه ، وقال مرة أخرى : لا يعتمد على حديثه ، ومرة قال : أثبت منه يعني كتابه وجمع يده ، وقال الآجري : سمعت أبا داود يقول : قال حماد بن زيد : ثنا علي بن زيد ، وكان كثير التخليط ، وقال غيره : عن حماد كان يقلب الأحاديث ، وذكر شعبة أنه اختلط ، وقال الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين : ليس بشيء ، وقال يحيى مرة : ضعيف في كل شيء ، ومرة : ليس بذاك ، ومرة : ليس بحجة ، ومرة قال : ليس بذاك القوي ، وقال أبو حاتم الحنظلي : لا يحتج به ، وقال أبو زرعة : ليس بقوي ، وقال ابن حبان : يهم ويخطئ فكثر ذلك ، فاستحق الترك ، وقال العجلي : يكتب حديثه ، وليس بالقوي . وقال السعدي : واهي الحديث ضعيف ، وفيه ميل عن القصد ، ولا يحتج بحديثه ، وقال ابن أبي شيبة في تاريخه : سألت عليًّا عنه فقال : هو ضعيف عندنا ، وقال البرقاني : وسألته يعني أبا الحسن ، عن ابن زيد فقال : أنا أقف فيه لا يزال عندي فيه لين ، وقال ابن سعد : ولد أعمى ، وفيه ضعف ، ولا يحتج به ، وفي كتاب الساجي : ثنا ابن المثنى قال : ما سمعت يحيى بن سعيد القطان يُحَدِّثُ عنه ، وفي رواية عمرو بن علي ، كان يحيى يتقي الحديث عنه ، وقال شعبة : كان رفّاعا ، قال أبو يحيى : أحسب شعبة نسبه إلى ذلك لما اختلف هو ، ويونس بن عبيد في قوله تعالى : وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ فأوقفه يونس على أبي هريرة ورفعه علي ، وقال وهيب : كان لا يحفظ ، وذكره يعقوب بن سفيان في الضعفاء ، كذلك أبو القاسم البلخي : وفي كتاب الضعفاء لأبي العرب : هو مكفوف ضعيف الحديث ، كان يتشيّع ، يكتب حديثه ، وقال البرقي : ليس بالقوي ، وقال البيهقي في سننه : لا يحتج بحديثه وبنحوه قاله ابن طاهر : وأما الحافظ المنذري ، فقد اضطرب حاله فيه : فتارة يرد حديثًا من روايته بقوله لا يحتج به وتارة يحسنه ، وتارة يسكت عنه ، موهما صحته ، وكذلك فعل الترمذي وهو في هذا أعذر ، فإن حاله عنده بحسب الشواهد وعدمها معتبرة بذلك ، ولا عذر لأبي محمد ، وأما تخريج مسلم له في المقرونات ، فليس بمجد ، ولا في المناظرات ، وقد تكلّم في أبيه بعض أهل الأنساب بما استوجب ذكره في هذا الباب ، وهو أن من ينسبه إلى تيم رهط الصديق ، يقول : علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، وقال بعضهم : علي بن عبد الله بن جدعان ، وقال آخرون : علي بن زيد بن عبد الله زهير بن أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان كان عقيما ، لا يولد له ، فادعى رجلا سماه زهيرا ، وكناه أبا مليكة . فولده كلهم ينسبون إلى أبي مليكة ، وفقد أبو مليكة ، فلم يرجع ، وكان عمل عصيدة ، ثم خرج في حاجة ، فلم يرجع ، فقيل في المثل لا أفعل كذا حتى يرجع أبو مليكة إلى عصيدته ، وقال أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب أنساب الأشراف وأخبارهم من تأليفه : قالوا : وكان عبد الله بن جدعان عقيما ، وادعى بنوة رجل ، فسماه زهيرا ، وكناه أبا مليكة ، فولده كلهم ينسبون إلى أبي مليكة ، ويقال : أبو مليكة بن عبد الله بن جدعان ، وبنحوه ذكره الهيثم بن عدي في تاريخه ، وذكره الخرائطي في كتاب اعتلال القلوب تأليفه من حديث هشام بن محمد ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن المطلب بن أبي وداعة : كانت ضباعة ابنة عامر تحت عبد الله بن جدعان فمكثت عنده زمانا لا تلد ، فقال لها هشام بن المغيرة المخزومي يوما في الطواف : ما تصنعين بهذا الذي لا يولد له ؟ قولي له ، فليطلقك ، فذكر حديثا طويلا . وبنحوه ذكره أبو الفرج الأصبهاني ، وأبو عبيد الله المرزباني في الكتاب المستنير من تأليفه ، والوزير أبو القاسم في كتاب أدب الخواص ، وأبو محمد الرشاطي - رحمهم الله تعالى - ورواه أبو عبد الرحمن في سننه ، وأخرج عاليا من سننه بمتابع صحّ به الإسناد ، وبرد حرارة الأكباد ، أنا به المسند الفقيه أبو محمد عبد القادر بن أبي بكر بن أيوب بقراءتي عليه ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد المقدسي ، أنبأ هبة الله بن علي ، أنبأ مرشد بن يحيى ، أنبأ أبو الحسن محمد بن الحسين النيسابوري ، أنبأ أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوري قراءة عليه من لفظه ، أنبأ النسائي ، قال : أنبأ يوسف بن سعيد ، ثنا حجاج ، عن شعبة ، سمعت عطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيّب ، عن خولة ، فذكره . ورواه أحمد بن منيع في مسنده ، ثنا حجاج ، حدثني شعبة ، فبين سماع حجاج له من شعبة ، وزال ما رماه به بعض العلماء المتأخرين من أنه يدّلس ، ولعلّه لم يسمعه منه عطاء بن أبي مسلم ، عبد الله ، ويقال : ميسرة أبو أيوب الأزدي ، ويقال : أبو عثمان ، ويقال : أبو محمد ، ويقال : أبو صالح البلخي الخراساني ، خرج مسلم حديثه في صحيحه محتجا به ، وروى عنه مالك فيما ذكره اللالكائي ، وقال ابن معين ، وأبو حاتم : ثقة ، زاد أبو حاتم : يحتج بحديثه ، وقال الدارقطني : ثقة في نفسه يهم ، وبقية الرجال لا يسأل لهم عن حال ، وذكر أبو الحسن في العلل : أنّ عبد الوارث رواه عن علي بن زيد ، عن سعيد قال : سألت خالتي خولة النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا مرسل ، وقال عبد الجبار بن عمر ، عن عطاء : حدثتني خولة بنت حكيم ، عن أم سليم الرميصاء ، وهي أم أنس أنها قالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعبد الجبار ضعيف ، ولا يصح قوله ، والحديث صحيح لخولة بنت الحكيم . وفي الأوسط من حديث علي بن سعيد ، عن خولة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها ، فأرجأها فيمن أرجأ ، فذكره ، وقال أبو موسى المديني في كتاب الصحابة : هي غير خولة بنت حكيم ، زوج عثمان بن مظعون ، ثم قال : روى حديثها ابن عياش ، عن عطاء ، ورواه الثوري ، عن علي بن زيد ، وفي الباب : حديث ثوبان قال عليه السلام : ماء الرجل أبيض ، وماء المرأة أصفر ، فإذا علا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله ، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله رواه مسلم في صحيحه . وحديث عمرو ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن محمد بن بشر العبدي ، ثنا عبد الله بن عامر ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : جاءت امرأة يقال لها : بسرة إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله ، إحدانا ترى أنها مع زوجها في المنام ؟ فقال : إذا وجدت بللا فلتغتسل يا بسرة . وحديث أبي هريرة قال : سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المرأة تحتلم فهل عليها غسل ؟ قال : نعم ، إذا وجدت الماء فلتغتسل . رواه أبو القاسم في الأوسط ، عن أحمد بن الحسين ، نا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل ، نا محمد بن عبد الرحمن القشيري ، عن مسعر ، عن سعيد المقبري عنه ، وحديث عائشة قالت : سألت امرأة النبي عليه السلام : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت ، وأبصرت الماء ؟ قال : نعم الحديث . ذكره أبو جعفر في المشكل ، وقال : ليس بالقوي ؛ لأنه إنّما روي من طريق مصعب بن شيبة ، ليس هو عندهم بالقوي انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لأن مصعبا ممن وثقه غير واحد ، وخرج له مسلم في صحيحه بطريق الاحتجاج . وحديث سهلة بنت سهيل أنها قالت : يا رسول الله ، أرأيت المرأة إذا رأت في منامها الاحتلام ، أتغتسل ؟ ! فقال : إذا رأت الماء فلتغتسل . وذكره في الأوسط ، وقال : لم يروه عن سهلة إلا ابن هبيرة ، يرويه ابن لهيعة . وأما أمّ سليم ، فاختلف في اسمهما اختلافا كثيرا ، فمن ذلك ما ذكره الحافظ أبو عبد الله محمد بن حسين الأنصاري المعروف بابن أبي أحد عشر في كتابه الجمع بين الصحيحين سهلة ، وقيل : رميلة ، وقيل : رميثة ، وقيل : مليكة ، وقيل : الغميصاء ، وقيل : الرميصاء ، زاد ابن سعد في طبقاته : ( أنيقة ) ، وقال أبو داود السجستاني : الرميصاء ، أخت أم سليم من الرضاعة ، واسم أم سليم : مليكة ، كذا قاله ابن سعد ، وابن الكلبي وغيرهما ، واختلف في إسلامها ، فذكرها أبو نعيم الأصبهاني في كتاب الصحابة من تأليفه مستدلا بما في مسلم ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس ، أن جدته مليكة دعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطعام صنعته ، فذكر حديث الصلاة على الحصير ، وخالفه غير واحد ، وزعموا أن الضمير في ( جدّته ) يعود على إسحاق ، لا على أنس ، حتى ترجم أبو عمر في الاستيعاب باسم مليكة جدة إسحاق . ولو استدل - رحمه الله تعالى - بما ذكره الحافظ أبو الشيخ ابن حيان في الحادي عشر من فوائد العراقيين ، عن أبي بكر محمد بن جعفر الشعيري ، ثنا مقدم بن محمد ، ثنا عمي عن عبيد الله بن عمر ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك قال : أرسلت جدتي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واسمها مليكة ، فجاءنا ، فحضرت الصلاة ، فقمت إلى حصير لنا ، فذكره ، لكان أصرح دلالة من حديثه الذي ذكره ، والله تعالى أعلم . قال الطحاوي : ولا تعارض بين هذه الأحاديث ، وبين قوله ( يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم أربعين ليلة ) ؛ لأن ذاك يكون على المني قبل أن يكون نطفة مما قدره الله تعالى . قال أبو عمر : فيه دليل أن النساء ليس كلهن يحتلمن ، ولهذا أنكرت عائشة ، وأم سلمة سؤال أم سليم ، وقد يعدم الاحتلام في بعض الرجال ، فالنساء أجدر أن يعدم ذلك فيهن ، وقد قيل : إن إنكار عائشة لذلك إنما كان لصغر سنها ، وكونها مع زوجها ؛ لأنها لم تحض إلا عنده ، ولم تفقده فقدا طويلا إلا بموته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلذلك لم تعرف في حياته الاحتلام؛ لأن الاحتلام لا يعرفه النساء ، ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الجماع بعد المعرفة به ، فإذا ، فقد النساء أزواجهن احتلمن ، والوجه الأوّل عندي أصحّ ، وأولى ؛ لأنّ أم سلمة فقدت زوجها ، وكانت كبيرة عالمة بذلك ، وأنكرت منه ما أنكرت ، فدل ذلك على أن من النساء من لا تنزل الماء في غير الجماع الذي يكون في اليقظة انتهى . ولقائل أن يقول : إن أم سلمة لم تمكث بعد زوجها زمانا يتأتى لها فيه طلب الرجال ، لا سيما هي - رضي الله تعالى عنها - وشغلها بالعبادة والصوم ، أو تكون قالته إنكارا على أم سليم كونها واجهت بهذا اللفظ المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويدل عليه : فقالت أم سليم : وغطت وجهها . وفي قوله : ( تربت يمينك ) قولان : قال أبو عمر : أحدهما : أن يكون أراد استغنت يداك ، أو يمينك كأنه يعرض لها بالجهل لما أنكرت ما لا ينبغي أن تنكره ، فخاطبها بضد المعنى تنبيها ، وتأنيبا . كما قيل في قوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وكما تقول لمن كفَّ عن السؤال عما جهله أما أنت فاستغنيت عن أن تسأل عن مثل هذا ، أي : لو أنصفت نفسك ، ونصحت لها لسألت . وقال غيره : هو كما يقال للشاعر إذا أجاد : قاتله الله ، وأخزاه الله ، أجاد ومنه الحديث : ويل أمه ، مسعر حرب وهو يريد مدحه . وهذا كله عند قول من قال : هذا القول فرارا من الدعاء على زوجته عليه السلام تصريحا ، وأن ذلك غير ممكن من النبي عليه السلام عندهم . وأنكر أكثر أهل العلم باللغة والمعاني أن تكون هذه اللفظة بمعنى الاستغناء قالوا : ولو كانت بمعنى الاستغناء لقال : أتربت يمينك ؛ لأن الفعل رباعي يقال : أترب الرجل إذا استغنى ، وترب إذا افترقا ، وقالوا : معنى قوله : ( تربت يمينك ) أي افتقرت من العلم بما سألت عنه أم سليم . قال أبو عمر : أما ( تربت يمينك ) فمعلوم من دعاء العرب بعضهم على بعض ، مثل : قاتله الله ، وثكلته أمه ، وعقرى ، حلقى ، ولليدين والفم ، وغير هذا ، والشبه لغتان انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث إن ( أترب ) يستعمل في الغنى ، وليس كذلك ، بل يستعمل في الفقر أيضا ، حكاه كراع في المجرد ، وابن سيده في المحكم ، قال : أترب الرجل : إذا كثر ماله ، وأترب أيضا : لصق بالتراب من الفقر ، وكذا قاله الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب أدب الخواض تأليفه ، وأبو العلاء المعري في كتاب الأيك والغصون فيما رأيته بخط الشاطبي - رحمه الله والله تعالى أعلم . قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم ، أو جامع ، ولم يجد بللا أَنْ لَا غسل عليه ، واختلفوا فيمن رأى بللا ، ولم يذكر احتلاما ، فقالت طائفة : يغتسل روينا ذلك عن ابن عباس ، والشعبي ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، وقال أحمد : أحب إلي أن يغتسل إلا رجل به أبردة ، وقال إسحاق : يغتسل إذا كانت بَلة نطفة . وروينا عن الحسن البصري أنّه قال : إذا كان انتشر إلى أهله من أوّل الليل فوجد من ذلك بلة ؛ ، فلا غسل عليه ، وإن لم يكن كذلك اغتسل ، وفيه قول ثالث : وهو أن لا يغتسل حتى يوقن بالماء الدافق ، هكذا قال مجاهد : وهو قول قتادة ، وقال مالك ، والشافعي ، ويعقوب : يغتسل إذا علم بالماء الدّافق ، والله تعالى أعلم ، وسيأتي له زيادة أيضا فيما بعد إن شاء الله تعالى .

87

باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل 4 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسألته عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ؟ قال : إذا رأت الماء ، فلتغتسل ، فقلت : فضحت النساء ، وهل تحتلم المرأة ؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تربت يمينك ، فبم يشبهها ولدها إذًا . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم ، ورواه مالك عن هشام ، وأرسله عنه جماعة ، لم يذكروا أم سلمة . واختلف على ابن عيينة ، وعلى يونس في وصله وإرساله ، فأرسله حماد بن سلمة بأشخاص ، وروح بن القاسم ، ووصله بعضهم من حديثه ، وأسنده يحيى بن سعيد ، والطفاوي وغيرهما من البصريين ، والكوفيين : ابن نمير ، وابن بشر ، ووكيع ، وأبو معاوية ، ذكره الإسماعيلي ، وفي حديث النسائي : فضحكت أم سلمة ، قال أبو عمر ابن عبد البر : هكذا هذا الحديث في الموطأ عن عروة أن أم سليم ، وقال فيه ابن أبي أويس : عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن أم سليم ، وكل من رواه عن مالك لم يذكر فيه عائشة فيما علمت إلا ابن أبي الوزير ، وعبد الله ابن نافع ، فإنهُمَا روياه عن عروة عن عائشة : أن أم سليم . وقال الدارقطني : تابع ابن أبي الوزير على إسناده عن مالك : حباب بن جبلة ، وعبد الملك بن الماجشون ، ومعن بن عيسى فيما ذكره ابن رشدين في غرائب حديث مالك عن عبد الرحمن بن أبي يعقوب بن أبي عباد ، عن معن ، ولم يذكر أبو الحسن : ابن نافع ، وقال في الاستذكار : الصحيح : عروة ، عن زينب ، عن أمّها ، لا عن عائشة . وفي التَّمْهِيدِ : قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ صَحِيح لابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أيضا ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَعْقُوبِ ، ثنا وَكِيعٌ ، ثنا هِشَامُ ، وَثَنَا عَلِيُّ بْنِ خشْرَمَ ، أَنَا وَكِيعٌ ، نا هِشَامٌ ، وَثَنَا سَلَمُ بْنُ جُنَادَةَ ، نا أبو معاوية ( ح ) ، وثنا يونس بن عبد الأعلى ، ثنا ابن وهب ، أنّ مالكا حدّثه كلهم عن هشام ، عن أبيه ، عن زينب ، عن أم سلمة ، قالت : جاءت أم سليم إلى النبي عَلَيْهِ السَلامَ ، فسألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل ؟ قال : إذا رأت الماء فلتغتسل . قالت : قلت : فضحت النساء ، وهل تحتلم المرأة ؟ ! فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تربت يمينك ، فبم يشبهها ولدها إذًا . قال الشيخ : هذا حديث وكيع غير أنّ الدورقي لم يقل إذا وانتهى حديث مالك عند قوله : إذا رأت الماء ، ولم يذكر ما بعده من الحديث . ولفظ أبي عيسى : فهل على المرأة - تعني : غسلا - إذا رأت الماء في المنام مثل ما يرى الرجل ؟ ! قال : نعم إذا هي رأت الماء . وفي قول ابن خزيمة : إذ الدورقي يعقوب لم يقل به يعني : عن وكيع : إذا نظر ؛ لأنّ أبا علي الطوسي روى في كتاب الأحكام تأليفه عنه ، عن وكيع بلفظ : إذا ورواه ابن الجارود في منتقاه ، عن زياد بن أيوب ، عن وكيع بغير ذكر إذا ورواه ابن حزم .

88

5 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدّثنا ابن أبي عدي ، وعبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس أنّ أم سليم سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا رأت الماء ، فأنزلت ، فعليها الغسل فقالت أم سلمة : يا رسول الله ، أيكون هذا ؟ قال : نعم ماء الرجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر ، فأيهّما سبق ، أو علا أشبهه الولد . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، عن أنس ، أن أم سليم حدّثت أنها سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المرأة ترى في منامها الحديث . فقالت أم سليم : واستحييت من ذلك ، وهل يكون هذا ؟ ! قال الجياني : هكذا في أكثر النسخ ، عن الجلودي ، والكسائي فقالت أم سليم : وكذلك عند ابن ماهان ، إلا أنه غير في بعض النسخ ، فقالت أم سلمة : وهو المحفوظ ، وفي لفظ له قال أنس : جاءت أم سليم فقالت له : وعائشة عنده - يا رسول الله ! الْمَرَأة ترى ما يرى الرجل في المنام ، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه ؟ ! فقالت عائشة : يا أم سليم ، فضحت النساء ، تربت يمينك ، فقال لعائشة : بل أنت تربت يمينك ، وألت ، دعيها ، وهل يكون الشبه إلا من مثل ذلك ؟ ! إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله ، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه ، وفي لفظ له عن عائشة : أنّ امرأة سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء ؟ فقال : نعم . ولفظ أبي داود يا رسول الله ، إنّ الله لا يستحيي من الحق ، أرأيت المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل أتغتسل أم لا ؟ فقال : فلتغتسل إذا وجدت الماء قالت عائشة : فأقبلت عليها فقلت : أفٌّ لك ، وهل ترى ذلك المرأة ؟ فأقبل عليٌّ النْبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : تربت يمينك يا عائشة ، ومن أين يكون الشبه ؟ ! . وفي لفظ ، عن عائشة قالت : سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يجد البلل ، ولا يذكر احتلامًا ؟ قال : يغتسل ، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ، ولا يجد البلل ؟ قال : لا غسل عليه فقالت أم سليم : والمرأة ترى ذلك أعليها غسل ؟ ! قال : نعم ، إنما النساء شقائق الرجال ، وسيأتي ذكره عند ابن ماجه عن قريب - إن شاء الله تعالى وفي كتاب العلل لأبي حاتم وسأله ابنه عن حديث رواه عمر بن يونس ، عن عكرمة بن عمار ، عن إسحاق ، عن أنس : جاءت أم سليم ، وهي جدّة إسحاق فقالت ، وفيه : المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام ، كأنّ زوجها يجامعها أتغتسل ؟ ! الحديث قال : وروى الأوزاعي ، عن إسحاق ، عن جدّته أم سليم أنها دخلت على أم سلمة ، فدخل عليها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت له أم سليم : أرأيت إذا رأت المرأة ؟ ! فقال أبي : إسحاق بن عبد الله ، عن أم سليم : مرسل ، وعكرمة بن عمار روى عن إسحاق عن أنس أن أم سليم ، وحديث الأوزاعي المرسل أشبه من الموصول . وفي المصنف : نا جرير بن عبد الحميد ، عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء ، وأبي سلمة ، ومجاهد قالوا : إن أم سليم قالت : يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المرأة ترى في منامها ما يرى الرجال أيجب عليها الغسل ؟ قال : هل تجد شهوة ؟ قالت : لعله ، قال : هل تجد بللا ؟ قالت : لعله ، قال : فلتغتسل فلقيتها نسوة ، فقلن لها : فضحتنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت : والله ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حل أنا ، أو في حرام ، وفي الأوسط لأبي القاسم ، ثنا علي بن سعيد الرازي ، ثنا عبد الله بن عمران الأصبهاني ، ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء ، أنبأ محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي أمامة بن سهل قال : حدّثتني أم سليم أم أنس من فيها إلى أذني ، قالت : أتيت النبي - عليه السلام - وهو في بيت أمّ سلمة ، فوجدت عنده رجالا ، فجلست حتى قاموا ، فدنوت منه . فقلت : يا رسول الله ، أمر يقربني إلى الله أحببت أن أسألك عنه . قال : أصبت يا أم سليم ، فقلت : الحديث قال : لم يروه عن أبي أمامة إلا التيمي ، ولا عن التيمي إلا ابن إسحاق ، تفرد به ابن مغراء ، قال : أنا موسى بن زكرياء ، نا عقبة بن مكرم ، نا عبد الله بن عيسى ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن أنس : سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكره . قال : لم يروه عن يونس إلا عبد الله تفرد به عقبة .

89

2 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا يحيى بن حمزة ، حدثني عتبة بن أبي حكيم ، حدثني طلحة بن نافع ، حدثني أبو أيوب الأنصاري أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ، وأداء الأمانة كفّارة لما بينها ، قلت : وما أداء الأمانة ؟ قال : غسل الجنابة ؛ فإن تحت كلّ شعرة جنابة . هذا حديث إسناده صحيح ، عتبة شامي طبراني أردني . روى عنه جماعة منهم : عبد الله بن المبارك ، وبقية بن الوليد ، وصدقة بن خالد ، ومحمد بن شعيب بن شابور ، ومسلمة بن علي ، وسعيد بن يزيد ، وأيوب بن حسان ، ومحمد بن حرب الأبرش ، وإسماعيل بن عياش ، وأيوب بن سويد الرملي ، وابن لهيعة ، وإن كان قد ضعّفه محمد بن عوف الحمصي ، وقال ابن حبان : يعتبر بحديثه من غير رواية بقية عنه ، وقال السعدي : غير محمود في الحديث ، وقال ابن معين : هو ثقة ، وقال أبو حاتم الرازي : صالح لا بأس به ، وقال مروان الطاطري ، وأبو زرعة الدمشقي : كان ثقة ، وقال أبو القاسم الطبراني : هو من ثقات المسلمين ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وأبو سفيان : طلحة بن نافع ، وإن كان قد تكلّم فيه بكلام مؤول ، وهو قول الحربيِ ، وذكره : غيره أوثق منه ، وقال يحيى : ليس بشيء ، وقال أبو زرعة : روى عنه الناس ، قيل له : أبو الزبير أحب إليك ، أو هو ؟ قال: أبو الزبير أشهر ، فعاوده بعض من حضر فيه فقال : أتريد أن أقول : هو ثقة ؟ الثقة شعبة، وسفيان ، فقد خرج مسلم - رحمه الله تعالى - حديثه في صحيحه محتجّا به ، والبخاري مقرونا ، وفي كتاب التهذيب روى له . وقال الإمام أحمد : لا بأس به ، وقال - ابن معين في رواية : صالح . وقال البزار : هو في نفسه ثقة ، وباقي من في الإسناد لا يسأل عنه ، وأما قول أبي حاتم : لم يسمع من أبي أيوب الأنصاري شيئا فمردود بحديث ابن ماجه المصرّح فيه بسماعه منه على لسان ثقة ، والقاعدة أنّ المحدّث إذا صرح بالتحديث ، أو بما يشبهه قبل ، والله تعالى أعلم . ومن شرط أبي داود أن يذكر في الباب أصح ما يجد ، ولم يذكر في متن حديث أبي هريرة المتقدم غيره ، وهذا بغير شك ، ولا ارتياب خير ممّا ذكره في الباب ، اللهمّ ، إلا أن يكون ما أسنده ، فلهذا ما أورده . وروى البيهقي عن قريش بن حيان ، ثنا سليمان بن فروخ أتيت أبا أيوب الأنصاري ، فصافحته فرأى في أظفاري طولا ، فقال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن خبر السماء فقال : يسأل أحدكم عن خبر السماء ، وهو يدع أظفاره كأظفار الطير ، يجمع فيها الجنابة والتفث . قال : هكذا رواه جماعة عن قريش ، ورواه أبو داود الطيالسي ، عن وائل بن سليم قال : أتيت أبا أيوب الأزدي ، فذكره ، ثم قال : هذا مرسل ، أبو أيوب الأزدي غير أبي أيوب الأنصاري .

90

3 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا الأسود بن عامر ، ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن زاذان ، عن علي بن أبي طالب - رضي اللّه تعالى عنه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : من ترك شعرة من جسده لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار . قال علي : فمن ثم عاديت شعري ، وكان يجزّه . هذا حديث رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد بلفظ : فمن ثم عاديت رأسي ثلاثا ، وقال البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، ورواه عن محمد بن معمر ، ثنا أبو الوليد ، ثنا حماد بن سلمة ، وفيه نظر ؛ لما نذكره من أنّ له إسنادا غير إسناده المذكور عنده ، وقال عبد الحق : يروى موقوفا على علي ، وهو الأكثر ، وفيه نظر ؛ لما نذكره بعد . قال أبو الحسن : أعرض أبو محمد فيه عمَّا هو في الحقيقة علته ، وهي أنه من رواية حماد بن سلمة ، عن عطاء ، وحمّاد إنما سمع منه بعد اختلاطه ، وإنما يقبل من حديث عطاء ما كان قبل أن يختلط ، وأبو محمد يعتبر هذا من حاله ، وإنما ينبغي أن يقبل من حديثه ما روى عنه مثل : شعبة، وسفيان . فأمّا جرير ، وخالد بن عبد الله ، وابن عليّة ، وعلي بن عاصم ، وحمّاد بن سلمة ، وبالجملة أهل البصرة ، فأحاديثهم عنه ممّا سمع منه بعد الاختلاط ؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره ، وقد نصّ العقيلي عن حمّاد بن سلمة أنّه ممن سمع منه بعد اختلاطه ، وأما أبو عوانة فسمع منه الحالين ، ولماّ أورد أبو أحمد في كتابه ما أنكر عليه من الحديث ، أو ما خلط فيه ، أو ما روي عنه بعد اختلاطه ، أورد في جملة ذلك هذا الحديث انتهى كلامه . وفيه نظر في موضعين : الأوّل : في قوله : إنّ حماد بن سلمة سمع منه بعد اختلاطه لما رويناه عن البغوي : أن ابن معين قال : كلّ شيء من حديث عطاء ضعيف إلا ما كان من حديث شعبة ، وسفيان ، وحماد بن سلمة . فهذا ابن معين نصّ على ابن سلمة أنه سمع منه قديما ، فهو صحيح . الثاني : إن سلمنا له قوله ؛ فقد وقع لنا هذا الحديث من غير رواية حماد ، من طريق شعبة الذي نص على أنّه سمع منه قبل اختلاطه مطلقا ، وفيه نظر ؛ لأن يحيى بن سعيد قال : إنه سمع منه حديثين بعد اختلاطه عن زاذان ، وإن كان شعبة بينهما ، والطريق المشار إليها ذكرها أبو الحسن الدارقطني في علله إذ سئل عنها فقال : رواه عطاء عن زاذان حدّث به عنه ابن سلمة ، وشعبة ، وحفص بن عمر ، ورواه عبد الله بن رشيد عن حفص بن غياث ، عن الأعمش ، وليث ، عن زاذان ، عن علي . ورواه حماد بن زيد ، عن عطاء ، عن زاذان ، عن علي موقوفا ، وكذلك قال الأسود بن عامر : عن حماد بن سلمة . انتهى . فهذا كما ترى شعبة : قد رواه عن عطاء ، وهو ممن قال ابن القطان : إنهّ سمع منه قبل اختلاطه كما أسلفناه ، ولم يبيّن أنّه سمعه منه بعد الاختلاط ، كما قال محمد بن سعد ، فدل ذلك على صحّته عنده ، وأنه أخذه عنه قبل اختلاطه ، إذ لو كان بعده لبيّنه ، فإن الأعمش وليث بن أبي سليم تابعا عطاء عن زاذان ، فصح إسناده ، وذهب سناده ، وذكر أبو القاسم في كتابه الأوسط ، ثنا محمد بن الأعجم الصنعاني ، ثنا حريز بن المسلم ، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن أبيه ، عن عطاء ، فذكره مرفوعا ، وقال : لم يروه عن عبد العزيز إلا ابنه ، تفرد به حريز بن المسلم . فهذه الطريق لا بأس بها أيضا ؛ لأنها من رواية المكيين عن عطاء ، وهم ممن سمعوا منه قبل اختلاطه ، وأما قول الدارقطني : وكذلك قال الأسود : عن حماد ، يعني : موقوفا ، ففيه نظر ، لما في كتاب ابن ماجه من حديثه مرفوعا ، وأما قول عبد الحق : يروى موقوفا على عليّ ، وهو الأكثر ، فقد أسلفنا خلاف ذلك ، والله أعلم . وفي الباب : حديث عائشة من عند البخاري : ثم يخلل بيده شق رأسه الأيمن ، فيتبع بها أصول الشعر ، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر بيده اليسرى كذلك ، حتى يستبرئ البشرة ، ثم يصب على رأسه . وحديث أبي ذر المذكور في صحيح أبي حاتم مرفوعا : فإذا وجدت الماء ، فأمسّه بشرتك ، وقد تقدّم ، وحديث عائشة قالت : أجمرت رأسي إجمارا شديدا ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا عائشة ، إنّ تحت كلّ شعرة جنابة . رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية خصيف عن رجل غير مسمى عنها . وحديث أنس بن مالك قال عليه السلام : خلل أصول الشعر ، وأنق البشرة ، ذكره أبو محمد بن حزم من طريق يحيى بن عنبسة عن حميد عنه ، قال : ويحيى مشهور برواية الكذب ، فسقط يعني : هذا الحديث . وفي كتاب ابن بنت منيع بإسناد صحيح عن حذيفة موقوفا أنه قال : تحت كل شعرة جنابة فما موقفها ، فلذلك عاديت رأسي قال : ورأسه مجذوذ . رواه عن ابن الجعد ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، سمعت أبا البختري يحدّث عن حذيفة ، فذكره قوله . قوله : ( أنقوا البشرة ) : قال أبو زيد في كتاب الأسرار : وداخل الأنف شعرة ولداخلها بشرة ، سمعت والدي عمر بن عيسى يحكي عن أبي عمر غلام ثعلب ببغداد يحكي عن ثعلب أنه قال : البشرة : الجلدة التي تقي اللحم عن الأذى ، ولداخلها هذه الجلدة ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لأنّ المعروف عن ثعلب ما حكاه الخطابي ، واحتج بعضهم في إيجاب المضمضة بقوله : وأنقوا البشرة ، وزعم أنّ داخل الفم من البشرة ، وهذا خلاف قول أهل اللغة؛ لأن البشرة عندهم هي : ما ظهر من البدن ، فباشره البصر من الناظر إليه ، وأما داخل الفم والأنف فهو الأدمة؛ كذلك أخبرني أبو عمر عن أبي العباس أحمد بن يحيى ، وفي صحاح أبي نصر الجوهري والجمهرة لابن دريد : البشرة والبشر : ظاهر جلد الإنسان ، زاد ابن سيده : ظاهره أعلا جلدة الرأس والوجه والجسد من الإنسان ، وهي التي عليها الشعر ، وقيل : هي التي تلي اللحم ، وبشرة الأرض ما ظهر من نباتها ( الاشتقاق ) . وذكره أبو زيد ، وفي كتاب الموضح للخطيب التبريزي : والبشرة : ظاهر الجلد ، وقال قوم : يقال للباطنة : بشرة . وقال السراج في كتاب الاشتقاق : وذكره أبو زيد وهو غلط ، وفي كتاب أبي عبيد بن سلام : البشرة : ظاهر الجلد ، والأدمة باطنه ، وتبعه على هذا غير واحد من الأئمة ، واحتج من أوجب المضمضة والاستنشاق في الاغتسال بحديث أبي هريرة أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة . رواه الدارقطني من جهة بركة بن محمد الحلبي ، عن يوسف بن أسباط ، عن سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن ابن سيرين عنه ، وقال : هذا باطل ، ولم يحدّث به غير بركة ، وهو يضع الحديث ، قال ابن عدي : ذكرت هذا الحديث لعبدان فقال : هات أحاديث المسلمين ، أنا رأيت بركة بحلب ، وتركته على عمد ؛ لأنه كان يكذب ، قال البيهقي : وقد اعترف بركة على نفسه بكونه منكرا ؛ فإنه لما رواه قال : وأنا أتقيه ، وهذا الحديث لم يروه متصلا غيره ، وقد روي مرسلا عن ابن سيرين بغير هذا اللفظ بإسناد صحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الاستنشاق في الجنابة ثلاثا . وقال أبو الحسن في الأفراد : هذا غريب من حديث الثوري عن خالد ، وإنما يعرف هذا من رواية همام بن مسلم ، تفرّد به عن الثوري ، وتفرد به عنه سليمان بن الربيع ، وذكره ابن الجوزي في ( الموضوعات ) ، وقال : هو خلاف الإجماع ؛ إذ إن من أوجبها لم يوجب ثلاثا ، وحديث هشيم عن ابن أرطأة عن عائشة بنت عجرد ، عن ابن عباس قال : إن كان من جنابة أعاد المضمضة والاستنشاق ، واستأنف الصلاة . رواه الدارقطني ، وقال : ليس لعائشة إلا هذا الحديث ، وكذا رواه الثوري ، وأبو حنيفة - رحمهما الله تعالى - عن عثمان بن راشد عنها . قال الشافعي : الذي يعتمد على عثمان عن عائشة ، ويزعم أنّ هذا الأمر ثابت ، فترك له القياس ، وهما غير معروفين ببلدهما ، فكيف يجوز لأحد يعلم أن يثبت حديثا ضعيفا مجهولا ، ويوهن قويا معروفا يعني حديث بسرة . وروينا في كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين ، ثنا سفيان ، ثنا خالد الحذاء قال : أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاستنشاق من الجنابة ثلاثا . وحديث عائشة ، وعلمها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغسل من الجنابة : يا عائشة ، اغسلي يديك ، ثم تمضمضي ، واستنشقي ، وانتثري ، ثم اغسلي وجهك الحديث . ذكره ابن حزم ، ورده ، وذكر فيه ابن عمّار بانقطاع ما بين عبد الله بن عبيد بن عمير ، وعائشة ، وفي كلامه في ابن عمار نظر ؛ لما سنبيّنه بعد - إن شاء الله تعالى وذكره في الأسرار بلفظ : المضمضة والاستنشاق فرضان في الجنابة ، وقال : هو حديث غريب . وفي المصنف من حديث ابن السائب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان إذا اغتسل من الجنابة ، مضمض ، واستنشق ثلاثا . قال : وثنا محمد بن فضيل ، عن العلاء بن المسيّب ، عن فضيل بن عمرو قال : قال عمر : إذا اغتسلت من الجنابة فمضمض ؛ فإنه أبلغ . ثنا العقدي ، ثنا الزبير بن عبد الله ، حدثتني جدتي أن عثمان : كان إذا اغتسل من الجنابة ، يشوص فاه بإصبعه ثلاث مرات . ثنا عبد الله ، عن أبان العطار ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال قال : الاستنشاق من البول مرّة ، ومن الغائط مرتين ، ومن الجنابة ثلاثا . ثنا معتمر ، عن سالم ، عن قتادة أنه كان يقول : فمضمض من الجنابة ثلاثا . وبنحوه ذكره في المصنف ، قال : ومدار هذه الكلمة على الطهور . ثنا عبيد الله ، عن شيبان ، عن منصور ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم قال : كانوا يستحبون أن يستنشقوا في الجنابة ثلاثا . قال الدبوسي : ويدل ما ذهبنا إليه ما ذكرنا في القيء وأنّ للفم حكم الظاهر فيما بينه وبين الظاهر ، وحكم الباطن فيما بينه وبين الباطن ، حتى إذا دخل شيء فاه لم يفسد صومه ، كأنه وجه ، والله تعالى أعلم .

91

بسم الله الرحمن الرحيم باب تحت كل شعرة جنابة 1 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، ثنا الحارث بن وجيه ، ثنا مالك بن دينار ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنّ تحت كل شعرة جنابة ، واغسلوا الشعر ، وأنقوا البشر . هذا حديث لما رواه أبو داود أتبعه : الحارث حديثه منكر ، وهو ضعيف ، كذا في كتاب اللؤلؤي ، وابن العبد ، وعند ابن داسة : هذا الحديث ضعيف ، وقال أبو عيسى : حديث الحارث بن وجيه غريب ، لا نعرفه إلا من حديثه . وهو شيخ ليس بذاك ، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة ، وقد تفرّد بهذا الحارث عن مالك بن دينار ، وقال الدارقطني : غريب من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة ، تفرد به مالك بن دينار ، وقال في كتاب العلل : وغير الحارث يرويه عن مالك عن الحسن مُرسلا . ورواه أبان العطار ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة قوله ، ولا يصح مسندًا والحارث ضعيف . وقال البغوي في شرح السنة : هذا حديث غريب الإسناد . وقال ابن حزم : هذا خبر لا يصح . ولما ذكره أبو الفرج في كتاب العلل قال : إنّما يروى عن أبي هريرة موقوفا . وفي كتاب المعرفة لأبي بكر : وأما ما روي تحت كل شعرة جنابة ، فقد حمله الشافعي في القديم على ما ظهر دون ما بطن من داخل الأنف والفم ، وضعّف الحديث في حكاية بعض أصحابنا عنه ، وزعم أنه ليس بثابت ، وهو كما قال : وقد أنكره البخاري . قال البيهقي : وإنما يروى هذا المتن عن الحسن مرسلا . وعنه عن أبي هريرة موقوفا ، وسماعه من أبي هريرة لا يثبت . وقال في الكبير : تفرد به الحارث ، وقد تكلموا فيه ، وقال في الخلافيات : وهذا المتن إنما يروى عن إبراهيم ، قال : كان يقال : وقد كتبناه من حديث عائشة ، وأنس مرفوعا بإسنادين لا يساويان ذكرهما ، ضعيفان . وحديث أبي هريرة ليس بثابت ، وفي علل الخلال قال أبو عبد الله : الحارث بن وجيه لا أعرفه ، وهذا حديث منكر ، إنّما يروى عن الحسن مرسلا ، وأما من حديث ابن سيرين ، فلا أعلمه ، ولماّ سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث قال : هذا حديث منكر ، والحارث ضعيف . وفي كتاب الساجي : إنما روي هذا عن الحسن عن أبي هريرة من قوله ، وروينا عن أبي علي الطوسي أنه قال : يقال : هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث ابن وجيه ، ويقال : ابن وجبة ، وهو شيخ ليس بذاك . وفي كتاب العقيلي ، وذكر هذا الحديث: لا يتابع عليه ، وله غير حديث منكر ، ولهذا الحديث إسناد غير هذا فيه لين أيضا . وقال البزار : لا نعلم أسند مالك عن ابن سيرين إلا هذا الحديث ، ولا نعلم رواه عن مالك إلا ابن وجيه . وقال الخطابي : هذا حديث ضعيف ، والحارث مجهول ، وقد يحتج به من يوجب الاستنشاق في الجنابة انتهى كلامه . وفيه نظر في قوله : مجهول إن أراد العين ، فمردود بما أسلفناه من قول الترمذي ؛ روى عنه غير واحد من الأئمة ، وإن أراد الحال ، فكذلك أيضا لما أسلفناه قبل . وفي كتاب البيهقي : والحسن لم يثبت سماعه من أبي هريرة نظر لما أسلفناه من ثبوت سماعه منه من قبل ، والله تعالى أعلم .

92

باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة 94 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن عبد الله بن سلمة قال : دخلت على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتي الخلاء ، فيقضي الحاجة ، ثم يخرج ، فيأكل معنا الخبز واللحم ، ويقرأ القرآن ، ولا يحجبه - وربما قال : لا يحجزه - عن القرآن شيء إلا الجنابة . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه ، فأما أبو داود فإنه سكت عنه ، لما رواه مطولا بلفظ : دخلت على علي ، أنا ورجلان ، رجل منّا ، ورجل من بني أسد أحسب ، فبعثهما علي وجها ، وقال : إنكما علجان ، فعالجا عن دينكما ، ثم قام ، فدخل المخرج ، ثم خرج ، فدعا بماء ، فأخذ منه حفنة ، فتمسح بها ، ثم جعل يقرأ القرآن ، فأنكروا ذلك ، فقال الحديث ، ولما خرجه أبو عيسى قال فيه : حسن صحيح ، وخرجه في الصحيح أبو بكر بن خزيمة ، وابن الجارود في منتقاه ، وأبو حاتم البستي ، وقال أبو عبد الله بن البيع : هذا الحديث صحيح الإسناد ، والشيخان لم يحتجا بعبد الله بن سلمة ، ومدار الحديث عليه ، وهو غير مطعون فيه ، وقال البغوي في شرح السنة : هذا حديث صحيح ، وفي الكامل : قال سفيان : قال شعبة : لم يرو عمرو أحسن من هذا الحديث ، وقال شعبة : لا أروي أحسن منه عن عمرو ، وكان شعبة يقول : هذا ثلث رأس مالي ، وقد روى ابن سلمة عن علي وحذيفة وغيرهما غير هذا الحديث ، وأرجو أنه لا بأس به ، وفي سؤالات الميموني لأحمد : قال شعبة : لست أحدث بحديث أجود من ذا ، وفي فوائد ابن صخر : ورواه عن طريق يحيى بن أبي بكير ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الأعمش ، عن عمرو ، عن أبي البختري ، عن علي قال صلى الله عليه وسلم : اقرأ القرآن على كل حال ، ما لم تكن جنبا . هذا حديث غريب جدا ، إن كان محفوظا ، لم يروه غير يحيى عن أبي جعفر ، والمشهور عن الأعمش وغيره عن عمرو عن ابن سلمة ، وصححه أبو محمد الإشبيلي ، وقال أبو علي الطوسي : يقال : حديث علي حديث حسن صحيح . وقال أبو الحسن : رواه أبو جعفر الرازي ، وجنادة ، ومحمد بن فضيل ، عن الأعمش ، عن عمرو ، عن أبي البختري ، عن علي ، إلا أن ابن فضيل وقفه ، والآخران رفعاه ، وخالفهم أبو الأحوص ، فقال : عن الأعمش ، عن عمرو بن علي مرسلا موقوفا ، ورواه ابن أبي ليلى ، عن عمرو على الصواب عن ابن سلمة ، ورواه جماعة من الثقات عن ابن أبي ليلى كذلك ، وخالفهم يحيى بن عيسى الرملي ، فرواه عنه ، عن سلمة بن كهيل ، عن ابن سلمة ، ووهم ، والصواب عن عمرو بن مرّة ، والقول قول من قال : عمرو عن ابن سلمة عن علي . انتهى كلامه . وفيه رد لما ذكره الحاكم فيما أسلفناه ، ولما في الكامل : ثنا ابن أبي عصمة ، ثنا أبو طالب ، قال أحمد لم يرو أحد : لا يقرأ الجنب . غير شعبة ، عن عمرو ، عن ابن سلمة ، عن علي ، ولما ذكره أيضا البزار إثر حديث ابن سلمة : لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو عن ابن سلمة ، وكذا ما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث النعمان بن راشد ، عن أبي إسحاق عن الحارث ، عن علي : نهاني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن القراءة وأنا جنب ، ولا أقول : نهاكم ، وقال : لم يروه عن النعمان إلا أبو الجراح . تفرد به رباح بن زيد ، وقال ابن أبي داود في سننه : هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة . وأما المضعّفون : فالإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رضي الله عنه فإنه كان يوهن حديث علي هذا ، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة ، ذكره عنه الخطابي ، وقال الشّافعي : وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه . قال البيهقي : وإنما توقف الشافعي في ثبوته ؛ لأنّ مداره على ابن سلمة ، وكان قد كبر ، وأنكر من حديثه ، وعقله بعض النكرة ، وإنّما روى هذا الحديث بعد ما كبر ، قاله شعبة ، وفي تاريخ الجعفي الكبير عن عمرو بن مرة قال : كان عبد الله - يعني : ابن سلمة - يحدثنا ، فنعرف ، وننكر ، وكان قد كبر ، لا يتابع في حديثه ، وفي الأوسط : سألت أحمد : ابن سلمة من روى عنه غير عمرو ؟ فقال : روى عنه أبو إسحاق الهمداني . قوله : وفي لفظ : لا أعرف روى عنه غيرهما ، وقال ابن نمير : هذا ليس هو ذاك صاحب عمرو بن مرة ، لم يرو عنه إلا عمرو ، والذي قال ابن معين أصح من الذي قال : أبو إسحاق هو الهمداني ، والذي روى عنه عمرو بن مرّة هو من رهط عمرو بن مرة الجملي المرادي ، ويقال : الجهني ، وقد روى أبو إسحاق ، عن عبد الله بن سلمة أبي العالية الهمداني ، وقال بعض الكوفيين : هذا غير الذي روى عنه عمرو بن مرة ، وبمثله قاله يحيى بن معين ، وأبو نصر ابن ماكولا ، وأبو الحسن في كتاب المختلف والمؤتلف ، قرأت على المسند المعمر محمد بن عبد الحميد أخبركم أبو الحسن بن عبد الواحد ، أنبأنا ابن طبرزد ، أنبأنا أبو البركات ، أنبأنا أبو القاسم بن حبابة ، أنبأنا أبو القاسم بن بنت منيع ، أنبأنا علي ، ثنا أبو داود قال : كان شعبة يقول : هو ذا أنزعه من عنقي ، وأضعه في أعناقكم ، قد سمعت عمرا يقول : كان ابن سلمة قد كبر ، فكان يحدثنا ، فنعرف ، وننكر ، وأشار أبو محمد الفارسي إلى ضعف هذا الحديث . وقال أبو حاتم : في كتاب الثقات - وذكر ابن سلمة - : كان يخطئ ، وقال أبو عبد الرحمن : نعرف وننكر . وقال الساجي : كان يهم ، ولقائل أن يقول في هذا الكلام ردّ على الحاكم لزعمه ألا طعن فيه ، ويجاب بأن الحاكم أراد طعنا موجبا لردّ حديثه ، وأمّا الخرف فذا لا طعن ، والله أعلم . ولولا قول من قال : أنّ عمرا أخذ عنه هذا الحديث بعد الكبر لكان قول من صحح على قول المضعف أرجح ، ويؤيده ما رواه الدارقطني موقوفا من حديث أبي الغريف قال : كنّا مع عليّ في الرحبة ، فخرج إلى أقصى الرحبة ، فوالله ما أدري أبولا أحدث أم غائطا ، ثم جاء ، فدعا بكوز من ماء ، فغسل كفيه ، ثم قبضهما إليه ، ثم قرأ صدرا من القرآن ، ثم قال : اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة ، فإن أصابته جنابة فلا ولا حرفا . رواه عن أبي بكر النيسابوري ، وأبي علي الصفّار ، ثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي ، ثنا يزيد بن هارون ، ثنا عامر بن السمط ، ثنا أبو الغريف به . وفي سنن البيهقي من حديث عاصم البجلي عن أبي داود الطهوي عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ، عن أبي عبد الرحمن : سئل علي عن الجنب يقرأ ؟ قال : لا ، ولا حرف . فهذا مما يؤكد قول من صحح الحديث ، ويدلّ أن له أصلا عن عليّ ، والله تعالى أعلم . قال البستي : وقد توهم غير المتبحِّر في الحديث أنّ حديث عائشة : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله على كل أحيانه يعارض هذا ، وليس كذلك ؛ لأنها أرادت الذكر الذي هو غير القرآن ، إذ القرآن يجوز أن يُسمى ذكرا ، وكان لا يقرؤه وهو جنب ، ويقرأه في سائر الأحوال ، انتهى الذي قاله تفقها . وقع لنا في حديث عائشة ما رواه وكيع عن سفيان عن هشام عن أبيه عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن . رواه أبو عبد الله في تاريخه عن أحمد بن هارون الفقيه ، ثنا جعفر بن سهل ، ثنا الحسين بن يونس ، ثنا وكيع به ، وقال ابن حزم : وحديث علي لها حجة فيه لمن منع الجنب من القراءة ؛ لأنه ليس فيه نهي عن القراءة ، وإنما هو فعل منه ، لا يلزم ، ولا بيّن صلى الله عليه وسلم أنه إنما يمتنع من ذلك لأجل الجنابة ، وقال : جاءت آثار في نهي الجنب ومن ليس على طهر عن أن يقرأ شيئا من القرآن ، ولا يصح منها شيء ، ولو صحت كانت حجة على من يبيح له قراءة الآية التامة - يعني : مالكا - أو بعض الآية - يعني : أبا حنيفة - لأنها كلها نهي عن القراءة للجنب جملة .

93

96 - ورواه أبو الحسن القطان عن أبيِ حاتم ، ثنا هشام به ، زاد : لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن . وقال أبو عيسى : لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش ، عن موسى بن عقبة ، وسمعت محمدا يقول : أن إسماعيل يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير ، كأنه ضعف روايته عنهم ، فيما ينفرد به ، وقال في العلل : قال محمد : لا أعرفه من حديث ابن عقبة ، وقال البزار : وهذا الحديث لا نعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا ابن عياش ، ولا نعلم يروى عن ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه ، ولا يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحائض إلا من هذا الوجه ، وفي علل الرازي : سمعت أبي وذكره يعني هذا الحديث ، فقال : هذا خطأ ، إنما هو عن ابن عمر قوله ، وفي كتاب المعرفة : وهذا حديث تفرد به إسماعيل ، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة ، لا يحتج بها أهل العلم بالحديث . وفي السنن الكبير : رواه غيره عن موسى بن عقبة ولا يصح ، وفيه ردّ لما قاله في المعرفة قبل ، وفي موضع آخر : ليس هذا بالقوي ، وفي كتاب الخلال عن عبد الله ، وذكر هذا الحديث ، قال أبي : هذا باطل ، أنكر على إسماعيل - يعني : أنه وهم من إسماعيل ولما رواه أبو أحمد من حديث أبي إسحاق إبراهيم بن العلاء الزبيدي الحمصي عرف بابن زبريق ، عن ابن عياش ، عن عبيد الله - يعني : العمري - وموسى بن عقبة قال : ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله . انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث إن سعيد بن يعقوب الطالقاني يعني الموثق عند أبي حاتم وغيره رواه عن ابن عياش كرواية إبراهيم ابن العلاء فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات ، ورواه أبو الحسن في سننه عن إبراهيم بن محمد ، ثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي ، ثنا سعيد به ، ثم قال : تابعه إبراهيم بن العلاء عن إسماعيل ، وأمّا قول من قال : لا يروى عن موسى إلا من حديث إسماعيل ، ولا يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه ، ففيه نظر ؛ لما ذكره الدارقطني في كتاب السنن : ثنا محمد بن حمدويه المروزي ، ثنا عبد الله بن حماد الآملي ، ثنا عبد الملك بن مسلمة ، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم : لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن ثنا محمد بن مخلد ، ثنا محمد بن إسماعيل الحساني ، عن رجل عن أبي معشر ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الحائض والجنب لا يقرآن من القرآن شيئا . وقال ابن عبد الواحد : روى بعض الحفاظ هذا الحديث من غير طريق إسماعيل بإسناد لا بأس به ، وكأنه - والله أعلم - يريد طريق المغيرة المذكورة آنفا ، وأبى ذلك عبد الحق والبيهقي بقولهما : روي عن غيره ، ولا يصح ، وأمّا قول البزار : ولا يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحائض إلا من هذا الوجه ، ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من حديث عائشة قبل ، والله أعلم ، ولم نذكره من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لا يقرأ الحيض ولا الجنب ولا النفساء من القرآن شيئا . رواه الدارقطني عن أحمد بن محمد أبي سهل ، أنبأنا أحمد بن علي الأبار ، ثنا أبو الشعثاء علي بن الحسن الواسطي ، ثنا سليمان أبو خالد ، عن يحيى ، عن أبي الزبير عنه ، وفيه ردّ لما ذكره أبو أحمد : هذا تفرد به محمد بن الفضل بن عطية ، وهو متروك عند الجميع ، والله أعلم . وفي هذا الباب ، والذي قبله أحاديث منها : حديث عبد الله بن رواحة ، وكان مضطجعا إلى جنب امرأته ، فقام إلى جارية في ناحية الحجرة ، فوقع عليها ، وفرغت امرأته ، فلم تجده في مضجعه ، فقامت فخرجت ، فرأته على جاريته ، فرجعت إلى البيت ، فأخذت الشفرة ، ثم خرجت ، وفزع فقام فلقيها تحمل الشفرة ، قال : وأين رأيتني ؟ قالت : رأيتك على الجارية ، فقال : ما رأيتني ، وقال : قد نهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب ، قالت : فاقرأ ، فقال : أتانا رسول الله يتلو كتابه كما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع فقالت : آمنت بالله ، وكذبت البصر ، ثم غدا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره ، فضحك حتى بدت نواجذه . رواه الدارقطني عن ابن مخلد ، ثنا العباس بن محمد الدوري ، ثنا إبراهيم بن دبيس بن أحمد الحداد ، ثنا محمد بن سليمان الواسطي ، ثنا أبو نعيم ، نا زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة قال : كان ابن رواحة فذكره ، وثنا ابن مخلد ، ثنا الهيثم بن خلف ، ثنا ابن عمار الموصلي ، ثنا عمرو بن رزيق ، عن زمعة ، عن سلمة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فذكر نحوه ، هذا متصل ، لولا ضعف زمعة لكان إسناده لا بأس به ، على أنّ ابن معين قال فيه : صويلح ، ومن هذه الطريق ذكره ابن زكريا في طبقات الموصل ، وقال البيهقي : وروي عن ابن عياش ، عن زمعة كذلك موصولا ، وليس بالقوي . قال : وعن عكرمة ، عن ابن رواحة ، وليس بالقوي ، وقال عبد الحق : ولا يروى من وجه صحيح يحتج به ؛ لأنه منقطع وضعيف ، وفي الاستيعاب : أنشدها حين قالت له : إن الجنب لا يقرأ القرآن ، فاقرأ : شهدت بأن وعد الله حق وأنّ النّار مثوى الكافرينا وأنّ العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا فقالت له : صدق الله ، وكذبت عيني ، وكانت لا تحفظ القرآن ، قال أبو عمر : روينا هذه القصة من وجوه صحاح ، زاد غيره : وتحمله ملائكة غلاظ ملائكة الإله مسومينا وحديث عبد الله بن مالك الغافقي المذكور قبل قال : أكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما طعاما ، ثم قال لي : استر علي ، فاغتسل ، فقلت له : أكنت جنبا يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فأخبرت بذلك عمر ، فجاء ، فقال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن هذا زعم أنك أكلت وأنت جنب ؟ قال : نعم ، إذا توضأت أكلت وشربت ، ولا أصلي ولا أقرأ القرآن حتى أغتسل . رواه البيهقي من حديث محمد بن عمر ، عن عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة عن ثعلبة بن أبي الكنود ، عن عبد الله بن مالك به ، ثم قال : تابعه ابن لهيعة عن عبد الله بن سليمان . وحديث ابن لهيعة المشار إليه خرجه الطبراني في الكبير ، وابن قانع في معجمه ، وعبد الله بن وهب في مسنده . وفي كتاب البيهقي من حديث الأعمش ، عن شقيق ، عن عبيدة قال : كان عمر يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب قال : وهو إسناد صحيح في الخلافيات ، ومن حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم : أن عمر كان يكره أن يقرأ الجنب . قال شعبة : وحديث في صحيفتي : والحائض . وحديث أبي موسى الأشعري قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا علي إني أرضى لك ما أرضاه لنفسي ، وأكره لك ما أكره لنفسي ، لا تقرأ القرآن وأنت جنب ، ولا أنت راكع ، ولا أنت ساجد ، ولا تصل وأنت عاقص شعرك ، ولا تذبح تذبيح الحمار . رواه الدارقطني من حديث أبي مالك النخعي عبد الملك بن حسين أخبرني عاصم بن كليب الجرمي عن أبي بردة عن أبي موسى . وحديث علقمة قال : كنا مع سلمان الخير - رضي الله عنه - في سفر ، فقضى حاجته ، فقلنا له : توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن ، فقال : سلوني ، إني لست أمسه : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فقرأ علينا ما أردنا . خرجه أبو عبد الله في مستدركه ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه لتوقيفه ، وقد رواه أيضا جماعة من الثقات ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن سلمان ، وذكر ابن الجوزي أن بعضهم رفعه ، ولا يصح . وحديث أنس قال : خرج عمر متقلدا السيف ، فقيل له : إن ختنك أو أختك قد صبوا ، فأتاهما عمر ، وعندهما رجل من المهاجرين ، يقال له : خباب ، وكانوا يقرءون سورة طه ، فقال : أعطوني الكتاب الذي عندكم ، فأقرأه ، وكان عمر يقرأ الكتب ، فقالت له أخته : إنك نجس ولا يمسه إلا المطهرون ، فقم فاغتسل أو توضأ ، فقام عمر وتوضأ ، ثم أخذ الكتاب ، فقرأ طه . ذكره ابن سعد في الطبقات عن إسحاق الأزرق ، ورواه الدارقطني عن محمد بن عبد الله بن غيلان ، ثنا الحسن بن الجنيد ، وثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي ، ثنا ابن المنادي قالا : ثنا إسحاق الأزرق ، ثنا القاسم بن عثمان البصري ، عن أنس به . ولما ذكره أبو زيد السهيلي في روضه أشار إلى أنه من أحاديث السير . وقال القشيري : وذكر ابن إسحاق في قصة إسلام عمر بن الخطاب أن أخته قالت له : إنك جنب ولا يمسه إلا المطهرون ، وهو هكذا معضل ، وأظنّه في ذلك تبع ابن عبد البر ، كأنما لم ينظرا كتاب أبي الحسن ، وابن سعد بقصة اغتساله ، وكونه بسند صحيح ؛ لأنّ ابن عثمان وثّقه أبو حاتم ، وباقي من فيه لا يسأل عنه ، وفي كتاب المعانقة لمرتضى بن حاتم : ثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حصين مشافهة قال : أذن لي أبو الفتح محمد بن عبد الله عرف بابن النحاس أنبأنا أبو الفرج أحمد بن محمد بن أبي ذهبة ، ثنا أبو الحسين محمد بن الحسين ابن الترجمان ، ثنا أبو بكر محمد بن بكران ، ثنا يحيى بن عبيد الله ، ثنا الفضل بن عبيد الله الهاشمي ، ثنا يوسف بن محمد البغدادي ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبيدة بن حزور ، حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الملك الأسدي ، ثنا هص بن سلام ، ثنا محمد بن سيرين ، ومحمد بن كعب القرظي ، ثنا أبو العباس عبد الله بن العباس ، وذكر إسلام عمر مطولا ، وفي كتاب الدلائل للبيهقي من حديث أسامة بن زيد عن أبيه عن جدّه أسلم قال : قال لنا عمر : أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدو إسلامي ؟ الحديث ، رواه عن الحمامي ، ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، ثنا محمد بن أحمد بن برد ، ثنا إسحاق الحنيني قال : ذكره أسامة أنّ الصحيفة كان فيها : سبح لله ما في السموات وما في الأرض ، وقد استوفينا ذلك في كتابنا المسمى بالزهر الباسم في سير أبي القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وحديث حكيم بن حزام قال : لما بعثني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن قال : لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر . رواه أبو القاسم في الكبير عن بكر بن مقبل ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب القوهي ، سمعت أبي ، ثنا سويد أبو حاتم ، ثنا مطر الوراق ، عن حسان بن بلال عنه . ولما خرجه أبو الحسن قال : قال لنا ابن مخلد : سمعت جعفرا يقول : سمع حسان من عائشة ، وعمار ، قيل له : سمع مطر من حسان ؟ فقال : نعم . وحديث ثوبان قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يمس القرآن إلا طاهر ، والعمرة الحج الأصغر ، وعمرة خير من الدنيا وما فيها . ذكره ابن القطان من رواية علي بن عبد العزيز ، ثنا إسحاق بن إسماعيل ، ثنا مسعدة البصري ، عن خصيب بن جحدر ، عن النضر بن شفي ، عن أبي أسماء الرحبي عنه قال : وهو إسناد في غاية الضعف . وحديث ابن عمر قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يمس القرآن إلا طاهر . رواه أبو الحسن عن الحسين بن إسماعيل ، ثنا سعيد بن محمد بن ثواب ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج ، عن سليمان بن موسى قال : سمعت سالما يحدث عن أبيه فذكره ، وهو سند صحيح ، وذلك أن أبا الحسن ذكر حديثا من رواية سعيد هذا في كتاب الصيام ، وقال : إسناده صحيح ، وذكر الخطيب أنه روى عنه إسماعيل بن الفضل البلخي ، ابن ياسين ، وابن صاعد ، ومحمد بن أحمد البوراني ، ولما ذكره الجوزقاني في كتابه قال : هذا حديث مشهور حسن ، وقال الطبراني في الصغير : لم يروه عن سليمان بن موسى إلا ابن جريج ، ولا عنه إلا أبو عاصم . تفرد به سعيد ، والله أعلم . وحديث أبي بكر إسحاق الحنيني ، قال : ذكره أسامة عن أبيه عن جده أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل اليمن كتابا ، فكان فيه : لا يمس القرآن إلا طاهرا . رواه الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري ، ثنا محمد بن يحيى ، وثنا الحسن بن إسماعيل ، ثنا إبراهيم بن هانئ ، ثنا الحكم بن موسى ، ثنا يحيى بن حمزة ، عن سليمان بن داود ، حدثني الزهري عن أبي بكر ، ومن هذه الطريق خرّجه الطبراني ، وابن عبد البر ، والبيهقي في شعب الإيمان ، وفي الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمرو بن حزم : ألا يمس القرآن إلا طاهر . ورواه أبو الحسن في الغرائب من جهة إسحاق الطباع ، ومبشر بن إسماعيل ، عن مالك مسندا ، ورواه في الخلافيات عن أبي بكر بن الحارث ، عن ابن حيان ، عن محمد بن سهل ، عن أبي مسعود ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن جده قال : كذا في كتابي : عن جده ، ولم يذكره غيره عن عبد الرزاق ، ومن حديث إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني أبي عبد الله ومحمد ابني أبي بكر يخبرانه عن أبيهما عن جدهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكره . وهو حديث لو صحح إسناده لكان بذلك جديرا ؛ فإن سليمان بن داود هو أبو داود الخولاني الدمشقي حاجب عمر بن عبد العزيز ، وكان متقدما عنده ، قال ابن حبان : كان ثقة مأمونا ، وقال الدارقطني : لا بأس به ، وقال البيهقي : أثنى عليه أبو زرعة ، وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ ، وأبو بكر معروف بالسماع من أبيه ، وأبوه محمد معروف بالسماع من عمرو ، وذكره بعضهم في الصحابة لمولده سنة عشر ، ويفهم من حمل قوله : عن جده أنه هو ، فإن كان صحيحا فيكون فيه شائبة الاتصالِ ، ومنهم من حمله على جده الأعلى ، وهو الصحيح ؛ لأنّ في الحديث كان فما أخذ عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديث ، والله أعلم . وحديث إسحاق بن عيسى الطباع يعضده ، وإسناده أيضا صحيح ، لتخريج مسلم حديثه ، ولمتابعة مبشر له ، ويزيد ذلك وضوحا قول عبد الله بن محمد بن عبد العزيز : سمعت أبا عبد الله ، وسئل عن حديث الصدقات أصحيح هو ؟ قال : أرجو أن يكون صحيحا ، وقال أبو عمر بن عبد البر : كتاب عمرو بن حزم كتاب مشهور عند أهل السير ، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغني بشهرتها عن الإسناد فيه ؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه ، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ، وما فيه متفق عليه إلا قليلا . ومما يدل على شهرة كتاب عمرو وصحته ما ذكره ابن وهب عن مالك ، والليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه : وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر ، فصار القضاء في الأصابع إلى عشر عشر . وقال أبو أحمد : وأما حديث الصدقات فله أصل في بعض ما رواه معمر عن الزهري عن أبي بكر ، وأفسد إسناده ، وحديث سليمان بن داود مجود الإسناد . وقال البيهقي : والحديث الذي رواه - يعني : سليمان - في الصدقات موصول الإسناد حسن ، وقال السهيلي : قد أسند من طرق حسان ، أقواها رواية أبي داود عن الزهري ، وأبي ذلك جماعة من الحفاظ ، قال الدارقطني : فإنه لما ذكر حديث سليمان ، عن الزهري قال : لا يثبت عنه ، وقال غير الحكم بن موسى : إنه سليمان بن أرقم ، ولما روى النسائي هذا الحديث من طريق يحيى بن حمزة ، عن سليمان بن داود ، ثم رواه من حديث يحيى ، عن سليمان بن أرقم قال : هذا أشبه بالصواب . وإن كان ما قالوه عن سليمان صحيح فطريق إسحاق يقضي على قولهم ، ويوهنه ، والله أعلم . وحديث معاذ بن جبل قال : قلنا : يا رسول الله ، أيمس القرآن من غير وضوء ؟ قال : نعم ، إلا أن يكون على الجنابة . قال : قلت يا رسول الله ، فقوله : لا يمسه إلا المطهرون . قال : يعني : لا يمس ثوابه إلا المؤمنون ، قال : قلنا : فقوله : كتاب مكنون ؟ قال : مكنون من الشرك ، ومن الشياطين . ذكره أبو أحمد بن عدي من حديث إسماعيل بن زياد الموصلي ، ويقال : ابن أبي زياد ، قال : وهو منكر الحديث ، وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد . وقال الجوزقاني : هذا حديث باطل ، لا أصل له . وذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات وقال : لا بارك الله فيمن وضعها ، ما أقبح هذا الوضع . وحديث عثمان بن أبي العاص قال : كان فيما عهد إلي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ألا تمس المصحف وأنت غير طاهر . ذكره ابن أبي داود في كتابه عن أحمد بن الحباب الحميري ، ثنا أبو صالح الحكم بن المبارك الخاشتي ، ثنا محمد بن راشد ، عن إسماعيل المكي ، عن القاسم بن أبي بزة عنه ، ومحمد بن راشد وشيخه هو : إسماعيل المكي متكلم فيهما . قال أبو محمد الفارسي : وقراءة القرآن والسجود فيه ، ومس المصحف ، وذكر الله جائز كل ذلك بوضوء ، وبلا وضوء ، وللجنب والحائض ، برهان ذلك أن هذه أفعال خير مندوب إليها ، مأجور فاعلها ، فمن ادعى المنع منها في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان ، وهو قول ربيعة ، وابن المسيب ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقول داود وجمع أصحابنا . وأما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه ، فإنه لا يصح منها شيء ؛ لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا تسند ، وإما عن مجهول ، وإما عن ضعيف ، والصحيح حديث ابن عباس ، عن أبي سفيان أنه كان عند هرقل ، فجيء بكتاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل ، فقرأه ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت ، فإن عليكم إثم الأريثيين ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث كتاب فيه قرآن إلى النصارى ، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب ، فإن ذكروا حديث ابن عمر : كان نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، مخافة أن يناله العدو ، فهذا حق يلزم اتباعه وليس فيه أن لا يمس المصحف جنب ولا كافر ، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط ، فإن قالوا : إنما بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هرقل بآية واحدة ، قيل لهم : ولم يمنع عليه السلام من غيرها ، وأنتم أهل قياس ، فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها ، فإن ذكروا قوله تعالى : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، فلا حجة فيه ؛ لأنه ليس أمرا ، وإنما هو خبر ، والرب تعالى لا يقول إلا حقا ، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي ، أو إجماع متيقن ، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه عز وجل لم يعِنِ المصحف ، وإنما عنى كتابا آخر ، وكما جاء عن سعيد بن جبير في قوله : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال : الملائكة الذين في السماء ، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفا أمر نصرانيا ، فنسخه له ، وقال أبو حنيفة : لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته ، وغير المتوضئ عندهم كذلك ، وأبى ذلك مالك إلا إن كان في خرج أو تابوت ، قال : فلا بأس أن يحمله اليهودي ، والنصراني ، والجنب ، وغير الطاهر . قال أبو محمد : وهذه تفاريق لا دليل على صحتها ، والله أعلم . وقد أسلفنا ما يرد هذا القول ، وأن المرسل أسند ، والضعيف قوي ، والحمد لله وحده . وفي المحيط : يكره للجنب مس كتب التفسير ، والسنن ، والفقه ، لعدم خلوها عن آيات من القرآن ، وفي فتاوى السمرقندي : يكره للجنب والحائض أن يكتبا كتابا فيه آية ، لأنه مس القرآن . وفي مسند الدارمي : أنبأنا عبيد الله بن موسى ، وأبو نعيم قالا : حدثنا ابن عمر ، عن ابن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها : كانت ترقي أسماء ، وهي عارك ، وفي تفسير عبد بن حميد ، ثنا عبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، قال : الملائكة هم المطهرون من الذنوب ، ثنا يونس ، عن شيبان ، عن قتادة : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، قال : ذاكم عند رب العالمين ، لا يمسه إلا المطهرون الملائكة ، فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس ، والمنافق الرجس ، وفي الروض : المطهرون في هذه الآية هم الملائكة ، وهو قول مالك في الموطأ ، واحتج بالآية الأخرى التي في سورة عبس ، ولكنهم وإن كانوا الملائكة ففي وصفهم بالطهارة مقرونا بذكر المس يقتضي ألا يمسه إلا طاهر ، اقتداء بالملائكة المطهرين ، فقد تعلق الحكم بصفة التطهر ، ولكنّه حكم مندوب إليه ، وليس محمولا على الفرض ، وكذلك ما كتب به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمرو بن حزم ليس على الفرض أيضا ، وإن كان الفرض فيه أولى منه في الآية ؛ لأنه جاء بلفظ النهي ، عن مسه على غير طهارة ، ولكنه في كتابه إلى هرقل دليل على ما قلناه ، وقد خالف أبو ثور وطائفة ممن سلف منهم ابن عيينة وابن أبي سليمان إلى إباحة مسه على غير طهارة ، ومما يقوي أن المطهرين في الآية هم الملائكة أنه لم يقل : المتطهرون ، إنما قال : المطهرون ، وفرق ما بين المتطهر والمطهر ، وذلك أن المتطهر : من فعل الطهور ، وأدخل نفسه فيه ، كالمتفقه الذي يدخل نفسه في الفقه ، وكذلك المتفعل في أكثر الكلام ، أنشد سيبويه : وقيس بن عيلان ومن تقيسا . فالآدميون متطهرون إذا تطهروا ، والملائكة مطهرون خلقة ، والآدميات إذا طهرن متطهرات ، قال تعالى : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ، والحور العين مطهرات قال تعالى : فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وهذا فرق بيّن ، والمصطفي صلى الله عليه وسلم متطهر ومطهر ، ولله الحمد والمنة . قال ابن المنذر : ورخص بعض من كان في عصرنا للجنب والحائض في مسّ المصحف ، والدنانير ، والدراهم التي فيها ذكر الله تعالى ، قال: ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : المؤمن لا ينجس . وفي كتاب المعرفة : قال مجاهد وأنس بن مالك : المطهرون : الملائكة . وقال أبو عبد الله الحليمي : إنما وصلت الملائكة إلى مسّ ذلك الكتاب ؛ لأنهم مطهرون ، والمطهر : هو الميسّر للعبادة والمرضي لها ، فثبت أن المطهر من الناس هو الذي ينبغي له أن يمس المصحف ، والمحدث ليس كذلك ؛ لأنه ممنوع من الصلاة والطواف ، والجنب والحائض ممنوعان منهما ، ومن قراءة القرآن ؛ فلم يكن لهم حمْل المصحف ولا مسّه ، وفي شرح السنة قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم : لا يجوز للجنب ولا للحائض قراءة القرآن ، وهو قول الحسن ، وبه قال سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وجوّز عكرمة للجنب قراءة القرآن ، وجوّز مالك للحائض قراءة القرآن ، لأنّ زمن حيضها قد يطول ، فتنسى القرآن . وقال مالك : لا يحمل المحدث المصحف بعلاقته ، ولا على وسادة إلا وهو طاهر ، وجوز الحكم ، وحماد ، وأبو حنيفة حمله ومسه ، وقال أبو حنيفة : لا يمس الموضع المكتوب . وكان أبو وائل يرسل جاريته وهي حائض إلى بيت أبي رزين لتـأتيه بالمصحف ، فتمسكه بعلاقته ، وكذلك رأى الشعبي . والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم .

94

95 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا إسماعيل بن عياش ، ثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يقرأ القرآن الجنب والحائض . هذا حديث إسناده ضعيف لما أسلفناه في إسماعيل ، لا سيّما وروايته هنا عن المدنيين .

95

37 - حدثنا هارون بن إسحاق ، ثنا عبد الرحمن المحاربي ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن وقتادة ، عن أنس بن مالك : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال : الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ، وعافاني . هذا حديث ضعيف ؛ لضعف راويه إسماعيل بن مسلم المخزومي المكي أبي ربيعة ، قال فيه سفيان : كان يخطئ في الحديث ، وضعفه ابن المبارك . وقال فيه أحمد : منكر الحديث . وقال يحيى بن سعيد القطان : لم يزل مختلطا ، وليس بشيء ، كان يحدّث بالحديث على ثلاثة ضروب . وقال ابن المديني : ضعيف ، لا يكتب حديثه ، أجمع أصحابنا على ترك حديثه . وقال النسائي وابن الجنيد : متروك الحديث . وقال الحربي : في حديثه شيء . وقال السعدي : واهي الحديث جدا . وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث مختلط . وقال أبو زرعة : ضعيف . وقال البخاري : تركه ابن المبارك ، وربما روى عنه ، وتركه يحيى وابن مهدي . وقال الفلاس : كان يرى القدر ، وهو ضعيف ، يحدث عن الحسن وقتادة بأحاديث بواطيل ، وهو متروك الحديث ، وقد اجتمع أهل العلم على ترك حديثه ، وإنّما يحدّث عنه من لا ينظر في الرجال . وقال يعقوب وابن معين : لا شيء . وقال ابن عدي : أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز ، والكوفة ، والبصرة ، إلَّا أنه ممن يكتب حديثه ، قال أبو الفرج ابن الجوزي : وجملة من يجيء في الحديث إسماعيل بن مسلم خمسة ، هذا أحدهم . والثاني : أبو محمد العبدي ، سمع أبا المتوكل والحسن . والثالث : مولى بني مخزوم ، يروي عن ابن جبير . والرابع : ابن أبي فديك دينار ، مولى بني الديل . والخامس : مولى رفاعة الزرقي ، يروي عن محمد بن كعب ، لم نعلم في أحد منهم طعنا إلَّا في الأول . انتهى كلامه . وقد أغفل إسماعيل بن مسلم السكوني شامي ، قال فيه الدارقطني : يضع الحديث . وإسماعيل بن مسلم اليشكري حدّث عن ابن عون حديثا منكرا ، ذكره العقيلي ، وإنما ذكرت ذلك انتصارا لابن عدي ؛ لأنه ذكر في كامله أنهم ثلاثة ، فزاد أبو الفرج اثنين ، ولو تتبعنا ذلك حق التتبع لألفينا أكثر من ذلك ، ولله الحمد ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من إسماعيل هذا ، ذكرها الحاكم في تاريخ بلده ، فقال : ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد ، ثنا أبو بكر محمد بن ياسين ، ثنا أبي ، ثنا عبد السلام بن نهشل بن سعيد ، عن أبيه ، عن قرّة ، عن الحسن ، عن أنس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال : باسم اللّه ، اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبث ، الشيطان الرجيم ، وإذا خرج قال : الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني . وأما الغفران فمصدر كالمغفرة ، قال الخطابي : نصبه بإضمار الطلب ، وقيل في تأويل قوله ذلك قولان : الأول : أنه استغفر من تركه ذكر اللّه تعالى مدّة لبثه على الخلاء . الثاني : قيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم اللّه بها عليه ، فأطعمه ثم هضمه , ويحتمل أن يكون فعله - عليه السلام - ذلك للتشريع والتعليم ، فحق من خرج سالما معاذا مما استعاذ من الخبث والخبائث ، أن يؤدي شكر نعمة اللّه عليه في إعاذته وإجابة سؤاله ، وأن يستغفر الله خوفا ألا يؤدي شكر تلك النعمة ، وهو قريب من حمد العاطس على سلامته . ويحتمل أن تكون لما كانت حالة التخلي محظورا فيها الذكر والتوجه إلى الله تعالى ، حَسُن أن يكون الذكر والاستغفار أوّل ما يصدر منه عند الخروج ، كما كان آخر ما ختم به عند الدخول ، كقول الشاعر : وآخر شيء أنت أول هجعة وأول شيء أنت عند هبوبي ونص جماعة من الفقهاء منهم أحمد ، على أنه يسن قول ذلك إذا خرج المتخلي ، وعند غيرهم : من الآداب ، واللّه تعالى أعلم .

96

باب ما يقول إذا خرج من المخرج 36 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن أبي بكير ، نا إسرائيل ، نا يوسف بن أبي بردة ، سمعت أبي يقول : دخلت على عائشة فسمعتها تقول : كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا خرج من الغائط : غفرانك . قال أبو الحسن بن سلمة : أنبأ أبو حاتم ، ثنا أبو غسان النهدي ، ثنا إسرائيل نحوه . خرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث غريب حسن ، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ، عن يوسف ، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفيما قاله نظر من وجوه : الأول : قوله : لا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة : إن أراد مطلق القول عند الخروج ففي الباب أحاديث عدّة ؛ منها : حديث أنس الآتي في هذا الباب عند ابن ماجه ، وحديث أبي ذر : كان - عليه السلام - إذا خرج من الخلاء قال : الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ، من عند النسائي ، وذكر فيه خلاءه ، وذكره أبو حاتم في كتاب العلل وضعفه ، وحديث ابن عمر يرفعه : الحمد لله الذي أذاقني لذّته ، وأبقى فيّ قوته ، وأذهب عني أذاه . وحديث طاوس من سنن الدارقطني ، عن ابن عباس مرفوعا بلفظ : فليقل : الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني ، وأمسك علي ما ينفعني ، وحديث سهل بن أبي حثمة بنحوه ، ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية ، وإن أراد قول : غفرانك فيتجه له قوله . الثاني : استغرابه إيَّاه من غير تصحيح ، وإن كانت الغرابة لا تنافي الصحة ، ولذلك لم يلتفت ابن خزيمة إلى ذلك ، بل ذكره في صحيحه ، وكذلك ابن حبان والحاكم ، وخرجه ابن الجارود في المنتقى ، وقال أبو حاتم الرازي : هو أصح شيء في هذا الباب ، وإن كانت هذه اللفظة لا تعطي تصحيحا مطلقا ، وتشعر بأن في الباب غيره ، بخلاف ما قاله الترمذي . الثالث : الجمع بين قوله : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ، وبين قوله : لا نعرف في هذا الباب إلَّا حديث عائشة ، فإنه أثبت له غرابة السند بتفرد إسرائيل عن ابن أبي بردة ، وغرابة المتن لكونه لا يعرف غيره ، ثم وصفه بعد ذلك بالحسن ، ولو لم تكن إلا الغرابة الراجعة إلى الإسناد ؛ لما عارضت في ذلك ، وأما أنه لا يعرف في الباب إلَّا هو مع قوله في الَحسن إنه يُرْوَى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر . فهذا الحديث قد يوهم منافاة الحسن الذي وصفه به على شرطه ، فيحتاج الجواب على ذلك ، فنقول : لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك ، بل الذي نحتاج فيه إلى أن يروى نحوه من وجه آخر هو ما كان راويه في درجة المستور ، ومن لم تثبت عدالته ولا ارتقى إلى أن تدخل في الصحيح مع المتابعة روايته ، فهناك نحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد ليصل بمجموع ذلك إلى الدرجة ، وأما هذا فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح ، فإن إسرائيل المنفرد به متفق على إخراج حديثه عند الشيخين ، والثقة إذا انفرد بحديث ، ولم يتابع عليه لا يرتقي إلى درجة الصحيح ، حتى يكون مع الثقة في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان ، وإن لم يتجاوز الثقة فحديثه هناك حسن ، كما أن المستور مع التفرد لا يرتقي إلى درجة الحسن ؛ بل تفرده مردود ، فكذلك هذا الحديث ، لو وجد شاهدا لما وقف عند مرتبة الحسن ، وربما لم نقف عندها لما بينا من تصحيح من صححه ، أو يكون الترمذي لما شرط الحسن وتقويته بالمتابعات عرف بنوع منه ، وهو أكثره وقوعا عنده ، لا بكل أنواعه ، وهذا نوع آخر منه مستفاد من كلامه وكلام الخليلي والحاكم وغيرهما من الحفاظ ؛ فعلى هذين القولين ينبني كلام الترمذي ، أو تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث ؛ إذ الغرابة والحسن في المتن لا تجتمعان . وذكر بعض الحفاظ أن جمهور الروايات على لفظ الخلاء بدلا من الغائط ، ولفظ الغائط تفرد بها هاشم بن القاسم ، عن إسرائيل ، وحديث ابن ماجه المذكور يقضي على قوله ؛ لأن يحيى قال ذلك عنه بما ينفي التفرد ، واللّه أعلم .

97

93 - حدثنا محمد بن عمر بن هياج ، ثنا إسماعيل بن صبيح ، أنبأنا أبو أويس ، عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الجنب : هل ينام أو يأكل أو يشرب ؟ قال : نعم ، إذا توضأ وضوءه للصلاة . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، وفي الباب أحاديث منها : حديث عبد الله بن مالك الغافقي قال : أكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما طعاما ، ثم قال : استر علي حتى أغتسل ، فقلت له : أنت جنب ؟ قال : نعم ، فأخبرت بذلك عمر بن الخطاب ، فخرج إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : إنّ هذا يزعم أنك أكلت وأنت جنب ، قال : نعم ، إذا توضأت أكلت وشربت ، ولا أقرأ حتى أغتسل . وفي لفظ : ولا أصلي حتى أغتسل . رواه الدارقطني عن ابن مخلد ، ثنا الصاغاني ، ثنا أبو الأسود ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبد الله بن سليمان عنه . وحديث بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا ، وأراد أن يأكل أو ينام توضأ . ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن قتادة عن بشير إلا شعبة ، ولا عن شعبة إلا حجاج . تفرد به إسحاق بن إبراهيم القرقساني . وحديث عمار بن ياسر مرفوعا : رخص النبي صلى الله عليه وسلم للجنب إذا أراد أن ينام ، أو يأكل ، أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة ، ذكره ابن أبي شيبة ، وقد تقدّم ذكره ، قال أبو بكر بن المنذر : وممن قال هذا الحديث : علي ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وروينا عن ابن عمر قولا ثانيا ، وهو أنه يتوضأ وضوءه للصلاة إلا غسل القدمين . وقال مجاهد والزهري : يغسل كفيه ويمضمض ، ثم يأكل . وقال مالك : يغسل يديه إذا كان الأذى قد أصابهما . وقال أحمد وإسحاق : يغسل يديه وفاه . وقال أصحاب الرأي : يغسل يديه ويمضمض ، ثم يأكل ، ولا يضره . قال أبو بكر : إذا أراد أن يطعم توضأ ، فإن اقتصر على غسل فرجه ، ومضمض كفاهُ ، زاد ابن أبي شيبة ، وعائشة ، وأبو الضحى ، وشداد بن أوس ، وقال : إنه نصف الجنابة ، وابن سيرين ، ومحمد بن علي ، والنخعي ، وأما قول ابن المنذر ، عن مجاهد ، والزهري : يغسل كفيّه ، ويمضمض ، فلعله في رواية عنهما ، وإلا ففي المصنف بسند صحيح : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن زبيد ، عن مجاهد في الجنب يأكل ؟ قال : يغسل يديه ، ويأكل ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن الزهري قال : الجنب إذا أراد أن يأكل غسل يديه . وأما سعيد بن المسيب فإنه قال : إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ . وقال إبراهيم في رواية مغيرة عنه : يشرب الجنب قبل أن يتوضأ .

98

باب الجنب يأكل ويشرب 92 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن علية ، وغندر ، ووكيع ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن يأكل وهو جنب توضأ . هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه من حديث يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة بلفظ : إذا رأى أن يطعم وهو جنب غسل يديه . وصححه أيضا أبو محمد الفارسي ، ولفظ ابن حبان في صحيحه : إذا أراد أن ينام وهو جنب لم ينم حتى يتوضأ ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه وأكل . ولما ذكر البيهقي أن الليث رواه كرواية ابن وهب ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، قالت عائشة : وإذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يديه ، يعني : من قولها ، قال : وقد قيل في هذا الإسناد عن هذا . وحديث الأسود عن عائشة أصح ، وقال أبو داود : رواه ابن وهب ، عن يونس ، فجعل قصة الأكل قول عائشة مقصورا ، ورواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، كما قال ابن المبارك ، يعني : عن يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة إلا أنه قال : عن عروة ، أو عن أبي سلمة ، ورواه الأوزاعي ، عن يونس ، عن الزهري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال ابن المبارك ، وفي كتاب العلل للخلال عن أحمد : قال يحيى بن سعيد : رجع شعبة عن هذا الحديث عن قوله : أن يأكل ، قال أحمد بن القاسم : وسمعت أبا عبد الله يقول : إذا أراد أن ينام فليتوضأ وضوءه للصلاة ، على الحديث ، ثم ينام ، فأمّا إذا أراد أن يطعم فليغسل يديه ، ويمضمض ، وليطعم ؛ لأنّ الأحاديث في الوضوء لمن أراد النوم ، قال : وبلغني أنّ شعبة ترك حديث الحكم بأخرة ، فلم يحدّث به فيمن أراد أن يطعم ؛ وذلك لأنه ليس بقوله غيره ، إنّما هو في النوم ، ولفظ الدارقطني : وإذا أراد أن يأكل غسل كفيه ، ثم أكل ، وفي لفظ : غسل كفّيه ، ومضمض فاه ، وفي لفظ للنسائي : وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ، ثم يأكل أو يشرب .

99

باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلا 91 - حدثنا إسحاق بن منصور ، أنبأنا عبد الصمد ، ثنا حماد ، ثنا عبد الرحمن بن أبي رافع ، عن عمته سلمى ، عن أبي رافع : أنّ النبيِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف على نسائه في ليلة ، وكان يغتسل عند كل واحدة منهن ، فقيل له : يا رسول الله ، ألا تجعله غسلها واحدا ؟ فقال : هو أزكى ، وأطيب ، وأطهر . هذا حديث لما خرجه أبو داود قال : حديث أنس أصح من هذا ، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي من عند النسائي سكت عنه ، وتتبع ذلك أبو الحسن عليه بقوله : لا يصح ، فإنّه من رواية حماد أنبأنا عبد الرحمن بن فلان بن أبي رافع عن عمته سلمى ، ويختلف في عبد الرحمن هذا ، فمنهم من يقول ما ذكرناه ، ومنهم من يقول : عبد الرحمن بن أبي رافع ، كذلك ذكره أبو داود من رواية موسى بن إسماعيل ، عن حماد ، وموسى أصحب الناس لحماد ، وأعرفهم بحديثه ، وهكذا ذكره البخاري في تاريخه قال : عبد الرحمن بن أبي رافع ، عن عمته ، عن أبي رافع : طاف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على نسائه في ليلة . قاله شهاب عن حماد بن سلمة ، وقال عبد الله بن محمد ، عن عارم ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن أبى رافع ، عن عمته سلمى ، عن أبي رافع قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ناوليني الذراع . وقاّل عفان ، ويزيد بن هارون ، عن حماد ، ثنا ابن أبي رافع مولى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : كان عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه ، وزعم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتختم في يمينه ، حديثه في البصريين ، وقال ابن أبي حاتم : عبد الرحمن بن أبي رافع روى عن عبد الله بن جعفر ، وعن عمته سلمى ، روى عنه حماد بن سلمة ، ذكره أبي ، عن إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين قال : عبد الرحمن بن أبي رافع الذي يروي عنه حماد صالح ، فإن كان الأمر هكذا ، أعني أنّه عبد الرحمن بن أبي رافع مولى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كما قال عفان ويزيد فإن عمته سلمى أخت لأبي رافع ، وهي لا تعرف له ، وإن كانت غيرها فحالها لا يعرف ، وإن كان الأمر على ما وقع في السند عند النسائي من أنّه حفيد لأبي رافع فسلمى بنت لأبي رافع ، ويكون حالها حينئذ أخفى ، وما من ذلك شيء يعرف ، فإنّ أبا رافع مولى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتوشته امرأتان كلّ واحدة منهما اسمها : سلمى ، إحداهما أمه ، والأخرى زوجه ، فأُمّه سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب ، روت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بيت لا تمر فيه ، يرويه حارثة بن محمد ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن جدّته ، وكانت خادما للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذكرها بهذا ابن السكن ، وأمّا زوجه فسلمى مولاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال ابن أبي خيثمة : زوّجه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مولاته ، وشهدت سلمى هذه خيبر ، وولدت له عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي ، فما من هاتين من تكون عمّة لعبد الرحمن بن أبي رافع ، ولا لحفيد أبي رافع ، إذ إحداهما أم لأبي رافع ، والأخرى زوجه ، وقد كنت أظنّ أن أبا محمد عثر في هذا على مزيد ، حتى رأيته كتب في كتابه الكبير بخطّه أثر هذا الحديث بعد أن أورده من عند النسائي : سلمى مولاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فتبين بذلك أنه ظن خطأ ، ولا يصح أن تكون عمة لأحد من ولد أبي رافع ؛ بل إما أما ، وأما جدّة ، انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأوّل : قوله في أبي رافع : احتوشته امرأتان ، وأغفل ثالثة ، ذكرها أبو حاتم البستي في كتاب الثقات من التابعين ، روى عنها القعقاع بن حكيم ، وقال : هي امرأة أبي رافع ، روت عن أبي رافع . الثاني : قوله : لا يصح مردود بتصحيح ابن حزم له من الطريق التي خرجها أبو داود . الثالث : ما ذكره عن أبي محمد أنه اتبعه بخطّه في الكبير لم أره ، ولا شيئا منه في الكتاب المشار إليه ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب البيهقي طاف على نسائه أجمع في ليلة يغتسل لكل واحدة منهن غسلا . وقال الحافظ ضياء الدين المقدسي : ليس بين هذا الحديث وحديث أنس اختلاف ؛ بل كان يفعل هذا مرّة ، وذلك أخرى ، والله أعلم .

100

باب ذكر اللّه على الخلاء والخاتم في الخلاء 38 - حدثنا سويد بن سعيد ، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن خالد بن سلمة ، عن عبد اللّه البهي ، عن عروة ، عن عائشة : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر اللّه على كل أحيانه . رواه الترمذي عن أبي كريب ، ومحمد بن عبيد ، ثنا يحيى ، عن أبيه . وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة ، وزعم بعض المتأخرين من العلماء أن في كلام الترمذي ما يقتضي أن يحيى بن زكريا تفرد به عن أبيه ، وليس كذلك ؛ لأن إسحاق بن يوسف الأزرق رواه عن زكريا أيضا ، قال : ولكنه بيحيى أشهر . انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث إن الترمذي لم يبيّن أي بني زائدة تفرّد به ، ويحيى وأبوه يصدق على كل منهما ابن أبي زائدة ؛ فيحتمل أن يكون المعني به عنده بالتفرد زكريا لا ابنه ، ويحتمل الآخر ، وإذا كان كذلك ، فليس لنا أن نقول : أراد واحدا بعينه ؛ إذ لم يبيّن هو بنفسه ذلك ، وإذا تطرق الاحتمال سقط الاستدلال . وفي قول الترمذي : حسن غريب ، يريد بذلك تفرد به ابن أبي زائدة ، وكان ينبغي أن يكون على رأيه صحيحا لا حسنا ؛ لأن تفرد ابن أبي زائدة لا يحطه عن درجة الصحيح ؛ ولذلك لم يعتمده مسلم ؛ بل خرجه في صحيحه ، وأيضا فرجاله عند الترمذي ممن يصحح أحاديثهم دائبا .

101

39 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، ثنا أبو بكر الحنفي ، ثنا همام بن يحيى ، عن ابن جريج ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه ، فممن صححه أبو حاتم البستي في صحيحه ، والترمذي ، وقال : حسن صحيح غريب ، والحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، إنما خرجا حديث نقش الخاتم فقط ، وزعم أبو عبد الرحمن النسائي أنه غير محفوظ ، وقال أبو داود : هذا حديث منكر ، وإنما يعرف عن ابن جريج ، عن زياد بن سعد ، عن الزهري ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه ، والوهم فيه من همام ، ولم يروه إلا همام ، زاد في التفرد : نخاف أن يكون هذا الحديث ليس بمحفوظ . وفيه نظر من وجوه : الأول : قوله : هذا حديث منكر ، وهو مردود بما أسلفناه . الثاني : قوله : لم يروه إلا همام ، مردود برواية يحيى بن المتوكل ، ذكره الحاكم عن علي بن حمشاذ ، ثنا عبيد الله بن عبد الواحد ، ثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ، نا يحيى بن المتوكل البصري ، عن ابن جريج ، عن الزهري به . ورواه أبو نعيم في تاريخ بلده من حديث عثمان بن أبي شيبة ، عن يحيى به . وقال الحاكم : صحيح الإسناد . وفيما قاله نظر ؛ ، وأظن - واللّه أعلم - أن تضعيف يحيى هو الذي ألجأ البغوي إلى أن قال فيه حين رواه في شرحه من جهة إسحاق بن الخليل عنه : هذا حديث غريب ، والبيهقي في قوله : هذا شاهد ضعيف . الثالث : . وفي مسند أنس بن مالك لأبي علي إسماعيل بن قيراط العذري : قالوا لابن جريج ، فقال : طارئ ، إنما لبسه يوما واحدا . والخاتم فيه لغات : فتح التاء وكسرها ، وبألف بعدها وما آخر الحروف قبلها عوضا عن الألف مع فتح الخاء ، وختام وختم ، وعلى هذا قول الأعشى : وصهباء طاف يهوديها وأبرزها وعليها ختم قال اللبلي : فأمّا الذي يختم به فبالكسر لا غير ، وجمعه خياتيم على إبدال الياء من الواو . والحديث أصل في استحباب رفع ما فيه اسم اللّه تعالى عند الخلاء ؛ لأن خاتمه - عليه السلام - كان نقشه محمد رسول اللَّه وعلى ذلك فقهاء الأمصار ، واختلفوا في الاستصحاب ؛ فأباحه مالك وأحمد بشرط الستر إن كان خاتما ، فإدارة فصه إلى الكف وإن كان درهما فبصره ، هذا لحديث العرزمي ، عن نافع ، عن ابن عمر : كان - عليه السلام - يتختم في خنصره الأيمن ، فإذا دخل الخلاء جعل الكتاب مما يلي كفه ، وإن كان في اليسرى جعله في اليمنى ، وقد جاء ذلك مصرحا به أيضا في حديث رواه علي بن أبي طالب عند ابن طاهر ، وقال فيه الجوزقاني : حديث منكر ، وضعف أيضا حديث ابن عمر ، وأبو حنيفة والشافعي قالا بكراهة الاستصحاب تنزيها ، واللّه أعلم .

102

باب ما جاء فيمن يغتسل من جميع نسائه غسلا واحدا 90 - حدثنا محمد بن مثنى ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، وأبو أحمد ، عن سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يطوف على نسائه في غسل واحد . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، وفي صحيح ابن إسماعيل : كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار ، وهن إحدى عشرة . قال : قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدّث أنّه أعطي قوة ثلاثين ، وفي لفظ : تسع نسوة . وفي صحيح ابن حبان : حكى أنس هذا الفعل منه عليه السلام في أوّل قدومه المدينة حيث كان تحته تسع نسوة ؛ لأنّ هذا الفعل منه عليه السلام كان مرارا ، إلا مرة واحدة ، ولا نعلم أنه تزوج نساءه كلهن في وقت واحد ، ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره ، حيث اجتمع عنده تسع نسوة ، وجاريتان : ريحانة ، ومارية ، فإنا لا نعلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة بالتزويج ، فإنّه دخل بإحدى عشرة ، أولهن خديجة ، ولم يتزوج بغيرها حتى ماتت . وفي سنن السجستاني : هكذا رواه هشام بن زيد عن أنس ، ومعمر عن قتادة عن أنس ، وصالح بن أبي الأخضر : عن الزهري كلّهم عن أنس ، ورواه أيضا ثابت عن أنس ، قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن معمر عن ثابت إلا ابن عينية ، ورواه الثوري والناس عن معمر عن قتادة . ورواه أيضا من جهة مصعب بن المقدام ، وقال : لم يروه عن الثوري عن معمر عن الزهري إلا مصعب ، زاد في الأصغر : تفرد به عبد الله بن أبي غسان ، وكان ثقة ، وقال ابن خزيمة : لم يقل أحد من أصحاب قتادة : إحدى عشرة ، إلا معاذ بن هشام عن أبيه ، ثم رواه من جهة سفيان ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يطوف ، وفي لفظ : يطيف على نسائه في غسل واحد ، وقال : هذا حديث غريب ، والمشهور : معمر عن قتادة ، ورواه الإسماعيلي في صحيحه من جهة معاذ بن هشام ، وفيه : قوة أربعين ، ولما رواه ابن أبي داود في سننه من حديث بقية ، عن شعبة ، حدثني عاصم بن زيد بن أنس قال : سمعت أنسا فذكره ، قال : لم يرو هذا الحديث ، عن شعبة إلا بقية ، ومسكين بن بكير ، ورواه أيضا من جهة ابن جحادة ، عن قتادة ، عن أنس بلفظ : يطوف على نسائه بغسل واحد ، هذه ، ثم هذه ، ثم هذه ، وقال : هذه سنة تفرد بها أهل البصرة ، ولم يروه عن سفيان إلا يوسف بن أسباط ، وكذا قاله أبو نعيم في الحلية ، قال ابن أبي داود : والناس يخالفونه عن سفيان ، يقولون : عن معمر ، عن قتادة ، ومن جهة حبان : عن صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، وقال : لم يروه عن الزهري إلا صالح . وقال الترمذي : وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان ، فقال : عن أبي عروة ، عن أبي الخطاب ، عن أنس . وأبو عروة معمر ، وأبو الخطاب قتادة ، ورواه بعضهم عن محمد بن يوسف ، عن أبي عزرة عن أبي الخطاب ، وهو خطأ ، والصحيح أبي عروة ، وفي الباب عن أبي رافع . انتهى . وفيه نظر ؛ لأن حديث أبي رافع لفظه : يغتسل عند هذه ، وعند هذه ، وسيأتي ، وهو مخالف لما رواه قبل عن أنس ، والله أعلم .

103

89 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا عاصم الأحول ، عن أبي المتوكل ، عن أبي سعيد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا أتى أحدكم أهله ، ثم أراد أن يعود فليتوضأ . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه فمن بعده ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان ، عن عاصم بزيادة : إذا أراد أن يعود فليتوضأ وضوءه للصلاة . ومن جهة شعبة ، عن عاصم : إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ ، فإنه أنشط له في العود . وبنحوه أخرجه أبو حاتم في صحيحه ، وأبو عوانة ، وخرج الحاكم هذه الزيادة ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، وهذه لفظة تفرد بها شعبة عن عاصم ، والتفرد من مثله مقبول عندهما ، ولما ذكره أبو محمد الفارسي مصحّحا له من جهة حفص بن غياث : إذا أتى أحدكم أهله ، ثم أراد أن يعاود . هذا لفظ حفص ولفظ ابن عيينة : إذا أراد أن يعود فلا يعود حتى يتوضأ ، ثم قال : لم نجد هذا الخبر ما يخصصه ولا ما يخرجه إلى الندب إلا خبرا ضعيفا من رواية يحيى بن أيوب - يعني : المخرج عند ابن شاهين - عن موسى بن عقبة ، وأبي حنيفة ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود عنها : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجامع ، ثم يعود ، ولا يتوضأ ، وينام ، ولا يغتسل . قال : وبإيجاب الوضوء يقول عطاء وعكرمة وإبراهيم والحسن وابن سيرين . انتهى كلامه . وفي قوله : هذا لفظ حفص نظر ؛ فإنّ أبا داود رواه عن عمرو بن عون ، أنبأنا حفص بن غياث ، ولفظه : إذا أتى أحدكم أهله ، ثم بدا له أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا . وعند الترمذي عنه : ثم أراد أن يعود فليتوضأ ، وعند مسلم : ثم أراد أن يعود . وما حكاه من الوجوب فمردود بقول أبي عمر : وما أعلم أحدا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر ، وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه ، وأكثرهم يأمرون به ، ويِستحبونه بخلاف الحائض ، والذي يشبه أن يكون أبو محمد اختلط عليه الوضوء المطلق الجنب بهذا ، والله أعلم . وقال أبو عوانة في صحيحه : يعارض هذه الأخبار في إيجاب الوضوء حديث أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الخلاء ، فأتي بطعام ، فقيل له : ألا تتوضأ ؟ قال : إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة . إن كان صحيحا عند أهل التمييز ، وقال ابن المنذر : إن توضأ فحسن ، وليس ذلك بواجب . انتهى . وفي الباب حديث ذكره في كتاب العلل عن عبد الرحمن : سألت أبي عن حديث رواه ليث بن أبي سليم ، عن عاصم ، عن أبي المستهل ، عن عمر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : إذا أتى أحدكم امرأته ، فأراد أن يعود فليغسل فرجه . قال أبي : هذا يرون أنّه عاصم عن أبي المتوكل عن أبي سعيد ، وهو أشبه . وفي كتاب العلل لأبي عيسى ، ثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري ، ثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي عن عاصم عن أبي المستهل عن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا أتى أحدكم أهله الحديث . سألت محمدا عن هذا الحديث ؟ فقال : هو خطأ ولا أدرى من أبو المستهل ، وإنما روى عاصم عن أبي عثمان عن سليمان بن ربيعة عن عمر قوله ، وهو الصحيح ، قال البيهقي : هذا كله جائز مشروع ، من شاء أخذ بالأول ، ومن شاء أخذ بهذا ، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل هذا مرة ليدلّ على الفضيلة ، وهذا مرة ليدلّ على الرخصة .

104

88 - حدثنا أبو مروان العثماني محمد بن عثمان ، ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد الخدري : أنه كان تصيبه الجنابة بالليل ، فيريد أن ينام ، فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتوضأ ، ثم ينام . هذا حديث رواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ : أنه ذكر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه تصيبه الجنابة ، فيريد أن ينام ، فأمره أن يتوضأ ، ثم ينام . ولفظ الطحاوي : توضأ ، وارقد . وإسناده صحيح وأبو مروان محمد بن عثمان بن خالد بن عمر بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان الأموي ، وروى عنه أبو حاتم الرازي ، وقال : ثقة ، وسئل عنه صالح بن محمد ، فقال : هو ثقة ، صدوق ، إلا أنه يروي عن أبيه المناكير ، ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح ، ولما ذكره البزار في مسنده لم يرد على قوله : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد ، وقد وردت في هذا الباب أحاديث منها : حديث ابن عباس المذكور عند ابن حبان ، وقد تقدّم طرف منه ، قال : جئت عند ميمونة ، فرأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بال ، ثم غسل وجهه وكفّيه ، ثم نام ، ولفظ أبي القاسم في الأوسط : ثلاثة لا تقربهم الملائكة : الجنب ، والكافر ، والمتضمخ بالزعفران . وحديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم : لا أحب أن يبيت المسلم وهو جنب ، أخاف أن يموت ، ولا تحضره الملائكة . ذكره ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن البغوي ، ثنا شيبان بن فروخ ، ثنا يزيد بن عياض بن جعدبة ، عن الأعرج عنه . وحديث عمار بن ياسر قال : قدمت من سفر ، فضمخني أهلي بصفرة ، قال : ثم جئت فسلّمت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : وعليك السلام ، اذهب ، فاغتسل ، قال : فذهبت ، فاغتسلت ، ثم رجعت ، وبي صفرة ، فقلت : السلام عليكم ، فقال : وعليك السلام ، اذهب فاغتسل ، فذهبت ، فأخذت نشفة ، فدلّكت بها جلدي ، حتى ظننت أني قد أنقيت ، ثم أتيته ، فقلت : السلام عليكم ، قال : وعليك السلام ، اجلس ، ثم قال : إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر نجس ، ولا جنبا حتى يغتسل ، أو يتوضأ وضوءه للصلاة ، ولا مُتضمخا بصفرة . رواه الطحاوي في شرحه من جهة حماد بن سلمة عن عطاء . ورواه الكجي في سننه من طريق حماد بزيادة : قدمت على أهلي من سفر ، وقد تشققت يدي ، فخلقوني بزعفران ، وذكره قاسم بن أصبغ ، فلم يقل : للصلاة ، وذكره عبد الرزاق كذلك منقطعا من غير قوله : رخص فما بعده ، ورواه أبو عيسى الترمذي في جامعه مختصرا ، وقال فيه : حسن صحيح ، وفيما قاله نظر ؛ وذلك أنّ الصحة ملازمة للاتصال ، وهذا الحديث عدمها ، ذكر ذلك أبو داود إثر تخريجه ، فقال : بين يحيى وعمار في هذا الحديث رجل ، وتبعه على ذلك الإشبيلي . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث شعبة ، عن إسحاق بن سويد ، عن رجل يقال له : حبيب عن رجل أحسبه عمارا ، وقال : لم يروه عن شعبة إلا مؤمل . تفرّد به أحمد بن عمر ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

105

87 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، ثنا عبد الأعلى ، ثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله ، أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم ، إذا توضأ . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي أردفه برواية الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قوله صلى الله عليه وسلم : إنه يغسل ذكره ، ويتوضأ وضوءه للصلاة . ذكره أبو عمر ، وعاب ابن القطان ذلك عليه بقوله : هو في كتاب البزار من حديث ابن عمر من ثلاثة طرق : أحدها : من رواية معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عمر أنّه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أينام أحدنا وهو جنب ؟ فقال : نعم ، إذا توضأ وضوءه للصلاة . قال : وهو من أحسن ما يروى عن عمر من الطرق . والثاني ، والثالث من رواية وهيب ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وفي مسند الحميدي بسند صحيح عن سفيان ، ثنا عبد الله بن دينار سمع ابن عمر : سأل عمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أينام أحدنا ، وهو جنب ؟ فقال : نعم ، إذا توضأ ، ويطعم إن شاء . وهو في صحيح ابن حبان بمعناه . وفي صحيح ابن خزيمة : ويتوضأ إن شاء . وفي كتاب رواة الموطأ للدارقطني : رواه أبو مصعب ، ومعن ، وخالد بن مخلد ، وعبد الله بن يوسف ، والقعنبي ، وروح ، ويحيى بن يحيى ، وابن بكير ، وأيوب بن صالح ، وابن القاسم ، وصفوان بن سليم ، وعبد الله بن حسين بن عطاء بن يسار ، عن مالك بلفظ : توضأ ، ثم اغسل ذكرك ، ونم . وقال خالد بن مخلد : قصة الجنابة ، فقال : توضأ ، ثم اغسل ذكرك ، ثم نم . وفي التمهيد : وكذا رواه الثوري وشعبة عن ابن دينار . وقال ابن أبي داود في كتاب السنن : وأما كيفية الوضوء فهو ما ذكره مالك في الموطأ عن نافع : أن ابن عمر كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ومسح برأسه ، ثم طعم أو نام . ورواه من حديث مروان ، أنبأنا مالك ، حدثني عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن عمر : لم يرو هذا عن مالك إلا مروان ، ثنا عمرو بن علي ، ثنا عبد الرحمن بن عثمان أبو بحر ، ثنا شعبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن عمر ، فذكره . وقال : لم يقل في هذا الحديث : عن عمر ، إلا أبو بحر .

106

باب من قال : لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة 86 - حدثنا محمد بن رمح المصري ، أنبأنا الليث بن سعد ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة . هذا حديث خرجه البخاري بلفظ : غسل فرجه وتوضأ . ولمسلم : إذا كان جنبا ، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه . ولم يذكر المنذري أن البخاري رواه ، ويشبه أن يكون وهما ، ولفظ الحاكم في تاريخ بلده ، ورواه من جهة يحيى بن أبي كثير ، عن الزهري ، عن أبي سلمة عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرقد وهو جنب ويتوضأ وضوءه للصلاة ، وفي سنن الكجي : يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يرقد . وفي الأوسط من حديث بقية عن إسماعيل بن عياش عن هشام عن أبيه عنها : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا واقع بعض أهله ، فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط ، فتيمم . وقال : لم يروه عن هشام إلا إسماعيل . وفي كتاب البيهقي من حديث أبي أسامة الكلبي ، ثنا الحسن بن الربيع ، ثنا عثام بن علي ، عن هشام بلفظ : فأراد أن ينام توضأ أو تيمم . ورواه أبو القاسم أيضا في الأوسط من حديث أبي حمزة ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، وقال : لم يروه عن أبي حمزة إلا ابن علية . تفرّد به إبراهيم بن زياد سبلان .

107

كراهية البول في المغتسل 40 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن أشعث بن عبد اللّه ، عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يبولن أحدكم في مستحمه ، فإنّ عامة الوسواس منه . هذا حديث صحيح ، خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه بلفظ : فإن عامة الوسواس يكون منه . وقال البخاري في تاريخه الصغير : رواه - يعني الحديث - ابن المبارك ، عن أشعث بن عبد اللّه . ورواه بعضهم عن أشعث بن جابر . انتهى . وهو يقتضي التفرقة بينهما وليس كذلك للتذكرة بعد . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ذكر البرقاني : قلت له - يعني الدارقطني - : أشعث عن الحسن ؟ قال : هم ثلاثة يحدثون جميعا عن الحسن : أحدهم الحمراني ، منسوب إلى حمران مولى عثمان ، بصري ثقة ، وأشعث بن عبد اللّه الحداني يعتبر به ، يروي عن الحسن ، وأشعث بن سوار الكوفي ، يعتبر به ، وهو أضعفهم ، وذكره ابن الجارود في كتاب المنتقى ، وأحمد بلفظ : ثم يتوضأ فيه ، وعلل برواية شعبة ، عن قتادة ، عن ابن مغفل موقوفا : البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس ، وفي لفظ : إنّ ابن المغفل سُئِلَ عن الرجل يبول في مغتسله ؟ فقال : يخاف منه الوسواس ؛ ولذلك قال بعض الحفاظ : الوقف أصح ، وكذا رواه يزيد بن إبراهيم التستري ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن ابن مغفل : أنه كان يكره البول في المغتسل . وقال : إن منه الوسواس . وقال الإمام أحمد فيما حكاه عنه الخلال : إنما يُرْوَى عن الحسن مرسلا ، ويشبه أن يكون هذا مستند أبي عيسى الترمذي في قوله : هذا الحديث غريب ، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث ، وليس ذلك بعلّة ؛ لأن أشعث يحتمل رفعه لحديث تابعه عليه غيره خلافا له وللبخاري وأحمد في قولهما : لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه ، وهو ما رواه الحاكم ، وزعم أنّه على شرطهما ، عن أبي بكر بن إسحاق ، نا أبو المثنى ، نا محمد بن المنهال ، نا يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عقبة بن صهبان ، عن عبد الله بن مغفل قال : نهي - أو زجر - أن يبال في المغتسل . وصيغة نهي أو زُجر من الصحابي محمولة على الرفع كما هو مقرر في هذا الفن ، وما ذكره أبو القاسم في معجمه الكبير بسند لا بأس به ، عن الحسين بن إسحاق القشيري ، عن سهل بن عثمان ، عن عليّ بن هاشم ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، عن ابن مغفل مرفوعًا ، إذ المثبت أولى من النافي ، ومن علم حجة على من لم يعلم . وأمّا ما ذكره البيهقي من أن البخاري قال : يُروى أن أشعث هذا هو ابن جابر الحداني . وقال معمر : أشعث بن عبد اللّه ، قال : وقيل : هو أشعث بن عبد الله بن جابر . فهذا اختلاف يدل على اضطراب الحفظ وعدم الضبط ، فكلام لا حاصل تحته ؛ لأن عبد الغني بن سعيد المصري ، قال : أشعث بن جابر الحدَّاني البصري ، وأشعث بن عبد اللّه البصري ، وأشعث بن عبد الله بن جابر ، وأشعث الأعمى ، والأشعث الأزدي ، والأشعث الجملي - واحد . وفي كلام البيهقي المذكور آنفا إشعار ببعض ذلك ؛ فهو تارة ينسبه الراوي عنه إلى أبيه ، وتارة إلى جدّه ، وتارة إلى لقبه ، وتارة إلى قبيلته ، وتارة إلى غير ذلك ، وما هذا سبيله فليس من الاضطراب في شيء ، وأيضا فهذا اختلاف في نسبه ليس في نفسه ولا حاله ، ولو كان مثل ذلك ضارا ، لكان الذهلي وغيره أجدر بهذا . وأيضا فقوله : فهذا اختلاف يدل على اضطراب الحفظ ، إن أراد حفظ الذين سموه بذلك فليس بشيء ؛ لأن معمرا وابن المبارك لا يحسن فيهما هذا ، وإن أراد حفظه هو فليس بشيء أيضا ؛ لأنه هو لا يتهم في نسب نفسه ، فلا يَنسبُّ ذلك الاضطراب إليه ، وسبب ذلك - واللّه أعلم - أنهم كانوا يحفظون ولا يكتبون ، فتارة ينشط الراوي بنسب شيخه ، وتارة يقتصر على بعض نسبه ، أو يكون كثير الرواية عنه فيدلسه ، أو غير ذلك من الأغراض ، ومثل ذلك لا يعد اضطرابا ، ولئن عددناه اضطرابا فبالنسبة إلى من أدَّى وأرَّخ ، لا إليه ، واللّه أعلم . وأمّا ما ذكره عبد الحق الإشبيلي من أنّ هذا الحديث أرسله الأشعث ، عن الحسن ولم يسمعه منه ، لما ذكره العقيلي ، عن القطان قال : قيل للأشعث : أسمعته من الحسن ؟ قال : لا ، فوهم منه على العقيلي لم يقله ، والذي فيه رواه ابن المديني ، عن يحيى القطان ، عن الحسن بن ذكوان ، عن الحسن ، قيل لابن ذكوان : أسمعته من الحسن ؟ قال : لا ، قال العقيلي : لعله سمعه من الأشعث عنه . وابن ذكوان لا مدخل له فيما نحن بصدده . وأمّا ما ذكره أبو القاسم في الأوسط ، من أنّه لم يروه عن الأشعث إلَّا معمر ؛ فحبذا بمعمر وما رواه ، وهذا هو الذي صيّره عند الترمذي غريبا ، واللّه أعلم . وقد روي عن جماعة من الصحابة نحوه : منهم عمران بن حصين ، وعائشة ، وابن مسعود ، وأبو بكرة ، ورجل له صحبة ، وحديثه عند أبي داود ، وإسناده صحيح ، وإن كان قد أعله بعضهم ما لا يقدح فيه ، واللّه أعلم ، وعبد الله بن سرجس ، وحديثه عند أبي داود والنسائي ، وابن عمر ، وحديثه في تاريخ الموصل ، وسيأتي في باب المتمندل ، وحديث الحارث بن يزيد الجهني : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الماء المجتمع المستنقع ذكره أبو موسى من حديث بشر بن عمارة ، عن الأحوص بن حكيم ، عن الحارث بن زياد عنه . المستحم : المغتسل ، مشتق من الحميم ، وهو الماء المسخن لملازمة المغتسل له غالبا . وحكى الأزهري عن ابن الأعرابي إطلاق الحميم على البارد ، فهو من الأضداد ، وفي الصحاح : الغسول : الماء الذي يغتسل به ، وكذلك المغتسل ، قال اللّه تعالى : هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ، والمغتسل : المكان الذي يغتسل فيه ، وهو المراد هنا ، وعامة : يعبر بها عن الجميع ، وتستعمل في الأكثر توسعا ، والوسواس - بالفتح - : حديث النفس ، قَال في المطالع : هو ما يلقيه الشيطان في القلب ، وقَد يطلق ويراد به الشيطان ، وبالكسر المصدر ، سمعت محمد بن يزيد ، سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول : إنّما هذا في الحفرة ، فأمّا اليوم فلمغتسلاتهم الجصّ والصاروج والقير ، فإذا بال فأرسل عليه الماء فلا بأس به . الجص بكسر الجيم ، حكاه ثعلب ، وحكى أبو عبيد في الغريب ويعقوب في الاصطلاح : فتح الجيم أيضا ، وكذلك المطرز قال : ويقال له أيضا الصُّرّاج ، والقَصة . زاد ابن هشام : والقَصّ والصاروج بصاد مهملة وجيم ، قال القزاز : هو الجير الذي تعمل به الحمامات ، وقال الجواليقي : هو النورة وأخلاطها التي تصرّج بها الحياض ، وهو فارسي معرب ، وكذلك كل كلمة فيها صاد وجيم ؛ لأنهما لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب . وبنحوه قاله الجوهري وصاحب الجمهرة . والقار ، قال أبو حنيفة : هو شجر مرٌ . قال بشر بن أبي حازم : يسومون الصلاح بذات كهف وما فيها لهم سلعٌ وقار وقال ابن الأعرابي : يقال هذا أقير منه ، إذا كان أمر ، وفي الجامع : القار والقير لغتان ، وهو الذي يطلى به السفن ، وبنحوه قاله في الصحاح ، وبنحو ما قاله الطنافسي قاله أبو سليمان الخطابي وأحمد بن حنبل ، قال الترمذي : ورخص فيه ، يعني إطلاق البول في المغتسل سواء أكان جددا أو غير جدد - ابن سيرين ، والقاسم بن محمد .

108

باب في الجنب ينام كهيئته لا يمس ماء 83 - حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجنب ، ثم ينام ولا يمس ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل . 84 - وذكره أيضا من حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق ، بلفظ : إن كانت له حاجة إلى أهله قضاها ، ثم ينام كهيئته لا يمس ماء . 85 - ومن حديث سفيان عنه ، بلفظ : إنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجنب ، ثم ينام كهيئته لا يمس ماء . قال سفيان : فذكرت الحديث يوما ، فقال لي إسماعيل : يا فتى ، يشدّ هذا الحديث بشيء ؟ . هذا حديث اختلف فيه ، فصححه قوم وضعفه آخرون ، فمن المضعفين يزيد بن هارون ، قال أبو داود : ثنا الحسن بن علي الواسطي ، سمعت يزيد بن هارون يقول هذا الحديث وهم - يعني : حديث أبي إسحاق وفي كتاب ابن العبد : ليس بصحيح ، وفي موضع آخر : وهم أبو إسحاق في هذا الحديث ، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم : قال شعبة : قد سمعت حديث أبي إسحاق : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينام جنبا ، ولكني أتقيه . وقال مهنأ : سألت أبا عبد الله عنه ، فقال : ليس صحيحا ، قلت : لم ؟ قال : لأن شعبة روى عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة . قلت : من قبل من جاء هذا الاختلاف ؟ قال : من قبل أبي إسحاق ، قال : وسمعت يزيد بن هارون يقول : وهم أبو إسحاق في هذا الحديث ، ثم قال : وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث ، فقال : لا يحل أن يروى هذا الحديث . قال أبو عبد الله : الحكم يرويه مثل قصة أبي إسحاق ، ليس عن الأسود : الجنب يأكل . ورواه في مسنده بألفاظ منها : إذا كانت له إلى أهله حاجة أتاهم ، ثم يعود ولا يمس ماء . وفي لفظ : كان يصيب أهله من أول الليل ، ثم ينام ولا يمس ماء ، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل ، ولفظه في الأوسط . ورواه من حديث حمزة الزيات عن أبي إسحاق : كان يجامع المرأة من نسائه ، ولا يمس ماء ، فإن أصبح فأراد أن يعاودها عاود ، وإن لم يرد اغتسل . وقال : لم يروه عن حمزة إلا زياد أبو حمزة . تفرد به عامر بن إبراهيم ، وفي كتاب الأثرم : فلو لم يخالف أبا إسحاق في هذا الباب إلا إبراهيم وحده كان أثبت وأعلم بالأسود ، ثم وافق إبراهيم عبد الرحمن بن الأسود ، ثم وافقهما فيما رواه أبو سلمة وعروة عن عائشة ، ثم وافق ما صح من ذلك عن عائشة رواية ابن عمر عن عمر ، وما روي عن عمار وأبي سعيد ، فتبين أنّ حديث أبي إسحاق إنّما هو وهم ، وروى هشيم عن عبد الملك - يعني : ابن عمير - عن عطاء عن عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل ما رواه أبو إسحاق عن الأسود ، قال : ورواية عطاء عن عائشة ما لا يحتج به إلا أن يقول : سمعت ، ولو قال في هذا : سمعت ، كانت تلك الأحاديث أقوى ، وقال أبو عيسى : وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنّه كان يتوضأ قبل أن ينام . وهذا أصح من حديث أبي إسحاق ، قال : وكانوا يرون أن هذا غلطا من أبي إسحاق ، وقال القشيري في كتاب التمييز : ذكر الأحاديث التي نقلت على الغلط في متونها : ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، ثنا أبو إسحاق به ، قال : فهذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة ، وقد جاء النخعي وعبد الرحمن بخلاف ذلك ، وقال الطوسي في الأحكام : وحديث : كان يتوضأ قبل أن ينام ، أصح من حديث السبيعي ، وقد رواه عنه شعبة والثوري وغير واحد ، ويرون هذا غلطا من أبي إسحاق ، وقال ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك : هذا مما يكاد يتفق عليه المحدثون إلا القليل - يعني : أنّ أبا إسحاق غلط - وقال عبد الحق : وحديث أبي إسحاق عندهم غلط . وقال أبو عمر : حديث الثوري ، عن أبي إسحاق : لم يمس ما خطأ ، ونحن نقول به . قال الحربي : لم يزل المتفقهة من أصحاب الحديث يتكلم في حديث أبي إسحاق يقولون : كيف حكى عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى حاجته من أهله ، ثم ينام ولا يمس ماء ؟ ! قال : وإبراهيم وعبد الرحمن بن الأسود يحكون عنه عن عائشة : كان يتوضأ وضوءه للصلاة ، ووافق إبراهيم وعبد الرحمن على روايتهما أبو سلمة ، وعروة ، وأبو عمرو ذكوان ، وقوى هذا القول عمر فيما سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأبو سعيد ، وعمار ، وابن عباس ، وجابر ، وأم سلمة ، وكان أحسن الوجوه في ذلك إن صح حديث أبي إسحاق فيما رواه ، ووافقه عطاء ، والقاسم ، وكريب ، والسوائي أن تكون عائشة أخرت الأسود أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربما توضأ ، وربما أخّر الوضوء والغسل حتى يصبح ، فأخبر الأسود إبراهيم : أنّه كان يتوضأ . وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل . وقد حكى مثل ذلك غضيف عن عائشة ، وعبد الله بن أبي قيس ، ويحيى بن يعمر ، والصنابحي ، وهذا أحسن وجوهه ، والله أعلم . وأمّا المصححون : فأبو الحسن الدارقطني بقوله : يشبه أن يكون الخبران صحيحين ؛ لأن عائشة قالت : ربما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم الغسل ، وربما أخّره ، كما حكى ذلك غضيف ، وعبد الله بن أبي قيس ، وغيرهما عن عائشة ، وأن الأسود حفظ ذلك عنها ، فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل ، وحفظ عبد الرحمن وإبراهيم تقديم الوضوء على الغسل . ولما ذكر أبو بكر البيهقي في سننه حديث أبي إسحاق قال : سألت الأسود بن يزيد وكان لي جارا و صديقا عما حدّثته عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان ينام أول الليل ويحيي آخره ، ثم إن كانت له إلى أهله حاجة قضى حاجته ، ثم نام قبل أن يمس ماء ، فإذا كان عند النداء الأوّل قالت : وثب ، فلا والله ما قالت : قام ، وأخذ الماء ، ولا والله ما قالت : اغتسل ، وأنا أعلم ما تريد ، وإن لم يكن له حاجة توضأ وضوء الرجل للصلاة ، ثم صلى ركعتين . أخرجه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى ، وأحمد بن يونس ، ثنا زهير ، عن أبي إسحاق دون قوله : قبل أن يمس ماء ؛ وذاك لأنّ الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة ، وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود ، وأنّ أبا إسحاق رّبما دلس ، فرواها من تدليساته ، واحتجوا على ذلك برواية النخعي وعبد الرحمن بن الأسود بخلاف رواية إسحاق ، قال : وحديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية ؛ وذلك أنّه بيّن فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه ، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة ، فلا وجه لردّه ، ووجه الجمع بين الروايتين على وجه يحتمل ، وقد جمع بينهما أبو العباس بن سريج ، فأحسن الجمع ، وذلك فيما أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال : سألت أبا الوليد الفقيه ، فقلت : أيّها الإسناد قد صح عندنا حديث الثوري عن أبي إسحاق عن الأسود : كان ينام ولا يمس ماء . وكذلك صح حديث نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر : يا رسول الله ، أينام أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم إذا توضأ . فقال ابن الوليد : سألت ابن سريج عن الحديثين ، فقال : الحكم لهما جمعيا ، أم حديث عائشة فإنّما أرادت أنّه كان لا يمس ماء للغسل . وأمّا حديث عمر فمفسّر ذكر فيه الوضوء ، وبه نأخذ انتهى كلامه . ولو حمل الأمر على الاستحباب والفعل على الجواز لكان حسنا ، إذ الفعل لا يدلّ على الوجوب بمجرده ، ويمكن أنّ يكون الأمران جميعا وقعا ، فالفعل لبيان الاستحباب ، والترك لبيان الجواز ، وقد صرّح ابن قتيبة في كتاب مختلف الحديث به في قوله : إنّ هذا كلّه جائز ، فمن شاء أن يتوضأ وضوءه للصلاة بعد الجماع ، ثم ينام ، ومن شاء غسل يديه وذكره ، ثم نام ، ومن شاء نام من غير أن يمس ماء ، غير أنّ الوضوء أفضل ، وكان صلى الله عليه وسلم يفعل هذا مرّة ، وهذا مرّة ليدلّ على الفضيلة ، وهذا مرة ، ليدل على الرخصة ، واستعمل النّاس ذلك ، فمن أحبّ أن يأخذ بالأفضل أخذ ، ومن أحبّ أن يأخذ بالرخصة أخذ . ولماّ ذكره أبو محمد بن حزم مصححا له من حديث سفيان عنه قال : هذا لفظ يدل على مداومته عليه الصلاة والسلام لذلك ، وهي أحدث الناس عهدا بمبيته ونومه جنبا ، وطاهرا ، فإن قيل : إن هذا الحديث أخطأ فيه سفيان ؛ لأنّ زهيرا خالفه فيه قلنا : بل أخطأ بلا شك من خطأ سفيان بالدعوى بلا دليل ، وسفيان أحفظ من زهير بلا شك ، وقد تابع سفيان على روايتهما أبو الأحوص والأعمش من حديث أبي بكر بن عياش عنه ، ولفظهما : كان يجنب ، ثم ينام ، ولا يمس ماء . وإسماعيل بن أبي خالد من حديث هشيم عنه ، ذكره الطحاوي في ( شرح الآثار ) ، وحمزة الزيات ، ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن حمزة إلا زياد أبو حمزة . تفرد به عامر بن إبراهيم ، وقال الخزرجي في كلامه على الموطأ : وقد رواه عن أبي إسحاق أئمة عدول ، وهذه رخصة ورفق من الله تعالى ، لا ينبغي أن يطرح مثل هذا الحديث ؛ لأجل انفراد روايه العدل برواية لا تعارض زيادة من زاد عن الأسود ذكر الوضوء ؛ إذ قد يصح أن يفعل الأمرين في وقتين ، والله أعلم . وفي كتاب ابن شاهين : يجامع ، ثم يعود ، ولا يتوضأ ، وينام ، ولا يغتسل ، وسيأتي ذكره ، فنبيّن بمجموع ما سبق تكافؤ القولين : المضعف والمصحح ، ولم يبق إلا الترجيح بأمر زائد على ما تنوزع فيه ، وهو متابعة عطاء المذكورة عند الأثرم ، وما ذكره الحربي عن التابعين ، وليس لتضعيفه رواية عن عائشة وجه لأمرين : الأول : تصريح جماعة العلماء بسماعه منها ، وقد خرج الشيخان في صحيحيهما أربعة أحاديث رواها عنها ، صرّح في بعضها بالسماع . الثاني : لم يك مدلسا حتى يتوقّف في روايته إذا لم يبيّن سماعه ، وقد وجدنا أيضا له شاهدا من حديث أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإسناد جيّد ، خرجه الإمام أحمد في مسنده ، قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجنب ، ثم ينام ، ثم ينتبه ، ثم ينام . وحديث ابن عباس : إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الخلاء ، فأتي بطعام ، فقالوا : ألا نأتيك بطهر ؟ فقال : أأصلي فأتطهر ؟ وبعضهم يقول فيه : ألا تتوضأ ؟ قال : ما أردت الصلاة فأتوضأ ، ثم تناول عرقا فأكل منه ، ولم يمسّ ماء . قال أبو عمر : هو حديث صحيح ، وفيه دلالة أنّ الوضوء لا يكون إلا لمن أراد الصلاة ، وذلك رفع للوضوء عند النوم والأكل . وحديث يحيى بن يعمر ، عن عمار بن ياسر المصحح عند الترمذي : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ . قال أبو عمر : احتج به الكوفيون على أن الجنب لا بأس أن ينام قبل أن يتوضأ . قالوا : ومعناه أن لا يتوضأ ؛ لأنه في ذلك وردت الرخصة . قال أبو عمر : وهو محتمل للتأويل ، ولا حجة فيه . وحديث غضيف ، وعبد الله بن أبي قيس ، عن عائشة : رّبما اغتسل من أوّل الليل ، وربما اغتسل في آخره . وهو مصحح عند أبي عبد الله في مستدركه . وفي فوائد ابن صخر : هذا حديث شامي الطريق ، المحفوظ من حديث برد بن سنان عال من حديث قيس بن المفضل من هذا الوجه عن برد ، وهو غريب في الأصل ، قال الحاكم : تابعه - يعني : سفيان - كهمس بن الحسن عن برد . انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لأنّ جماعة قالوا : الصواب كهمس بن المنهال ، منهم المزي وغيره ، والله تعالى أعلم . وصح عن حذيفة أنه قال : نومة قبل الغسل أوعب لخروجه ، وفي لفظ : نومة بعد الجنابة أوعب للغسل ، ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه ، ثم قال : ثنا شريك ، عن إبراهيم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إذا جامع الرجل ، ثم أراد أن يعود ، فلا بأس أن يؤخّر الغسل . وحديث أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف على نسائه في غسل واحد . خرجه مسلم ، وفيه دلالة على تأخير استعمال الماء . وحديث عمر حين سأل عن نوم الجنب ، فقال عليه السلام : يتوضأ إن شاء . وحديث علي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نام على إثر جنابة حتى أصبح ، ذكره ابن أبي داود في كتاب السنن ، وقال : فيه رواد بن الجراح ، وإنما هو عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة . انتهى . ولقائل أن يقول : رواد ثقة ، والمتنان متباينان لفظا و إسنادٍا ، فلا يشتبهان إلا على مغفل ، والله أعلم ، اللهم لو رده بضعف راويه الحارث ، وبانقطاع ما بين أبي إسحاق وبينه لكان صوابا ، والله أعلم بالصواب .

109

42 - حدثنا إسحاق بن منصور ، ثنا أبو داود ، ثنا شعبة ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن المغيرة بن شعبة : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائما . قال شعبة : قال عاصم يومئذ : وهذا الأعمش يرويه عن أبي وائل ، عن حذيفة ، وما حفظه ، فسألت عنه منصورا ، فحدثنيه عن أبي وائل ، عن حذيفة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائما . هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن محمد بن عبد اللّه المخرمي ، ثنا يونس بن محمد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة ، عن أبي وائل ، فذكره بلفظ ففرج رجليه . وقال الترمذي : حديث أبي وائل عن حذيفة أصح . كذا ذكره في الجامع ، وفي العلل الكبير نحوه ، وفيه تصريح بسماع عاصم من أبي وائل ، قال الدارقطني : حديث أبي وائل عن المغيرة خطأ ، وبنحوه قال البيهقي ، ويشبه أن يكون قول ابن خزيمة أولاهما وأقربهما إلى الصواب ؛ لصحة إسناده وعدالة رواته ، وأنّه لا بُعد في أن يكون أبو وائل رواه عن اثنين ، وأن الاثنين رويا ما شاهداه من فعل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم وأنّ أبا وائل أدَّى الخبرين عنهما ، فسمعه منه جماعة ، فأدى كل ما سمع ، وقْد روى فعله ذاك - صلى الله عليه وسلم - جماعة غير من تقدّم ، منهم : سهل بن سعد الساعدي ، وحديثه عند ابن خزيمة في صحيحه ، والطبراني في الأوسط وأشار إلى تفرد إبراهيم بن حماد عن أبي حازم عن مصعب ، وقال : ولا يرويه عن أبي حازم إلا مصعب ، وأبو هريرة ، وفي حديثه بيان لسبب ذلك ؛ وهو جرح كان بمأبضه عند الحاكم . وقال : رواته كلّهم ثقات . وقال البيهقي : هذا حديث صحيح . وفيما قالاه نظر ؛ ، وأبو القاسم بن عساكر في كتابه المسمّى مجموع الرغائب في أحاديث مالك الغرائب ، وثبت عن عمر وابنه وزيد أنّهم فعلوا ذلك . قاله ابن المنذر . وقيل أيضا عن علي ، وسعد بن عبادة ، وأنس ، وأما قول ابن عساكر في كتاب الأطراف : رواه ابن ماجه في الطهارة ، عن إسحاق ، عن أبي داود ، عن شعبة ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، وعن إسحاق بن منصور ، عن أبي داود ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن المغيرة به ، ولم يذكر أبا وائل ، وتبعه على ذلك الحافظ المزي ؛ فلم أر ذلك في عدّة من نسخ ابن ماجه ، وليس فيها إلا ما أسلفناه ، قال الخطابي : فعل - عليه السلام - ذلك لأنه لم يجد للقعود مكانا ، وعن الشّافعي : كانت العرب تستشفي لموضع الصلب بالبول قائما ، فيرى أنه كان به إذ ذاك . وقال عياض : كان ذلك لشغله بأمور المسلمين ، فلعلّه طال عليه المجلس حين حضره البول ولم يمكنه التباعد كعادته ، فأتى السباطة لدمثها ، وأقام حذيفة يستره عن الناس . وفي المعلم : كان ذلك لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر ، بخلاف القعود ، ومنه قول عمر بن الخطاب : البول قائما أحصن للدبر من الجلوس . ويحتمل أنه - عليه السلام - فعل ذلك لبيان الجواز ورفع الحرج ، وأما قول المنذري : أو لعله كان فيها نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن تتطاير عليه ، فليس ظاهرا ؛ لكون القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد . وقول حذيفة : دعاني ، ظاهر في جواز التكلم على قضاء الحاجة ، وزعم بعضهم أن كلامه له بالإشارة لا باللفظ ، اعتمادا على ما في البخاري : فأشار إلي ، وطريق الجمع أن قولَه دعاني ، يعني الإِشارة ، وكذا قوله : لم تنحيت ؟ إن كانت صحيحة ، فيكون إنكارا بالإِشارة أيضا ، أو نقول : إنه جعل الإِشارة تأكيدا للفظ . والسباطة الموضع الذي يرمى فيه التراب ، ويكون بالأبنية مرفقا . وقيل : السباطة : الكناسة نفسها ، وكانت بالمدينة ، جاء ذلك في حديث محمد بن طلحة بن مصرف ، عن الأعمش ، وهو مضعف لقول من قال : إن المسح على الخف لا يكون إلَّا في سفر ، وفعل ذلك لكونها للناس عامة ، أو لأنها كانت مواتا مباحة ، وأضيفت للقوم على سبيل الاختصاص لا الملك ، أو لأن هذا كان خاصا به لعدم كراهية الناس لذلك . قال الطحاوي : وقيل : إنّه فعل ذلك مرة . روى وكيع ، عن زائدة ، عن عبد العزيز أبي عبد اللّه ، عن مجاهد قال : ما بال - عليه السلام - إلا مرة في كثيب أعجبه . انتهى ، وحديث حذيفة والمغيرة يردّه ، ويوضح أنّه ليس في كثيب ، فدلّ على التعدد .

110

ما جاء في البول قائما 41 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا شريك ، وهشيم ، ووكيع ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال عليها قائما . أخرجوه في كتبهم بزيادة : فدعاني حتى كنت عند عقبه . ورواه الطبراني في الأوسط من جهة زكريا ، عن الشعبي ، عن شقيق عنه ، زاد : لم تنحيت ؟ ثم أتي بماء فتوضأ ، ومسح على خفيه . وقال : لم يروه عن الشعبي إلا زكريا ، ولا عن زكريا إلَّا عيسى بن يونس ، تفرد به أحمد بن سليم الفوزي . وفي مسند الحميدي تصريح الأعمش بسماعه إياه من أبي وائل ، وأما قول أبي القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخي في كتابه المسمى بـ قبول الأخبار ومعرفة الرجال : إن حديث حذيفة فاحش منكر ، لا نراه إلا من قبل بعض الرواة ، فكلام سوءٍ ، دليل من قائله على تحامل أو جهل ، واللّه تعالى أعلم .

111

باب في الجنب يستدفئ بامرأته قبل أن تغتسل 82 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا شريك ، عن حريث ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغتسل من الجنابة ، ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل . هذا حديث رواه أبو عيسى : عن هناد ، ثنا وكيع ، عن حريث ، بلفظ : ربما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة ، ثم جاء ، فاستدفأ بي ، فضممته إلي ، ولم أغتسل ، وقال : ليس بإسناده بأس ، ولما ذكره أبو علي الطوسي في أحكامه عن القاسم بن يزيد الوراق ، ثنا وكيع ، ثنا حريث بن أبي مطر ، وثنا يعقوب الدورقي ، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثني حريث ، وهذا حديثه : ربما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم باشرني قبل أن أغتسل أدفئه ، ثم قال : يقال في هذا الحديث : إنه ليس بإسناده بأس ، ولفظ ابن وهب في مسنده : ثم يأتي وأنا جنب فيستدفئ بي . ولما خرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث شريك وإسماعيل بن زكريا ، ثنا حريث ، بلفظ : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستدفئ بها بعد الغسل . قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وشواهده عن سعيد بن المسيب ، وعروة عن عائشة ، والطريق إليها فاسد ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث ولما ذكره الطبراني في الأوسط قال : لم يروه عن الشعبي إلا ابن أبي مطر ، وكلامه أوضح من كلام البيهقي ؛ لأنّ كلامه يقتضي تفرّد حريث بالحديث نفسه ، وليس كذلك لما أسلفناه من كتاب المستدرك ، وكأن أبا عبد الله لمح كون شريك في الإسناد ، وأنه ممن يخرج مسلم حديثه فاعتمده ، وسها عمن عداه ، وممن كان يستدفئ بزوجته عمر بن الخطاب من رواية النخعي عنه ، وأبو الدرداء من رواية عطاء الخراساني عن أم الدرداء ، وعبد الله بن عمر من حديث مسعر عن جبلة ، وابن عباس من حديث إبراهيم بن المهاجر عن عبد الله بن شدّاد ، وأبو هريرة والأسود وعلقمة وعلي بن أبي طالب من حديث أبي إسحاق عن الحارث ، وسعيد بن المسيب والحسن البصري ، ذكر ذلك في مصنفه ابن أبي شيبة ، قال : وكرهه حماد ، حتى يجف ، رواه عن وكيع عن مسعر . وفي كتاب أبي داود من حديث الإفريقي عن عمارة بن غراب ، أن عمّة له حدّثته أنها سألت عائشة ؛ فذكرت حديثا فيه : دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مسجده . قال أبو داود : تعني : مسجد بيته ، فلم ينصرف حتى غلبتني عيني ، وأوجعه البرد ، فقال : ادني منّي ، فقلت : إني حائض ، فقال : وإن ، اكشفي عن فخذيك ، فكشفت فخذي ، فوضع خدّه وصدره على فخذي ، وحنيت عليه حتى دفئ ونام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ويعارض هذا على تقدير صحته ما في التمهيد من حديث ابن لهيعة ، قال أبو عمر : ولا يعرف إلا من طريقه أن قرط بن عيوق سأل عائشة : أكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضاجعك وأنت حائض ؟ قالت : نعم ، إذا شددت على إزاري ، وذلك إذ لم يكن لنا إلا فراش واحد ، فلما رزقنا فراشين اعتزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وما في السنن أيضا عن أبي اليمان عن أم ذرة - وهي مجهولة فيما قاله ابن حزم - عن عائشة ، أنها قالت : كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير ، فلم نقرب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم ندن منه حتى نطهر . الغريب : قال ابن القطاع : يقال : دفئ ، دِفّا ، ودُفًا ، ودِفئا ، ودُفئا ، ودفاءة ، ذهب عنه البرد . وقال ابن درستويه : والمصدر الدفاء ممدود ، والدفاءة ، ومنه : رجل دفآن وامرأة دفأى ، إذا كان سخنا من حرارة أو مرض أو عليل القلب من الحب . وفي نوادر الترمذي : دفؤ دفاءة مثل وضؤ وضاءة ، ودفأ يدفؤ دفأ ، وفي شرح الدميري : وقوله - يعني : ثعلبا - : دفئ الرجل فهو دفآن ، وامرأة دفأى أي : كثر لحمها وسمنها . وقال ابن قريب : يقال : رجل دِفاء بكسر الدال مع الهمز ، وكذلك للنساء ، وقال ابن سيده : أما إذا استدفئ فيدفئ مكسور لا غير ، ورجل دفآن ، وبلدة دفيئة ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

112

باب في الوضوء بعد الغسل 81 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعبد الله بن عامر بن زرارة ، وإسماعيل بن موسى السدّي ، قالوا : أنبأنا شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة . هذا حديث لما خرجه أبو عيسى من حديث شريك قال فيه : صحيح قال : وطريقه الجيدة ما ذكرها النسائي : عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، ثنا أبي ، ثنا حسن بن صالح بن حي عن أبي إسحاق ، وكأنه ترك طريق أبي داود لأجل زهير ؛ فإنّ أبا محمد وأبا الحسن يضعفان حديثه ، وخرجه ابن شاهين من حديث حبان العنزي عن الأعمش عن أبي إسحاق عن الأسود . ولفظ أبي داود ، وخرجه من حديث زهير ، ثنا أبو إسحاق ، بلفظ : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغتسل ويصلي الركعتين صلاة الغداة ، ولا أراه يحدث وضوءا بعد الغسل . ولما خرجه أبو عبد الله من حديثه أيضا قال فيه : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وله شاهد على شرط مسلم ملخص مفسر ، ولم يشك فيه الراوي ، فذكر حديث شريك المتقدّم ، ثم قال : وله شاهد صحيح عن ابن عمر حدثناه عمر بن جعفر البصري ، ثنا محمد بن الحسين بن مكرم ، ثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، ثنا عبد الأعلى ، ثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الوضوء بعد الغسل ، فقال : وأي وضوء أفضل من الغسل ؟ . محمد بن بزيع ثقة ، وقد أوقفه غيره ، وفي الأوسط لأبي القاسم : ثنا أسلم بن سهل الواسطي ، ثنا سليمان بن أحمد ، نا الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن بشير ، عن أبان بن تغلب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من توضأ بعد الغسل فليس منا . وقال : لم يروه عن أبان إلا سعيد ، ولا عن سعيد إلا الوليد وروى ابن أبي شيبة عن علقمة ، وقيل له : إن فلانة توضأت بعد الغسل ، فقال : أما إنها لو كانت عندنا لم تفعل ذلك ، وأي وضوء أعم من الغسل . وروي نحوه عن جابر بن زيد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وحذيفة ، وإبراهيم ، وعبد الله بن مسعود . وأما ما روي عن علي : أنه كان يتوضأ بعد الغسل ، فمن طريق أبي البختري عنه ، ولم يسمع منه شيئا ، ولو ثبت كان محمولا عن انتقاض عارض ، كما حكي عن ابن عمر : أنه توضأ بعد الغسل ، فسئل ، فقال : خيل إلي أنه خرج من ذكري شيء ، فتوضأت لذلك ، أو يكون متعلقا بحديث قتادة عن عروة عن عائشة ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة . قال ابن شاهين : وهو حديث غريب صحيح ، ولقائل أن يقول : هذا محمول على الوضوء المسنون عند الاغتسال لا بعده ، كما في حديث ميمونة وغيرها . ويحتمل أنه منسوخ كما ذكره ابن شاهين ، ويحتمل أن يكون محمولا على أنه لا يجزئ الغسل فقط ، ولا ينوب عن الوضوء ، ويحمل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ليس منا ، أي : ليس مثلنا ، إلا أن يحدث بعد الغسل حادث ، يوجب الوضوء كما قدّمناه ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

113

44 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، أنا ابن جريج ، عن عبد الكريم أبي أمية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر قال : رآني رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبول قائما ، فقال : يا عمر لا تبل قائما ، فما بلت قائما بعد هذا . قال ابن حبان عند تخريج هذا الحديث في صحيحه ، عن أبي جابر زيد بن عبد العزيز ، نا إبراهيم بن إسماعيل الجوهري ، ثنا إبراهيم بن موسى الفراء ، ثنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن نافع ، قال - عليه السلام الحديث : أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمع من نافع هذا الخبر . انتهى . إذا شككت في اتصاله فلا تحكم بصحته ؛ لأنّ الاتصال شرط في الصحة ، واللّه أعلم . وحديث ابن ماجه يوضح ما شكّ فيه أبو حاتم ، وبذلك لم يصح ، وكذا ذكره الكرابيسي في كتاب المدلّسين . ولفظ البزار : رآني وأنا أبول قائما ، فقال : مه ! قال عمر : فما عدت لها بعد . وقال الترمذي : إنما رفع هذا الحديث عبد الكريم هو : عبد الكريم أبي أمية ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه أيوب السختياني ، وتكلّم فيه . وروى عبيد اللّه ، عن نافع ، عن ابن عمر قال عمر : ما بلت قائما منذ أسلمت ، وهذا أصح من حديث عبد الكريم ، وبنحوه قاله الكرابيسي . وفي قوله : ضعفه أيوب نظر ؛ وذلك أنّ المعروف من حاله أنّ أيوب رماه بالكذب . وقال أحمد : ليس بشيء ، ضربت على حديثه ، وهو شبه المتروك . وقال يحيى : ليس بشيء . وقال السعدي : غير ثقة . وقال ابن حبان : كثير الوهم فاحش الخطأ ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به . وقال النسائي والدارقطني : متروك الحديث . وقال أبو داود : لم يحدث مالك عن أحد أضعف من عبد الكريم . وقال الحربي : كان يتفقه ، ويرى الإرجاء ، وغيره أوثق منه . وفي تاريخ البخاري الأوسط : قال علي عن سفيان : لم أر مثل عبد الكريم ، إن شئت قلت عراقي ، إنّما يقول سمعت . وقال ابن أبي حاتم : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه . وقال أبي : ضعيف الحديث . وقال أبو زرعة : لين . وروى الأعمش ، عن زيد بن وهب : أنه رأى عمر بن الخطاب يبول قائما مخالفا لرواية الحجازيين ، كذا قاله ابن منده في كتاب التفرد .

114

45 - حدثنا يحيى بن الفضل ، ثنا أبو عامر عدي بن الفضل ، عن علي بن الحكم ، عن أبي نضرة ، عن جابر بن عبد اللّه قال : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الرجل أن يبول قائما . هذا حديث ضعيف ؛ لضعف راويه عدي بن الفضل أبي حاتم البصري مولى بني تميم ، قال فيه يحيى : ليس بشيء ، وسئل مرّة أخرى : يكتب حديثه ؟ قال : لا ، ولا كرامة . قال أبو حاتم الرازي والنسائي : متروك الحديث ، وسأل ابن أبي شيبة ابن المديني عنه ، فقال : كان ضعيفا . وقال ابن حبان : ظهرت المناكير في حديثه ، فبطل الاحتجاج بروايته ، وترك أبو زرعة حديثه . وقال : ليس بالقوي . وقال الدارقطني : متروك . وقال الآجري : سئل أبو داود عن عدي بن الفضل فقال : ضعيف ، وفي موضع آخر : لا يكتب حديثه . وأمّا قول الترمذي : وفي الباب عن عمر وبريدة ، قال : وحديث بريدة في هذا غير محفوظ - ففيه نظر من وجهين : الأول : إغفاله حديث جابر ، وحديث أبي موسى الأشعري المذكور في تاريخ واسط من حديث علي بن عاصم ، ثنا خالد الحذاء ، عن توبة العنبري أبي المورع ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول جالسا ، وقد جافى بين فخذيه ، حتى إنّي لأرثى له من طول الجلوس ، ثم قام قابضا على ثلاث وستين ، فقال : صب ، فصاحب بني إسرائيل كان في البول أشدّ منكم ، كان إذا أصاب جسده شيء من بوله براه . وحديث أبي هريرة : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبول الرجل قائما - ذكره أبو سعيد الحسن ابن الحسين النجيرمي المعدل في فوائده ، نا أبو وهب ، ثنا جعفر بن محمد النيسابوري ، نا عبد الله بن عمير ، نا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن علي عنه . الثاني : قوله في حديث بريدة : غير محفوظ ، ففيه نظر من وجهين ، وليس بصحيح ؛ لأن البزار رواه في مسنده من طريق صحيحة ، فقال : ثنا نصر بن علي ، نا عبد الله بن داود ، نا سعيد بن عبيد اللّه ، ثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه . وقال : لا أعلم رواه عن ابن بريدة إلَّا سعيد بن عبيد الله . قال الثَّقفي : معنى قول عائشة : ما بال - عليه السلام - قائما في منزله .

115

باب في البول قاعدا 43 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وسويد بن سعيد ، وإسماعيل بن موسى السدي ، قالوا : نا شريك ، عن المقدام بن شريح بن هانئ ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : من حدّثك أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بال قائما فلا تصدقه ، أنا رأيته يبول قاعدا . هذا حديث لما خرجه الترمذي ، قال فيه : هذا حديث أحسن شيء في الباب وأصح . وأبو حاتم بن حبان ذكره في صحيحه بلفظ : من حدثكم أنه كان يبول قائما . وكذلك أبو عوانة الإِسفرائيني ، وخرجه الحاكم في مستدركه من جهة عثمان بن سعيد الدارمي ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا سفيان ، عن المقدام ، ولفظه : ما بال - عليه السلام - قائمًا منذ أنزل عليه الفُرقان ، ومن حديث سعيد بن مسعود ، ثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا إسرائيل عن المقدام ، عن أبيه : سمعت عائشة تقسم باللّه ما رأى أحد النبي - عليه السلام - يبول قائما منذ أنزل عليه الفرقان . وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، والذي عندي أنهما لما اتفقا على حديث حذيفة : أتى سباطة قوم فبال قائما وجدا حديث عائشة معارضا له ، فتركاه ، واللّه أعلم . انتهى . وفيه نظر من حيث إنّ شأن المحدث النظر إلى الإِسناد وصحته والمتن وكونه محفوظا ، وأما التعارض فليس من شأنه ، ذاك من شأن الفقهاء ، ولئن سلمنا أن ذلك من شأنهم ، فلا تعارض بين الحديثين ؛ لأنّ عائشة - رضي اللّه عنها - أخبرت عمّا شاهدت من فعله - عليه السلام - في بيته ، والبيت ليس محلا للأعذار ، وللأعذار المذكورة قبل . وعلى رواية أبي عوانة يكون النفي ورد على صيغة الاستمرار في الأغلب ، وحديث حذيفة ليس فيه كان ، فلا يدل على مطلق الفعل ، فلا مخالفة ، واللّه أعلم . وفي قولها : أنا رأيته ، وهي لفظة تفرد بها شريك ، وزعم بعضهم أنها غير محفوظة ، ولئن كانت صحيحة فتكون على معنى الإخبار عن الحال المستمرة في رؤيتها وعلمها ، ولم تطلع على ما اطلع عليه غيرها ؛ ولهذا عللت مستند إنكارها برؤيتها ، ومع ذلك فهي نافية ، وغيرها مثبت ، وإذا تعارضا فالمثبت مقدم . ويؤيّده ما ذكره ابن ماجه ، عن سفيان الثوري : الرجل أعلم بهذا من المرأة ، وأيضا فحديث عائشة إنّما جاء من جهة المقدام عن أبيه ، وهما ليسا من شرط البخاري ؛ فلذلك أضرب عن ذكره ، فلو قال : على شرط مسلم ؛ لكان صوابا من قوله ، واللّه أعلم . وحديثه سالم من ابن بنت السدي الذي في هذا الباب ، وقد رمي بالغلو في التشيّع ، ومنهم من ضعّفه .

116

باب ما جاء في الغسل من الجنابة 79 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب مولى ابن عباس ، ثنا ابن عباس عن خالته ميمونة ، قالت : وضعت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غسلا ، فاغتسل من الجنابة ، فأكفأ الإناء بشماله على يمينه ، فغسل كفيه ثلاثا ، ثم أفاض على فرجه ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم تنحى ، فغسل رجليه . هذا حديث خرجه أصحاب الكتب الستة ، وفي لفظ للبخاري : ثم ضرب بشماله الأرض ، فدلكها دلكا شديدا ، ثم توضأ وضوءه للصلاة ، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ، ملء كفيه ، وفي آخره : ثم أتيته بالمنديل ، فرده . وفي رواية : وجعل يقول بالماء هكذا - ينفضه وفي لفظ : ثم غسل فرجه ، ثم قال بيده إلى الأرض فمسحهما بالتراب ثم غسلهما ، وفي لفظ : فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا ، وفي لفظ لمسلم : يغسل فرجه وما أصابه ، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض . وفي صحيح الإسماعيلي : مسح يده في الجدار ، وحين قضى غسله غسل رجليه . وفي لفظ : فلما فرغ من غسل فرجه دلك يده بالحائط ، ثم غسلهما ، فلما فرغ من غسلهما غسل قدميه ، وفي لفظ للبخاري : وضعت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غسلا ، فسترته بثوب . وفي لفظ : فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثا ، ثم غسل فرجه ، ثم ضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا ، وفي لفظ : ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ، وفيه : ثم غسل رأسه ثلاثا . وفي لفظ : فلما فرغ من غسله غسل رجليه ، لم يزِد . قال الإسماعيلي : قد بين زائدة أن قوله : من الجنابة ليس من قول ميمونة ، ولا عن ابن عباس ، وإنّما هو عن سالم ، وفي صحيح ابن خزيمة : ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه ، وفي لفظ : فأتي بمنديل ، فأبى أن يقبله ، وجعل ينفض الماء عنه . ولفظ أبي علي الطوسي في أحكامه ، وحكم عليه بالصحة : فأتيته بثوب ، فقال بيده هكذا ، وعند الدارقطني : ثم غسل سائر جسده بملء كفيه . وفي مسند الدارمي : فأعطيته ملحفة فأبى . ولما ذكر بعده حديث عائشة قال : هذا أحب إلي من حديث سالم - يعني : حديث ميمونة - وقد أشرنا إلى هذا قبل .

117

80 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا صدقة بن سعيد الحنفي ، ثنا جميع بن عمير التيمي ، قال : انطلقت مع عمتي وخالتي ، فدخلنا على عائشة ، فسألناها : كيف كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع عند غسله من الجنابة ؟ قالت : كان يفيض على كفّيه ثلاث مرات ، ثم يدخلها الإناء ، ثم يغسل رأسه ثلاث مرّات ، ثم يفيض على جسده ، ثم يقوم إلى الصلاة ، وأما نحن فإنا نغسل رءوسنا خمس مرات من أجل الضفر . هذا حديث رواه البيهقي في الكبير ، بلفظ : دخلت مع أمي وخالتي على عائشة ، فسألتها إحداهما : كيف كنتم تصنعون الحديث . ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي سكت عنه ، إلا أنّه أبرز من إسناده جميعا ، وذلك مشعر بصحته عنده ، وتتبع ذلك عليه ابن القطان ؛ لكونه طوى ذكر راويه عن جميع ، والله أعلم . فظهر من هذا أنّ سكوت أبي محمد عن ذكر صدقة كان صوابا ؛ لكونه ممن ذكره البستي في كتاب الثقات ، ولما ذكر ابن القطان من عدم ثبوت جرح مفسر فيه . وأمّا إبرازه جمعيا فليس لقائل أن يقول : إنما أبرزه لطعن فيه سبق ذكره أو ليكل الناظر فيه إلى علمه ؛ لأنه لم يتقدم له فيه ما يشعر بذلك كعادته في الحوالة أو يقول : كتبته حتى أنظره ، وأمّا كلام الدارقطني إذ سئل عن هذا الحديث : خالف الدقيقي العلاء بن صالح ، فرواه عن جميع بن عمير عن عائشة موقوفا . وحديث صدقة أشبه بالصواب ، فليس فيه تعرض للتصحيح وعدمه ، إنّما فيه ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى على ما فيهما ، وأظن المستغرب في هذا الحديث هو قولها : فأمّا نحن فنغسل رءوسنا خمس مرار من أجل الضفر ، لما ثبت في صحيح البخاري عنها أنها قالت : كنا إذا أصابت إحدانا جنابة أخذت بيدها ثلاثا فوق رأسها . وفي صحيح مسلم : وما أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات . وفي صحيح ابن خزيمة : ثلاث حثيات ، أو قال : ثلاث غرفات ، وفي الموطأ : إن مالكا بلغه أن عائشة سئلت عن غسل المرأة من الجنابة ، [ فقالت : لتحفن على رأسها ثلاث حفنات ] ، ولتضغث رأسها بيدها ، يعني : تضمه وتجمعه وتغمره بيدها ؛ ليدخله الماء ، وليس لقائل أن يقول : لعلّ الحديث الأوّل يكون محمولا على أنّ شعرها كان مضفورا ، والثاني : غير مضفور ، لما ذكره أبو عبد الرحمن النسائي عنها : فأفيض على رأسي ثلاث مرات ، وما أنقض لي شعرا ، وفي حديث جبير بن نفير عن ثوبان عند أبي داود : وأمّا المرأة فلا عليها أن لا تنقضه ، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها ، وزعم بعضهم أن هذا معارض لقوله عليه السلام لعائشة في حجة الوداع : انقضي رأسك ، وامتشطي ، وامسكي عن عمرتك ، وهو مخرج في الصحيح . وفي كتاب الأفراد لأبي الحسن من حديث مسلم بن صبيح عن حماد عن ثابت عن أنس ، قال - عليه السلام - : إذا اغتسلت المرأة من حيضتها نقضت شعرها نقضا ، وغسلته بخطمي وأشنان ، فإذا اغتسلت من الجنابة صبّت على رأسها الماء وعصرته ، وبه أخذ أهل الظاهر . وحديث جابر مرفوعا : في المرأة تغتسل من حيضة أو جنابة لا تنقض شعرها ، ذكره أبو محمد بن حزم ، وضعفه بابن حبيب وابن لهيعة ، وقد وقع لنا من غير حديثهما ، رواه ابن أبي داود عن أحمد بن حنبل ، ثنا أبو بكر الحنفي ، ثنا سفيان الثوري ، عن أبي الزبير عنه ، وهو سند صحيح ، وقد جاء في كيفية غسله صلى الله عليه وسلم أحاديث ؛ منها : حديث جابر : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأخذ ثلاثة أكف ، فيفيضها على رأسه ، ثم يفيض على سائر جسده . خرجاه في الصحيح من حديث أبي جعفر محمد بن علي عنه ، ورواه أبو سفيان عنه : أنّ وفد ثقيف سألوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالوا : إن أرضنا باردة ، فكيف نفعل بالغسل ؟ فقال : أمّا أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا . أنبأنا به المسند المعمر أبو زكريا المقدسي - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع : عن الفقيه بهاء الدين المقرئ ، أنبأتنا شهدة الإبرية ، قراءة عليها ، أنبأنا أبو منصور ، قراءة عليه ، أنبأنا الحافظ أبو بكر الخوارزمي ، ثنا الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ، ثنا طلحة بن أبي طلحة كتبت عنه وأنا صغير وهو مغموز عليه ، لم أخرج عليه فيما صنفت شيئا ، أنبأنا يحيى بن يحيى ، أنبأنا هشيم عن أبي بشر عن أبي سفيان به . وحديث جبير بن مطعم عند البخاري : أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا ، وأشار بيديه كلتيهما ، وخرجه مسلم ، ولم يذكر الإشارة . وقال ابن أبي حاتم في علله عن أبي زرعة : الصحيح موقوف . وفي مسند أحمد : فآخذ ملء كفي ثلاثا ، فأصب على رأسي ، ثم أفيض بعد على سائر جسدي . وحديث أبي هريرة عند أحمد : كان صلى الله عليه وسلم يصب بيده على رأسه ثلاثا . وحديث ثوبان عند أبي داود : أما الرجل فلينشر رأسه ، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر . وحديث ابن عباس أنه : كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار ، ثم يغسل فرجه ، فنسي مرة . قال شعبة مولاه : فسألني : كم أفرغت ؟ قلت : لا أدري ، قال : لا أم لك ، وما يمنعك أن تدري ؟ ثم توضأ وضوءه للصلاة ، ثم يفيض على جلده الماء ، ثم يقول : هكذا كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتطهر . رواه أبو داود من حديث شعبة ، وفيه كلام ، وخرج أيضا حديث ابن عصم عن ابن عمر : كانت الصلاة خمسين ، والغسل من الجنابة سبع مرار ، وغسل البول من الثوب سبع مرار ، فلم يزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا ، والغسل من الجنابة مرة ، وغسل البول من الثوب مرة وقال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن ابن عمر إلا ابن عصم ، تفرد به أيوب . وحديث عائشة : كان صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ ، فيغسل يديه ، ثم يفرغ بيمينه على شماله ، فيغسل فرجه ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء ، فيدخل أصابعه في أصول الشعر ، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه حفنات ، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم غسل رجليه . رواه في الصحيح ، وفي لفظ : دعا بشيء مثل الحلاب ، زاد البزار من حديث الطفاوي عن أيوب عن هشام عن أبيه عنها : كان يخلل رأسه مرتين في غسل الجنابة . وفي سنن أبي داود من حديث رجل من سواءة عنها : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يغسل رأسه بالخطمي ، وهو جنب يجتزئ بذلك ، ولا يصب عليه الماء . وفي لفظ : حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة - أو أنقى البشرة - أفرغ على رأسه ثلاثا ، وإذا فضلت فضلة صبها عليه . وفي أحكام الطوسي ، وصححه : ثم يشرب شعره الماء ، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات . وفي لفظ : ثم غسل مرافقه ، وأفاض عليه الماء ، وإذا أنقاهما أهوى إلى حائط ، ثم يستقبل الوضوء ، ثم يفيض الماء على رأسه . وفي لفظ : قالت عائشة : إن شئتم لأريتكم أثر يد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة . وفي الأوسط لأبي القاسم : ثنا إبراهيم بن أحمد ، ثنا أبي ، ثنا مؤمل بن إسماعيل ، ثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، وعلي بن زيد عن أبي سلمة عنها : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان إذا اغتسل من جنابة غسل كفيه ثلاثا ، ووصفت المضمضة والاستنشاق ، وغسل الوجه والذراعين ثلاثا ثلاثا ، ثم يصب الماء على رأسه واحدا واحدا ، فإذا فرغ من مغتسله غسل يديه . قال : لم يروه عن حماد عن عطاء عن أبي عبد الرحمن إلا مؤمل . وحديث عمر مرفوعا : تفرغ بيمينك على شمالك ، ثم تدخل يدك في الإناء ، فتغسل فرجك وما أصابك ، ثم توضأ وضوءك للصلاة ، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات ، تدلك رأسك كل مرّة . ذكره الطبراني في الأوسط مطولا من حديث أبي إسحاق عن عاصم بن عمرو عن عمير مولى عمر عنه . غريبه : قال أبو زيد الأنصاري : الغسل بالفتح : الاسم ، وبالضم : اسم الماء ، وقيل : فيهما معا اسم الفعل ، وهو قول ابن قريب . وفي الجمهرة : الغسل : مصدر غسلت الشيء أغسله غسلا ، والغُسل : الاسم ، والغِسل : ما غسلت به رأسك ، وبنحوه قاله في الصحاح والجامع ، وفي المغيث : المُغتَسل ، والغَسُول : اسم الماء الذي يغتسل به ، والمغتسل : مصدر اغتسل ؛ لأنّ مصدر افتعل مفتعل ، فيحتمل أن يكون إنّما سُمِّي بالمصدر ، والمغتسل : الموضع الذي يغتسل فيه ، وفي الصحيح : وضعت له غسلا من الجنابة ، بضم الغين ، وهو الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل .

118

باب في المجرُوح تصيبه الجنابة ، فيخاف على نفسه إن اغتسل 78 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين ، ثنا الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح ، سمعت ابن عباس يخبر أن رجلا أصابه جرح في رأسه على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم أصابه احتلام ، فأمر بالاغتسال ، فاغتسل فكز فمات ، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : قتلوه ، قتلهم الله ، أولم يكن شفاء العي السؤال . قال عطاء : وبلغنا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجراح . هذا حديث خرجه أبو داود ، فبين أنه منقطع عن نصر بن عاصم ، ثنا محمد بن شعيب ، أنبأنا الأوزاعي ، أنه بلغه عن عطاء ، أنه سمع ابن عباس به . وقال عبد الرحمن : سألت أبي وأبا زرعة عنه ، فقالا : رواه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء ، وأفسد الحديث . وخرجه أبو الحسن عن الفارسي ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا الأوزاعي عن رجل عن عطاء . وقال عبد الحق : ولا يروى من وجه قوي ، وسيأتي خلاف قوله ، وأما قول الحافظ المنذري أخرجه - يعني : أبا داود - منقطعا ، وابن ماجه موصولا ، فلم يصنع شيئا ، كلاهما منقطع ، لكن أحدهما قال : بلغه ، والآخر قال : عن ، فلو كان في ابن ماجه تحديث أو شبهه كما سنذكره بعد ، لساغ له قوله ، والله تعالى يغفر له ، لكن المتصل ما ذكره الحافظان أبو بكر بن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما ، وابن الجارود في منتقاه من حديث الذهلي ، ثنا عمر بن حفص بن غياث ، ثنا أبي ، أخبرني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح ، أن عطاء حدثه عن ابن عباس ، بلفظ : قتلهم الله ثلاثا ، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورا . قال : شكّ ابن عباس ، ثم أثبته بعد ، قال أبو بكر : ثنا يوسف بن موسى ، ثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رفعه في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ، قال : إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله ، أو القروح أو الجدري ، فيجنب ، فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم . وخرجه ابن الجارود أيضا ، وفي ذلك نظر ؛ لما ذكره أبو أحمد ، من أنّ جريرا سمع من عطاء بعد الاختلاط ، ولما خرج أبو عبد الله في مستدركه حديث الوليد ، قال : هذا حديث صحيح ، فإن الوليد بن عبيد الله هذا ابن أخي عطاء بن أبي رباح ، وهو قليل الحديث جدا ، وقد رواه الأوزاعي عن عطاء وخرج بعد ، وله شاهد آخر عن ابن عباس ، فذكر الحديث الذي أسلفناه من عند ابن خزيمة ، ثم ذكر حديث محمد بن يعقوب ، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي ، ثنا بشر بن بكر ، حدثني الأوزاعي ، ثنا عطاء ، فذكره ، قال : بشر بن بكر ثقة مأمون ، وقد أقام إسناده ، وهو صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وحدثناه أبو العباس ، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد ، أنبأنا أبي ، سمعت يقول : بلغني عن عطاء ، ورواه أيضا الهقل بن زياد ، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي ، فلم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء ، إنّما قال : قال عطاء عن ابن عباس ، ورواه أيضا محمد بن كثير المصيصي ، فقال : ثنا الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح ، أنبأنا بذلك الإمام ضياء الدين موسى القطبي - رحمه الله تعالى أنبأنا عبد اللطيف البغدادي ، قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا الشيخان اللبان والجمال ، أنبأنا أبو علي ، أنبأنا الحافظ أبو نعيم ، ثنا محمد بن أحمد بن علي ، ثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي ، ثنا محمد بن كثير ، فذكره ، وقال : هذا حديث غريب ، لا تحفظ هذه اللفظة - يعني : ألم يكن شفاء العي السؤال - عن أحد من الصحابة إلا من حديث ابن عباس ، ولا عنه إلا من رواية عطاء ، حدث به الوليد بن مسلم والأعلام عن الأوزاعي ، وقال ابن عساكر : ورواه أيوب بن سويد عن الأوزاعي كرواية ابن أبي العشرين ، ولما خرّج البيهقي حديث الوليد قال : هذا حديث موصول ، وتمام هذه القصة في الحديث الذي أرسله الأوزاعي عن عطاء . ومن أوجب الجمع بينهما يقول : لا تنافي بين الروايتين ، إلا أنّ إحداهما مرسلة ، وبنحوه ذكره قاسم في الدلائل ، فكأن أبا عبد الله لم يعد هذا علّة ؛ إذ صحت له طريقه ، فكأنه يقول : سمعه أولا عنه ، ثم سمعه عن آخر عنه ، ورواه أيضا في تاريخ نيسابور بإسناد ضعيف عن أبي الفضل المسلمي ، ثنا محمد بن حاتم بن يونس ، ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن الأشعث ، ثنا بشر بن يحيى من ثقات أصحاب عبد الله ، ثنا أبو عصمة عن إبراهيم الصائغ عن عطاء عن ابن عباس ، ورواه أيضا عن عطاء عن جابر بن عبد الله ، قال : خرجنا في سفر ، فأصاب رجل معنا حجر ، فشجّه في رأسه ، فاحتلم ، فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة ، وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات . فلما قدمنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر بذلك ، فقال : قتلوه ، قتلهم الله ، ألا سألوا إذ لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ، ويعصر - أو يعصب ، شك الراوي - على جرحه خرقة ، ثم يمسح عليها ، ويغسل سائر جسده . رواه أبو داود من جهة الزبير بن خريق ، وقال أبو بكر بن أبي داود : هذه سنة تفرد بها أهل مكة ، وحملها أهل الجزيرة ، ولم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير ، وليس بالقوي ، وخالفه الأوزاعي ، فرواه عن عطاء عن ابن عباس ، واختلف عن الأوزاعي ، فقيل : عنه عن عطاء ، وقيل : عنه بلغني عن عطاء ، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو الصواب . وقال البيهقي في الخلافيات : هذا إسناد مختلف فيه ، وصحّ عن ابن عمر ، أنّه : كان يمسح على العصابة . وقال في السنن الكبير : هذه رواية موصولة . وفي مسند الدارمي : قال عطاء : وبلغني أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل بعد ذلك ؟ فقال : لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجروح . وقال عبد الحق : لم يروه عن عطاء غيره ، وليس بالقوي ، ورواه الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس ، واختلف على الأوزاعي ، ولا يروى الحديث من وجه قوي ، وتتبع ذلك عليه أبو الحسن بقوله : هكذا ساقه في التيمم ، وهذا لا يحتمل إلا أنّ التيمم في حق المريض من رواية ابن عباس أيضا ، كما هو من رواية جابر ، وذلك باطل ، وإنّما اعتراه هذا من كتاب الدارقطني الذي نقله منه ؛ فإنّه أجمل القول كما ذكر ، ثم فسره بإيراد الأحاديث ، فتخلص ، فكتب أبو محمد الإجمال ، ولم يكتب التفسير ، فوقع الخطأ . وحديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم ، ولا يعرف ذكر التيمم فيها إلا من رواية ابن خريق ، كما تقدّم أو من رواية أبي سعيد الخدري بإسناد بالغ إلى الغاية في الضعف ، رواه ابن عدي عن محمد بن الحسن بن موسى الكوفي بمصر ، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن حماد ، ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد عن عمرو بن شمر عمرو بن أنس عن عطية عن أبي سعيد ، قال : أجنب رجل مريض في يوم بارد على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فغسله أصحابه فمات ، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : ما لهم قتلوه ، قتلهم الله ، إنما كان يجزئ من ذلك التيمم انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث زعمه أنّ حديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم ؛ لما أسلفناه قبل من كتاب ابن حبان وابن خزيمة ، ولما في كتاب العلل لعبد الرحمن : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : المجدور أو المريض إذا خاف على نفسه تيمم ، قال أبو زرعة : ورواه جرير أيضا ؛ فقال : عن عطاء به مرفوعا في المجدور وهو خطأ ، أخطأ فيه علي بن عاصم ، ورواه أبو عوانة وورقاء وغيرهما عن عطاء بن السائب عن سعيد عن ابن عباس موقوفا ، وهو الصحيح ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث إغفاله أيضا على متابعة جرير ، وإن كان سماعه منه بأخرة فلابدّ من ذكره بهذين الأمرين أو بأحدهما ، وفي كتاب الدارقطني : ثنا بدر بن الهيثم ، ثنا أبو سعيد الأشج ، ثنا عبدة بن سليمان عن عاصم الأحول عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس ، قال : رخص للمريض التيمم بالصعيد ، فهذا كما ترى في كتاب الدارقطني الذي زعم أنّه بخصوصه ليس فيه ذكر التيمم في حديث ابن عباس ، اللّهم إلا أن يحمل كلامه على المرفوع ، فيجاب بأمرين : الأول : قوله رخص - بضم الراء - غالبا ، إنما يعزى لسيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كقوله : أمر بلال ؛ لأنه ليس لأحد أن يسن أو يرخص غيره ، وعلى تقدير المشاححة في هذه اللفظة ، فيقال له : قد قال أبو الحسن بعده : رواه علي بن عاصم عن عطاء ، فرفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فما اعتذارك عن هذا يا أبا الحسن ، وأظن الموقع له في هذا عدم رؤيته إيّاه في سننه ، وليس بين الموضعين إلا يسير ، وقد وقع لنا حديث عبد الحميد متصلا ، فقال : ثنا الأوزاعي ، ثنا عطاء بن أبي رباح ، قال : سمعت ابن عباس ، فذكره ، ذكره أبو عمر في جامع بيان العلم ، والله أعلم . وأمّا تيمم الجنب ففيه أحاديث منها : حديث عمران بن حصين : رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا معتزلا لم يصل مع القوم ، قال : ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟ قال : أصابتني جنابة ولا ماء ؟ قال : عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك . خرجاه في كتابيهما . وحديث أبي ذر : كانت تصيبني الجنابة - يعني : وهو بالبربذة - فأمكث الخمس والست ، فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : أبو ذر ؟ ، فسكت ، فقال : ثكلتك أمك أبا ذر ، فدعا لي بجارية سوداء ، وفيه : الصعيد الطيب وضوء المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين . خرجه أبو عيسى ، وقال : حسن صحيح ، وخرجه البستي في صحيحه من حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان ، سمعت أبا ذر به ، ثم قال : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أنّ هذا الخبر تفرد به خالد ، فذكر حديث الثوري عن أيوب وخالد به ، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه قال : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ؛ إذ لم نجد لعمرو راويا غير أبي قلابة ، وهذا مما شرطت فيه ، وثبت أنهما قد أخرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين ، ولما ذكره الجوزقاني قال : هذا حديث صحيح ، ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال : الذي تفرد به من هذا الحديث : أنه رخص أن يصيب أهله ، ورواه حماد بن زيد فلم يذكر أبوالها ، ولما ذكره الإشبيلي أتبعه قول الترمذي فيه : حسن ، وتتبع ذلك عليه أبو الحسن بقوله : فهو عنده غير صحيح ، ولم يبين لم لا يصح ؛ وذلك لأنه لا يعرف لابن بجدان هذا حال ، وإنما روى عنه أبو قلابة ، واختلف عنه فخالد الحذاء يقول : عن عمرو بن بجدان ، ولا يختلف عن خالد في ذلك ، فأما أيوب ؛ فإنّه رواه عن أبي قلابة ، فاختلف عليه ، فمنهم من يقول فيه : عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر . ومنهم من يقول : عن رجل فقط . ومنهم من يقول : عن رجاء بن عامر . ومنهم من يقول: عن عمرو بن بجدان ، كقول خالد . ومنهم من يقول : عن أبي المهلب . ومنهم من لا يجعل بينهما أحدا ، فيجعله عن أبي قلابة عن أبي ذر . ومنهم من يقول : عن أبي قلابة أنّ رجلا من بني قشير قال : يا نبي الله ، وهو حديث ضعيف ، لا شك فيه ؛ لأنّه لابد فيه من عمرو بن بجدان ، ولهذا المعنى إسناد صحيح من رواية أبي هريرة ، قال صلى الله عليه وسلم : الصعيد وضوء المؤمن ، وإن لم يجد الماء عشر سنين . رواه البزار عن مقدم بن محمد ، ثنا عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم ، ثنا هشام بن حسان عن ابن سيرين عنه ، انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : تقريره قول أبي محمد عن الترمذي : حسن ، والذي رأيت في عدّة من نسخه : حسن صحيح ، كما قدمته أولا ، وكذا ذكره ابن عساكر في الأطراف ، والشيخان ضياء الديّن المقدسي في أحكامه والمنذري في مختصره . الثاني : الثالث : ما ذكره من الاختلاف في اسمه ، ونسبه كلّه يرجع إلى شيء واحد - والله أعلم وفيه أيضا خلاف لم يذكره ، وهو عمرو بن محجن - أو محجن - وقيل : عن محجن أو أبي محجن ، فيما ذكره الخطيب في كتاب الفصل للوصل . وأما من قال : عن أبي المهلب ، فجوابه لو كان صحيحا لكان الآتي به هو مُوسى بن خلف أبو خلف العمي القائل فيه أبو حاتم : كثرت روايته للمناكير ، فاستحق الترك ، ولما روى أبو القاسم حديث مقدم في الأوسط ، قال : لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا هشام ، ولا عن هشام إلا القاسم بن يحيى - تفرد به مقدم - وحديث حكيم بن معاوية عن عمه ، أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إنّي أعزب عن الماء ، ومعي أهلي ، أفأصيب منهم ؟ قال : نعم ، قال : إني أغيب شهرا ؟ قال : وإن مكثت ثلاث سنين . ذكره البرقي في تاريخه من جهة بقية ، ثنا سعيد بن بشير ، ثنا قتادة عن معاوية بن حكيم أو حكيم بن معاوية عن عمه . ورواه الوليد عن سعيد ، فقال : عن معاوية بن حكيم ، ولم يشكّ ، وعمه عبد الله بن سعد ، ولما ذكره البيهقي في السنن الكبير من حديث معاوية بن حكيم ، قال : يقال : عمه حكيم بن معاوية النميري . وحديث زيد بن أبي أنيسة : أنّ رجلا أجنب فغسل فمات ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لو يمموه ، قتلهم الله ! . قال النعمان : فحدثت به الزهري ، فرأيته بعد يرويه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : من حدثك ؟ فقال : أنت حدثتني ، عمن حدثك ؟ قلت : عن رجل من أهل الكوفة ، قال : أفسدته ، في حديث الكوفة دغل كثير ، ذكره البخاري في الأوسط . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، الرجل يغيب لا يقدر على الماء ، أيجامع أهله ؟ قال : نعم . رواه الإمام أحمد من حديث ابن أرطاة ، وفي السنن لأبي داود من حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت أن أغتسل فأهلك فتيممت ، ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ، وقلت : إنِّي سمعت الله تعالى يقول : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا قال : فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يقل شيئا . رواه عن ابن مثنى ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنيس عن عبد الرحمن بن جبير ، ثم قال : ابن جبير هذا مصري مولى خارجة بن حذافة ، وليس هو ابن جبير بن نفير . ثنا محمد بن سلمة ، ثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد عن عمران عن ابن جبير عن أبي قيس مولى عمر : أن عمرا كان على سرية ، وذكر الحديث نحوه ، قال : فغسل مغابنه ، وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم ، فذكر نحوه ، ولم يذكر التيمم . قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية ، قال فيه : فتيمم ، وبنحوه ذكره في كتاب التفرد . ولما ذكره أبو عبد الله من حديث أبي قيس ، بلفظ : إنّ عمرا كان على سرية ، وإنهم أصابهم برد شديد لم ير مثله ، فخرج لصلاة الصبح ، فقال : والله لقد احتلمت البارحة ، ولكني والله ما رأيت بردا مثل هذا ، هل مر على وجوهكم مثله ؟ قالوا : لا ، فغسل مغابنه ، وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم ، فلما قدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل : كيف وجدتم عمرا وصحابته ؟ فأثنوا عليه خيرا ، وقالوا : يا رسول الله ، صلى بنا وهو جنب ، فأرسل إلى عمرو ، فسأله ، فأخبره بذلك ، وبالذي لقي من البرد ، فقال : يا رسول الله ، إن الله قال : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ولو اغتسلت مت ، فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عمرو . وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، والذي عندي أنهما عللاه بحديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب ، ثم ذكر الحديث المتقدّم ، وقال : حديث جرير لا يعلّل حديث عمرو الذي فيه ذكر أبي قيس ؛ فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة . ولما ذكره البيهقي قال : يحتمل أن يكون عمرو فعل ما قيل في الروايتين جميعا : غسل ما قدر على غسله ، وتيمم للباقي . وقال أبو طالب : سألت الإمام أحمد عن الجنب يؤم المتوضئين ؟ قال : نعم ، قد أم ابن عباس - يعني : أصحابه - وهو جنب فتيمم ، وعمرو بن العاص صلى بأصحابه وهو جنب ، فأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتبسم . قلت : حسان بن عطية سمع من عمرو ؟ قال : لا ، ولكن يقوى بحديث ابن عباس ، وقال : نقل عنه أنه ذكر ما روي عن عمرو ، فقال : ليس بمتصل الإسناد ، قال : وذكرت له عن علي : لا يؤم المتيمم المتوضئين فلم يعرفه ، انتهى . إنّما أنكره ؛ لأنه من رواية الحارث عنه فيما ذكره البيهقي . ولما ذكره عبد الحق الإشبيلي - رحمه الله تعالى - في الأحكام الكبير ، قال : هذا الإسناد أعلى من الأول ، عمرو بن الحارث لا يقاس بيحيى بن أيوب ، وعبد الرحمن بن جبير المصري أدرك عمرو بن العاص ، وعمران بن أبي أنس ثقة مشهور . وأمّا قول أبي الحسن بن القطان : وزاد - يعني : الإشبيلي - فيه لفظا آخر من رواية عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبي قيس مولى عمرو عن عمرو ، ثم قال : هذا أوصل من الأوّل . كأنه يفهم أنّ الأول أيضا موصول ، وليس كذلك ؛ بل معنى قوله : أوصل : أنّ هذا متصل دون الأوّل ، فإنه منقطع ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث إن عبد الحق لم يقل : جبير بن نفير كما قاله عنه ، ونص ما عنده : هذا أوصل من الأول ؛ لأنه عبد الرحمن بن جبير المصري عن أبي قيس وأبي يسوغ لأبي محمد هذا القول ، ومن عند أبي داود نقل الحديث ، وأبو داود قد نص على أنه ليس بابن جبير بن نفير ، ولكن قوله هذا يتجه على ما ذكره في الكبرى من أنه أدرك عمرا ، فصار بهذا موصولا أيضا ، فينازع في الاتصال ، وأصله في تعليق البخاري ، بلفظ : أنه أجنب في ليلة باردة فتيمم ، وتلا قوله تعالى : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ، فذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يعنّفه . ووقع في أنساب بني سهم : أصابني جنابة وأنا مريض شديد المرض ، فتخوفت إن اغتسلت أن أقتل نفسي ، الحديث . وحديث أبي هريرة المتقدم ، وقد تقدّم . وحديث طارق بن شهاب قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، إني أجنبت فلم أصل ، قال : أحسنت ، وجاءه آخر ، فقال : إني أجنبت فتيممت وصليت ، قال : أصبت . ذكره أبو محمد الأموي ، وصححه بعد شهادته لطارق بصحبة صحيحة ، وفي سنن البيهقي : وأمّا فعل ابن عمر قال البيهقي : محمول على الاستحباب ، وحديث جابر مرفوعا : لا يؤم المتيمم المتوضئين : إسناده ضعيف فيما قاله الدارقطني . وحديث الزهري عن سعيد عن عمر بن الخطاب قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يؤم المتيمم المتوضئين . ذكره ابن شاهين ، وذكر بعده حديث عمرو بن العاص ، ثم قال : يحتمل أن يكون هذا الحديث ناسخا للأول ، وهذا الحديث أجود إسنادا من حديث الزهري ، فإن صحّ فيحتمل أن يكون النهي في ذلك لضرورة وقعت مع وجود الماء ، فإن قال قائل : فيجوز أن يكون هذا رخصة لعمرو ؛ إذ لم ينهه ولم يأمره بالإعادة ، قيل : لو كان رخصة له دون غيره لم يقل له : أحسنت ، وضحك في وجهه ، ولقال له كما قال لأبي بردة بن نيار وغيره ، والله أعلم . وأمّا إذا تيمم الرجل وصلّى ، ثم وجد الماء ، ففيه حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد ، قال : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس معهما ماء ، فتيمما صعيدا طيبا فصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، وأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ، ولم يعد الآخر ، ثم أتيا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكرا ذلك له ، فقال للذي لم يعد : أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك ، وقال للذي توضأ وأعاد : لك الأجر مرتين . ذكره أبو عبد الله في مستدركه من حديث ابن نافع عن الليث عن بكر عنه ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، قال ابن نافع : ثقة . وقد وصل هذا الإسناد عن الليث ، وقد أرسله غيره ، أنبأناه أبو بكر بن إسحاق ، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ، ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث بن سعد ، عن عميرة بن أبي ناجية ، عن بكر بن سوادة ، عن عطاء بن يسار ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنحوه ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما ذكره أبو داود من أنّ ذكر أبي سعيد في هذا الحديث وهم ، وليس محفوظ ، وهو مرسل ، ثنا القعنبي ، ثنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد عن عطاء بن يسار أنّ رجلين من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمعناه ، وقال الطبراني في الأوسط : ورواه من حديث الليث عن بكر بن سوادة عن عطاء عن أبي سعيد ، قال : لم يروه عن الليث متصلا إلا عبد الله بن نافع ، تفرد به المسيبي . وقال الدارقطني : تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلا ، وخالفه ابن المبارك وغيره ، فلم يذكروا أبا سعيد . وعاب أبو الحسن على الإشبيلي كونه رماه بالإرسال ، وأغفل كونه منقطعا فيما بين الليث وبكر ، قال : قلت : هو قد منع به مرسلا ، والمرسل متصل إلى عطاء بزيادة عميرة ، فلعله الذي أورد ، وإيّاه قصد ، فالجواب أن نقول : هو إذن قد ترك أن يبيّن أنه مرسل في إسناده رجل مجهول ، وذلك أنّ عميرة بن أبي ناجية مجهول الحال ، فإذ لم يبيِّن ذلك فقد أوهم أنه لا عيب له إلا الإرسال ، والأظهر أنه لم يرد شيئا من ذلك ، ولا اعتقد فيه إلا أنه إذا سقط منه ذكر أبي سعيد - يعني : من رواية الليث - عن بكر عن عطاء مرسلا ، على نحو ما رواه ابن المبارك عن الليث ، ذكر روايته الدارقطني ، فقال : ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا عبد الرزاق عن ابن المبارك عن ليث عن بكر عن عطاء : أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما نحوه ، وإذا كان هذا هو الذي اعتقد ، فلم يعتمد إلا منقطعا فيما بين ليث وبكر ، ولكنه لم يبيّنه ، ولا أيضا تبين له على نحو ينفعه ؛ فإنّ المنقطع الذي اعتمد إنما وصّله أبو داود عن رجل مجهول وهو عميرة ، وأقول بعد هذا : إنّه قد جاء من رواية أبي الوليد الطيالسي ، ثنا الليث عن عمرو بن الحارث وعميرة عن بكر عن عطاء عن أبي سعيد ، ذكره أبو علي بن السكن ، فقال : ثنا أبو بكر الواسطي ، ثنا عباس بن محمد ، ثنا أبو الوليد فذكره . وأمّا الانقطاع الذي زاده ابن لهيعة فيما بين بكر وعطاء فلا يلتفت إليه ؛ لضعف ابن لهيعة ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث عصبه الجناية برأس عميرة ، وأظنّه أبا عذرة هذا القول ، وليس كما زعم ، فإنه ممن قال فيه الحافظ أبو سعيد بن يونس : هو مولى حجر من بني رعين ، ثم لبني بدر يكنى أبا يحيى ، وكان ناسكا متعبدا ، يقال : إن أباه أبا ناجية كان روميا ، يدعى حريثا ، روى عنه عبد الرحمن بن شريح ، وحيوة بن شريح ، والليث ، وبكر بن مضر ، ويحيى بن أيوب ، ورشدين بن سعد ، وعبد الله بن وهب ، قال ابن وزير : توفي سنة ثلاثٍ وخمسين ومائة ببحر منصرفا من الحج ، وكانت له عبادة وفضل ، وقال أحمد بن وزير : سمعت ابن وهب يقول : كان عميرة من العباد ، وكان بمنزلة النائحة إذا قرأ يبكي ، وإذا سجد يبكي ، وإذا سكت عن القراءة وفرغ من الصلاة جلس يبكي ، وكان يزيد بن حاتم الأمير يسأل عنه ، فيقول : ما فعلت الثكلى ؟ وقال أبو نصر بن ماكولا : روى عن يزيد بن أبي حبيب ، وأبي الأسود ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وقال النسائي : وابن بكير كان ثقة . وقال المحالي عن أحمد بن محمد بن رشدين : سمعت أحمد بن صالح ، وسئل عن عميرة وأبي شريح ، فقال : هما متقاربان في الفضل . وذكره البستي في كتاب الثقات ، وقال : توفي سنة إحدى وخمسين ، وكذلك ذكره ابن نافع . وأمّا التيمم لردّ السلام ، ففيه : حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة ، قال : أقبل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نحو بئر جمل ، فلقيه رجل فسلّم عليه ، فلم يرد عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أقبل على الجدار ، فمسح وجهه ويديه ، ثم ردّ عليه السلام . أنبأنا به المسند المعمر أبو الحسن بن الصلاح - رحمه الله أنبأنا العلامة أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكري ، وأبو عبد الله المرسي ، قالا : أنبأنا المؤيد الطوسي ، أنبأنا الفراوي ، أنبأنا الفارسي ، أنبأنا أبو أحمد بن عمرويه ، ثنا أبو إسحاق بن سفيان ، سمعت أبا الحسين القشيري ، قال : وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس ، أنه سمعه يقول : أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حتى دخلنا على أبي الجهيم ، فقال الحديث . كذا ذكره مسلم بن الحجاج في صحيحه مقطوعا ، وفيه مع ذلك وهم : وهو قوله : عبد الرحمن بن يسار ، وقد ذكره أبو عبد الله في صحيحه متصلا سالما من هذا الوهم ، أنبأنا بذلك مسند وقته الشيخ أبو العباس الصالحي - رحمه الله - أنبأنا ابن الزبيدي ، أنبأنا أبو الوقت ، أنبأنا الداودي ، أنبأنا السرخسي ، أنبأنا الفربري ، أنبأنا محمد بن إسماعيل - رحمه الله ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج ، قال : سمعت عميرا مولى ابن عباس قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبي جهيم ، فذكره ورواه أبو داود وأبو عبد الرحمن من رواية شعيب بن الليث عن أبيه ، فثبت اتصاله وصح الاحتجاج به ، ووقع في هذا الحديث زيادة حسنة ، أنبأنا بها المسند المعمر علي بن موسى الحجازي ، أنبأنا شيخ الإسلام شمس الدين الخرقي ، قراءة عليه في شهور سنة تسع وستين وستمائة ، أنبأنا الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد المروروذي ، أنبأنا شيخ الإسلام أبو محمد النيهي ، أنبأنا الحافظ أبو محمد الحسين بن مسعود ، أنبأنا عبد الوهاب بن محمد الكناني ، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، قال البغوي : وأنبأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنبأنا أبو بكر الحيري ، ثنا الأصم ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشّافعي ، أنبأنا إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن الصمة ، قال : مررت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يبول ، فسلمت عليه ، فلم يردّ علي حتى قام إلى جدار ، فحته بعصا كانت معه ، ثم وضع يده على الجدار ، فمسح وجهه وذارعيه ، ثم ردّ علي . قال : هذا حديث حسن ، وفيه فوائد منها : وجوب مسح اليدين إلى المرفقين ، ومنها : أنّ التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب ؛ لأنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حت الجدار بالعصا ، ولو كان مجرد الضرب كافيا لكان لا يحته . وحديث أبي هريرة تقدّم ذكره من عند ابن ماجه ، وحديث عبد الله بن عمر تقدم أيضا . وحديث عبد الله بن حنظلة بن الراهب : أن رجلا سلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد بال ، فلم يرد عليه ، حتى قال بيده إلى الحائط - يعني : أنه تيمم رواه أحمد في مسنده ، وفي طريقه رجل لم يسم . وحديث سليمان بن يسار أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذهب إلى بئر جمل لحاجته ، ثم أقبل ، فسلم عليه رجل ، فلم يرد عليه حتى مسح يديه بجدار ، ثم رد عليه السلام . ذكره أبو بكر في كتاب المعرفة . وأما التيمم بالسباخ ففيه : حديث عائشة : قال صلى الله عليه وسلم : قد أريت هجرتكم ، أريت سبخة ذات نخل ، الحديث ، خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، وقال فيه : إن التيمم بالسباخ جائز ، وأما التيمم للجنازة ففيه حديث رواه ابن عدي من جهة مغيرة بن زياد عن عطاء عن ابن عباس : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا فجأتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم . قال ابن عدي : هذا غير محفوظ ، وإنما هو موقوف عن ابن عباس . وفي كتاب العلل لعبد الله بن أحمد : وروى الليث عن نافع عن ابن عمر ، أنه قال : لا يصلي على الجنازة إلا وهو طاهر . قال البيهقي : وكذلك رواه مالك عن نافع . والذي روي عنه في التيمم لصلاة الجنازة يحتمل أن يكون في السفر عند عدم الماء ، وفي إِسناد حديث ابن عمر في التيمم ضعف ، وأما التيمم لكل فريضة فقد صح عن ابن عمر ، وروي عن علي وعمرو بن العاص وابن عباس فيما قاله البيهقي ، واستدل على حد طلب الماء بحديث ابن عمر : أنه تيمم بمربد النعم وصلى ، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال ، وبحديثه أيضا : أنه كان يكون في السفر ، فتحضره الصلاة ، والماء منه على غلوة أو غلوتين ، ونحو ذلك ، ثم لا يعدل إليه ، وسئل ابن المسيب عن راع في غنمه أو راع تصيبه الجنابة ، وبينه وبين الماء ميلان أو ثلاثة ، قال : يتيمم صعيدا طيبا . وعن علي : اطلب الماء حتى يكون آخر الوقت ، فإذا لم تجد ماء تيمم ، ثم صل . قال أبو بكر : وهذا لم يصح عن علي ، وبالثابت عن ابن عمر نقول ، ومعه طاهر القرآن ، والله تعالى أعلم .

119

77 - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم وثنا أبو إسحاق الهروي ، ثنا إسماعيل بن جعفر ، جميعا عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا . هذا حديث خرجه مسلم بلفظ : فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلّت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون . ورواه الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ، قال : ثم جلست إلى سفيان ، فذكر هذا الحديث ، فقال الزهري : عن أبي سلمة - أو سعيد - عن أبي هريرة ، ولفظ ابن الجارود ، وخرجه من حديث أنس بن مالك : جعلت لي من كل أرض طيبة مسجدا وطهورا ، فرواه عن محمد بن يحيى ، ثنا حجاج الأنماطي ، ثنا حماد عن ثابت وحميد عنه ، وفي البخاري من حديث جابر : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، الحديث . أنبأنا الإمام تاج الدين أحمد بن علي بن وهب القشيري - رحمه الله - أنبأنا ابن بنت الحميري ، قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا الحافظ أبو طاهر ، أنبأنا أبو عبد الله الثقفي ، أنبأنا أبو الفتح هلال بن محمد ، ثنا أبو عبد الله الحسين بن يحيى القطان ، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا سليمان التيمي ، عن يسار ، عن أبي أمامة ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إن الله تعالى قد فضلني على الأنبياء - أو قال : أمتي - على الأمم بأربع : أرسلني إلى الناس كافة ، وجعل الأرض كلها لي ولأمتي طهورا ومسجدا ، فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره ، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر ، فقذف في قلوب أعدائي ، وأحلّت لي الغنائم . وفي كتاب أبي نعيم الأصبهاني - رحمه الله - قال : كنا نحرس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض مغازيه ، فجئت ذات ليلة إلى المكان الذي يكون فيه ، فلم أجده في مضجعه ، فعلمت أنه إِنما أقامته الصلاة ، ورميت ببصري يمينا وشمالا ، فإذا به قائما يصلي إلى شجرة ، فهويت نحوه ، فإذا رجل قبلي أخرجه الذي أخرجني ، فقمت أنا وهو خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصلي بصلاته ، فصلى ما شاء الله أن يصلي ، حتى إذا كان بين ظهري صلاته سجد سجدة ، فظننت أن قد قبض فيها فابتدرناه ، فجلسنا بين يديه ، أنا وصاحبي ، فسألناه ، فقال : هل أنكرتم من صلاتي الليلة شيئا ؟ قلنا : نعم ، سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة حتى ظننا أنّك قد قبضت فيها ، فقال : إني أعطيت فيها خمسا لم يعطهن نبي قبلي ، فذكر الحديث ، وفيه : وأعطيت دعوة ادخرتها شفاعة لأمتي ، رواه من حديث حازم بن خزيمة عن مجاهد عنه ، قال : وتابعه على هذا مزاحم بن زفر عن مجاهد عنه مختصرا ، ورواه أيضا من حديث مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي سعيد بنحوه مختصرا ، وذكر أيضا حديث حذيفة ، قال صلى الله عليه وسلم : فضلنا على الناس بثلاث : جعلت لنا الأرض مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا ، رواه مسلم في صحيحه ، وحديث ابن عباس ، ولفظه : وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأوتيت الكوثر ، رواه أبو داود ، وذكر أيضا حديث ابن عمر بنحوه ، ذكره أبو نعيم . وحديث علي ، قال صلى الله عليه وسلم : أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء ، فقلنا : ما هو يا رسول الله ؟ قال : نصرت بالرعب ، وأعطيت مفاتيح الأرض ، وسميت أحمد ، وجعل لي التراب طهورا ، وجُعلت أمتي خير الأمم . ذكره أحمد في مسنده من حديث ابن عقيل عن محمد بن علي عنه . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي ، فذكر حديثا ، فيه : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي ، فذكر حديثا ، وفيه : وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسّحت وصلّيت . ورواه أحمد بن حنبل في مسنده ، وكذلك حديث أبي موسى بنحوه أيضا ، وحديث ابن مسعود عند البيهقي بنحوه . وفي حديث عائشة المذكور عند ابن ماجه بعد ، وهو مخرج عند الشيخين : خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض المغازي حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي . وفيه : فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، وفي لفظ : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا ، وجعل للمسلمين فيه بركة . وفي كتاب التفرّد لأبي داود : فحضرت الصلاة ، فصلوا بغير وضوء ، فأتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكروا ذلك ، فأنزلت آية التيمم ، قال أبو داود : الذي تفرد به من هذا الحديث أنّهم لم يتركوا الصلاة حين لم يجدوا الماء ، فصلُّوا بغير وضوء ؛ لأنّ بعض الناس يقول : إذا لم تجد الماء لا تصل ، قال أبو عمر : وهو أصح حديث روي في هذا الباب ، قال : والسفر المذكور ، يقال : إنه كان في غزوة بني المصطلق ، وتسمى : المريسيع ، وهو ماء لخزاعة ، قال الواقدي : كانت سنة خمس ، وقال ابن إسحاق : سنة ست ، وقال ابن عقبة : أربع من الهجرة ، وكذا ذكره ابن الجوزي عن أبي مخنف . ورواه هشام عن أبيه عند النسائي عن عائشة : أنها استعارت قلادة من أسماء ، فانسلّت منها ، وكان ذلك المكان ، يقال له : الضلضل ، كذا ضبطه البكري بضادين معجمتين ، قال : وهو الصحيح ، وزعم الجوهري إنه بالمهملتين ، فأباه أبو عبيد . وفي رواية هشام : قلادة ، وقد سبق أنه عقد لها . وفي كتاب الترمذي عن الحميدي عن سفيان ، ثنا هشام به ، وفيه : أنّ القلادة سقطت ليلة الأبواء ، وفي معجم الطبراني بإسناد لا بأس به ؛ بل لو حسن لم ينكر ذلك ، ما يدلّ على أنّ عقدها سقط مرّتين ، وأنّ التيمم نزل بعد الإفك ، وكان الأول في سنة خمس ، فيترجح قول من قال : كان التيمم سنة ست ، وفيه بيان لقول أسيد : ما هي بأوّل بركتكم . قال : ثنا القاسم بن عباد ، ثنا محمد بن حميد الرازي ، ثنا سلمة بن الفضل ، وإبراهيم بن المختار عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ، قالت : لما كان من أمر عقدي ما كان ، وقال أهل الإفك ما قالوا ، خرجت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة أخرى ، فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه ، وطلع الفجر ، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله ، وقال : يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء ، ليس مع الناس ماء ، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم ، فقال أبو بكر : يا بنية ، إنك ما علمت لمباركة . وذكر الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره ، أنّ القائل لها : ما أنزل بلاء بك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفي الباب أحاديث منها : حديث عبد الله بن أبي أوفى . ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل . وحديث سلمان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : تمسحوا بالأرض ، فإنها بكم برة . قال الطبراني في الأصغر : لم يروه عن الثوري عن عوف عن أبي عثمان إلا الفريابي ، وقال البيهقي في السنن : هذا حديث غريب الإسناد والمتن . وحديث معاذ : بال النبي صلى الله عليه وسلم ، فتيمم بالصعيد ، فلم أره يمسح يديه ووجهه إلا مرّة . وأخرجه الطبراني في الكبير من حديث محمد بن سعيد المصلوب . التيمم في اللغة : القصد ، قال القزاز : قال الله تعالى : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ معناه : لا تقصدوا ، ومنه قول الشاعر - يعني جندبا - : تيممتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي . يريد : قصدتها ، ويروى : تنورتها ؛ أي : نظرت إلى نارها ، وهو أصوب . وقال خفاف : فإن تك خيلى قد أصيب صميمها فعمدا على عيني تيمّمت مالكا . أي : قصدته ، وقال تعالى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا قالوا : معناه : اقصدوا الصعيد بالتمسح ، وقال الخليل : التيمم يجري مجرى التوخي ، يقول : تيمم أطيب ما عندك ، فأطعمنا منه ؛ أي : توخاه ، وعلى هذا فسّر ما ذكرنا ، وأجاز أن يكون التيمم : التعمد والقصد ، وكثر هذا الاسم حتى صار اسما للتمسح بالتراب ، والعرب تقول : تيممت الشيء تيمما ، وتيممه تيمما ، وأممته أما ، قال الفراء : ولم أسمع فيها يممت بالتخفيف ، ويقولون : يممت فلانا سيفي ورمحي : قصدته وتوخيته دون من سواه ، وأنشد الخليل : يممت بالرمح شزرا ثم قلت له هذي لا لعب الزحاليق . قال : ومن أنشده : أممت ، فقد أخطأ ؛ لأنه قال : شزرا ، والشزر لا يكون إلا من ناحية ، ولم يقصد به أمامه ، وفي الصحاح : تيممتك وتأممتك ، وأنشد أبو بكر في الكتاب الزاهر : وفي الأظعان آنسة لعوب تيمم أهلها بلدا فساروا . وقال أمية بن أبي الصلت : ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن تيمم البحر للأعداء أحوالا . وقال تعالى : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ومعناه : ولا قاصدين ، قال الشاعر : إني كذلك إذا ما ساءني بلد يممت صدر بعيري غيره بلدا . وقال غيره : سل الربع أني يممت أم طارق وهل عادة للربع أن يتكلّما . وقال الجاحظ في كتاب المردان تأليفه ، ومنهم : عمرو بن الأعرج الأسلع الذي كان يرجل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال له يوما : إني جنب ، وليس عندي ماء ، فأنزل الله تعالى آية التيمم ، انتهى . وهو قول غريب . وأما قول ابن الجوزي : ظاهر حديث عائشة يدل على أنهما كانا مرتين ؛ حيث قالت : سقط عقدي ، وفي الآخر لأسماء ، وليس كذلك ، وهو معارض ما أسلفناه من عند الطبراني : لما كان من أمر عقدي ما كان ، وقال أهل الإفك ما قالوا ، خرجت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة أخرى ، فسقط أيضا عقدي ، الحديث . قال القاضي أبو بكر : قول عائشة : فنزلت آية التيمم ، لا أدري أي آية أرادت ؛ لأن في المائدة آية ، وفي النساء آية . وقال القرطبي : أولاها التي في النساء ؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء ، والتي في المائدة ذكر فيها الوضوء . وفي كتاب الحميدي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ، فنزلت : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ . وقال المازري - رحمه الله تعالى - : قال بعض أصحابنا : يباح السفر للتجارة ، وإن أدى إلى التيمم ، ويحتج له بهذا الحديث ؛ لأنّ إقامتهم على التماس العقد ضرب من مصلحة المال وتنميته ، وقال أبو عمر في كتاب التمهيد : فيه من الفقه خروج النساء مع الرجال في الأسفار ، وفي الغزوات ، وذلك مباح إذا كان العسكر كثيرا ، يؤمن عليه الغلبة ، روى أبو داود عن أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بأم سليم ونسوة من الأنصار يسقين الجرحى . وأجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب - فيما علمت - أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور لكل مسلم مريض أو مسافر ، وسواء كان جُنبا أو على غير وضوء ، لا يختلفون في ذلك ، وقد كان عمر بن الخطاب وابن مسعود يقولان : الجنب لا يطهره إلا الماء ، ولا يستبيح بالتيمم صلاة ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ، وقوله : وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا . وذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا . ولم يتعلّق بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار ، انتهى كلامه . وفي شرح المهذب للنووي : قد ذكروا رجوع عمر وابن مسعود عن ذلك . قال أبو عمر : واختلف العلماء في كيفية التيمم ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن أبي سلمة والليث : ضربتان للوجه ، وضربة يمسح بهما إلى المرفقين ، يمسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى ، والفرض عند مالك إلى الكوعين والاختيار إلى المرفقين ، وسائر من ذكرنا معه يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا ، وقال الأوزاعي : التيمم ضربتان ؛ ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين ، وهما الرسغان ، وروي ذلك عن علي ، وقد روي عن الأوزاعي ، وهو أشهر أنّ التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين ، وهو قول عطاء والشعبي في رواية ، وبه قال أحمد وإسحاق وداود بن علي والطبري ، وهو أثبت ما روي في ذلك عن عمّار ، رواه شقيق عن أبي موسى عن عمار ، ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا . وسائر أحاديث عمار مختلف فيها ، وقال الحسن بن حي وابن أبي ليلى : التيمم ضربتان ، يمسح بكلّ ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه . ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي . وقال الزهري : يبلغ بالتيمم الآباط ، ولم يقله غيره . وفي بعض ألفاظ أبي داود : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح إلى أنصاف ذراعيه . قال ابن عطية : لم يقل أحد بهذا الحديث فيما حفظت . وفي شرح الأحكام لابن بزيزة : وقالت طائفة من العلماء : أربع ضربات ؛ ضربتان للوجه ، وضربتان لليدين ، قال : وليس له أصل من السنة . قال : وقال بعض العلماء : تيمم الجنب إلى المنكب وغيره إلى الكوعين ، قال : وهو قول ضعيف . وفي كتاب ابن رشد : رواية عن مالك الاستحباب إلى المرفقين ، والفرض الكفان . قال أبو عمر : واختلفوا في الصعيد ، فقال مالك وأصحابه : الصعيد وجه الأرض . قال ابن خويز بنداد : الصعيد عندنا وجه الأرض ، وكل أرض جائز التيمم عليها صحراء كانت ، أو معدنا ، أو ترابا ، قال : وبذلك قال أبو حنيفة والأوزاعي والطبري ، قال : ويجوز عند مالك على الحشيش إذا كان دون الأرض ، واختلفت الرواية عنه في التيمم على الثلح ، فأجازه مرة ومنعه أخرى ، قال : وكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد ، والحجة في ذلك قوله تعالى : صَعِيدًا جُرُزًا يعني : أرضا غليظة لا تنبت شيئا ، و صَعِيدًا زَلَقًا . وقال صلى الله عليه وسلم : يحشر الناس على صعيد واحد أي : أرض واحدة ، وفي الصحاح : الصعيد : التراب . وقال ثعلب : وجه الأرض ، والجمع صُعُد وصعدات . وفي الجمهرة : هو التراب الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ ، هذا قول أبي عبيدة . وقيل : هو الظاهر من وجه الأرض ، وكذا فسّر قوله : صَعِيدًا طَيِّبًا . وفي الجامع : جمع الصعيد : صعد ، وجمع الصعد : صعدات ، وفي الزاهر لمحمد بن القاسم : الصعيد وجه الأرض ، قال الشاعر : قتلى حنوطهم الصعيد وغسلهم نجع الترائب والرءوس تقطف . وقال الشافعي وأبو يوسف وداود فيما ذكره أبو عمر : الصعيد : التراب ؛ ولا يجزئ عندهم التيمّم بغيره ، قال الشّافعي : لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي غبار ، فأمّا الصحراء الغليظة والرقيقة والكثيب الغليظ ، فلا يقع عليه اسم صعيد ، انتهى . وما أسلفناه يرد هذا . قال : وأجمع العلماء على أنّ التيمم بالتراب ذي الغبار جائز ، وقال صلى الله عليه وسلم في الأرض : وتربتها لنا طهور ، وهو مخرج في صحيح أبي عوانة الإسفرائيني ، وهو يقضي على قوله : مسجدا وطهورا ويفسره ، وسُئل ابن عباس : أي الصعيد أطيب ؟ فقال : الحرث ، وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق ، انتهى . وهو محجوج بما نذكره من عند ابن خزيمة بعد ، قال أبو عمر : وقال الثوري وأحمد : يجوز التيمم بغبار اللبد والثوب خلافا لمالك . وفي تفسير النقاش : جوّز ابن علية وابن كيسان التيمم بالمسك والزعفران . وفي حلية الشّاشي : ولا يجوز التيمم بتراب خالطه دقيق أو جص . وقيل : يجوز إذا كان التراب غالبا . وأجمع العلماء على أنّ التيمّم لا يرفع الجنابة ، ولا الحدث إذا وجد الماء ، وأنّ المتيمّم للجنابة أو للحدث إذا وجد الماء عاد جنبا أو محدثا كما كان ، واختلفوا إذا رأى الماء بعد دخوله في الصلاة ، فقال مالك : يتمادى في صلاته ، وقال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد والمزني وغيرهم : يقطع تلك الصلاة ، ويخرج إلى استعمال الماء ، واختلفوا في التيمم في الحضر ، فذهب مالك وأصحابه إلى أنّ التيمم في الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء أو تعذّر استعماله ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال الشّافعي : لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف ، وبه قال الطبري ، وقال أبو يوسف وزفر : لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف خروج الوقت . وقال عطاء : لا يتيمّم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء ؛ لأنّ الله تعالى قال : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فلم يبح التيمم إلا عند فقد الماء . قال أبو عمر : ولولا قول الجمهور وما روي من الأثر لكان قوله صحيحا ، واختلفوا أيضا في التيمم : هل تصلى به الصلوات ، أم يلزم التيمم لكل صلاة فرض ؟ فقال شريك القاضي : يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة ، ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن تيمم لصلاة فصلاها ، فلما سلم منها ذكر صلاة نسيها أنّه يتيمّم لها . واختلفوا فيمن صلى صلاتي فرض بتيمم واحد ، فروى يحيى عن ابن القاسم فيمن صلى صلوات كثيرة بتيمم واحد ، أنه يعيد الصلاة على ما زاد على واحدة في الوقت ، واستحب أن يعيد أبدا . وروى ابن أبي زيد عنه أنه يعيد أبدا ، وقال أصبغ : إن جمع بين صلاتين بتيمم واحد ، نظر فإن كانتا مشتركتين [ في الوقت أعاد الآخرة ، وإن كانتا غير مشتركتين ] أعاد الثانية أبدا . وقال أبو حنيفة والثوري والليث والحسن بن حي وداود : يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث ما لم يجد الماء ، وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه ، والله تعالى أعلم .

120

76 - ثنا محمد بن أبي عمر العدني ، ثنا سفيان عن عمرو ، عن الزهري عن عبيد الله ، عن أبيه ، عن عمار ، قال : تيممنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المناكب . وفي كتاب المعرفة لأبي بكر : رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري ، ثم سمعه من الزهري ، فرواه عنه ، فكان يقول أحيانا : عن أبيه عن عمار ، وأحيانا لا يقول : عن أبيه . قال علي ابن المديني : قلت لسفيان : عن أبيه عن عمار ؟ قال : أشكّ في أبيه ، قال علي : كان إذا حدثنا لم يجعل : عن أبيه . ورواه الشافعي عن الثقة عن معمر عن الزهري ، فذكر أباه ، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر فلم يذكره ، واختلف فيه على الزهري ، فقيل : عنه عن أبيه ، وقيل : عنه دون ذكر أبيه ، ورواه صالح بن كيسان عند أبي داود عن الزهري ، حدثني عبيد الله عن ابن عباس عن عمار : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك ، حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء ، فتغيظ عليها أبو بكر ، وقد حبست الناس ، وليس معهم ماء ؛ فأنزل الله تعالى رخصة التطهير بالصعيد الطيّب ، فقام المسلمون مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ، ولم ينفضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط . قال أبو داود : زاد ابن يحيى في حديثه : عن ابن شهاب ، ولا يعتبر الناس بهذا ، قال أبو داود : وكذلك رواه ابن إسحاق - يعني : عن الزهري - قال فيه : عن ابن عباس ، وذكر ضربتين ، كما ذكره يونس ، ورواه معمر : ضربتين ، وقال مالك : عن الزهري عن عبيد الله عن أبيه عن عمار ، وكذلك قال أبو أويس ، وشك فيه ابن عيينة ، قال مرة : عن عبيد الله عن أبيه ، أو عن عبد الله بن عباس : اضطرب فيه . ومرة قال : عن أبيه . ومرة قال : عن ابن عباس ، اضطرب فيه ، وفي سماعه من الزهري شك ، ولم يذكر أحد منهم الضربتين [ إلا من سميت ، وذكره ابن ماجه أيضا ] من جهة يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عمار ، بلفظ : فأمر المسلمين ، فضربوا أكفهم بالتراب ، ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا وجوههم مسحة واحدة ، ثم عادوا ، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى ، فمسحوا أيديهم . وفي قول أبي داود : ولم يذكر أحد منهم - يعني : من الرواة عن الزهري - إلا من سميت نظر ؛ لأن ابن أبي ذئب رواه عنه كذلك ، أنبأنا بحديثه أبو العباس أحمد بن وهب الشافعي ، أنبأنا أبو الحسن بن سلامة ، أنبأنا أحمد بن محمد البغوي ، أنبأنا القاسم بن أحمد الأصبهاني ، أنبأنا الحافظ أبو بكر بن مردويه ، ثنا عبد الله بن إسحاق البغوي ، ثنا أحمد بن ملاعب ، ثنا عبد الصمد بن النعمان ، ثنا ابن أبي ذئب به ، وفي كتاب الكجي : قال سفيان : فرأيت إسماعيل بن أمية جاء إلى الزهري ، فسأله عن هذا الحديث ، فأبى أن يحدثه ، وقال : لم أسمعه إلا من عبيد الله بن عبد الله ، فانظروا هل تجدونه من جانب آخر . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن حديث صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار في التيمم ، فقالا : هذا خطأ ، رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن أبيه عن عمار وهو الصحيح ، وهما أحفظ ، قلت : قد رواه يونس وعقيل وابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله عن عمار ، وهم أصحاب الكتب ، فقالا : مالك صاحب كتاب وصاحب حفظ ، وأما ما زعمه ابن عساكر والمزي من أن ابن ماجه خرج في سننه عن محمد بن أبي عمر عن سفيان عن عمرو عن الزهري عن عبيد الله عن أنس عن عمّار به فغير صحيح ؛ لأني لم أجده في كتابه ، وفي التمهيد : كل ما يروى عن عمّار في هذا مضطرب مختلف فيه ، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربه واحدة للوجه واليدين . وفي سؤالات أحمد بن أبي عبدة : قال أحمد في حديث عمّار هذا : هذا أثبت عندي ، وقال عبد الحق : الصحيح المشهور في صفة التيمم من تعليم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّما هو للوجه والكفين ، وأقرّه على ذلك أبو الحسن ؛ بل نظر فيه ، وكذا قاله ابن الحصار في المدارك . وقال إسحاق فيما ذكره أبو عيسى : حديث عمار للوجه والكفين حديث صحيح ، وحديثه : تيممنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المناكب والآباط ، ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين ؛ لأنّ عمارا لم يذكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بذلك ، وإنما قال : فعلنا كذا وكذا ، فلما سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره بالوجه والكفين ، ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقال الإمام الشّافعي : ولا يجوز على عمار إذا ذكر تيممهم مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند نزول الآية إلى المناكب ، إن كان عن أمره - عليه السلام - إلا أنه منسوخ عنده ؛ إذ روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أمر بالتيمم على الوجه والكفين ، أو يكون لم يرو عنه إلا تيمما واحدا ، فاختلف رواته عنه ، فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت ، وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها ؛ لأنها أوفق لكتاب الله تعالى من الروايتين اللتين روينا مختلفتين ، أو يكون إنما سمعوا آية التيمّم عند حضور الصلاة فتيمموا ، فاحتاطوا ، وأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد ؛ لأنّ ذلك لا يضرهم ، كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء ، فلما صاروا إلى سؤاله - عليه السلام - أخبرهم أنّهم يجزيهم من التيمم أقلّ مما فعلوا . وهذا أولى المعاني عندي برواية ابن شهاب من حديث عمار بما وصف من الدلائل ، والله تعالى أعلم . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن اختلاف حديث عمار في التيمم ، وما الصحيح منها ؟ فقال : رواه الثوري عن سلمة عن أبي مالك الغفاري عن عبد الرحمن بن أبزى عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه شعبة عن الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه حصين عن أبي مالك : سمعت عمارا يذكر التيمم موقوفا ، قال أبي : الثوري أحفظ من شعبة ، قلت لأبي : فحديث حصين عن أبي مالك ؟ قال : الثوري أحفظ ، ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمّار كلاما غير مرفوع ، وسمع مرفوعا من عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القصة ، وفي كتاب ابن أبي حازم : حديث عمار لا يخلو إمّا أن يكون عن أمره - عليه السلام - أو لا ، فإن لم يكن عن أمره فقد صحّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلافه ، ولا حجة لأحد مع كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والحق أحق أن يتبع ، وإن كان عن أمره فهو منسوخ ، وناسخه أيضا حديث عمار - يعني : المذكور في الصحيح - مرفوعا : إنما كان يجزيك ، وضرب صلى الله عليه وسلم بيده الأرض إلى التراب ، ثم قال : هكذا ، فنفخ فيها ، فمسح وجهه ويديه إلى المفصل ، وليس فيه الذراعان ، وهذا الحديث ظاهر الدلالة في النسخ لتأخّره عن الحديث الأوّل ، فإن قيل : فلو كان عمار حفظ التيمم في أوّل الأمر ، وكان الثّاني بعد الأوّل كما زعمتم لما اضطر عمار إلى التمرغ في التراب ، قلت : إنّما أشكل الأمر على عمر وعمار لحصول الجنابة ، فاعتزل عمر ، وتمعك عمار ظنّا منه أنّ حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر ؛ إذ ليس في الحديث الأوّل ما يدلّ على أنّ القوم كانوا قد أصابتهم جنابة ، وهم على غير ماء ، فاحتاجوا إلى الوضوء ، فأمروا بالوضوء . ولفظ الدارقطني في حديثه : إذ سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تمرغ في الصعيد كالدابة ، وضرب بكفه إلى الأرض ، ثم نفضها ، وقال : تمسح بها وجهك وكفيك إلى الرسغين ، وقال : لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ، وأوقفه شعبة وزائدة وغيرهما ، ورواه أبو بكر الأثرم : ثم تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغة من رواية إبراهيم عن حصين ، وفي لفظ لمسلم : ثم تمسح بهما وجهك وكفيك . وفي لفظ لابن ماجه : فضربوا بأكفهم التراب ، ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بوجوههم مسحة واحدة ، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصّعيد مرة أخرى ، فمسحوا بأيديهم . وفي لفظ لأبي داود : ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد ، ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة . وفي رواية : شكّ سلمة بن كهيل ، فقال : لا أدري فيه : إلى المرفقين ، يعني : أو إلى الكعبين . وقال شعبة : كان سلمة يقول : الكفين والوجه والذراعين ، فقال له منصور ذات يوم : انظر ما تقول ؛ فإنّه لا يذكر الذراعين غيرك . وقال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن الحكم بن عتيبة إلا سليمان بن أبي داود . تفرد به محمد بن سليمان ، فرجع إلى أبي داود ، وفي رواية : إلا أنه لم ينفخ ، وفي رواية : سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التيمم ، فأمرني به واحدة للوجه والكفين . وفي كتاب الدارقطني : إلى المرفقين ، قال الحربي : فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه ، وقال : ما أحسنه ! . وفي رواية لأبي داود : قال : إلى المرفقين ، وفي إسناد هذه الرواية رجل مجهول ، قال أبو القاسم في الأوسط : لم يرو هذا الحديث عن أبان بن يزيد العطار إلا عفّان ، وقال أبو محمد بن حزم : والأخبار الثابتة كلها عن عمار بخلاف هذا ، فسقط الخبر . وفي لفظ للنسائي : ثم ضرب بيده على الأرض ضربة واحدة فمسح كفيه ، ثم نفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه ، وبيمينه على شماله ، على وجهه وكفيه . وفي المعرفة : قال الشافعي : ولو أعلمه ثابتا - يعني : الوجه والكفين - لم أعده ، ولم أشك فيه ، وفي الأوسط لابن مطير : ثنا محمد بن نوح بن حرب ، ثنا يحيى بن غيلان ، ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي ، عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار ، أنه أصابته جنابة وليس معه ماء ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنما يكفيك أن تمسح وجهك وكفيك بالتراب ، ضربة للوجه وضربة للكفين . وقال : لم يروه عن أبي عميس عتبة بن عبد الله إلا إبراهيم بن محمد ، وفي المعجم الكبير له : وضربة لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا ، وفي لفظ : ومن بطون أيديهم إلى الآباط ، وفي لفظ : إلى المناكب والآباط ، وفي لفظ : إنما كان يكفيك من ذلك التيمم ، فإذا قدرت على الماء اغتسلت . وفي لفظ : عزبت في الإبل ، فأجنبت ، فأمرني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أتيمّم ، وكنت تمعكت في التراب حين أجنبت . رواه عن أحمد بن الخضر المروزي ، ثنا محمد بن عبدة المروزي ، ثنا أبو معاذ النحوي الفضل بن خالد ، ثنا أبو حمزة السكري ، عن رقبة ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب عنه ، وهو غير حديثه الذي في الصحيح ؛ لأنّ ذلك وهو في غزاة ، والله أعلم . وفي كتاب الكنى للنسائي ، أنه قال لعمر : أما تذكر أنا كنّا نتناوب رعية الإبل فأجنبت ، الحديث . وفي كتاب البيهقي : أجنبت في الرمل فتمعكت ، الحديث . وفي حديث عبد الله بن عمر : سلّم رجل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سكة من السكك ، وقد خرج من غائط أو بول ، فسلم عليه فلم يرد عليه ، حتى إذا كاد أن يتوارى ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ، ثم رد على الرجل السلام . رواه أبو داود من حديث محمد بن ثابت العبدي عن نافع عنه ، وقال في كتاب التفرّد : لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورووه فعل ابن عمر ، ورواية أبي الجهم نحو حديث ابن الهاد عن نافع عن ابن عمر ، ورواه أيوب بن مالك ، وعبيد الله ، وقيس بن سعد ، ويونس ، وابن أبي داود عن نافع عن ابن عمر : أنه تيمم ضربتين للوجه ، قال أبو داود : جعلوه فعل ابن عمر ، وسمعت أحمد يقول : روى محمد بن ثابت حديثا منكرا في التيمم ، انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث إنّ حديث ابن أبي داود مرفوع لا موقوف ، ذكره الشيرازي في الألقاب ، فقال : ثنا أبو عمرو ، ثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا موسى بن سعيد بن النعمان بن حبان الدنداني ، ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، عن ابن رواد به ، بلفظ : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . وقال الطبراني في الأوسط : لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا العبدي . وقال أبو أحمد بن عدي : خالف العبدي عبيد الله وأيوب والناس ، فقالوا : عن نافع عن ابن عمر فعله . وقال الخطابي : هذا حديث لا يصح ؛ لأن محمدا ضعيف جدا ، لا يحتج بحديثه . وقال أبو بكر في كتاب المعرفة : رواه جماعة من الأئمة عن العبدي ؛ منهم : يحيى بن يحيى ، ومعلى بن منصور ، وسعيد بن منصور ، وغيرهم . وقال مسلم بن إبراهيم في رواية موسى بن الحسن بن عباد عنه : ثنا ، وأنكر البخاري رفع هذا الحديث ، ورفعه غير منكر ، فقد روى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر - يعني : الذي في صحيح مسلم - قصة السلام مرفوعة إلا أنه قصر بها ، فلم يذكر التيمم . ورواه يزيد بن عبد الله بن الهاد عن نافع عن ابن عمر ، فذكر قصة السلام ، وذكر قصة التيمم ، إلا أنّه قال : ثم مسح وجهه ويديه ، كما روى يحيى بن بكير عن الليث في حديث ابن الصمة ، وإنّما تفرد العبدي من هذا الحديث بذكر الذراعين فيه دون غيره ، وتيمم ابن عمر ، وفتواه بذلك تؤكد رواية العبدي ، وتشهد له بالصحة ، فقد صار بهذه الشواهد معلوما أنه روى قصة السلام والتيمم ، وهو لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عنه ، فتيمّمه على الوجه والذراعين إلى المرفقين يدلّ على أنّه حفظه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنّ العبدي حفظه من نافع . أنبأ أبو سعيد ، أنبأنا أبو العباس ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا مالك عن نافع ، أنه أقبل هو وابن عمر من الجرف ، حتى إذا كان بالمربد نزل فتيمّم صعيدا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين ، ثم صلى . وروى عُبيد الله ويونس عن نافع عن ابن عمر ، أنّه كان يقول : التيمم ضربتان ؛ ضربة للوجه ، وضربة للكفين إلى المرفقين . قال : ورويناه أيضا عن جابر مرفوعا : التيمم ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : وقال أبو زرعة : هذا حديث باطل . الثاني : قوله : إنما ينفرد العبدي من هذا الحديث - يعني : حديث ابن عمر - بذكر الذراعين غير صحيح ، لما نذكره بعد من رواية الشافعي من شرح السنة للبغوي ، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه شاهدا : ثنا أبو جعفر عبد الله بن إبراهيم ، ثنا الهيثم بن خالد ، ثنا أبو نعيم ، ثنا سليمان بن الأرقم ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : تيممنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب ، ثم نفضنا أيدينا ، فمسحنا بها وجوهنا ، ثم ضربنا ضربة أخرى ، ثم نفضنا أيدينا ، فمسحنا بأيدينا من المرفق إلى الكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن ، ثم قال : هذا حديث مفسر ، وإنما ذكرته شاهدا ؛ لأن سليمان ليس من شرط هذا الكتاب ، وقد اشترطنا إخراج مثله في الشواهد ، ولفظ الدارقطني في سننه : وضربة للذراعين إلى المرفقين . قال الحاكم : أنبأنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد ، ثنا محمد بن عيسى المدائني ، ثنا شبابة بن سوار ، ثنا سليمان بن أبي داود الحراني عن سالم ونافع عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . سليمان بن أبي داود ، إنّما ذكرنا في الشواهد . ثنا علي بن عيسى بن عمرو الحرشي ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا علي بن ظبيان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : التيمم ضربتان ؛ ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . قد اتفق الشيخان على حديث الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمر في التيمم ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، ولا أعلم أحدا أسنده عن عبيد الله غير . الثالث : قوله : ورويناه أيضا عن جابر من غير تعرّض للكلام عليه كعادته ، حتى ننظر من سبب ضعفه ، وعدم بلوغه مرتبة حديث العبدي ، لا سيّما وذكر بعده ، ولو صدر بذكره لكان أولى من حديث العبدي لصحته وعدالة رواته ، رواه الحاكم في مستدركه عن ابن حمشاذ وابن بالويه ، ثنا ابن إسحاق الحربي ، ثنا أبو نعيم ، ثنا عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر ، قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : أصابتني جنابة ، وإني تمعكت في التراب ، فقال : اضرب ، فضرب بيديه الأرض ، فمسح وجهه ، ثم ضرب بيديه ، فمسح بهما إلى المرفقين . وثنا ابن حمشاذ وابن بالويه ، ثنا الحربي ، ثنا عثمان بن محمد الأنماطي ، ثنا حرمي بن عمارة عن عزرة بن ثابت ، بلفظ : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التيمم ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . قال : هذا إسناد صحيح ، ورواه أبو بكر في مصنفه عن وكيع عن عزرة موقوفا ، وأتبع ما ذكره عن ابن عمر موقوفا ، ووقع ذكره عنده في موضع آخر مرفوعا ، وقال أبو عبد الله النيسابوري : ورواه عن محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن سنان القزاز ، ثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين ، ثنا هشام بن حسان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بموضع ، يقال له : مربد النعم يتيمم ، وهو يرى بيوت المدينة . قال : هذا حديث تفرد به ابن أبي رزين ، وهو صدوق ، ولم يخرجاه ، وقد أوقفه الأنصاري ، وغيره عن نافع عن ابن عمر ، وأما قول أبي القاسم الطبراني : لم يروه بهذا التمام غير العبدي ، ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من أنّ يزيد بن الهاد ذكره كذلك ، وكذا رواه أبو الحسن ، وفي الباب غير حديث ؛ من ذلك : حديث أبي هريرة : أن ناسا من أهل البادية أتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالوا : إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة ، ويكون فينا الحائض والجنب والنفساء ، ولسنا نجد الماء ، فقال : عليكم بالأرض . رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث المثنى بن الصباح عن الزهري عن سعيد عنه ، وقال : لم يروه عن الزهري إلا المثنى ، ولا رواه عن المثنى إلا حفص . تفرّد به إبراهيم الشافعي ، ورواه الثوري وعبد الرزاق وغيرهما عن المثنى عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب ، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب : ورواه عن شيخه أحمد بن محمد البزار ، ثنا الحسن بن حمّاد ، ثنا وكيع عن إبراهيم بن يزيد عن سليمان الأحول عن سعيد به : لا نعلم للأحول عن سعيد غير هذا ، ولم يروه إلا وكيع عن إبراهيم بن يزيد ، وقال البيهقي : هذا حديث يعرف بالمثنى عن عمرو ، والمثنى غير قوي ، وقد رواه الحجاج بن أرطاة عن عمرو ، إلا أنه خالفه في الإسناد ، فرواه عن عمرو عن أبيه عن جدّه ، واختصر المتن ، فجعل السؤال عن الرجل لا يقدر على الماء ، أيجامع أهله ؟ قال : نعم . ورواه أبو الربيع السمان عن عمرو بن دينار عن ابن المسيب عن أبي هريرة ، أن أعرابا ، وأبو الربيع ضعيف . قال ابن المديني : قلت لسفيان : إنّ أبا الربيع روى عن عمرو عن سعيد عن أبي هريرة : يعزب في إبله ؟ فقال سفيان : إنما جاء بهذا المثنى عن عمرو بن شعيب ، وإنّما قال عمرو بن دينار : سمعت جابر بن زيد يقوله ، قال علي : قلت لسفيان : إنّ شعبة رواه هكذا عن جابر ، فقال : كان شعبة من أهل الحفظ والصدق ، ولم يكن ممن يريد الباطل . وقد روي عن ابن أبي عروبة عن عمرو ، وابن أبي عروبة إنّما سمعه من أبي الربيع عن عمرو ، وروي من وجه آخر ضعيف من حديث عبد الله بن سلمة الأفطس عن الأعمش عن عمرو ، والأفطس ضعيف ، ولفظ أبي الفرج في التحقيق : ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة ، ثم ضرب ضربة أخرى ، فمسح على يديه إلى المرفقين . وهو معارض بما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه عن عباد بن العوّام عن برد عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة ، قال : لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع ، فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم أجده ، فانطلقت أطلبه ، فلما رآني عرف الذي جئت له ، فبال ، ثم ضرب بيديه الأرض ، فمسح بهما وجهه وكفيه . وحديث الربيع بن بدر عليلة ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأسلع ، ووصف كيف علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التيمم ، قال : فضرب بكفيه الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم أمر على لحيته ، ثم أعادها إلى الأرض ، فمسح بهما الأرض ، ثم دلك إحداهما على الأرض ، ثم مسح ذراعيه . ذكره أبو الحسن المقرئ في سننه ، وضعفه أبو حاتم الرازي في كتاب العلل ، ذكر الباوردي أن بسببه نزلت آية التيمم ، وقال ابن حزم : هذا الحديث في غاية السقوط ، وفيه إشكال ؛ لأن التيمم نزل قبل إسلامه ، وفي تاريخ البرقي : أصابتني جنابة ، فنزل عليه جبريل بالتيمم ، فذكره ، وهو مشكل أيضا . وحديث أبي أمامة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : في التيمم ضربة للوجه ، وأخرى للذراعين . ذكره عبد الله بن وهب في مسنده عن محمد بن عمرو اليافعي عن رجل حدثه عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عنه ، قال ابن حزم : فيه علّتان : إحداهما : ضعف القاسم . الثانية : أن محمد بن عمرو لم يسم من أخبره عن جعفر ، وقد دلسه بعض الناس عليه ، فقال : عن محمد بن عمرو عن جعفر ، ومحمد لم يدرك جعفرا فسقط هذا الخبر . وحديث أبي ذر ، قال : وضع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه على الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المرفقين . ذكره أبو محمد الفارسي من طريق ابن جريج عن عطاء ، حدثني رجل أنّ أبا ذر به ، وقال : هذا خبر ساقط ، قال ابن حزم : وقد روي من حديث عائشة وابن عمر ، أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تيمم للوجه والكفين بضربتين ، وليسا صحيحين : أمّا الأول : فرواه الحريش بن الخريت ، وهو ضعيف . والثاني : فيه سليمان بن أبي داود الحراني ، وهو مثله . وحديث ابن الصمة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تيمم ، فمسح بوجهه وذراعيه . رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن عبد الرحمن بن معاوية عن الأعرج عنه . قال البيهقي : هو منقطع ، الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة ، إنّما سمعه من عمير مولى ابن عباس . وحديث ابن أبي الحمامة السلمي : أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو في المسجد ، فوضع يده على حائط المسجد ، فمسح به وجهه وذراعيه ، ثم دخل . رواه أبو القاسم البغوي عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام عن أبيه ، قال : أتى ابن أبي الحمامة ، فذكره . وحديث عمار : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : إلى المرفقين . ذكره البيهقي من حديث قتادة ، قال : حدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عنه ، والله أعلم .

121

التيمّم 75 - حدثنا محمد بن رمح ، ثنا الليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عمار بن ياسر ، أنه قال : سقط عقد لعائشة ، فتخلّفت لالتماسه ، فانطلق أبو بكر إلى عائشة ، فتغيظ عليها في حبسها الناس ، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم ، قال : فمسحنا يومئذ إلى المناكب ، قال : فانطلق أبو بكر إلى عائشة ، فقال : ما علمت ، إنك لمباركة . هذا حديث إسناده منقطع ؛ لأن عبيد الله بن عبد الله لم يدرك عمارا ، يدل عليه ما رواه ابن ماجه بعد هذا :

122

كراهية مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين 46 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدّثني عبد الله بن أبي قتادة ، أخبرني أبي أنه سمع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بيمينه . ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، ثنا الوليد ، ثنا الأوزاعي بإسناده نحوه هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم من غير هذه الطريق ، وهذه الطريق حسنة للاختلاف في ابن أبي العشرين ، وقد تقدّم ذكره قبل ، والإِسناد الثاني صحيح ، وذكر ابن منده أن إسناده مجمع على صحته ، ورواه أبان عن يحيى متفردا : وإذا شرب فلا يشرب نفسا واحدا ، وإنما المعروف فيه : ولا يتنفس في الإناء .

123

47 - حدثنا عليَ بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا الصلت بن دينار ، عن عقبة بن صهبان قال : سمعت عثمان بن عفان يقول : ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني مذ بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم هذا أثر ضعيف ، لضعف راويه الصلت بن دينار أبي شعيب البصري الأزدي المجنون ، ويقال : الهنائي ، كذا قاله عبد الغني موهما أنّ الأزدي وهُناه غير مجتمعين ، وليس كذلك ؛ لأن هناه فخذ من الأزد . قال فيه يحيى بن معين : ليس بشيء . وقال أحمد : متروك الحديث ، ترك الناس حديثه . وقال الفلاس : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه ، قال : وهو كثير الغلط ، متروك الحديث . وقال السعدي : ليس بقوي في الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه الناس عليه ، وكان شعبة يتكلم فيه . وقال علي بن الجنيد : متروك . وسئل عنه أبو داود فقال : ضعيف . ورواه ابن يونس في تاريخ مصر ، عن العباس بن محمد البصري ، ثنا جعفر بن مسافر ، نا عبد الله بن يوسف ، ثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن عمرو المعافري ، أنه سمع أبا ثور الفهمي يقول : قدمت على عثمان فذكر الحديث . وفيه : إني اختبأت عند ربي عشرا : إنِّي لرابع أربعة في الإِسلام ، ولقد ائتمنني النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابنتيه ، واللّه ما زنيت ، ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام قط ، ولا تغنّيت ، ولا تمنَّيت ، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم ولقد ختمت القرآن على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم ولا مضت لي جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت ، إلا أن لا أجد في تلك الجمعة ، فأعتق لما بعد . وفي الأوسط : نا أحمد بن يحيى الحلواني ، نا سعيد بن سليمان ، عن عبد الأعلى بن أبي المساور ، حدثني إبراهيم بن محمد بن حاطب ، عن عبد الرحمن بن محيريز ، عن زيد بن أرقم قال : بعثني - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر فذكر حديثا طويلا ، فيه : أنه بعثه إلى عثمان ، وأنّ عثمان جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول اللّه ، إن زيدا أتاني ، فقال : إنّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليك السلام ، ويقول : أبشر بالجنة بعد بلاء شديد ، وأي بلاء يصيبني يا رسول اللّه ؟ والذي بعثك بالحق ، ما تغنيّت ، ولا تمنيت ، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك ، فقال : هو ذاك . ثم قال : لا يروى هذا الحديث عن زيد إلا بهذا الإِسناد ، يرويه ابن أبي المساور . ولما ذكر الحربي هذا الحديث في علله ، قال : ابن أبي المساور رحمنا اللّه وإيّاه ، وإبراهيم بن محمد بن حاطب رجل معروف .

124

48 - حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن رجاء المكي ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا استطاب أحدكم فلا يستطب بيمينه ، ليستنج بشماله . هذا الحديث قطعة من الحديث الذي في الباب بعده . كذا قاله ابن عساكر في كتاب الأطراف وغيره ، وفي ذلك نظر ، واللّه أعلم. اليمين : فعيل من اليمن . وقيل : من القوّة ، قال تعالى : لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . وقال نفطويه : أي لأخذنا بيمينه ، فمنعناه من التصرف ، وعلى الوجه الأولى قال الشماخ : إذا ما غاية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين قال الجوهري : وتصغيرها يميِّن بالتشديد بلا هاء ، وفي الجمهرة : والجمع أيمن . فيه دلالة على المنع من مس الذكر باليمين حالة الاستنجاء ، ويؤخذ من مفهومه إذا بال أحدكم جواز مس الذكر باليمين فصاعدا حال التخلي ، فإن وجد ما يقتضي المنع منه قبل ، وإلا فجواز المس باق بحاله . وقول عثمان - رضي الله عنه - ليس من هذا ؛ لتبيينه العلة ، وفيه المنع من الاستنجاء باليمين ، فمن العلماء من حمله على التنزيه ، ويحتاج إلى دليل ، ومنهم من حمله على التحريم ، وهو الصحيح ، وبه قال أحمد بن حنبل وجماعة من الشافعيين ، وأهل الظاهر .

125

باب المسح على العمامة 74 - حدثنا هشام بن عمّار ، ثنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، عن بلال : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين والخمار . هذا حديث خرجه مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه ، وقال ابن حزم : لا مطعن فيه ، وفيما قاله نظر ؛ لما ذكره الحافظ أبو الفضل الهروي في كتاب العلل رادا على مسلم إخراجه من حديث سليمان ، هو حديث قد اختلف فيه على الأعمش ، فرواه أبو معاوية ، وعيسى ، وابن فضيل ، وعلي بن مسهر ، وجماعة هكذا ، ورواه زائدة بن قدامة ، وعمار بن رزيق عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن بلال ، وزائدة ثبت متقن . ورواه الثوري عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن عن بلال ، لم يذكر بينهما لا كعبا ولا البراء ، وروايته أثبت الروايات ، وقد رواه عن الحكم غير الأعمش : شعبة ، ومنصور بن المعتمر ، وأبان بن تغلب ، وزيد بن أبي أنيسة ، وجماعة عن الحكم عن عبد الرحمن عن بلال ، كما رواه الثوري عن الأعمش . وحديث الثوري عندنا أصح من حديث غيره ، وابن أبي ليلى لم يلق بلالا ، وإلى هذا نحا الإمام أحمد ، وقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : أي شيء أثبت فيه ؟ قال : فيه أحاديث ، فبدأ بحديث بلال . قلت : حديث كعب بن عجرة عن بلال ؟ قال : رواه شعبة وزيد بن أبي أنيسة وغير واحد ، ليس فيه كعب ، والأعمش يختلف عنه : زائدة يقول عن البراء عن بلال ، وغيره يقول : كعب بن عجرة عن بلال ، وفي سؤالات مهنأ : قال أبو عبد الله : أظنّ الأعمش غلط فيه ، إنما قال الناس : عن ابن أبي ليلى عن بلال ، زاد الأعمش : كعبا ، ولفظ أحمد في مسنده : مسح على خفيه ، وعلى خمار العمامة ، وفي رواية : فيمسح على العمامة ، وعلى الخفين . وفي رواية أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : امسحوا على الخفين ، والخمار . وفي رواية : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الموقين والخمار . ورواه ابن عيينة عن ابن أبي ليلى ، وأبان بن تغلب عن الحكم ، فيما رواه الكجي في سننه عن الرمادي كرواية الثوري . وقال أبو علي الجياني : هو حديث مختلف فيه من رواية الأعمش عن الحكم ، ويقال : إن ابن أبي ليلى لم يسمع من بلال ، فهو مرسل ، والله أعلم . قال الحربي : وأجمع شعبة ومنصور وحجاج وأبان بن تغلب وابن أبي ليلى أنه عن ابن أبي ليلى عن بلال ، واختلف أصحاب الأعمش ، فقائل : عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال ، ومن قائل : عن البراء عن بلال ، وقال سفيان : عن ابن أبي ليلى عن بلال ، كما قاله شعبة وأصحابه ، وهذا عندي - والله أعلم - هو القول لعلم شعبة بحديث الحكم وكثرة مجالسته إياه وتثبت منصور ، وقلة الاختلاف عنه ، ولكثرة من وافقهما ؛ ولأنه لم يوافق الأعمش من ينتفع به ، ثم اختلف أصحابه ، فكان ما روى سفْيان أحب إلي ، وليس من قال : كعب بن عجرة بأثبت ممن قال البراء ، ومن سفيان حين لم يذكر كعبا ولا البراء . وأما رواية ليث عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال ، فأحسبه سمعه من الأعمش موافقا لرواية عيسى بن فضيل ، وقال غير أبي المحياة ، وهو معتمر : عن ليث عن الحكم عن حبيب عن شريح عن بلال ، فلو اتفق أصحاب ليث لجاز أن يكون هذا حديثا آخر ، لكن شيبان رواه عن الحكم عن شريح عن بلال ، فنقص منه ، وزاد : وما أقف على ما زاد ، وأرسله ابن أبي غنية وبلا حجة عليه ولا له . ورواه عن بلال جماعة ؛ منهم : علي بن أبي طالب ، ورواه الطبراني في الكبير من حديث ليث بن أبي سليم عن الحكم عن شريح بن هانئ عنه ، قال : زعم بلال أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمسح على الموقين والخمار ، وأبو سعيد الخدري بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه : امسح على الخفين والخمار . ورواه أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد ، ونعيم بن همار من حديث محمد بن راشد عن مكحول عنه عن بلال ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : امسحوا على الخفين والخمار . وشريح بن هانئ من حديث ابن أبي سليم عن الحكم عن حبيب بن أبي ثابت عنه عن بلال ، وقال في الأوسط : لم يروه عن حبيب بن أبي ثابت إلا ابن أبي سليم ، تفرد به معتمر بن سليمان ، وعبد الرحمن بن عوف من حديث أبي عبد الله مولى بني تميم عنه ، بلفظ : الخمار ، والموقين . قال أبو داود : هو أبو عبد الله مولى بني تميم بن مرّة ، وزعم الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أن أبا داود تفرد به ، وكذلك الحافظ المنذري تبعه ، والشيخ جمال الدين المزي ، وليس كما زعموا لثبوته في كتاب السنن لأبي عبد الرحمن النسائي ، رواه عن أبي الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا ، ثنا عمرو بن علي ، ثنا محمد ، ثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن أبي عبد الله ، فذكره ، قال ابن عساكر : ورواه أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي بكر بن حفص عن أبي عبد الرحمن عن أبي عبد الله : نعليه ، وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء : هذا إسناد مضطرب مقلوب ، مرة يقولون : ، والعجب أنّه من حديث شعبة ، وهو إمام عن ، انتهى كلامه ، وهو مردود بما ذكره أبو عبد الله في مستدركه ، وخرجه من حديث شعبة عن أبي بكر ، سمع أبا عبد الله يُحدِّث عن أبي عبد الرحمن ، وقال : هذا حديث صحيح ، فإن أبا عبد الله مولى التميميين معروف بالصحة والقبول ، وهو موافق لما ذكره أبو داود ، والله أعلم . ويؤيده ما ذكره الدارقطني في كتاب العلل : ورواه عبد الملك بن أبجر ، عن أبي بكر بن حفص عن أبي عبد الرحمن مسلم بن يسار ، فذكره ، قيل له : أبو عبد الرحمن عن أبي عبد الله ، من هما ؟ فقال : ما سماهما أحد إلا ابن أبجر ، وليس عندي كما قال ، انتهى . فيشبه أن يكون الحاكم اعتمد هذه التسمية ، ولهذا نبه على أبي عبد الله ، وأعرض عن أبي عبد الرحمن لجلالته وثقته ، وفي كتاب الكنى للنسائي عن أبي جندل بن سهيل والحارث بن معاوية ، قالا : مر بنا بلال ، فقلنا : يا أبا عبد الرحمن ، كيف سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في نزع الخفين ؟ الحديث . وحكيم بن حزام عنه أنه توضأ ومسح على خماره ، وقال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ هكذا ، ذكره النيسابوري في كتاب الأبواب ، ثنا يزيد بن سنان ، ثنا أبو عاصم عن ابن جريج ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله عن عبد الملك بن سعيد عنه ، والحكم بن ميناء قال : رأيت بلالا يتوضأ ، ومسح على الخفين والخمار . رواه أيضا عن علي بن حرب ، ثنا زيد بن حباب ، حدثني الضحاك بن عثمان عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن شبيب بن الحكم عن أبيه به ، وأبو جندل بن سهيل بن عمرو من حديث يحيى بن حمزة عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن الحارث بن معاوية عنه ، والحارث بن معاوية من حديث مكحول عنه ، وأبو إدريس الخولاني من حديث أبي قلابة عنه ، وقيل : عن أبي قلابة عن بلال بإسقاط عائذ الله . وزعم البخاري أن حماد بن سلمة أخطأ فيه ؛ لأن أصحاب أبي قلابة رووه عن بلال ، لم يذكروا فيه : عن أبي إدريس ، وأبى ذلك أبو محمد الفارسي ، فصحح حديث أبي إدريس ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه زهير عن حميد الطويل عن أبي رجاء عن عمه أبي إدريس عن بلال في المسح ، فقال أبي : هذا خطأ ، إنما هو حميد عن أبي رجاء مولى لأبي قلابة عن أبي قلابة عن أبي إدريس ، قلت : الخطأ ممن هو ؟ قال : لا يدرى ، قال : ورواه الحذاء عن أبي قلابة عن أبي إدريس ، ولا أعلم : عن أبي إدريس ، ولا أعلم أحدا تابع خالدا ، ويروونه عن أبي قلابة عن بلال مرسلا ، وأبو الأشعث الصنعاني من حديث الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن مطر عن أبي قلابة عنه ، وفي كتاب أبي الحسن البغدادي : ورواه عنه أيضا سويد بن غفلة والحسن وابن سيرين ومكحول مرسلا وأسامة بن زيد ، ولفظ سعيد بن منصور في سننه : قال - عليه السلام - : امسحوا على النصيف والخمار . وفي المصنف لابن أبي شيبة : ثنا يحيى بن يعلى ، عن ليث ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن كعب ، عن بلال : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر كانوا يمسحون على الخفين والخمار . وقد وقع لنا في هذا الباب أحاديث ؛ منها حديث ثوبان ، قال : بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سرية ، فأصابهم البرد ، فلما قدموا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين . خرجه الحاكم من حديث ثور عن راشد بن سعد عنه ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، إنّما اتفقا على المسح على العمامة بغير هذا اللفظ ، وله شاهد فاشتد ، انتهى كلامه . وليس بوارد عنه عليه قول الإمام أحمد فيما رواه عنه المروذي ، وخرجه في تاريخ بلده من حديث خارجة عن يزيد عن راشد عنه ، ولفظه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بعثا فقدموا عليه ، فشكوا إليه ما أصابهم من شدّة البرد ، فقال لهم : إذا أصابكم البرد فامسحوا ، الحديث . لا ينبغي أن يسمع من ثوبان ؛ لأنه مات قديما ، وبنحوه قاله عنه ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل ، وقال الحربي في كتاب العلل : راشد لم يسمع من ثوبان ؛ لأنّ ثوبان توفي سنة أربع وخمسين ، وراشد توفي سنة ثلاث عشرة ومائة ، وبين موتهما تسع وخمسون سنة ، لأمرين : الأول : لتصريح الجعفي بسماع راشد منه ، وهو مثبت مقدّم على النافي . الثاني : إذا نظرنا في مولده ووفاة ثوبان وجدنا الأمر ما قاله البخاري ، لا ما قاله أحمد ، وذلك أنّه ممن شهد صفين ، وبها ذهبت عينه ، فيما ذكره غير واحد من الأئمة ، وثوبان توفي سنة خمس وأربعين ، وقيل : أربع وخمسين ، فسماعه على هذا ممكن لا شك فيه ، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد ، وأمّا قول أبي إسحاق ؛ فقد كفانا مؤنة الردّ عليه بردّه هو على نفسه ، ورواه أبو القاسم في كتابه الكبير عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن عتبة بن أبي أمية الدمشقي عن أبي سلام الأسود عنه ، وهو في المسند للبغوي الكبير من حديث الليث - يعني : ابن سعد - عن معاوية ، ولفظ أبي بكر بن زياد ، وخرجه من حديث معاوية ابن أبي أمية الدمشقي عن أبي سلام : رأيته صلى الله عليه وسلم يتوضأ ، ويمسح على الخفين والخمار ؛ يعني : العمامة . وحديث سلمان المذكور قبل من صحيح ابن حبان ، وحديث عمرو بن أمية الضمري ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين والعمامة . رواه البخاري في صحيحه من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه ، وقد سبق ذكره في كتاب علل الخلال ، قال محمد بن عوف الحمصي : وكان أبو المغيرة ، ثنا به عن يحيى بن أبي قلابة ، عن جعفر بن عمرو ، فردّه أحمد بن حنبل ، ورواه محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي ، فأسقط جعفرا فيما ذكر ابن أبي حاتم ، قال ابن بطال : لم يسمع أبو سلمة من عمرو ، وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين ، أنّ حديث عمرو بن أمية مرسل ، وأبى ذلك الحافظ أبو محمد الفارسي بقوله : هذا قوة للخبر ؛ لأن أبا سلمة سمعه من عمرو سماعا ، وسمع أيضا من جعفر أنه عنه ، وقال الأصيلي : ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي ؛ لأنّ شيبان رواه عن يحيى ، ولم يذكر العمامة . وتابعه حرب بن شدّاد وأبان العطار ، فهؤلاء ثلاثة خالفوه ، فوجب تغليب الجماعة على الواحد ، وأما متابعة معمر له فمرسلة ، وليس فيها ذكر العمامة ، ورواه عبد الرزاق : مسح على خفيه ، ولم يذكر العمامة . وحديث أنس بن مالك قال : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمسح على الموقين والخمار . ذكره أبو بكر الحافظ في سننه بإسناد صحيح من حديثه عن علي بن عبد العزيز - رحمه الله ثنا الحسن بن الربيع عن أبي شهاب الحناط عن عاصم الأحول عنه . ورواه أبو القاسم في الأوسط عن أحمد بن يحيى الحلواني ، ثنا الفيض بن وثيق ، ثنا عيسى بن ميمون عن حميد عنه ، بلفظ : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الموقين . وقد تقدم ذكره من عنده أيضا في باب المسح بأنّ ذلك قبل موته عليه السلام بشهر ، وحديث عبد الصمد بن عبد الوارث عن الهيثم بن قيس ، عن عبد الله بن مسلم بن يسار ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنه رخص للمسافر في المسح على الخفين والعمامة ، للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام . ذكر ابن أبي حاتم أنّه سأل أباه عنه ، فقال : هذا حديث منكر ، ثنا به قرة ، ولم يذكر فيه العمامة ، وليس ليسار صحبة . وحديث المغيرة بن شعبة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين ، ومقدم رأسه ، وعلى عمامته . وفي رواية : ومسح بناصيته ، وعلى العمامة ، رواه مسلم في صحيحه ، وقد تقدم طرف منه . وفي كتاب الطوسي : أنه صبّ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد قضى الحاجة وغسل يديه ، قال : وأحسبه بالتراب فتوضأ ، ومسح على ناصيته والعمامة ، ومسح على الخفين ، ثم قال : يقال : حديث المغيرة حسن صحيح . وحديث أبي أمامة : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يمسح المسافر على الخفين والخمار ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوما وليلة . رواه أحمد فيما ذكره حرب بن إسماعيل عن محمد بن أبي بكر ، ثنا عبد الصمد ، ثنا مروان أبو سلمة ، ثنا شهر عنه ، وقال مهنأ : سألت أحمد عن حديث يحيى بن أبي سحينة ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا مروان أبو سلمة ، عن شهر بن حوشب عنه ، فقال : ليس بصحيح . وحديث أبي ذر ، قال : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، ومسح على الموقين والخمار . ذكره ابن حزم مصححا له من طريق مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت عنه . وحديث أبي هريرة : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين والخمار - يعني : العمامة ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبد الحميد بن جعفر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه ، وقال : لم يروه عن عبد الحميد إلا يعلى بن عبد الرحمن الواسطي . وحديث أبي طلحة : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، ومسح على الخفين والخمار . أنبأنا به الشيخ الإمام شمس الدين أبو البركات محمد الشرابيشي - رحمه الله - أنبأنا الإمامان أبو محمد السكري وعبد العزيز الحراني ، قالا : أنبأتنا أم هانئ الفارقانية ، أنبأتنا فاطمة الجوزدانية ، أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله ، أنبأنا الإمام أبو القاسم اللخمي ، قال : أنبأنا علي بن عبد العزيز ، أنبأنا عمر بن شبة النميري ، أنبأنا حرمي بن عمارة عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الرحمن بن عبد القارئ عنه ، وقال : لم يروه عن شعبة إلا حرمي ، تفرد به عمر بن شبة ، وحديث كعب بن عجرة ذكره أبو محمد الأموي مصححا له . قال : وهو قول جمهور الصحابة والتابعين ، وسواء في ذلك الرجل أو المرأة ، لعلّة أو لغير علّة ، وسواء أكان على خمار ، أو قلنسوة ، أو بيضة ، أو مغفر ، أو غير ذلك ؛ فإنّه يجزئ . وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على العمامة ، وبه نقول ، واختلفوا في المسح عليها ، فممن مسح : أبو بكر ، وعمر ، وأنس ، وأبو أمامة ، وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص ، وأبي الدرداء ، وعمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، والحسن ، وقتادة ، وبه قال الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : وممن كان لا يرى المسح عليها : علي بن أبي طالب ، وجابر بن عبد الله ، وابن عمر ، وبه قال عروة ، والنخعي ، والشعبي ، والقاسم ، ومالك ، والشافعي ، وأصحاب الرأي . واختلفوا في مسح المرأة على خمارها ، فممن قال : تمسح على رأسها ، ولا تمسح على خمارها : نافع ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، وبه قال أحمد ، وابن أبي سليمان ، ومالك ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، والشافعي . وقد روينا عن أم سلمة أنها كانت تمسح على الخمار ، وروي ذلك عن الحسن ، وهو قول أبي ثور . وروينا عن أنس : أنه مسح على قلنسوته ، ولا يعلم أحدا قال به ، وكان الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي والنعمان وإسحاق لا يرون ذلك ، وإن مسح على عمامته ، ثم نزعها ففي قول الأوزاعي يمسح على رأسه . وقال أحمد : يعيد الوضوء ، وقياس قول من يقول : إذا خلع خفيه أنه على طهارته أن يكون كذلك من نزع عمامته ، وقال مكحول : المسح على الخفين والعمامة سواء إذا مسح عليهما ، ثم نزعهما ، فعليه إعادة الوضوء ، انتهى . وفي قوله : عن أنس ، ولا نعلم أحدا ، قال : فيه نظر إن أراد متابعته ؛ لما ذكره أبو بكر في مصنفه عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبي عروبة عن أشعث عن أبيه أنّ أبا موسى خرج من الخلاء ، فمسح على قلنسوته ، وإن أراد الفقهاء غير ما أسلفناه عن ابن حزم . قال : وهو قول الثوري ، وأمّا ما حكاه عن علي ، فيردّه ما حكاه أبو محمد مستدلا به أنّ عليا سئل عن المسح على الخفين ، فقال : نعم ، وعلى النعلين والخمار . وروى ابن زياد عن ابن إشكاب ، ثنا محمد بن ربيعة ، ثنا ابن جريج ، عن عطاء : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، فحسر العمامة ، ومسح مقدّم رأسه . ثنا أبو الأزهر ، ثنا روح ، ثنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : هل بلغك من رخصة في المسح على العمامة ؟ قال : لم أسمعه من أحد إلا من أبي سعد الأعمى ، قال ابن جريج : وأنا أيضا قد سمعته من أبي سعد ، قال أبو سليمان : وشرط من جوّز المسح على العمامة أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة ، كما يفعله من يريد المسح على الخفين ، ومن أبى من المسح رأى أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس ، فلا يمسحه كلّه مقدّمه ومؤخّره ، ولا ينزع عمامته عن رأسه ، ولا ينقضها ، وجعلوا خبر المغيرة كالمفسر ؛ حيث قال : مسح ناصيته وعلى عمامته ، فوصل مسح الناصية بالعمامة ، وإنّما وقع إذا الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية ؛ إذ هي جزء من الرأس ، وصارت العمامة تبعا له ، كما روي أنه مسح أسفل الخف وأعلاه ، ثم كان الواجب في ذلك مسح أعلاه ، وصار مسح أسفله كالتبع له ، [ والأصل أن الله سبحانه فرض مسح الرأس ، وحديث ثوبان محتمل للتأويل فلا يترك ] الأصل المتيقّن وجوبه بالحديث المحتمل ، وبنحوه قاله الثقفي في نصرة الصحاح ، إلا أنه قال : خبر علي بدل المغيرة ، وقال : والترك بالإجماع ثبت عندنا أكثر من ثبوته بالراوية ؛ إمّا لأنه فعل في حال ضرورة أو من طريق النسخ ، وقد أجمع الفقهاء على تركه ، ولم يختلفوا في المسح على الخفين ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما أسلفنا قول من قال به من الفقهاء . قال أبو سليمان : ومن قاسه على مسح الخفين فقد أبعد ؛ لأنّ الخفّ يشق نزعه ، ونزع العمامة لا يشق ، ويشهد لنا فصلهم في حديث ثوبان ، وفي حديث أنس : فأدخل يده من تحت العمامة ، انتهى . وفي قوله : وشرط من جوز المسح الطهارة ، يردُّه قول أبي محمد : وسواء لبسهما على طهارة أو غير طهارة ، وبه قال أصحابنا ، قال : ولا توقيت في المسح عليها ، وقد جاء التوقيت في ذلك ثابتا عن عمر ، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انتهى كلامه . وليس بوارد عليه ما تقدّم من الحديثين اللذين فيهما التوقيت للطعن في سندهما ، والله أعلم . قال : فلو كان تحت ما لبس على الرأس خضاب أو دواء جاز المسح عليهما متعمدا كان أو غير متعمد ، وقولنا : بالمسح في الوضوء خاصة ، وأما في كل غسل واجب فلا ، ولا بُدّ من غسل الرأس ، والله تعالى أعلم .

126

باب المسح على الجوربين والنّعلين 73 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن أبي قيس الأودي ، عن هزيل بن شرحبيل ، عن المغيرة بن شعبة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، ومسح على الجوربين والنعلين . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه ، فمن المصححين له : أبو حاتم البستي بذكره له في كتابه الصحيح ، وأبو عيسى الترمذي بقوله : هو حسن صحيح ، وذكره ابن حزم مصححا له ومحتجا به ، وكذلك أبو الفرج في كتاب التحقيق ، وقال الطوسي في أحكامه : يقال : هذا حديث حسن صحيح . ومن المضعفين أبو داود ؛ فإنّه قال إثر روايته : وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدّث بهذا الحديث ؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين ، وروي هذا الحديث عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس بالمتصل ولا بالقوي ، ومسح على الجوربين : علي ، وابن مسعود ، والبراء ، وأنس بن مالك ، وأبو أمامة ، وسهل بن سعد ، وعمرو بن حريث ، وروي ذلك عن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدّث أبي بهذا الحديث ، فقال : ليس يروى إلا من حديث أبي قيس وأبي عبد الرحمن بن مهدي أن يحدّث به ، يقول : هذا حديث منكر . وقال مهنأ : سألت أحمد عن حديث سفيان عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان عن هزيل ، فقال : أحاديث أبي قيس ليست صحيحة ، المعروف عن المغيرة أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين . وفي كتاب العلل للخلال : أنبأنا المروذي أنّ أبا عبد الله ذكر أبا قيس ، فقال : ليس به بأس ، قد أنكروا عليه حديثين ؛ أحدهما : حديث المغيرة في المسح ، فأمّا ابن مهدي فأبى أن يحدّثناه ، وأمّا وكيع فحدّث به . وفي كتاب التمييز لمسلم : ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن : ثنا يحيى بن يحيى ، ثنا وكيع ، فذكره ، ثم ذكر الذين رووا عن المغيرة مسح الخفين ، ثم قال : قد بيّنا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة ما قد اقتصصناه ، وهم من التابعين الجلة ، وكلّهم قد اتفق على خلاف رواية أبي قيس ، ومن خالف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم والحفظ في نقل هذا الخبر ، والحمل فيه على أبي قيس أشبه ، وبه أولى منه بهزيل ؛ لأنّ أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا الخبر ، سنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى . قال مسلم : وأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاذ عن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : قال عبد الله بن المبارك : عرضت هذا الحديث - يعني : حديث المغيرة من رواية أبي قيس - على الثوري ، فقال : لم يجئ به غيره ، فعسى أن يكون وهما . وفي كتاب السنن للبيهقي : قال أبو محمد - يعني : يحيى بن منصور - : ورأيت مسلم بن الحجاج ضعّف هذا الخبر ، وقال : أبو قيس وهزيل لا يحتملان هذا ، مع مخالفتهما للأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة ، فقالوا : يمسح على الخفين ، وقالوا : لا نترك ظاهر الكتاب لمثل أبي قيس وهزيل ، فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدغولي ، فسمعته يقول : سمعت علي بن محمد بن شيبان : سمعت أبا قدامة السرخسي يقول : قال ابن مهدي : قلت للثوري : لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك ، فقال سفيان : الحديث ضعيف - أو قال كلمة نحوها - وقال علي ابن المديني : خالف هزيل الناس ، وكذلك قاله ابن معين . وقال أبو بكر البيهقي : هذا حديث منكر ، ضعيف ، ضعّفه الثوري ، وابن مهدي ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي ابن المديني ، ومسلم ، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين . وسئل عنه الدارقطني ، فقال : يرويه الثوري عن أبي قيس عن هزيل ، ورواه كليب بن وائل عن أبي قيس عمن أخبره عن المغيرة ، وهو هزيل ، ولكنه لم يسمّه ، ولم يروه غير أبي قيس ، وهو مما يغمز عليه ؛ لأنّ المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين ، ولما ذكر العقيلي هذا الحديث فيما أنكر على أبي قيس قال : الرواية في الجوربين فيها لين . وقال أبو عبد الرحمن النسائي : لم يتابع هزيل على هذه الرواية ، والصحيح عن المغيرة مسح على الخفين ، وقال ابن الجباب في كلامه على الموطأ : اضطرابه لا ينكر ، قد صحّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه مسح على النعلين وعلى القدمين ، ولقائل أن يقول : أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان وهزيل حديثهما في صحيح البخاري ، ووثّقهما غير واحد ، وما روياه هنا ليس مخالفا لرواية الجمهور عن المغيرة مخالفة معارضة ؛ بل هو أمر زائد على ما رووه ، ولا يعارضه ؛ لكونه طريقا مستقلا على حدة لم يشارك المشهورين في سندها ، فيترجح قول المصححين لهذه العلة ، والله أعلم . وأمّا قول أبي داود : وروي هذا الحديث عن أبي موسى إلى آخره - يعني : المخرج عند ابن ماجه - في رواية الأسد أباذي عن المقومي ، وليس ثابتا في روايتنا ، وهو كما قال : ضعيف ومنقطع ، فيفهم منه ألا مشارك له ، وليس كذلك ، لما ذكره الطبراني في المعجم الكبير من حديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين والجوربين . ولما ذكره الحربي في كتاب العلل من حديث أنس بن مالك : أنه توضأ ومسح على جوربيه ونعليه ، ثنا علي بن مسلم ، ثنا محمد بن القاسم ، ثنا أبو طاهر ، قال : رأيت أنسا ، قال الحربي : أبو طاهر رجل مولى الحسن حدّث عنه شهر بحديث منكر ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق جيدة ، رواها النسائي في كتاب الكنى عن عمرو بن علي ، ثنا سهل بن زياد أبو زياد الطحان ، ثنا الأزرق بن قيس ، قال : رأيت أنسا ، فذكره ، فسلم مما أعلّه به الحربي . وحديث جرير بن عبد الله ، وقد تقدّم ذكره . وحديث أبي موسى ذكره في الأوسط ، وقال : لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد ، تفرد به عيسى بن سنان . وقال البيهقي في سننه ، وذكر حديث أنس : وقد رفعه بعض الضعفاء ، وليس بشيء ، وأما تعداده الصحابة فقد أغفل ابن عمر وأبا مسعود وسعد بن أبي وقاص ، ذكرهم ابن حزم ، وقال : لا نعلم لهم مخالفا . قال : وهو قول ابن المسيب ، وعطاء ، والنخعي ، والأعمش ، والحسن ، وخلاس ، زاد في المصنف : وإبراهيم ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ، ونافع ، وفي كتاب الإشراف : وابن المبارك ، وزفر ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وأبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود بن علي ، وغيرهم . وقال أبو حنيفة : لا يمسح عليهما ، وقال مالك : لا يمسح عليهما إلا أن يكون مجلدين ، انتهى كلامه . وفيما حكاه عن أبي حنيفة نظر ؛ لأن مذهبه جواز المسح عليهما إذا كانا مجلدين ومنعلين ، كذا هو في المنافع وغيره ، وحكى أبو عيسى في جامعه عن صالح بن محمد الترمذي : سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول : دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه ، فدعا بماء فتوضأ ، وعليه جوربان ، فمسح عليهما ، ثم قال : فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله ، مسحت على الجوربين ، وهما غير منعلين ، قال أبو عيسى : وبه يقول الشافعي ، انتهى كلامه . والحنفيون يذكرون أنّ الشّافعي لا يجوز المسح عليهما ، وكذا ذكره أبو سليمان الخطابي ، قال : إلا أن يكونا منعلين يمكن متابعة المشي عليهما . وقال ابن المنذر : وكره المسح عليهما : مالك والشافعي ، وروي إباحته عن تسعة من الصحابة : علي ، وعمار ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأنس ، والبراء ، وبلال ، وأبو أمامة ، وسهل بن سعد ، وأبو سعيد الخدري ، وبه قال عطاء ، والحسن ، وابن المسيب ، والنخعي ، وابن جبير ، والأعمش ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق ، وزفر ، وأما صاحبا أبي حنيفة ، فقالا : يمسح عليهما إذا كانا ثخينين ، لا يشفّان . والجورب : قال أبو نصر : معرب ، لفافة الرجل ، والجمع جواربة ، والهاء للعجمة . ويقال : الجوارب أيضا ، كما قالوا في جمع الكيلج : الكيالج ، وتقول : جوربه فتجورب ؛ أي : ألبسه الجورب فلبسه ، وقال الجواليقي : كثر حتى صار كالعربي ، قال رجل من بني تميم لعمر بن عبيد الله بن معمر ، وكانت تحته رملة أخت طلحة الطلحات وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله : انبذ برملة نبذ الجورب الخلق وعش بعيشة عيشا ذي رنق . وضرب العرب المثل بعائشة ، وقال نافع بن لقيط الأسدي : ومأولق أنصجت كية رأسه فتركته دفرا كنتن الجورب . وقال مسكين الدارمي : أثني علي بما علمت فإنني مثن عليك بمثل ريح الجورب . وأما الأحاديث الواردة في المسح على النعلين ؛ فمنها : ما رواه أبو داود عن أوس بن أبي أوس الثقفي : أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، ومسح على نعليه وقدميه . وقال الجوزقاني : هذا حديث منكر ، ولما ذكره عبد الحق سكت عنه - يعني : مصححا له - وتبع ذلك الخزرجي وفي أنّه أوس بن أوس أو ابن أبي أوس خلاف معروف ، واختصاره هو أنه رويت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة أحاديث ؛ أحدها هذا . والثاني : من غسل واغتسل يرويه أبو الأشعث عن أوس بن أوس . والثالث : تحزيب القرآن ، يرويه عثمان بن عبد الله بن أوس عن جدّه أوس بن حذيفة . والرابع : في الصوم ، فقيل في هذا كلّه : إنّه واحد ، هو أوس بن أوس ، وابن أبي أوس ، وابن حذيفة ، وذكر أبو عمر ابن عبد البر قول ابن معين : أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد ، فخطأه فيه ، وقال : إنّ أوس بن أبي أوس هو ابن حذيفة ، جدّ عثمان بن عبد الله بن أوس ، وله أحاديث منها : في المسح على القدمين ، وفي إسناده ضعف ، يعني : حديث المبدى بذكره ، قال : ورواه الطحاوي فأسقط عطاء والد يعلى ، وجعله من حديث يعلى عن أوس ، وهو غير صواب ، انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأوّل : قوله معترضا على أبي محمد : وما مثله صحيح ، وأبو محمد - رحمه الله - ليس هو بأبي عذرة تصحيحه ، فقد سبقه إلى ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي ، بقوله : لا يعرف مجردا متّصلا إلا من حديث يعلى ، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه ، وهذا وإن كان لا يعطي تصحيحا فقد ، ثم قال : وهذا من الأخبار التي رويت مجملة ، وتفسيرها في أخبار أخر ، ثم قال : ذكر البيان بأن مسح المصطفى على النعلين كان ذلك في وضوء النفل دون الوضوء الذي يجب من حدث معلوم ، فذكر حديث النزال عن علي ، فذكر وضوءه : فمضمض واستنشق ، ومسح وجهه وذراعيه ، ومسح رأسه ، ومسح رجليه ، ثم قام فشرب فضل مائه ، ثم قال لي : حدثت أنّ رجالا يكرهون أن يشرب أحدهم وهو قائم ، وإني رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل كما فعلت ، وهذا وضوء من لم يحدث . وفي الأوسط عن علي بنحوه ، رواه عن ابن أحمد بن حنبل ، حدثني أبو عبيدة بن فضيل بن عياض ، ثنا مالك بن سعير ، ثنا فرات بن أحنف ، حدثني أبي عن ربعي عنه ، وقال : لم يروه عن ربعي إلا أحنف أبو فرات ، تفرّد به أبو عبيدة بن عياض . وفي كلام ابن حبان نظر ؛ من حيث إنّ عليا صلى بهذا الوضوء إماما ، ذكر ذلك البيهقي من حديث سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن وهب . ومن حديث ابن نمير عن سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان ، قال : رأيت عليا بالرحبة بال قائما حتى أرغى ، فأتي بكوز من ماء ، ثم أخذ كفا من ماء ، فوصف وضوءه ، ثم قال : ومسح على نعليه ، ثم أقيمت الصلاة فخلع نعليه ، ثم تقدّم فأمّ الناس . قال الأعمش : فحدثت إبراهيم به ، فقال : إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني ، فرأيته قائما في الكناسة ، فقلت : هذا أبو ظبيان ، فأتاه ، فسأله عن الحديث ، وقال : حديث أبي ظبيان ثابت . زاد في كتاب الأبواب أنّ عليا مسح عليهما ، ثم خلعهما ، فجعلهما في كمّه ، ثم صلى بهم الفريضة . وذكره عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن أبي ظبيان به ، قال معمر : وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثل صنيع علي هذا . قال البيهقي : ورواه الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان ، وعبد العزيز بن رفيع ، وسلمة بن كهيل ، والزبير بن عدي ، وورقاء بن إياس ، كلّهم عن أبي ظبيان به . الثاني قوله : إنّ الطحاوي رواه عن أوس بن أوس ، فأسقط عطاء ، فكذلك هو ، ولكن الخرائطي ذكره في كتاب اعتلال القلوب ، بثبوته في هذه الرواية من حديث عمر بن شبة ، ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن يعلى عن عطاء عن أبيه عن أوس بن أوس عن أبيه ، وكذا رواه أبو القاسم الطبراني من حديث يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، ولما رواه بحشل في تاريخه عن هشيم وإسحاق ، ثنا شريك عن يعلى عن أوس به ، قال : هذا غلط . وحديث هشيم - يعني الذي فيه : عن أبيه - أصح ، والله أعلم . الثالث : سكوته عن علة ذكرها الإمام أحمد ، فهي أولى بالذكر مما تقدم ، وهو قوله : لم يسمع هشيم هذا الحديث من يعلى فلعله سمعه من بعض الضعفاء ، ثم أسقطه ، فلئن كان ما قالاه صحيحا فهو أجدر بأن يكون علّة ، لا سيما على ما ناقش به أبا محمد من كونه يقبل أخبار المدلسين وإن لم يصرحوا بالسماع ، وليس لقائل أن يقول : لعلّه لم يعتد بهذه علّة ؛ لأنه لو كان كذلك لنبه كعادته ، والله أعلم . ثم نظرنا هل هو كذلك أم لا ، فوجدنا هشيما صرح فيه بالتحديث المزيل للشبهة المذكورة : أنبأنا المسند المعمر فتح الدين الجودري ، قراءة عليه وأنا أسمع ، عن أبي الحسن البغدادي ، أنبأنا الحافظ السلامي ، أنبأنا الإمام أبو منصور محمد بن أحمد بن علي المعمري ، أنبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر ، أنبأنا الحافظ أبو حفص بن شاهين ، ثنا أحمد بن سلمان الفقيه ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا سعيد بن منصور ، ثنا هشيم ، أنبأنا يعلى بن عطاء عن أبيه أخبرني أوس به ، ثم قال هشيم : هذا كان في مبدأ الإسلام ، وأنبأنا الشيخ أبو الفتح القاهري - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، قال : أنبأنا الأخوان أبو المكارم عبد الله وأبو عبد الله الحسين ، أبنا الحسن بن منصور ، قال الأول : أنبأ ، وقال الثاني : أنا الحافظ أبو بكر محمد بن حازم الهمداني ، قرأت على محمد بن أحمد بن القاضي : أخبرك أبو طاهر أحمد بن الحسن الكرجي في كتابه ، أنبأنا الحسن بن أحمد ، أنبأ دعلج بن أحمد ، أنبأ محمد بن علي ، ثنا سعيد بن منصور ، ثنا هشيم ، أنبأنا يعلى بن عطاء عن أبيه ، فذكره ، وعن علّة أخرى ذكرها الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ : حديث يعلى متزلزل ؛ لأنّ بعضهم رواه عنه عن أوس ، ولم يقل : عن أبيه ، وقال بعضهم : عن رجل - يعني : مجهولا - والله أعلم . وأما تخطئة أبي عمر ابن معين فغير جيد ؛ لأنه قول قاله جماعة من العلماء ، منهم : أبو جعفر بن منيع ، وعبد الله بن محمد البغويان ، وأبو بكر أحمد بن عبد الله البرقي في تاريخه ، وأبو إسحاق الحربي في كتاب العلل ، وأبو القاسم الطبراني في الكبير والأوسط ، وأبو حاتم البستي في كتاب الصحابة ، قال : وهو ابن حذيفة أيضا ، وأبو عيسى الترمذي في كتاب التاريخ ، وأبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - وأبو داود الطيالسي - رحمه الله تعالى وفي تاريخ الجعفي الكبير : أوس بن حذيفة والد عمرو بن أوس ، ويقال : أوس بن أبي أوس ، ويقال : أوس بن أوس ، وله صحبة ، وفي معجم ابن قانع : أوس بن أوس بن ربيعة بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف ، روى عنه عبد الملك بن المغيرة ، وأبو الأشعث ، وعبادة بن نسي ، وابن عمرو بن أوس عنه ، فقالوا : ابن أوس ، ومن قال : ابن أبي أوس : النعمان بن سالم ، قال : سمعت رجلا ، وفي رواية أخرى : اسمه عمرو ، جدّه أوس بن أبي أوس ، وفي رواية : أبوه ويعلى بن عطاء ، وفي كتاب الصحابة لأبي مُوسى : اسم أبي أوس هذا جابر بن عوف الثقفي ، وروى حديثه هذا من طريق محمد بن إدريس عن غسان عن حماد بن سلمة عن يعلى عن أبيه عن أوس بن أبي أوس واسمه جابر ، ثم قال : وكذلك رواه حجاج عن حماد إلا أنه لم يسمه جابرا ، قال : ولأبيه أيضا صحبة ، وهو جد عمرو بن أوس ، ذكره أبو عثمان سعيد السراج القرشي الأصبهاني في الأفراد ، وكتبه عنه عبد الله بن مردويه - رحمهم الله تعالى وحديث ابن عمر أنّه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ، ويقول : كذلك كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ، رواه البزار عن إبراهيم بن سعيد ، ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع عنه ، وقال : وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب ، ولا نعلم رواه عنه إلا روح بن عبادة ، وإنما كان يمسح عليهما ؛ لأنه توضأ من غير حدث ، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث ، فهذا معناه عندنا ، انتهى . وفيه نظر ؛ لأنّ ابن عمر - وإن كان مذهبه الوضوء لكلّ صلاة - فليس ذلك من مذهبه صلى الله عليه وسلم . وقد قال كذلك : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل على ضعفه ؛ لأنه حديث منكر الإسناد ، والخبر مجهول ، وخرّجه البيهقي من حديث روح ، ولما ذكره أبو الحسن بن القطان صححه ، وحديث ابن عباس ، وتوضأ وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفيه : ثم قبض قبضة من الماء ، فرشّ على رجله اليمنى ، وفيها النعل ، ثم مسحها بيده ؛ يد فوق القدم ، ويد تحت القدم ، ثم صنع باليسرى مثل ذلك ، خرّجه أبو داود من رواية هشام بن سعد ، وحديثه في صحيح مسلم ، وتكلّم فيه بعضهم ، وفي لفظ عن ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : توضأ مرة مرة ، ومسح على نعليه . ذكره الحربي من حديث عبد الرزاق عن معمر ، قال : لو شئت حدثتكم أنّ زيد بن أسلم حدثني عن عطاء عن ابن عباس ، فذكره ، ثم قال : الحمد للّه الذي لم يقدر على لسان معمر أن يحدث ابن الجراح عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء عنه . وقال : هكذا رواه رواد ، وهو ينفرد عن الثوري بمناكير هذا أحدها ، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة ، وقد روي عن زيد بن الحباب عن سفيان هكذا ، وليس بمحفوظ ، والصحيح رواية الجماعة ، ورواه الدراوردي وهشام بن سعد عن زيد ، فحكى في الحديث : ورشّ على الرجل ، وفيها النعل . قال : وذلك يحتمل أن يكون غسلها في النعل ، فقد رواه سليمان بن بلال ، وابن عجلان ، وورقاء ، ومحمد بن جعفر ، وابن أبي كثير عن زيد بن أسلم ، فحكوا في الحديث غسله رجليه ، والحديث واحد ، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير ، مع فضل حفظ من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه ، انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : . الثاني : قوله : ليس بمحفوظ يشعر أنه لم يأت به غيره ، وقد سبق مجيئه من حديث . وفي مصنف عبد الرزاق بسند كالشمس على شرط الشيخين ، وذكره ابن خزيمة في صحيحه من حديث سفيان عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس . وقال بعده : والدليل على أن مسح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النعلين كان في وضوء تطوع ، لا في وضوء واجب عليه ، ثم ذكر حديث سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي ، وفيه : هكذا وضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للطاهر ما لم يحدث ، وخرجه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده بزيادة : هكذا فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لم يحدث ، ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال : الذي تفرد به في هذا الحديث مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس . وقال : حديث عبد خير عن علي ليس بالبين . وقد أسلفنا ما يدفع هذا قبل ، والله أعلم . وقد أسلفنا لخبر زيد بن حباب شواهد ومتابعات دلّت على أنّ لحديثه أصلا ، وأنّ الثقات رووه عن سفيان بهذه اللفظة ، لا كما زعم . الثالث : قوله : فأما المسح على الرجلين فهو محمول على غسلهما ؛ لأنّ المسح سنة لمن تغطت رجلاه بالخفين ، فلا يعدى بها موضوعها ، والأصل وجوب غسل الرجلين إلا ما خصّته سنة ثابتة أو إجماع لا يختلف فيه ، وليس على النعلين ولا على الجوربين واحد منهما ، انتهى . وعليه فيه اعتراضات : الأول : مقتضى صناعة الحديث النظر في الإسناد بصحة أو غيره ، وأمّا التأويلات وغيرها فمن نظر الفقيه . الثاني : قوله : وليس عليهما سنة ثابتة ، وقد أسلفنا أحاديث صحيحة وحسنة في هذا الباب وغيره ، ولله الحمد والمنة .

127

باب ما جاء في المسح بغير توقيت 72 - حدثنا حرملة بن يحيى ، وعمرو بن سواد المصريان ، قالا : ثنا عبد الله بن وهب ، أنبأنا يحيى بن أيوب ، عن عبد الرحمن بن رزين ، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد ، عن أيوب بن قطن ، عن عبادة بن نسي ، عن أبي بن عمارة : وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد صلى في بيته القبلتين كلتيهما ، أنه قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أمسح على الخفين ؟ قال : نعم ، قال : يومين ، قال : وثلاثا حتى بلغ سبعا ، قال له : وما بدا لك . هذا حديث لما رواه أبو داود عن يحيى بن معين ، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق ، ثنا يحيى بن أيوب ، عن ابن رزين ، عن محمد بن يزيد ، عن أيوب ، عن أبي بلفظ : أمسح على الخفين ؟ قال : نعم ، قال : يوما ؟ قال : يومين ؟ قال : وثلاثة ؟ قال : نعم ، وما شئت ، قال : ورواه ابن أبي مريم عن يحيى بن عبد الرحمن عن محمد عن عبادة عنه ، قال فيه : حتى بلغ سبعا ، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وما بدا لك . قال : وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي ، كذا هو في روايتنا من طريق اللؤلئي ، وفي كتاب ابن العبد : وقد اختلف على يحيى بن أيوب ، فذكره ، ومعناه قاله البخاري ، وفي موضع آخر : إسناده ليس بالقوي . وفي كتاب العلل للخلال : قال أبو زرعة : سألت أحمد عن هذا الحديث : أيجب العمل به ؟ قال : يعني : رجاله لا يعرفون ، وفي تاريخ دمشق للنصري : سمعت أبا عبد الله يقول : حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف الإسناد ، قال أبو زرعة : فناظرت أبا عبد الله في حديثه - يعني : حديث أبي - فلم يقنع به ، وقال ابن حبان - وذكر أبيا - : إلا أني لست أعتمد على إسناد خبره . وقال أبو الفتح الأزدي : لا يحفظ أن أحدا روى عن أبي إلا أيوب بن قطن ، وحديثه ليس بالقائم ، وفي متنه نظر ، وفي إسناده نظر ، انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لما يأتي من أنّ عبادة بن نسي روى عنه أيضا ، وقال ابن بنت منيع - وذكر هذا الحديث - : لا أعلمه روى غيره ، وقال غير ابن أبي مريم : ابن عبادة ، وقال في موضع آخر : وقد اختلف في اسمه ، وقال أبو الحسن الدارقطني : وهذا إسناد لا يثبت ، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافا كثيرا ، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب مجهولون كلهم ، وقد بينته في موضع آخر ، وذلك الموضع لم أر له ذكرا في العلل ، وذكره في كتاب المختلف ، فقال : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في بيت عمارة القبلتين . وقال أبو محمد بن حزم : هذا خبر ساقط لا يصح ، فيه يحيى بن أيوب الكوفي وآخر ، وهما مجهولان ، ولا يصح خلاف التوقيت أيضا عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر فقط ، وقال أبو الفرج في العلل المتناهية : هذا حديث لا يصح ، وقال ابن الأثير : لأبي حديث واحد ، وهو معلول ، وفي إسناده اضطراب ، وهو غير مشهور ، وقال عبد الغني بن سرور : في إسناد حديثه جهالة واضطراب ، وقد اختلف في اسم أبيه ، فقيل : عَمارة ، وقيل : عِمارة ، وقيل : عُبادة ، وعداده في المدنيين ، سكن مصر ، ولما ذكره الجوزقاني قال : هذا حديث باطل منكر ، ومداره على يحيى بن أيوب ، ولما ذكره أبو الحسن بن القطان قال : علّته هي أنّ هؤلاء الثلاثة - يعني : عبد الرحمن بن رزين ، فمن بعده - مجهولون ، وقال الموصلي أيضا : أيوب بن قطن مجهول ، وذكر حديثه هذا والاختلاف فيه ، وقال : كلّ لا يصح ، ومحمد بن يزيد هو ابن أبي زياد صاحب حديث الصور ، وقال فيه أبو حاتم : مجهول ، وعبد الرحمن أيضا لا تعرف له حال ، فهو مجهول ، ويحيى مختلف فيه ، وهو ممن عيب على مسلم إخراج حديثه . وأما الاختلاف عليه الذي أشار إليه أبو داود والدارقطني ، فيتحصل عنه أربعة أقوال نذكرها مجملة ، وذلك أنه روي عنه عن ابن رزين عن محمد عن أيوب عن أبي ، ويروى عنه عن ابن رزين عن محمد عن عبادة عن أبي ، ويروى عنه عن ابن رزين عن محمد عن أيوب عن عبادة عن أبي ، ويروى عنه هكذا إلى عبادة بن نسي ، ثم لا يذكر أبيا ؛ لكن يرسله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفيه قول خامس ، لكنه لم يتصل لي سنده ، فلم أجعله ممّا تحصّل فيه ، وهو ما أشار إليه ابن السكن ، ولم يوصل به إسناده ، إنما قال : ويقال أيضا : عن يحيى عن عبد الرحمن عن محمد عن وهب بن قطن عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والله أعلم . وقال ابن عبد البر في كتاب الاستذكار : حديث أبي لا يثبت ، وليس له إسناد قائم ، ورواه أبو أحمد العسكري عن علي بن سعدان ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا يحيى بن معين ، ثنا عمرو بن الربيع ، أنبأنا يحيى بن أيوب ، ثنا ابن رزين الغافقي ، عن محمد بن زيد أو يزيد ، فذكره ، ثم قال : وقال بعضهم : ليس تصح له صحبة ، وقال الطحاوي : والآثار قد تواترت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوقيت في المسح ، فليس ينبغي لأحد أن يترك مثل هذه الآثار المتواترة إلى مثل حديث أبي بن عمارة ، وقال الخزرجي في كتابه التقريب : في إسناده اختلاف واضطراب ، وقال أبو القاسم ابن عساكر : ورواه يحيى بن إسحاق السيلحيني عن يحيى بن أيوب مثل رواية عمرو بن الربيع ، وقال : أيوب بن قطن الكندي ، ورواه سعيد بن كثير بن عفير عن يحيى بن أيوب مثل رواية ابن وهب ، ورواه إسحاق بن الفرات عن يحيى بن أيوب عن وهب بن قطن عن أبي ، انتهى . وهو قول سادس لم يذكره ابن القطان ، وأما قول الطبراني في الأوسط : رواه جماعة عن يحيى بن أيوب ، فلم يذكر عبادة بن نسي إلا سعيد بن عفير ، فإنه جوده ، ففيه نظر لما أسلفناه من رواية غيره كروايته ، وزعم ابن عقدة في كتاب التفرد أنه مما تفرّد به أهل مصر . وأبى ذلك الحافظ ابن يونس بقوله في تاريخه : ليس له في أهل مصر حديث ، ويشبه أن يكون وهما ، لما ذكره الإمام العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في فتوح مصر من تأليفه في باب من دخل مصر من الصحابة ، ممن روى عنه أهلها : أبي بن عمارة ، ولهم عنه حديث واحد ، وهو يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن عن محمد بن يزيد عن أيوب بن قطن عنه ، فذكر لفظ حديث أبي داود ، ثم قال : ثناه سعيد بن عفير ، وثناه عمرو بن سواد عن ابن وهب عن يحيى عن عبد الرحمن عن محمد عن أيوب عن عبادة عنه ، ولم يذكر ابن عفير عبادة ، وأما ما ذكره أبو الحسن بن القطان من أن مسلما عيب عليه إخراج حديث يحيى بن أيوب ، فكلام يفهم منه تفرده بحديثه دون شيخه البخاري ، وليس كذلك ؛ لأن أبا الوليد الباجي ذكره في كتاب التعديل والتجريح ، فقال : أخرج البخاري في الصلاة وتفسير سورة الأحزاب عن ابن جريج ، وسعيد بن أبي مريم عنه ، عن حميد ويزيد بن أبي حبيب ، ثم قال : وقال أبو عبد الله : هو البخاري في الاستشهاد ، ولمسلم في الرواية ، انتهى . وبنحو ما قاله أبو عبد الله : ذكره الكلاباذي في كتاب الإرشاد ، ولئن كان كذلك فهو في اصطلاح الحاكم في المستدرك ، وغيره يصدق عليه التخريج عنه لا سيّما لغة ، وأما قوله : إنّ عبد الرحمن فمن بعده مجهول ، فيشبه أن يكون وهما ، وذلك أنّ عبد الرحمن بن رزين ، ويقال : ابن يزيد بن عبد الله الغافقي مولى قريش ، روى عنه يحيى بن أيوب ، وعبد الله بن المبارك ، وابن وهب ، ونافع بن يزيد ، وعبد الله بن يحيى البرلسي . ذكره ابن يونس في كتاب الغرباء ، وقال : توفي في خمس وخمسين ومائة ، وقال ابن أبي حاتم : عبد الرحمن بن رزين مولى قريش ، روى عن سلمة بن الأكوع ، قال : بايعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، روى عنه العطاف بن خالد ويحيى بن أيوب ، وروى عن محمد بن يزيد صاحب حديث الصور ، ولما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، قال : عداده في أهل الشام ، روى عنه أهله ، والعطاف . وقال الحاكم : لم ينسب إلى ضعف ، وعلى شرط أبي أحمد الجرجاني يكون ثقة ، لكونه لم يذكره في كامله ، ومحمد بن يزيد لم أر أحدا نسبه إلى ضعف ، كما قاله أبو عبد الله بن البيع ، وغاية ما قال فيه البخاري : روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصور مرسل ، ولم يصح ، وقال ابن يونس في الغرباء : روى عنه يزيد بن أبي حبيب ، وكان يجالسه ، وحرملة بن عمران ، ومن أهل الكوفة أبو بكر بن عيّاش ، فهذا كما ترى قد خرج من الجهالة العينية ، وأما الجهالة الحالية فيمكن أن تكون منفية بما ذكره الحاكم ، فإنّه لما خرج هذا الحديث قال فيه : صحيح ، ولم يخرجاه ، وأبي صحابي معروف ، وهو إسناد مصري ، ولم ينسب واحد من رواته إلى جرح ، وأمّا أيوب بن قطن فذكر عبد الرحمن أنه ابن ابن امرأة عبادة بن الصامت ، أبو أبي ابن أم حرام ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وقد أسلفنا رواية سادسة زائدة على ما ذكره ابن القطان ، وسابعة ذكرها النيسابوري عن محمد عن أيوب عن ابن عبادة الأنصاري ، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في بيت جدّه القبلتين ، وبنحوه ذكره في المصنف . وقد ورد لهذا الحديث شواهد تشده ؛ فمن ذلك : حديث عقبة بن عامر ، قال : خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة ، فدخلت المدينة يوم الجمعة ، فدخلت على عمر ، فقال لي : متى أولجت خفّك في رجليك ؟ قلت : يوم الجمعة ، قال : فهل نزعتهما ؟ قلت : لا . قال : أصبت السنة . خرّجه أبو الحسن الدارقطني ، وهو في معنى المرفوع ، لا سيّما من أبي حفص الفاروق ، وقال أبو بكر النيسابوري : هذا حديث غريب ، وقال الدارقطني : وهو غريب صحيح الإسناد ، وقال في العلل : وخالفهم عمرو بن الحارث والليث بن سعد ويحيى بن أيوب ، فقالوا فيه : قال عمر : أصبت ، ولم يقولوا : السنة ، كما قال من تقدّمهم ، وهو المحفوظ . ولما خرجه ابن البيّع في مستدركه ، فذكر : السنّة ، قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه وله شاهد ، وقال ابن منده : رواه أبو شُجاع وعمرو بن الحارث ، فلم يذكرا السنة ، وقوله : أصبت السنة زيادة مقبولة ؛ لأنّ حيوة والفضل مقبولان عند الجماعة . قال : وقد روي من جهة موسى بن علي عن أبيه نحوه ، وقال : أصبت السنة ، قال : فهذا موافق لرواية من تقدّم ، وسبيله سبيل الصحة ، قال الدارقطني : ورواه أيضا من طريق أسد بن موسى ، ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن زبيد بن الصلت سمعت عمر يقول : إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما ، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة . قال : وثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر ، وثابت عن أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثله ، قال ابن صاعد : ما علمت أحدا جاء به إلا أسد بن موسى ، ولما خرجه الحاكم في مستدركه قال : وقد روي عن أنس مرفوعا بإسناد صحيح ، رواته عن آخرهم ثقات ، إلا أنه شاذ بمرة ، وهو على شرط مسلم . ثم ذكره من جهة المقدام بن داود الرعيني عن عبد الغفار بن داود الحراني عن حمّاد وقوله : لم يروه أحد من ثقات أصحاب حماد ، نظر ؛ لما أسلفناه من حديث عبد الغفار ، وأمّا قول المزِّي أنّ ابن ماجه خرّج حديثه عقب هذا في كتاب الطهارة عن أحمد بن يوسف عن أبي عاصم عن حيوة عن يزيد عن الحكم بن عبد الله البلوي عن علي بن رياح ، فيشبه أن يكون وهما ؛ لأنّي نظرت عدة نسخ من كتاب السنن ، فلم أره ، والله أعلم . وكذا قول الحافظ القشيري بأن النسائي خرجه ، قال : وهو حجة لمذهب مالك ، فإني لم أره في كتاب السنن الكبير ولا الصغير ، فلينظر ، وزاد الجوزقاني ، بأن قال : هذا حديث باطل منكر ، وليس يصح عن عمر ، والصحيح عن عمر مرفوعا : التوقيت . وحديث ميمونة ، وسألها عطاء عن المسح ، فقالت : قلت : يا رسول الله ، كل ساعة يمسح الإنسان على الخفين ولا يخلعها ؟ قال : نعم . رواه الدارقطني بإسناد صحيح لا علة فيه عن محمد بن مخلد ، ثنا جعفر بن مكرم ، ثنا أبو بكر الحنفي ، وثنا أبو بكر النيسابوري ، ثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، ثنا الحنفي أبو بكر ، ثنا عمر بن إسحاق بن يسار أخو محمد بن إسحاق ، قال : قرأت كتابا لعطاء مع عطاء بن يسار ، قال : سألت ميمونة ، وفي هذا ردّ لما قاله أبو زرعة الدمشقي ، قلت له - يعني : لأحمد - : فحديث عطاء بن يسار عن ميمونة ؟ قال : من كتاب لتصريحه بقراءة الكتاب معه ، فدلّ على سماعه له منه ، والله أعلم . وذكر أبو عمر بن عبد البر أنّ أبا حنيفة وأصحابه ، وسفيان ، والأوزاعي ، والشافعي وأصحابه ، وأحمد ، وداود ، والطبري ، قالوا بالتوقيت ، وقد روي عن مالك التوقيت في رسالته لبعض الخلفاء ، وأنكر ذلك أصحابه ، وروي التوقيت في المسح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وجوه كثيرة ، وروي عن عمر من طرق أكثرها من حديث أهل العراق بأسانيد حسان ، وثبت ذلك عن علي ، وابن مسعود ، وسعد ، على اختلاف عنه ، وعمار ، وأبي مسعود ، والمغيرة ، وغيرهم ، وعليه جمهور التابعين وأكثر الفقهاء ، وهو الاحتياط عندي . وقال الطحاوي : يحتمل أن يكون عمر قال ذلك ؛ لأنه علم أنّ طريق عقبة الذي جاء منها طريق لا ماء فيها ، فكان حكمها أن يتيمم ، فسأله : متى عهدك بخلع خفيك إذا كان حكمك هو التيمم ؟ فأخبره بما أخبره ، وهذا الوجه أولى ما يحمل عليه هذا الحديث ؛ ليوافق ما روي عن عمر بالأخبار المتواترة ولا يضاده ، وقد روينا عن غير عمر ما يوافق ما قلنا ، قال أبو محمد بن حزم : وتعلّق مقلّدو مالك بأخبار ساقطة ، لا يصح منها شيء ، وبآثار عن الصحابة لا يصح منها أثر ، ولا يصح خلاف التوقيت فيه عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر فقط ، ولا حجة فيه ؛ لأن ابن عمر لم يكن عنده المسح ولا عرفه ؛ بل أنكره حتى أعلمه به سعد ، فلم يكن في علم المسح كغيره ، وعلى ذلك فقد روي عنه التوقيت ، انتهى كلامه . وقد أسلفنا قبل ما صح في الباب من الحديث وغيره ، والله أعلم . وبما يحتج به المالكيون قول الحسن ، وقيل له : إن يزيد سار إلى السند ، فلم يخلع له خفا حتى قدمها ، فلم ير به بأسا ، ذكره النيسابوري في الأبواب عن أبي الأزهر ، ثنا روح ، ثنا أشعث عنه ، ثم قال : ثنا أبو الأزهر ، ثنا روح ، ثنا أشعث ، عن الحسن ، قال : المقيم والمسافر في المسح سواء ، وعن الشعبي أنه كان لا يوقِّت في ذلك وقتا ، وعن سعد بن أبي وقاص أنّه كان لا يُوقِّت ، فيما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه ، وكذلك أبو سلمة .

128

50 - حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ، ثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن زهير ، عن أبي إسحاق قال : ليس أبو عبيدة ذكره ، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ، عن الأسود ، عن عبد الله بن مسعود : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أتى الخلاء فقال : ائتني بثلاثة أحجار ، فأتيته بحجرين وروثة ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة ، وقال : هي رجس . هذا حديث خرجه البخاري ، عن أبي نعيم ، ثنا زهير . فذكره . وقد ردّ بكونه مدلسا ؛ لأنّ السبيعي لم يصرح فيه بسماعه ، ولم يأت فيه بصيغ ذلك المعتبرة . ذكر الحاكم أن علي ابن المديني قال : كان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول : ليس أبو عبيدة حدّثنا ، ولكن الحديث في الاستنجاء بالأحجار . قال ابن الشاذكوني : ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى . قال أبو عبيدة : لم يحدثني ذلك عبد الرحمن ، عن الأسود ، عن فلان ، ولم يقل حدثني ، فجاز الحديث وسار . ولما ذكره الإِسماعيلي في صحيحه قال : كان يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق ، ففي هذا إشعار ، بل تصريح باتصال الحديث . ويزيد ذلك وضوحا ما علّقه البخاري بصيغة الجزم في بعض النسخ المعتبرة إثر حديث أبي نعيم فقال : وقال إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق : حدثني عبد الرحمن بهذا ، ويوسف معروف بالسماع من جدّه أبي إسحاق ، وإن كان البيهقي أبَى ذلك في كتاب الخلافيات فغير مسلم له ، ويؤيّده ما ذكره الكرابيسي في كتاب المدلسين : أبو إسحاق يقول في هذا مرة : حدثني عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد اللّه ، ومرّة : حدثني علقمة ، عن عبد اللّه ، ومرة : حدثني أبو عبيدة ، ومرة يقول : ابن أبي عبيدة حدثنيه جدي عبد الرحمن بن الأسود ، عن عبد الله . وأما ابن أبي حاتم فذكر عن أبي زرعة أنهم اختلفوا في هذا ، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة . وأما الترمذي فإنه ذكر أن أصح الروايات في هذا عنده حديث إسرائيل ، وقيس بن الربيع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه قال : لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء ، وتابعه على ذلك قيس ، وزهير عن أبي إسحاق ليس بذاك ؛ لأن سماعه منه بأخرة ، سمعت أحمد بن الحسن ، سمعت أحمد بن حنبل يقول : إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير ، فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلَّا حديث أبي إسحاق . ورواه زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن الأسود بن عبد اللّه بن يزيد ، وهذا حديث فيه اضطراب . قال : وسألت الدارمي : أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح ؟ فلم يقضِ فيه بشيء ، وسألت محمدا عن هذا ، فلم يقضِ فيه بشيء ، وكأنه رأى حديث زهير أشبه ، ووضعه في جامعه ، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ، ولا يعرف اسمه . وفيما قاله نظر من وجوه : الأول : بترجيحه حديث إسرائيل على حديث زهير ، وهو معارض بما حكاه الإِسماعيلي عن القطان ، وما حكاه الآجري ، وسألت أبا داود عن زهير ، وإسرائيل عن أبي إسحاق ، فقال : زهير فوق إسرائيل بكثير . وهذا يصلح أن يكون بابا في الردّ على الترمذي ؛ لتقديمه إسرائيل على زهير في أبي إسحاق ، وكان جماعة تابعوا زهيرا فيما حكاه الدارقطني ، وهم : أبو حماد الحنفي ، وأبو مريم ، وشريك ، وزكريا بن أبي زائدة في رواية ، وبما تقدم من متابعة يوسف له أيضا من عند البخاري المصرّح فيها بسماع أبي إسحاق من عبد الرحمن ، وبأن زهيرا لم يختلف عليه ، وبأن إسرائيل تابع زهيرا كما أسلفناه . الثاني : اعتماده على متابعة قيس بن الربيع ، وهي كلا شيء ؛ لشدة ما يرمى به من الضعف ونكارة الحديث ، وإضرابه عن متابعة الثوري ويونس ، وهما هما . الثالث : وفي المعجم الأوسط للطبراني من حديث زياد بن سعد ، عن أبي الزبير : حدثني يونس بن خباب الكوفي ، سمعت أبا عبيدة بن عبد اللّه يذكر أنه سمع أباه يقول : إنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر إلى مكة ، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج إلى الغائط أبعد الحديث . وسيأتي ذكره عن قريب . الرابع : قوله في أبي عبيدة : ولا يعرف اسمه ، وفي العلل الكبير عزا ذلك للبخاري ، وليس كذلك ؛ لأن مسلم بن الحجاج سماه في كتاب الكنى عامرا . الخامس : إضرابه عن الحديث المتصل إلى منقطع على زعمه ، وهو ما رواه الدارقطني ، عن عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا محمد بن عيسى بن حيان ، ثنا الحسن ابن قتيبة ، نا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص ، عن ابن مسعود . فذكره . السادس : اقتصاره على ما ذكر من التعليل والاضطراب ، وأضرب عن أشياء ، وإن كان ذلك غير لازم له ، وإنما ذكرناه تبرعا وإعلاما ، أن ثم غير ما ذكر من غير إشباع تتبع ، بل ليستدل على غرضنا في ذلك ، فمن ذلك ما رواه عمار بن رزيق ، وورقاء ، ومعمر ، وسليمان بن قرم ، وإبراهيم الصائغ ، وعبد الرحمن بن دينار ، وأبو شيبة محمد بن جابر ، وشعبة بن الحجاج ، وصباح بن يحيى المزني ، وروح بن مسافر ، عن أبي إسحاق ، عن علقمة ، عن عبد الله . قال أبو الحسن الدارقطني : وكذلك قال إسحاق الأزرق ، عن شريك ، وروي عن علي بن صالح بن حي ، ومالك بن مغول ، ويوسف بن أبي إسحاق وحديج بن معاوية ، وشريك ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عبد اللّه . ورواه أبو سنان عن أبي إسحاق ، عن هبيرة بن يريم ، عن عبد اللّه بزيادة : فتوضأ ولم يمسّ ماء . قال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن أبي إسحاق عن هبيرة إلَّا أبو سنان ، تفرد به الصباح بن محارب ، ولفظ أبي نعيم في تاريخ أصبهان : لا تستنجوا بالعظام والروث . ورواه من حديث أبي كريب ، نا حفص ، ثنا داود ، عن الشعبي ، عن علقمة عنه . السابع : قوله : رواه زكريا إلى آخره جازما بذلك ، وليس هو كذلك ، بل روي عنه على وجوه : فَمِنْها بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، وَالْأَزْرَقِ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانَ ، وهي المذكورة عند الترمذي ، ومنها رواية سهل عن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن ، ولم ينسبه . وقال منجاب عن يحيى عنه ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، وقيل : عن منجاب عن يحيى عن أبيه عن أبي إسحاق عن الأسود ، لم يذكر بين أبي إسحاق والأسود أحدا . الثامن : رواية إسرائيل المرجحة عنده مضطربة أيضا بما ذكره عباد القطواني وخالد العبد عنه ، عن أبي إسحاق ، عن علقمة ، عن عبد اللّه . ورواه الحميدي ، عن ابن عيينة عنه ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، وإنما منعنا من استقصاء الخلاف على أبي إسحاق في هذا - قول الدارقطني : اختلف عنه فيه اختلافا شديدا ، والله تعالى أعلم . والذي يظهر من ذلك أنّ أبا إسحاق سمعه من جماعة ، ولكنه كان غالبا إنّما يحدثهم به ، عن أبي عبيدة ، فلما نشط قال : ليس أبو عبيدة الذي هو في ذهنكم أني حدّثتكم عنه حدّثني وحده ، ولكن عبد الرحمن . ويؤيد ذلك مجيئه عنه أيضا عن غير المذكورين ، أو يكون من باب السلب والإيجاب ، نفى حديث أبي عبيدة ، وأثبت حديث عبد الرحمن ، وهذا أشد على الترمذي ؛ لكونه نفي حديث أثبته هو ، ولعلّ البخاري لم ير ذلك متعارضا ، وجعلهما إسنادين ، وأسانيدهما قدّمناها . وروى الدارقطني في سننه هذا الحديث من جهة أبي إسحاق ، عن علقمة ، وفي آخره ائتني بحجر ، وفي لفظ ائتني بغيرها ، وهو منقطع فيما بين أبي إسحاق وعلقمة ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق سالم ، من أبي إسحاق وأبي عبيدة وزهير بزيادة تستفاد ، فقال : ثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، ثنا زياد بن الحسن بن فرات ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبرز ، فقال : ائتني بثلاثة أحجار ، فوجدت له حجرين وروثة حمار ، فأمسك الحجرين وطرح الروثة ، وقال : هي رجس . قال الإمام أبو بكر : فيه بيان على أن أرواث الحمر نجسة ، وإذا كانت أرواث الحمَر نجسة بحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حكم جميع أرواث ما لا يؤكل لحومها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر . وفي حديث علي بن رباح عنه : نُهي أن نستنجي بعظم حائل ، أو روثة ، أو حممة ، قال الدارقطني : علي لا يثبت سماعه من ابن مسعود ، وفي المسند عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ائتني بشيء أتمسح به ، ولا تقربني حائلًا ولا رجيعًا ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم .

129

51 - حدثنا محمد بن الصباح ، أنا سفيان بن عيينة ، وثنا علي بن محمد ، نا وكيع ، جميعا عن هشام بن عروة ، عن أبي خزيمة ، عن عمارة بن خزيمة ، عن خزيمة بن ثابت ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : في الاستنجاء ثلاثة أحجار ، ليس فيها رجيع . هذا حديث صحيح الإسناد ، لأن أبا خزيمة اسمه عمرو بن خزيمة ، كذا صرّح به ابن المديني في الأحاديث المعلّلة التي رواها عنه الباغندي ، ذكره البستي في كتاب الثقات ، وعمارة هو : عمارة بن خزيمة روى عنه أيضا الزهري وأبو جعفر الخطمي ومحمد بن زرارة ، وغيرهم . ذكره العجلي فقال : تابعي ثقة ، ولما ذكره البستي في الثقات ، قال : توفي بالرقة سنة خمس ومائة ، وهو ابن خمس وسبعين سنة ، ووثقه النسائي أيضا . قال ابن سعد : توفي بالمدينة في أوّل خلافة الوليد بن عبد الملك ، وكان ثقة قليل الحديث ، ومع ذلك فقد علل بالاضطراب والاختلاف في إسناده ، وذلك أنّ الجم الغفير رووه عن هشام كما تقدّم ، منهم عبدة بن سليمان ، وابن نمير ، وأبو أسامة ، ومحمد بن بشر العبدي ، وعبد الرحيم بن سليمان ، وعلي بن مسهر ، والمفضل بن فضالة ، واختلف على ابن عيينة ؛ فرواه كرواية الجماعة أولا ، وقيل : عنه عن هشام ، عن أبي وجزة ، عن عمارة . ورواه أبو معاوية الضرير ، عن هشام ، عن عبد الرحمن بن سعد ، عن عمرو بن خزيمة ، وهو خطأ ، قاله ابن المديني والبخاري ، ورواه إسماعيل بن عياش ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عمارة ، وهشام من أهل الحجاز ؛ فرواية إسماعيل عنه غير معتبرة والصواب الأول ، قاله ابن المديني ، والبخاري ، وأبو زرعة الرازي .

130

52 - حدّثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، وثنا محمد بن بشار ، ثنا عبد الرحمن ، ثنا سفيان ، عن منصور ، والأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن سلمان قال : قال له بعض المشركين وهم يستهزؤون به : إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة ، قال : أجل ، أمرنا أن لا نستقبل القبلة ، وأن لا نستنجي بأيماننا ، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم . ورواه مسلم في صحيحه بلفظ : لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول . وقال فيه الترمذي : حسن صحيح ، وذكر الحربي في كتاب العلل : كان سفيان إذا حكى عن اثنين حكى أصح الروايتين وأتمهما ، قد فعل ذلك في غير حديث ، منها عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم ، فذكر حديث سلمان ، فقال : عن سلمان ، وإنما منصور كان يقول : عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم كذا حكاه عن منصور : جرير ، وشعبة ، وزائدة ، وإسرائيل ، وفضيل ، فلما جمع سفيان بين الأعمش ومنصور استجاز أن يقول : عن سلمان . وزعم أبو عيسى أن في الباب عن عائشة ، وخزيمة ، وجابر ، وخلاد بن السائب ، عن أبيه ، وفي ذلك نظر ؛ لإِغفاله حديث أبي هريرة المتقدم أيضا ، وحديث سهل بن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أولا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة ؟ رواه الدارقطني ، وقال : إسناده حسن . وحديث ابن عباس مرفوعا : ثم ليستطب بثلاثة أحجار ، أو ثلاثة أعواد ، أو ثلاث حفنات من تراب رواه الدارقطني وضعفه ، وحديث أنس بن مالك قال - عليه السلام - : الاستنجاء بثلاثة أحجار ذكره البيهقي ، وضعفه بعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي . وحديث أبي أيوب من عند ابن عبد البر مرفوعا : إذا تغوط أحدكم ، فليستنج بثلاثة أحجار ، فإن ذلك طهور . وحديث أبي أمامة من عند أبي أحمد مرفوعا : يطهر المؤمن ثلاثة أحجار وضعفه . وحديث الزبير بن العوام ، أنا أبو بكر المقدسي ، أنا ابن الحميري إجازة ، أنا شهدة ، أنا ابن هراشة ، أنا البزار ، أنا الإِسماعيلي ، أخبرني موسى بن جعفر بن محمد بن التاجر ، نا يعقوب بن سفيان ، ثنا سليمان بن سلمة ، ثنا بقية ، حدثني نمير بن يزيد القيني ، عن أبيه ، عن عمه قحافة بن ربيعة ، ثنا الزبير بن العوام ، قال : صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح في مسجد المدينة ، فلما فرغ قال : أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ؟ فذكر الحديث . وفيه : فأخذ عظما وروثة ، فنظم إحداهما بالأخرى ، وروي فيه : فبلهما ، ثم قال : هذا طعام الجن . قال الزبير : فلا يحل لأحد سمع هذا الحديث أن يستنجي بعظم ولا روثة ولا بعر . وحديث عقبة بن عامر : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن الكي ، وكان يرخص في الحميم ، وكان إذا اكتحل اكتحل وترا ، وإذا استنجى استجمر وترا ، رواه أحمد بن حازم بن أبي عرزة في مسند عقبة من حديث ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن يزيد عنه . وحديث خلاد بن السائب الذي أشار إليه ، ذكره ابن زبر في معجمه عن البغوي ، ثنا هدبة ، ثنا حماد بن الجعد ، ثنا قتادة ، نا خلاد به . ويلتحق بهذا الاستنجاء بالتراب ، وهو في حديث رواه عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : رأيت عمر بن الخطاب بال ، فمسح ذكره بالتراب ، ثم التفت إلينا وقال : هكذا علمناه . ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن ابن أبي ليلى إلا عطاء ، ولا عن عطاء إلا روح بن جناح . تفرد به الوليد بن مسلم . وفي حديث أبي الدرداء : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مال إلى راحلته ، ثم أخذ نواة فوضعها على ذكره ، ثلاث مرات ذكره الخطيب أبو بكر بسند ضعيف ، وحديث ابن عباس مرفوعًا عند الدارقطني : فليستنج بثلاثة أعواد ، أو بثلاثة أحجار ، أو بثلاث حثيات من التراب ، وحديث ابن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة يرفعه : يطهر المؤمن ثلاثة أحجار والماء والطين . وحديث جابر بن عبد اللّه مرفوعا : نهانا أن نمسح بعظم أو بعرة . وحديث ابن عمر من عند ابن يونس من جهة ابن لهيعة ، عن عبد اللّه بن زهرة ، عن عبد الله بن معتب عنه مرفوعا : إذا بال الرجل ومسح ذكره بالتراب ثلاثا ثم يتوضأ ، فإن خرج منه شيء فلا وضوء عليه ، قال أبو سعيد : الصحيح من هذا موقوف على ابن عمر ، وهو في جامع عبد الرزاق مسندا ، واللّه أعلم . وحديث سراقة بن مالك بن جعشم ، وقال له رجل : ما بقي إلا أن يعلمكم التغوط ، فقال الحديث . ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني ، ثنا رباح بن زيد ، عن معمر ، عن سماك بن الفضل ، عن أبي رشدين عنه . وحديث رويفع من حديث يرفعه : من استنجى برجيع دابة أو عظم ، فإن محمدا منه بريء . رواه أبو داود ، زاد في التفرد : ثنا ابن موهب ، ثنا المفضل عن عياش ، أنّ شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضا ، عن أبي سالم الجيشاني ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يذكر ذلك ، وهو معه مرابط بحصن أليون . قوله : نهى - عليه السلام - أن يستطيب بيمينه قال الخطابي : أي لا يستنجي بها ، وسمي الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة ، يقال : استطاب الرجل إذا استنجى ، فهو مستطيب ، وأطاب فهو مطيب ، ومعنى الطيب هنا الطهارة ، ومنه قوله تعالى : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ . ونهى - عليه السلام - أن تسمى المدينة يثرب ، قال الهروي : لأن الثرب فساد ، وأمر أن تسمى طابة ، يعني طيبة ، ذكره عنه بعض العلماء ، ولا أدري من الهروي ؟ فإن كان اللغوي فليس هذا منه ، ولعله بعض الفقهاء أصحاب المعاني ، قال الخطابي : يعني طهارة التربة ؛ فدلّ ذلك على جواز التيمم بالسباخ . وقيل : معناه الطهارة من النفاق . وفي الجامع : وأطاب نفسه يطيب. قال الأعشى : يا رخما قاظ على مطلوب يعجل كف الخارئ المطيب وأصل الاستنجاء : الذهاب إلى النجوة من الأرض الساجة ، وهي المرتفعة ، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي ، فقيل من هذا : استنجاء الرجل ، أي أزال النجو عن بدنه ، والنجو كناية عن الحرث ، كما كني عنه بالغائط . وقيل : أصله نزع الشيء من موضعه وتخليصه منه . وقال المديني : يقال : أنجى ، إذا أزال النجو ، وهو العذرة عن مقعدته ، يقال : شرب دواء فما أنجاه ، يعني ما أسهل بطنه ، ونجا ينجو : استطلق بطنه ، ونجا وأنجا : قضى حاجته من النجو . وقيل الاستنجاء : الاستخراج لنجو البطن ، وهو ما يخرج منه . وقيل : هو من نجوت الشجرة وأنجيتها ؛ إذا قطعتها ، كأنه قطع الأذى عن نفسه بالحجارة . وقال القزّاز : نجا ينجو : إذا أحدث ، وحكى أنجا فلانا نجا من الغائط ، وهو المطمئن من الأرض ، والغوط أشد انخفاضا من الغائط ، والجمع أغواط ، وهذا غوط مطمئن ، أي : بعيد ، ويجمع على غيطان أيضا . قال أبو سليمان : في نهيه - عليه السلام - عن الروث والرمة دليل على أن أعيان الحجارة غير مختص بهذا المعنى دون غيرها من الأشياء التي تعمل عمل الحجارة ، وذلك لأنه لما أمر بالأحجار ثم استثنى الروث والرمة ، فخصهما بالنهي ؛ دلّ على أنّ ما عدا الروث والرمة دخل في الإِباحة ، وأنّ الاستنجاء به جائز ، خلافا لأهل الظاهر ، وفيه نظر ؛ لأن في حديث أبي هريرة مرفوعا : نهى أن يستنجى بعظم أو روث ، وقال : إنهما لا يطهران . قال الدارقطني عند تخريجه : إسناده صحيح . والرمة : العظام البالية ، وقد جاء مصرحا به في حديث ابن مسعود من كتاب الدارقطني ، ويقال : إنما سميت بذلك لأنّ الإِبل ترمها أي تأكلها ، قال القزاز : أي : تتملح بها . قال لبيد : والنيب إن تغرمني رمة خلقا بعد الممات فإني كنت أَثئرُ والرواية الصحيحة : تعدمني بالدال ، وهو الأكل بشدة . قال الجوهري : والجمع رمم ورمام ، تقول : رم العظم يرم بالكسر رمة ، أي : بلى فهو رميم . وفي الأساس : الرم : الرمام بدون الرفات ، قال : ظلّت عليه تعلك الرمَاما ، أي : تتملح به . والرجيع : الروث ، وهو اسم يقع على كلِّ حدث ، وسمي بذلك لأنه رجع عن الحالة الأولى ، وكذا كلّ شيء حدث أو فعل إذا ردّد فهو رجيع ، فعيل بمعنى مفعول ، قال الشاعر : وفلاة كأنها ظهر ترس ليس إلَّا الرجيع فيها علاق وذكر الزمخشري الرجيع في باب المجاز ، وبنحوه قال ابن دريد ، وذكر الزمخشري بيت الأعشى المستشهد به دليلا على دسع البعير رجيعه ، أي جرّته . قال أبو سليمان : الخراءة مكسورة الخاء ممدودة الألف : أدب التخَلِي والقعود عند الحاجة ، وأكثر الرواة يفتحون الخاء ، ولا يمدون الألف ، فيفحش معناه . وقد اختلف في الاستنجاء ، فعند مالك وأبي حنيفة هو سنة . وقال الشافعي وأحمد : فرض . واختلفوا في العدد : فأبو حنيفة ومالك إلى الإنقاء ، والشافعي وأحمد لا يجوز عندهما الاقتصار على ما دون الثلاثة ، وإن حصل الإنقاء بدونها . وأجاز الطبري الاستنجاء بكل طاهر ونجس ، وكره الاستنجاء بأشياء ، منها : العظم ، والرجيع ، والروث ، والطعام ، والفحم ، والزجاج ، والورق ، والخزف ، وورق الشجر ، والشعر ، والجلد ؛ لمجيء ذلك في الحديث .

131

باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة 49 - حدثنا محمد بن الصباح ، أنا سفيان بن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إنما أنا لكم مثل الوالد ، أعلمكم ، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ، وأمر بثلاثة أحجار ، ونهى عن الروث والرمة ، ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه . هذا حديث خرجه أبو عوانة الإسفرائيني في صحيحه من حديث ابن عيينة ، وروى مسلم في صحيحه منه قطعة ، عن أحمد بن الحسن بن خراش ، نا عمر بن عبد الوهاب ، نا يزيد بن زريع ، نا روح ، عن سهيل ، عن القعقاع : إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها . وتتبع ذلك عليه أبو الفضل الهروي الحافظ ، فزعم أن هذا الحديث أخطأ فيه عمر بن عبد الوهاب على يزيد ؛ لأنه حديث يعرف بابن عجلان عن القعقاع ، وليس لسهيل في هذا الإِسناد أصل . ورواه أمية بن بسطام عن يزيد على الصواب ، عن روح ، عن ابن عجلان ، عن القعقاع ، عن أبي صالح بطوله ، وحديث عمر مختصر ، وبنحوه قاله أبو الحسن الدارقطني في كتاب التتبع . وقال في موضع آخر : وكان في الكتاب مما تركه عن عمر الرياحي عن يزيد بن زريع ، عن روح بن القاسم ، عن سهيل ، عن القعقاع الحديث . وهو مما وهم فيه الرياحي ، وخالفه أمية ، فرواه عن يزيد ، عن روح ، عن ابن عجلان ، وهو الصواب . قال أبو مسعود الدمشقي : إذا لم يروه في كتابه بحال فلا معنى لنسبته إلى الوهم . وفي ذلك نظر من حيث الموجود في كتاب مسلم ، لم يتركه بحال ، وأخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، كما رواه ابن ماجه مطولا ، عن أبي يعلى ، ثنا إبراهيم بن الحجاج السامي ، ثنا وهيب وأنا أبو يعلى ، ثنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثني أبي ، وأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ، ثنا الوليد بن شجاع ، ثنا ابن وهب ، أخبرني حيوة والليث ، كلهم عن ابن عجلان . وفي مسند الحميدي التصريح بسماع ابن عيينة من ابن عجلان . ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن بندار ، ثنا يحيى بن سعيد ، نا ابن عجلان به مطولا . ورواه الدارقطني بلفظ : نهى أن يستنجى بروث أو عظم . وقال : إنهما لا يطهران ، ثم قال : إسناده صحيح

132

70 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن أبيه ، عن إبراهيم التيمي ، عن عمرو بن ميمون ، عن خزيمة بن ثابت ، قال : جعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسافر ثلاثا ، ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمسا . 71 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، سمعت إبراهيم التيمي يحدّث عن الحارث بن سويد عن عمرو بن ميمون ، عن خزيمة بن ثابت ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ثلاثة أيام - أحسبه قال : - ولياليهن للمسافر في المسح على الخفين . هذا حديث خرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن أبي يعلى ، ثنا أبو خيثمة عن جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عمرو ، عن أبي عبد الله الجدلي ، عن خزيمة ، قال : رخص لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نمسح ثلاثا ، ولو استزدناه لزادنا . وفي حديث أبي نعيم ، ثنا سفيان ، عن أبيه ، عن إبراهيم : جعل - عليه الصلاة والسلام - المسح على الخفّين ثلاثة أيام للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم ، ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمسا . وفي حديث أبي عوانة عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم : أن أعرابيا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المسح ، فقال : للمسافر ثلاثا ، وللمقيم يوما وليلة . وفي مسند البغوي الكبير ، ثنا أبو معاوية ، ثنا الحجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن عبد الله بن هرم - أو قال : هرمي - عن خزيمة العنسي ، مرفوعا : يمسح المسافر على خفيه ثلاثة أيام ، والمقيم يوما وليلة . ولما رواه أبو الحسن في الأفراد من حديث أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة ، قال : غريب من حديث أبي بشر جعفر بن إياس عن أبي معشر . تفرد به روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، وغريب من حديث القاسم بن الوليد عن الحارث . تفرد به عبيدة بن الأسود بن سعيد عنه ، ورواه الشعبي ، وتفرد به أبو حاتم سويد بن إبراهيم عن حماد عنه ، وتفرد به الكرماني بن عمرو عنه ، وغيره يرويه عن حماد عن إبراهيم ، وله أصل عن الشعبي ، ورواه ذؤاد بن علبة عن مطرف عن الشعبي عنه ، وتفرّد به ذؤاد عن مطرف ، ورواه عمرو بن صالح عن حماد ، وهو غريب من حديث هشام بن حسان عنه . تفرّد به عنه عمرو بن حمدان ، ورواه عمرو بن ميمون عن الجدلي ، وتفرّد به ابن عينية عن عمر بن سعيد الثوري عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي عن عمرو ، ورواه حماد عن إبراهيم ، وتفرّد به أبو حمزة السكري عن رقبة عنه ، ورواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن خزيمة من حديث الحكم عنه ، وهو غريب من حديثه . تفرّد به عبد العزيز بن المطلب عن ابن أبي ليلى عن الحكم عنه ، وقال أبو عيسى : وخرجه من حديث أبي عوانة عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم : هذا حديث حسن صحيح ، وذكر عن يحيى بن معين أنه صحح حديث خزيمة في المسح ، قال : وروى الحكم بن عتيبة وحماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة ، ولا يصح . قال ابن المديني : قال يحيى : قال شعبة : لم يسمع إبراهيم من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح ، وقال زائدة عن منصور : كنا في حجرة إبراهيم التيمي ومعنا إبراهيم النخعي ، فحدّثنا التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح ، وقال في كتاب العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : لا يصح عندي حديث خزيمة في المسح ؛ لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت ، وحديث عمرو بن ميمون عن الجدلي هو أصح وأحسن . ثنا القاسم أبو محمد ، ثنا مالك بن إسماعيل ، ثنا ذؤاد بن علبة عن مطرف عن الشعبي عن الجدلي عن خزيمة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الحديث . سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : إنّما روى هذا الحديث ذؤاد عن مطرف عن الشّعبي ، ولا أرى هذا الحديث محفوظا ، ولم يعرفْه إلا من هذا الوجه . ورواه الإِمام أحمد عن وكيع عن سفيان عن حماد ، ومنصور عن إبراهيم عن الجدلي عن خزيمة ، قال عبد الله : قال أبي : هذا خطأ ؛ كأنه أراد الخطأ في رواية منصور عن إبراهيم على هذا الوجه ، لا في رواية حماد ؛ فإن الصحيح في حديث منصور رواية عمرو بن ميمون - يعني : ما قدّمناه - زاد الخلال : قال أبو عبد الله : فلم يستزيدوه ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يزد . وخرّجه ابن الجارود في كتاب المنتقى من حديث الحكم وحماد عن إبراهيم ، وقال الطوسي في كتاب الأحكام : ورواه من حديث المبارك بن سعيد أخي سفيان عن إبراهيم عن أبي عبد الله ، فقال : هذا حديث حسن صحيح . وأعلّ ابن حزم خبر خزيمة بالجدلي ، قال : كان حامل راية المختار ، ولا يعتمد على روايته ، ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة ؛ لأنه ليس فيه أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباح المسح أكثر من ثلاث ، ولكن في الخبر من قول الراوي : ولو تمادى السائل لزادنا ، ولم يتماد فلم يزدهم شيئا ، وبنحوه قال البيهقي والخطابي ، وفي موضع آخر قال البيهقي : إسناده مضطرب ، وفي علل ابن أبي حاتم : رواه سعيد بن مسروق ، وسلمة بن كهيل ، ومنصور ، والحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم ، عن عمرو بن ميمون . ورواه الحكم بن عتيبة ، وحماد بن أبي سليمان ، وأبو معشر ، وشعيب بن الحبحاب ، والحارث العكلي عن النخعي عن الجدلي ، فقال أبو زرعة : الصحيح من حديث إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي ، والصحيح من حديث النخعي عن الجدلي بلا عمرو بن ميمون . وفي معجم الطبراني الأصغر ما يعكر على هذا القول ، وذلك أنه رواه من حديث أسيد بن عاصم ، ثنا عبد الله بن رجاء الغداني ، ثنا شعبة عن الحكم ، وحماد ومغيرة ، ومنصور عن إبراهيم النخعي عن الجدلي ، وقال : لم يروه - يعني : هكذا - إلا ابن رجاء ، تفرد به أسيد . وفي كتاب الأحاديث المعللة لعلي ابن المديني رواية الباغندي : ثنا سفيان ، ثنا منصور ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبي عبد الله الجدلي ، عن خزيمة : رخص لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الحديث . قال علي : ذهب عني هذه المرة رفع هذا الحديث ، ولكن سفيان قال فيه : ثنا منصور ، قال علي : قيل لسفيان فيه : والمقيم يوم وليلة ؟ قال : هكذا أنبأنا منصور ، قال علي : فروى هذا الحديث سفيان وجرير وعبد العزيز ، كلهم عن منصور عن إبراهيم ، فأسندوا إسنادا واحدا ، وتابع سعيد بن مسروق منصورا على إسناده ، وزاد فيه : وللمقيم يوما وليلة ، قاله سلمة بن كهيل عن إبراهيم ، فأدخل بين عمرو وإبراهيم الحارث بن سويد ، وترك بين عمرو وبين خزيمة أبا عبد الله الجدلي ، وروى سفيان هذا الحديث عن سلمة بن كهيل ، فخالف شعبة ، وإسناد منصور وسعيد بن مسروق عن سلمة بن كهيل عن التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله ، قال : يمسح المسافر ثلاثا . وقال الحارث بن سويد : ما أخلع حتى آتي فِراشي . قال علي : وزاد الأعمش كلام الحارث هذا ، فأخره في آخر الحديث : ثنا حماد بن أسامة ، قال الأعمش عن إبراهيم : سألت الحارث بن سويد عن المسح على الخفين ، فقال : امسح ، قال : قلت : وإن دخل الخلاء ؟ قال : وإن دخل الخلاء في يوم عشر مرات . ؛ فحدثنا يحيى بن آدم ، ثنا يزيد بن عبد العزيز ، ثنا إبراهيم ، قال : سمعت الحارث ، قال علي : وروى هذا الحديث يزيد بن أبي زياد ، فخالفهم فيه جميعا ، انتهى . وكذا قاله الطبراني في الأوسط والبيهقي ، وهو إسناد مضطرب رجع ، نا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن الحارث بن سويد عن عمر ، قال : يمسح المسافر على الخفين ثلاثا . قال علي : فلما اضطرب هذا الحديث من حديث التيمي ، واختلفوا عنه في إسناد أردت أن أعلم من رواه من طريق خزيمة ؛ لأنه أصل من الأصول . ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا سفيان ، حدثني حماد عن إبراهيم عن الجدلي عنه ؛ فلما روى هذا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي ، وسقط على منصور والأعمش ، وهما صاحبا إبراهيم ، فأحببت أن أعلم هل وعاه أحد من إبراهيم النخعي ، فوجدته عن الحكم بن عتيبة وأبي معشر ، ووجدناه من حديث الشّعبي عن الجدلي ، ثنا به شهاب بن عباد ، ثنا ذؤاد بن علبة عن مطرف عنه ، ورواه أبو بكر وعثمان ، ابنا أبي شيبة عن وكيع ، ثنا سفيان عن منصور والأعمش ومغيرة عن إبراهيم عن الجدلي عن خزيمة ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، ومسح على خفيه . وفي حديث الملائي عن حماد : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين ، ثم نظرنا ، فإذا هشام بن حسان يحدّث به عن عمرو بن صالح عن حماد عن إبراهيم عن الجدلي ، ثم نظرنا فإذا علي بن الحكم يُحدِّث به عن حمّاد ، ثم نظرنا فإذا هشام يحدث به عن شعيب بن الحبحاب عن إبراهيم ، ثم نظرنا ، فإذا قتادة يحدّث به عن الجدلي ، وأنكرنا أن يكون قتادة سمع من الجدلي ، ثناه محمد بن مرزوق ، ثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي عن قتادة عن الجدلي ، وحدثني محمد بن حرب ، ثنا عاصم بن علي ، ثنا همام عن قتادة ، أن الجدلي حدّث عن خزيمة ، فعلمنا أنّ قتادة لم يسمع من الجدلي ؛ لأن هماما قال عن قتادة أن الجدلي : ثم أحببت أن أعلم أن قتادة حدّث به عن أحد ، فنظرنا ، فإذا قتادة يحدّث به عن أبي معشر عن إبراهيم ، ثم أحببت أن أعلم أنّ أحدا وافق عمرو بن عاصم عن همام ، فنظرنا فإذا ابن أبي عروبة قد وافقه ، وأحببت أن أعلم هل أحد رواه عن أبي معشر عن قتادة ، فنظرنا ، فإذا قد رواه أبو بشر عن أبي معشر عن إبراهيم ، ثم نظرنا ، فإذا الحارث العكلي يحدّث عن إبراهيم عن الجدلي ، انتهى . وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن العكلي إلا القاسم بن الوليد ، ولا عن القاسم إلا عبيدة . تفرد به عبد الله بن عمر بن أبان رجع ، ثم نظرنا فإذا سفيان قد حدّث به عن منصور عن إبراهيم ، وإنما حدِّث به عن سفيان عن أبيه ، ثم نظرنا ، فإذا الحسن بن عبيد الله يحدّث به عن التيمي عن عمرو عن الجدلي ، ثم نظرنا ، فإذا عمرو بن ميمون يحدّث عن أبي بردة ، ثنا علي بن مسلم المؤدب ، ثنا يحيى بن يعلى المحاربي ، ثنا زائدة ، قال منصور : كنّا في حجرة إبراهيم ومعنا التيمي ، فذكرنا المسح على الخفين ، فقال التيمي : ثنا عمرو بن ميمون عن أبي بردة بهذا الحديث عن أبيه ، قال : جعل لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثا ، ولو استزدناه لزادنا ، ثم نظرنا ، فإذا عمرو بن ميمون يحدّث به عن علي بن ربيعة الأسدي عن الجدلي ، ثم نظرنا ، فإذا الحكم يحدّث به عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن خزيمة : ثنا عبد الله بن سعد بن إبراهيم الزهري ، ثنا عمي يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا عبد العزيز بن المطلب عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن به ، فأحببت أن أعلم أن أحدا روى عن عبد العزيز بن المطلب غير يعقوب ، فنظرنا فإذا سليمان بن بلال يحدّث به عن عبد العزيز ، وكفى بسليمان بن بلال ، قال - يعني : الباغندي - : حدّثني محمد بن المطلب بن عبد الله بن سالم ، ثنا أحمد بن خضر ، ثنا حماد بن زيد عن عمرو بن صالح عن حماد عن إبراهيم عن الجدلي ، حدثني محمد بن إسماعيل البخاري ، ثنا أيوب بن سليمان بن بلال ، ثنا أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن عبد العزيز بن المطلب عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن خزيمة ، قال - يعني : ابن المديني - : ثم أحببت أن أعلم عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدّث عن خزيمة بن ثابت بشيء ، فنظرنا فإذا السدي قد حدّث عن عبد الرحمن عن خزيمة ، قال - يعني : الباغندي ثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي ، ثنا عمر بن طلحة القناد ، ثنا أسباط بن نصر السدي عن عبد الرحمن ، قال : كنت بصفين ، فرأيت رجلا راكبا متلثما ، قد أخرج لحيته من تحت عمامته ، فرأيته يقاتل الناس قتالا شديدا يمينا وشمالا ، فقلت : يا شيخ ، تقاتل الناس يمينا وشمالا ، فحسر عن عمامته ، ثم قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : قاتل مع من قاتل عليا . وأنا خزيمة بن ثابت ، ورواه النيسابوري في الأبواب عن أحمد بن منصور ، ثنا يزيد بن أبي حكيم عن سفيان عن سلمة عن التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود ، قال : ثلاثة أيام للمسافر ، ويوم وليلة للمقيم . ورواه في الأوسط من حديث جعفر بن أبي وحشية عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، وقال : لم يروه عن أبي معشر إلا روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، تفرّد به أزهر بن مروان . ومن حديث عمرو بن عبيد عن أبي معشر عن إبراهيم ، وقال : لم يروه عن عمرو إلا عمر بن أبي عثمان الواسطي . وروى الحسن بن رشيق عن علي بن سعيد ، عن أبي كريب ، عن بكر بن عبد الرحمن بن عيسى بن المختار ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن خزيمة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح : إذا أدخل قدميه وهما طاهرتان . وقال في الأوسط : لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي إلا عمار بن رزيق ، ورواه الثوري وأخوه عمر بن سعيد وأبو عوانة وأبو الأحوص وغيرهم عن سعيد بن مسروق عن عمرو بن ميمون عن الجدلي ، انتهى . أمّا ما أعلّه به أبو محمد بن حزم فليس بعلّة ؛ لأنّ أبا عبد الله الجدلي معروف بالثقة والعدالة ، فممن وثّقه الإِمام أحمد وابن معين والبستي ، ولم أر فيه طعنا لمتقدم ، وكونه كان حاملا راية المختار لا ضرر عليه فيه ؛ لأنه قد ذكر مثل ذلك عن أبي الطفيل ، ولم يضره أيضا ، وسببه أنّ المختار كان أوّل خروجه يظهر الأخذ بثأر الحسين - رضي الله عنه - فلهذا تبعه من تبعه من القراء الكبار ، وقد حكى الطبري أن من جملة من كان قائما بأمره أخته صفية زوج عبد الله بن عمر ، وأن عبد الله كان يشفع له عند الأمراء ، وكذلك الشعبي ، وأما زيادة من زاد : عمرو بن ميمون ، والحارث بن سويد ، فالحكم لهم . وأمّا سقوطهما فلا يضر أيضا لمعرفتنا بأنهما هما ؛ لثقتهما وعدالتهما ؛ لأنّ مقتضى المشهور من حكم المحدّثين أن يحكم بالزيادة ، ويجعل ما بين إبراهيم وعمرو منقطعا ؛ لأن الظّاهر أنّ الإنسان لا يروي حديثا عن رجل عن ثالث ، وقد رواه عن ذلك الثالث لقدرته على إسقاط الواسطة ، لكن إذا عارض هذا الظاهر دليل أقوى منه عمل به ، كما فعل في أحاديث حكم فيها بأنّ الراوي علا ، ونزل في حديث واحد ، فرواه على الوجهين ، وفي هذا الحديث قد ذكرنا زيادة زائدة ، وهي أنّ التيمي قال : ثنا عمرو بن ميمون ، فصرح بالتحدّيث ، فمقتضى هذا التصريح لقائل أن يقول : لعلّ إبراهيم سمعه من عمرو ، ومن الحارث بن سويد عنه ، ووجه أخر : وهو أن يقال : إن كان متصلا فيما بين التيمي وعمرو فذاك ، وإن كان منقطعا فقد تبيّن الواسطة ، وهو من أكابر الثقات ، وأمّا من أعله برواية يزيد بن أبي زياد فتعليل ضعيف ؛ لأنه إنّما تعلل روايةٌ روايةً إذا اتحدا في الصحة ، وحديث يزيد ليس كذلك ، وأمّا تعليل البخاري الحديث بانقطاع ما بين أبي عبد الله وخزيمة ؛ فهي طريقة له مشهورة ، وهي ثبوت السماع للراوي من المروي عنه ولو مرة . وقد أطنب مسلم في ردِّ هذه المقالة ، واكتفى بإمكان اللقاء ، وإلى هذا نحا البستي ومن تابعه في تصحيحه ، وذلك أنّ خزيمة توفي بصفين ، وسن الجدلي إذ ذاك سن الرجال على ما ذكره الطبري وغيره ، ولما عضد حديث التيمي عن الحارث بن سويد من شواهد ومتابعات ، والله أعلم . من ذلك : حديث عوف بن مالك الأشجعي : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيّام ولياليهن للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم . أنبأنا به ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع ، قال : أخبرنا العلامة أبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي ، أنبأنا الحافظ أبو طاهر السلفي ، قراءة عليه ، أنبأنا الرئيس أبو عبد الله ، ثنا هلال بن محمد بن جعفر ، ببغداد ، ثنا الحسين بن يحيى بن عياش ، ثنا إبراهيم بن محشر ، ثنا هشيم عن داود بن عمرو عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس ، ثنا عوف بن مالك به ، قال عبد الله : سمعت أبي حين حدّث بحديث عوف : هذا من أجود حديث في المسح على الخفين ؛ لأنه في غزوة تبوك ، وهي آخر غزوة غزاها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآخر فعله ، وسبق تحسين البخاري له . وقال الطبراني في الأوسط : لا يروى هذا الحديث عن عوف إلا بهذا الإسناد ، تفرد به هشيم . وحديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : في المسح على الخفين : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوم وليلة . رواه أبو عيسى في كتاب العلل عن محمد بن حميد ، ثنا زيد بن حباب عن عمر بن عبد الله بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه ، وقال : سألت محمدا عنه ، فقال : عمر بن أبي خثعم منكر الحديث ذاهب ، وضعف حديث أبي هريرة في المسح . وقد تقدّم ذكره في الباب قبل ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف : ثنا وكيع عن جرير بن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو عنه ، ولفظه : إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه وهما طاهرتان فليمسح عليهما ثلاثا للمسافر ، ويوما للمقيم ، وجرير متروك الحديث منكره ، وحديث عمر بن الخطاب قال : سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر بالمسح على الخفين : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوم وليلة . رواه أبو يعلى الموصلي عن أبي كريب ، ثنا زيد بن حباب ، ثنا خالد بن أبي بكر - هو العمري ثنا سالم عن ابن عمر عنه ، وبنحوه رواه الدارقطني . وحديث أبي بكرة نفيع عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنّه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، والمقيم يوما وليلة ، إذا تطّهر ولبس خفيه فليمسح عليهما . رواه ابن الجارود في منتقاه ، وابن حبان في صحيحه عن الخليل بن محمد الواسطي ، ثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الوهاب الثقفي ، ثنا المهاجر بن مخلد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، وقال الترمذي ، عن محمد : وحديث أبي بكرة حسن ، وقال البغوي في شرح السنة : هو حديث حسن صحيح . وخرجه البيهقي في سننه عن أبي عبد الله الحافظ ، وأبي سعيد بن أبي عمرو ، عن أبي العباس محمد بن يعقوب ، عن الحسن بن علي بن عفان ، عن زيد بن حباب ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، وهو أجل إسنادا من سند ابن حبان ، لمكان الحذاء بدل المهاجر إلا أنّ البيهقي قال : وهذا الحديث رواه جماعة عن عبد الوهاب الثقفي عن المهاجر ، ورواه زيد بن حباب عنه عن خالد ؛ فإمّا أن يكون غلطا منه أو من الحسن بن علي ، وإمّا أن يكون عبد الوهاب رواه على الوجهين جميعا ، ورواية الجماعة أولى أن تكون محفوظة ، وحديث صفوان بن عسال المرادي : قال ابن حبان : أنبأنا محمد بن إسحاق بن خزيمة بخبر غريب ، ثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع ، قالا : ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن عاصم عن زر ، قال : أتيت صفوان بن عسال ، فقال : ما جاء بك ؟ فقلت : أنبط العلم . قال : فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضى بما صنع ، قال : جئت أسألك عن المسح على الخفين ، قال : نعم ، كنا في الجيش الذين بعثهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا ، ولا نخلعهما من غائط ولا بول . وفي كتاب الأفراد ، وذكره مُطوّلا ، ولفظه : بعثني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جيش ، فأمرني أن أجعل للمقيم يوما وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن . وفي الرابع من انتقاء الدارقطني على أبي الطاهر الذهلي ، ثنا أبو أحمد ، ثنا إسحاق بن إبراهيم أبو موسى الهروي ، ثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد ، ثنا أبي ، عن جدّي ، عن زر ، فذكره بلفظ : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوما وليلة من نوم أو غائط أو بول إلا من جنابة . وقال أبو علي الحسن بن علي بن نصر بن منصور الطوسي في كتاب الأحكام من تأليفه ، فقال : هذا حديث حسن صحيح ، وقال أبو نعيم : ورواه من حديث أبي جناب الكلبي عن طلحة بن مصرف ، أنّ زِر بن حبيش أتى صفوان ، فقال : ما غدا بك ؟ الحديث ، رواه الجم الغفير عن عاصم عن زر ، وحديث طلحة تفرّد به يحيى بن فضيل عن الحسن بن صالح . وقال الدارقطني في كتاب السنن : ثلاثا إذا سافرنا ، ويوما وليلة إذا أقمنا ، قال : وحدثني علي بن إبراهيم بن عيسى ، سمعت ابن خزيمة يقول : ذكرت للمزني خبر عبد الرزاق هذا ، فقال : حدث به أصحابنا ؛ فإنه ليس للشافعي حجة أقوى من هذا ، يعني : قوله : أدخلناهما على طهر . وقال الترمذي : سألت محمدا ، فقلت : أي الحديث عندك أصح في التوقيت في المسح ؟ قال : حديث صفوان . وأشار أبو عمر بن عبد البرّ إلى حسنه ، ورواه النيسابوري عن محمد ، ثنا عفان ، ثنا عبد الواحد ، وثنا محمد ، ثنا عبيد الله ابن عائشة ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا أبو روق عطية بن الحارث ، ثنا أبو الغريف عبيد الله بن خليفة عن صفوان به ، وثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ، ثنا أبو أسامة ، ثنا أبو روق به . وذكر ابن السكن أن الصعق بن حزن رواه عن علي بن الحكم عن المنهال بن عمرو عن زر عن ابن مسعود ، قال : جاء رجل من مراد ، يقال له : صفوان ، وذكر هذا الحديث ، ولم يتابع عليه ، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث عمرو بن مرة عن صفوان ، ثم قال : لم يروه عن عمرو إلا أبو كيران الحسن بن عقبة المرادي ، تفردّ به عبد الحميد ، ومن حديث حذيفة بن أبي حذيفة الأزدي عن صفوان ، وقال : لم يروه عن حذيفة إلا الوليد بن عقبة بن نزار العبسي . تفردّ به زيد بن الحباب . وحديث ابن عباس ذكره النيسابوري في كتاب الأبواب ، ثنا إبراهيم بن مرزوق ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا شعبة ، ثنا قتادة ، عن موسى بن سلمة ، قال : سألت ابن عباس ، قلت : أكون بمكة ، كم أصلي ؟ قال : ركعتين ، سنة أبي القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وسألته عن صيام ثلاثة أيام كل شهر ، فقال : البيض ، كان عمر يصومها ، وسألته عن المسح على الخفين ، فقال : ثلاثة أيام للمسافر ، ويوم للمقيم ، فذكرت ذلك لعكرمة ، فقلت : إنا نصيب السبايا ، أفأعتق عن أمي ؟ فقال : نعم . قال : فسألته عن ماء البحر ، فقال : هو أحد البحرين . قال النيسابوري : هذا حديث تام حسن ، أنبأنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، ثنا مكي بن إبراهيم ، ثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ابن عباس ، فذكر المسح ، وقد سبق ذكره مرفوعا في الباب قبله ، وتقدّم أيضا في باب الوضوء بماء البحر ، وأن الحاكم صححه ، وقال الدارقطني : وقفه الصواب . وحديث يعلى بن مرّة ، قال : كنا إذا سافرنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ننزع خفافنا ثلاثا ، وإذا أقمنا يوم وليلة . رواه ابن زياد عن أحمد بن منصور ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل ، ثنا مروان بن معاوية ، ثنا عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي عن أبيه عن جدّه ، ورواه الطبراني في الكبير عن عبدان عن عمرو بن عثمان الحمصي عن مروان ، حدثني عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة الثقفي عن أبيه عن جدّه به ، وقال عقبة : ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا سهل بن زنجلة ، ثنا الصباح بن محارب عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة عن أبيه عن جدّه ، وعن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في المسح على الخفين : للمسافر ثلاثا ، وللمقيم يوم وليلة . ولفظ عبد الغني بن سعيد في كتاب الإيضاح : كُنا إذا سافرنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ننزع خفافنا ثلاثا ، فإذا شهدنا فيوم وليلة . وحديث عمرو الضمري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في المسح على الخفين : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوم وليلة . ذكره صاحب الأبواب عن محمد بن إسحاق الصغاني ، أنبأنا محمد بن عمر ، أنبأنا قدامة بن موسى عن الزبرقان عن عبد الله بن عمرو بن أمية عن أبيه ، وقد تقدّم من حديثه في الصحيح من غير ذكر التوقيت . وحديث ابن عمر بن الخطاب : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح على الخفين : للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن . رواه أبو القاسم في الأوسط عن عبدان بن محمد المروزي ، ثنا قتيبة بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن عن الحسن القصاب عن نافع عنه ، وقال : لم يروه عن نافع إلا الحسن ، وحديث البراء بن عازب ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوم وليلة في المسح على الخفين . أنبأنا به المشائخ المسندون أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد وأبو بكر عبد الله بن علي ، وأبو العباس أحمد بن عبد المحسن العدوي ، قال الأولان : أنبأنا أبو الطاهر إسماعيل بن عبد القوي بن داود ، وقال الآخر : أخبرنا ، قالوا : أخبرتنا فاطمة بنت سعد الخير ، أنبأتنا فاطمة الجوزدانية ، أنبأنا ابن ريذة ، أنبأنا أبو القاسم ، أنبأنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا موسى بن الحسين السلولي ، ثنا الصبي بن الأشعث عن أبي إسحاق عنه . ولما خرجه الطبراني في الأوسط قال : لم يروه عن أبي إسحاق إلا الصبي بن الأشعث ، تفرد به السلولي . وحديث أبي مريم قال : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على خفيه ، وقال : للمسافر ثلاثة أيام ، وللمقيم يوما وليلة . رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة عن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن محمد بن المسيب عن عاصم بن المغيرة عن عبد الرحمن بن عمرو - يعني ابن جبلة - عن خالد بن عاصم ، ثنا بريد بن أبي مريم عن أبيه ، ثم قال : مالك بن ربيعة السلولي ، يكنى أبا مريم والد بريد شهد الشجرة ، وسكن الكوفة . وحديث مالك بن سعد ، أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : من صلى الصبح في جماعة ، فكأنما قام ليلته ، وسألته عن المسح على الخفين ، فقال : ثلاثة أيام للمسافر ، ويوم وليلة للمقيم . رواه أبو نعيم عن محمد بن سعد البارودي ، ثنا عبد الله بن محمد البصري الجمري ، ثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة ، حدثتنا مليكة بنت الحارث المالكية من بني مالك بن سعد ، قالت : حدثني أبي عن جدّي مالك بن سعد ، وقال أبو نعيم : مالك مجهول ، وعداده في أعراب البصرة . وحديث يسار أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رخص للمسافر في المسح على الخفين والعمامة : للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ، وأنه نهى عن الصرف . ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل ، فقال : سألت أبي عن حديث رواه عبد الصمد بن عبد الوارث عن الهيثم بن قيس عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه عن جدّه ، فقال أبي : هذا منكر ، ثنا به قرة بن حبيب ، فلم يذكر العمامة ، وليس ليسار صحبة . وحديث أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : المسح على الخفين للمسافر ثلاث ، وللمقيم يوم وليلة ، أنبأنا به الإمام المسند المعمر أبو الحسن علي بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا الإمام العلامة أبو الحسين المقرئ ، أنبأنا أبو الطاهر الشفيقي ، قراءة عليه ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الشافعي ، قراءة عليه ، أنبأنا أبو القاسم علي بن محمد بن عليّ الفارسي ، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن الناصح ، ثنا أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي المروزي ، ثنا الهيثم بن خارجة ، ثنا سعيد بن ميسرة به ، وأنبأنا به المسند المعمر عبد المحسن بن الصابوني - رحمه الله تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا جدي أبو حامد ، أنبأنا أبو القاسم الأنصاري ، أنبأنا أبو الحسن علي بن المسلم ، أنبأنا أبو نصر بن طلاب ، أنبأنا ابن جميع الغساني ، أنبأنا عدي الأذني بن أحمد ، أنبأنا عمي يحيى بن عبد الباقي ، ثنا العباس ابن أبي طالب ، ثنا حفص بن عمر ، ثنا مالك عن الزهري عنه به ، وفي كتاب طبقات الموصل من حديث غسّان بن الربيع ، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الخلاء وعليه خفان أبيضان من جلود الظباء فتوضأ ، ومسح عليهما ، والله أعلم . وحديث ابن مسعود : ما زلنا نمسح مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوما وليلة . رواه البزار مرفوعا من حديث سليمان بن يسير ، وفيه ضعف . ورواه ابن أبي شيبة موقوفا بإسناد صحيح عن ابن مهدي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عنه به ، وحديث المغيرة بن شعبة قال : آخر غزاة غزونا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرنا أن نمسح على خفافنا : للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوم وليلة ، ما لم نخلع . رواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن علي بن إبراهيم بن مهدي المصيصي عن عمر بن رديح عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي بردة عنه . وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم : وسألت أبي عن حديث رواه هشيم عن داود بن عمرو ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس ، عن عوف بن مالك ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال بتبوك : المسح للمسافر ثلاثا ، وللمقيم يوما وليلة . ورواه الوليد بن مسلم عن إسحاق بن يسار ، عن يونس بن حلبس ، عن أبي إدريس ، قال : سألت المغيرة عما حضر من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : حضرته ومسح على خفيه ، قال أبي : داود بن عمر ليس بالمشهور ، وكذلك إسحاق ، ولم يرو عنه غير الوليد ، ولا نعلم روى أبو إدريس عن المغيرة شيئا سوى هذا الحديث . ويحتمل أن يكون سمع من عوف ومن المغيرة ، فإنّه من قدماء تابعي أهل الشّام ، وله إدراك حسن . وحديث أبي زيد رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإسناده لا بأس به ، أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يوم وليلة ، أنبأتنا به المسندة المعمرة أم عبد الرحمن رقية ابنة القشيري الحافظ ، أنبأنا عبد العزيز عن أبي محمد عبد البر بن الحافظ أبي العلاء الهمذاني ، أنبأنا أبي ، قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا أبو علي الحداد ، أنبأنا أبو نعيم ، أنبأنا أبو حفص الخطابي ، أنبأنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله ، ثنا حجاج بن منهال ، ثنا حماد بن سلمة عن سعيد بن قطن عنه . وحديث جابر بن سمرة قال : ما أبالي لو لم أنزع خفي ثلاثا . رواه هكذا موقوفا ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي داود عن شعبة عن سماك ، قال : سمعت جابرا ، وذكره البيهقي مسندا . وحديث أبي مسعود البدري وعمار ذكرهما البيهقي وأبو عمر بن عبد البر .

133

باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر 69 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سمعت القاسم بن مخيمرة ، عن شريح بن هانئ ، قال : سألت عائشة عن المسح على الخفين ، فقالت : ائت عليا ، فإنه أعلم بذلك مني ، فأتيت عليا - رضي الله عنه - فسألته عن المسح ، فقال : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا أن يمسح المقيم يوما وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام . هذا حديث رواه مسلم في صحيحه مرفوعا ، ورواه أبو عبد الرحمن النسائي موقوفا عن يعقوب بن إبراهيم ، ثنا شعبة عن الحكم به ، قال : فسألته ، فقال : ثلاث ليال للمسافر ، ويوما وليله للمقيم ، ولما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن يحيى بن سعيد ، حدثني أبي حدثني شعبة به مرفوعا ، قال : ما رفعه عن شعبة إلا القطان وأبو الوليد الطيالسي ، وخرجه ابن منده من حديث أبي معاوية عن الأعمش ، وفيه : فقال : كان النبي يأمرنا أن نمسح . ورواه البيهقي من جهته أيضا ، وفيه : كنا نمسح على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقد وقع لنا حديث أبي معاوية عاليا : أنبأنا الإمام تاج الدين أحمد بن علي القشيري - رحمه الله تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا الإمام أبو الحسن علي بن هبة الله ، أنبأنا الإِمام الحافظ أبو طاهر السلفي قراءة عليه ، أنبأنا أبو عبد الله القاسم بن الفضل ، ثنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصيرفي ، ثنا محمد بن يعقوب الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا أبو معاوية به مرفوعا . وقال ابن منده : هذا حديث مشهور عن الأعمش ، ورواه زيد بن أبي أنيسة عن الحكم ويحيى بن سعيد عن شعبة جميعا عن الحكم بإسناده نحوه مرفوعا . وأخرجه مسلم والجماعة ، وتركه البخاري ، وقد روي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن القاسم مرفوعا وموقوفا ، وقد رفعه جماعة منهم سوى من تقدّم ، وفي علل الخلال : قيل لغندر : كان شعبة رفعه ؟ وقال : كان يرى أنّه مرفوع ، ولكنه كان يهابه . وقال يحيى : حديث القاسم في المسح صحيح ، وهو ثقة شامي ، وشريح ثقة كوفي ، انتقل إلى الشام ، ولما ذكر الحربي الاختلاف في رفعه ووقفه ، قال : والقول قول شعبة والأعمش ومن وافقهما ، وروي من حديث أبي ظبيان عن علي مرفوعا من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رواه تمام بن محمد الرازي في فوائده من حديث يسرة بن صفوان ، ثنا أبو عمرو البزار حفص بن سليمان عن أبي حصين عن أبي ظبيان عنه ، وقال الحافظ أبو الحسن في كتاب العلل : وسئل عنه ، فقال : يرويه القاسم والمقدام بن شريح كلاهما عن شريح ، فأمّا القاسم ؛ فرواه عنه الحكم ، واختلف عنه فأسنده عنه عمرو بن قيس الملائي ، وزيد بن أبي أنيسة ، وعبد الملك بن حميد بن أبي غنية ، وأبو خالد الدالاني ، والقاسم بن الوليد الهمداني ، وإدريس بن يزيد الأودي ، واختلف عن الأعمش ؛ فرواه أبو معاوية الضرير ، وعمرو بن عبد الغفار عن الأعمش عن الحكم ، ورفعاه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وخالفهما زائدة بن قدامة ، وعلي بن غراب ، وأحمد بن بشير عن الأعمش ، فوقفوه على علي ولم يرفعوه ، وروي عن أزهر السّمّان عن ابن عون ، وعن سليمان التيمي عن الأعمش مرسلا وموقوفا أيضا ، ورواه ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، ومحمد بن عبيد الله العرزمي ، وحجاج بن أرطاة عن الحكم ، رفعوه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه الأجلح ومالك بن مغول وأبو حنيفة عن الحكم موقوفا ، واختلف عن شعبة ؛ فرواه يحيى بن سعيد القطان عنه مرفوعا ، وتابعه أبو الوليد من رواية أبي خليفة عنه ، وقال غندر عن شعبة : إنه كان يرفعه ، ثم شك فيه ، وأما أصحاب شعبة الباقون ، فرووه عن شعبة موقوفا ، ورواه ليث بن أبي سليم عن الحكم ، فأسقط منه القاسم بن مخيمرة ، واختلف عن ليث ؛ فرواه شيبان عنه عن الحكم عن شريح عن عليّ عن بلال ، وخالفه معتمر ؛ فرواه ليث عن الحكم ، وحبيب عن شريح عن بلال لم يذكر عليا ، وذكر بلال في حديث شريح وهم من ليث باتفاق أصحاب الحكم على ترك ذكره ، ولموافقة أصحاب شريح لترك ذكره ، وروى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي ، واختلف عنه ؛ فرواه الثوري عن أبي إسحاق عن القاسم عن شريح عن علي مرفوعا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وتابعه حماد بن شعيب عن أبي إسحاق فرووه عن مالك بن مغول وإسرائيل وزهير وأبي عوانة عن أبي إسحاق ، فرفعه أيضا ، وخالفه أصحاب زهير وإسرائيل فرووه عنهما عن أبي إسحاق موقوفا ، وكذلك رواه أبو الأحوص ويونس بن أبي إسحاق والحسن بن صالح ويزيد بن أبي زياد عن أبي إسحاق موقوفا ، وقد سمعه أيضا يزيد بن أبي زياد من القاسم بن مخيمرة موقوفا أيضا ، ورفعه ابن عيينة عن يزيد بن أبي زياد ، ووقفه غيره أيضا عنه ، ورواه الحسن بن الحر عن القاسم ، فرفعه عنه محمد بن أبان . ووقفه زهير ، ورواه عبدة بن أبي لبابة عن القاسم عن شريح عن علي موقوفا ، ورواه المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن علي ، فاختلف عنه فرفعه عنه شريك وشعبة من رواية أبي قتادة الحراني وحده عنه ، ووثقه عنه مسعر ، ورواه عبد الملك ابن أبي سليمان عن ابن شريح بن هانئ ، ولم يسمعه عن أبيه عن علي مرفوعا ، وقيل : إن الذي روى عنه عبد الملك هو محمد بن شريح بن هانئ أخو المقدام ، ورواه العباس بن ذريح عن شريح عن علي موقوفا أيضا ، ورفعه صحيح ؛ لاتفاق أصحاب الحكم الحفاظ الذين قدمنا ذكرهم من الحكم على رفعه ، والله تعالى أعلم .

134

باب في مسح أعلى الخف وأسفله 68 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ثور بن يزيد ، عن رجاء بن حيوة ، عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة بن شعبة : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح أعلى الخف وأسفله . هذا حديث قال أبو داود إثر تخريجه : وبلغني أنّه - وفي كتاب ابن داسة : ويروى أن ثورا - لم يسمع هذا الحديث من رجاء ، وقال أبو عيسى في كتاب العلل : وسألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : لا يصح هذا ، روي عن ابن المبارك عن ثور بن يزيد ، قال : حدثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وضعف هذا ، وسألت أبا زرعة ، فقال نحوا مما قال محمد ، وقال في الجامع : هذا حديث معلول ، لم يسنده عن ثور غير الوليد بن مسلم ، وكذلك ذكره الإمام أحمد فيما حكاه عنه الأثرم ، قال : وسمعت أبا عبد الله يضعفه ، وذكر أنه ذكره لابن مهدي ، فذكره كذلك مفسدا من وجهين : حدثت عن رجاء ، وأرسله فلم يسنده . قال : وقد كان نعيم بن حماد حدثني بهذا عن ابن المبارك حدث به الوليد ، فقال : عن ثور ، عن رجاء ، عن كاتب المغيرة عنه ، فقلت له : إنما يقول الوليد هذا ، فأما ابن المبارك فيقول : حدثت عن رجاء ، ولا يذكر المغيرة ؟ فقال : هذا حديثي الذي أسأل عنه ، وأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق ، وإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم عن المغيرة ، فوقفْته عليه ، وأخبرته بأن هذه زيادة في الإِسناد لا أصل لها ، فجعل يقول للناس بعد : اضربوا على هذا الحديث . وقال أبو الحسن : وحديث رجاء الذي ذكر فيه أعلى الخف وأسفله لا يثبت ؛ لأنّ ابن المبارك رواه عن ثور مرسلا . وضعّف الإمام الشّافعي هذا الحديث فيما حكاه في المعرفة بكون رجاء لم يسم كاتب المغيرة . قال البيهقي : وفيه نوع آخر من التضعيف ، وهو أنّ الحفاظ يقولون : لم يسمع ثور هذا من رجاء ، وفي رواية محمد بن العباس الغساني عنه : لم يلق رجاء ورادا . وقال أبو علي الطوسي في الأحكام : يقال : هذا حديث لا يصح ، وقال البخاري في الأوسط : وراد كاتب المغيرة ، يقال : مولاه ، ثنا إبراهيم بن موسى عن الوليد عن ثور عن رجاء عن كاتب المغيرة عن المغيرة ، وقال أحمد بن حنبل : أنبأنا ابن مهدي ، ثنا ابن المبارك عن ثور : حديث عن رجاء عن كاتب المغيرة - ليس فيه المغيرة ثنا محمد بن الصباح ، ثنا ابن أبي زياد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على خفيه ظاهرهما ، وهذا أصح ، ولما ذكره أبو محمد بن حزم ضعفه ، وقال : أخطأ فيه الوليد في موضعين ، ثم ذكر ما تقدّم من كلام الأئمة ، ثم قال : فصح أن ثورا لم يسمعه عن رجاء ، وأنه مرسل ، لم يذكر فيه المغيرة ، وقال أبو عمر بن عبد البرّ : لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء ، وأشار ابن الجوزي في كتاب التحقيق إلى أن الوليد دلّسه ، هذا مجموع ما أعلّ به ، ولقائل أن يقول : الحديث الذي ذكره الدارقطني يرد قول من قال عن ثور : حدثت عن رجاء ؛ لكونه صرح - وهو ثقة - بسماعه لهذا الحديث من رجاء ، وهو قوله : ثنا عبد الله بن محمد ، ثنا داود بن رشيد ، عن الوليد ، عن ثور ، ثنا رجاء به ، وبما عضده من قول العلماء أنه سمع منه ، وأمّا من أعله بالتدليس ، فقوله مردود بما رواه أبو داود في سننه : ثنا موسى بن مروان ومحمود بن خالد الدمشقي المعنى ، قالا : ثنا الوليد ، قال محمود : أنبأنا ثور بن يزيد عن رجاء به ، وكذا صرّح به أيضا الترمذي في كتاب العلل ، وأمّا من أعله بالجهالة بكاتب المغيرة واسمه فليس بشيء أيضا ؛ لما في كتاب ابن ماجه من تصريحه باسمه ، ولما أسلفناه من عند البخاري ، وأيضا فليس معروفا بكاتبه غيره ، وهو ممن لا يسأل عن حاله . وأمّا قول الحافظ القشيري بأنّ هذه العلّة أثارها بعض المتأخرين ، فيشبه أنه لم ير كلام الشّافعي ؛ لأن أبا نعيم ذكره في بابه ومن أسلفناه من المتقدمين ، والله أعلم ، فعلى هذا يكون حديثا لا بأس به ؛ بل لو صحح إسناده لكان بذلك جديرا ، على أنا قد رأينا لنا في ذلك سلفا وقدوة ، وهو أبو محمد بن الجارود بذكره له في منتقاه ، وقد ذكر الشيخ جمال الدين المزي له إسنادا آخر ، فقال : ورواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير عن وراد . وفي باب كيفية مسح الخفين غير ما أحاديث ؛ فمن ذلك حديث المغيرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان يمسح على ظهر الخفين . ذكره الترمذي وحسنه ، وفي حديث علي : لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح ، وقد مسح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ظهر خفيه ، ذكره ابن حزم محتجا به ، وحديث عمر مرفوعا : أمر بالمسح على ظهر الخفين إذا لبسا وهما طاهرتان . ذكره أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده بإسناد حسن ، وحديث المغيرة : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بال ، ثم جاء حتى توضأ ، ومسح على خفيه ، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن ، ويده اليسرى على خفه الأيسر ، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة ، حتى كأني أنظر إلى أصابعه على الخفين . ذكره البيهقي من حديث أبي أسامة عن أشعث عن الحسن عنه . وحديث جابر : مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجل يتوضأ ، وهو يغسل خفّه ، فنخسه بيده ، وقال : إنما أمرنا بهذا ، ثم أراه بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق ، وفرّج بين أصابعه ، ذكره الطبراني في الأوسط من حديث بقية عن جرير بن يزيد الكندي عن محمد بن المنكدر عنه ، وقال : لا يروى هذا عن جابر إلا بهذا الإسناد ، تفرد به بقية ، انتهى . وفيه نظر ؛ لما ذكره حرب في سؤالاته لأحمد : ثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الجزري ، ثنا زياد بن عبد الله ، عن الفضل بن مبشر ، قال : رأيت جابرا ، فذكره . وحديث أبي أمامة الباهلي وعبادة بن الصامت : أنهما رأيا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح أسفل الخفين وأعلاهما . ذكره ابن وهب في مسنده عن رجل عن آخر عن رجل من رعين عن أشياخ لهم عنهما ، وفي باب مسح الخفين غير ما حديث ، حتى قال الإمام أحمد في رواية الميموني عنه : فيه سبعة وثلاثون حديثا . وفي رواية الحسن بن محمد عنه : ليس في باب مثل المسح شيء : فيه أربعون حديثا عن أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما رفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما وقفوا ، وقال ابن أبي حاتم : روى المسح على الخفين أحد وأربعون صحابيا ، وفي كتاب ابن المنذر : روينا عن الحسن قال : حدثني سبعون صحابيا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين ، انتهى كلامه ، وفيه نظر . وقال البزار : أربعون صحابيا ، من ذلك حديث عمرو بن أمية الضمري المذكور عند البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو عن أبيه ، أنه أخبره : أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين . وحديث جابر بن عبد الله المذكور عند أبي عيسى من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، قال : سألت جابرا عن المسح على الخفين ، فقال : السنة يا ابن أخي ، وسألته عن المسح على العمامة ، فقال : أمس الشعر ، وخرجه أبو القاسم في الأوسط من حديث بقية عن جرير بن يزيد الكندي عنه ، بلفظ : مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجل يتوضأ ، وهو يغسل خفيه ، فنخسه بيده ، وقال : إنما أمرنا بهذا ، ثم أراه بيده من مقدم الخف إلى أصل الساق ، وقال : لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإِسناد عن جابر . تفرد به بقية ، وقد سبق التنبيه عليه قبل ، والله تعالى أعلم . وحديث أسامة بن شريك ، قال : كنا نكون مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر ، فنكون معه ثلاثة أيام ولياليها لا ننزع خفافنا ، ليس من جنابة ، ونكون معه في الحضر يوما وليلة ونمسح خفافنا . رواه القاضي أبو الطاهر الذهلي عن محمد بن عبدوس عن ابن حميد عن الصباح بن محارب عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة عن أبيه عن جده ، وعن زياد بن علاقة عنه ، وسيأتي أيضا في باب التوقيت . وحديث سلمان الفارسي ، قال : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على الخفين والعمامة . خرجه الحافظ أبو حاتم البستي في صحيحه عن عبد الله بن أحمد بن موسى عن زيد بن الحريش الأهوازي ، ثنا عبد الله بن الزبير بن معبد ، ثنا أيوب السختياني عن داود بن أبي الفرات عن محمد بن زيد عن أبي شريح عن أبي مسلم عنه ، وأنبأنا أبو خليفة ، أنبأنا أبو الوليد الطيالسي ، ثنا داود بن أبي الفرات ، عن محمد بن زيد عن أبي شريح ، عن أبي مسلم مولى زيد بن صوحان ، قال : كنت مع سلمان ، فرأى رجلا قد أحدث ، وهو يريد أن ينزع خُفيه للوضوء ، فقال له سلمان : امسح عليهما وعلى عمامتك ، فإني رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على خماره وعلى خفيه ، ثم قال: في هذا دحض لقول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمرو الضمري ، وسأل أبو عيسى محمدا عن هذا الحديث ، قلت : أبو شريح ما اسمه ؟ قالا : لا أدري ، لا أعرف اسمه ، ولا أعرف اسم أبي مسلم مولى زيد بن صوحان ، ولا أعرف له غير هذا الحديث . ورواه عبد السلام بن حرب عن سعيد عن قتادة ، وقلبه ، فقال : عن أبي مسلم ، عن أبي شريح ، وبنحوه قال أبو زرعة فيما حكاه ابن أبي حاتم عنه ، ولفظه في المصنف : امسح على خفيك ، وعلى خمارك ، وبناصيتك . وأما ما زعمه المزي من أن ابن ماجه خرج هذا الحديث في سننه ، فيشبه أن يكون وهما ، لأني لم أره فيما رأيت من النسخ ، والله تعالى أعلم . وحديث عبد الله بن عمر : أنه كان يمسح على الخفين ، ويقول : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بذلك . رواه أبو القاسم في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن محمد بن عبد الرحمن بن الأزرق ، ثنا محمد بن محمد بن إدريس الشّافعي ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر عن الزهري عن سالم عنه ، وقال : لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا معمر ، ولا عن معمر إلا عبد الرزاق . تفرد به محمد بن محمد بن إدريس ، وقال أبو عيسى في كتاب العلل : ثنا أبو كريب ، ثنا محمد بن فضيل ، عن فرات بن أحنف ، عن عقبة بن حريث ، قال : سأل رجل ابن عمر عن المسح على الخفين ، فقال : امسح ، فكان ذلك ثقل على الرجل ، فقال : وإن بال ، وإن ضرب الخلاء ؟ قال : نعم ، ورفعه ابن عمر إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه ، وقال الميموني : قلت - يعني : لأبي عبد الله - : حدثني عن سويد بن عبد العزيز عن حصين عن محارب بن دثار عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح ، فقال : ليس بصحيح ، ابن عمر ينكر على سعد المسح على الخفين ، ولا يعرف من حديث حصين ، هذا من قبل سويد بن عبد العزيز ، قلت : حدثوني عن الحسن بن صالح عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين ، فقال : ليس بصحيح ، هذا من قبل عاصم ، ورواه أبو بكر النيسابوري في كتاب الأبواب موقوفا عليه من طريق صحيحة ، ثنا الجرجاني ، ثنا الربيع ، ثنا ابن وهب ، قال : أخبرني أسامة عن نافع أنّ عبد الله بن عمر قال : المسح على الخفين ظاهرهما وباطنهما بمسحة واحدة . ثنا الجرجاني ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأ ابن جريج ، قال : قال لي نافع : رأيت عبد الله بن عمر مسح عليهما بواحدة مسحة بيديه كلتيهما بطونهما وظهورهما ، وقد أهراق قبل ذلك الماء فتوضأ هكذا لجنازة دعي إليها ، وهو في الموطأ من رواية مالك عن نافع عنه ، وحديث البراء بن عازب : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يزل يمسح قبل نزول المائدة وبعدها حتى قبضه الله تعالى . رواه أبو القاسم في الأوسط عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الصيني ، ثنا سوار بن مصعب ، عن مطرف بن طريف ، عن أبي الجهم عنه ، وقال : لم يروه عن مطرف إلا سوار ، ذكر أيضا حديث أبي أمامة الباهلي بنحوه ، وقال : لم يروه عن سليم بن عامِر إلا عفير بن معدان . تفرد به أبو جعفر النفيلي ، وسيأتي ذكره أيضا في التوقيت عن محمد بن إسحاق ، ثنا أبو ياسر عمار بن نصر ، حدثني أبو الأسود شيخ من أهل خراسان عن عبد المؤمن - يعني : ابن خالد - عن أبي سهل - يعني عبد الله بن بريدة - عن ابن عمر : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين ، وحديث عبادة بن الصامت قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بال ، ثم توضأ ، ومسح على خفيه . رواه أبو القاسم في المعجم الكبير عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن أحمد بن راشد عن عبثر بن القاسم عن عبيدة بن أبي عتبة عن الحسن عنه ، والحسن لم يسمع من عبادة . ذكر ذلك عبد الله بن المبارك في تاريخه الذي قرأته على ابن أبي الفتوح المصري - رحمه الله - عن ابن الحميري ، أنبأنا السلفي الحافظ ، أنبأنا الشيخ أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الصوفي ، بقراءتي عليه ببغداد ، أنبأنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد العدل ، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المقرئ النقاش ، أنبأنا أبو العباس أحمد بن الخضر المروزي ، ثنا أحمد بن عبدة ، ثنا أبو عبد الله وهب بن زمعة ، أنبأنا سفيان بن عبد الله ، قال : قال عبد الله : وجاءني المعلم الذي كان في مسجد البصريين الحفيف الشعر بكتاب ، فإذا فيه حديث يبلغ به الحسن عن تسعة من الصحابة منهم : عبادة ، قال عبد الله : ومتى لقي الحسن عبادة ؟ فعلمت أنّه باطل ، وذكره عبد الله بن وهب في مسنده عن رجل عن رجل عن آخر عن أشياخ لهم عن أبي أمامة الباهلي وعبادة : أنهما رأيا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح أسفل الخف وأعلاه ، وحديث أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه - ذكره أبو بكر بن زياد النيسابوري في كتاب الأبواب ، فقال : ثنا أحمد بن منصور ، ثنا محمد بن عبيد ، ثنا الأعمش ، عن علي بن مدرك ، عن المسيب بن رافع ، قال : رأيت أبا أيوب ينزع خفيه فنظروا إليه ، فقال : أمّا إني قد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح عليهما ، ولكن حُبب إلي الوضوء . هذا إسناد ظاهره صحيح ، ورواه بعضهم عن الأعمش عن المسيب عن علي بن مدرك ، قال : رأيت أبا أيوب ، وليس بشيء ؛ لأن عليا لم يحك أحد رؤيته للصحابة المتأخرين ، فضلا عن غيرهم ، ولهذا فإنّ في بعض النسخ علامة التقديم على المسّيب ، والتأخير على ابن مدرك ، ورواه يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن المسيب عن علي بن الصلت ، قال : رأيت أبا أيوب ، وكأنه اشتبه بعلي بن مدرك ، ولئن كان صحيحا فحبذا بعلي بن الصلت المذكور عند البستي في كتاب الثقات ، ورواه ابن زياد أيضا عن سعدان بن نصر ، نا يزيد بن هارون ، أنبأ هشام بن حسان ، نا أشعث بن سوار ، عن محمد بن سيرين : أن أبا أيوب كان يأمر بالمسح على الخفين ويخلع ، فقيل له : تأمر بالمسح على الخفين ، وتخلع أنت ؟ فقال : لو كان به بأس لم آمركم به ، فيكون لكم المهيأ وعلي المأثم ، ولكن حُبب إلي الطهور ، هذا وإن كان موقوفا ففيه علتان : الأولى : ضعف ابن سوار . والثانية : انقطاع ما بين ابن سيرين وأبي أيوب ، نص على ذلك هشيم ، فرواه عن منصور بن زاذان عن ابن سيرين عن أفلح مولى أبي أيوب عنه ، وزاد عبدان علّة أخرى ، فرواه عن المسيب عن المعتمر بن سليمان عن أبي شعيب - يعني : الصلت بن دينار المجنون المتروك الحديث - عن ابن سيرين : ثنا أفلح ، وحديث سعيد بن أبي مريم عن رجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرجل يمسح على خفيه ، ثم يبدو له فينزعهما ، قال : يغسل قدميه . رواه البيهقي من حديث الدالاني عن يحيى بن إسحاق عن سعيد ، وقال البخاري : ولا يعرف أن يحيى بن إسحاق سمع من سعيد أم لا ، ولا سعيد من صاحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وحديث أبي موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص ، وعبد الرحمن ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وعبد الله بن الحارث بن جزء ، ذكرهم البيهقي - رحمه الله كذا وحديث أبي مسعود الأنصاري : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح ، فقيل له : أقبل نزول المائدة أو بعده ؟ فسكت أبو مسعود ، وحديث بديل بن ورقاء ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين . ذكره العسكري في كتاب الصحابة من حديث رشدين عن موسى بن علي عن أبيه عنه ، وقال : لا أدري أهو بديل الخزاعي أو غيره ، وحديث عثمان بن عفان ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وابن عوف ، وأبي الدرداء ، ويزيد بن ثابت ، وفضالة بن عبيد ، ذكرهم ابن عبد البر ، وحديث عبد الرحمن بن خالد بن سعيد بن العاص مرفوعا ، ذكره النيسابوري في الأبواب . وحديث عروة بن الزبير عن أبيه مرفوعا رواه في الأوسط ، وقال : لم يروه عن القاسم بن الوليد ومجالد إلا عبيدة بن الأسود ، تفرد به عبد الله بن عمر بن أبان ، وحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : ما زال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح منذ أنزلت عليه سورة المائدة حتى لحق بالله عز وجل ، ذكره الدارقطني في سننه عن الحسين ، ثنا ابن حنان ، ثنا بقية ، ثنا أبو بكر بن أبي مريم ، ثنا عبدة بن أبي لبابة عن محمد الخزاعي عنها ، ورواه النيسابوري في كتابه عن أحمد بن منصور ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن - يعني : المخرج حديثه في الصحيح - عن أبي بكر بن أبي مريم ، وأمّا كراهتها لذلك فحديث لا أصل له باطل ، قاله الجوزقاني وغيره . وحديث أم سعد بنت زيد بن ثابت ، قالت : دخلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتوضأ ، فمسح على خفيه ، فقلت : نسيت يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكن أمرني ربي عز وجل بذلك . أنبأنا به الإمام المسند المعمر أبو العباس بن إبراهيم ، أنبأنا ابن شيبان - رحمه الله تعالى أنبأنا عمر بن محمد ، أنبأنا أبو الحسن الصائغ ، أنبأنا أبو القاسم الجلال ، أنبأنا أبو القاسم الصيدلاني ، أخبركم أبو عبد الله محمد بن زياد النيسابوري - رحمه الله تعالى ثنا أحمد بن ملاعب ، ثنا خالد بن يزيد القرني ، ثنا الصباح بن بسطام ، عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عنها ، وبه إلى النيسابوري ، قال : حدثنا الزعفراني ، ثنا سعيد بن زكريا المدائني عن عنبسة به . وفي كتاب ابن الأثير : ابن زاذان لم يسمع منها ، بينهما عبد الله بن خارجة ، وحديث عبد الله بن رواحة وأسامة بن زيد : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، ومسح على الخفين . خرجه أبو القاسم في الأكبر من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عنهما . وخرجه ابن قانع في معجم الصحابة عن إبراهيم بن إسحاق الحربي ، ثنا أبو مصعب عن عبد الرحمن بن زيد عن زيد عن عطاء عن أسامة وابن رواحة : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل دار جمل هو وبلال ، فخرج إليهما بلال ، فأخبرهما أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على الخفين ، وذكره تمام بن محمد في فوائده عن أحمد بن سليمان بن حذلم وأبي القاسم علي بن يعقوب بن إبراهيم بن أبي العقب عن أبي علي الحسن بن جرير الصوري عن يعقوب بن حميد بن كاسب ، قال : سمعت عبد الرحمن ، فذكره عن عطاء عن أسامة عن بلال وعبد الله بزيادة : والخمار ، وقال الميموني : قلت لأبي عبد الله : حدثوني عن عبد الرحمن عن أبيه عن عطاء عن أسامة ؛ فذكر المسح ، فقال : ليس بصحيح ، ولم يكن عبد الرحمن بصحيح الأحاديث ، وهو متروك الحديث . وخرج الحافظ أبو بكر بن خزيمة عن ابن نافع عبد الله عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أسامة : دخل صلى الله عليه وسلم الأسواق ، فذهب لحاجته ، ثم خرج ، قال أسامة : فسألت بلالا : ما صنع عليه السلام ؟ قال بلال : ذهب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجته ، ثم توضأ ، فغسل وجهه ويديه ، ومسح برأسه ، ومسح على الخفين ، ثم صلى ، قال : الأسواق : حائط من حيطان المدينة ، قال : وسمعت يونس يقول : ليس عن النبي خبر أنه مسح على الخفين في الحضر غير هذا . ولما خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث داود بن قيس ومالك ، قال : هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وفيه فائدة كبيرة ، وهي أنهما لم يخرجا حديث صفوان في المسح في الحضر وذكر التوقيت فيه ، والحديث مشهور بداود بن قيس ، وهو ممن احتج به مسلم ، وحديث عوف ابن مالك قال : أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمسح . ذكره أبو عيسى في كتاب العلل ، فقال : سألته - يعني : محمدا - عن حديث هشيم عن داود بن عمرو عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عنه ، فقال : هذا حديث حسن . وحديث أبي برزة ذكره ابن زياد النيسابوري ، ثنا الدقيقي ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا عبد السلام بن صالح بن كثير الدارمي أبو عمرو ، قال : ثنا الأزرق بن قيس الحارثي ، أنّه كان على شاطئ نهر بالأهواز في زمرة من قومه قعودا ، فيهم رجل يرمونه برأي الخوارج ، قال : فجاء رجل عليه قباء وموزجان ، حتى دخل بين حرفين من شاطئ النهر ، فدخل النهر ، فتوضأ ، ومسح على موزجيه ، قال : فسبه ذلك الرجل الذي كان فينا ، والخوارج لا يرون المسح ، فقلنا : ويلك ويحك ، سمعت الرجل ، آذيت الرجل ، فخرج فقام يصلي ومعه برذونة ، قال : فرجعت البرذونة ، فرجع يمشي على عقبه حتى حبس البرذونة ، فلما رأى صاحبنا ذلك ازداد له سبا ، قال : فقلنا له : ويحك ، آذيت الرجل ، أسمعت الرجل ؟ ونحن لا نعرفه ، فإذا هو أبو برزة الأسلمي صاحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : فجاء حتى قام علينا ، فسلم علينا ، فقال : إنِّي سمعت ما قال هذا الرجل ، ثم حدثنا حديثا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرخصة في المسح على الخفين ، وذكر حديثا طويلا ، وحديث أبي أمامة قال : أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر ، فقال : أشربها يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فشربها . قال أبو غالب : ورأيت أبا أمامة يمسح على العمامة والخفين ، ذكره في الأبواب أيضا : ثنا زاج ، ثنا الحسين بن واقد ، ثنا أبو غالب به ، وحدثنا الرمادي ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا سليم بن حيان ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة ، قال : رأيته يمسح على الجوربين والعمامة . وحديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح . ذكر الميموني أنه سأل أبا عبد الله ، فقلت : حدثوني عن عتاب بن بشير عن خصيف عن سعيد بن جبير ، فقال: ليس بصحيح ؛ إنما روى هذا خصيف عن مقسم عن ابن عباس ، قال : مسح عليه السلام ، ولا أدري قبل المائدة أو بعدها . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة وأبي عن حديث رواه عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح ، فقالا : هو خطأ ؛ إنما هو عن موسى بن سلمة عن ابن عباس موقوف . وقال أبو الحسن في الأفراد : تفرد به محمد بن مشكان عن إبراهيم بن الحسن المقسمي عن حجاج عن عطاء عنه ، وفيما أوردناه قبل رد قوله ، اللهم إلا إن أراد التفرد بالنسبة إلى طريق عطاء . وحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح على الخفين ، ذكر الميموني : أنه سأل أبا عبد الله ، فقلت : حدثوني عن الحسن بن عمارة عن عطية عنه ، فقال : وينبغي لأحد أن يحدّث عن الحسن بن عمارة ، ليس بصحيح . وحديث مسلم أبي عوسجة ، قال : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بال ، ثم توضأ ومسح على خفيه . رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة عن سليمان بن أحمد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر الوركاني ، ثنا أبو الأحوص عن سليمان ابن قرم عن عوسجة بن مسلم عن أبيه ، ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن إسحاق ، ثنا مهدي بن حفص ، ثنا أبو الأحوص ، ولفظه : قال : سافرت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يمسح على الخفين . قال البزار : وهذا الحديث إنما يروى عن عوسجة عن أبيه عن علي ، قال : سافرت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأخطأ فيه مهدي ، فجعله : سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنّما سافر معه علي ، انتهى . وما أسلفناه من عند أبي نعيم يبرئ مهديا ، والله أعلم . وحديث أبي هريرة : قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وضئني ، فأتيته بوضوء فاستنجى ، ثم أدخل يده في التراب فمسحها به ، ثم غسلها ، ثم توضأ ، ومسح على خُفيه ، فقلت : يا رسول الله ، رجليك لم تغسلهما ؟ قال : إني أدخلتهما وهما طاهرتان . رواه ابن زياد النيسابوري عن الرمادي وابن الجنيد ، قالا : ثنا أبو أحمد ، ثنا أبان بن عبد الله البجلي ، حدثني مولى لأبي هريرة ، قال : سمعت أبا هريرة فذكره ، ثنا علي بن سهل ، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، ثنا الزنجي بن خالد عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مختصرا ، وقال مسلم في كتاب التمييز : وهذه الرواية عنه ليست بمحفوظة ، وذلك لأن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لثبوت الرواية عنه بإنكار المسح على الخفين ، وفي موضع آخر : فقد صح عنه إنكار المسح من رواية أبي زرعة وأبي رزين عنه ، وأنّ من أسند ذلك عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واهي الرواية ، أخطأ فيه ، إما سهو وإما تعمد . وحديث شبيب بن غالب الكندي ذكره أبو نعيم في كتاب الصحابة تأليفه . وحديث أبي العشراء الدارمي رواه ابنه ، قال : ثم توضأ ومسح على خفيه ، فقلت له في ذلك ، فقال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعله . ذكره ابن عساكر في ترجمة علي بن أحمد من حديث محمد بن عبد الله السوسي بحلب ، ثنا أبو عمر الضرير ، ثنا حماد بن سلمة عنه ، قال أبو عمر : روي عن أبي هريرة إنكار المسح ، قال : وقد جاء عنه بإسناد حسن خلاف ذلك ، وموافقة غيره . قال ابن المنذر عن ابن المبارك : ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف ، وإنّ الرجل ليسألني عن المسح فأرتاب منه أن يكون صاحب هوى . قال أبو بكر : وذلك أن كل من روي عنه من الصحابة كراهة المسح فقد روي عنه غير ذلك . قال البيهقي : وإنما بلغنا كراهة ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة ، فأمّا الرواية عن علي : سبق الكتاب المسح على الخفين ، فلم يرو ذلك عنه بإسناد موصول يثبت مثله ، وأمّا عائشة ؛ فإنها كرهت ذلك ، ثم ثبت عنها أنّها أحالت بعلم ذلك على علي ، فأخبر علي بالرخصة في ذلك ، وأمّا ابن عباس ؛ فإنما كرهه حين لم يثبت مسح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول المائدة ، فلما ثبت له رجع إليه ، انتهى كلامه . وقد أسلفنا عن أبي هريرة أيضا إنكاره ، وأما ما روي عن عائشة فضعيف أيضا في غاية الضعف ، نص عليه ابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية في الأخبار الواهية ، قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلا مالكا ، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك ، وقال الدبوسي : المسح جائز عند جمهور العلماء ، وقال بعض الناس : لا يجوز ؛ لأنّ الله تعالى ذكر الأرجل دون الخفاف ، فلا يزاد على الكتاب بخبر الواحد . ونحن نقول : إنّما زدنا بسنة جاءت كضوء الشمس ، كذلك قاله أبو حنيفة ، قال : وهي مشتهرة مثل التواتر ، وفي نسخة أخرى : قريبة من التواتر ، حتى قال أبو يوسف : يجوز نسخ القرآن بمثل خبر المسح على الخفين ، ولكنّا لم ننقلها ؛ لأنّ الإجماع المنعقد اليوم أغنانا عن الاحتجاج بالأخبار ، وأمّا قول أبي عمر : لا أعلم أحدا من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلا مالكا ؛ ففيه نظر إن أراد من كان فقيها من التابعين فمن بعدهم ؛ لما ذكره ابن أبي شيبة من أنّ مجاهدا كان يكره ذلك ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة . وفي كتاب الآجري عن أبي داود : جاء زيد بن أسلم إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، فقال : أمسح على الجوربين ؟ فقال ربيعة : ما صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه مسح على الخفين يلفّ على خرقتين . ومن آداب لبس الخف نفضه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفه حتى ينفضه . ذكره النيسابوري في كتاب شرف المصطفى ، وقال : إنّما قال ذلك لأنه دعا بخفه ليلبسه ، فلبس أحدهما ، ثم جاء غراب فاحتمل الآخر ، فخرجت منه حّية ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عكرمة عن ابن عباس ، قال : لم يروه عن عكرمة إلا سعيد بن طريف الإسكاف . تفرد به حبان بن علي ، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد . وكان له صلى الله عليه وسلم أربعة أزواج خفاف ، أصابها من خيبر ، ذكره نعيم بن حماد ، وخفان ساذجان أهداهما له النجاشي ، كما تقدّم .

135

67 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا دلهم بن صالح الكندي ، عن حجير بن عبد الله الكندي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : أنّ النجاشي أهدى للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خفين ساذجين أسودين ، فلبسهما ، ثم مسح عليهما . هذا حديث خرجه ابن ماجه أيضا في كتاب اللباس ، وقد سبق ذكرنا له ، وهو في مسلم في باب الصلاة بوضوء واحد ، من حديث سفيان عن سليمان عن أبيه ، وأنّ ابن منده قال : هذا إسناد صحيح على رسم الجماعة إلا البخاري لسليمان ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث أنّ ابن بريدة هذا قيل : إنّه عبد الله ، ولما رواه أبو داود من حديث مسدد وأحمد بن أبي شعيب ، ثنا وكيع ، ثنا دلهم به ، قال : هذا مما تفرد به أهل البصرة بإسناده ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، إنّما نعرفه من حديث دلهم ، ورواه محمد بن ربيعة عن دلهم . وخرّجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ، وخالف ذلك حين سأله الميموني عنه ، فقال : هذا حديث منكر ، قال : وحجير بن عبد الله : لا أعرفه في غير هذا ، ودلهم بن صالح كوفي منكر الحديث ، وقال : يقول في حديث ابن بريدة : حجر ، ثم قال : حجير . وقال أبو الحسن الدارقطني حين ذكره في باب عبد الله : تفرد به حجير بن عبد الله عن ابن بريدة ، ولم يروه عنهم غير دلهم ، وفي بابه خرجه أبو القاسم بن عساكر، وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي له شاهدا من حديث المغيرة بن شعبة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على خفيه ، فقال له رجل : يا مغيرة ، ومن أين كان للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خفان ؟ فقال المغيرة : أهداهما له النجاشي . وفي علل الدارقطني دحية بن خليفة ، وسيأتي الكلام عليه مطولا في كتاب اللباس ، إن شاء الله تعالى . وقول الإمام أبي عيسى : ورواه محمد بن ربيعة عن دلهم - يعني : بذلك ما أنبأنا به الإمام المسند أحمد بن منصور بن إبراهيم - أنبأنا العلامة أبو العباس بن شيبان الشيباني وغيره ، أنبأنا المعمر عمر بن معمر ، أنبأنا أبو الحسن محمد بن محمد بن أحمد الصائغ ، أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن الحسن الخلال ، قال : قرئ على أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن علي بن الحسن الصيدلاني ، أخبركم أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري - رحمه الله تعالى ثنا علي بن إشكاب ، ثنا محمد بن ربيعة ، ثنا دلهم بن صالح عن حجير ، فذكره بزيادة : ومسح عليها وصلى ، وقال النيسابوري : وثنا محمد بن علي الوراق ، ثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا دلهم بن صالح به .

136

62 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، وثنا أبو همام الوليد ، أنبأنا أبي ، وابن عيينة ، وابن أبي زائدة جميعا ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على خفيه . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه الثوري وشعبة وجرير بن حازم وأبو معاوية ويحيى القطان وابن عيينة وجماعة عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة في المسح على الخفين ، ورواه أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش ، وعاصم عن أبي وائل عن المغيرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأيهما الصحيح من حديث الأعمش ؟ قال أبي : الصحيح حديث هؤلاء النفر عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة ، وهم في هذا الحديث : أبو بكر بن عياش ؛ إنما أراد الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن المغيرة ، ولم يميز حديث أبي وائل من حديث مسلم ورواه الإسماعيلي في جمعه لحديث الأعمش من حديث عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن الأعمش عن أبي وائل ، لم يقل : بالمدينة ، ورواه عن قريب من ثلاثين نفسا عن الأعمش ، لم يروه بالمدينة إلا من حديث محمد بن طلحة في رواية عنه . وقال أبو عمر بن عبد البر بعد أن ذكر أن عيسى بن يونس انفرد عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بقوله : كنت أمشي مع النبي بالمدينة ، فأتى سباطة قوم فبال ، ثم توضأ ومسح على خفيه . قال : ولم يقل فيه أحد بالمدينة غير عيسى بن يونس ، وهو ثقة حافظ ، إلا أنه خولف في ذلك عن الأعمش ، وسائر من رواه عن الأعمش لا يقوله ، وفيه : بالمدينة ، انتهى . وما قدمناه عن محمد بن طلحة يردّ قوله ، وفي المعجم الصغير لأبي القاسم من حديث أحمد بن سليم ، ثنا عيسى بن يونس عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن شقيق عن حذيفة ، قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فانتهى إلى سباطة قوم ، فبال قائما ومسح . رواه عن القاسم بن عفان عن عّمه أحمد بن سليم ، وقال : لم يروه عن الشعبي إلا زكريا ، ولا عنه إلا عيسى . تفرد به أحمد بن سليم ، وفي مسند أحمد : ثنا أبو الوليد ، ثنا أبو عوانة ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قد مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين ، فسألوا هؤلاء الذين يزعمون أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح قبل نزول المائدة أو بعد المائدة ، والله ما مسح بعد المائدة ؛ ولأن أمسح على ظهر عابر بالفلاة أحبّ إليّ من أن أمسح عليهما ، والله أعلم .

137

باب ما جاء في المسح على الخفين 61 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، قال : بال جرير بن عبد الله ، ثم توضأ ، ومسح على خفيه ، فقيل له : تفعل ؟ قال : وما يمنعني ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله . قال إبراهيم : كان يعجبهم حديث جرير ؛ لأنّ إسلامه بعد نزول المائدة . هذا حديث خرجه الأئمة الستة - رحمهم الله تعالى وفي مسلم : قال الأعمش : قال إبراهيم : ولفظ أبي داود : وما منعني أن أمسح وقد رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعله ، قال : إنمّا كان ذلك قبل نزول المائدة ، قال : ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة ، وفي كتاب المنتقى : فعاب عليه قوم ، وقالوا : إنمّا كان هذا قبل نزول المائدة ، قال : ما أسلمت إلا بعد ما أنزلت ، وما رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح إلا بعد ما نزلت ، وخرجه ابن ماجه بنحوه . وفي المعجم الكبير للطبراني من حديثه عن أسلم بن سهل الواسطي ، ثنا محمد بن حسان ، ثنا محمد بن يزيد الواسطي ، ثنا جعفر بن الحارث عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن همام ، قال : قال جرير : ثم مسح ، فقلت له : أتفعل هذا ، وقد قلت الحديث ؟ وفي الأوسط له من حديث عبد الرزاق عن ياسين الزيات ، عن حماد بن أبي سليمان ، عن ربعي بن حراش عنه ، قال : وضأت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمسح على خفيه بعد ما نزلت سورة المائدة ، رواه عن الدبري عن عبد الرزاق ، وقال : لم يروه عن حماد عن ربعي إلا ياسين الزيات ، تفرد به عبد الرزاق ، ورواه أيضا عن محمد بن نوح بن حرب ، عن شيبان بن فروخ ، عن حرب بن سريج ، عن خالد الحذاء ، عن محمد بن سيرين عنه : أنّه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم يتبرّز ، فرجع فتوضأ ومسح على خفيه ، وقال : لم يروه عن ابن سرين إلا الحذّاء ، ولا عن خالد إلا حرب بن سريج ، تفرد به شيبان . ومن حديث عبد الكريم الجزري عن مجاهد عنه ، وفيه : ما أسلمت إلا بعد نزول سورة المائدة ، وفي كتاب الترمذي عن شهر بن حوشب ، قال : رأيت جريرا توضّأ ومسح على خُفيه ، فقلت له في ذلك : فقال له : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه ، فقلت له : أقبل المائدة أو بعد المائدة ؟ فقال : ما أسلمت إلا بعد المائدة . قال الدارقطني في الأفراد : هذا حديث غريب من حديث مقاتل بن حيان عن شهر . تفرّد به إبراهيم بن أدهم عنه ، وعنه بقية بن الوليد . قال البيهقي : وكان إبراهيم بن أدهم يقول : ما سمعت بحديث في المسح أحسن من هذا ، وفي سنن الدارقطني من حديث ضمرة بن حبيب عنه ، قال : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة ، فرأيته يمسح الخفين . وفي لفظ : توضأ من مطهرة ومسح على خفيه . وسئل أبو زرعة عن حديث له رواه عبد الله بن الأجلح عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الحارث بن سويد ، قال : بال جرير ومسح . فقال : هذا الحديث وهم فيه ابن الأجلح ، وسئل عن حديث رواه أبو نعيم عن شريك ، عن إبراهيم بن جرير ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه . ورواه ابن الأصبهاني عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبيه : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه . فقال أبو زرعة : الحديث حديث أبي نعيم ، وإبراهيم هو ابن جرير ولم يلحق أباه ، وفي كتاب الطبراني من حديث ابن عياش عن حميد بن مالك اللّخمي عن إبراهيم بن جرير عن أبيه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح في نزول المائدة . وقال في الأوسط : لم يروه عن حميد إلا ابن عيّاش ، وقد جاء في بعض ألفاظه ذكر التوقيت بسند حسن ، أنبأنا به المسند المعمر تقي الدين الهمداني ، قراءة عليه وأنا أسمع : أنبأنا أبو طاهر إسماعيل بن عبد القوي ، أخبرتنا فاطمة بنت سعد الخير ، أنبأتنا فاطمة الجوزدانية ، أنبأنا ابن ريذة ، أنبأنا أبو القاسم ، أنبأنا عبد الله بن أحمد ، حدثني عبد الله بن عمر بن أبان ، ثنا عبيدة بن الأسود ، ثنا القاسم بن الوليد ، عن طلحة بن مصرف ، عن إبراهيم التيمي ، عن همام بن الحارث ، عن جرير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : للمسافر ثلاث - أو ثلاثا وللمقيم يوم في المسح على الخفين . وفي سنن الطوسي : قال جرير : ومسح على خفيه - أو قال : جوربيه قال عيسى - يعني ابن يونس أنا - شك وقال بعده : يقال : هذا حديث حسن صحيح ، وقد رواه شهر وقرة .

138

66 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، ثنا عمر بن عبيد الطنافسي ، ثنا عمر بن المثني ، عن عطاء الخراساني ، عن أنس بن مالك ، قال : كنت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر ، فقال : هل من ماء ؟ فتوضأ ومسح على خفيه ، ثم لحق بالجيش فأمهم . هذا حديث في إسناده ثلاث علل : الأولى : ضعف راويه أبي أيوب ، يقال : أبو عثمان ، ويقال : أبو محمد ، ويقال : أبو صالح ، ويقال : أبو سعيد عطاء بن أبي مسلم عبد الله ، ويقال : ميسرة الخراساني الأزدي البلخي الشامي المهلبي نسبة لولاء ابن أبي صفرة ، وهو وإن كان مسلم قد روى حديثه ، ووثقه ابن معين ، وأبو حاتم الرازي ، والدارقطني ، فقد كذبه سعيد بن المسيب ، وقال ابن حبان : كان رديء الحفظ ، يخطئ ولا يعلم ، فبطل الاحتجاج به ، وذكره الساجي والعقيلي في كتاب الضعفاء . الثانية : انقطاع ما بين عطاء وأنس بن مالك ، نص على ذلك أبو زرعة الرازي فيما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل ، وقيل لابن معين : لقي عطاء أحدا من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : لا أعلمه . الثالثة : الجهالة بحال عمر بن مثنى ؛ فإني لم أر أحدا ذكرها ، والله أعلم . وقد وقع لنا هذا الحديث بإسناد صحيح ، لا مطعن في أحد من رجاله ؛ ذكره أبو عبد الرحمن النسائي ، فقال : أنبأنا قتيبة ، أنبأنا أبو عوانة ، عن أبي يعفور ، أنبأنا أنس بن مالك ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على الخفين ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا نعيم بن الهيصم ، ثنا أبو عوانة عن أبي يعفور ، فذكره مرفوعا ، قال : سألت أنسا عن المسح على الخفين ، فقال : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح عليهما . ورواه أبو القاسم في الأوسط بإسناد لا بأس به ، ولما ذكره البزار ، قال : لا نعلم روى أبو يعفور عن أنس غير هذا الحديث ، وأما قول البخاري : وسأله عنه الترمذي ، أخطأ فيه ، والصحيح عن أنس موقوف ، وقد وجدنا لقتيبة متابعا ، ولحديثه شاهدا ، وهو ما ذكره بحشل في تاريخه : ثنا علي بن يونس ، ثنا عبد المجيد بن أبي رواد ، ثنا يس الزيات عن الأعمش عن أنس : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على الخفين . عن أبي زرعة ، ثنا علي بن عياش ، ثنا علي بن الفضل بن عبد العزيز ، ثنا سليمان التيمي عن أنس : وضأت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل موته بشهر ، فمسح على الخفين والعمامة ، وقال : لم يروه عن سليمان إلا علي ، ورواه النيسابوري في كتاب الأموات عن محمد بن أحمد بن الجنيد ، ثنا العلاء بن عبد الجبار ، ثنا وهيب ، ثنا يحيى به ، وثنا أحمد بن منصور ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، ثنا مروان بن معاوية ، ورواه ابن نظيف في السادس من فوائده الجدد ، تخريج أبي نصر الوائلي من طريق العباس بن محمد بن العباس المصري ، ثنا أحمد بن صالح ، ثنا يحيى بن محمد ، ثنا إسماعيل بن ثابت بن مجمع ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس : أنه مسح على الخفين ، وذكر أنس أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين ، قال الوائلي : وهذا غريب جدا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس ، لم يسنده فيما قيل غير إسماعيل هذا ، وأبى ذلك الحافظ أبو بكر البزار ؛ فإنّه لما رواه عن أحمد بن الوليد البزار ، أنبأنا يحيى بن محمد الجاري ، ثنا يعقوب بن إسماعيل ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس ، قال : وهذا الحديث لا نعلم رواه غير يحيى بن سعيد عن أنس إلا يعقوب ، ورواه الدراوردي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن رقيش عن أنس ، والله أعلم . ورواه أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في مسنده عن مروان بن معاوية الفزاري ، ثنا زياد بن عبيدة ، ثنا أنس بن مالك ، قال : كنت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسير في غلس ، فقال لي : هل في إداوتك من ماء ؟ فقلت : نعم . قال : فتنحّى عن الطريق ، ثم توضأ ومسح على خفيه ، فلما أراد أن يمسح عليهما طأطأت رأسي لأنظر ، فقال : هو ما ترى ، ومسح على خفّيه . وقال الميموني : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - : حدثوني عن الحسن بن الربيع عن أبي شهاب الحناط عن عاصم الأحول عن أنس ، قال : مسح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخفين ؟ فقال : ليس بصحيح ، إنّما هو عن أنس أنّه كان يمسح ، وكان يقول : ثنا أصحابنا ، وقال : هو عن عاصم عن أنس موقوفا . قلت : يخاف أن يكون من الحسن بن الربيع ؟ قال : نعم . قلت : أبو شهاب ؟ قال : ثبت ، وليس هذا من أبي شهاب . قلت لأحمد : ثنا شاذان ، ثنا زهير أبو خيثمة عن وهب بن عقبة عن محمد بن سعد الأنصاري عن أبيه : أنّ أنسا أتى المهراس فبال قائما ، ثم توضأ ومسح على خفيه ، ثم توجه إلى الصلاة أو إلى المسجد ، فقلت : فعلت شيئا منكرا ؟ فقال : خدمت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع سنين يفعل ذلك . فقال أحمد : ليس بصحيح ، وهذا كذب ، وسألته عن وهب بن عقبة ، فقال : ليس به بأس ، وسألته عن محمد بن سعد الأنصاري ، فقال : لا يعرف . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن الربيع عن أبي شهاب عن عاصم عن أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح ، فقال : هذا خطأ ؛ إنّما هو عاصم عن راشد بن نجيح ، قال : رأيت أنسا مسح على الخفين : فعله ، انتهي . ورواه مالك في موطئه عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش ، قال : رأيت أنسا ، فذكره من فعله ، غير مرفوع . ورواه سعيد بن ميسرة البكري عن أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : المسح على الخفين للمسافر ثلاث ، وللمقيم يوم وليلة . أنبأنا بذلك الإمام المسند المعمر أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إبراهيم ، قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا الإمام الحافظ أبو الحسين يحيى بن عبد الله القرشي ، أنبأنا أبو الطاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين الشفيقي ، قراءة عليه ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الشافعي ، قراءة عليه ، أنبأنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي الفارسي ، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن الناصح ، ثنا أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي المروزي ، ثنا الهيثم بن خارجة ، ثنا سعيد بن ميسرة ، فذكره ، ورواه حميد عن أنس من جهة عنبس بن ميمون ، قال الحربي : غيره أوثق منه ، وحديثه هذا منكر .

139

64 - حدثنا عمران بن موسى الليثي ، ثنا محمد بن سواء ، أنبأنا سعيد بن أبي عروبة ، عن أيوب عن نافع ، عن ابن عمر : أنه رأى سعد بن مالك وهو يمسح على الخفين ، فقال : إنكم لتفعلون ذلك ؟ فاجتمعنا عند عمر ، فقال سعد لعمر : أفت ابن أخي في المسح على الخفين ، فقال عمر : كنّا ونحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نمسح على خفافنا ، لا نرى بذلك بأسا ، فقال ابن عمر : وإن جاء من الغائط ؟ قال : نعم . هذا حديث رواه البخاري من حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنه مسح على الخفين ، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك ، فقال : نعم ، إذا حدثك سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا تسأل عنه غيره . قال البخاري : وقال موسى بن عقبة : أخبرني أبو النضر أنّ أبا سلمة أخبره أن سعدا قال عمر لعبد الله بنحوه ، وأشار البخاري إلى رواية أبي سلمة عن سعد ، وقال الترمذي في العلل : قال محمد : حديث أبي سلمة عن ابن عمر في المسح صحيح ، وحديث محمد بن سعد في المسح أرجو أن يكون صحيحا . ورواه الإسماعيلي في مستخرجه من حديث الفضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة ، أخبرني أبو النضر أن أبا سلمة أخبره أن سعدا حدثه : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين . وعنده أيضا من رواية عبد العزيز بن المختار عن ابن عقبة ، قال : حدثني أبو النضر عن أبي سلمة عن سعد حديثا يرفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوضوء على الخفين : أنه لا بأس بالوضوء على الخفين . قال : وحدث أبو سلمة أن عبد الله بن عمر حدثه سعد أن عمر قال لعبد الله : كأنه يلومه إذا حدثك سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا تبتغ وراء حديثه شيئا . وفي تاريخ ابن أبي خيثمة من حديث عاصم عن سالم عن ابن عمر ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين بالماء في السفر . وفي كتاب الأبواب لأبي بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ، ثنا أحمد بن شيبان ، ثنا سفيان عن عبد الله بن دينار ، سمعت ابن عمر ، سألت عمر بن الخطاب : أيتوضأ أحدنا ورجلاه في الخفين ؟ قال : نعم ، إذا أدخلهما وهما طاهرتان . وفي حديث سالم عن ابن عمر أن سعدا سأل عمر عن المسح ، فقال عمر : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر بالمسح على ظهر الخف للمسافر ثلاثة أيام ، وللمقيم يوم وليلة . وفي مسند مسدد ، ثنا خالد بن عبد الله ، ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن أبيه أو عمه عن عمر : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الحدث توضأ ومسح على الخفين . زاد النيسابوري من حديث الزهري عن حميد عن ابن عمر قال : قدمت الكوفة ، فرأيت سعدا يتوضأ على الخفين فنهيته عن ذلك ، فقال : إذا رجعت إلى أمير المؤمنين فسله عن ذلك ، قال : فسألته عن ذلك حين قدم سعد حاجا ، فقال عمر : نعم ، وإن جئت من الغائط . ولفظ شيبان عن يحيى عن أبي سلمة : إذا توضأ أحدكم ، ثم تخفف فليمسح على الخفين ، وإن جاء من الغائط ، ولفظ النعمان بن سالم : أصاب سعد ، وفي حديث أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن عمر قال لابنه : فإنه - يعني سعدا - قد أصاب وأخطأت ، قال : قلت له : ولج الدار ، قال : قد أصاب وأخطأت ، وإن رغم أنفك ؛ من لبس خفيه ورجلاه طاهرتان فله يوم إلى الليل حتى ينزعهما على فراشه ، وللمسافر ثلاثة أيام . وفي لفظ : فقال عمر : عمك أعلم بالسنة منك ، وفي لفظ : سعد يا فتى أفقه منك . وقال أبو الحسن الدارقطني : وسئل عنه ، فقال : هو حديث رواه أبو النضر عن أبي سلمة ، واختلف عنه ، فرواه أبو أيوب الإفريقي وابن لهيعة عن أبي النّضر عن أبي سلمة عن ابن عمر ، وأسنداه عن عمر وسعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه عمرو بن الحارث عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن سعد وحده أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنّ ابن عمر سأل أباه ، فقال : إذا حدثك سعد فلا تسأل عنه غيره . ورواه موسى بن عقبة ، واختلف عنه ، فقال : عبد العزيز بن المختار ، وعبد العزيز بن أبي حازم عن موسى بن عقبة عن أبي النّضر عن أبي سلمة عن سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واختلف على ابن أبي حازم ، فقال : سهل بن صقير عنه عن موسى عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكذا قال ابن لهيعة عن أبي النضر ، وقال وهيب : وفضيل بن سليمان ، وإسماعيل بن جعفر ، والدراوردي عن موسى بن عقبة عن أبي النضر عن أبي سلمة عن سعد ، ولم يذكروا ابن عمر ، وقال الحماني عن الدراوردي عن موسى بن عقبة عن أبي النضر عن أبي سلمة عن بسر بن سعيد عن سعد ، ووهم في ذكر بسر ، وقال كديم بن موسى عن فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن أبي النّضر عن عامر بن سعد عن أبيه ، ووهم في ذكر عامر بن سعد ، والصواب من ذلك قول عمرو بن الحارث ، ومن تابعه عن أبي النّضر . قال : ورواه عن ابن عمر جماعة ، فرفعه بعضهم ووقفه آخرون ، فرواه نافع عن ابن عمر ؛ فممن رفعه عنه أيوب من رواية ابن أبي عروبة ، ومعمر ، وعبد الله بن الزبير الباهلي ، ووقفه غيرهم عن أيوب ، ورواه شريك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حدّث به عبد العزيز بن أبان عن شريك ، ولم يأت به غيره ، وأسنده أيضا عكرمة بن عمار عن نافع من رواية عنبسة بن عبد الواحد عنه ، وخالفه النّضر بن محمد ، فرواه عن عكرمة بن عمار ، ولم يصرّح برفعه ، وقال فيه : فإنه من السنة ، ورواه عبد الله بن عمر العمري وأيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر مرفوعا ، وتابعهم محمد بن أبي حميد المدني عن نافع ، فرفعه أيضا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه أبو بكر بن أبي الجهم عن ابن عمر عن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حدّث به أبو حنيفة عنه وأبو بكر النهشلي ، ورواه سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر مرفوعا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حدّث به عنه كذلك عاصم بن عبيد الله بن عمر . قال ذلك الحسن بن صالح عن عاصم ، وخالفه يزيد بن أبي زياد ، واختلف عن يزيد ، فقال خالد بن عبد الله الواسطي عنه عن عاصم بن عبيد الله عن أبيه عن جدّه عن عمر ، قال ابن فضيل : عن يزيد بن أبي زياد عن عاصم عن أبيه عن جدّه عمر ، وقال شريك : عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ، أو عن عمر . واختلف عن شريك ، فقال عنه أبو داود الطيالسي قولا آخر : عن عاصم عن أبيه عن عمر ، والاضطراب في هذا من عاصم ؛ لأنه كان سيئ الحفظ ، ورواه أشرس بن عبيد عن سالم عن أبيه عن عمر موقوفا غير مرفوع ، ورواه خالد بن أبي بكر بن عبيد بن عبد الله بن عمر عن سالم عن أبيه عن عمر ، وأغرب فيه بألفاظ لم يأت بها غيره : ذكر فيه المسح ، وقال فيه : على ظهر الخف ، وذكر فيه التوقيت : ثلاثا للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم قاله زيد بن الحباب عنه ، وفي علل الخلال : سأل علي بن حجر أحمد بن حنبل عن المسح على أعلى الخف وأسفله ، فقال - يعني : نوح بن حبيب - لأحمد : لعلك تأخذ بحديث عمر ؟ قال : أي حديث هو ؟ قلت : ثنا زيد بن الحباب عن خالد بن أبي بكر ، وذكرت هذا الحديث ، فضحك - يعني : أبا عبد الله ثم قال : أعد ، فأعدت ، فقال : أعد ، وقال : لم أسمع أنا هذا الحديث . وقال زياد بن أيوب : سألت أحمد عن المسح على الخفين ، فقال : إنما هو أعلاه ، وأكثر الأحاديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أعلاه ، ورواه بعض التابعين عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه مسح أعلاه وأسفله ، وليس ذلك بثابت عنه ، قال الدارقطني : ولفظه في الأفراد : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لا أحصيه يمسح على الخفين ، وذكر شراك النعل . وقال : تفرد به معاوية بن عطاء عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود ، يعني عن ابن عمر عنه ، ورواه حصين بن عبد الرحمن عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قاله سويد بن عبد العزيز عن حصين ، وخالفه هشيم ، فرواه عن حصين موقوفا ، ورواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عمر ، واختلف عنه فرواه أبو النضر سالم عن أبي سلمة عن ابن عمر عن عمر ، وسعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قال ذلك أبو أيوب الإفريقي ، وابن لهيعة عن أبي النّضر ، ورواه ابن عقبة عن أبي النّضر ، واختلف عنه ، فقال : عبد العزيز بن المختار عن موسى ، عن أبي النّضر عن أبي سلمة عن سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعن ابن عمر عن عمر موقوفا . وقال وهيب : عن موسى عن أبي النّضر عن أبي سلمة عن ابن عمر ، قال : قال عمر : إذا حدثك سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا تشكّ فيه . وقال الفضيل بن سليمان : عن موسى عن أبي النّضر عن أبي سلمة ، قال : حدث سعد ، ولم يذكر فيه ابن عمر ، وقال عمرو بن الحارث ، وابن لهيعة : عن أبي النّضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن سعد ، وقيل : عن ابن لهيعة عن أبي النّضر عن بسر بن سعيد ، وقال أبو إسحاق السبيعي : عن أبي سلمة عن ابن عمر عن عمر وسعد ، موقوفا عليهما غير مرفوع . قال ذلك يونس بن أبي إسحاق وأبو الأحوص ، وقال شعبة : عن أبي إسحاق عن أبي سلمة عن ابن عمر قوله لم يجاوز به ابن عمر ، ورواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله عن ابن عمر عن عمر وسعد قولهما غير مرفوع ، ورواه عبد الله بن دينار وأصحاب نافع غير من تقدّم ذكره ، والحكم بن الأعرج ، وأبو حازم الأشجعي عن الشعبي ، وخيثمة بن عبد الرحمن ، والنعمان بن سالم ، وميمون بن مهران عن ابن عمر عن عمر وسعد قولهما غير مرفوع ، والله تعالى أعلم .

140

63 - حدثنا محمد بن رمح ، أنبأنا الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعد بن إبراهيم ، عن نافع بن جبير ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه المغيرة بن شعبة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنّه خرج لحاجته ، فأتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء ، حتى فرغ من حاجته ، فتوضأ ومسح على الخفين . هذا حديث مخرج كالذي قبله ، وفي كتاب العلل لعبد الرحمن : سمعت أبي يقول : سألنا إبراهيم بن موسى : أي حديث في المسح على الخفين أصح ؟ فسكتنا ، فقال : هو حديث الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن المغيرة . فقلت أنا : له عندنا حديث حجازي ؟ قال : ما هو ؟ قلت : حديث يحيى بن سعيد عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير عن عروة بن المغيرة عن أبيه ؟ فسكت ، ثم قال أبي : الآن أقول حديث الزهري عن عباد بن زياد وإسماعيل بن محمد بن سعد عن عروة وحمزة ابني المغيرة عن أبيها . وفي كتاب البخاري عن أبي نعيم ، ومسلم عن ابن نمير عن أبيه ، قالا : ثنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي ، عن عروة ، عن أبيه ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر ، فقال : أمعك ماء ؟ قلت : نعم . فنزل عن راحلته ، فمشى حتى توارى في سواد الليل ، ثم جاء ، فأفرغت عليه ماء من إداوة ، فغسل يديه ووجهه ، وعليه جبة من صوف ، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة ، وغسل ذراعيه ، ومسح برأسه ، ثم أهويت لأنزع خفيه ، فقال : دعهما ، فإني أدخلتهما طاهرتين ، ومسح عليهما . ورواه الطبراني في الأوسط من حديث موسى بن أعين عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي به ، ولفظه : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ليلا ، فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا المغيرة . فقال : أمسك ، فأمسكت له ناقته ، وانطلق حتى ما رأيته ، ثم جاء ، فذكره ، وقال : لم يجوده عن إسماعيل إلا ابن أعين . تفرد به المعافى بن سليمان ، ورواه المعافى أيضا عن القاسم بن معن عن إسماعيل عن الشعبي ، وقال الدارقطني : ورواه عبثر بن القاسم ، وزفر بن الهذيل ، وخالد بن عبد الله الواسطي ، وسليمان بن كثير ، عن حصين ، عن الشعبي وسعد بن عبيدة عن المغيرة ، ورواه إبراهيم بن طهمان ، ومحمد بن فضيل ، وورقاء ، وسويد بن عبد العزيز ، عن حصين ، عن الشعبي وحده ، عن المغيرة . وخالفهم ابن عيينة ، فرواه عن حصين عن الشعبي عن عروة عن أبيه ، وقال الحميدي والقاسم بن بشر عن ابن عيينة عن حصين ، وزكريا ويونس بن أبي إسحاق عن الشعبي عن عروة عن أبيه ، وكذلك رواه عيسى بن يونس وشبابة ، وأبو نعيم والفريابي وأبو قتيبة عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي عن عروة عن أبيه ، وكذلك رواه زكريا بن أبي زائدة من رواية أبي نعيم ، وجعفر بن عون وابن عيينة ويحيى بن سعيد الأموي عنه عن الشعبي ، عن عروة عن أبيه ، وكذلك رواه عبد الله بن أبي السفر وعمر بن أبي زائدة وداود بن يزيد الأودي وسليم مولى الشعبي عن الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه ، وكذلك رواه أبو إسحاق السبيعي من رواية إسرائيل عنه ، ورواه أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن عروة ، لم يذكر فيه الشعبي ، ورواه عبد الله بن عون عن الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه ، واختلف عنه ، فقال أبو جابر : عن ابن عون عن الشّعبي وابن سيرين عن ابن المغيرة عن أبيه ، ووهم ، وإنّما روى هذا الحديث ابن عون عن الشعبي عن عروة وحده ، وعن ابن سيرين عن عمرو بن وهب عن المغيرة ، واختلف على إسماعيل بن أبي خالد ، فرواه موسى بن أعين عن إسماعيل عن الشعبي عن عروة عن أبيه ، وخالفهم القاسم بن معن ؛ فرواه عن إسماعيل عن الشعبي عن المغيرة ، لم يذكر بينهما أحدا ، وكذلك رواه الهيثم بن حبيب الصيرفي ومجالد بن سعيد ، وأبو إسحاق الشيباني عن الشعبي عن المغيرة ، زاد أبو إسحاق الشيباني عن الشعبي ، قال : قيل للمغيرة : ومن أين كان للنبي صلى الله عليه وسلم خفان ؟ فقال : أهداهما له دحية بن خليفة الكلبي ، وخالفه الجعفي في هذا اللفظ ، فرواه عن الشعبي عن دحية ، ولم يذكر فيه المغيرة ، ورواه حريث بن أبي مطر عن الشعبي عن مسروق بن الأجدع عن المغيرة ، وتابعه زكريا بن أبي زائدة من رواية سعيد الأموي عن أبيه عن زكريا عن الشعبي عن مسروق عن المغيرة ، وقيل : إنّ ابن الأموي اختلطت عليه أحاديث أبيه عن زكريا بأحاديث حريث بن أبي مطر ، وهذا يشبه أن يكون منها ، ورواه حماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر وجابر الجعفي والسري بن إسماعيل عن الشعبي عن إبراهيم بن أبي موسى الأشعري عن المغيرة ، وأحسنها إسنادا حديث الشعبي عن عروة عن أبيه . وأبى ذلك أبو محمد بن أبي حاتم ، فقال : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ابن فضيل عن حصين عن الشعبي عن عروة عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين ، ورواه ابن عيينة عن حصين عن الشّعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورواه زائدة بن قدامة عن حصين عن سعد بن عبيدة سمع المغيرة ، وقال غيره : عن حصين عن أبي سفيان عن المغيرة ، ورواه عبثر عن حصين عن الشعبي ، وسعد بن عبيدة عن المغيرة بلا عروة ، قال أبي : وليس لأبي سفيان معنى ، قال أبي : ورواه هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان سمعا المغيرة ، قلت لأبي زرعة : فأيهما الصحيح عندك ؟ قال : أنا إلى حديث الشعبي بلا عروة أميل ؛ إذ كان للشعبي أصل في المسح ، قال : وسئل أبو زرعة عن حديث رواه سليمان بن عبد الرحمن الدّمشقي عن إسماعيل بن عياش ، عن أبي شيبة يحيى بن يزيد الرهاوي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن حماد ، عن عامر الشّعبي ، عن إبراهيم بن أبي موسى ، عن المغيرة في المسح ، قال أبو زرعة : وهم فيه حماد ، وخالفه السبيعي وابن أبي خالد وحصين ، قال أبو محمد : يعني أنّهم رووا الحديث عن الشعبي عن عروة ، وليس لإِبراهيم بن أبي موسى هنا معنى ، والله تعالى أعلم . ولفظ أبي داود : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ركبه ومعي إداوة ، فخرج لحاجته ، ثم أقبل ، فتلقيته بالإداوة ، قال : فأهرقت عليه ، فغسل كفيه ووجهه ، ثم أراد أن يخرج ذراعيه ، وعليه جبة من صوف من جباب الروم ، وفيه : دع الخفين ، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان ، فمسح عليهما . قال الشعبي : شهد لي عروة على أبيه ، وشهد أبوه على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي لفظ مسلم : عن ابن مثني ، ثنا عبد الوهاب ، سمعت يحيى بن سعيد بهذا الإسناد ، وقال : فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ، ولفظ مسروق عن المغيرة بعد : ثم مسح على خفيه ، ثم صلى بنا ، وفي حديث حميد الطويل : ثنا بكر بن عبد الله المزني ، عن عروة ، عن أبيه : ومسح بناصيته ، وعلى العمامة ، وعلى خفيه ، ثم ركب وركبنا ، فانتهينا إلى القوم وقد قاموا إلى الصلاة ، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف ، وقد ركع بهم ركعة ، فلما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب يتأخر ، فأومأ إليه فصلى بهم ، فلمّا سلّم قام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا . وفي رواية المعتمر عن أبيه حدّثني بكر : مسح على الخفين ، ومقدّم رأسه ، وعلى عمامته . وثنا محمد بن الأعلى ثنا المعتمر عن أبيه عن بكر عن الحسن عن ابن المغيرة عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثله ، وثنا ابن بشار ومحمد بن حاتم جميعا عن يحيى القطّان ، قال ابن حاتم : ثنا يحيى بن سعيد ، عن التيمي ، عن بكر ، عن الحسن ، عن ابن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ، قال بكر : وقد سمعته من ابن المغيرة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ، فمسح بناصيته ، وعلى العمامة ، وعلي الخفين . وقال أبو عيسى : وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة : ذكر بعضهم المسح على الناصية والعمامة ، ولم يذكر بعضهم الناصية ، سمعت أحمد بن الحسن ، سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان ، قال : وحديث المغيرة حسن صحيح ، واختلف في ابن المغيرة هذا من هو ؟ ففي كتاب التتبع لأبي الحسن : وأخرج مسلم عن ابن بزيع - يعني : عن يزيد بن زريع - عن حميد ، ثنا بكر عن عروة ، قال : وخالفه غيره عن يزيد ، فرواه عنه على الصواب عن حمزة بن المغيرة ، رواه كذلك حميد بن مسعدة وعمرو بن علي ، وكذا قال ابن أبي عدي عن حميد ، وفي صحيح أبي عوانة : أنبأنا يوسف القاضي ، أنبأنا مسدد ، أنبأنا يزيد به ، وكلام الدارقطني يقتضي نسبة الوهم فيه إلى محمد بن بزيع ، وأبو مسعود الدمشقي يخالفه ، ويقول : هكذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع عن يزيد عن عروة ، وخالفه النّاس ، فقالوا : حمزة بدل عروة ، حكاه أبو علي في التقييد ، وقال أبو الحسن في العلل : يرويه بكر ، واختلف عنه ، فرواه حميد عن بكر عن حمزة ، وقال سليمان التيمي : عن بكر عن ابن المغيرة : قال ذلك خالد الواسطي ، ويزيد بن زريع ، ويزيد بن هارون ، واختلف عن معتمر ؛ فقال نصر بن علي وأبو نعيم الحلبي : عن معتمر عن أبيه عن بكر عن ابن المغيرة ، وكذلك قال علي بن الحسين الدرهمي : عن معتمر ؛ إلا أنه قال : عن حمزة بن المغيرة ، وقال أبو الأشعث : عن معتمر عن أبيه عن بكر والحسن عن ابن المغيرة عن أبيه ، وقال الثوري : عن التيمي عن بكر عن الحسن ، عن ابن المغيرة عن المغيرة ، قال ذلك عبد الكريم بن روح عن الثوري ، ورواه عاصم الأحول عن بكر مرسلا عن المغيرة ، وقيل : عن علي بن مسهر ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن بكر ، وهو وهم ، وإنما رواه ابن مسهر ، عن ابن أبي عروبة عن عاصم الأحول عن بكر ، واختلف عن ابن أبي عروبة ، فرواه زفر عنه عن قتادة عن بكر عن المغيرة ، وخالفه منيع بن عبد الرحمن ، فرواه عن سعيد عن مطر عن بكر عن المغيرة ، وكلاهما وهم ؛ لأن هذا الحديث سمعه ابن أبي عروبة من بكر ، ليس بينهما فيه قتادة ولا مطر . قال ذلك ابن زريع وغندر وابن مسهر ، وروي عن داود بن أبي هند عن بكر عن المغيرة مرسلا أيضا ، ورواه الحسن البصري عن المغيرة حدّث به قتادة ، واختلف عنه ، فرواه عمر بن عامر عن قتادة عن الحسن ومحمد عن المغيرة ، وقال هدبة بن خالد : عن همام عن قتادة عن الحسن ، وزرارة بن أوفى عن المغيرة ، ورواه الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن خالد بن كثير عن أبي حفص العمري عن الحسن عن المغيرة ، والحسن لم يسمعه من المغيرة ، وإنّما سمعه من حمزة ابنه ، وذلك بّين في رواية القطّان عن التيمي ، وروي أيضا عن عبيد الله بن عمر عن حمزة بن المغيرة ، قاله عبد الله بن نافع الصائغ عن أبي معشر عنه ، وخالفه يحيى بن عبد الله بن سالم ، فرواه عن عبيد الله عن حميد الطويل عن ابن المغيرة عن أبيه ، وحميد لم يسمعه من ابن المغيرة ؛ وإنّما رواه عن بكر عنه ، ولفظ أبي داود : ثم ذكر فوق العمامة ، قال عن المعتمر ، وفي لفظ : قال : فصليت أنا والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه ركعة ، فلما سلم قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فصلى الركعة التي سبق بها ، ولم يزد عليها شيئا ، قال أبو داود : أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون : من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو ، وفي لفظ يونس عن ابن شهاب ، حدثني عبّاد بن زياد : أنّ عروة بن المغيرة سمع أباه ، وفيه : قد ركع بهم - يعني ابن عوف - ركعة من صلاة الفجر ، وفيه : ثم سلّم عبد الرحمن ، فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاته ، ففرغ المسلمون فأكثروا التسبيح ؛ لأنهم سبقوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلمّا سلّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم : قد أصبتم ، أو قد أحسنتم . ولفظ النسائي في كتاب شيوخ الزهري في غزوة تبوك ، وذكره مالك في موطئه بما استوجب رده ، أنبأنا بذلك المسند المعمر شرف الدين بن أبي الفتوح الشّامي - رحمه الله تعالى - أنبأنا ابن رواح ، أنبأنا الحافظ البغوي - رحمه الله - في خامس عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ، أنبأنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ، بقراءتي عليه ببغداد ، في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وأربع مائة ، أنبأنا أبو طالب محمد بن علي الحربي الزاهد ، أنبأنا الحافظ أبو الحسن علي بن مهدي في كتابه ، قال : روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن المغيرة ، فذكر قصة المسح ، قال : وخالفه صالح بن كيسان ، ومعمر ، وابن جريج ، ويونس ، وعمرو بن الحارث ، وعقيل بن خالد ، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم ، فرووه عن الزهري عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن أبيه ، فزادوا على مالك في الإسناد عروة بن المغيرة ، وبعضهم قال : عن ابن شهاب عن عباد بن زياد عن عروة وحمزة ابني المغيرة عن أبيهما ، قال ذلك عقيل ، وعبد الرحمن بن خالد ، ويونس بن يزيد من رواية الليث عنه ، ولم ينسب أحد منهم عبادا إلى المغيرة بن شعبة ، وهو عباد بن زياد بن أبي سفيان . قال ذلك مصعب الزبيري ، وقاله علي ابن المديني ويحيى بن معين وغيرهم ، فخولف مالك - رحمه الله تعالى - في إسناده في موضعين : أحدهما : قوله : عباد بن زياد من ولد المغيرة . والآخر : إسقاطه من الإسناد عروة وحمزة بن المغيرة ، والله أعلم . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب العلل : وهم مالك في هذا الحديث في نسب عباد ، فزعم أنه من ولد المغيرة ، وإنّما هو ابن زياد بن أبي سفيان ، وقال عن المغيرة : وإنّما هو عن عروة وحمزة ابني المغيرة عن أبيهما - والله تعالى أعلم - وبنحوه قاله الشّافعي فيما حكاه البيهقي عنه ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وقال ابن أبي حاتم في موضع آخر : سألت أبي عن حديث ثنا به محمد بن عوف الحمصي عن أبي تقي عبد الحميد بن إبراهيم عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن الزهري عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة ، أن محمد بن إسماعيل أخبره عن حمزة بن المغيرة الحديث ، فقال أبي : هذا خطأ ؛ إنّما هو إسماعيل بن محمد بن سعد ، بدل محمد بن إسماعيل ، وزعم ابن عقدة أنه حديث تفرّد به أهل الكوفة ، وفيه نظر ، وفي لفظ له عند أبي داود من حديث بكير بن عامر البجلي عن عبد الرحمن بن أبي نُعم عن المغيرة ، فقلت : يا رسول الله ، نسيت ؟ قال : بل أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي ، ولما ذكر أبو القاسم هذا في معجمه الكبير عن علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو نعيم ، ثنا بكير ، قال : زعم ابن أبي نعم أن المغيرة حدثه : أنه مشى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المدينة ، فأتى بعض الأودية فدخلها ، فقضى حاجته ، ثم خرج فتوضأ وخلع الخفين ، فلما لبس خفيه وجد بعد ذلك ريحا فعاد ، ثم خرج فتوضأ ومسح على الخفين ، فقلت : أنسيت يا رسول الله ؟ فقال : بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي - عز وجل قال الحافظ القشيري : وبلغني أنّ أحمد بن خالد الأندلسي الحافظ رواه عن علي ، وقال بعد تمامه : ما أحسنه ، وخرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث الحسن بن صالح عن بكير ، وقال : إسناده صحيح ، وقال أبو الحسن في كتاب العلل : يرويه بكير البجلي عن عبد الرحمن ، حدّث به عن الحسن بن صالح ووكيع والفضل بن موسى وعبيد الله بن موسى وعبد الله بن داود وعلي بن غراب ، ورواه عامر بن مدرك عن الحسن بن صالح ، فقال : عن أكيل عن ابن أبي نعم ، وإنّما أراد بكير بن عامر . ورواه عيسى بن المسيب ، فقال : عن أبي بكير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المغيرة ، حدّث به كذلك بكر بن خداش ، ووهم فيه في موضعين : في قوله عن أبي بكير ، وفي قوله : عن ابن أبي ليلى ، وإنما أراد ابن أبي نعم حدثناه المحاملي ، ثنا عبدان الأهوازي ، ثنا معمر بن سهل ، ثنا عامر بن مدرك ، عن الحسن بن صالح به ، ورواه عن المغيرة أيضا عمرو بن وهب الثقفي ، قال أبو الحسن : يرويه محمد بن سيرين ، واختلف عنه ، فرواه أيوب السختياني ، وقتادة وحبيب بن الشهيد ، وهشام بن حسان ، وعوف الأعرابي ، وأشعث بن عبد الملك ، وأبو حرّة عنه عن عمرو عن المغيرة ، واختلف عن يونس بن عبيد ، فرواه هشيم عن يونس عن ابن سيرين عن عمرو عن المغيرة ، وتابعه الفريابي عن الثوري ، فقال : عن يونس ، وخالفهما قبيصة عن الثوري ، فقال : عن يونس عن ابن سيرين عن المغيرة ، أسقط عمرا ، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن رجل كناه أبا عبد الله عن عمرو بن وهب ، وتابعه جرير بن حازم في ذكره رجلا بين ابن سيرين وبين عمرو بن وهب إلا أنه لم يُكنِّه . وقال يزيد التستري عن ابن سيرين عن بعض أصحابه عن المغيرة : وقال حسام بن المصك ، وأبو سهل محمد بن عمرو الأنصاري ، وعبد الأعلى بن أبي المساور عن ابن سيرين عن المغيرة ، لم يذكر بينهما عمرا ، فالقول قول أيوب وقتادة ، ومن تابعهما ، وأبى ذلك عليه أبو زرعة ، بقوله : ورواه بعض أصحاب ابن عون عن ابن عون عن محمد عن عمرو بن وهب عن رجل عن آخر عن المغيرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قلت لأبي زرعة : أيهما الصحيح ؟ قال : عمرو عن رجل عن آخر عن المغيرة . ذكره ابن أبي حاتم في العلل ، ورواه أبو وائل عن المغيرة . قال أبو الحسن : يرويه عاصم بن أبي النجود ، وحماد بن أبي سليمان عنه عن المغيرة ، ووهما فيه على أبي وائل ، ورواه الأعمش ومنصور عن أبي وائل عن حذيفة ؛ وهو الصواب ، وسئل عن حديث أبي وائل عن المغيرة أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على النعلين ، فقال : يرويه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور ، وحصين عن أبي وائل عن المغيرة ، وخالفه هشيم في إسناده ومتنه ، فرواه عن حصين عن سالم بن أبي الجعد ، وأبي سفيان عن المغيرة ، وقال فيه : ومسح على خفيه ، ولم يذكر النعلين ، وخالفه زائدة بن قدامة ، فرواه عن حصين عن سعد بن عبيدة عن المغيرة ، ورواه عبثر بن القاسم ، وزفر ، وخالد الواسطي ، وسليمان بن كثير عن حصين عن الشعبي ، وسعد بن عبيدة عن المغيرة ، ورواه الأسود بن يزيد عن المغيرة ، قال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن حماد عن إبراهيم عن الأسود إلا عبد الله بن حدير ، ورواه عبد الله بن بريدة عن المغيرة : أنه توضأ ومسح على الخفين وصلى بنا ، فأقامني عن يمينه . قال أبو القاسم في الأوسط أيضا : لم يقل أحد ممن روى هذا الحديث عن المغيرة : وصلى بنا فأقامني عن يمينه ، إلا ابن بريدة . تفرد به عنه عبد المؤمن بن خالد ، ورواه أبو السائب مولى هشام بن زهرة عن المغيرة بزيادة : وفي الإداوة ماء عذب ، قاله القشيري .

141

65 - حدثنا أبو مصعب المدني ، ثنا عبد المهيمن بن العباس بن سهل الساعدي ، عن أبيه ، عن جدّه : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الخفين ، وأمرنا بالمسح على الخفين . هذا حديث إسناده ضعيف بعبد المهيمن المذكور قبل ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة ، ذكرها الحافظ أبو علي بن السكن ، فقال : ثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل ، ويحيى بن محمد بن صاعد ، ومحمد بن محمد بن بدر ، والحسين بن محمد ، قالوا : ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، قال : رأيت سهل بن سعد يبول بول الشيخ الكبير ، يكاد أن يسبقه قائما ، ثم توضأ ومسح على خفيه ، فقلت : ألا تنزع هذا ؟ ! فقال : لا ، رأيت خيرا مني ومنك يفعل هذا ، رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعله ، ومن طريق أخرى جيّدة ذكرها القاضي أبو الطاهر الذهلي في التاسع عشر من حديثه ، فقال : ثنا موسى بن هارون عن قتيبة عن يعقوب عن أبي حازم ، أنه رأى سهل بن سعد ، فذكر الحديث . وطريق أخرى ذكرها أبو جعفر البغوي في مسنده عن حسين بن محمد عن أبي غسان عن أبي حازم ، أنه نظر إلى سهل بن سعد يبول قائما ، فمسح على خفيه الحديث ، ورواه أيضا الطبراني من حديث عبد الله بن عمر بن أبان ويحيى الحماني ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، سمعت أبي يقول : رأيت سهلا فذكره ، رواه عن الفضل بن أبي روح عن ابن أبان ، وعن أبي حصين القاضي عن الحماني ، ورواه أبو بكر النيسابوري في كتاب الأموات عن أحمد بن منصور ، ثنا ابن أبي مريم وابن الصباح ، قالا : ثنا سعيد بن عبد الرحمن ، حدّثني أبو حازم قال : رأيت سهل بن سعد يبول قائما ، وقد كان كبيرا حتى لا يكاد ذاك يبعد منه ، قال : ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على خفيه . قال : قلت : ألا تنزع خفيك ؟ ! قال : قد رأيت من هو خير منك يصنع ذلك ، واللفظ لابن أبي مريم ، وثنا أحمد ، ثنا سعيد بن سليمان ، ثنا عبد الحميد بن سليمان ، سمعت أبا حازم ، ولفظه : من هو خير مني ومنك يصنع .

142

باب الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه 58 - حدثنا محمد بن رمح ، أنبأنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ، عن معاوية بن أبي سفيان ، أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هل كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه ؟ قالت : نعم ، إذا لم يكن فيه أذى . هذا حديث إسناده صحيح ؛ سويد بن قيس التجيبي المصري الأبذوي ، وإن كان لم يرو عنه غير يزيد بن أبي حبيب ، فقد قال أبو سعيد بن يونس : كانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة ، وكان يرسله في أموره ، وذكر من ذلك أنه أرسله إلى ابن عمر بجائزة وكتاب ، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات ؛ فلذلك ساغ لابن الجارود ذكره في منتقاه ، وسكت عنه أبو داود عندما رواه ، ولفظ أبي جعفر بن منيع ، فقالت : نعم ، إذا علم أنه لم يصبه أذى ، وفي لفظ للطبراني : إذا لم ير فيه أذى . وفي لفظ له : أنه دخل على أم حبيبة ، قال : فوجدت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في ثوب واحد ، عاقده على قفاه ، فقلت لأم حبيبة : أيصلي النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب واحد ؟ قالت : نعم ، وهو الذي كان فيه ما كان . وقال : لم يروه عن سعيد بن مسلم بن بانك - يعني : عن أبيه - عن معاوية بن أبي سفيان إلا خالد بن يزيد العمري ، وذكره أيضا في موضع آخر من رواية عنبسة عن أم حبيبة ، وقال : لم يروه عن عنبسة إلا ضمرة بن حبيب ، تفرد به معاوية بن صالح ، والله أعلم

143

59 - حدثنا هشام بن خالد الأزرق ، ثنا الحسن بن يحيى الخشني ، ثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي الدرداء ، قال : خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورأسه يقطر ماء ، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحا به ، قد خالف بين طرفيه ، فلما انصرف قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، تصلي بنا في ثوب واحد ؟ قال : نعم ، أصلي فيه ، وفيه ؛ أي قد جامعت فيه . هذا حديث إسناده لا بأس به ، ولو صحح لكان بذلك جديرا لما عضده من الشواهد ، وأما ما ذكره أبو محمد الإشبيلي إثر تخريجه : خرجه البزار ، وفي إسناده الحسن بن يحيى الخشني ، وهو ضعيف جدا ، ففيه نظر في موضعين : الأول : ما عزاه لمسند البزار لم أره فيه ، فلعله يكون مخرجا في كتاب السنن أو الأمالي ، وليس اصطلاح أبي محمد ، والله أعلم . ولم ينبه أبو الحسن بن القطان على ذلك ، فعلى هذا يكون لازما لهما . الثاني : رده الحديث بالحسن أبي عبد الملك ، ويقال : أبو خالد الدمشقي البلاطي ، والبلاط : قرية على نحو فرسخ من دمشق ، أصله خراساني ، ذكره الإمام أحمد بن حنبل ، فقال : ليس بحديثه بأس ، حكاه عنه أبو داود في كتاب الآجري ، وسئل عنه دحيم ، فقال : لا بأس به ، وقال أبو حاتم الرازي : صدوق ، سيئ الحفظ ، وقال أبو أحمد بن عدي : هو ممن تحتمل رواياته ، وقال ابن معين في رواية : ثقة ، وقال أبو داود : ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، ثنا الحسن بن يحيى الخشني ، وكان ثقة ، وتكلم فيه غير هؤلاء بكلام مؤول ، قال أبو عبد الرحمن النسائي : ليس بثقة . وقال الدارقطني : متروك ، وقال ابن معين في رواية : ليس بثقة ، وفي كتاب أبي العرب عنه : ليس بشيء . وقال عبد الغني بن سعيد المصري : ليس بشيء . وذكره أبو جعفر العقيلي ، فلم يزد على نقله كلام ابن معين فيه ، وأبو زكريا في كتاب الضعفاء كذلك ، ثم ذكر الساجي بعد حكاية كلام ابن معين كلام أبي داود عن سليمان ، والله أعلم ، وبقية من في الإسناد حديثهم في الصحيح ؛ إلا الأزرق مفتي أهل الشام ، فيما قاله أبو زرعة النصري ؛ فإن أبا حاتم الرازي روى عنه في آخرين ، وقال : صدوق .

144

60 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا يحيى بن يوسف الزمي ح ، وثنا أحمد بن عثمان بن حكيم ، ثنا سليمان بن عبيد الله الرقي ، قالا : ثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ، قال : سأل رجل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرجل يصلي في الثوب الذي يأتي أهله فيه ؟ قال : نعم ، إلا أن يرى به بأسا فيغسله . هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه عن أبي يعلى ، ثنا مخلد بن أبي زميل وعبد الجبار بن عاصم ، قالا : ثنا عبيد الله به ، وخالفه أبو الحسن البغدادي ، فإنه لما سئل عنه قال : يرويه عبيد الله بن عمرو مرفوعا . وقيل : عن ابن عيينة ، ولا يصح ، والصحيح ما رواه أبو عوانة وأسباط بن محمد وعبد الحكم بن منصور ، وغيرهم عن عبد الملك بن عمير عن جابر موقوفا من قوله ، وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : كذا رواه - يعني سليمان الرقي - عن عبيد الله مرفوعا ، وإنمّا هو موقوف ، انتهى فزيادته مقبولة إجماعا ، وتعلق بعضهم بأنه معارض بحديث عائشة ، قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يصلي في شعارنا أو لحفنا . المذكور عند أبي محمد الإشبيلي صحيحا ، قال في آخره : شك معاذ بن معاذ راوي هذا الحديث ، وعليه فيه استدراكان : الأول : ذكره الشكّ متبعا قوله رواية عند أبي داود ، وهو ليس ثابتا في كثير من طرق الحديث ، هذا أبو عيسى رواه ولم يذكر شكا ، وقال فيه : حسن صحيح ، وكذلك النسائي ، لكنهما لم يذكرا الشعر ، ذكرا اللحف فقط ، وأما ابن حبان فإنّه ذكره في صحيحه بهما ، وقال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : ثنا القواريري ، ثنا معاذ بن معاذ ، ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني ، عن محمد - يعني ابن سيرين عن عبد الله بن شقيق العقيلي ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يصلي في شعرنا ، ولا لحفنا . الثاني : تصحيحه الحديث ، وهو في كتاب أبي داود الذي نقله من عنده معللا بما أتبعه به ، وهو ثنا الحسن بن علي بن سليمان ، ثنا حرب ، ثنا حماد ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عائشة : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يصلي في ملاحفْنا . قال حماد : وسمعت سعيد بن أبي صدقة ، قال : سألت محمدا عنه فلم يحدثني به ، وقال : سمعته منذ زمان ، ولا أدري ممن سمعته ، ولا أدري أسمعته من ثبت أم لا ، فسلوه عنه . وفي كتاب الخلال عن عبد الله : قال أبِي : ما سمعت عن أشعث أنكر من هذا ، قال عبد الله : وأنكره - يعني : أباه - إنكارا شديدا ، وهذان الاستدراكان واردان على أبي الحسن بن القطان أيضا بسكوته وإقراره ، ولئن سلمنا صحته فليس معارضا لما تقدّم ؛ لأنّ الصلاة في ثوب الرجل غير صلاته في ثوب زوجته ؛ لأن الرجل يتحرز مما لا تتحرز منه المرأة ، ولئن سلمنا ذلك فيكون مبسوطا بما في حديث ميمونة وعائشة ، أو لعذر أوجب له ذلك ، أو لبيان الجواز ، والله أعلم .

145

باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول 53 - حدثنا محمد بن رمح المصري ، أنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول : أنا أول من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة ، وأنا أول من حدث الناس بذلك . هذا حديث ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه ، وخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي خليفة ، نا أبو الوليد ، ثنا غوث بن سليمان بن زياد المصري ، ثنا أبي ، قال : دخلنا على عبد الله بن الحارث بن جزء في يوم جمعة ، فدعا بطست ، وقال للجارية : استريني ، فسترته ، فبال فيه ثم قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يبول أحدكم مستقبل القبلة . وأشار الطبراني في الأوسط إلى أنه لم يروه عن غوث إلا أبو الوليد ، وفي مسند ابن وهب : أخبرني الليث وعمرو بن الحارث وابن لهيعة ، عن يزيد ، قال لي الليث : وحدثنيه سهل بن ثعلبة عنه ، قال ابن لهيعة : وحدثنيه سليمان بن زياد الحضرمي عنه . انتهى . وحديثه عن سليمان ذكره أبو جعفر أحمد بن منيع المروزي في مسنده ، عن الحسن بن موسى عنه مختصرا ، ولما ذكره ابن يونس في تاريخه من جهة ابن السرح ، ثنا محمد بن حميد أبو قرّة الرعيني ، ثنا عثمان بن صالح ، ثنا ابن لهيعة ، عن يزيد ، عن جبلة بن نافع الفهمي من بني شبابة ، سمعت عبد الله بن الحارث فذكره . قال : وهو حديث معلول . انتهى . وفيه نظر ؛ وذلك أنه إن أراد سنده الذي ساقه ، فهو بلا شك معلول بابن لهيعة ، وإن أراد علّة أخرى فكان ينبغي له بيانها مع خلو حديث الباب من علّة ظاهرة . وإن أراد كون الليث اختلف عليه فيه بأن رواه عن قول الكجي ، ثنا أبو الوليد ، ثنا ليث ، ثنا يزيد وسهل بن ثعلبة ، وتارة أفرده ، فرواه عن سهل ، عن عبد اللّه كما أسلفناه ؛ فليس بعلّة أيضا لمتابعة عمرو بن الحارث له على تصريح يزيد بسماعه ، وناهيك به جلالة ونبلا . وذكره أبو القاسم في الكبير وفي الأوسط زاد الحسن بن ثوبان ، وقال : لم يروه عن الحسن إلَّا رشدين بن سعد . وأيضا فذكر الكجي في مسنده ، ثنا أبو الوليد ، ثنا ليث ، ثنا يزيد وابن ثعلبة جميعا ، فيشبه أن يكون تصحف على الناسخ ، والنسخة التي نقلت منها في غاية الجودة ، فاللّه أعلم . فليس ما أورده قادحا في إسناد حديث الباب ؛ إذ فيه دخول جبلة بين يزيد وعبد اللّه ؛ لتصريح يزيد فيه بالسماع من عبد الله ، ويكون على هذا سمعه منه وعنه ؛ فأولا سمعه من جبلة فحدّث به ، ثم إنّه رأى عبد اللّه فسأله عما سمعه عنه فحدّثه به ؛ فحصل له نزول ثم علّو ، وهذا شأن جماعة من العلماء .

146

54 - حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح ، أنا عبد الله بن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد أنّه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يستقبل الذي يذهب الغائط القبلة ، وقال : شرقوا أو غربوا . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم بزيادة : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة ، قلنا : ننحرف عنها ونستغفر اللّه عز وجل . وفي مسلم : ببول أو غائط . وفي النسائي من حديث مالك ، عن إسحاق ، عن رافع بن إسحاق ، سمع أبا أيوب وهو بمصر يقول : واللّه ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس ؟ وقد قال - عليه السلام - الحديث . ولعل قائلا يقول : سفيان والزهري يدلسان ، ولم يصرحا هنا بالسماع ، فلعلّ ذاك يكون علّة ، فيقال له : ليس كما توهمت ؛ لأن كلا من المذكورين صرح بسماعه ممن فوقه ، ففي البخاري ومسند الحميدي تصريح الزهري بسماعه إياه من عطاء ، وكذا عطاء من أبي أيوب . وفي مسلم : عن يحيى ، قلت لابن عيينة : سمعت الزهري يذكر عن عطاء الحديث ، فقال : نعم . وقال الترمذي : حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح ، وفي بعض النسخ : وأصح صحيح . وقد رواه عن أبي أيوب غير عطاء جماعة ، منهم : عمر بن ثابت ، ونافع بن إسحاق ، وأبو الأحوص ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جارية ، وعن الزهري جماعة ، منهم : ابن أبي ذئب ، ومعمر ، ويونس ، وابن أخي الزهري ، والنعمان بن راشد ، وسليمان بن كثير ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، وأبو سعيد الجزري ، ومحمد بن أبي حفصة ، ويزيد بن أبي حبيب ، وعقيل ، واختلف عنه ، فرواه سلامة ورشدين عنه ، عن الزهري ، عن أبيّ بن كعب ، ووهم ، والصواب أبي أيوب ، وإبراهيم بن سعد ، رواه عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية ، عن أبي أيوب . وقيل : عن إبراهيم ، عن الزهري ، عن رجل ، عن أبي أيوب ، ورواه أيوب السختياني ، عن الزهري ، عن رجلين لم يسمهما ، عن أبي أيوب ، وأرسله نافع بن عمر الجمحي ، عن الزهري ، عن النبي - عليه السلام قال الشيخ أبو الحسن : والقول قول ابن عيينة ومن تابعه ، قال الحميدي في مسنده : إن نافعا الجمحي لا يسنده . فقال : لكن أحفظه وأسنده كما قلت لك ، ثم قال : إن المكيين إنما أخذوا كتابا جاء به حميد الأعرج من الشام قد كتب عن الزهري ، فوقع الكتاب من خرجه ، فكان المكيون يعرضون ذلك الكتاب على ابن شهاب ؛ فأما نحن فإنما كنا نسمع من فيه .

147

55 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، حدثني عمرو بن يحيى المازني ، عن أبي زيد مولى الثّعلبيين ، عن معقل بن أبي معقل الأسدي وقد صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط ويضم إلى جهالته انقطاع حديثه فيما ذكره العسكري من أن معقلا مات في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا كان كذلك فيكون حديثه منقطعا ؛ لأنه ليس صحابيا ، ولا ذكره منهم أحد ؛ فتعيّن انقطاع حديثه ، هذا وعلى قول ابن سرور يكون متصلا ؛ لأنه قال : إنه توفي في عهد معاوية ، والقلبُ إلى قوله أميل ؛ لأن الطبراني ذكر عن عمرو بن يحيى أن معقلا حدّثه مصرّحا بذلك ، فترجح ما قاله من وفاته زمن معاوية ، واللّه أعلم . وقاله مسلم في كتاب الوحدان من تأليفه . وفيه نظر من حيث إن يحيى بن عمرو حدّث عنه فيما ذكره الطبراني في الكبير ، ولم أر أحدا فيما أعلم تعرّض لمعرفة حاله ، وسمّاه أبو داود الوليد . وذكره أبو عمر في كتاب الاستغناء في القسم الذين يعرف أسماءهم ، ولم يسمه ، ويشبه أن يكون ذلك وهما من فعله ، وليس بكاف سكوت أبي داود عنه . وقوله : أبو زيد مولى بني ثعلبة ، وكذلك سكوت المنذري عنه . وأما قول ابن قانع عن معقل بن أبي الهيثم الأسدي ، كذا وقع ، وإنما هو معقل بن أبي معقل ؛ فليس بشيء ؛ لأنه معقل بن الهيثم ، وابن أبي معقل ، وابن أبي الهيثم ، وابن أم معقل ، وكلّه واحد . كذا ذكره ابن عبد البر وابن بنت منيع وغيرهما ، وعند ابن سعد علّة ثالثة ؛ وهي أنّ الحديث من رواية معقل ، عن أبي الهيثم ، لا عن معقل . بيان ذلك قوله : ثنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي ، ثنا مسلم بن خالد ، حدثني عبد الرحيم بن عمرو ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبي زيد ، عن معقل ، عن أبي الهيثم الأسدي ، حليف لهم قد صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن نستقبل القبلة ببول أو غائط . قال مسلم : ثم لقيت عمرو بن يحيى ، فحدثني بهذا الحديث عن معقل ، عن أبي الهيثم . فهذا كما ترى معضل هنا ، وإن كانت له صحبة ولأبيه ، فهو بمنزلة تابعي ، واللّه أعلم .

148

56 - حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي ، نا مروان بن محمد ، نا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد اللّه ، قال : حدّثني أبو سعيد الخدري : أنه شهد على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن تستقبل القبلة بغائط أو بول . 57 - حدثنا أبو سعد عمير بن مرداس الدونقي ، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم أبو يحيى المقرئ ، ثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر سمع أبا سعيد يقول : إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن أشرب قائما ، أو أبول مستقبل القبلة . كذا هو في عدة نسخ ، وفي بعض النسخ : هذه زيادة من القطان ، ويشبه أن يكون صحيحا ؛ لأني لم أر هذا الحديث مذكورا في شيء من كتب الأطراف ، ولا رأيت عميرا مذكورا في شرح ابن ماجه ، وكذلك المقرئ ، واللّه أعلم . هذا حديث إسناده ضعيف بابن لهيعة ؛ فإنه ممن تكلّم فيه جماعة من العلماء فيهم كثرة ، ومع ذلك فقد قال فيه الثوري : عنده الأصول وعندنا الفروع . وقال ابن مهدي : وددت أنّي سمعت منه خمسمائة حديث ، وأنّي غرمت مالي ، وحدثت ابن وهب بحديث ، فقال : من حدثك هذا ؟ فقال : حدّثني به واللّه الصادق البار عبد الله ابن لهيعة . وروى البخاري في صحيحه حديثا ، قال فيه عن ابن فلان ، ولم يُسَمِّه ، فذكر أبو نعيم الحافظ والإِسماعيلي وصاحب الأطراف أنّه ابن لهيعة . وفي الروض الأنف لأبي زيد - رحمه اللّه تعالى -: كان مالك يحسن القول فيه ، ويقول إن الذي رَوى عنه حديث العربان في الموطأ عن الثقة عنده ، عن عمرو بن شعيب ابن لهيعة ، ويقال : بل الثقة ابن وهب حدّثه به عن ابن لهيعة . وذكر الآجري ، عن أبي داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : من كان بمثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه ؟! وحدّث عنه أحمد بحديث كثير . وإنّما ذكرت هذا لأنّ البيهقي قال في كتاب السنن الكبير : أهل الحديث أجمعوا على ضعفه ، وأي إجماع مع مخالفة هؤلاء ؟! فتأمّله ، واللّه أعلم . وفي حديث الدونقي بضم الدال وبعد الساكنة نون بعدها قاف ، نسبة إلى دونق ، قرية من نهاوند - شيء ليس في الحديث الأول ، على تقدير أن يكون من الأصل ، أو كان من غيره ، فلا ضير ، واللّه أعلم . وذلك أن عمرو بن علي ، قال عن ابن لهيعة : احترقت كتبه ؛ فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك والمقرئ أصح ممن كتب عنه بعد الاحتراق . وبنحوه قاله ابن سعد ، وهذه ليست من حديث المقرئ ، واللّه أعلم . وخرجه الترمذي في العلل الكبير من حديث ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أبي قتادة : أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستقبل القبلة . وقال : حديث جابر عن أبي قتادة غير محفوظ ، وفيه ردّ لما قاله أبو عيسى إثر حديث أبي أيوب : وفي الباب عن عبد الله بن الحارث ، ومعقل ، وأبي أمامة ، وأبي هريرة ، وسهل بن حنيف . وكذا حديث أبي سعيد المتقدّم ، وحديث عبد الله بن مسعود المذكور عند ابن عدي ، وحديث ابن عباس المذكور عند الدارقطني ، وضعفه ، وقد تقدّم قريبا . وحديث سراقة بن مالك بن جعشم ، سأل ابن أبي حاتم عنه أباه فضعفه ، ولفظه : إذا أتى أحدكم البراز فليكرمن قبلته لدينه . وحديث عمرو بن العجلان عند ابن عدي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن نستقبل شيئا من القبلتين للغائط والبول . ولفظ البرقي في تاريخه : نهى أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وضعفه بعبد الله بن نافع . وحديث رجل من الأنصار ذكره ابن وهب في مسنده ، فقال : أخبرني مالك وابن سمعان ، عن نافع ، عن رجل من الأنصار ، عن أبيه : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم الحديث . وفي السنن لأبي قرّة ، ذكره مالك ، عن نافع أنَّ رجلا من الأنصار أخبره . وحديث أنس بن مالك : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يبول الرجل مستقبل القبلة . رواه أبو زكريا الموصلي في تاريخه ، عن سليمان بن عرَّام الحناط ، ثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ، ثنا ضمرة بن ربيعة ، عن عباد بن كثير الثقفي ، عن الأعرج عنه . وأمّا حديث أبي هريرة فذكره أبو القاسم في الأوسط . وقال : لم يروه عن يحيى بن أبي كثير ، يعني : عن أبي سلمة عنه إلَّا حسين المعلم ، ولا عن حسين إلا إبراهيم ، ولا عن إبراهيم إلَّا القاسم ، تفرد به أحمد بن حرب . وحديث زيد أبي العجلان : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يبال مستقبل القبلة . ذكره المنذر بن حرب ، عن ابن أبي فديك ، عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه أن عبد الله بن عمرو العجلاني ، حدث فذكره .

149

باب فرك المني من الثوب 55 - حدثنا محمد بن طريف ، ثنا عبدة بن سليمان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ربما فركته من ثوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي . 56 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، قال : نزل بعائشة ضيف ، فأمرت له بملحفة لها صفراء ، فاحتلم فيها ، فاستحيى أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام ، فغمسها في الماء ، ثم أرسل بها ، فقالت عائشة : لِم أفْسد علينا ثوبنا ؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ، ربما فركته من ثوب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإصبعي . هذا حديث خرّج مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه أصله ، وفي لفظ له من حديث شبيب بن غرقدة عن عبد الله بن شهاب الخولاني ، قال : كنت نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبي ، فغمستها فرأتني جارية لعائشة ، فأخبرتها فبعثت إلي عائشة ، فقالت : ما حملك على ما صنعت بثوبك ؟ الحديث . وفي لفظ : لقد رأيتني وإنّي لأحكّه من الثوب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بظفري .

150

57 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأحته عنه . هذا حديث خرجه مسلم أيضا ، وقال البزار : وحديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة قد روي من وجوه : فرواه مغيرة والأعمش وأبو معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ، ورواه منصور والحكم عن إبراهيم عن همام عنها ، ورواه ابن أبي نجيح وحميد الأعرج عن مجاهد عنها ، ورواه الزهري عن عروة عنها ، ورواه يحيى بن سعيد عن عمرة والقاسم عنها ، ورواه عنها غير من ذكرنا ، وفي الكامل من رواية أحمد بن أبي أوفى عن عباد بن منصور عن عطاء عنها : لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوبه صلى الله عليه وسلم ، ثم لا أغسل مكانه ، وقال : هذا حديث مستقيم ، وإنما أنكر - يعني على أحمد بن أبي أوفى - مخالفته أصحاب شعبة ، وقد وجدناه من غير طريق أحمد ، فسلم من المخالفة كما زعم ، قال أحمد بن منيع في مسنده : ثنا أبو قطن ، ثنا عباد بن منصور ، فذكره ، وذكره أبو جعفر الطحاوي في شرح الآثار من حديث الأوزاعي عن عطاء عنها . وذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ابن جبير عنها ، وقال : لم يروه عن سعيد إلا جعفر بن أبي المغيرة ، ولا عن جعفر إلا مندل ، تفرد به عون بن سلام ، ورواه أيضا عن أبي سفانة النخعي عنها ، وقال : لم يروه عن أبي سفانة إلا برد بن أبي زياد ، تفرد به عبثر بن القاسم ، ورواه أيضا من حديث أبي العنبس سعيد بن كثير ، قال : حدثني أبي عنها ، ومن حديث عائشة بنت طلحة ، بلفظ : ربما حككت المني . وقال : لم يروه عن طلحة إلا كامل أبو العلاء ولا عنه إلا خالد بن يزيد ، تفرد به العباس بن محمد ، ولفظه : أفركه من ثوبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تعني : المني ومن حديث أبي مجلز عن الحارث بن نوفل عنها بمثله ، وفي لفظ عنده : كنت أفركه من مرط رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكانت مروطنا يومئذ الصوف . وقال البيهقي في المعرفة : بين عائشة ومحارب منقطع ، ولفظه عنده : من ثياب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة ، وقال الخلال : سئل أحمد عن حديث جعفر عن الزهري عن عروة عن عائشة : كنا نراه في مرط إحدانا ثم نفركه ، فقال أبو عبد الله : ما أنكره ، وفي لفظ لابن خزيمة في صحيحه من حديث الأسود عنها : كنت أحك الجنابة من ثوبه كالنخامة ، وفي حديث محارب بن دثار عنها : أنها كانت تحتّ المني من ثوبه صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي ، وذكر الكلام في كتاب الخلال عن أحمد ، زاد حماد بن سلمة فيه زيادة حسنة : فكان يُصلِّي فيه ، وقال مهنأ : قلت لأحمد : أي شيء تنكر من حديث عباد بن منصور ؟ قال : كان يحدث عن القاسم عن عائشة : كنت أفرك المني من ثوبه صلى الله عليه وسلم . قلت : وهذا منكر ؟ قال : نعم ، من وجه القاسم . وفي كتاب ابن حزم : روينا من طريق أبي حذيفة عن سفيان ، فمرة قال : عن الأعمش ، ومرة قال : عن منصور ، ثم استمر عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن عائشة في المني : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمر بحتّه ، قال : تفرّد به أبو حذيفة موسى بن مسعود البصري ، وهو ضعيف مصحف ، كثير الخطأ ، يروي عن سفيان البواطيل ، قال الإمام أحمد : هو شبه لا شيء ، كأن سفيان الثوري الذي يحدّث عنه أبو حذيفة ليس بسفيان الذي يحدّث عنه الناس . قال ابن المنذر : اختلفوا في طهارة المني ، فممن غسله من ثوبه عمر بن الخطاب ، وأمر بغسله جابر بن سمرة وابن عمر وعائشة وابن المسيب ، وقال مالك : غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجمع عليه عندنا ، وعلى هذا مذهب الأوزاعي والثوري ، غير أنّ الثوري يقدره بالدرهم ، وفيه قول ثان : وهو أنّه طاهر يفرك من الثوب . وممن رأى أنه يفرك من الثوب : سعد بن أبي وقاص وابن عمر ، وقال ابن عباس : امسحه بأذخرة أو خرقة ، ولا تغسله إن شئت . وقال ابن المسيب : إذا صلى فيه لم يعد ، والمني عند الشّافعي وأبي ثور ليس بنجس . وقال أحمد : يفركه . وقال أصحاب الرأي : إذا جف يحته بخرقة . قال أبو بكر : والمني طاهر ، واختلفوا في المني يصيب الثوب يخفى مكانه ، فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : يغسل ما رأى ، وينضح ما لم ير ، وقال ابن عباس : ينضح الثوب . وبه قال النخعي وحماد . وقال عطاء : ارششه . وقالت عائشة : إن رأيته فاغسله ، وإن لم تره فانضحه . وفي مسند ابن منيع الكبير : ثنا إسحاق بن يوسف ، ثنا محمد بن قيس ، عن محارب عنها ، أنّها كانت تحت المني من ثوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة . وكان ابن عمر وأبو هريرة والحسن يقولون : إذا خفي مكانه غسل الثوب كله . وفيه قول ثالث : وهو أنّ الفرك يجزئه ، فإن كان لا يدري مكانه فرك الثوب كلّه ، هذا قول إسحاق . وفيه قول رابع : وهو أنه طاهر ؛ هذا قول الشّافعي وأبي ثور ، فعلى هذا القول يجزئه إن لم يفركه ، وقال أبو محمد بن حزم : والمني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب ، ولا تجب إزالته والبصاق بمثله ولا فرق ، وقد كذب من تخرص بلا علم ، فإن قال : كانت عائشة تفركه بالماء لقولها : كنت أفركه يابسا بظفري ، قال أبو سليمان الخطابي : في قول عائشة : كنت أفرك المني ، دليل على طهارته ، ولو كانت عينه نجسة لما طهر يابسه بالفرك كالعذرة ، والله تعالى أعلم .

151

باب المني يُصيب الثوب 54 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبدة بن سليمان ، عن عمرو بن ميمون ، سألت سليمان بن يسار عن الثوب يصيبه المني أنغسله ، أو نغسل الثوب كله ؟ قال سليمان : قالت عائشة : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصيب ثوبه ، فيغسله من ثوبه ، ثم يخرج في ثوبه إلى الصلاة ، وأنا أرى أثر الغسل فيه . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم ، وفي لفظ للبخاري : كنت أغسل الجنابة ، وفي لفظ لمسلم : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يغسل موضع المني ، وفي لفظ : إن كنت لأغسله من ثوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي صحيح الإسماعيلي : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أصابه مني غسله ، ثم يخرج إلى الصلاة ، وأنا أنظر إلى بقعة من أثر الغسل في ثوبه . وفي صحيح الجوقاني : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أصاب ثوبه المني غسل ما أصاب منه ثوبه ، ثم خرج إلى الصلاة ، وأنا أنظر إلى البقع في ثوبه ذلك في موضع الغسل ، وفي سنن أبي الحسن : إن كنت لأتبعه من ثوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأغسله ، وفي لفظ أبي داود : ثم أراه فيه بقعة أو بُقعا ، وفي البزار: إنما يروى الغسل عن عائشة من وجه واحد ، وبنحوه قاله الإمام أحمد ، قال البزار : رواه عمرو بن ميمون عن سليمان بن يسار عنها ، ولم يسمع سليمان من عائشة ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عبد الواحد عن عمرو عن سليمان ، قال : سألت عائشة عن المني يصيب الثوب ، وفي رواية محمد بن بشر عن مسلم عن عمرو بن ميمون ، قال : سألت سليمان بن يسار عن المني يصيب الثوب ، فقال : حدثتني عائشة الحديث . وأما إنكارهما الغسل إلا من وجه واحد ففيه نظر أيضا ؛ لما ذكره الدارقطني بإسناد صحيح ، فقال : ثنا محمد بن مخلد ، ثنا أبو إسماعيل الترمذي ، ثنا الحميدي ، ثنا بشر بن بكر ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة عنها ، قالت : كنت أفرك المني من ثوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن كان يابسا ، وأغسله إن كان رطبا . وخرجه أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن إدريس وراق الحميدي والصائغ وأيوب بن إسحاق عن الحميدي ، وفيه : فأمسحه أو أغسله - شك الحميدي - إذا كان رطبا ، وفي صحيح ابن خزيمة : وفي حديث ابن هارون ، أنبأنا عمرو عن سليمان ، قال : أخبرتني عائشة ، فذكره . وذكر البزار من حديث عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عمار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : إنّما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء ، قال : لا نعلم روى ثابت إلا هذا الحديث ، وقال أبو القاسم في الأوسط : لا يروي هذا الحديث عن ابن المسيب إلا علي بن زيد . تفرّد به ثابت بن حمّاد ، ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد . وليس معارضا لهذه الأحاديث ؛ يعني : حديث الفرك حديث سليمان عنها .

152

بابُ مُصافحة الجُنب 52 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسماعيل بن علية ، عن حميد ، عن بكر بن عبد الله ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : أنه لقيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق من طرق المدينة وهو جنب ، فانسل ، ففقده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما جاء قال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : يا رسول الله ، لقيتني وأنا جنب ، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : المؤمن لا ينجس . هذا حديث أجمع على تخريج أصله الأئمة الستة - رحمهم الله تعالى - إلا أن مسلما رواه مقطوعا . قرأت على الإِمام بدر الدين يوسف بن عمر ، أخبركم الحافظ رشيد الدين ، قراءة عليه ، قال : وقع في مسلم إسناد هذا الحديث فيما رأيته من النسخ مقطوعا ؛ حميد عن أبي رافع ، قال : وكذلك هو في روايتنا من طريق الجلودي ، وقد سقط من إسناده رجل بين حميد وأبي رافع ؛ هو بكر بن عبد الله المزني ، فإن حميدا إنّما يروي هذا الحديث عن بكر عن أبي رافع ، كذلك أخرجه البخاري وأبو داود فمن بعده في سننهم بلا خلاف أعلمه بينهم في ذلك ، وكذلك رويناه في مسند ابن أبي شيبة ، وكذلك هو في مسند الإِمام أحمد ، وقد ذكر أبو مسعود وخلف الواسطي أنّ مسلما أخرجه أيضا كذلك ، إلا أني لم أره في جميع النسخ التي رأيتها من كتاب مسلم إلا مقطوعا ، وكذلك قال الحافظ أبو علي الجياني أنه وقع إسناد هذا الحديث في النسخ كلها : حميد عن أبي رافع ، قال : وفي هذه الرواية انقطاع ، إنما يرويه حميد عن بكر عنه ، وقال أبو الحسن في كتاب الوهم والإِيهام : وكذلك رواه ابن السكن من رواية عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن يحيى بن سعيد عن حميد عن بكر ، قال : فإذن إنما قصر به عن يحيى بن سعيد ، زهير بن حرب أسقط منه بكرا من بينهما ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث زعم أنّ المقصر به هو ابن حرب - يعني وحده وليس كذلك ؛ بل المقصر به مسلم أيضا عن شيخه الذي رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة ، فإن أبا بكر رواه متصلا كرواية الجماعة ، كما تقدم من عند ابن ماجه ، ومسلم قصر به عنه على هذا ، والله أعلم . وأمّا إنكار العطار قول أبي مسعود وخلف ، فكذلك هو فيما رأيت من النسخ ، ولكن يشبه أن يكون قولهما صحيحا لما ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب المستخرج : حدثنا حبيب بن الحسن ، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، ثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا يحيى بن سعيد ح ، وثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ، ثنا علي ابن المديني ، ثنا يحيى بن سعيد ح ، وثنا محمد بن إبراهيم بن علي وعبد الله بن محمد بن جعفر ، قالا : ثنا أحمد بن علي ، ثنا أبو خيثمة ، ثنا يحيى بن سعيد ح ، وثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن علية ، عن حميد ، عن بكر ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، أنه لقيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق ، الحديث . قال : رواه مسلم عن زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد ، وعن أبي بكر عن إسماعيل بن علية جميعا عن حميد ، فلعل من ذكرناه رأى ذلك في نسخة لم تقع لغيره - والله أعلم وكذا فعله البغوي في شرح السنة لما رواه عن عياش ، ثنا عبد الأعلى ، ثنا حميد ، عن بكر - هو ابن عبد الله المزني عن أبي رافع ، فقال : رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن ابن علية ، عن حميد ، والله أعلم . أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ، ثنا أبو الحارث الطاهري ، أنبأنا الحسن بن محمد بن حكيم ، ثنا أبو الموجه ، ثنا ابن أبي شيبة ، ثنا ابن علية ، ثنا حميد ، عن بكر ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : أنه لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الحديث . قال : هذا حديث متفق على صحته ، أخرجه مسلم عن أبي بكر عن إسماعيل عن حميد .

153

53 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ح ، وثنا إسحاق بن منصور ، أنبأنا يحيى بن سعيد جميعا ، عن مسعر ، عن واصل الأحدب ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال : خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلقيني وأنا جنب ، فحدت عنه فاغتسلت ، ثم جئت ، قال : ما لك ؟ قال : كنت جنبا ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن المسلم لا ينجس . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، ولفظ ابن حبان في صحيحه : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له ، قال : فرأيته يوما بكرة فحدت عنه ، ثم أتيته حين ارتفع النهار ، فقال : إني رأيتك فحدت عني الحديث . وفي الباب حديث ابن مسعود رواه أبو عبد الرحمن بإسناد صحيح عن إسحاق بن منصور ، أنبأنا يحيى ، ثنا مسعر ، حدثني واصل ، عن أبي وائل ، عن عبد الله : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقيه وهو جنب فأهوى إلي ، فقلت : إني جنب ، فقال : إن المسلم لا ينجس . وهو حديث ثابت في سائر نسخ النسائي ، ولم يذكره صاحبا الأطراف ابن عساكر والمزي . وقال أبو عيسى : وفي الباب عن ابن عباس ، فلعل ظانا أن عبد الله هذا هو ابن عباس ، وليس بابن مسعود ، فليعلم أن شقيقا لم يرو عن ابن عباس شيئا في كتب الأئمة ، والله أعلم . ولم نر لابن عباس حديثا - فيما نعلم - إلا ما ذكره البخاري معلّقا عنه : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا . ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه ، قال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ، وروى الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، قال : سألت عائشة : عن الرجل يأتي أهله ، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه ، أنجس ذلك ؟ فقالت : قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقا ، فإذا كان ذلك مسح بها الرّجل الأذى عنه ، ولم نر أن ذلك لا ينجسه ، وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ، قالت : ثم صليا في ثوبيهما . وسيأتي حديث معاوية عن أخته ، عن أم حبيبة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه . قرأت على شيخنا العلامة أبي الحسن المكي - رحمه الله تعالى - أخبركم علامة دهره وفريد عصره شمس بن الخرقي ، بقراءتكم عليه ، في رجب سنة تسع وستين وست مائة ، أنبأنا الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن أحمد بن وكيع المروروذي ، أنبأنا الإمام شيخ الإسلام أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروروذي ، أنبأنا محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود ، قال : معنى قول ابن عباس : أربع لا يجنبن ؛ الإنسان ، والثوب ، والماء ، والأرض : يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب ، ولا الثوب إذا لبسه الجنب ، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب ، ولا الماء إذا غمس الجنب يده فيه . وفي كتاب الدارقطني من حديث المتوكل بن فضيل عن أم القلوص الغاضرية ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرى على الثوب جنابة ، ولا على الأرض جنابة ، ولا يجنب الرجل الرجل . وقال عطاء : يحتجم الجنب ، ويقلِّم أظفاره ، ويحلق رأسه ، وإن لم يتوضأ . وقال الحافظ رشيد الدين : قول أبي هريرة : فانخنست منه ، فيه أربع روايات : فانبجست بنون ثم باء معجمة بواحدة بعدها جيم ، ومعناه اندفعت منه ، وقال الترمذي : معناه تنحيت عنه . الثانية : فانخنست منه بنون بعدها خاء معجمة ثم نون ، ومعناها انقبضت وتأخرت عنه . الثالثة : فاختنست بتقّدم الخاء المعجمة وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم نون ، ومعناها معنى التي قبلها . الرابعة : فانتجست بنون ثم تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم جيم ، ومعناها : اعتقدت نفسي نجسا ، لا أصلح لمجالسة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على تلك الحالة ، وقد ذكر في هذه الكلمة قول خامس ؛ وهو فانبخست بنون ثم باء معجمة بواحدة بعدها خاء من النخس ، وهو النقص ، فإن صحت هذه الرواية فقد ذكر بعض العلماء أنّ معناها أنّه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لما اعتقده في نفسه من النجاسة ، فرأى أنّه لا يقارنه ما دام في تلك الحال . وقال الحافظ : ومعنى هذه الأقوال يرجع إلى شيء واحد ، وهو الانفصال والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وذكر الحافظ أبو محمد المنذري فيه قولا سادسا ؛ وهو فانتجشت بنون وتاء ثالث الحروف وشين معجمة ، من النجش ، وهو الإسراع . قال الزمخشري : والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان ، وفي الحديث : نهى عن النجش : وهو تنفير النّاس من شيء إلى غيره ، وذكر بعضهم قولا سابعا ؛ وهو : فاحتبست بحاء مهملة وبعد التاء ثالث الحروف باء وسين مهملة من الاحتباس ، والله أعلم . قال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر ، وثبت عن ابن عمرو وابن عباس وعائشة أنهم قالوا ذلك ، وهو مذهب الشافعي والنعمان ، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما . قال أبو بكر : وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي عندي طاهر ، وخالف قوله هذا أبو محمد بن حزم ، فزعم أنّه منهم نجس تمسكا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن المؤمن لا ينجس ، وبقوله سبحانه : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ، والله أعلم . واستنبط أبو حاتم البستي من حديث أبي هريرة أنّ الجنب إذا وقع في البئر ، وهو ينوي الاغتسال ، لا ينجس ماء البئر ، خلافا لمن قال ذلك . وقوله : سبحان الله ، قال أبو بكر بن الأنباري في الكتاب الزاهر : معنى سبحانك : تنزيها لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء ؛ أي نزهناك من ذلك ، قال الأعشى : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر . أراد : تنزيها لله من فخر علقمة ، وفي كتاب الاشتقاق للنحاس يعجب الأعشى بالتسبيح من فخره ، كما يقول القائل إذا تعجب : سبحان الله ، وقال القزاز : معناه : براءة الله من السوء ، قال الجوهري : إنّما لم ينون ؛ لأنه معرفة عندهم ، وفيه شبه التأنيث . قال ابن الأنباري : ويكون التسبيح الاستثناء ، من ذلك قوله تعالى : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ، معناه : قال : أعدلهم قولا : هلا تستثنون ، ويكون التسبيح الصلاة ، من ذلك ما روي عن الحسن أنه كان إذا فرغ من سبحته ، قال : معناه : إذا فرغ من صلاته ، ومنه قوله تعالى : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ . قال أبو عبيدة : معنى نسبح لك : نحمدك ونصلي لك . ويكون التسبيح النور ، من ذلك الحديث : لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء . ويكون من التنزيه ؛ قال تعالى : قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا . وقال الفراء : سُبْحَانَكَ منصوب على المصدر ، كأنك قلت : سبحت الله تسبيحا ، فجعل السبحان في موضع التسبيح ، كما تقول : كفّرت عن يميني تكفيرا ، ثم تجعل الكفران في موضع التكفير ، فتقول : كفرت عن يميني كفرانا ، قال زيد بن عمرو بن نفيل ، أو ورقة بن نوفل : سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له رب البرية فرد واحد صمد سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد . وفي الأساس : سبّحت الله وسبّحت له وكثرت تسبيحاته وتسابيحه ، ومن المجاز : وسبحى في ثلاث تعجب واسلك بسبحات وجهك . وقال أبو موسى الحافظ في كتابه المغيث : سبحان الله قائم مقام الفعل ؛ أي : أسبحه ، وسبحت أي : لفظت بسبحان الله ، وقيل : معنى سبحان الله : التسرع إليه ، والخفة في طاعته ، من قولهم : فرس سابح ، وذكر النضر بن شميل أنّ معناه : السرعة إلى هذه اللفظة ؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول : سبحان الله ، وذكر أنه سأل في المنام عن هذا ففسّر له هكذا . وقوله : إنّ المؤمن لا ينجس ، قال أبو نصر : يقال : نجس الشيء ينجس نجسا ، فهو نجس ونجس أيضا . وقال الفراء : إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إيّاه ، قالوا : رجس نجس بالكسر ، وأنجسه غيره ونجسه بمعنى . وقال القزاز : النجس فيه ثلاث لغات : النجس بكسر النون وبفتحها ، وبفتحها وفتح الجيم ، وكل شيء قذر فهو نجس ، والجمع أنجاس ، تقول : هو نجس ، وهم أنجاس ، وفي بعض اللغات يقال للواحد : نجس ، وللجمع نجس ، وذلك إذا لم يكن على طهارة من الجنابة ، وفي كتاب ابن القوطية : وعلى فعِل وفَعُل : نجس الشيء ونجُس نجسا ، ونجاسة ضد طهر ، وفي كتاب المطالع : نجُس بضم الجيم وفتحها ، يقال : ثوب نجَس ونجِس ، وكذلك في التثنية والجمع ، والذكر والأنثي ، قاله الكسائي ، وقال غيره : إنما يقال بفتحهما ، فإذا أتبعه الرجس كسرت النون .

154

50 - حدثنا أبو كريب ، ثنا إبراهيم بن إسماعيل اليشكري ، عن ابن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان ، عن أبي هريرة ، قال : قيل : يا رسول الله ، إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يطهر بعضها بعضا . هذا حديث معلل بأمور : الأول : الاختلاف في حال ابن أبي حبيبة ، فإن ابن عدي ذكر هذا الحديث في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة في جملة أحاديث أنكرت عليه ، ثم قال : وابن أبي حبيبة صالح في باب الرواية ، يكتب حديثه مع ضعفه ، كما حكي عن ابن معين ، ولفظه : الطرق تطهر بعضها بعضا . وقال الإمام أحمد : كان ثقة ، وقال ابن سعد : كان مصليا عابدا ، صام ستين سنة ، وكان قليل الحديث ، وقال العجلي : حجازي ثقة ، وقال البخاري : منكر الحديث . وقال أبو عبد الرحمن : مدني ضعيف ، وقال أبو الحسن : متروك ، وقال الدوري عن ابن معين : ليس بشيء ، وقال عثمان بن سعيد عنه : صالح ، ولا يحتج به . وقال أبو إسحاق الحربي : كان شيخا صالحا ، وله فضل ، ولا أحسبه حافظا ، وقال أبو داود فيما حكاه الآجري عنه - يعني عن ابن معين - : ضعيف ، وفي رواية معاوية بن صالح عنه : عن عبد الله بن عامر الأسلمي ، وخالد بن إلياس ، وابن أبي حبيبة : كلّ هؤلاء ليسوا بشيء . قلت : ابن أبي حبيبة مثلهم ؟ قال : هو أصلح منهم ، وقال الساجي : في حديثه لين . وقال أبو جعفر العقيلي : له غير حديث ، لا يتابع على شيء منه ، وذكره الحافظ أبو العرب في كتاب الضعفاء . الثاني : أبو سليمان داود بن الحصين الأموي ، وإن كان قد خرجا حديثه في صحيحيهما ، فقد قال أبو حاتم : ليس بالقوي ، ولولا أنّ مالكا روى حديثه لترك حديثه . وقال أبو أحمد الجرجاني : صالح الحديث إذا روى عنه ثقة ؛ إلا أن يروي عنه ضعيف ، فيكون البلاء منه ؛ مثل ابن أبي حبيبة وابن أبي يحيى . وقال ابن حبان : حدث عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات ، يجب مجانبة روايته ، وقال أبو زرعة الرازي : لين . وقال الآجري : سألت أبا داود عنه ، فقال : أحاديثه عن عكرمة مناكير ، وأحاديثه عن شيوخه مستوفية . وفي كتاب العقيلي : ثنا محمد بن زكريا البلخي ، ثنا الحسن بن شجاع ، قال : سمعت علي ابن المديني يقول : مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إلي من داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس . وقال الحافظ أبو زكريا الساجي : كان متهما برأي الخوارج ، منكر الحديث ، وأبوه حصين روى عن جابر وأبي رافع ، وحديثه ليس بالقائم . حدثني أحمد بن محمد ، قال : سمعت المعيطي يقول لخلف المخرمي ويحيى بن معين وابن أبي شيبة وهم قعود : كان مالك بن أنس يتكلم في سعد بن إبراهيم سيّد من سادات قريش ، ويروي عن داود بن حصين وثور الديلي ، وكانا صاحبي حصين ، فما تكلم أحد منهم بشيء ، وقال أبو عمر بن عبد البر : كان متهما بالقدر وقد احتمل ، وقال البرقي في كتاب الطبقات ، باب من تكلم فيه من الثقات لمذهبه من أهل المدينة ممن كان يرمى منهم بالقدر : داود بن حصين . الثالث : إبراهيم اليشكري ، لم أر أحدا عرف حاله ، ولا ذكره بأكثر مما في هذا السند ، ولا ذكر عنه راويا غير محمد بن العلاء ، والله أعلم .

155

51 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا شريك ، عن عبد الله بن عيسى ، عن موسى بن عبد الله بن يزيد ، عن امرأة من بني عبد الأشهل ، قالت : سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : إن بيني وبين المسجد طريقا قذرا ، قال : فبعدها طريق أنظف منها ؟ قلت : نعم ، قال : هذه بهذه . هذا حديث رواه أبو داود عن النفيلي ، وأحمد بن يونس ، قالا : ثنا زهير ، حدثنا عبد الله بن عيسى ، ولفظه : إن لنا طريقا إلى المسجد منتنا ، كيف نفعل إذا مطرنا ؟ قال : أليس بعدها طريق أطيب منها ؟ قالت : قلت : بلى . قال : فهذه بهذه . وإسناده صحيح ، وخرجه الحافظ أبو محمد في منتقاه عن محمد بن يحيى ، ثنا أبو داود ، ثنا زهير وشريك عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، بلفظ : إن لنا طريقا منتنا . ولما ذكره الإشبيلي لم يزد على أن أبرز من سنده موسى والأشهلية ، كذا هو في الأحكام ، وحكى أبو الحسن بن الحصار تلميذه أنّه صحّحه ، وتتبع الحافظ ابن القطان عليه سكوته عن عبد الله بن عيسى راويه ، بأنه لا يعرف ، قال : وليس بابن أبي ليلى فاعلمه ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث زعمُه بغير دليل أنّ ابن عيسى هذا ليس معروفا ، قال : وليس بابن أبي ليلى ، وليس كما زعم لما أسلفناه قبل ، ولأنا لم نر من روى عنه شريك ، وروى عن موسى بن عبد الله غير ابن أبي ليلى المخرج حديثه في الصحيح ، ولا في هذه الطبقة شريكا له فيما ذكره البخاري ، وأبو محمد بن أبي حاتم ، وأبو حاتم البستي ؛ وأما الجماعيلي فإنّه نص عليه ، وعينه في بابه وباب شيخه ، وهو الصواب ، وأمّا قول أبي سليمان الخطابي : في إسناده مقال ، لكونه عن امرأة من بني عبد الأشهل مجهولة ، والمجهول لا تقوم به حجة في الحديث ، فمردود لما عليه جماعة المحدثين من أنّ جهالة اسم الصحابي غير مؤثرة في صحة الحديث ، قال أبو سليمان : قوله : يطهره ما بعده كان الشّافعي يقول : إنّما هذا فيما جر على ما كان يابسا ، لا يعلّق بالثّوب منه شيء ، فأمّا إذا جر على رطب فلا يطهره إلا الغسل . وقال الإمام أحمد : ليس معناه : إذا أصابه بول مر بعده على الأرض أنها تطهره ، ولكنه يمر بالمكان فيقذره ، ثم يمرّ بمكان أطيب منه فيكون هذا بذاك ، ليس على أنّه يصيبه منه شيء . وقال مالك : إنّما هو أن يطأ الأرض القذرة ، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة ، فإنّ بعضها يطهر بعضا ، فأماّ النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد ، فإنّ ذلك لا يطهره إلا الغسل . قال : وهذا إجماع الأمة ، والله تعالى أعلم .

156

باب الأرض تطهر بعضها بعضا 49 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا مالك بن أنس ، ثنا محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، أنها سألت أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر ، فقالت : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يطهره ما بعده . هذا حديث لما خرجه أبو عيسى قال آخره : وروى عبد الله بن المبارك هذا الحديث عن مالك عن محمد بن عمارة عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لهود بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة ، وهو وهم ، وليس لعبد الرحمن بن عوف ولد يقال له : هود ، وإنّما هو عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة ، وهو الصحيح . ورواه أبو قرة في سننه ، ثنا أبو خيثمة ، ثنا أبو قرة ذكر مالك ، ورواه أبو داود والكجي في سننه وابن وهب في مسنده عن القعنبي عن مالك ، فقال : عن أم ولد لإبراهيم ، وذكره ابن الجارود في منتقاه ، ثنا يعقوب الدورقي ، ثنا عبد الله بن إدريس ، ثنا محمد بن عمارة كرواية سليمان بن الأشعث . فتبّين بما ذكرناه صحة قول أبي عيسى وضعف قول من خالفه ، ولما ذكره أبو محمد في مسنده ، قيل له : أبا محمد ، أتأخذ بهذا الحديث ؟ قال : لا أدري ، وقال أبو سليمان الخطابي : في إسناد هذا الحديث مقال ؛ أم ولد إبراهيم مجهولة ، لا يعرف حالها في الثقة والعدالة ، وبنحوه قال الخزرجي في تقريبه .

157

59 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبيد الله بن موسى ، عن عيسى الحناط ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : رأيت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في كنيف مستقبل القبلة . قال عيسى : فقلت ذلك للشعبي فقال : صدق ابن عمر ، وصدق أبو هريرة ؛ أما قول أبي هريرة فقال : في الصحراء لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها . وأما قول ابن عمر : فإن الكنيف ليس فيه قبلة ، استقبل حيث شئت . وفي رواية أبي حاتم ، عن عبيد اللّه : فإنه كنيف صنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا قبلة فيه ، وتستقبل فيه حيث شئت . هذا حديث ضعفه الدارقطني لما خرجه بعيسى الحناط ، ولفظه : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة ، فلما دخلت عليه ، إذا هو في المخرج على لبنتين مستقبل القبلة . وقال البزار : لا نعلم أحدا رواه عن نافع إلا عيسى

158

60 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن حماد بن سلمة ، عن خالد الحذاء ، عن خالد بن أبي الصلت ، عن عراك بن مالك ، عن عائشة ، قالت : ذكر عند رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة ، فقال : أراهم قد فعلوها ، استقبلوا بمقعدتي القبلة . هذا حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه وإرساله ووصله . أما إسناده فصحيح ظاهره الاتصال ؛ لأنّ خالد بن أبي الصلت عامل عمر بن عبد العزيز روى عنه أيضا المبارك بن فضالة ، وسليم بن حسين ، وواصل مولى أبي عيينة ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات . وذكر بحشل في تاريخ واسط ، عن سفيان بن حسين ، أنا خالد بن أبي الصلت ، وكان عينا لعمر بن عبد العزيز بواسط ، وكان له هيئة ، فأتيناه يوما وقد مرض وإذا تحته شاذكونية خلقة من متاع رث ، فقلنا له في ذلك ، فقال : إنكم كنتم تأتون وأنا في حال دنيا ، وإنكم الآن أتيتموني وأنا في حال الآخرة ، ثم ذكر روايته عن جماعة من الأئمة ، وليس في الإِسنادين سماع . وأما عِرَاك فظاهر حديثه الاتصال ؛ لأن مسلما وأبا حاتم البستي خرجاه في صحيحيهما وهو منهما محمول على السماع حتى يقوم الدليل على خلافه . دليلهما قول الإِمام أحمد عند تخريجه حديث عائشة : أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك ، وإن كان مرسلا ، فإن مخرجه حسن ، كذا ذكره في المسند . وقال ابن أبي حاتم في المراسيل : كتب إلي علي بن أبي طاهر ، ثنا أحمد بن محمد بن هانئ ، سمعت أبا عبد اللّه وذكر حديث خالد - يعني هذا - فقال : مرسل ، فقلت له : عراك بن مالك ، قال : سمعت عائشة ، فأنكره ، وقال : عراك من أين سمع عائشة ؟ ما له ولعائشة ؟ إنّما يروي عن عروة ، هذا خطأ ، قال لي : من روى هذا ؟ قلت : حماد بن سلمة عن خالد الحذاء ، فقال : رواه غير واحد عن خالد ليس فيه ( سمعت ) ، وقال غير واحد أيضا : عن حماد بن سلمة ، ليس فيه سمعت ، فليس فيه تصريح بعدم سماعه منها ، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد وعصر واحد ، فسماعه منها ممكن جائز ، وقد صرح بذلك بعض الأئمة ، وهو ابن سرور ، رحمه اللّه تعالى . وقد تابع حمادَ بن سلمة على قوله عن عراك سمعت عائشة - عليُّ بن عاصم عند الدارقطني . وأما قول الترمذي في العلل الكبير : حدّثنا علي بن خشْرَم ، ثنا عيسى بن يونس ، عن أبي عبد اللّه ، عن الحذاء ، عن عراك به ، ثم قال : رواه حماد بن سلمة ، عن خالد ، عن ابن أبي الصلت قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكروا استقبال القبلة ، فقال عراك الحديث ، فسألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : هذا حديث فيه اضطراب ، والصحيح عن عائشة قولها . وقال أبو محمد بن حزم : هذا حديث ساقط ؛ لأن راويه خالدٌ الحذاء ، وهو ثقة عن خالد بن أبي الصلت ، وهو مجهول لا يُدرى من هو ؟! وأخطأ فيه عبد الرزاق ، فرواه عن خالد الحذاء ، عن كثير بن أبي الصلت ، وهذا أبطل وأبطل ؛ لأن الحذاء لم يدرك كثيرا ، وفيه نظر من وجوه : الأول : الاضطراب المشار إليه يشبه أن يكون قول حماد ، وعلي بن عاصم ، وعبد الوهاب الثقفي أولى لكونهم أثبتوا زيادة أخل بها أبو عوانة ، ويحيى بن مطر ، والقاسم بن مطيب ، والزيادة من الثقة مقبولة ، أو المثبت أولى من النافي . الثاني : قول أبي محِمد : إنّ خالد بن أبي الصلت مجهول ، لا يدرى من هو . قد بينا قبل حاله ، وأنها غير مجهولة . الثالث : قوله : كثير بن أبي الصلت لم يدركه الحذاء ، وهو لا شيء ؛ لأنّ البخاري وابن أبي حاتم ومن بعدهم كابن عبد البر وغيره إنما سموه كثير بن الصلت ، لا ابن أبي الصلت ، فإن كان ذلك من خطأ عبد الرزاق ، فكان ينبغي أن ينبّه عليه ، وما أظنّ ذلك لتقريره له ، وعدم إنكاره عليه ذلك ، أو لعلّه يكون تصحف على الناسخ . الرابع : إنكاره سماع خالد منه إن كان ذلك بتوقيف فسمعا وطاعة ، ولكني لم أر أحدا قاله غيره ، وإن كان استبعادا لذلك من حيث إنّ كثيرا ولد في زمنه - عليه السلام فغير مستبعد سماعه منه لرؤيته أنس بن مالك ، وبذلك كان تابعيا .

159

61 - حدّثنا محمد بن بشار ، ثنا وهب بن جرير ، نا أبي ، سمعت محمد بن إسحاق يحدّث ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن جابر قال : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن تستقبل القبلة ببول ، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها . ثنا محمد بن بشار ، عن وهب به ، ولفظه : نهاني أن أستقبل القبلة الحديث . هذا حديث خرجه ابن خزيمة ، عن ابن بشار شيخ أبي عبد اللّه ، وخرجه أيضا الحاكم ، وزعم أنه صحيح على شرط مسلم ، وليس كما زعم ، فإن أبان بن صالح لم يخرج مسلم له شيئًا ، وخرجه ابن حبان في كتابه الصحيح ، وفيه فائدة تصريح ابن إسحاق بسماعه من أبان ، فقال : ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا عمرو الناقد ، ثنا يعقوب ابن إبراهيم ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني أبان فذكره . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . ورواه ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أبي قتادة : أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستقبل القبلة . أنا بذلك قتيبة ، ثنا ابن لهيعة بهذا ، وحديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصح من حديث ابن لهيعة ، ولما رواه البزار في مسنده ، عن محمد بن المثنى ، نا وهب به ، قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإِسناد . وذكر البيهقي في كتاب الخلافيات ، وأبو الحسن الخزرجي في تقريب المدارك ، وعبد الحق الإشبيلي أنّ الترمذي سأل البخاري عن حديث ابن إسحاق هذا ، فقال : هذا حديث صحيح ، كذا ذكروه عنه . والذي في نسختي من كتاب العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : رواه غير واحد ، عن ابن إسحاق فقط ، فلعله سقط منها شيء ، واللّه أعلم . وأما قول ابن حزم حين أراد ردّه : حديث جابر رواه أبان بن صالح ، وليس بالمشهور ، فقول مردود ، لما أسلفنا من توثيقه عند من صحح حديثه ؛ ولقول ابن معين ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، ويعقوب بن شيبة ، والعجلي فيه : ثقة . وقال النسائي : كان حاكما بالمدينة ، وليس به بأس ، روى عنه إبراهيم بن أبي عبلة ، وأسامة بن زيد ، وابن جريج ، وإسحاق بن أبي فروة ، وعقيل ، ومحمد الجندي ، وابن عجلان ، وموسى بن عبيدة ، والحارث بن يعقوب والد عمرو ، وعبد الله بن عامر الأسلمي ، وسعد بن كعب بن عجرة ، وعبيد الله بن أبي جعفر ، وهو قرشي جَدّ مشكدانه ، استشهد به محمد في باب عمرة القضاء من كتاب المغازي ، وقال ابن سعد : ولد سنة ستين ، ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومائة ، زاد يعقوب الفسوي في تاريخه : وهو ابن خمس وخمسين سنة ، فأي شهرة أرفع من هذه وأعلى . وأما قول أبي عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد : ردّ أحمد بن حنبل حديث جابر ، قال أبو عمرو : وليس حديث جابر بصحيح ، فيعرج عليه ؛ لأنّ أبان بن صالح راويه ضعيف ، ففيه نظر من وجهين : الأول : قوله ردّه أحمد : إن أراد رد العمل به فمعروف عنه ، وإن أراد الردّ الصناعي فغير صحيح ؛ لثبوته في مسنده ، لم يضرب عليه ولم ينزعه منه ، كعادته فيما ليس بصحيح عنده أو مردود . بين ذلك أبو موسى المديني عنه . الثاني : تضعيفه الحديث بأبان ، وهو قول لا سلف له فيما أعلم ، وقد عارضه قول من أسلفنا . وقول الترمذي فيه : حسن غريب ، وهما لفظان متغايران ، اللهم إلَّا أن يكون بعض رواته تفرد به ، ولئن كان كذلك فما أظنه غير أبان ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب الطبراني الكبير حديث عمار : ثنا محمد بن الفضل السقطي ، ثنا الحكم بن موسى ، نا عيسى بن يونس ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم عن عمار ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول . ولما ذكر الترمذي الأحاديث التي في الباب أغفل حديث ابن عمر : إنّما نهى عن ذلك في الفضاء ؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود ، وقال فيه الحاكم : صحيح على شرط البخاري . وأما قول ابن حزم : النهي عن ذلك ، يعني عن استقبال القدس لم يصح ، فمردود بما أسلفناه من عند البخاري : فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس . البيت ، جمعه : بيوت ، وأبيات ، وأبابيت عن سيبويه ، مثل قول وأقاويل ، وتصغيره : بييت ، وبييت أيضا بكسر أوله ، والعامة تقول : بويت . قاله الجوهري . وقوله : ظهرت بمعنى علوت ، وفي بعض الروايات : رقيت بمعنى صعدت ، وهو العلو ، قال تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ، وقال : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ أي : يعلون . قال النابغة : بلغنا السماء أبانا وجدودنا وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا وأما اللبن مثل كلم ، فواحده لبنة ، ككلمة ، ويقال : لبنة ولبن مثل لبدة ولبد . قال القزاز : هو المضروب مربعا ، وكل شيء ربعته فقد لبنته ، والملبن : هو الفاعل ، وهو الذي يضرب به . وأما الكنيف : فهو البناء الذي انتزع من الدور لقضاء الحاجة ، وأصله الشيء الساتر ؛ لأنه يستر ويغطي ، أو لأنه كنف في أستر النواحي ؛ ولذلك قالوا للترس كنيفا ، قال لبيد : ولا الحجف الكنيف . ولحظيرة الإِبل كذلك ، وفي حديث : أن أبا بكر - رضي اللّه عنه - أشرف من كنف أي ستر . قال القزاز : ومنه قولهم : اذهب في كنف اللّه ، أي : ستره وحياطته . اختلف الناس في تأويل ما اختلف من الأخبار في استقبال القبلة واستدبارها ؛ فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحاري والأبنية ، وهو مذهب الثوري والكوفي وأحمد وأبي ثور ، واحتجوا بحديث أبي أيوب وغيره من الأحاديث الواردة في النهي ، وفيها كثرة . وقال آخرون : جائز استقبال القبلة وبيت المقدس على كلّ حال ، واستدبارهما في الصحاري والبيوت . قال الخطابي : وذهب ابن عمر إلى أنّ النهي إنّما جاء في الصحاري ، وكذلك قاله الشعبي ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، وقد قيل : إن المعنى في ذلك هو أنَّ الفضاء من الأرض موضع للصلاة ، ومتعبد للملائكة والإنس والجن ؛ ففاعل ذلك مستهدف للأبصار ، وهو في الأبنية مأمون ، وفي قول ابن عمر جمع بين الأخبار ، واللّه أعلم .

160

الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري 58 - حدّثنا هشام بن عمار ، ثنا عبد الحميد بن حبيب ، ثنا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري . ( ح ) وثنا أبو بكر بن خلاد ، ومحمد بن يحيى قالا : نا يزيد بن هارون ، أنا يحيى بن سعيد ، أن محمد بن يحيى بن حبان أخبره أن عمّه واسع بن حبان أخبره أن عبد الله بن عمر قال : يقول أناس : إذا قعدت للغائط فلا تستقبل القبلة ، ولقد ظهرت يوما من الأيام على ظهر بيتنا ، فرأيت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قاعدا على لبنتين مستقبل بيت المقدس . هذا حديث يزيد بن هارون ، خرج هذا الحديث الأئمة الستة في كتبهم ، وفي حديث البخاري : فلا تستقبل القبلة ، ولا بيت المقدس . وفي حديث أبي صالح كاتب الليث ، عن الليث ، عن ابن عجلان ، عن محمد بن يحيى بن حبان : يقضي حاجته محجر عليه بلبن ، ذكره أبو محمد بن حزم ، وصححه .

161

باب الأرض يُصيبُها البول كيف تُغسل 46 - حدثنا أحمد بن عبدة ، أنبأنا حماد بن زيد ، ثنا ثابت ، عن أنس : أن أعرابيا بال في المسجد ، فوثب إليه بعض القوم ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تزرموه ، ثم دعا بدلو من ماء ، فصّب عليه . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، وسماه أبو موسى في كتاب الصحابة ذا الخويصرة اليماني ، وساقه في أعلام النبوة ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رآه مقبلا قال : هذا الرجل الذي بال في المسجد ، فلم ينشب أن بال .

162

47 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا علي بن مسهر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : دخل أعرابي المسجد ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس ، فقال : اللهم اغفر لي ولمحمد ، ولا تغفر لأحد معنا ، فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : لقد احتظرت واسعا ، ثم ولى حتى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول ، فقال الأعرابي بعد أن فقه ، فقام إلي : بأبي وأمي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلم يؤنب ، ولم يسُبّ ، فقال : إنّ هذا المسجد لا يبال فيه ، وإنّما بني لذكر الله وللصلاة ، ثم أمر بسجل من ماء ، فأفرغ على بوله . هذا حديث رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن سعيد ، وقال في آخره : قال سعيد : قال سفيان : وحدثني يحيى بن سعيد عن أنس نحو هذا ، وهذا حديث حسن صحيح ، وقد روى يونس هذا الحديث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة ، وأصله في صحيح الجعفي ، بلفظ : قام أعرابي في المسجد ، فتناوله الناس ، فقال لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعوه ، وهريقوا على بوله سجلا من ماء - أو ذنوبا من ماء فإنّما بعثتم مبشرين ، ولم تبعثوا معسرين . وفي لفظ : قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة وقمنا معه ، فقال أعرابي : اللهم ارحمني ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا ، فلما سلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لقد تحجرت واسعا . وروى ابن صاعد ، عن عبد الجبار بن العلاء ، عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس : أنّ أعرابيا بال في المسجد ، فقال - عليه السلام - : احفروا مكانه ، ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء . قال أبو الحسن البغدادي الحافظ - رحمه الله تعالى - : وهم عبد الجبار على ابن عيينة ؛ لأنّ أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد ، فلم يذكر أحد منهم الحفر ، وإنّما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار ، عن طاوس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : احفروا مكانه ، فاختلط على عبد الجبار المتنان وذكر الدارقطني أنه يقال فيه أيضا : ابن سمعان ، أن أبا بكر بن عياش قال : ثنا المعلى المالكي ، فذكر غير اللفظ الأول عن شقيق عن عبد الله : جاء أعرابي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيخ كبير ، فقال : يا محمد متى الساعة ؟ قال : وما أعددت لها ؟ قال : والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كبير صلاة ولا صيام ، إلا أنّي أحب الله ورسوله ، قال : إنك مع من أحببت ، قال : فذهب الشيخ فأخذ يبول في المسجد ، فمر عليه الناس فأقاموه ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعوه ، عسى أن يكون من أهل الجنة ، فصبوا على بوله الماء . رواه عن المحاملي ، ثنا يوسف بن موسى ، ثنا أحمد بن عبد الله ، ثنا ابن عياش به . وقال الخطابي : وليس في حديث أبي هريرة ولا في خبر متصل ذكر لحفر المكان ، ولا لنقل التراب ، ولو سلم الحنفيون للإمام أحمد وغيره قوله ، فإن لهم حديثا إسناده على رسم الشيخين ، رواه أبو داود في كتاب السنن ، فقال : ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا جرير بن حازم ، قال : سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن ، قال : قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فانكشف فبال فيها ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه ، وأهريقوا على مكانه ماء . قال : هذا مرسل ، وابن معقل لم يدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأبى ذلك عليه الحافظ ابن فتحون ، فذكر أنّه له صحبة في كتابه المستدرك على ابن عبد البر ، ولئن سلمنا لأبي داود قوله ، وألقينا قول ابن فتحون فيكون مرسلا صحيحا ، والمرسل معمول به عندهم ، والله أعلم . وذكره عبد الرزاق عن طاوس ، وقد تقدّم كلام أبي الحسن عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلا مثله ، فالاصطلاح : إذا عارض مرسلان صحيحان حديثا صحيحا مسندا كان العمل بالمرسل أولى ، فكيف مع عدم المعارضة ؟ .

163

48 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا محمد بن عبد الله ، عن عبيد الله الهذلي ، قال محمد بن يحيى : هو عندنا ابن أبي حميد ، أنبأنا أبو المليح الهذلي ، عن واثلة بن الأسقع ، قال : جاء أعرابي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : اللهم ارحمني ومحمدا ، ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدا ، فقال : لقد حظرت واسعا ، ويحك - أو ويلك قال : فشبح يبول ، فقام أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعوه ، فدعا بسجل من ماء فصبه عليه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف راويه عبيد الله بن أبي حميد غالب بن أبي الخطاب الهذلي الكوفي ، فإنه ممن قال فيه الإمام أحمد بن حنبل : رجل ترك الناس حديثه ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وفي علل أبي عيسى عنه : ضعيف ذاهب الحديث ، لا أروي عنه شيئا ، وقال أبو عبد الرحمن : متروك الحديث ، وقال ابن معين والدارقطني : ضعيف الحديث ، وقال ابن حبان : يقلب الأسانيد فاستحق الترك ، وقال أبو حاتم الرازي : منكر الحديث ضعيف الحديث ، وفي الكامل لابن عدي عن ابن مثنى ، أنه قال : ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدّثان عنه بشيء قط ، قال أبو أحمد : وعامة روايته عن أبي المليح ، وقال أبو زكريا الساجي : هو ضعيف ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء وكذلك البلخي ، وفي الإشراف : اختلفوا في موضع البول تصبه الشمس أو يجف ، فكان الشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون : لا يطهره إلا الماء ، وفيه قول ثان ، وهو أن يصلي عليه إذا جفّ وذهب أثره ، ولا يصلي عليه إن لم يذهب أثره ، ولا يجزئه أن يصلي على بساط أصابه بول وإن ذهب أثره ، هذا قول النعمان ومحمد ، وقالا : الشمس تزيل النجاسة إذا ذهب الأثر عن الأرض ، وروينا عن أبي قلابة ، أنه قال : جفوف الأرض طهورها ، وبالقول الأول أقول ، وفي الأسرار : إذا أصابتها نجاسة فيبست وذهب أثرها جازت الصلاة عليها ، وقال أبو سليمان رحمه الله تعالى : فيه دليل على أنّ الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها ، وأن غُسالات النجاسة طاهرة ما لم يبن للنجاسة فيها لون أو ريح ، ولو لم يكن ذلك الماء طاهرا لكان المصبوب منه على البول أكثر تنجيسا للمسجد من البول نفسه ، فدلّ على طهارته ، قال : وإذا أصابت الأرض نجاسة ومطرت مطرا عاما كان ذلك مطهرا لها ، وكانت في معنى صبّ الذنوب وأكثر ، والله أعلم . وفي قوله : ( إنّما بعثتم مبشرين ) دليل على أن أمر الماء التيسير والسعة في إزالة النجاسات منه ، والله أعلم . وأما قوله : لا تزرموه أي : لا تقطعوا عليه ، قال ابن دريد : الزرم : القطع ، قال الشاعر : فقلت لها تسعى من تحت لبتها لا تحطمنك إن البيع قد زرما وقال الجوهري : زرم البول بالكسر إذا انقطع ، وكذلك كل شيء ولى ، وأزرمه غيره ، وفي الجامع : يقال : زرمه يزرمه زرما إذا قطعه ، وكذا أزرمه إزراما : إذا فعل به ذلك ، وزرم الشيء في نفسه إذا انقطع ، وإذا انقطع بول الرجل قلت : زرم بوله ، وأزرمه هو إذا قطعه ، وقد ازرأم الرجل : إذا غضب ، وازرأم الشيء إذا انقطع ، وازرأم الشاعر ازرئماما إذا انقطع شعره ، وازرأم إذا سكت ، وازرأم إذا انقبض ، ومنه قول الشاعر : تمذي إذا امتحنت من قبل أدرعها وتزرئم إذا ما مسه المطر ومن السكوت قول الراجز : ألفيته غضبان مزرئما لا سبط الكف ولا خضما وبقوله : لعن الله أما زرمت به : أي ولدته ، وكذلك قال الشاعر : ألا لعن الله التي زرمت به فقد ولدت ذا نملة وغوائل ويقال : زرم السنور وغيره : إذا بقي جعره في دبره ، وبه سمي السنور أزرم ، ويقال : أزرمت السوق : إذا انقطعت ، وزرم كلامه : إذا قطعه ، فهو زرم الكلام أي : قليله ، وكذلك قال الأخطل : والشافعون مغيبون وجوههم زرموا المقالة بالسوا الأبصار . أي : قد قطعوا الكلام ، والمزرم : المضيق عليه ، ويقال : زرم فلان بأمره إذا ضاق به ، فلم يدر ما يصنع . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لقد احتظرت واسعا على الحظر : الحجر ، قاله الجوهري ؛ قال : وهو ضد الإباحة ، والمحظور المحرم ، وفي أساس الزمخشري : حظر عليه كذا حيل بينه وبينه ، وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ، وهذا محظور غير مباح ، وقال ابن دريد : حظرت الشيء أحظره حظرا فهو محظور : إذا حزته ، والحظار : ما حظرته على غنم أو غيرها بأغصان الشجر أو بما كان ، وهو الحظر أيضا ، قال الشاعر : ترى حظرا أذوي به الحي عاضد . وقال في كتاب الاشتقاق : لما أغار امرؤ القيس بن المنذر عم النعمان بن المنذر على النمير بن واسط فسبى سبيا ، فأتى بهم الحيرة ، فحظر لهم حظائر وهم بإحراقهم ، فكلمه فيهم أبو حوط أخو المنذر بن امرئ القيس لأمه ، واسمه مالك بن ربيعة ، فوهبهم له ، فسمي ذا الحظائر . وزعم ابن ماكولا في كتاب الإكمال : أنه بخاء معجمة مضمومة ، قال : ذكره ابن دريد ، ويشبه أن يكون وهما منه على ابن دريد ؛ اللهم إلا أن يريد بذكر ابن دريد شيئا من الحروف لا الضبط ، وذلك أنّ الذي ذكره به وعزاه له هو في كتاب الوشاح من تأليفه في باب الراء ، ولم يضبطه كعادته في ذلك الكتاب ، وذكره في كتاب الجمهرة في باب الحاء المهملة والظاء والراء ، وبنحوه قاله في كتاب الاشتقاق ، وابن سيده في كتاب المحكم ، والوزير أبو القاسم في كتاب أدب الخواص ، وسمّاه كعب بن الحارث بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الصحبان بن سعد بن الخزرج ونصر بن مزروع في كتاب العقماء من الأشراف ، وسمّاه الحارث بن زيد مناة ، وقد استوفينا ذلك بشواهده في كتاب الإيصال ، وفي رواية : لقد تحجرت واسعا ، قال الخطابي : أصل الحجر المنع ، ومنه الحجر على السفيه ، وهو منعه من التصرف في ماله ، وقبض يده عنه : يقول له : قد ضيقت من رحمة الله ما وسعه ، ومنعت منها ما أباحه . والسجل : مذكر وهي الدلو إذا كان فيه ماء قلّ أو كثر ، ولا يقال لها وهي فارغة : سجل ولا ذنوب ، والجمع : سجال ، والسجيلة : الدلو الضخمة ، قال الراجز : خذها وأعط عمك السجيلة إن لم يكن عمك ذا حليلة . وسجلت الماء فانسجل أي : صببته فانصب ، وأسجلت الحوض ثلاثة ، قال : وغادر الأخذ والأوجاذ مترعة وأسجل الماء أنهاء وغدرانا . وفي الجمهرة : والجمع : سجول ، وفي الكناية : وقيل : لا تسمى سجلا حتى تكون مملوءة ماء . وقال أبو منصور النيسابوري : حتى يكون فيها ماء قلّ أو كثر ، ولا يقال لها : ذنوب إلا ما دامت ملأى ، كما أنه لا يقال : كأس إلا إذا كان فيها شراب ، وإلا فهي زجاجة ، وفي الألفاظ ليعقوب : الكأس الإناء ، والكأس : ما فيه من الشراب ، ولا يقال : مائدة إلا إذا كان عليها طعام ، وإلا فهو خوان ، ولا يقال : كوز إلا كان له عروة ، وإلا فهو كوب ، ولا يقال : قلم إلا إذا كان مبريا وإلا فهو أنبوبة ، ولا يقال : خاتم إلا إذا كان فيه فص وإلا فهو فتخة ، ولا يقال : فرو إلا إذا كان عليه صوف وإلا فهو جلد ، ولا يقال : ريطة إلا إذا لم يكن لفقين وإلا فهي ملاءة ، ولا يقال : أريكة إلا إذا كانت عليها حجلة وإلا فهي سرير ، ولا يقال : لطيمة إلا إذا كان عليها طيب وإلا فهي عنبر ، ولا يقال : نفق إلا إذا كان له منفذ وإلا فهو سرب ، ولا يقال : عهن إلا إذا كان مصبوغا وإلا فهو صوف ، ولا يقال : لحم قديد إلا إذا كان معالجا بتوابل وإلا فهو طبيخ ، ولا يقال : خدر إلا إذا كان مشتملا على جارية وإلا فهو ستر ، ولا يقال : ركية إلا إذا كان فيها ماء قلّ أو كثر وإلا فهي بئر ، وإلا يقال : محجن إلا إذا كان في طرفه عقافة وإلا فهو عصا ، ولا يقال : وقود إلا إذا أوقدت فيه النار وإلا فهو حطب ، ولا يقال : عويل إلا إذا كان قد رفع صوت وإلا فهو بكاء ، ولا يقال : مور للغبار إلا إذا كان بالريح وإلا فهو وهج ، ولا مغول إلا إذا كان في جوف سوط وإلا فهو مشمل ، ولا يقال للطين : سياع إلا إذا كان فيه تبن وإلا فهو طين ، ولا يقال : ثرى إلا إذا كان نديا وإلا فهو تراب ، ولا يقال : مأزق ومأقط إلا في الحرب وإلا فهو مضيق ، ولا يقال : مغلغلة إلا إذا كانت محمولة من بلد إلى بلد وإلا فهي رسالة ، ولا يقال : قراح إلا إذا كانت مهيأة للزرع وإلا فهي براح ، ولا يقال للعبد : آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد عمل وإلا فهو هارب ، ولا يقال لما في الفم : رضاب إلا ما دام في الفم ، فإذا فارقه فهو بزاق ، ولا يقال للشجاع : كمي إلا إذا كان شاك السلاح وإلا فهو بطل ، ولا يقال للطبق : مهدى إلا ما دامت على الهدية ، ولا يقال للبعير : راوية إلا ما دام عليه الماء ، ولا يقال للمرأة : ظعينة إلا ما دامت راكبة في هودجها ، ولا يقال للسرجين : فرث إلا ما دام في الكرش ، ولا يقال للسرير : نعش إلا ما دام عليه الميت ، ولا يقال للعظم : عرق إلا ما دام عليه لحم ، ولا يقال للخيط : سمط إلا ما دام فيه خرز ، ولا يقال للثوب : حلة إلا أن يكون ثوبين اثنين من جنس واحد ، ولا يقال للحبل : قرن إلا إذا قرن فيه بعيران ، ولا يقال للقوم : رفقة إلا ما داموا منضمين في مجلس واحد ومسير واحد ، فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة ، ولم يذهب عنهم اسم الرفيق ، ولا يقال للبطيخ : حدج إلا ما كانوا صغارا خضرا ، ولا يقال للذهب : تبر إلا إذا ما دام غير مصوغ . ولا يقال للحجارة : رضف إلا إذا كانت محماة بالشمس أو بالنّار ، ولا يقال للشمس : الغزالة إلا عند ارتفاع درجة النهار . ولا يقال للثوب : مطرف إلا إذا كان في طرفيه علمان ، ولا يقال للمجلس : النادي إلا ما دام فيه أهله ، ولا يقال للريح : بليل إلا إذا كانت باردة ومعها ندى ، ولا يقال للمرأة : عاتق إلا ما دامت في بيت أبويها ، ولا يقال للبخيل : شحيح إلا إذا كان مع بخله حريصا ، ولا يقال للذي يجد البرد : خرص إلا إذا كان مع ذلك جائعا ، ولا يقال للماء الملح : أجاج إلا إذا كان مع ملوحته مرا ، ولا يقال للإسراع في السير : إهطاع إلا إذا كان معه خوف ، ولا إهراع إلا إذا كان معه رعدة ، وقد نطق القرآن بهما ، ولا يقال للجبان : كع إلا إذا كان مع جبنه ضعيفا ، ولا يقال للمقيم : متلوم إلا إذا كان على انتظار ، ولا يقال للفرس : محجل إلا إذا كان البياض في قوائمه الأربع أو ثلاث ، ولا يقال : ذود إلا للقليل من إناث الإبل ، ذكره ابن الجوزي في تقويم اللسان ، والله تعالى أعلم .

164

42 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أم قيس بنت محصن ، قالت : دخلت بابن لي على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأكل الطعام ، فبال عليه ، فدعا بماء ، فرش عليه . هذا حديث خرجاه في الصحيح ، ولفظ مسلم : فدعا بماء ، فنضحه على ثوبه ، ولم يغسله غسلا

165

41 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصبي ، فبال عليه ، فأتبعه الماء ، ولم يغسله . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، ولفظ مسلم : كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم ، فأتي بصبي ، وفي لفظ : صبي يرضع ، وفي لفظ لأبي نعيم في مستخرجه : فربما أتي بالصبي فيبول عليه ، فيدعو بماء فيتبعه إياه ، وذكر أبو الحسن الدارقطني من رواية حجاج بن أرطاة ، عن عطاء ، عن عائشة : أن هذا الصبي ابن الزبير ، قالت : فأخذنه أخذا عنيفا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنه لم يأكل الطعام ، فلا تضربوه ، وفي لفظ : فإنه لم يطعم ، فلا يقذر بوله ، وفي المسند من رواية أبي معاوية عن هشام به ، ولفظه : صبوا عليه الماء صبا .

166

44 - حدثنا عمرو بن علي ، ومجاهد بن موسى ، والعباس بن عبد العظيم ، قالوا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا يحيى بن الوليد ، أنبأ محل بن خليفة ، أنبأ أبو السمح ، قال : كنت خادم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجيء بالحسن - أو الحسين - فبال على صدره ، فأرادوا أن يغسلوه ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رشه ، فإنه يغسل بول الجارية ، ويرش من بول الغلام . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عباس العنبري ، ولفظه : رشوه رشا ، وقد أسلفنا عن أبي عبد الله الحاكم تصحيحه في الشواهد ، وقال البزار وأبو السمح : لا نعلم حدث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بهذا الحديث ، ولا لهذا الحديث إسناد إلا هذا ، ولا يحفظ هذا الحديث إلا من حديث ابن مهدي ، وصححه أبو محمد بن حزم والإشبيلي بسكوته عنه ، وخرجه أبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة ، وشرطه في ذلك معروف ، وفي التمهيد : حديث المحل هو : محل بن خليفة لا تقوم به حجة ، والمحل ضعيف ، ويشبه أن يكون أبا عذرة هذا القول ؛ لأني لم أره لغيره ، وذلك أنه ممن خرج حديثه البخاري في صحيحه محتجّا به في الزكاة وعلامات النبوة ، وقال فيه أبو زرعة الرازي : ثقة صدوق ، وقال أبو زكريا يحيى بن معين : هو ثقة ، وذكره البستي في كتاب الثقات ، وسيأتي ذكره . وفي كتاب الإشراف : وقال أبو ثور : يغسل بول الغلام والجارية ، وإن ثبت حديث الرش عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان الرش جائزا في بول الغلام ، ولفظ أبي داود : كان - عليه الصلاة والسلام - إذا أراد أن يغتسل قال : ولني ، فأوليه قفاه ، فأستره به ، وفيه : فجئت أغسله ، ولفظ الدولابي في كتاب الكنى : وأنشر الثوب ، وفيه : ويغسل من بول النساءِ .

167

45 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو بكر الحنفي ، ثنا أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أم كرز : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : بول الغلام ينضح ، وبول الجارية يغسل . هذا حديث قال فيه مهنأ : سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر بن أبي كثير حدثوني عنه ، قال : حدثنا أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أم كرز : أتي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلام الحديث ، فقال أحمد : هو معروف الحديث صحيحه ، وهو أخو إسماعيل بن جعفر ، وهو ثقة لم يزد على ذلك ، ولم يتعرض للانقطاع فيما بين عمرو وأم كرز ، المنصوص عليه في كتاب تهذيب الكمال في غير ما موضع ، وأخذا أيضا بعموم قول أبي بكر النقاش : عمرو ليس تابعيا ، وقد روى عنه جماعة من التابعين . ذكر ذلك عنه الدارقطني ، ولو سلم من هذه العلة لكان إسناده صحيحا ؛ لما أسلفناه قبل في ترجمة عمرو - والله أعلم - ورواه أبو القاسم في الكبير عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن الحنفي ، بلفظ : أتي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلام ، فبال عليه ، فأمر به فنضح ، وأتي بجارية فبالت فأمر به فغسل ، وفي الباب حديث آخر رواه أبو جعفر البغوي عن ابن علية : ثنا عمارة بن أبي حفصة ، عن أبي مجلز ، عن حسن بن علي - أو حسين - : حدثتنا امرأة من أهلنا ، قالت : بينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستلقيا على ظهره ، يُلاعب صبيا على صدره ؛ إذ بال ، فقامت لتأخذه وتضربه ، فقال : دعيه ، ائتوني بكوز من ماء ، فنضح الماء على البول ، حتى تفايض الماء على البول ، فقال : هكذا يصنع بالبول ؛ ينضح من الذكر ، ويغسل من الأنثى . وحديث عبد الله بن عباس ، قال : أصاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو جلده بول صبي وهو صغير ، فصب عليه من الماءِ بقدر البول . رواه الدارقطني من حديث الواقدي عن خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت القائل فيه يحيى : ليس به بأس ، وكذلك قال ابن عدي ، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات عن داود بن حصين عن عكرمة عنه ، ورواه أيضا من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بهذا الإسناد . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أتي بصبي ، فبال عليه فنضحه ، وأتي بجارية ، فبالت عليه فغسله . رواه أبو القاسم في الأوسط عن أحمد بن يحيى الحلواني ، ثنا إبراهيم بن المنذر ، ثنا عبد الله بن مُوسى ، عن أسامة بن زيد ، عن عمرو ، وقال : لم يروه عن عمرو عن أبيه عن جده إلا أسامة ، تفرد به عبد الله بن موسى . وحديث أم سلمة : قال صلى الله عليه وسلم : إذا كان الغلام لم يطعم الطعام صب على بوله ، وإذا كانت الجارية غسله . قال فيه أبو القاسم : لم يروه عن الحسن عن أمه إلا إسماعيل بن مسلم . تفرد به عبد الرحيم بن سليمان ، ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن عن أمه ، بلفظ : ويصب عليه الماء صبا ما لم يطعم ، وبول الجارية يغسل غسلا طعم أو لم تطعم ، وفيه رد لما قاله الطبراني . ورواه أبو القاسم في الأوسط : ثنا من حديث هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أمه عنها ، أنّ الحسن - أو الحسين - بال على بطن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذهبوا ليأخذوه ، فقال : لا تزرموا ابني - أو لا تعجلوه - فتركوه حتى قضى بوله ، فدعا بماء فصبّه عليه . وقال : لم يروه عن يونس إلا هشيم ، تفرد به محمد بن ماهان . وحديث عائشة : كان صلى الله عليه وسلم يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن والحسين . ذكره في الأوسط من حديث هشام عن أمه عنها ، وقال : لم يروه عن هشام إلا بزيع أبو الخليل . وحديث قابوس بن المخارق ، عن أبيه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يغسل بول الجارية ، وينضح على بول الغلام . كما رواه سماك عنه ، ورواه شريك عن سماك عنه عن أم الفضل ، ورواه أبو الأحوص عنه عن قابوس عن لبابة بنت الحارث ، ورواه علي بن صالح عن سماك عن قابوس ، فلم يقل : عن أبيه ، قال الدارقطني في العلل : والمرسل أصح ، قال عبد الحق : ولا تصح هذه الصفة في بول الصبي ، ولا يصح أيضا فيه ما لم يأكل الطعام ، إنّما يصح من قول علي وقتادة وأم سلمة وغيرهم . وقال أبو محمد الفارسي : وتطهير بول الذكر أي ذكر كان في أي شيء كان ، فبأن يرش عليه الماء رشا يزيل أثره ، وليس تحديده بأكل الصبي الطعام من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وممن فرق بين بول الغلام والجارية أم سلمة ، وعلي بن أبي طالب ، ولا مخالف لهما من الصحابة ، وبه يقول قتادة والزهري ، وقال : مضت السنة بذلك ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود بن علي ، وابن وهب ، وغيرهم ، إلا أنّه قد روي عن الحسن وسفيان التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعا ، وقال أبو حنيفة ومالك وابن حي : يغسل بول الصبي كبول الصبيّة ، وما نعلم لهم متعلقا إلا ما ذكره بعض المتأخرين عن النخعي ، والمشهور عنه خلاف ذلك . وفي كتاب التمهيد : أجمع المسلمون أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس ، وقال الشّافعي : بول الصبي ليس بنجس ، ولا يتبين لي فرق ما بينه وبين الصبية ، ولو غسل كان أحبّ إلي ، قال أبو عمر : احتج من ذهب مذهب الشافعي بحديث هذا الباب - يعني : حديث أم قيس - ولا حجة فيه ؛ لأنّ النضح يحتمل أن يكون أراد به صب الماء ، ولم يُرد به الرشّ ، وهو الظاهر من معنى هذا الحديث ؛ لأنّ الرش لا يزيد النجاسة إلا شرا ، ومن الدليل على أنّ النضح قد يكون صب الماء والغسل من غير عرك : قول العرب : غسلتني السماء ، وما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إني لأعلم أرضا يقال لها : عمان ، ينضح بناحيتها البحر ، بها حي من العرب ، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر . والقياس : ألا فرق بين بول الغلام والجارية ، كما أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة إلا أن هذه الآثار - إن صحت - ولم يعارضها مثلها وجب القول بها ، إلا أنّ رواية من روى الصبّ على بول الصبي وإتباعه بالماء أصح وأولى ، وأحسن شيء عندي في هذا الباب ما قالته أم سلمة : بول الغلام يصب عليه الماء صبّا ، وبول الجارية يغسل طعمت أو لم تطعم . ذكره البغوي ، وهو حديث مفسر للأحاديث كلها ، مستعمل لها حاشا حديث المحل بن خليفة ، ولا تقوم به حجة ، وقال في الاستذكار : وقال بعض شيوخنا : قوله في حديث أم قيس : ولم يغسله ، ليس في الحديث ، وزعم أنّ آخر الحديث : فنضحه . قال أبو عمر : ولا يتبين عندي ما قاله ؛ لصحة رواية مالك هذه ، ولمتابعته على ذلك ، وأمّا أبو السمح فاسمه إياد ، قال أبو عمر : قيل : كان خادما ، وقيل : مولى ، ذهب فلا يدرى خبره ، لم يرو عنه - فيما علمت - غير المحل ، وكذا ذكره أبو الفتح الأزدي في الكتاب المخزون ، وخدامه - عليه السلام - جماعة ذكرناهم في كتابنا الزهر الباسم ، والإشارة ؛ فمنهم هند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان ، ذكرهما ابن سعد وربيعة بن كعب الأسلمي وذو مخمر ابن أخي النجاشي . ذكرهما الإمام أحمد ، وأيمن بن عبيد ، ذكره ابن إسحاق ، وعبد الله بن مسعود ، ونعيم بن ربيعة بن كعب الأسلمي ، ذكرهما أبو نعيم وعقبة بن عامر الجهني ذكره النسائي ، وبلال بن رباح ذكره في الإكليل ، وسعد مولى أبي بكر الصديق ، والأسود بن مالك الأسدي ، وأخوه الحدرجان ، وابنه جزء بن الحدرجان ، وثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري ، ذكرهم ابن منده ، وسالم ذكره أبو أحمد العسكري وبكير بن شدّاخ الليثي ، ويقال : بكر ، وأبو الحمراء هلال بن الحارث . ذكرهما ابن عساكر وأسلع بن شريك الأعرجي وسابق ، وقيل : هو أبو سلام الهاشمي ، وخولة جدة حفص بن سعيد ، ورزينة أمّ عليلة ، وسلمى أمّ رافع ، ومارية جدة المثنى ابن صالح . ذكرهم ابن عبد البر ، وميمونة بنت سعد ذكرهما الترمذي ، وأربد ذكره أبو موسى المديني ، وسلمى ومهاجر مولى أم سلمة ، وأمة الله بنت رزينة ومارية أم الرباب وأم عياش ذكرهم ابن الأثير ، وأبو عبيد ذكره البرقي وأبو ذر الغفاري ذكره ابن سرور ، وغلام من الأنصار نحو أنس جاء ذكره في الصحيح ، وأمّا الموالي فسنذكرهم - إن شاء الله تعالى - في الموضع اللائق بذكرهم - رضي الله عنهم أجمعين - وأما الصبي فهو : الغلام ، والجمع صبية وصبيان ، وهو من الواو ، ولم يقولوا : أصبية ، استغناء بصبية ، كما لم يقولوا : أغلمة استغناء بغلمة ، ويصغر صُبيّة في القياس ، أصيبية ، كأنه تصغير أصبية ، قال الشاعر : ارحم أصيبيتي الذين كأنهم حجلي تدرج في الشربة وقع ويقال : صبي بين الصبا والصباء ، إذا فتحت الصاد مددت ، وإذا كسرت قصرت ، والجارية صبية ، والجمع صبايا ، مثل : مطية ومطايا ، ذكره الجوهري ، وقال الأجدائي : فإذا ولد فهو صبي إلى أن يفطم ، فإذا فطم سُمّي غلاما إلى سبع سنين ، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج ، وكذا ذكره ابن سيدة عن ثابت . قال الزمخشري : الغلام الصغير إلى حد الالتحاء ، فإن أجري عليه بعد ما صار ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز ، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في بعض أراجيزه : أنا الغلام الهاشمي المكي ، وقالت ليلى الأخيلية في كلمة لها تمدح الحجاج : شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة ثناها فقال لها الحجاج : لا تقولي غلام ، ولكن قولي : همام ، قال : جاء والله ، وقال بعضهم : يستحق هذا الاسم إذا ترعرع ، وبلغ الاحتلام بشهوة النكاح ، كأنه يشتهيه ذلك الوقت ، ويسمى غلاما أولا ، فقالا : وبعد ذلك مجازا ، وقال ابن سيده عن الأصمعي : هو غلام إذا طر شاربه . وفي الفصيح : غلام من الغلومة والغلومية ، وقال ابن دريد : وربما سميت الجارية غلامة ، وأنشد : ومركضة صريحي أبُوها تهان لها الغلامة والغلام وقال أبو إسحاق الحربي : لا يقال للأنثى إلا في كلام قد ذهب من ألسن الناس ، قال عبد الحق : قد جاء ذلك في الحديث والشعر ، وأنشد : فلم أر عاما كان أكثر هالكا ووجه غلام يشتري وغلامة وقال النّضر بن شميل : هو غلام أول ما يولد حتى يشيب .

168

43 - حدثنا حوثرة بن محمد ومحمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم ، قالا : ثنا معاذ بن هشام ، ثنا أبي ، عن قتادة ، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي ، عن أبيه ، عن علي : أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في بول الرضيع : ينضح بول الغلام ، ويغسل بول الجارية . هذا حديث لما خرجه الحاكم عن أبي عمرو بن السماك ، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي ، ثنا معاذ ، قال : هذا حديث صحيح ، فإن أبا الأسود الديلمي صحيح سماعه من علي ، وهو على شرطهما صحيح ، ولم يخرجاه ، وله شاهدان صحيحان : حديث قابوس عن لبابة ، وحديث محل عن أبي السمح ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لأنّ أبا حرب عند مسلم فقط ، ولما خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه أتبعه : حدثنا أبو موسى - يعني : عن معاذ - بمثله ، وزاد : قال قتادة : هذا ما لم يطعم الطعام ، فإذا طعم الطعام غسلا جميعا ، وخرجه أيضا البستي في صحيحه ، ولما خرجه الترمذي قال فيه : حسن صحيح ، وقال في العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : شعبة لا يرفعه ، وهشام الدستوائي حافظ ، ورواه يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبي عروبة عن قتادة فلم يرفعه ، وقال البزار : وقد روى هذا الفعل عائشة وأبو ليلى وزينب بنت جحش ، وأحسنها إسنادا حديث علي وحديث أم قيس ، وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، وإنما أسنده معاذ عن أبيه ، وقد رواه غير معاذ عن هشام عن قتادة عن أبي حرب عن أبيه عن علي موقوفا . حدثنا أحمد بن موسى بن معقل ، ثنا أبو اليمان المصري ، قال : سألت الشافعي عن حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يرش من بول الغلام ، ويغسل من بول الجارية ، والماءان جميعا واحد ، قال : لأنّ بول الغلام من الماء والطين ، وبول الجارية من اللحم والدّم ، ثم قال لي : فهمت ؟ قلت : بقيت ، قال : قلت : لا . قال : إن الله لما خلق آدم ، خلقت حواء من ضلعه الأيسر ، فصار بول الغلام من الماء والطين ، وصار بول الجارية من اللحم والدم ، قال : قال لي : فهمت ؟ قلت : نعم ، قال : نفعك الله . هكذا هذا ثابت في نسختي التي بخط المرادي ، وفي نسخة أخرى علم الحافظ المنذري عليها لا إلى وكأنه أشبه ، والله تعالى أعلم .

169

باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم 40 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن قابوس بن أبي المخارق ، عن لبابة بنت الحارث ، قالت : بال الحسين بن علي - رضي الله عنهما - في حجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : يا رسول ، أعطني ثوبك والبس ثوبا غيره ، فقال : إنما ينضح من بول الذكر ، ويغسل من بول الأنثى . هذا حديث خرجه ابن ماجه أيضا في كتاب الرؤيا ، بزيادة : يا رسول الله ، رأيت كأن في حجري عضوا من أعضائك ، وإسناده صحيح لذكر ابن أبي المخارق في كتاب الثقات لأبي حاتم البستي ، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه حكم بصحته ، ولما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن نصر بن مرزوق ، ثنا أسد - يعني : ابن موسى - ح ، وثنا محمد بن عمرو بن تمام المصري ، ثنا علي بن معبد ، ثنا أبو الأحوص ، بلفظ : فقلت : هات ثوبك حتى أغسله ، ثم قال : إنما يغسل بول الأنثى وينضح بول الذكر ، قال : وفي حديث أسد بن موسى : كان الحسين في حجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبال عليه ، فقلت : البس ثوبا وأعطني ثوبك حتى أغسله ، وقال الدارقطني في كتاب العلل : عن سماك عن قابوس عن أبيه عنها : قال ذلك عثمان بن سعيد ، وقيل : عن عثمان عن مسعر عن سماك ، قال : وقال معاوية بن هشام : عن علي بن صالح عن سماك عن قابوس مرسلا ، وروي عن داود بن أبي هند عن سماك مرسلا عن أم الفضل ، والصواب : قول من قال : عن سماك عن قابوس عن أم الفضل . كذا ذكره عن علي ، والذي رواه البزار في مسنده يخالف ما قاله ، ذلك أنه رواه عن إبراهيم بن الجنيد ، ثنا عثمان بن سعيد ، ثنا علي بن صالح ، عن سماك ، عن قابوس عنها بلفظ : فأخذته فاطمة بيدها ، فقال : أوجعت ابني رحمك الله ، الحديث . ورواه الطبراني أيضا من حديث محمد بن مصعب القرقساني ، ثنا الأوزاعي ، عن شداد أبي عمار عنها ، بلفظ : دعي ابني ، فإن ابني ليس بنجس ، ثم دعا بماء فصبه عليه ، ورواه الخلال في كتاب العلل عن عبد الله بن أحمد : أنبأ أبي ، ثنا عفان وبهز ، قالا : ثنا حماد بن سلمة ، أنبأ عطاء الخراساني عن لبابة ، بلفظ : فرأيت البول يسيل على بطنه ، فقمت إلى قربة لأصبها عليه . وفي الباب عن الكجي : ثنا حجاج ، ثنا حماد ، عن عطاء الخراساني ، عن لبابة : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اضطجع على مكان مرشوش ، فوضع الحسن والحسين جميعا على بطنه ، فبالا على بطنه ، فرأيت البول يسيل على بطنه ، فقمت إلى القربة لأصبها عليه ، فقال : يا أم الفضل ، بول الغلام يصب عليه ما لم يطعم ، وبول الجارية يغسل غسلا . وفي الباب للدارقطني من حديث إبراهيم بن محمد ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في بول الصبي ، قال : يصب عليه مثله من الماء ؛ كذلك صنع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببول حسين بن علي ، وفي مسند أحمد بن منيع ، ثنا ابن علية ، ثنا عمارة بن أبي حفصة ، عن أبي مجلز ، عن حسن بن علي ، قال : حدثتنا امرأة من أهلنا : بينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستلقيا على ظهره يلاعب صبيا على صدره ، فبال ، فقامت لتأخذه وتضربه ، فقال : دعيه ، ائتوني بكوز ماء ، فنضح الماء على البول حتى تفايض الماء على البول ، فقال : هكذا يصنع بالبول ؛ ينضح من الذكر ، ويغسل من الأنثى

170

39 - حدثنا محمود بن خالد والعباس بن الوليد الدمشقيان ، قالا : ثنا مروان بن محمد ، ثنا رشدين ، أنبأ معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الماء لا ينجسه شيء ، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف راويه أبي الحجاج رشدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري ، وهو رشدين بن أبي رشدين القائل فيه الإمام أحمد بن حنبل : ليس يبالي عمن روى ، لكنه رجل صالح ، قال الميموني : فوثقه هيثم بن خارجة ، وكان في المجلس فتبسم أبو عبد الله ، ثم قال أبو عبد الله : ليس به بأس في أحاديث الرقاق ، وفي رواية حرب : وسأله عنه فضعّفه ، وقدم ابن لهيعة ، وقال ابن أبي خيثمة عنه : لا يكتب حديثه ، وفي رواية البغوي عنه : أرجو أن يكون صالح الحديث ، وفي رواية عبد الله عنه رشدين كذا وكذا ، وسئل عنه أبو زكريا ، فقال : ليس من جمال المحامل ، وفي رواية أحمد بن محمد بن حرب عنه : رشدينان ليس برشيدين ؛ ابن كريب وابن سعد ، وفي رواية ابن الجنيد والدوري عنه : ليس بشيء ، وقال أبو حاتم الرازي : منكر الحديث وفيه غفلة ، ويحدث بالمناكير عن الثقات ، ضعيف الحديث ، ما أقربه من داود بن المحبر ، وابن لهيعة أستر ، ورشدين أضعف ، وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث ، [ وقال الفلاس : ضعيف الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ] ، وقال الدارقطني : ضعيف الحديث ، وقال البخاري عن قتيبة : كان لا يبالي ما دفع إليه فيقرؤه ، وقال ابن عدي : وهو مع ضعفه ممن يكتب حديثه ، وقد خصّ نسله بالضّعف : حجاج ابنه ، ومحمد بن حجاج ، وأحمد بن محمد ، وقال السعدي : هو بعد ابن لهيعة ، عنده معاضيل ، ومناكير كثيرة ، قال : وسمعت ابن أبي مريم يثني عليه في دينه ، فأمّا حديثه ففيه ما فيه ، وفي رواية الدولابي : ففيه ما قلت ، وقال أبو سعيد بن يونس : ولد سنة عشر ومائة ، ومات سنة ثمان وثمانين ، وكان رجلا صالحا ، لا يشك في صلاحه وفضله ، وأدركته غفلة الصالحين ، فخلط في الحديث ، وقال البستي : كان يقرأ كل ما دفع إليه سواء كان من حديثه أو لم يكن ، ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء ذكر عن ابن مثنى أنه كانت عنده مناكير : حدثني أحمد بن محمد ، ثنا الهيثم بن خالد ، قال : كنت مع رشدين في غرفة له ، وكان لها منظرة إلى بعد ، فأقبل شاب ، فقال رشدين : ترى هذا المقبل ؟ قلت : نعم ، قال : هذا ابني ، وهو أعلم الناس بلعب الشطرنج ما يلاعبه أحد ، قال : فرأيته فرحا بذلك ، ولما ذكر أبو حاتم هذا في كتاب العلل قال : يوصله رشدين وليس بقوي ، والصحيح : مرسل ، وقال الخليلي : ضعفوه ولم يتفقوا عليه ، وابنه حجاج أمثل منه ، وذكره في الضعفاء أبو العرب والعقيلي والبلخي ، وقال الحربي : غيره أوثق منه ، وقال البزار : لم يكن بالمعتمد ، وقال عبد الحق : هو ضعيف عندهم ، وقال أبو الحسن الدارقطني : إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد . وقال في موضع آخر : لم يرفعه غير رشدين ، وفي ما قاله نظر ؛ لأنه روي عن راشد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا بسند جيد . ثنا بذلك الإمام أبو المحاسن بن محمد الكردي ، أنبأ ابن خليل أبو إسحاق إبراهيم ، ثنا عبد الرحمن بن المسلم ، ثنا علي بن الحسن الموازيني ، ثنا أبو عبد الله محمد بن سلوان ، أنبأ أبو القاسم الفضل بن جعفر المؤذن ، ثنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم الهاشمي ، ثنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا الأحوص ، عن راشد بن سعد ، قال صلى الله عليه وسلم : الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه . وفي المعرفة : قال الشافعي : وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه كان نجسا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ، لا يثبت أهل الحديث مثله ، وهو قول العامة ، لا أعلم عنهم فيه خلافا ، وقال أبو القاسم في المعجم الأوسط : لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين . تفرد به محمد بن يوسف ، وفيه نظر ؛ لما تقدّم من رواية مروان عنه ، ورواه البيهقي عن أستاذه ابن البيع ، عن أبي الوليد الفقيه ، عن جعفر الحافظ ، عن أبي الأزهر ، عن مروان بسنده ، أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه ، وقال : كذا وجدته ، ولفظ القلتين فيه غريب ، ورواه أيضا أستاذه عن أبي الوليد ، عن الشاماتي ، عن عطية بن بقية بن الوليد ، عن أبيه ، عن ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد به ، بزيادة : طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيها ، ثم قال : والحديث غير قوي إلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغيّر بالنجاسة خلافا . ولما ذكره ابن عدي في كامله من طريق أحمد بن عمير ، ثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم ، عن حفص بن عمر ، ثنا ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد ، قال : هذا ليس يرويه عن ثور إلا حفص بن عمر ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما أسلفناه من طريق عطية عن أبيه عن ثور ، وفيها أيضا ردّ لقول أبي الحسن والرازي : لم يرفعه غير رشْدين ، وفي الباب غير ما حديث ؛ من ذلك حديث ثوبان : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه . رواه الدارقطني من حديث رشدين بن سعد . وحديث سهل بن سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : الماء لا ينجسه شيء . رواه أيضا عن محمد بن الحسين الحراني ، ثنا علي بن أحمد الجرجاني ، ثنا محمد بن موسى الحرشي ، ثنا فضيل بن سليمان النميري ، عن أبي حازم عنه ، وقد تقدّم طرف منه . وحديث عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الماء لا ينجسه شيء . رواه أبو القاسم في معجمه الأوسط عن أحمد بن زهير ، ثنا أبو الربيع ، عن عبيد الله بن محمد الحارثي ، عن أبي أحمد الزبيري ، ثنا شريك ، عن المقدام بن شُريح ، عن أبيه عنها ، وقال : لم يروه عن المقدام إلا شريك ، قال بعض الحفاظ من مشايخنا - رحمهم الله تعالى - : ومن غريب ما يستدل به في هذا المعنى حديث أبي ثعلبة الخشني في الأمر بغسل أواني المشركين قبل الأكل فيها ، مع حديث عمران بن حصين في وضوئه صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة ؛ فإن الأول يدل على نجاسة الإناء ، والثاني يدل على طهارة الماء وطهوريته ، وفي القديم للشافعي : ثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب : أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص ، حتى وردوا حوضا ، فقال عُمر بن الخطاب : يا صاحب الحوض لا تخبرنا ، فإنّا نرد على السباع وترد علينا . أنبأ ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار : أن عمر بن الخطاب ورد حوض مجنة ، فقيل له : إنما ولغ الكلب فيه آنفا ، فقال عمر : إنما ولغ الكلب بلسان ، فشرب وتوضأ . وزعم أبو جعفر الطحاوي أن الواقدي قال : إن بئر بضاعة كانت طريقا للماء إلى البساتين ، فكان الماء لا يستقر فيها ، وردّ ذلك أبو بكر في المعرفة بما لا يصلح أن يكون ردّا ، وهو الطعن على الواقدي بالضعف ، وهو لم يذكره رواية ، إنما ذكره عن مشاهدة ، وإن كان كذلك فلخصمه المعارضة بالتوثيق ، قال محمد بن إسحاق الصغاني : وذكر من فضله وحسن أحاديثه ، أما أنا فلا أحتشم أن أروي عنه ، والله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه ، حدث عنه أربعة أئمة : أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو عبيد ، وأبو خيثمة ، ورجل آخر ، وقيل للدراوردي : ما تقول فيه ؟ فقال : سله عني ، وفي لفظ : ذاك أمير المؤمنين في الحديث ، وكذلك قال أبو عامر العقدي لما سئل عنه ، ولما سئل عنه معن بن عيسى قال : نحن نسأل عنه ؟ ! إنما يُسأل هو عنّا ، وقال الزبيري والمسيبي وأبو يحيى الزهري : محمد بن عمر ثقة مأمون ، وقال ابن نمير : حديثه عنّا مستوي ، وقال يزيد بن هارون : هو ثقة ، وقال عباس بن عبد العظيم : هو أحبّ إلي من عبد الرزاق ، وقال أبو عبيد بن سلام : هو ثقة ، وقال أبو داود : كان أحمد ينظر في كتبه كثيرا ، ولم ينكر عليه أحد سوى جمعه الأسانيد ومجيئه بالمتن واحدا ، قال أبو إسحاق الحربي : وذكر له هذا القول ، هذا ليس بعيب ، وقال محمد بن إسحاق في كتاب الفهرست : كان حسن المذهب - رحمه الله تعالى - وأمّا ما ذكره بعض المتأخرين من أنّه مجمع على ضعفه ؛ ففي بعض ما تقدّم ردّ عليه - والله أعلم - ثم ننزل معه بأن يلغى قوله ، وينظر هل قال ذلك غيره ممن تقدّمه ، فإذا عائشة - رضي الله عنها - وهي من أفقه الصحابة ، قالت : كان بئر بضاعة قناة ، وكان لها منفذ إلى بساتينهم . ذكر ذلك صاحب الأسرار من غير رواية الواقدي ، والعقل يشهد له ؛ لأنها متى لم تكن قناة تغيرت بالجيف لا محالة ، قال : وروي عن محمد بن الفضل البلخي أنه قال : مسحت بئر بضاعة ، فوجدتها ثمانية في ثمانية ، وقد روي عن محمد بن الحسن أنه حدّد الكثرة بهذا ، والله أعلم .

171

38 - حدثنا أحمد بن سنان ، ثنا يزيد بن هارون ، ثنا شريك ، عن طريف بن شهاب ، قال : قال : سمعت أبا نضرة يحدث عن جابر بن عبد الله ، قال : انتهينا إلى غدير ، فإذا فيه جيفة حمار ، قال : فكففنا عنه ، حتى انتهى إلينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : إن الماء لا ينجسه شيء ، فاستقينا وأروينا وحملنا . هذا حديث إسناده ضعيف ؛ لضعف راويه أبي سفيان طريف بن شهاب السعدي الأشل ، وقال البخاري : العطاردي ، وقال أيضا : وقال أبو معاوية : طريف بن سعد ، ويقال : طريف بن سفيان ، قال البخاري : ليس بالقوي عندهم ، وقال عمرو بن علي : ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن أبي سفيان العطاردي بشيء قط ، وقال الإمام أحمد : ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه ، وقال يحيى بن معين : ليس بشيء ، وفي رواية : ضعيف ، وكذلك قاله أبو حاتم الرازي ، زاد : ليس بقوي ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال ابن عدي : روى عنه الثقات ، وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره ، وأما أسانيده فهي مستقيمة ، وقال الدارقطني : ضعيف ، وقال الحربي : بصري ، ليس هو أوثق النّاس ، وقال ابن حبّان : كان مغفلا ، يهم في الأخبار حتى يقلبها ، ويروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات ، وقال أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب الاستغناء : أجمعوا على أنه ضعيف الحديث ، وذكره في كتاب الضعفاء : الساجي ، وأبو العرب ، والعقيلي ، ويعقوب بن سفيان الفسوي ، ورواه الساجي في كتاب الضعفاء عن الربيع : ثنا الشافعي ، ثنا إبراهيم بن محمد ، ثنا داود بن حصين ، عن أبيه ، عن جابر : سئل صلى الله عليه وسلم : أنتوضأ بما أفضلت الحمر ؟ قال : نعم ، وبما أفضلت السباع ، وثنا الربيع ، أنا الشافعي : ثنا سعيد بن سالم ، عن ابن أبي حبيبة ، عن داود ، عن جابر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثله ، ولم يقل عن أبيه .

172

باب الحياض 37 - حدثنا أبو مصعب المدني ، ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر ، وعن الطهارة منها ؟ فقال : لها ما حملت في بطونها ، ولنا ما غبر طهور . هذا حديث ذكره الدارقطني من مسند أبي هريرة في كتاب السنن ، وقال فيه الحافظ أبو جعفر الطحاوي في كتاب المشكل : ليس من الأحاديث التي يحتج بها ؛ لأنه إنما دار على عبد الرحمن بن زيد ، وحديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف . كذا قاله ، وقد أبى ذلك عليه الحافظ ابن البيع ، فصحح في مستدركه إسناد حديث من روايته في فضل المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال الحافظ أبو أحمد الجرجاني : له أحاديث حسان ، وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم ، وهو ممن يكتب حديثه ، ولكنه معارض بحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب ، وإن كان قد روي حديث أبي سعيد من غير وجه يشد بها حديث ابن زيد ؛ من ذلك : ما ذكره أبو عيسى الترمذي عن هناد بن السرى والحسن بن علي وغير واحد ، قالوا : ثنا أبو أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عن محمد بن كعب ، عن عبيد الله بن رافع بن خديج ، عن أبي سعيد ، قيل : يا رسول الله ، أنتوضأ من بئر بضاعة ، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الماء طهور لا ينجسه شيء . وقال : هذا حديث حسن ، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث ، ولم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة ، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد ، وقال أبو داود : قال بعضهم : عبد الرحمن بن رافع . ثنا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز بن يحيى الحرانيان ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن سليط بن أيوب ، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ، ثم العدوي ، عن أبي سعيد : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو يقال له : إنه يستقى لك من بئر بضاعة ، وهي تلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الماء طهور ، لا ينجسه شيء . قال أبو داود : سمعت قتيبة بن سعيد قال : سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها ، قال : أكثر ما يكون فيها ، قال : إلى العانة ، قلت : فإذا نقص ؟ قال : دون العورة . قال أبو داود : وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ، ثم ذرعته ، فإذا عرضها ستة أذرع ، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه : هل غيّر بناؤها عما كانت عليه ؟ قال : لا ، ورأيت فيها ماء متغيّر اللون ، وفي علل الخلال : ثنا أبو الحارث ، أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث ، فقال : حديث بئر بضاعة صحيح ، وحديث أبي هريرة : لا يُبال في الماء الدائم أثبت وأصح إسنادا ، قال : وبئر بضاعة عند سقيفة بني ساعدة . وقال أبو عمر في الاستذكار : بئر بضاعة محفوظ من حديث أبي سعيد ، ولما خرج أبو عبد الله بن منده هذا الحديث من رواية محمد بن كعب القرظي عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع قال : هذا إسناد مشهور ، أخرجه أبو داود والنسائي ، وتركه البخاري ومسلم لاختلاف في إسناده ، ورواه ابن أبي ذئب عن الثقة عنده عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي سعيد ، ثم ذكر رواية مطرف بن طريف عن خالد بن أبي نوف عن سليط عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ، وقال : فإن كان عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع هذا هو الأنصاري الذي روى عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن رافع بن خديج مشهور ، وعبيد الله ابنه مجهول ، فهذا حديث معلول برواية عبيد الله بن عبد الله . وفي كتاب الإيضاح لعبد الغني : رواه مطرف بن عبد الله عن خالد عن سليط عن ابن أبي سعيد عن أبيه . وفي بيان الوهم والإيهام : وأمر هذا الحديث إذا بين تبين منه ضعفه ، وذلك أنّ مداره على أبي أسامة عن محمد بن كعب . ثم اختلف على أبي أسامة في الواسطة الذي بين محمد بن كعب وأبي سعيد ، فقوم يقولون : عبيد الله بن عبد الله بن رافع ، وقوم يقولون : عبد الله بن عبد الله بن رافع ، وله طريق آخر من رواية ابن إسحاق عن سليط ، واختلف على ابن إسحاق في الواسطة الذي بين سليط وأبي سعيد ، فقوم يقولون : عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع ، وقوم يقولون : عن عبد الرحمن بن رافع ، فتحصل في هذا الرجل الراوي عن أبي سعيد خمسة أقوال ، وكيف ما كان فهو ممن لا تعرف حاله ولا عينه ، والأسانيد بما ذكرنا في كتب الحديث معروفة ، انتهى كلامه . وفي حديث ابن إسحاق عن سليط انقطاع ، نص على ذلك أبو محمد في كتاب المراسيل ، وفي قول ابن منده : إنّ ابن أبي ذئب رواه عن الثقة عنده عن عبيد الله نظر ؛ لما ذكره الشافعي : أنبأ الثقة عن ابن أبي ذئب عن الثقة عنده عمن حدثه أو عن عبد الله . قال أبو الحسن بن القطان : ولحديث بئر بضاعة طريق صحيحة من رواية سهل بن سعد ، قال قاسم بن أصبغ : ثنا ابن وضاح ، ثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد ، قالوا : يا رسول الله ، إنّك تتوضأ من بئر بضاعة ، وفيها ما ينجي الناس والمحايض والخبث ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء لا ينجسه شيء . قال قاسم : هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة ، وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن : ثنا ابن وضاح ، فذكره أيضا بإسناده ومتنه ، قال أبو محمد بن حزم في كتاب الإيصال : عبد الصمد بن أبي سكينة ثقة مشهور ، وذكره مصححا له ، وقال ابن وضاح : لقيته بحلب ، ويروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها - والله تعالى أعلم - انتهى . ولما خرج أبو عمر هذا في الاستذكار عن عبد الوارث عن قاسم ، قال : هذا اللفظ غريب في حديث سهل ، ومحفوظ من حديث أبي سعيد ، ورواه الدارقطني من حديث فضيل بن سليمان المخرج حديثه في الصحيحين عن أبي حازم عن سهل مرفوعا : الماء لا ينجسه شيء . وعن فضيل عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه ، قال : سمعت سهلا يقول : شرب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بئر بضاعة ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن موسى بن سهل بن أبي عمران الجوني عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل عن محمد بن أبي يحيى ، عن أبيه ، قال : دخلنا على سهل في بيته ، فقال : لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ، وقال : وقد - والله - سقيت منها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي . زاد عمر بن شبة في كتاب أخبار المدينة تأليفه : وإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصق فيها .

173

36 - ثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، نا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن المنذر ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا كان الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء . هذا حديث اختلف في إسناده ومتنه اختلافا كثيرا ، ملخصه أن أشهر رواياته من ثلاثة أوجه : أحدها : رواية ابن إسحاق المبدأ بذكرها ، وقد أخرجها أبو عيسى أيضا ، ولم يحكم عليها بشيء ، وخرجها أبو جعفر بن منيع في مسنده عن أبي معاوية : ثنا ابن إسحاق عن رجل أخبره عن عبيد الله ، بلفظ : إنهم قالوا : يا رسول الله ، إن بئر بضاعة يلقى فيها المحايض والجيف ، الحديث . ورواه عبيد الله بن محمد ابن عائشة ، عن حماد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، وقال : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الماء يكون بالفلاة ، وترده السباع والكلاب . قال البيهقي : كذا قال : والكلاب ، وهو غريب ، وكذلك قاله موسى بن إسماعيل عن حماد ، وقال إسماعيل بن عياش : الكلاب والدواب ، إلا أن ابن عياش اختلف عليه في إسناده ، يعني بذلك ما ذكره الدارقطني من أن المحفوظ عنه عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه . ورواه محمد بن وهب السلمي ، عن ابن عياش ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنه سئل عن القليب ، يلقى فيه الحيض ، وتشرب منه الكلاب والدواب ؟ قال : ما بلغ الماء قلتين فما فوق ذلك لم ينجسه شيء . ورواه أيضا عن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، عن عبد الله بن أحمد بن خزيمة ، عن علي بن سلمة اللبقي ، عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : ورواه المغيرة بن سقلاب ، عن ابن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر . الثاني : رواية حماد عن عاصم بن المنذر القائل فيه أبو بكر البزار : ليس به بأس ، قال : ولا روى عنه غير الحمادين ، ولا نعلمه حدث بغير هذا الحديث ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما نذكره بعد من رواية ابن علية عنه أيضا ، وروى عنه هشام بن عروة ، ووثقه أبو زرعة ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وقال ابن منده : يعتبر بحديثه ، وقد اختلف في إسنادها ولفظها ، أما لفظها ، فرواية وكيع المذكورة في الباب تقدمت ، ورواها موسى بن إسماعيل عند أبي داود عنه : إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس . واختلف على يزيد بن هارون عن حماد ، فقال الحسن بن الصباح عنه : عن حماد عن عاصم ، قال : قال : دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بستانا فيه مقرى ماء فيه جلد بعير ميت ، فتوضأ منه ، فقلت : أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت ؟ فحدثني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء ، قال الدارقطني : ورواه أبو مسعود الرازي عن يزيد ، فلم يقل : أو ثلاثا ، قال : وكذلك رواه إبراهيم بن الحجاج ، وهدبة بن خالد ، وكامل بن طلحة عن حماد ، قالوا فيه : إذا بلغ قلتين أو ثلاثا ، قال : ورواه عفان ، ويعقوب الحضرمي ، وبشر بن السري ، والعلاء بن عبد الجبار المكي ، وموسى بن إسماعيل ، وعبيد الله العيشي عن حماد بهذا الإسناد ، ولم يقولوا : ثلاثا . وأما الاختلاف في مقدار القلال وعددها ، فسيأتي - إن شاء الله تعالى وأما الاختلاف في إسنادها فهو أن حماد بن زيد رواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله موقوفا ، غير مرفوع . قال الدارقطني : وكذلك رواه إسماعيل بن علية عن عاصم عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفا أيضا ، قال : ورواه إبراهيم - يعني ابن أبي يحيى - عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، فذكره مرفوعا بنحوه . ورواه عبد الله بن الحسين بن جابر عن محمد بن كثير المصيصي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ، فذكره مرفوعا بنحوه ، رواه عن محمد بن إسماعيل الفارسي عن ابن الحسين ، وقال : رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير المصيصي عن زائدة ، ورواه معاوية بن عمرو عن زائدة موقوفا ، وهو الصواب . وسئل ابن معين عن حديث حماد هذا ، فقال : جيد الإسناد ، فقيل له : فإن ابن علية لم يرفعه ، قال يحيى : وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث حديث جيد الإسناد . الثالث : رواية الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ، أنّ عبد الله بن عبد الله بن عمر حدّثهم أنّ أباه عبد الله بن عمر حدّثهم : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع ، فقال صلى الله عليه وسلم : إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء . رواه الحافظ البستي في صحيحه عن الحسن بن سفيان ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، ثنا الوليد به ، ورواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه أيضا عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي ، وموسى بن عبد الرحمن المسروقي ، وأبي الأزهر حوثرة بن محمد البصري ، قالوا : ثنا أبو أسامة ، ولفظه : لم يحمل الخبث . وقال : هذا حديث حوثرة ، وقال موسى بن عبد الرحمن : عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، وقال أيضا : لم ينجسه شيء . وأما المخزومي ، فإنه قال : ثنا مختصرا ، وقال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث . ولم يذكر مسألة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب ، وقال أبو الحسن الدارقطني : ورواه أيضا عن أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله جماعة ؛ منهم : إسحاق بن راهويه ، وأحمد بن جعفر الوكيعي ، وأبو عبيدة بن أبي السفر ، ومحمد بن عبادة ، وحاجب بن سليمان ، وهناد بن السري ، والحسين بن حريث ، وروى عن أبيه أسامة عن الوليد عن محمد بن عبّاد بن جعفر . قاله أبو مسعود الرازي الحافظ وعثمان بن أبي شيبة من رواية أبي داود وعبد الله بن الزبير الحميدي ومحمد بن حسان الأزرق ويعيش بن الجهم وغيرهم ، وتابعهم الشّافعي عن الثقة عنده عن الوليد عن محمد بن عباد ، وذكر ابن منده أنّ أبا ثور رواه عن الشّافعي عن عبد الله بن الحارث المخزومي عن الوليد بن كثير ، قال : رواه موسى بن أبي الجارود عن البويطي عن الشافعي عن أبي أسامة وغيره عن الوليد ، فدلت روايته على أن الشافعي سمع هذا الحديث من عبد الله بن الحارث - وهو من الحجازيين - ومن أبي أسامة - وهو من الكوفيين - جميعا عن الوليد بن كثير ، وذكر أبو داود أن حديث محمد بن جعفر هو الصواب . وفي كتاب العلل لعبد الرحمن بن أبي حاتم : محمد بن عباد ومحمد بن جعفر ثقتان ، والحديث لمحمد بن جعفر أشبه . وقال ابن منده : واختلف على أبي أسامة ، ومحمد بن جعفر هو الصواب ؛ لأن عيسى بن يونس رواه عن الوليد عن محمد بن عباد ، وقال مرة : عن محمد بن جعفر ، قال : ورواية عيسى أشبه ؛ لأن هذا الحديث رواه ابن المبارك وغيره عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه مثل رواية عيسى بن يونس عن الوليد ، قال : فهذا إسناد صحيح على شرط مسلم في عبيد الله بن عبد الله ، ومحمد بن جعفر ، ومحمد بن إسحاق ، والوليد بن كثير . قال : ورواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه ، ورواه ابن علية عن عاصم بن المنذر عن رجل عن ابن عمر ، فهذا ابن إسحاق وافق عيسى بن يونس عن الوليد بن كثير في ذكر محمد بن جعفر وعبيد الله ، وروايتهما توافق رواية حماد بن سلمة وغيره عن عاصم في ذكر عبيد الله بن عبد الله ، فثبت هذا الحديث باتفاق أهل المدينة والكوفة والبصرة على حديث عبيد الله بن عبد الله ، وباتفاق ابن إسحاق والوليد على روايتهما عن محمد بن جعفر ، وعبيد الله وعبد الله مقبولان بإجماع من الجماعة في كتبهم ، وكذلك محمد بن جعفر ومحمد ابن عباد بن جعفر ، والوليد بن كثير في كتاب مسلم ، وأبي داود والنسائي ، وعاصم بن المنذر استشهد به البخاري في مواضع ، وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني : لما اختلف على أبي أسامة أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب ، فنظرنا في ذلك ، فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد على الوجهين جميعا عن محمد بن جعفر ، وعن محمد بن عباد ، فصح القولان جميعا عن أبي أسامة ، وصح أن الوليد رواه عن محمد بن جعفر وعن محمد بن عباد جميعا ، فكان أبو أسامة يحدّث به الوليد عن محمد بن جعفر ، ومرّة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد ، وحكى البيهقي في المعرفة عن أستاذه أبي عبد الله ، أنه كان يقول : الحديث محفْوظ عنهما جميعا - أعني : عن عبيد الله وعبد الله ، كلاهما عن أبيه - قال : وإليه ذهب كثير من أهل الرواية ، وهو خلاف ما يقتضيه كلام أبي زرعة فيما حكاه عنه عبد الرحمن ، حين قال في العلل : سألت أبا زرعة عن حديث ابن إسحاق عن ابن جعفر ، قلت : إنه يقول : عبيد الله بن عبد الله ، ورواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله ، فقال : ابن إسحاق ليس يمكن أن نقضي له ، فقلت : ما حال محمد بن جعفر ؟ قال : صدوق ، وإلى هذا نحا البزار بذكره في ترجمته فقط ، وخالف ذلك إسحاق بن إبراهيم فيما حكاه أبو بكر في المعرفة عنه : غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله ، إنّما هو عبيد الله بن عبد الله ، ولما خرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر ، قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، فقد احتجا جميعا بجميع رواته ، ولم يخرجاه ، وأظنهما - والله أعلم - لم يخرجاه لخلاف فيه عن أبي أسامة ، فذكر حديثه عن الوليد عن محمد بن عباد ، قال : وهكذا رواه الشّافعي في المبسوط عن الثقة ، وهو أبو أسامة بلا شك فيه ، وهذا خلاف لا يوهن هذا الحديث ، وإنّما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر ، ثم حدّث به مرة عن هذا ومرّة عن هذا ، والدّليل عليه حديث شعيب بن أيوب : ثنا أبو أسامة ، ثنا الوليد عن محمد بن جعفر ومحمد بن عباد به ، فقد صح وثبت بهذه الرواية صحة الحديث ، وظهر أنّ أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعا ، فإنّ شعيب بن أيوب ثقة مأمون ، وكذلك الطريق إليه ، وقد تابع الوليد على روايته عن محمد بن جعفر محمد بن إسحاق ، قال : وهكذا رواه الثوري ، وزائدة بن قدامة ، وحماد بن سلمة ، وإبراهيم بن سعد ، وابن المبارك ، ويزيد بن زريع ، وسعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - وأبو معاوية ، وعبدة . ثم ما ذكر ما قاله البيهقي عنه ، وقال البيهقي : هذا إسناد صحيح موصول ، وصححه أيضا الحافظ الفارسي ، وخرجه ابن الجارود في منتقاه من حديث عباد ومحمد بن جعفر وعبد الله بن عبد الله وعبيد الله بن عبد الله ، وقال أبو سليمان الخطابي - رحمه الله تعالى - : وطعن بعض أهل العلم في إسناده من قبل أن بعض رواته قال : عن عبد الله بن عبد الله ، وقال بعضهم : عبيد الله ، وليس هذا مما يوهنه ؛ لأنّ الحديث قد روياه معا ، وكفى شاهدا على حجته أنّ نجوم أهل الحديث صححوه وقالوا به ، وهم القدوة ، وعليهم المعول في هذا الباب ، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي قال فيه : صحيح ، وقال الجوزقاني : حسن ، وأبى ذلك الإمام أبو عمر ؛ فذكر في كتاب التمهيد ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين ، فمذهب ضعيف من جهة النظر ، غير ثابت في الأثر ؛ لأنه قد تكلّم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ، وقال في الاستذكار : هو حديث معلول ، وقال الدبوسي : هو خبر ضعيف ومعل بمن لم يقبله ؛ لأنّ الصحابة والتابعين لم يعملوا به ، ولم يصنعا شيئا - رحمهما الله - لما أسلفناه من بيان صحته وزوال علته ، والله تعالى أعلم . ومن أغرب ما رأيت ، أن صاحب الهداية قال : هذا حديث ضعفه أبو داود ، انتهى . ولم أر ما قاله في كتابه قط ، وأمّا ما ورد من الاختلاف في عدد القلال ومقدارها فلا يؤثر في ضعفه إذا صحت طريقه ، وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه من حديث القاسم بن عبد الله العمري - المتهم بالوضع عند أحمد وغيره - عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا بلغ الماء أربعين قلة لا يحمل الخبث . قال : كذا رواه القاسم عن ابن المنكدر عن جابر ، ووهم في إسناده ، وقال الجوزقاني نحوه ، وقال ابن الجوزي : لا يرويه مرفوعا غيره ، قال الدارقطني : وخالفه روح بن القاسم والثوري ومعمر بن راشد ، فرووه عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفا ، ورواه أيوب السختياني عن ابن المنكدر ، من قوله : لم يجاوز به . ثنا أحمد بن محمد بن زياد ، نا إبراهيم الحربي ، ثنا هارون بن معروف ، ثنا بشر بن السري ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سليمان بن سنان ، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة ، عن أبيه ، قال : إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا . كذا قال ، وخالفه غير واحد ، فقالوا : عن أبي هريرة : أربعين غربا ، ومنهم من قال : أربعين دلوا . ثنا أبو بكر النيسابوري ، ثنا أبو حميد المصيصي ، ثنا حجاج ، قال ابن جريج : أخبرني محمد أنّ يحيى بن عقيل أخبره أنّ يحيى بن يعمر أخبره أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا ، فقلت ليحيى بن عقيل : قلال هجر ؟ قال : قلال هجر ، فأظنّ أن كل قلة تأخذ فرقين ، قال ابن جريج : وأخبرني لوط ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، أن ابن عباس قال : إذا كان الماء قلتين فصاعدا لم ينجسه شيء . وفي كتاب المعرفة لأبي بكر الحافظ : قال ابن جريج : قد رأيت قلال هجر ، القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا . قال الشّافعي : قرب الحجاز قديما وحديثا كبار لعزة الماء بها ، فإذا كان الماء خمس قرب كبار لم يحمل نجسا ، وذلك قلتان بقلال هجر ، وقال الإمام أحمد : وقلال هجر كانت مشهورة عند أهل الحجاز ، ولشهرتها شبه صلى الله عليه وسلم نبق السدرة بقلالها ، قال أبو بكر بن المنذر : قال أحمد مرة : القلة تسع قرب ، وقال مرة : القلتين خمس قرب ، ولم يقل بأي قرب ، وقال إسحاق : نحو ست قرب ، وقال أبو ثور : خمس قرب ، ليس بأكبر القرب ولا بأصغرها ، قال أبو بكر : وقد يقال للكوز قلة ، ذكر قبيصة أن الثوري صلى خلفه في رمضان ، ثم أخذ نعله وقلّة معه ، ثم خرج ، وقيل : إن القلة مأخوذة من استقل فلان يحمله إذا أطاقه وحمله ، قال : وإنما سميت الكيزان قلالا ؛ لأنها تقل بالأيدي وتحمل ويشرب فيها . قال هذا بعض أهل اللغة ، وفي كتاب الأسرار لأبي زيد : القلتان أعلى الشيء ، فمعنى القلتين هنا القامتان ، وقيل : أعلى الجبل ، وفي المحلى : وقال وكيع ويحيى بن آدم : القلة الجرة ، وهو قول الحسن البصري ، أي جرة كانت ، وهو قول مجاهد وأبي عبيد - رحمهم الله تعالى - والله أعلم .

174

باب مقدار الماء الذي لا ينجس من سبع كان أو حدث 35 - حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ، ثنا يزيد بن هارون ، نا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض ، وما ينوبه من الدواب والسباع ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء . ثنا عمرو بن رافع ، ثنا عبد الله بن المبارك ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه .

175

الاستبراء بعد البول 62 - حدثنا علي بن محمد ، نا وكيع . ( ح ) وثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو نعيم ، قالا : ثنا زمعة بن صالح ، عن عيسى بن يزداد اليماني ، عن أبيه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرّات ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو نعيم ، ثنا زمعة ، فذكر نحوه . هذا حديث اختلف في اتصاله وإرساله وضعفه ؛ فممن قال : إنه مرسل ، أبو حاتم الرازي ، قال : ليس ليزداد صحبة . وقال في موضع آخر : لا يصح حديثه وليس لأبيه صحبة ، ومنهم من يدخله في المسند ، وهو وأبوه مجهولان ، وفي الاستيعاب : يزداد والد عيسى ، يقال : له صحبة ، وأكثرهم لا يعرفونه ولم يرو عنه غير ابنه عيسى ، وهو حديث يدور على زمعة . وقال البخاري : ليس حديثه بالقائم . وقال يحيى بن معين : لا يعرف عيسى هذا ولا أبوه . وقال أبو عمر : وهو تحامل ، وفيما قاله نظر ؛ لأن أبا حاتم ذكر ذلك أيضا كما قدمناه ، فذهب ما توهمه ، وذكره أبو داود في المراسيل . وقال ابن عساكر : يزداد ، ويقال : أزداد ، مولى بحير بن ريسان اليماني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ويقال : هو مرسل ، وبنحوه قاله عبد الحق ، وزاد : لا يصح حديثه ، وقرر ذلك أبو الحسن بن القطان . وأما قول أبي عمر : لم يرو عنه غير ابنه عيسى ، فغير صحيح ؛ وذلك أن البخاري ذكر أن عكرمة روى عنه أيضا . وقال : ويزداد صاحب عدن . وأما الإِمام أحمد فإنه ذكر حديثه في مسنده اعتمادا على أنّ له صحبة ، وأن حاله جيدة عنده ، وكذلك العسكري قال : وهو من أهل اليمامة ، ذكر بعضهم في حديثه أنه قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم وذكر أيضا أن يحيى بن العلاء قال ذلك ، وكذلك ذكره البغوي في معجم الصحابة ، وابن حبان البستي قال : يقال : إن له صحبة ، إلا أني لست أحتج بحديثه بخبر زمعة بن صالح . كذا قال في زمعة ، وهو جندي يماني ، روى عنه جماعة . وقال فيه ابن معين : صويلح الحديث . وقال الفلاس : جائز الحديث مع الضعف الذي فيه . وقال السعدي : متماسك . وقال ابن عدي : رّبما يهم في بعض ما يرويه ، وأرجو أنَّ حديثه صالح لا بأس به ، وروى مسلم له مقرونا بمحمد بن أبي حفصة ، وتكلّم فيه غير واحد . وقال ابن عساكر : رواه جماعة عن زمعة ، يعني حديث يزداد ، منهم : عيسى بن يونس ، وابن عيينة ، والمعتمر بن سليمان ، وأبو أحمد الزبيري ، وإسماعيل بن عياش ، وأبو داود الطيالسي ، وعبد الرزاق ، وأبو عاصم ، وروح بن عبادة . وفي كتاب العسكري : وابن هراشة ، ووكيع ، وزكريا بن إسحاق ، ثنا يحيى بن علي ، ثنا نصر بن داود ، ثنا أبو نعيم ، ثنا زمعة ، عن عيسى بن يزداد ، عن أبيه قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بال نثر ذكره ثلاث مرات . قال العسكري : كذا جعله من فعله - عليه السلام وغيره يجعله من قوله . وفي حديث قرة بن خالد ويحيى بن العلاء عنه : إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات ، فإن ذلك يكفيه . انتهى . وهذا يدل على اضطراب وعدم ضبط . وأما قول ابن معين في عيسى : لا يعرف ، إن أراد عينه فمردود برواية زمعة وزكريا بن إسحاق المكي عنه ، وإن أراد حاله فكذلك ؛ لذكره في كتاب الثقات لابن حبان . والنتر بالتاء المثناة : جذب في جفوة . قاله في الصحاح .

176

33 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ح ، وثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن ، قالا : ثنا شعبة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا وضوء إلا من صوت أو ريح . هذا حديث خرجه أبو عيسى عن قتيبة وهناد ، ثنا وكيع ، ثم قال : هو حسن صحيح ، وخرجه مسلم عن زهير بن حرب ، ثنا جرير عن سهيل ، ولفظه : إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا ، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ، وفي لفظ لأبي عيسى : إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحا بين أليتيه فلا يخرج الحديث . قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سمعت أبي ، وذكر حديث شعبة - يعني : المخرج في منتقى ابن الجارود - عن سهيل - يعنى : هذا - فقال : هذا وهم ، اختصر شعبة متن هذا الحديث ، ورواه أصحاب سهيل : إذا كان أحدكم في الصلاة ، فوجد ريحا من نفسه ، فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث يحيى بن السكن عن شعبة ، ثنا إدريس الكوفي عن سهيل ، وقال : لم يدخل ممن روى هذا الحديث عن شعبة إدريس الكوفي إلا ابن السكن . وقال في موضع آخر : ورواه من جهة أبي بلال الأشعري ، ثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن سهيل : لم يروه عن أبي كدينة إلا أبو بلال ، ورواه أبو عبيد في الطهور من حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد عنه ، ولفْظه : في الرجل يجد في مقعدته الشيء ، قال : لا يتوضأ إلا أن يجد ريحا يعرفها ، أو صوتا يسمعه ، والله أعلم .

177

باب لا وضوء إلا من حدث 31 - حدثنا محمد بن الصباح ، أنبأ سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد ، وعباد بن تميم ، عن عمّه ، قال : شكي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرجل يجد الشيء في الصلاة ، فقال : لا ، حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا . هذا حديث خرجاه في الصحيح .

178

32 - حدثنا أبو كريب ، ثنا المحاربي ، عن معمر بن راشد ، عن الزهري ، أنبأ سعيد بن المسيّب ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التشبه في الصلاة ؟ فقال : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا . هذا حديث خرجه الحافظ البستي في صحيحه عن الحسن بن سفيان . حدثنا محمد بن المنهال الضرير ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عياض ، عن أبي سعيد ، قال صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا ، فليسجد سجدتين وهو جالس ، وإذا أتى أحدكم الشيطان ، فقال : إنّك قد أحدثت ، فليقل : كذبت ، إلا ما سمع صوته بأذنه ، أو وجد ريحه بأنفه . أنبأ إسحاق بن إبراهيم ، ثنا الحلواني ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأ معمر ، عن يحيى ، عن عياض ، عن أبي سعيد ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا جاء أحدكم الشيطان ، فقال : إنّك قد أحدثت ، فليقل في نفسه : كذبت الحديث . وخرجه الحافظ ابن خزيمة من حديث يحيى ، بلفظ : إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته ، وقال : قوله : فليقل : كذبت ، أراد فليقل : كذبت بضميره ، لا ينطق لسانه ؛ إذ المصلي غير جائز له أن يقول : كذبت نطقا باللسان ، انتهى ما قاله تفقها ، وقد أوردناه نصا ، والله تعالى أعلم . وقال أبو عبد الله الحاكم : وخرجه من حديث حرب بن شداد ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدثني عياض ، قال : سألت أبا سعيد الخدري ، فقلت : أحدنا يصلي فلا يدري كم صلى ؟ قال : قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا صلى أحدكم فلم يدر كم صلى ، فليسجد سجدتين وهو جالس ، وإذا جاء أحدكم الشيطان ، فقال : إنك أحدثت ، فليقل : كذبت ، إلا ما وجد ريحا بأنفه ، أو سمع صوتا بأذنه . هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، فإنّ عياضا هذا هو ابن عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وقد احتجا جميعا به ، ولم يخرجا هذا الحديث لخلاف من أبان بن يزيد العطار فيه على ابن أبي كثير ، فإنه لم يحفظه ، فقال : عن يحيى عن هلال بن عياض أو عياض بن هلال ، وهذا لا يعلله لإجماع أصحاب يحيى على إقامة هذا الإسناد عنه ، ومتابعة حرب بن شداد فيه ؛ كذلك رواه هشام الدستوائي وعلي بن المبارك ومعمر بن راشد وغيرهم ، فقالوا : عن يحيى عن عياض ، والله تعالى أعلم .

179

34 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد العزيز بن عبيد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، قال : رأيت السائب بن يزيد يشم ثوبه قلت : مم ذاك ؟ قال : إني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : لا وضوء إلا من ريح أو سماع . هذا حديث إسناده ضعيف ؛ لضعف رواته . الأول : إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي أبو عتبة العنسي ، وإن كان ابن معين قال : هو ثقة ، وكان أحبّ إلى أهل الشّام من بقية ، وفي رواية ابن أبي خيثمة عنه : هو ثقة ، والعراقيون يكرهون حديثه ، وبنحوه ذكره البرقي ، وقال البخاري : ما روى عن الشاميين أصحّ ، وقال الفلاس : إذا حدّث عن أهل بلاده فصحيح ، وإذا حدّث عن أهل المدينة مثل هشام بن عروة ويحيى بن سعيد وسهيل فليس بشيء ، وقال عبد الله بن أحمد : سئل أبي عن إسماعيل وبقية ، فقال : بقية أحبّ إلي ، نظرت في كتاب إسماعيل عن يحيى بن سعيد أحاديث صحاح ، وفي المصنف أحاديث مضطربة ، وكان حافظا ، وفي رواية المروذي عنه : هو أصلح من بقية ، وقال يعقوب بن سفيان : كنت أسمع أصحابنا يقولون : علم الشام عند إسماعيل ، والوليد بن مسلم ، قال يعقوب : وتكلّم فيه قوم ، وهو ثقة عدل ، أعلم الناس بحديث الشّام ، ولا يدفعه دافع ، وأكثر ما تكلّموا قالوا : يغرب عن ثقات المكيين والمدنيين ، وقال يزيد بن هارون : ما رأيت أحفظ منه ، ما أدري ما الثوري ؟ وقال الهيثم بن خارجة : لم يكن بالشّام أحد أحفظ من إسماعيل ، ولا الأوزاعي بعلم الشّاميين ، وسئل عنه أبو زرعة ، فقال : صدوق ، إلا أنّه غلط في حديث الحجازيين والعراقيين ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قال لي وكيع : يروون عندكم عن إسماعيل ؟ فقلت : أمّا الوليد ومروان فيرويان عنه ، وأمّا الهيثم بن خارجة ومحمد بن إياس فكأنهما ، قال : وأي شيء الهيثم وابن إياس ، إنّما أصحاب البلد الوليد ومروان ، وقال أبو أحمد الجرجاني : إذا روى عن يحيى بن سعيد ومحمد بن عمرو بن علقمة ، وهشام بن عروة ، وابن جريج ، وعمر بن محمد ، وعبيد الله الوصافي ، وإن حدّث عن غيرهم فلا يخلو من غلط يغلط فيه ، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة فهو مستقيم ، وفي الجملة : هو ممن يكتب حديثه ، ويحتج به في حديث الشّاميين خاصة . وقال فيه النسائي : هو ضعيف ، وفي حديث الشّاميين صالح ، فقد قال أحمد : روى عن كلّ ضرب . وقال ابن حبان : لماّ كبر تغيّر حفظه ، فكثر الخطأ في حديثه وهو لا يعلم ، فخرج عن حد الاحتجاج به ، وكان عبد الله بن المبارك ينكر عليه حديثه ، وفي موضع آخر : إذا اجتمع هو وبقية في حديث فبقية أحب إلي . وقال أبو حاتم الرازي : هو لين ، يكتب حديثه ، ولا أعلم أحدا كف عنه إلا أبا إسحاق الفزاري ، وقال أبو إسحاق : لا تكتب عنه ما روى عن المعروفين ولا غيرهم . وفي كتاب العقيلي : قال أبو صالح الفراء : قلت لأبي إسحاق : إني أريد حمص ، وثم رجل يقال له : إسماعيل فأسمع منه ؟ قال : ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه ، قال أبو صالح : وكان أبو إسحاق روى عنه ، ثم تركه . وقال الفلاس : كان عبد الرحمن لا يحدّث عنه ، فقال له الرجل مرة : ثنا أبو داود عن أبي عتبة ، فقال له عبد الرحمن : هذا ابن عياش ، فقال له الرجل : لو كان ابن عياش ما أكتبه ، وذكر عبد الله لأبيه حديثا من حديث إسماعيل ، فقال : هذا باطل ، قال العقيلي : يعني أنه وهم من إسماعيل . وفي كتاب الساجي : قال ابن معين : كان إسماعيل من أجل الشّاميين ، إلا أنّه كان يضع . قال الساجي : يعني أظنّه حيث انفرد . وقال الآجري : سمعت أبا داود يقول : ابن عياش بقية يتقدّمه ، وذكره في الضعفاء أبو العرب وأبو القاسم البلخي ، وضعف به الإشبيلي والبيهقي وابن القطان وابن طاهر غير ما حديث . الثاني : عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب ، وإن كان الإمام أحمد قال : كنت أظن أنه مجهول حتى سألت عنه بحمص ، فإذا هو عندهم معروف ، قال : قالوا : هو من ولد صهيب ، ولم يرو عنه غير إسماعيل . قال ابن أبي حاتم عن ابن معين : ضعيف ، وفي كتاب الآجري عن أبي داود عنه : ليس بشيء . زاد ابن أبي حاتم : لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش . قال : وسألت أبي عنه ، فقال : يروي عن أهل الكوفة وأهل المدينة ، ولم يرو عنه أحد غير إسماعيل ، وهو عندي عجيب ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، لا يكتب حديثه ، يروي أحاديث مناكير ، ويروي أحاديث حسانا . قال : وسألت أبا زرعة عنه ، فقال : مضطرب الحديث ، واهي الحديث . وقال السعدي : كان غير محمود في الحديث ، ورواه أبو عبيد من حديث ابن أبي مريم وأبي الأسود عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الله عن محمد بن عمرو . واختلف في راوي هذا الحديث ، فقال الحافظ عبد الغني بن سرور : هو السائب بن خباب لا السائب بن يزيد ، وزعم أنّ ذلك وهم فيه ابن عساكر ، وتبعه على ذلك الحافظ المزي ، بقوله : هو في الأصل غير منسوب ، يعني : أن صاحب الأطراف نسبه من عنده ، وليس كذلك ؛ بل الوهم منتف عن ابن عساكر لازم لهما ؛ لكونه في عدة من الأصول بخط الحافظ منسوبا كما قاله ابن عساكر ، والله أعلم . اللهم إلا لو قالا : إن ابن ماجه هو الواهم في نسبته لكان قولا صحيحا ، وعدم نسبته إلى ابن يزيد هو الصواب ؛ لكونه ليس موجودا من حديثه ، إنما هو من حديث ابن خباب . نص على ذلك الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله - في مسنده ، والحافظان الفسوي وابن البرقي في تاريخيهما ، وأبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير ، وأبو الحسين بن قانع - رحمه الله - وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده ، وأبو عبيد في أحد قوليه . والثاني : السائب بن خلاد . وفي الباب سوى ما تقدّم غير ما حديث ؛ من ذلك : علي بن طلق ، ذكره أبو داود . وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن مسلم مرسلا ، عن عيسى بن حطان ، عن علي بن طلق ، قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : إذا فسا أحدكم فليتوضأ . قال مهنأ : قال أبو عبد الله : عاصم الأحول يخطئ في هذا الحديث ، يقول : علي بن طلق ، وإنما هو طلق بن علي . وذكره في مسنده من حديث عبد الرزاق وابن جعفر عن شعبة وأبي معاوية عن عاصم بزيادة : ولا تأتوا النساء في أستاههن . وأبى ذلك الحافظ أبو عبد الله فيما حكاه عنه الترمذي في كتاب العلل بقوله : ثنا قتيبة وهناد ، قالا : ثنا وكيع عن عبد الملك بن مسلم ، عن أبيه ، عن علي بن طلق ، قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنا نكون بالبادية ، ويكون من أحدنا الرويحة ، فقال : إن الله لا يستحيي من الحق ، إذا فسا أحدكم فليتوضأ ، ولا تأتوا النساء في أدبارهم ، سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي غير هذا الحديث ، وهو عندي غير طلق بن علي ، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن علي . ثنا هناد وأحمد بن منيع ، ثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن عيسى بن حطان ، عن مسلم مرسلا ، عن علي بن طلق به . قال : وسألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : علي بن طلق هذا أراه غير طلق بن علي ، ولا أعرف لعلي بن طلق إلا هذا الحديث ، وعيسى بن حطان الذي روى عنه هذا الحديث رجل مجهول . فقلت له : أتعرف هذا الحديث الذي روى علي بن طلق من حديث طلق بن علي ؟ فقال : لا . وقال في الجامع ، وذكره من مسند علي بن طلق : هو حديث حسن ، وسمعت محمدا يقول : لا أعرف لعلي بن طلق هذا غير هذا الحديث ، ولا أعرف هذا إلا من حديث طلق بن علي ، فكأنه رأى أنّ هذا رجل آخر من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي كتاب الطهور لأبي عبيد ، قال : علي هذا لا أراه علي بن أبي طالب ، إنما هو عندنا علي بن طلق ؛ لأنه حديثه المعروف عنه ، وكان رجلا من بني حنيفة من اليمامة ، وأحسبه والد طلق بن علي الذي سأل عن مسّ الذكر ، انتهى كلامه . وفيه ردّ لما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - وتبعه على ذلك الحافظ البستي بذكره له في صحيحه مسند علي بن طلق ، بلفظ : إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف ، ثم ليتوضأ وليعد صلاته ، ولا تأتوا النساء في أدبارهن . قال أبو حاتم : لم يقل : وليعد صلاته إلا جرير بن عبد الحميد ، ولفظ أبي معاوية عن عاصم ، أنه يخرج من أحدنا الرويحة وفي الماء قلة ، وخالف البخاري في عيسى ؛ فزعم أنه ثقة ، وقال غيره : روى عنه أيضا محمد بن جحادة ، وزيد بن عياض ، وعلي بن زيد ، وعبد الملك بن مسلم الحنفي ، فقد انتفت عنه الجهالتان العينية والحالية ، والله أعلم . ولما ذكر أبو جعفر بن منيع هذا في مسند علي بن طلق فصل بينهما ، فجعلهما حديثين ، وممن ذكره أيضا في مسند علي بن طلق اليمامي ؛ أبو عبد الرحمن النسائي ، وأبو مسلم الكجي في سننه ، وأبو الحسين بن قانع - رحمهم الله تعالى - وحديث عمر بن الخطاب ، ذكر مهنأ أنه سأل أبا عبد الله عن قوم كانوا جلوسا فوجدوا ريحا ، فقال : كان عمر جالسا في أصحابه ومعه الناس فتنفس بعض القوم - يعني : أحدث - فأمرهم عمر أن يعيدوا الوضوء ، فقلت له : إنهم يروونه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا ، قال : ليقم صاحب هذه الريح ، فتلكأ القوم ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قوموا كلكم فتوضئوا . فقال أحمد : ليس هذا صحيحا ، إنما يرويه الأوزاعي عن واصل بن أبي جميل عن مجاهد ، وواصل هذا ليس معروفا ، إنما روى عنه الأوزاعي . وحديث علي بن أبي طالب : جاء أعرابي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، إنا نكون بالبادية فتخرج من أحدنا الرويحة ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يستحيي من الحق ، إذا فعل أحدكم فليتوضأ ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن . رواه أحمد في مسنده عن وكيع ؛ حدثنا عبد الملك بن مسلم الحنفي عن أبيه عنه . وحديث عائشة قالت : جاءت سلمى امرأة أبي رافع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تستعديه على أبي رافع ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا أبا رافع مالك ولها ؟ قال : يا رسول الله ، إنها تؤذيني ، فقال - عليه السلام - : بما آذيته ؟ قالت : يا رسول الله ، إنما قلت : إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضئوا للصلاة ، فقام يضربني ، فجعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : إنها لم تأمرك إلا بخير . رواه الترمذي في العلل عن عبد الله بن أبي زياد ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عنها ، وقال : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : هذا حديث محمد بن إسحاق عن هشام ، وسألت أبا زرعة ، فقال مثله ، وذكره الإمام أحمد في مسنده ، فجعله من مسند سلمى ، والله أعلم . وحديث صفوان بن عسال ، قال : رخص لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسح على الخفين : للمسافر ثلاثا ، إلا من جنابة ، ولكن من غائط أو بول أو ريح . رواه البيهقي في السنن الكبير ، وقال الدارقطني في السنن : لم يقل في هذا الحديث : أو ريح غير وكيع عن مسعر . وقال الحاكم في تاريخ نيسابور : سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ، وسأله محمد بن عبيد : لِم ترك الشيخان حديث صفوان بن عسال ؟ فقال : لفساد الطريق إليه ، والله أعلم . وحديث عبيدة بن حسان وحمزة بن يسار مرفوعا عند أبي عبيد : يعاد الوضوء . وزعم بعضهم أنّ هذه الأحاديث معارضة لما رواه أنس : قال صلى الله عليه وسلم : لا ينقض الوضوء أن يصيبك قذر ، ولكن ينقضه الفواحش . ذكره أبو زكريا في طبقات الموصل من حديث إبراهيم بن سعد ، ثنا غسان ، ثنا أبو عمران ، أنّه سمع أن أنسا يذكره وليس كذلك ؛ لأنّ القذر لم يقل أحد : إنه ينقض الوضوء ، وكذا لم يقل بأنّ الفواحش تنقضه .

180

من بال ولم يمسّ ماء 63 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو أسامة ، عن عبد الله بن يحيى التوأم ، عن ابن أبي مليكة ، عن أمه ، عن عائشة قالت : انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول فاتبعه عمر بماء ، فقال : ما هذا يا عمر ؟ قال : ماء ، قال : ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ، ولو فعلت لكانت سنة . بوّب أبو داود على هذا الحديث باب في الاستبراء ، ورده الشيخ زكي الدين بقوله : التي روته عن عائشة مجهولة ، وليس ذلك بشيء لأمرين : الأول : ليس كما زعم في أم ابن أبي مليكة بأنهّا مجهولة ، بل معروفة الاسم والحال والنسب ، ذكر الزبير وابن حبان في كتاب الثقات أن اسمها ميمونة بنت الوليد بن أبي حسين بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، روى عنها ابنها ، عن عائشة - يعني هذا الحديث - ثناه محمد بن إسحاق بن خزيمة ، ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا التوأم به . وفي كتاب الوحدان للقشيري ، وابن أبي مليكة يعني تفرد عن أمه وعن التوأم ، وخالفه أيوب السختياني . والثاني : إغفاله النظر في حال التوأم ، وهو مختلف فيه ، فابن معين يضعفه ، وكذلك النسائي ، وابن حبان يوثقه . ولذلك قال فيه بعض الحفاظ : هذا حديث غريب ، وفي الباب حديث ابن مسعود : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ولم يمس ماء رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي إسحاق ، عن هبيرة بن يريم عنه . وقال : لم يروه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان . تفرد به الصباح بن محارب . وأما حديث الباب فيدل على أن إتيان عمر بالماء كان لقصد أن يستعمله - عليه السلام - مع الحجارة علما من عمر بمطلوبيّة ذلك ، وإنما يتم كون هذا المعنى مرادا في الخبر لحمل الوضوء منه على الغسل لغة ، وعلى هذا يكون الخبر دليلا على استحباب الجمع بين الماء والحجر . وجه الدلالة : قوله - عليه السلام - : ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ، فيقتضي فعل الوضوء المذكور في بعض الحالات بطريق المفهوم ، وذلك مفيد للندب ، وقد يدلّ على الجمع حديث أورده البزار في مسنده من رواية محمد بن عبد العزيز الزهري ، وهو ضعيف لا يحتج به ، عن الزهري ، عن عبيد اللّه بن عبد الله عن ابن عباس : نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا فسألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إنّا نتبع الحجارة الماء . وقد وردت أحاديث مخالفة الظاهر لحديث الباب تأتي بعد ، وفيه دليل على أن مداومته - عليه السلام - على الفعل يقتضي وجوب ذلك الفعل علينا ، ما لم يقم دليل على عدم الوجوب ، واللّه أعلم .

181

باب الوضوء على الطهارة 30 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، ثنا عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي غطيف الهذلي ، سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب في مجلسه في المسجد ، فلما حضرت الصلاة قام فتوضأ فصلى ، ثم عاد إلى مجلسه ، فلما حضرت العصر قام فتوضأ فصلى ، ثم عاد إلى مجلسه ، فلما حضرت المغرب قام فتوضأ ، ثم صلى المغرب ، ثم عاد إلى مجلسه ، فقلت : أصلحك الله ، أفريضة أم سنة الوضوء عند كل صلاة ؟ قال : أوفطنت إلي وإلى هذا مني ؟ فقلت : نعم ، فقال : لا ، لو توضأت لصلاة الصبح لصليت به الصلوات كلها ما لم أحدث ، ولكني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : من توضأ على طهر فله عشر حسنات ، وإنما رغبت في الحسنات . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : شاذ ضعيف ، وقال في كتاب العلل : ورأيت محمدا أثنى على الإفريقي خيرا ويقوي أمره ، وفي موضع آخر : هو مقارب الحديث ، وذكر بعض الحفاظ المتأخرين أن البخاري قال : هذا حديث منكر ، فالله أعلم . وقال ابن المديني فيما ذكره العقيلي : قال يحيى القطان : ذكر لهشام بن عروة هذا الحديث ، فقال : هذا إسناد مشرقي ، وفي موضع آخر : هذا إسناد ضعيف ، وفي موضع آخر : دعنا منه ، حديثه حديث مشرقي ، قاله لما سأله يحيى عن الإفريقي فيما ذكره أبو أحمد ، وبنحوه قاله في شرح السنة ، وفي العلل المتناهية ، وسبب ذلك ما تكلم به في حق الإفريقي : عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بن ذري بن معد يكرب بن أسلم بن منبه بن التمادة بن حيويل بن عمرو بن أشواط بن سعد بن ذي شعبين بن يعفر بن ضبع بن شعبان بن عمرو بن معاوية بن قيس الشعباني المعافري أبي أيوب ، ويقال : أبو خالد قاضي إفريقية ، وأول مولود في الإسلام بها ، قال عمرو بن علي : كان يحيى بن سعيد وابن مهدي لا يحدثان عنه إلا أنّي سمعت عبد الرحمن مرة يقول : ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزري ، والإفريقي جمعهما في حديث ، قال : وهو مليح الحديث ، ليس مثل غيره في الضعف ، وقال ابن عدي : ضعفه يحيى بن سعيد ، وقال : قد كتبت عنه بالكوفة كتابا ، وقال ابن مهدي : أمّا الإفريقي فما ينبغي أن يروى عنه حديث . وقال الخليلي في الإرشاد : منهم من يضعفه ، ومنهم من يلينه ، ويتفرد بأحاديث الزهاد ، وقال أبو زرعة : ليس بالقوي ، وقال ابن المديني : كان أصحابنا يضعفونه ، وأنكروا عليه أحاديث تفرّد بها لا تعرف ، وقال يحيى بن معين : ضعيف ، يكتب حديثه ، وإنما أنكر عليه الغرائب التي كان يجيء بها ، وقال الساجي : فيه ضعف ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : يكتب حديثه ولا يحتج به ، قال : وسألت أبي وأبا زرعة عن ابن لهيعة والإفريقي ، أيهما أحب إليكما ؟ قالا : جميعا ضعيفين ، وأشبههما الإفريقي ، وبين الإفريقي وبين ابن لهيعة كثير ؛ أمّا الإفريقي فإن أحاديثه التي تنكر عن شيوخ لا نعرفهم وعن أهل بلده ، فيحتمل أن يكون منهم ، ويحتمل أن لا يكون ، وقال الترمذي : هو ضعيف ، ضعّفه القطان وغيره ، وقال الإمام أحمد : لا أكتب حديثه ، وفي رواية أبي طالب عنه : ليس بشيء ، وفي رواية المروذي : منكر الحديث . قال المفضل بن غسان الغلابي : ابن أنعم يضعفونه ، ويكتب حديثه ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال ابن عدي : وعامة حديثه لا يتابع عليه ، وأروى النّاس عنه المقرئ ، وقال الحربي في علله : غيره أوثق منه ، وقال النسائي : هو واهٍ عندهم ، وقال أبو الحسن بن القطان : كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس ، ومن الناس من يوثقه ، ويربأ به عن حضيض ردّ الرواية ، والحق فيه أنّه ضعيف بكثرة رواياته المنكرات ، وهو أمر يعتري الصالحين . وقال أبو العرب : أنكروا عليه ستة أحاديث ، ذكرها بهلول بن راشد . قال : سمعت الثوري يقول : جاءنا ابن أنعم بستة أحاديث مرفوعة ، لم أسمع أحدا من العلماء يرفعها : حديث أمهات الأولاد ، وحديث الصدائي ، وحديث : إذا رفع الرجل رأسه من آخر السجدة فقد تمت صلاته وإن أحدث ، وحديث : لا خير فيمن لم يكن عالما أو متعلما ، وحديث : اغد عالما أو متعلّما ، ولا تكن الثالث فتهلك ، وحديث : العلم ثلاثة . قال أبو العرب : فلهذه الغرائب ضعف ابن معين حديثه ، وقال الدارقطني : ليس بالقوي ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات ، ويدلس عن محمد بن سعيد المصلوب ، وسئل عنه صالح بن محمد فيما ذكره عنه الخطيب في تاريخه ، فقال : منكر الحديث ، ولكنه كان رجلا صالحا ، قال عبد الرحمن بن يوسف : متروك ، وفي كتاب العقيلي عن ابن معين : سألت يحيى بن سعيد عنه ، فقال : لا أسقط حديثه ، وهو ضعيف . وقال أبو إسحاق الجوزجاني : غير محمود في الحديث ، وكان صادقا خشنا ، وأبى ذلك غيرهم فوثقوه ، وأحسنوا الثناء عليه ؛ فمنهم يحيى بن سعيد القطان الذي تقدم أنّه ضعّفه . ذكر الجرجاني في كتابه : ثنا أحمد بن عمر ، عن بسطام ، ثنا ابن قهزاذ ، سمعت إسحاق بن راهويه ، سمعت يحيى بن سعيد يقول : ابن أنعم ثقة ، فلعلّه ظهر له أحد الأمرين بعد الآخر ، وقال ابن معين فيما رواه عنه الدوري : ليس به بأس ، وفيه ضعف ، وهو أحب إلي من أبي بكر بن أبي مريم ، وقال أبو داود : قلت لأحمد بن صالح : يحتج بحديث الإفريقي ؟ قال : نعم ، قلت : هو صحيح الكتاب ؟ قال : نعم . وقال أحمد بن محمد بن الحجّاج بن رشدين : قلت لأحمد بن صالح : حيي يجري عندك مجرى ابن أنعم في الثقة ؟ قال : قال : نعم ، وابن أنعم عندي أكبر من حيي ، ورفع بابن أنعم في الثقة . قلت لأحمد : فمن يتكلم فيه عندك جاهل ؟ قال : من يتكلم في ابن أنعم ليس بمقبول ، ابن أنعم من الثقات . وقال يعقوب بن شيبة : ابن أنعم ضعيف ، وهو ثقة صدوق ، رجل صالح ، وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو عبد الرحمن المقري ، ثنا عبد الرحمن بن زياد : ليس به بأس ، وقد بيّن الحافظ أبو بكر بن أبي داود - رحمه الله - السبب الموجب للكلام فيه ، بقوله : إنما تكلم الناس في ابن أنعم وضعّفوه ؛ لأنه روى عن مسلم بن يسار ، فقيل له : أين رأيت مسلم بن يسار ؟ فقال : بإفريقية ، فكذّبه الناس ، وضعفوه ، وقالوا : ما دخل مسلم بن يسار إفريقية قط - يعنون البصري ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر ، يقال له : أبو عثمان الطنبذي ، وطنبذ بطن من اليمن ، وعنه روى ، وكان الإفريقي رجلا صالحا ، وبنحوه ذكره أبو العرب في كتاب الطبقات رادا قول فرات ، ويزيده وضوحا ما ذكره عبد الله بن أحمد في مسائله : سمعت أبي يقول : الإفريقي عن مسلم بن يسار ليس هو البصري ، هذا رجل أراه من ناحية إفريقية ، يحدّث عن ابن المسيب ، وسفيان بن وهب الخولاني ، والبصري يحدث عنه ابن سيرين وقتادة ، وابنه عبد الله بن مسلم ، هذا غير ذاك ، وبنحوه ذكره ابن معين فيما ذكره عنه محمد بن أحمد بن تميم القيرواني ، قال الخطيب في كتابه المتفق والمفترق ، في قول أحمد : يحدّث عن ابن المسيب ، نظر ، وما أرى الذي يروي عن ابن المسيب إلا مسلم بن أبي مريم ، انتهى كلامه . وفي قول ابن أبي داود : وطنبذ بطن من اليمن ، نظر ، إنما هي قرية من قرى مصر من عمل البهنسا ، قاله السمعاني والرشاطي وغيرهما ، ويزيده وضوحا ذكر ابن يونس وغيره إياه في أهل مصر ، وقال الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي في كتابه رياض النفوس : كان الإفريقي من جلة المحدّثين منسوبا إلى الزهد والورع ، صلبا في دينه ، متفننا في علوم شتّى ، مشهورا ، أدخله المؤلفون في كتبهم ، وكان سفيان الثوري يعظمه ويعرف حقّه ، وزار مكة ، ولما ولي القضاء سار بالعدل ، ولم يقبل من أحد صلة ولا هدية ، نزه عن ذلك نفسه ، فرفع الله قدره ، وأعلى مناره ، حتى عزل نفسه عن القضاء ، وذلك هو الصحيح ، وقيل : مات وهو على القضاء ، وقال العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد في كتابه التعريف بصحيح التاريخ : وفي سنة إحدى وستين ومائة توفي أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، وكان قد ولي قضاء إفريقية ، فكان عدلا في قضائه ، وسمع من جلة التابعين ، وقال الحافظ أبو العرب في كتابه طبقات القيروان : وحدثني عيسى بن مسكين عن محمد بن سحنون ، قال : قلت لسحنون : إن الفلاس قال : ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن ابن أنعم ، فقال سحنون : لم يصنعا شيئا ، عبد الرحمن ثقة ، قال سحنون : وكان من يعرف العلم يبقى في صدره ، ولا يسألونه - يعنى : أهل إفريقية - فيموت به مثل ابن أنعم بقي العلم في صدره لم ينتشر عنه ولا يعرف ، قال أبو العرب : إنما وجدنا عنه كتابين فقط ، سمع من أجلة التابعين ، عدلا في قضائه ، صلبا ، وفي كتاب الساجي : كان عبد الله بن وهب يطري الإفريقي ، وكان أحمد بن صالح يوثقه وينكر على من تكلّم فيه ، واختلف في وقت وفاته ؛ فالذي ذكره الحافظان أبو بكر البغدادي وابن قانع : ست وخمسين ، وقبلهما قاله ابن يونس ، وأبى ذلك ابن أبي خالد المذكور قبل وأبو العرب وأبو بكر القيروانيون ، فقالوا : سنة إحدى وستين ، وزاد أبو العرب : في رمضان وهم بأهل بلدهم أخبر - والله أعلم - فقد تبين بمجموع ما تقدّم رجحان قول من وثقه على قول من ضعّفه ، وأن العلّة التي ضعف بها حديثه زالت عنه ، وأما الأحاديث التي قيل : إنه تفرّد برفعها ، فلعلنا نجد فراغا نتبع فيه من تابعه على ذلك ، والله تعالى أعلم . وأما أبو غطيف : فاختلف فيه على ألوان ؛ فمنهم من كنّاه كما كنّاه ابن ماجه ، ومنهم من قال : عن غطيف ، وهو أبو داود ، ومنهم من قال : عن ابن غطيف ، ويقال : غضيف بضاد معجمة ، ذكره الثعلبي . ولم يختلفوا أنه من هذيل ، ولم أر له راويا غير الإفريقي إلا ما ذكره ابن يونس في تاريخه : أبو غطيف الهذلي يروي حاطب بن أبي بلتعة عن عمر في الفتن ، وعن عبيد بن رفيع عن عمر ، روى عنه بكر بن سوادة ، فلا أدري أهما اثنان أم واحد ؟ وسبب ذلك أنّ أبا حاتم وغيره لم يذكروا من يكنى بهذه الكنية غيره ، فإن كان واحدا - وهو اللائق بحالهما ؛ لكونهما مصريين - فالحديث جيّد الإسناد لصيرورته في عداد من روى عنه اثنان ، فيخرج بذلك من حد الجهالة العينية إلى الجهالة الحالية ، وهي لا تضر مع جودة الإسناد وحسنه ، لما تقدّم من شواهده ، وليس فيه من الكلام شيء يرد به حديثه ، وعدم معرفة أبي زرعة باسمه لا يضره ، فعلى هذا لا يتسارع إلى تضعيف هذا الحديث ولا تصحيحه إلا بعد المعرفة بحال أبي غطيف ، والله تعالى أعلم .

182

66 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمرو بن خالد ، ثنا لهيعة ، عن قرة ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : نهى أن يصلى على قارعة الطريق ، أو يضرب الخلاء عليها ، أو يبال عليها . ابن لهيعة تقدم ذكره ، وقرة هو ابن عبد الرحمن بن حَيُويل ، أبو حَيُويل اسمه يحيى ، قال ابن حبان : من ثقات أهل مصر ، وخرّج حديثه في صحيحه ، ومسلم قرنه بغيره ، وأبو عيسى يصحح حديثه ، وكذلك الحاكم . وقال الأوزاعي : ما أحد أعلم بالزهري منه . وقال ابن عدي : لم أر له حديثا منكرا جدا ، وأرجو أنه لا بأس به . وخالف ذلك أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وأبو داود ، وابن القطان . وعمرو بن خالد أبو خالد القرشي الأعشى الهاشمي ، مولاهم ، أصله كوفي ، قال فيه البخاري : منكر الحديث . وقال أحمد بن حنبل : متروك الحديث ليس بشيء . وقال أحمد بن محمد : قال أبو عبد الله : عمرو بن خالد الواسطي كذاب ، يروي عن زيد بن علي ، عن آبائه نسخة موضوعة ، يكذب ، وكذلك قاله وكيع وإسحاق بن راهويه وأبو زرعة . وقال ابن معين : كذاب . وقال أبو داود ويعقوب بن سفيان : لا شيء . وقد وردت أحاديث تدلّ على المنع من البول في مواضع مخصوصة ، منها : حديث أبي هريرة لا يبولن أحدكم في الماء الدائم في الصحيحين . وحديث ابن سرجس لا يبولن أحدكم في جحر من عند النسائي ، وإسناده صحيح ، وإن كان أبو عمرو ذكر أن أهل البصرة تفردوا به ، فلا بأس بذلك . وحديث ابن عمر قال - عليه السلام - : لا تبولوا في الماء الناقع . ذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن نافع ، عنه . وفي مراسيل أبي داود ، عن أبي مجلز : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر أن ينهى أن يبال في قبلة المسجد . وفيه عن مكحول : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يبال بأبواب المساجد . وعند العقيلي ، عن أبي هريرة : كان - عليه السلام - يكره البول في الهواء . وضعفه بأبي الفيض يوسف بن السفر . وحديث ابن مغفل : لا يبولن أحدكم في مستحمه ، وقد تقدم ، وحديث رجل من الصحابة : نهى - عليه السلام - أن يتمشط أحدنا كل يوم ، أو يبول في مغتسله عند أبي داود . الموارد : جمع مورد ، وهو مفعل من الورود ، أي : الحضور ، قاله الجوهري ، ورد فلان ، ويردوا حضروا ، وأورده غيره : أحضره ، والموارد يقول : على طريق الماء ، وعلى منهل الماء ، والأول المراد في الحديث ، على ما قاله جماعة من العلماء ، والظاهر أن المراد هو الثاني ؛ وذلك أن الحديث رواه ابن عباس كما مر ، وفيه : أو في نقع الماء . وفي حديث سراقة : والماء . وفيها البيان لمجمل المورد ؛ فوجب المصير إليه ؛ ولأن الحديث يفسر بعضه بعضا ، وإذا تقرر هذا فالذي يظهر تخصيصه بالماء الراكد لتقييد الإِطلاق بنقع الماء في حديث ابن عباس ، ولأن ما كثر وجرى لا تأثير للأخبثين فيه . وقارعة الطريق هي الجادة ، واشتُقت من القرع ، أي الضرب ، فهي مقروعة بالقدم وغيره ، وذلك من باب تسمية المفعول بالفاعل . وفيه منع التخلي بظل الأشجار المثمرة صونا لسواقط الثمر عن التنجيس ، والفقهاء يختلفون في المنع ؛ فمنهم من يطرده في جميع الزمان ، ومنهم من يخصه بزمن الثمار ؛ لحديث ابن عمر مرفوعا : نهى أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة أو ضفة نهر جارٍ . وفي معناه تحريم التخلي فيما ينفع من الأمكنة ، كالبيداء والمربد ، ويحتمل التعميم ، وفي معنى الظل الشمس في الشتاء ؛ فإنها تقصد لمنع البرد ، كما أن الظل يقصده المسافر للقيلولة . يدل عليه ما رواه أبو خيثمة ، عن أبي قطن ، قلت لشعبة : لِمَ لمْ ترو عن فلان ؟ قال : رأيته يخرى في الشمس . فيحتمل ما قلناه أو على كشف عورته وقت ذاك . والظل على ما حكاه ثعلب للشجرة وغيرها بالغداة ، والفيء بالعشي ، قال الشاعر : فلا الظل في وقت الضحى نستطيعه ولا الفيء من برد العشي نذوق قال : وأخبرت عن أبي عبيدة ، قال رؤبة بن العجاج : كلما كانت عليه الشمس فهو ظل . قال ابن سيده : وجمعه أظلال ، وظلال ، وظلول .

183

65 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن زهير قال : قال سالم : سمعت الحسن يقول : ثنا جابر بن عبد الله ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إياكم والتعريس على جواد الطريق ، والصلاة عليها ، فإنها مأوى الحيات والسباع ، وقضاء الحاجة عليها ، فإنها الملاعن . هذا حديث معلل بأمرين : الأول : ضعف عمرو بن أبي سلمة ؛ فإنه ممن قال فيه أبو حاتم : لا يحتج به . وقال يحيى : ضعيف . الثاني : انقطاع ما بين الحسن وجابر ، فممن ذكر ذلك ابن المديني ، وبهز ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، والبزار . وفي حديث الباب تصريح بسماعه منه لو كانت الطريق سالمة من عمرو ، على أنه قد توبع على ذلك فيما ذكره ابن أبي حاتم ، عن أبيه : هشام بن حسان يقول : عن الحسن ، ثنا جابر بن عبد اللّه . وأنا أنكر هذا . وروى شريك ، عن أشعث ، عن الحسن ، سألت جابرا ، قال أبو داود : لا يصح ، ولو رأينا الحديث الذي في مسند أحمد أنه سمع لأذعنا له سمعا وطاعة ، قال : حدّثنا يزيد يعني ابن هارون ، أنا حميد الطويل ، قال : حدثنا الحسن إحدى صلاتي العشاء ، فأطال ، فرأيت اضطراب لحيته ، فلما انصرف قلت : أكنت تقرأ ؟ فقال لي : عامته تسبيح ودعاء ، ثم قال : ثنا جابر بن عبد اللّه قال : كنا ندعو قياما وقعودا ، ونسبح ركوعا وسجودا . فهذا كما ترى سند كالشمس ، فيه تصريح بسماعه ، فلا مطعن في سماعه بعد هذا ، وإذا ثبت هذا فقد وقع لنا هذا الحديث مختصرا بإسناد صحيح على شرط مسلم ، ذكره المروروذي في مسنده ، فقال : حدّثنا إسحاق الأزرق ، عن هشام ، عن الحسن ، عن جابر قال : نُهي عن الصلاة على جواد الطريق والصحاري ، فإذا قال : نُهي أو أمر كان محمولًا على الاتصال كما تقدم من قبل . ورواه يزيد بن هارون ، عن هشام مرفوعا مطولًا ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إذا كنتم في الخصب فأعطوا الركاب حقها - أو كلمة نحوها - ولا تعدوا المنازل ، وإذا كنتم في الجدب فعليكم بالدلجة ؛ فإن الأرض تطوى بالليل ، وإذا تغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان ، ولا تصلوا على جواد الطريق ، ولا تبولوا عليها فإنها مأوى الحيّات والسباع ، ولا تقضوا عليها الحاجات ؛ فإنها ملاعن . رواه البزار عن محمد بن معمر ، عن يزيد ، وقال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد . وهم يتكلمون في سماع الحسن من جابر ، وفيما قاله نظر ؛ لأن حديث الباب بغير هذا الإِسناد ، واللّه أعلم . وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا : اتقوا اللعانين ، قالوا : وما اللعانان يا رسول الله ؟ قال : الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم رواه مسلم في صحيحه . ومن حديثه أيضا عند ابن عدي مرفوعا : نهي أن يتغوط الرجل في القرع ، قيل : وما القرع ؟ قال : أن يأتي أحدكم الأرض فيها النبات كأنما قمت قمامته ، فتلك مساكن إخوانكم من الجن . وفي بعض الروايات : فإنه مصلى الخافير يعني الجن . رواه أبو أحمد من طريق سلام بن سلم الطويل ، وهو متروك .

184

النهي عن الخلاء على قارعة الطريق 64 - حدثنا حرملة بن يحيى ، ثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني نافع بن يزيد ، عن حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميري حدثه قال : كان معاذ بن جبل يتحدّث بما يسمع أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويسكت عما يسمعوه ، فبلغ عبد الله بن عمرو وما يتحدّث به ، فقال : واللّه ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال هذا ، وأوشك معاذ أن يعنتكم في الخلاء ، فبلغ ذلك معاذا ، فلقيه معاذ ، فقال معاذ : يا عبد الله بن عمرو ، إنّ التكذيب بحديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - نفاق ، وإنما إثمه على من قاله ، قد سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول : اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد ، والظل ، وقارعة الطريق . هذا حديث خرجه أبو عبد اللّه في مستدركه من رواية سعيد بن الحكم ، عن نافع . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، إنّما انفرد مسلم بحديث العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : اتقوا اللاعنين . وفيما قاله نظر ، وذلك أنّ هذا حديث منقطع ، وفيه رجل مجهول ، بيانه : ما ذكره أبو داود ، عن إسحاق بن سويد وعمر بن الخطاب ، عن سعيد بن الحكم ، أنا نافع . فذكره مختصرا . كذا هو في رواية اللؤلؤي وابن داسةَ . وفي رواية ابن العبد ، وفي كتاب التفرد له زيادة عليها ، وهي : قال أبو داود : ليس هذا بمتصل ، يعني بذلك انقطاع ما بين أبي سعيد ومعاذ . وبنحوه قاله الإشبيلي أيضا وابن القطان ، وهو رجل مجهول لا يعرف اسمه ولا حاله ، ولا من روى عنه غير حيوة ، ولا روى هو عن غير معاذ ، ولا رواه عن حيوة غير نافع ، ومع ذلك فله شاهد جيّد من حديث سراقة بن مالك ، أورده حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله ، عن عباس العنبري ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن سماك بن الفضل ، عن أبي رشدين الجندي ، أنّ سراقة بن مالك قال : قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة اللّه ، ولا يستقبل القبلة ، واتقوا مجالس اللعن : الظل والماء وقارعة الطريق الحديث ، رواه أبو رشدين زياد ، وسماك وثقه النسائي والبستي ، وبقية من في هذا الإِسناد لا يسأل عنهم ، قال : ورواه حبان بن موسى ، عن ابن المبارك عنَ معمر موقوفا . وشاهد ذكره عبد الله بن وهب في مسنده ، عن عبد الله بن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة السبائي ، أخبرني من سمع ابن عباس سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول : اتقوا الملاعن الثلاث ، قيل : وما الملاعن الثلاث يا رسول الله ؟ قال : أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه ، أو في طريق ، أو نقع ماء . وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده من حديث ابن المبارك ، عن ابن لهيعة قال : حدّثني ابن هبيرة ، وهو وإن كان مرسلا لإبهام الراوي عن ابن عباس ؛ فإنّ الشواهد لا يعتبر لها شرط الصحيح من كل وجه ، وابن لهيعة مختلف في حاله كما أسلفناه ، وقد زال تدليسه بتصريحه بالسماع ، وأيضا فابن المبارك حمل عنه قبل احتراق كتبه ، وكان يتبع أصوله . وشاهد آخر ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ميمون بن مهران ، عن ابن عمر : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة ، ونهى أن يتخلى على ضفة نهر جارٍ . قال : لم يروه عن ميمون إلا .

185

29 - حدثنا إسماعيل بن توبة ، ثنا زياد بن عبد الله ، ثنا الفضل بن مبشر ، قال : رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع هذا ، فأنا أصنع كما صنع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وهذا حديث ذكره الثعلبي بزيادة : فإن بال أو أحدث توضأ ، ومسح بفضل طهوره الخفين ، فقلت : الحديث ، وإسناده صحيح على رأي أبي حاتم بن حبان لتوثيقه الفضل ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، وزياد خرج حديثه في الصحيح ، وإسماعيل قال أبو حاتم الرازي : صدوق . وفي الباب غير ما حديث ؛ منها : حديث عبد الله بن حنطلة بن أبي عامر الغسيل : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر ، فلما شق ذلك على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالسواك عند كل صلاة ، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث ، فكان ابن عمر يرى أن به قوة على ذلك ، ففعله حتى مات . رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه عن محمد بن منصور أبي جعفر ومحمد بن شوكة البغداديين ، قال : ثنا يعقوب - وهو ابن إبراهيم بن سعد - ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، ثنا محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ، ثم المازني - مازن بني النجار - عن عبيد الله بن عمر ، ح . وثنا محمد بن يحيى بن حبان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، ح . وثنا محمد بن يحيى ، ثنا أحمد بن خالد الوهبي ، ثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، قال : قلت له : أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر ؟ عن من هو ؟ فقال : حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة ، فذكره ، وفي آخره : هذا حديث يعقوب بن إبراهيم غير أن محمد بن منصور قال : فكان يفعله حتى مات ، ولما رواه أبو داود عن أحمد بن خالد ، ثنا ابن إسحاق به ، قال إبراهيم بن سعد : رواه عن ابن إسحاق ، فقال : عبيد الله بن عبد الله ، انتهى . ولما ذكره ابن أبي حازم في كتابه حسنه . وهو مع ذلك منقطع فيما بين محمد بن إسحاق ومحمد بن يحيى بن حبان . نص على ذلك الحافظ أبو القاسم بن عساكر - رحمه الله تعالى - بقوله إثر قول أبي داود المتقدم : كذا رواه علي بن مجاهد وسلمة بن الفضل ، وأدخلا بينه وبين محمد بن طلحة ، يعني ابن يزيد بن ركانة بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الموثق عند ابن معين وغيره - والله تعالى أعلم وحديث عبد الله بن عمر : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ لكل صلاة ، حتى كان يوم الفتح ، فإنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد . رواه عبد الغني في إيضاح الإِشكال من حديث وهب بن بقية عن الحكم بن ظهير عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عنه ، وحديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ، ومع كل وضوء بسواك . رواه الإِمام أحمد في مسنده . قال أبو جعفر الطحاوي : فذهب قوم أن الحاضرين يجب عليهم الوضوء لكل صلاة ، واحتجوا في ذلك بحديث بريدة : كان يتوضأ لكل صلاة ، وخالفهم في ذلك أكثر العلماء ، فقالوا : لا يجب الوضوء إلا من حدث ، وما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محمول على التماس الفضل لا على الوجوب ، ويحتمل أن يكون هذا لما خص به - عليه السلام - دون أمته ، فإن قيل : وهل وجدتم في ذلك دليلا ؟ قلنا : نعم ؛ حديث أنس - يعني : المتقدم - قال : فهذا أنس قد علم ما ذكرنا من فعله - عليه السلام ولم ير ذلك فرضا على غيره ، قال : وقد يجوز أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك وهو واجب ، ثم نسخ ؛ يدل عليه حديث عبد الله بن حنظلة ، وحديث بريدة : وصلى - عليه السلام - يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد . وقال ابن شاهين : ولم يبلغنا أن أحدا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة ، والله تعالى أعلم .

186

باب الوضوء لكل صلاة ، والصلوات كلها بوضوء واحد 27 - حدثنا سويد بن سعيد ، ثنا شريك ، عن عمرو بن عامر ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ لكل صلاة ، وكُنّا نحن نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه ، وقال فيه أبو عيسى : حديث حسن صحيح ، وزاد : ما لم يحدث . ورواه أيضا عن محمد بن حميد الرازي ، ثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن حميد ، عن أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتوضأ لكل صلاة ، طاهرا أو غير طاهر ، قال : قلت لأنس : فكيف كنتم تصنعون أنتم ؟ قال : كنا نتوضأ وضوءا واحدا ، وقال : حديث حميد عن أنس حديث حسن غريب من هذا الوجه ، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر ، وقال في العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : لا أدري ما سلمة هذا ، كان إسحاق يتكلم فيه ، ما أروي عنه ، ولم يعرف محمد هذا من حديث حميد ، وأمّا تحسين الحازمي حديث عمرو بن عامر وعزْوِهِ إياه إلى أصحاب السنن فذهول شديد عن ذكره من كتاب البخاري .

187

28 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن محارب بن دثار ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء واحد . هذا حديث قال فيه أبو عيسى إثر روايته له عن ابن بشار ، ثنا ابن مهدي عن سفيان عن علقمة عن سليمان : هذا حديث حسن صحيح ، وروى هذا الحديث علي بن قادم عن الثوري ، وزاد فيه : فتوضأ مرة مرة ، وروى الثوري هذا الحديث أيضا عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتوضأ لكل صلاة ، رواه وكيع عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن أبيه ، وروى عبد الرحمن بن مهدي وغيره عن سفيان عن محارب عن سليمان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا ، وهذا أصح من حديث وكيع ، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سئل أبو زرعة عن حديث رواه أبو نعيم عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنه صلى خمس صلوات بوضوء واحد ، ورواه وكيع - يعني : مسندا - فقال أبو زرعة : حديث أبي نعيم أصح ، انتهى . وفيه أن وكيعا تفرد برفعه إثر روايته عن سلمة بن شبيب ، ثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، ومن هذه الطريق رواه مسلم في صحيحه عن ابن نمير ، ثنا أبي ، ثنا سفيان ، ولفظه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ، ومسح على خفيه ، فقال له عمر : لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ، قال : عمدا صنعته يا عمر . قال البزار : ثنا علي بن الحسين الدرهمي ، ثنا المعتمر بن سليمان ، ثنا سفيان ، عن محارب بن دثار ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه ، وقال الحافظ أبو علي الجياني - رحمه الله - في كتابه تقييد المهمل : وروى هذا الحديث وكيع ومعتمر وغيرهما عن الثوري عن محارب عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كما رواه علقمة بن مرثد ، والله أعلم . وأما قول الحاكم في المستدرك : اتفقا على حديث علقمة عن سليمان بن بريدة عن أبيه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتوضأ لكل صلاة ، فقول لا أعلم له فيه سلفا ، ولا رأيت أحدا ، قال : إن سليمان اتفقا على حديثه ، وممن نص على أنه من أفراد مسلم هو في كتاب المدخل ، قال : ذكر من اتفقا عليه ممن اسمه سليمان ، فذكر جماعة ، ثم قال : وأخرج مسلم وحده سليمان بن بريدة ، ثم ذكر جماعة - والله أعلم - اللهم إلا لو قال : اتفقا على حديث علقمة عن ابن بريدة ، لكان صوابا للاختلاف الآتي بعد في ابن بريدة هذا من هو ؟ وأن بعضهم سماه عبد الله .

188

باب وضوء النوم 26 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، قال : سمعت سفيان يقول لزائدة بن قدامة : يا أبا الصلت ، هل سمعت في هذا شيئا ؟ قال : ثنا سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام من الليل ، فدخل الخلاء فقضى حاجته ، ثم غسل وجهه وكفيه ، ثم نام . ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا شعبة ، ثنا سلمة بن كهيل ، أنا بكير ، عن كريب ، قال : فلقيت كريبا ، فحدثني عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر نحوه ، هذا حديث خرجاه في صحيحيهما مطولا ومختصرا .

189

24 - حدثنا أبو كريب ، ثنا عبد الله بن المبارك ، وعبدة بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق ، ثنا سعيد بن عبيد بن السباق ، عن أبيه ، عن سهل بن حنيف ، قال : كنت ألقى من المذي شدة ، فأكثر منه الاغتسال ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : إنما يجزيك من ذلك الوضوء ، قلت : يا رسول الله ، كيف بما يصيب ثوبي ؟ قال : إنما يكفيك كف من ماء ، فتنضح به من ثوبك حيث ترى أنه أصابه . هذا حديث خرجه الحافظ البستي في صحيحه عن أبي يعلى : ثنا أبو خيثمة ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا ابن إسحاق . وخرجه ابن خزيمة عن يعقوب بن إبراهيم ، ثنا ابن علية ، وثنا محمد بن أبان ، ثنا ابن أبي عدي عن ابن إسحاق ، وخرجه ابن حزم مصححا له ، وقال أبو عيسى : هذا حديث صحيح ، ولا نعرفه مثل هذا إلا من حديث ابن إسحاق ، وفي مسائل حرب : أرأيت ما يصيب ثيابي منه ؟ قال : تعمد إلى كف من ماء ، وفي كتاب الأثرم : كنت ألقى من المذي عناء ، فقال : يجزيك أن تأخذ حفنة من ماء ، فترش عليه ، وقال : قلت لأبي عبد الله : ما تقول فيه : قال : لا أعلم شيئا يخالفه ، وأخبرنا محمد بن شداد أنه سمع أبا عبد الله يقول : لو كان غير ابن إسحاق ، وقال صالح : قال أبي : حديث ابن إسحاق ، لا أعرفه عن غيره ، ولا أحكم لابن إسحاق ، وفي كتاب الخلال : سئل أبو عبد الله عن المذي يصيب الثوب ، كيف العمل فيه ؟ قال : الغسل ليس في القلب منه شيء ، حديث محمد بن إسحاق ربما تهيبته ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث إدريس بن محمد بن أبي الرباب الرملي ، ثنا أسباط بن عبد الواحد ، عن العلاء بن هارون - يعني : الموثق عند أبي زرعة وابن حبان - ثنا سعيد به ، وقال : لم يروه عن العلاء إلا أسباط . تفرد به إدريس

190

باب الوضوء من المذي 22 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا هشيم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي : سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المذي ، فقال : فيه الوضوء ، وفي المني الغسل . هذا حديث أصله في الصحيحين من حديث ابن الحنفية عن أبيه ، وخرجه أبو عيسى عن محمد بن عمرو السواق البلخي ، ثنا هشيم ، وثنا محمود بن غيلان ، ثنا حسين الجعفي عن زائدة ، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد ، وقال : هذا حديث حسن صحيح . ورواه الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن عمرو : ثنا زائدة ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن حصين بن قبيصة ، عن علي : كنت رجلا مذاء ، فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم قال : لم يروه عن حصين إلا زائدة ، تفرد به إسماعيل ، ومن طريق زائدة رواه أبو عبد الرحمن ، قال أبو القاسم : ورواه غير إسماعيل عن أبي حصين عن حصين بن قبيصة ، وخرجه أبو داود والحافظان ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين عنه ، بلفظ : فذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أو ذكر له . وتفرد ابن حبان بحديث أبي عبد الرحمن عن علي : كنت رجلا مذاء ، فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك ، الحديث . ولما ذكر المنذري حديث أبي داود أتبعه قول الترمذي : حسن صحيح . وقد قدمنا ذلك في حديث الترمذي ، قال ذلك في حديث يزيد لا هذا ، ولم يخرجه في كتابه ، إنما هو من عند أبي عبد الرحمن وأبي داود فقط ، وأغفل ذكر ابن ماجه ، ولا ينبغي له ذلك ، ولما ذكر الإشبيلي حديث حصين سكت عنه إلا ما أبرز من ذكر حصين ، وتعقب ذلك ابن القطان عليه بقوله : حصين من أهل الكوفة ، روى عن علي وابن مسعود ، وروى عنه الركين والقاسم بن عبد الرحمن ، ولا تعرف حاله ، وأعرض فيه عن عبيدة بن حميد فلم يعله فيه به ، ولا بين كونه من روايته ، وأصاب في ذلك ، وإنما أخطأ حين ضعف من أجله حديث ابن مسعود : كانت صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشتاء ، الحديث . وعلى تضعيفه ذلك من أجل عبيدة كان يلزمه في هذا أن ينبه على كونه من روايته ، وإذ لم يفعل فقد أخطأ - والله أعلم - انتهى . حصين روى عنه أيضا حصين وأبو حصين المذكوران آنفا ، ووثقه ابن حبان بذكره له في كتاب الثقات ، وبما أسلفناه من توثيقه عند من صحح حديثه . وقال ابن سعد : هو من أسد بني خزيمة بن مدركة ، وروى أيضا عن سلمان ؛ فزال - بحمد الله - ما أعله به أبو الحسن . قال الدارقطني : ورواه عبيدة أيضا عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي ، ولم يتابع على هذا القول ، وهو من الحفاظ . وقال في الأفراد : غريب من حديث الحجاج بن الحجاج عن الأعمش . تفرد به إبراهيم بن طهمان عنه ، ومن قال في هذا الحديث : عن الحجاج عن سليمان بن المنذر ، فقد وهم وهما قبيحا ، وأمّا تصحيح الترمذي حديث يزيد ففيه نظر ؛ لما علم من اختلاف نظره فيه ؛ فتارة يصحح حديثه ، وتارة يحسنه ، وتارة يُضعفه ، وإذا صحح حديثا استدركه عليه ، اللهم إلا أن يكون تصحيحه حديثه بالنظر لما عضده من متابعات وشواهد وغير ذلك ، وقد تقدم ما للناس من الكلام في يزيد .

191

23 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا مالك بن أنس ، عن سالم أبي النضر ، عن سليمان بن يسار ، عن المقداد بن الأسود ، أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل ، قال : إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه ، يعني : يغسله ويتوضأ . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، فقال : ثنا يونس بن عبد الأعلى ، ثنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، ولفظه : يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله ، فخرج منه المذي ، ماذا عليه ؟ فإن عندي ابنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنا أستحيي أن أسأله ، قال المقداد : فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ، فقال : إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه ، وليتوضأ وضوءه للصلاة . وبنحوه ذكره ابن الجارود في منتقاه ، وابن حبان في صحيحه ، وقال إثره : مات بالجرف سنة ثلاث وثلاثين ، ومات سليمان بن يسار سنة تسع وتسعين ، وقد سمع سليمان من المقداد ، وهو ابن دون عشر سنين . وقال أبو عمر : ورواه ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه سمع عليا بالكوفة ، قال : وقد خولف في ذلك عمرو ، والحديث صحيح ثابت عند أهل العلم ، وله طرق شتى عن علي والمقداد وعمار ، وكلّها صحاح حسان ، أحسنها ما ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال : قيل لعطاء : أرأيت المذي ، أكنت ماسحه مسحا ؟ قال : لا ، المذي أشد من البول . أخبرني عايش بن أنس أخو بني سعد بن ليث ، قال : تذاكر علي وعمار والمقداد المذي ، فقال علي : إني رجل مذاء ، فسلا عن ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال عايش : فسأله أحد الرجلين - عمار أو المقداد - وقال عطاء : قد سماه عايش ونسيته ، وذكره ابن حزم مصححا له - أعني الحديث الأول وأبى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي بقوله : هكذا رواه أبو النضر عن سليمان ، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان عن ابن عباس موصولا ، أنبأ به أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، ثنا أحمد بن عيسى ، ثنا ابن وهب ، أخبرني مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، فذكره ، انتهى كلامه . وفيه نظر في موضعين : ، وقد انتقد الحافظ أبو الحسن البغدادي على مسلم إخراجه هذه الترجمة ، والله أعلم . الثاني : ما ذكر من انقطاع حديث سليمان ، وليس هو بأبي عذرة هذا القول ، لتقدم الإمام الشافعي بذلك بقوله : سليمان عن المقداد مرسل ، لا نعلم سمع منه شيئا ، وتبعه على ذلك الحافظ أبو الوليد الدمشقي وغيره ، فغير صحيح ؛ لما أسلفناه قبل ، والمثبت مقدم على النافي ؛ لا سيما مع بيان وجه ذلك وسببه ، وأما قول أبي عمر : رواية يحيى عن مالك في هذا الحديث : فلينضح فرجه وليتوضأ . وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب وسائرهم : فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة . وهذا هو الصحيح ، وقد رواه عبد الرزاق عن مالك ، كما رواه يحيى : ولينضح فرجه . ولو صحت رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة يفسرها رواية غيره ؛ لأن النّضح يكون في لسان العرب مرة الغسل ، ومرة الرش ، انتهى ما ذكره . وفيه نظر ؛ لما تقدم من حديث الباب عن عثمان بن عمر عن مالك ، بلفظ : ولينضح فرجه ، وكذلك رواه أبو داود في سننه من حديث القعنبي ، وذكر الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ : أن أبا مصعب وأحمد بن إسماعيل المدني وابن وهب ومعنا القزاز وعبد الله بن يوسف ويحيى بن بكير الشافعي وابن القاسم وعتبة بن عبد الله وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى والقاسم بن يزيد رووه عن مالك ، بلفظ : فلينضح ، إلا ابن وهب ؛ فإن في بعض ألفاظه : فليغسل ، فلو عكس أبو عمر قوله لكان مصيبا ، والله تعالى أعلم . وفي مسند أحمد من حديث هانئ بن هانئ عن علي : كنت رجلا مذاء ، فأمرت المقداد ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فضحك ، وقال : فيه وضوء . وفي رواية لأبي داود من طريق ابن العبد ، نا القعنبي ، ثنا أبي ، عن هشام بن عروة [ عن أبيه ، عن حديث حدثه عن علي ، قال : قلت للمقداد : قال أبو داود : ورواه المفضل ] بن فضالة ، والثوري ، وابن عيينة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن علي . ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، عن هشام ، عن أبيه : أن عليا ، قال أبو داود : ورواه الثوري وجماعة عن هشام ، عن أبيه ، عن المقداد ، عن علي ، وفيه : فليغسل ذكره وأنثييه . ورد أبو محمد المنذري هذا الحديث بقوله : قال أبو حاتم : عروة عن علي مرسل ، وفيه نظر في موضعين : الأول : أن هذا بعينه ذكره أبو داود نفسه في كتاب التفرّد ، بقوله : وحديث هشام عن أبيه عن علي ليس بمتصل ، إلا أن ابن إسحاق قال : عن عروة عن المقداد عن علي ، انتهى . فإن كان لم يسمعه من علي كان متصلا بوساطة المقداد ، كما ذكره أبو داود . الثاني : لا حاجة بنا إلى ذكر قول أبي حاتم : عن عروة عن علي مرسل ؛ لكونه صرح في نفس السند بالانقطاع بقوله : حدثه عن علي ، وخرجه الكجي عن حجاج . ثنا حماد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن المقداد : أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المذي ، فقال : كل فحل يمذي ، وليس فيه إلا الطهور . وقد اختلفت ألفاظ حديث علي - رضي الله عنه - فذكر ابن حبان بعد تصحيحه حديث المقداد وعمار أنّ عليا أمرهما ، وحديث أبي عبد الرحمن أنه هو السائل ، قد يتوهم بعض المستمعين لهذه الأخبار أن بينها تضادا أو تهاترا ، وليس كذلك ؛ لأنّه يحتمل أن يكون علي أمر عمارا أن يسأل فسأله ، ثم أمر المقداد أن يسأل فسأله ، ثم سأل هو بنفسه ، والدليل على صحة ما ذكرت أن متن كل خبر بخلاف متن الخبر الآخر ؛ ففي خبر أبي عبد الرحمن : إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك وتوضأ ؛ وإذا رأيت المني فاغتسل ، وفي خبر إياس بن خليفة عن عمار : يغسل مذاكيره ويتوضأ ، وليس فيه ذكر المني ، وخبر المقداد مستأنف ، فينبئك أنه ليس بالسؤالين اللذين ذكرناهما ؛ لأن فيه : سأل عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ، ماذا عليه ؟ فإنّ عندي ابنته ، فذلك ما وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة - والله أعلم - انتهى الذي قاله بطريق الاحتمال . وتقدم من عند أبي عمر مبينا ، وقد ورد في بعض الألفاظ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو السائل له . جاء ذلك مبينا في حديث حسن الإسناد رواية عن المسند المعمر أبي زكريا يحيى بن يوسف المقدسي ، قال : حدثني ابن رواح ، أخبرنا الحافظ أبو طاهر البغوي - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، في رمضان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ، أنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار ، قراءة عليه وأنا أسمع ، ثنا أبو الحسن الفالي ، أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن خربان ، أنا القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ، ثنا الحسن بن علي قاضي الأهواز ، نا محمد بن علي الوراق ، ثنا أبو نعيم ، ثنا رزام الضبي ، قال : سألت جوابا التيمي عن المذي ، فقال : سألت عنه أبا إبراهيم يزيد بن شريك ، فألجأ الحديث إلى علي ، وألجأ علي الحديث إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : رآني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد شحبت ، فقال لي : يا علي ، لقد شحبت ، قلت : شحبت من اغتسال الماء ، وأنا رجل مذاء ، فإذا رأيت منه شيئا اغتسلت ، قال : لا تغتسل منه يا علي ، الحديث . فعلى هذا يحمل ما في مسند أحمد عن عبد الله ، قال : حدثني أبو محمد شيبان ، ثنا عبد العزيز بن مسلم ، نا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي ، قال : كنت رجلا مذاء ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ، فقال : في المذي الوضوء ، وفي المني الغسل . ويحتمل أن يكون لما بعث علي من بعث ليسأل رآه - عليه السلام - شاحبا ، ونزل علي - رضي الله عنه - جوابه عن ذلك بمنزلة السؤال ابتداء على طريق التجوز ، والله تعالى أعلم . وأما رواية سعيد بن بشير عن محمد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن يحيى بن الجزار عن علي : أمر المقداد ؛ فخطأ . قال ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه . وفي السنن الكبير ، من جهة ابن جريج عن عطاء : أنّ عليّا كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي .

192

25 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن بشر ، ثنا مسعر ، عن مصعب بن شيبة ، عن أبي حبيب بن يعلى بن منية ، عن ابن عباس : أنّه أتى أبي بن كعب ، ومعه عمر ، فخرج عليهما ، فقال : إني وجدت مذيا فغسلت ذكري وتوضأت ، فقال عمر : أويجزئ ذلك ؟ قال : نعم ، قال : أسمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : نعم . هذا حديث قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن مسعر عن مصعب إلا محمد بن بشر - يعني : العبدي المخرج حديثه في الصحيحين - وأبو حبيب ذكره أبو حاتم في كتاب الثقات ، فصح على هذا إسناده ؛ ولهذا ساغ للشيخ ضياء الدين تخريجه في المختارة ، والله أعلم . وفي الباب غير ما حديث ؛ فمن ذلك : حديث عبد الله بن سعد الأنصاري ، قال : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما يوجب الغسل ، وعن الماء يكون بعد الماء ، فقال : ذاك المذي ، وكل فحل يمذي ، فاغسل من ذلك فرجك وأنثييك ، وتوضأ وضوءك للصلاة . رواه أبو داود ، عن إبراهيم بن موسى ، عن ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن العلاء بن الحارث ، عن حرام بن حكيم ، عن عمه عبد اللّه بن سعد به ، ولما ذكره في التفرد مطولا قال : الذي تفرد به منه قوله : وأنثييك . وروى ابن ماجه عن العلاء بن الحارث عن حرام بهذا السند قصة مؤاكلة الحائض في موضعين ، ليس فيها ذكر المذي ، وكذلك الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، وفي بعض النسخ : حسن غريب ، وخرجه ابن الجارود في منتقاه ، واعترض الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود ، بقوله : لا يصح غسل الأنثيين ، ولا نحتج بهذا الإسناد ، يعني : متابعة لابن حزم ؛ حيث قال فيه : غريب ، وحرام ضعيف . قاله من عند نفسه ولم يعزه ، وقال ابن القطان : هو كما قال ، ولكن بقي عليه أن يُبيّن منه موضع العلة ، وهو الجهل بحال حرام بن حكيم الدمشقي ، وإذا جعلناه علة للخبر فقد تناقض فيه ؛ وذلك أن أبا محمد لا يزال يقبل أحاديث المساتير الذين يروي عن أحدهم أكثر من واحد ، وحرام هذا يروي عنه مع العلاء : عبد الله بن العلاء ، وزيد بن واقد . قاله أبو حاتم ، وترجمه باسم ابنه أبو محمد بعد ترجمة أخرى ، ذكر فيها حرام بن معاوية ، وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا ، وروي عن عمر ، فروى معمر عن زيد بن رفيع عنه ، وروى عبيد الله بن عمرو عن زيد بن رفيع ، فقال : عن حرام بن حكيم بن حرام ، قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول ذلك ، فجعلهما كما ترى رجلين ، وتبع في ذلك البخاري ، وزعم الخطيب أنّ البخاري وهم في ذلك ، وبين أنه رجل واحد يختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه ، وممن عمل فيه عمل البخاري وابن أبي حاتم الدارقطني - رحمهم الله تعالى - انتهى كلامه . وفيه نظر في موضعين : الثاني : متابعة عبد الحق في قوله : لا يصح غسل الأنثيين ، وذلك أنا قدّمنا قبل من عند أبي داود فأدخلها في لفظه على غيره ، وإن كان المنذري والخزرجي في تقريبه قد ذكرا انقطاعه فقد قدّمنا إبطاله ، وأيضا ففي حديث سليمان بن حيان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي ، وفيه : فقال - عليه السلام - : يغسل أنثييه وذكره ، ويتوضأ وضوءه للصلاة . ذكره الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق - رحمه الله - والحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحيهما ، وفيه رد لما قاله الإِمام أحمد لما سأله أبو داود : ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه ، وأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا . وحديث حسان بن عبد الرحمن الضبعي ، قال - عليه السلام - : لو اغتسلتم من المذي كان أشد عليكم من الحيض . ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة بسند جيد . وحديث رافع بن خديج : أنّ عليا أمر عمارا أن يسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المذي ، وقال : يغسل مذاكيره ويتوضأ . ذكره ابن حبان في صحيحه ، وإن كان الإِمام أحمد قال - فيما ذكره البيهقي في المعرفة - حديث المقداد أصح ، فليس فيه تضعيفه - والله أعلم وحديث ابن عباس : أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني كلما توضأت سال ، فقال : إذا توضأت فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك . ذكره الدارقطني ، وقال : لا يصح ، ومن حديث أبي بن كعب مرفوعا - في غسل الفرج من المذي . ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن مسعر - يعني : عن مصعب بن شيبة ، عن أبي حبيب بن يعلى بن منية ، عن ابن عباس - إلا محمد بن بشر . الغريب : قال الأموي : مذيت وأمذيت ، وهو المذي والمني والودي مشدّدات ، قال أبو عبيد وغيره : يخفف المذي والودي ، قال : والصواب عندنا أن المني وحده بالتشديد ، والآخران بالتخفيف ، قال ابن دريد : هو ما يخرج عند الإنعاظ ، وربما شدد ، واختلفت النسخ من كتاب العين في الودي ، ففي بعضهما مشدد ، وفي بعضها مخفف ، وقال صاحب الصحاح : المذي بالتسكين ، فقال : كل ذكر يمذي ، وكل أنثى تقذي ، وبنحوه ذكره الفراء ، وقال : لم يسمع في المني - يعني اللغتين - قال أبو الحسن : الصواب عندي أن يكون المني وحده مشدّدا ، والأخريان مخففتين ، وفي الحديث : المذاء من النفاق ، هو أن يكون الرجل يجمع الرجال والنساء فيماذي بعضهم مذاء ومماذاة ، وأمذيت فرسي : وهو أن يخليه يرعى ، فيجوز أن يكون المذاء من هذا ، كأنه تخلية الرجل امرأته لما تريد في الحرام ، قال الهروي : هو أرق ما يكون من النطفة ، وفي الاستذكار عن مالك : وهو عندنا أشد من الودي ؛ لأنّ الفرج يغسل من المذي ، والودي عندنا بمنزلة البول ، قال : وليس على الرجل أن يغسل منه أنثييه إلا أن يظن أنه قد أصابهما منه شيء ، قال : والودي يكون من الحمام ، يأتي إثر البول أبيض خاثرا ، وقال : والمذي يكون معه شهوة ، وهو رقيق إلى الصفرة ، يكون عند الملاعبة وعند حدوث الشهوة ، انتهى . قد أسلفنا أن حديث غسل الأنثيين صحيح ، والنضح هنا المراد به الرش . جاء ذلك مبيّنا فيما أسلفناه من حديث سهل ، والله أعلم . قال ابن المنذر : وأوجب غسله من البدن جماعة من الصحابة ، وهو مذهب مالك والشافعي وكثير من أهل العلم غير أحمد بن حنبل ، فإنه قال : أرجو أن يجزئه النضح ، والغسل أحب إليّ . وقال أبو جعفر في بيان المشكل : إنما أمر بغسل المذاكير ليتقلص المذي بذلك ، فلا يخرج ؛ لأنّ الماء يقطعه كما أمر من ساق بدنة - ولها لبن - أن ينضح ضرعها بالماء حتى لا يسيل ؛ لا أن ذلك واجب كوجوب وضوء الصلاة ، والدليل عليه : ما توافر من قوله : فيه الوضوء ، فأخبر بالواجب فيه ، والله تعالى أعلم .

193

70 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن بشار ، قالا : ثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن أبي جعفر الخطمي ، واسمه عمير بن يزيد ، عن عمارة بن خزيمة ، والحارث بن فضيل ، عن عبد الرحمن بن أبي قراد ، قال : حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فذهب لحاجته ، فأبعد . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه عن بندار ، ثنا يحيى بن سعيد به . ولفظ النسائي : خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الخلاء ، وكان إذا أراد الحاجة أبعد . ولما رواه البزار عن عمرو بن علي ، ثنا يحيى به ، قال : لا نعلم روى عبد الرحمن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا هذا الحديث ، وقد زاد فيه غير يحيى كلاما ، وكذا قاله ابن بنت منيع في معجمه ، وخالف ذلك أبو عمر بن عبد البر ، فقال : له حديث آخر في الوضوء ، وله أحاديث ، يعد في أهل الحجاز . وأما ما ذكره ابن قانع من أنَّ عمارة روى هذا الحديث عن الحارث عن عبد الرحمن ، فيشبه أن يكون وهما ، ولعلّه من الناسخ ، ولفظه : فرأيته خرج من الخلاء ، فاتبعته بإداوة ، وجلست له على الطريق ، وكان إذا أتى الحاجة أبعد .

194

69- حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، نا يحيى بن سليم ، عن ابن خثيم ، عن يونس بن خباب ، عن يعلى بن مرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد . هذا حديث معلل بثلاثة أشياء : الأول : ضعف يعقوب بن حميد المدني ، قال فيه أبو حاتم : ضعيف . وسئل عنه أبو زرعة فحرك رأسه ، فقيل : صدوق ؟ فقال : لهذا شروط . وقال مرة أخرى : قلبي لا يسكن إليه . وقال العنبري : يوصل الحديث . وقال يحيى والنسائي : ليس بشيء . الثاني : يونس بن خباب أبو حمزة ، ويقال : أبو الجهم ، كوفي ، قال يحيى بن سعيد فيه : ما تعجبنا الرواية عنه ، كان كذابا . وقال أحمد : كان عبد الرحمن لا يحدّث عنه . وقال ابن معين : هو لا شيء ، رجل سوء . وقال مرة أخرى : ضعيف ، وكذلك قاله النسائي والفسوي في تاريخه . وقال أبو حاتم : مضطرب الحديث ليس بالقوي . وقال ابن حبان : لا تحل الرواية عنه . وقال الدارقطني : كان رجل سوء ، فيه شيعية مفرطة ، كان يسب عثمان . وقال عبّاد بن العوام : سمعته يحدث بحديث القبر ، وزاد فيه : وسئل عن علي ، قال : فقلت له : لم نسمع بهذا ، قال : أنت من هؤلاء الذين يحبون عثمان الذي قتل ابنتي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : قلت له : قتل واحدة ، فلم زوَّجه الأخرى ؟ وقال أبو داود : كان له رأي سوء في حديث القبر ، وعلى رأي شتام لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم قال أبو داود : وحدثني من سمعه قال : لا أحدث عنه حتى أتوسد يميني . قال أبو داود : وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة وليست الرافضة كذلك . وقال العجلي : كوفي شيعي خبيث . الثالث : انقطاع ما بينه وبين يعلى ، فإن جميع من نظر في كلامه لما ذكر ابن أبي خيثمة لم يذكر في أشياخه صحابيا كبيرا ولا صغيرا ، إنّما ذكر في أشياخه التابعين : كمجاهد ، وطاوس ، وغيرهما ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق ليس فيها إلا علّة واحدة ، وعلى قول بعضهم تكون صحيحة لا علة فيها . وهي مذكورة في كتاب البغوي عن داود بن رشيد ، ثنا إسماعيل بن عياش ، حدثني عبد اللّه بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن راشد ، عن يعلى بن مرّة قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج إلى الخلاء استبعد وتوارى ورواه ابن قانع ، عن إبراهيم البلدي ، ثنا آدم بن أبي إياس ، ثنا إسماعيل به . ورواه الخطابي في كتاب الغريب ، عن محمد بن العباس المكتب ، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ، ثنا هارون بن إسحاق الهمداني ، ثنا مطلب بن زياد ، عن عمر بن عبد اللّه ، عن حكيمة ، امرأة يعلى ، عن يعلى ، ولفظه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه انطلق للبراز ، فقال لرجل معه : سر إلى هاتين الأشاءتين ، فقل لهما حتى يجتمعا ، فاجتمعا ، فقضى حاجته ، وسعيد حديثه في الصحيح . وفي كتاب الاستيعاب : يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي ، ويقال : العامري ، واسم أمه سيابة ، فربما نسب إليها ، فقيل : يعلى بن سيابة ، ويكنى أبا المرازم ، كوفي . وقيل : إن له دارا بالبصرة ، شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الحديبية ، وخيبر ، والفتح ، وحنينا ، والطائف . كذا ذكر نسبه ، وغالبا إنما يذكر النسب من كتاب المذيل للطبري ، وعندي نسخته التي عليها مواضع بخطه ، وليست على ما ذكر ، إنما هو يعلى بن مرة بن عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف ، والنسب الذي ذكره أبو عمر ، وذكره ابن سعد ، وابن بنت منيع ، وأبو أحمد العسكري ، وابن قانع ، وفي جمع أبي عمر بين ابن سيابة وابن مرة نظر ، وإن كان ابن سعد قد ذكر ذلك ، وقال : هي أمه أو جدّته ، فقد أنكر ذلك ابن حبان في قوله : يعلى بن مرّة الثقفي العامري كنيته أبو المرازم ، ومن قال : إنه يعلى بن سيابة ، فقد وهم ، وكذا فرّق بينهما العسكري وابن أبي حاتم الرازي وخليفة ، وذكر نسب كلّ واحد منهما على خلاف ما ذكره الآخر . فأما ابن مرّة فذكره كما تقدّم ، وأما ابن سيابة ، فقال : سيابة بن عثمان بن جزي بن ربيعة بن سعد بن أبي عتبة بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس ، وهو ثقفي ، ثم أعاد ذكر ابن مرة في ساكن البصرة كما تقدّم وحده . والطبراني في الكبير فرق بينهما ، بين ابن مرة العامري ، وابن مرة الثقفي ، وابن أمية ، وابن سيابة . وعلى قول أبي القاسم الاعتماد ؛ لأن ثقيفا لا تجتمع مع عامر بحال إلا بحلف أو نزول أو غير ذلك . وأما الترمذي فإنه لم يذكر في تاريخه غير ابن مرة الثقفي ، وكذا يعقوب الفسوي .

195

71 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا إسماعيل بن عبد الملك ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان - عليه السلام - لا يأتي البراز حتى يتغيّب فلا يرى . هذا حديث إسناده ضعيف ، لضعف راويه : إسماعيل بن عبد الملك بن رفيع ابن أخي عبد العزيز أبو عبد الملك ، وهو ابن أبي الصفير المكي ، روى عنه الثوري ، وعيسى بن يونس ، وأبو نعيم ، وعبد الواحد بن زياد . قال القطان : تركته ثم كتبت عن سفيان عنه . وقال أبو حاتم : ليس بقوي في الحديث ، وليس حده الترك . قال ابنه : يكون مثل أشعث بن سوار في الضعف ؟ قال : نعم . وقال ابن معين والنسائي : ليس بالقوي . وقال البخاري : يكتب حديثه . وقال ابن حبان : يقلب ما روى . وقال ابن مهدي : اضرب على حديثه . وذكر ابن عدي حديثه هذا فيما أنكر عليه ، ثم قال : وهو ممن يكتب حديثه . وقال الآجري : سألت عنه أبا داود ، فقال : ضعيف ، وفي موضع آخر : ليس بذاك . وسيأتي ما للناس في حديث أبي الزبير ، عن جابر من الضعف وغير ذلك عن قريب ، إن شاء اللّه تعالى . وأمّا قول الحاكم إثر حديث المغيرة المتقدّم : شاهده حديث إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير ، فالشواهد لا يلتزم فيها الصحة من كلّ وجه .

196

التباعد للبراز في الفضاء 67 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا إسماعيل بن علية ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن المغيرة بن شعبة قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب المذهب أبعد . خرجه الترمذي ، وقال فيه : حسن صحيح ، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه ، عن علي بن حجر ، نا إسماعيل بن جعفر ، ثنا محمد بن عمرو . فذكره . وفي الصحيحين عنه : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال : يا مغيرة خذ الإداوة ، فأخذتها ، فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته . وذكر الدارقطني أن محمد بن عمرو رواه عنه ، عن المغيرة : إسماعيل ، وأسباط بن محمد ، وأبو بدر شجاع بن الوليد ، وخالفهم عبدة بن سليمان ، فقال : عن ابن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، والصحيح الأول . وفي الأوسط ، وذكره من حديث ابن سيرين ، عن عمرو بن وهب عنه ، لم يروه عن ابن سيرين إلا جرير بن حازم . تفرد به علي بن عبد المجيد المعنيّ .

197

68 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، ثنا عمر بن عبيد ، عن عمر بن المثنى ، عن عطاء الخراساني ، عن أنس قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فتنحى لحاجته ، ثم جاء فدعا بوضوء فتوضأ . هذا الحديث فيه علل ثلاث : الأولى : الجهالة بحال عمر بن المثنى ؛ فإني لم أره في تاريخ البخاري ، ولا ابن أبي حاتم ، ولا البستي ، ولما ذكره ابن سرور ، قال : سمع عطاء ببيت المقدس ، روى عنه عمر بن عبيد الطنافسي ، والعلاء بن هلال الباهلي ، روى له ابن ماجه ، لم يزد على ذلك ، وليس بكاف في معرفة حاله ، وذكره أبو عروبة في الطبقة الثالثة من أهل الجزيرة ، وبنحوه ذكره الشيخ جمال الدين ولم يزد . الثانية : ضعف عطاء بن أبي مسلم عبد اللّه ، ويقال : ميسرة ، أبو أيوب الخراساني الأزدي البلخي الشامي ، ويقال : أبو عثمان ، ويقال : أبو محمد ، ويقال : أبو صالح مولى المهلب ، وإن كان مسلم خرّج حديثه في صحيحه فقد كذّبه سعيد بن المسيب . وقال ابن حبان : كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم ؛ فبطل الاحتجاج به . الثالثة : انقطاع ما بينه وبين أنس بن مالك . نص على ذلك أبو زكريا يحيى بن معين ، وأبو زرعة الرازي وغيرهما .

198

72 - حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري ، ثنا عبد الله بن كثير بن جعفر ، ثنا كثير بن عبد الله المزني ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن بلال بن الحارث المزني : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد الحاجة أبعد . زاد العسكري : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره فخرج لحاجته ، وكان إذا خرج يبعد . ورواه في الأفراد مطولا ، فذكر الشجرتين اللتين سترتاه - عليه السلام وقال : غريب من حديث جابر ، تفرد به إسماعيل عنه وقال في العلل الكبير : سألت محمدا عن هذا الحديث - يعني المذكور في العيد - من رواية عمرو ؟ فقال : صحيح ، وعن حديث كثير عنه أيضا ، فقال : هو أصح شيء في الباب . وبه أقول ، وذكر له حديثا آخر : في الجمعة ساعة . وقال فيه : حديث غريب . وحديث فيه : الصلح جائز بين المسلمين . وقال فيه : حسن صحيح . وحديث فيه : من أحيا سنتي قال فيه : حسن . فأين الإِجماع مع مخالفة أبي عبد اللّه وأبي عيسى ؟ وأَما أبوه عبد اللّه فتفرد عنه بالرواية ابنه كثير ، فيما ذكره البخاري وأبو حاتم والبستي في كتاب الثقات . ومقدار إبعاده - عليه السلام - غير مبين فيما مضى من الأحاديث ، وفي الباب غير ما حديث . من ذلك : حديث زياد بن سعد ، عن أبي الزبير ، حدثني يونس بن خباب الكوفي : سمعت أبا عبيدة بن عبد اللّه يذكر أنه سمع أباه يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنه معه مسافرين إلى مكة ، إذا خرج إلى الغائط أبعد حتى لا يراه أحد ، قال : فبصر بشجرتين متباعدتين فقال : يا ابن مسعود اذهب إليهما فقل لهما : إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمركما أن تجتمعا ، فيتوارى بكما الحديث . قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن زياد إلا زمعة بن صالح ، تفرد به أبو قرّة . وقد جاء مقدار ذلك البعد مصرحا به في حديث عبد الله بن عمر ، ذكره الطبري في تهذيب الآثار ، قال : كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يذهب إلى حاجته إلى المغمس . قال نافع عن ابن عمر : نحو ميلين من مكة . وفي مسند السراج : أو ثلاثة . وحديث ابن عمر هذا ويعلى وأنس بن مالك مستدرك ذكرهم على الترمذي في قوله : وفي الباب عن أبي قتادة وعبد الرحمن بن أبي قراد ، ويحيى بن عبيد عن أبيه ، وأبي موسى ، وابن عباس ، وبلال بن الحارث ، وجابر . وفيه دليل على الإبعاد إذا كان في براح من الأرض ، ويدخل في معناه ضرب الحجب وإرخاء الستور وأعماق الآبار والحفائر ، ونحو ذلك من الأمور الساترة للعورات . وذلك من آداب التخلي ، وكذلك لا يرتفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ، والالتفات يمنة وشأمة ، وتغطية الرأس وترك الكلام ، والاستنجاء باليسار ، وغسل اليد بعد الفراغ بالتراب ، والاستجمار بثلاث ، وأن يجتنب الروثَ والرمة ، وأن لا يتوضأ في المغتسل ، ونزع الخاتم إذا كان فيه اسم الله تعالى وما في معناه ، وارتياد الموضع الدمث ، وأن لا يستقبل الشمس والقمر والقبلة ، ولا يستدبرها في البيوت ، وأن لا يبول قائما ، ولا في طريق الناس وظلّهم ، والماء الراكد ، ومساقط الثمار ، وضفة الأنهار ، وأن يتكئ على رجله اليسرى ، ويتنحنح ، وينثر ذكره ثلاثا . قال الخطابي : البراز بفتح الباء : اسم للفضاء الواسع من الأرض ، كَنَوا به عن حاجة الإنسان ، كما كنوا بالخلاء عنه ، يقال : تبرز الرجل ، إذا تغوط ، وهو أن يخرج إلى البراز ، كما يقال : تخلى ، إذا صار إلى الخلاء . وأكثر الرواة يقولون : البراز بكسر الباء ، وهو غلط ، وإنما البراز مصدر بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازا . انتهى . وما أنكره غير منكر ، ولا مردود ، لذكره في كتاب الصحاح وغيره من كتب اللغة ، والله أعلم .

199

باب الوضوء من القُبلة 20 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، قالا : حدثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل بعض نسائه ، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ ، قلت : من هي إلا أنت ؟ فضحكت . هذا حديث لما رواه أبو داود عن عثمان : ثنا وكيع قال : وكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن الأعمش ، ثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني ، ثنا عبد الرحمن بن مغراء ، ثنا الأعمش ، ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث . قال أبو داود : قال يحيى بن سعيد لرجل : احك عني أن هذين الحديثين - يعني : حديث الأعمش هذا عن حبيب ، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة - قال : احك عني أنهما شبه لا شيء . وروي عن الثوري قال : ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني - يعني : لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا ، زاد ابن العبد واللؤلئي : صحيحا ، انتهى كلامه . ولقائل أن يقول : قول الأعمش ، ثنا أصحاب لنا : لا يقدح في الإسناد الأول ؛ لأمرين : الأول : عبد الرحمن بن مغراء لا يقاوم زائدة والحماني ووكيعا . الثاني : يحتمل أن أصحابه رووه له كما رواه له حبيب ، ويكون لحبيب في هذا شيخان إذا قلنا بصحة إسناد الثاني ، وقول الثوري : لم يحدثنا حبيب عن ابن الزبير ، لا يؤثر في صحة هذا الحديث ؛ لأن الشيخ غالبا لا يروي لأصحابه عن جميع مشايخه ، وقد يخص قوما دون آخرين ، وقال أبو عيسى : سمعت محمدا يضعف هذا الحديث ، وقال حبيب بن أبي ثابت : لم يسمع من عروة ، وقد روى عن التيمي عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلها ولم يتوضأ ، وهذا لا يصح أيضا ، ولا نعرف لإبراهيم سماعا من عائشة ، وليس يصح في هذا الباب شيء ، قال أبو عيسى : وسمعت أبا بكر العطار يذكر عن ابن المديني ، قال : ضعف يحيى بن سعيد هذا الحديث جدا ، قال أبو عيسى : وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا ؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد ، وذكر الدارقطني عن يحيى بن سعيد أنه قال : إنما كان الثوري أعلم الناس بهذا ، وزعم أن حبيبا لم يسمع من عروة شيئا ، وبنحوه ذكره الإمام أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والحافظان ؛ أبو بكر البيهقي ، وأبو الحسن بن القطان ، وأبو الفرج بن الجوزي ، وابن سرور المقدسي ، وأشار ابن حزم إلى عدم صحته ، [ وفي كتاب الخلال : سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة في القبلة ؛ فقال : هو غلط ، وفي كتاب الميموني : قال أبو عبد الله : هذا الحديث مقلوب على حديث عائشة : قبل وهو صائم ، وهو هذا الحديث بعينه ، يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قلت : فمن أين ؟ أليس حبيب صالح الحديث ؟ ! قال : بلى ، ولكن لا أعلم أحدا روى عن حبيب عن عروة شيئا إلا هذا الحديث ، وحديث آخر يرويه الأعمش ، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم : وسمعت أبي يقول : لم يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القبلة - يعني : حديث الأعمش عن حبيب عن عروة - وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القبلة ؛ فقال : إن لم يصح حديث عائشة قلت به ، وأشار البغوي في شرح السنة إلى ضعفه . وقال الشافعي : ليس بمحفوظ من قبل أن عروة إنما روى : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلها صائما . وقال البيهقي في المعرفة : والصحيح رواية عروة ، والقاسم بن محمد ، وعلي ، ابن الحسين ، وعلقمة ، والأسود ، ومسروق ، وعمرو بن ميمون ، عن عائشة : كان - عليه السلام - يقبل وهو صائم ، وحديث حبيب معلول . وقال في الخلافيات : اشتبه فساده على كثير ممن ليس الحديث من شأنه ، ويراهُ إسنادا صحيحا ، وهو فاسد من وجهين : الأول : الانقطاع . والثاني : عروة ليس بابن الزبير ، إنما هو شيخ مجهول يعرف بالمزني وأما قوله : ومنهم من قال : ليس هو عروة بن الزبير ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من رواية وكيع المصرح فيها بنسبه عند ابن ماجه والدارقطني ، وأيضا فلا أحد من الغرباء يتجاسر على أم المؤمنين بقوله : من هي إلا أنت ؟ ويحكي ضحكها غالبا إلا من كان ذا محرم منها ، ويزيده وضوحا رواية هشام له عن أبيه كرواية حبيب . ذكر ذلك الدارقطني في كتاب السنن من رواية حاجب بن سليمان عن وكيع عنه ، وقال : وليس كذلك لمتابعة ذكر ذلك أبو الحسن في كتابه عن الحسين بن إسماعيل عن علي بن عبد العزيز الوراق - يعني : المصنف المشهور - عنه عن أبي أويس ، قال : حدثني هشام ، فذكره ، ثم قال : لا أعلم حدث به عن عاصم غير علي بن عبد العزيز ، ورواه أيضا من جهة شيبان بن عبد الرحمن ، عن الحسن بن دينار ، عن هشام ، عن أبيه عروة بن الزبير : أن رجلا قال : سألت عائشة ، الحديث . ومن جهة محمد بن جابر عن هشام ، ومن جهة عبد الملك بن محمد عن هشام ، ورواه عن عروة كروايتهما الزهري . قال أبو الحسن : ثنا ابن قانع ، عن إسماعيل بن الفضل ، عن محمد بن عيسى بن يزيد الطرطوسي ، عن سليمان بن عمر بن سيار ، عن أبيه ، عن ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن عروة به . وقال البيهقي حين ذكره : رواته إلى ابن أخي الزهري أكثرهم مجهولون ، ولا يجوز الاحتجاج بأخبار ترويها المجاهيل ، ورواه الدارقطني أيضا من جهة إسماعيل بن موسى ، ثنا عيسى بن يونس عن معمر ، فأدخل بين الزهري وعروة رجلا - وهو أبو سلمة - ثم قال : هذا خطأ من وجوه . قال البيهقي : إنما أراد الخطأ في متنه وإسناده جميعا ؛ حيث أدخل أبا سلمة ، وزاد في متنه : ثم صلى ولم يتوضأ ، والمحفوظ ما سبق ، والحمل فيه على من دون عيسى ، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري صحيحا ، ومذهبه بخلافه ، ورواه عن عروة أيضا محمد بن عمرو ، وذكره عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن معبد بن نباتة عن محمد عن عروة به ، وذكر الزعفراني عن الشافعي ، قال : إن ثبت حديث معبد في القبلة لم أر به بأسا ، ولا في اللمس ، وزاد أن محمد بن عمرو لم يثبت له عن عروة شيء ، انتهى . فقد تبين لك أن عروة هذا هو ابن الزبير لا المزني لكونه مجهولا ، ولم يرو عنه إلا ابن أبي ثابت ، أخذا من إسناد حديثه المذكور عند أبي داود ، ولو روى عنه من وصفناه لخرج عن الجهالة التي لم تزايله ، فيما ذكره غير واحد من المؤرخين ، والله تعالى أعلم . وأيضا فقد رواه عن عائشة جماعة غير عروة ، نذكر منه ما تيسر ؛ فمن ذلك : رواية عطاء عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ . رواه البزار في مسنده عن إسماعيل بن يعقوب بن صبيح ، ثنا محمد بن موسى بن أعين ، حدثني أبي ، عن عبد الكريم الجزري عنه ، وقال : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا من رواية عائشة ، ولا نعلمه يروى عن عائشة إلا من حديث حبيب عن عروة ، ومن حديث عبد الكريم عن عطاء عنها ، وقال في موضع آخر : وهذا الحديث إسناده إسناد حسن ، وهو معروف من حديث عبد الكريم ، ومحمد بن موسى ليس به بأس ، قد احتمل حديثه أهل العلم ، ولا نعلم فيه مطعنا يوجب التوقف عن حديثه ، وسائر الرجال يستغنى بشهرتهم عن صفاتهم ، وإسماعيل بن صبيح رجل ثقة مشهور ، وقد رواه خطاب بن القاسم قاضي حران ، وكان مشهورا أيضا عن عبد الكريم ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما نذكره بعد - إن شاء الله تعالى ولما ذكر أبو محمد الإشبيلي هذا الحديث ، قال : موسى بن أعين ثقة مشهور ، وابنه مشهور ، روى له البخاري ، ولا أعلم لهذا الحديث علّة توجب تركه ، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول يحيى بن معين : حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء ؛ لأنه غير محفوظ . قال أبو محمد : وانفراد الثقة بالحديث لا يضره ، فإما أن يكون قبل نزول الآية ، وإما أن تكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس ، ولما رواه الدارقطني من جهة جندل بن والق ، ثنا عبيد الله بن عمرو عن غالب عن عطاء ، قال : غالب هو ابن عبيد الله ، متروك . وقال صاحب الذخيرة : هذا حديث لا يصح ؛ لأنّ غالبا يتهم بالوضع ، قال أبو الحسن : ثنا عثمان بن أحمد الدقّاق ، ثنا محمد بن غالب ، ثنا الوليد بن صالح ، ثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم الجزري بمثله ، ثم قال : يقال إن الوليد وهم في قوله : عبد الكريم ، إنما هو حديث غالب ، ورواه الثوري عن عبد الكريم عن عطاء من قوله ، وهو الصواب . ولما ذكر أبو بكر هذا الحديث في كتاب الخلافيات لم يتكلم على الوليد بشيء إلا بقول عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : لِمَ لم تكتب عن الوليد ؟ فقال : رأيته يصلي في المسجد الجامع ، ويسيء صلاته ، وفي موضع آخر قال : ورواه سلمة بن صالح منفردا به ولم يتابع عليه ، قال الحاكم : عن محمد بن عبد الرحمن الكوفي عن عطاء عن عائشة ، وروى عن عبد الكريم عن عائشة مرفوعا ، وهو وهم ، والصحيح : عن عطاء من قوله ، انتهى . والذي يشبه أن يكون ابن معين أراد الطريق التي أسلفناها من عند الدارقطني أولا ، يؤيد ذلك قول ابن عدي : والحديث الذي ذكره أبو زكريا هو ما روى عبيد الله بن عمرو عنه عن عطاء ، فذكر حديث القبلة ، ثم قال : إنما أراد ابن معين هذا الحديث ؛ لأنه غير محفوظ ، ثم قال : ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة ، يرويها عن قوم ثقات ، وإذا روى عنه الثقات فحديثه مستقيم ، وقول الدارقطني : يقال : إن الوليد وهم في قوله : عن عبد الكريم ؛ فقد ينازع في ذلك على طريقة معلومة لمتأخري المحدثين والفقهاء إذا كان ثقة ، ويطالب قائل ذلك بالدليل على ما حكم به من الوهم ، وما تقدّم من متابعة ابن أعين تضعف قوله ، وتقتضي أن للحديث أصلا من رواية عبد الكريم ، وقال ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك : وقد طعنوا على عبد الكريم ؛ لانفراده برفع هذا الحديث ، وليس ذلك مطعنا ، وانفراد الثقة برفع الحديث لا يقدح فيه ، وحديثه هذا مسند صحيح . وأمّا رواية الثوري له موقوفا فهي مسألة مشهورة عند الفقهاء والأصوليين فيما إذا وقف ثقة ورفع ثقة ، وعبيد الله بن عمرو من الثقات المخرج حديثهم في الصحيحين ، وأيضا فعطاء صاحب فتوى معروف بذلك ، فيجوز أن يكون أفتى بما روى ، كما نقل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين ، فلا يقوي القرينة في غلط من رفع كلّ القوة ، وأما ما ذكره البيهقي عن الوليد فليس عيبا ترد به أحاديثه ؛ لاحتمال أن يكون يرى رأي العراقيين ، وصلاة بعضهم عند أحمد غير صحيحة ، ولئن سلمنا له الطعن فيه ؛ فحديث البزار المذكور ليس فيه الوليد ، والله أعلم . ومن ذلك : رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها : أنا بها القدوة المعمر أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي ، بقراءتي عليه : أخبركم أبو إسحاق إبراهيم بن خليل بن عبد الله الدمشقي ، قراءة عليه ، يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وستمائة ، بجامع حلب ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللخمي المعروف بابن الخرقي ، بقراءة أخي ، سنة ست وثمانين وخمسمائة ، أنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي ، في ربيع الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة ، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الصوفي ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر ، أنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة ، سنة أربعين وثلاثمائة ، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد ، ثنا محمد بن شعيب بن شابور ، عن سعيد بن بشير ، عن منصور بن زاذان ، حدثه عن محمد بن مسلم الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أنها قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخرج إلى الصلاة ، ثم يقبلني ولا يتوضأ . قال أبو القاسم في معجمه الأوسط ، ورواه من حديث سعيد : لم يروه عن الزهري إلا منصور ، ومن ذلك : زينب السهمية الآتي حديثها بعد ، ومن ذلك : إبراهيم التيمي عنها : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبّلها ، ولم يتوضأ . رواه أبو داود عن محمد بن بشار ، ثنا يحيى وعبد الرحمن ، ثنا سفيان ، عن أبي روق عنه ، وقال : هذا مرسل ؛ التيمي لم يسمع من عائشة ، وقد سبق كلام البخاري فيه ، وقال الدارقطني : لم يروه عن إبراهيم غير أبي روق عطية بن الحارث ، ولا نعلم حدث به غير الثوري وأبي حنيفة من حديث يحيى بن نصر بن حاجب عنه . واختلف فيه ، فأسنده الثوري عن عائشة ، وأبو حنيفة عن حفصة ، وكلاهما أرسله ، وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ، ولا أدرك زمانهما ، وفيه نظر ؛ لما علم أن مولده - على ما ذكره البيهقي - سنة خمسين ، وتوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين - على ما قاله أبو معشر وابن أبي خيثمة وعائشة كانت وفاتها سنة سبع - أو ثمان - وخمسين ، والله أعلم . وأما إجماعهم على إرساله فليس كذلك ؛ لما ذكره أبو الحسن في سننه مسندا من طريق صحيحة ، فقال : ورواه معاوية بن هشام - يعني : المخرج حديثه في صحيح مسلم - عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه - يعني : المخرج حديثه في الصحيحين - عنها ، فوصل إسناده ، واختلف عنه في لفظه ؛ فقال عثمان بن أبي شيبة - فيما ثناه البغوي عنه بهذا الإسناد - : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبل وهو صائم ، وقال غيره : كان يقبل ولا يتوضأ . ولما ذكر البيهقي هذا في المعرفة قال : معاوية ليس قويا ، لم يزد على ذلك ، وليس بعلة يرد بها حديثه لما أسلفناه ، والله تعالى أعلم .

200

21 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا محمد بن فضيل ، عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن زينب السهمية ، عن عائشة : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ ، ثم يقبل ، ويصلي ولا يتوضأ ، وربما فعله بي . هذا حديث قال فيه ابن أبي حاتم : سألت أبي وأبا زرعة عنه ، فقالا : الحجاج يدلس في حديث الضعفاء ، ولا يحتج بحديثه ، وقال أبو الحسن : زينب هذه مجهولة ، ولا تقوم بها حجة ، ونحوه قاله أبو عمر في الاستذكار ، وقال الحاكم أبو عبد الله - فيما ذكره عنه البيهقي في الخلافيات - : هذا الإسناد لا تقوم به حجة ؛ حجاج - على جلالة قدره - غير مذكور في الصحيح ، وزينب ليس لها ذكر في حديث آخر ، قال أبو بكر : وقد رواه الأوزاعي عن عمرو عنها ، وقد قيل : عن عمرو ، عن أبيه ، عن جدّه مرفوعا : كان يقبل ولا يحدث وضوءا . رواه العرزمي عنه ، وهو متروك ، انتهى كلامه . وفيه بيان لصحة الحديث المذكور ؛ حيث قال : ورواه الأوزاعي عن عمرو ، ويخرج حجّاج من أن يكون علة له على قول من أعلّه به ، [ وعلى تقدير أن يكون ثقة ، كان حديثه عن عمرو منقطعا ، قال ذلك ابن المبارك ، ولم يبق إلا النظر في حال زينب فقط ؛ هل كما قيل : مجهولة ، أم لا ؟ فنظرنا فإذا أبو حاتم البستي ذكرها في كتاب الثقات ؛ فزال عنها - بحمد الله - اسم الجهالة ، وصح حديثها على هذا ، لما أسلفناه من متابعات وشواهد ، والله تعالى أعلم ] . وأما قول البزّار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن غير عائشة ، ففيه نظر ؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي علي الحنفي ، عن زفر بن الهذيل ، عن ليث بن أبي سليم ، عن ثابت بن عبيد ، عن أبي مسعود الأنصاري : أن رجلا أقبل إلى الصلاة ، فاستقبلته امرأته ، فأكبّ عليها فتناولها ، فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له ، فلم يأمره بالوضوء ، وقال : لم يروه عن زفر إلا أبو علي . ولما ذكره أبو الفرج في كتاب العلل من حديث ركن بن عبد الله الشامي - القائل فيه ابن حبان : يروي عن مكحول نسخة أكثرها موضوع ، ولا يحل الاحتجاج به - عن مكحول ، عن أبي أمامة ، أنه قال : قلت : يا رسول الله ، يتوضأ للصلاة ، ثم يقبل المرأة أو يلاعبها ، أينقض ذلك وضوءه ؟ قال : لا . ولما ذكره الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبلها وهو صائم ، ثم لا يفطر ، ولا يحدث وضوءا . رواه من جهة ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط ، قال : لم يروه عن الأوزاعي إلا يزيد بن سنان . تفرد به سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه . وقد تقدم حديث حفصة من كتاب الدارقطني ، وحديث عمرو بن العاص من عند البيهقي ، وفي قوله : ولا نعلمه يروى عن عائشة من حديث حبيب وعبد الكريم أيضا نظر ؛ لما أسلفناه ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب التمهيد : روي عن عمر بن الخطاب بإسناد صحيح ثابت : أنه كان يقبل امرأته ، ويصلي قبل أن يتوضأ . وروى الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه : أن عمر قال : القبلة من اللمم فتوضأ منها ، وهو وهم عندهم وخطأ ؛ لأن حفاظ أصحاب ابن شهاب يجعلونه عن ابن عمر لا عن عمر ، وذكر إسماعيل بن إسحاق أن مذهب عمر بن الخطاب في الجنب : لا يتيمم . فدل على أنه كان يرى الملامسة ما دون الجماع كمذهب ابن مسعود ، قال أبو عمر : فإن صح عن عمر ما قاله إسماعيل ثبت الخلاف في القبلة عنه - والله تعالى أعلم وصحح الحاكم ذلك عن عمر في مستدركه ، والبيهقي في كتاب الخلافيات ، قال أبو عمر : وأما ابن مسعود فلم يختلف عنه أن اللمس ما دون الجماع ، وأن الوضوء واجب على من قبّل امرأته كمذهب ابن عمر سواء ، وهو ثابت عن ابن عمر من وجوه ، وممن رأى الوضوء في القبلة من التابعين : عبيدة السلماني ، وابن المسيب ، والشعبي ، وحماد . وقال البيهقي في المعرفة : وعن ابن مسعود أيضا ، من طريق شعبة عن مخارق عن طارق بن شهاب عنه ، قال : هذا الإسناد صحيح موصول . قال أبو عمر : والنخعي ، ومكحول ، والدمشقي ، وابن شهاب ، وزيد بن أسلم ، وسعيد بن عبد العزيز ، ويحيى الأنصاري ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، ومالك وأصحابه ، وهو قول جمهور أهل المدينة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ؛ وأما الذين ذهبوا إلى أن اللمس هو الجماع فعبد الله بن عباس ، وعائشة - فيما ذكره في الإشراف - ومسروق ، والحسن ، وعطاء بن أبي رباح ، وطاوس اليماني ، وعبيد بن عمير ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، وسائر الكوفيين إلا ابن حي ، ورووا عن علي بن أبي طالب مثل ذلك ، واختلف في ذلك عن الأوزاعي ، والحجة لأصحابنا أن إطلاق الملامسة لا تعرف العرب منها إلا اللمس باليد ، قال الله تعالى : فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اليدان تزنيان ، وزناهما اللمس ، ومنه بيع الملامسة ، وهو لمس الثوب باليد ، وحديث ابن عباس : لعلك مسست ، وفي المستدرك عن عائشة : كان يقبّل ما دون الوقاع . قال أبو عمر : وقد قرئت الآية : ( أو لامستم النساء ) وذلك يفيد اللمس باليد ، وحمل الظاهر والعموم على التصريح أولى من حمله على الكناية ، وقد روى عبد الملك بن عمير ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ ، قال : أتى رجل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن رجل أتى امرأة لا تحل له ، فأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته إلا الجماع ، فقال - عليه السلام - : توضأ وضوءا حسنا . فأمره بالوضوء لما نال منها ما دون الجماع - والله أعلم - انتهى كلامه . وفي استدلاله بحديث معاذ نظر ؛ لأن آخره يبين أن المقصود بالوضوء الصلاة لأجل التكفير لا لأجل اللمس ، يتبين ذلك بسوقه من كتابي الدارقطني والبيهقي ، وزعم أنه في كتاب المستدرك ، وهو منقطع فيما بين عبد الرحمن بن أبي ليلى ومعاذ أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له ، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها ، إلا أنه لم يجامعها ؟ فقال : توضأ وضوءا حسنا ، ثم قم فصل ، فأنزل الله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ، فقال معاذ : أهي خاصة له أم للمسلمين عامة ؟ فقال : بل للمسلمين عامة . وأما قوله : إطلاق الملامسة لا تعرف العرب منها إلا اللمس باليد ففيه نظر ؛ لما عليه أئمة اللغة : أبو عمرو بن العلاء ، وابن السكيت ، والفارابي ، وابن دريد ، والجوهري ، والبطليوسي ، والمبرد ، وصاعد بن القوطية ، وابن القطاع ، وابن سيده ، والفراء ، وابن الأعرابي ، وثعلب ، وابن الأنباري ، وأبو عبيد بن سلام ، والعسكري ، والخطابي ، والأزهري ، والهروي ، وابن جني ، وابن قتيبة ، والقزاز ، والتبريزي ، وأبو عبيدة معمر بن المثنى ، وغيرهم . وفي كتاب الإشراف : وقال عطاء : إن قبل حلالا فلا إعادة عليه ، وإن قبل حراما أعاد الوضوء ، ولما ذكر ابن حزم حديث عائشة قال : لو صح لما كان لهم فيه حجة ؛ لأن معناه منسوخ بيقين ؛ لأنه موافق لما كان عليه الناس من قبل نزول الآية ، ووردت الآية بشرع زائد ، ولا يجوز تركه ولا تخصيصه ، فإن احتجوا بحديثها الصحيح : التمست النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الليل ، فوقعت يدي على باطن قدمه وهو ساجد . فلا حجة لهم فيه ؛ لأن الوضوء إنما هو على القاصد إلى اللمس ، لا على الملموس من دون أن يقصد هو إلى فعل الملامسة ؛ لأنه لم يلامس ، وأيضا فليس فيه أنه كان في صلاة ، وقد يسجد المسلم في غير صلاة ، وحتى لو صحّ أنه كان في صلاة ، وهذا ما لا يصح فليس في الخبر أنه لم ينتقض وضوءه ، ولا أنّه صلى صلاة مستأنفة دون تجديد وضوء ، ثم لو صح أنه كان في صلاة وصح تماديه عليها ، وأنه صلى غيرها دون تجديد وضوء - وهذا كله لا يصح أبدا - فإنه كان يكون في الخبر موافقا للحال التي كان الناس عليها قبل الآية بلا شك ، وكذا حديث صلاته وهو حامل أمامة ؛ لأنه ليس فيه نص أن يديها ورجليها مست شيئا من بشرته - عليه السلام - إذ قد تكون موشحة برداء أو بقفازين أو جوربين ، أو يكون ثوبها سابغا ، وهو الأولى أن يظن بمثلها بحضرة الرجال ، وإذا لم يكن ما ذكرنا في الحديث فلا يحل لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه ؛ فيكون كاذبا ، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر وما قلنا ممكنا ، والذي لا يمكن غيره بطل تعلّقهم به ، والله تعالى أعلم .

201

باب المضمضة من شرب اللبن 16 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : تمضمضوا من اللبن ؛ فإن له دسما . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم بغير لفظ الأمر ، وإن كان المنذري قد أطلق ذلك ولم يبينه ، فيشبه أن يكون وهما ؛ ولما ذكره الطبري في شرح الآثار من حديث ليث عن عقيل عن ابن شهاب ، قال : هذا خبر عندنا صحيح ، وإن كان عند غيرنا فيه نظر لاضطراب ناقليه في سنده ، فمن قائل عن الزهري عن ابن عباس من غير إدخال عبيد الله بينهما ، ومن قائل عن الزهري عن عبيد الله ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : من شرب لبنا من غير ذكر ابن عباس بعد ، فليس في مضمضته - عليه السلام - من اللبن وجوب مضمضة ولا وضوء على شارب من شربه ؛ إذ كانت أفعاله غير لازمة لأمته العمل بها ، إذا لم يكن بيانا عن جملة فرض في تنزيله ، انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث ذكره لفظ الأمر لا الفعل - والله أعلم - لكنه يشكل ما ذكره البيهقي عن ابن عباس راوي الأمر : لولا التلمظ ما باليت ألا أمضمض .

202

17 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا خالد بن مخلد ، عن موسى بن يعقوب ، قال : حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة ، عن أبيه ، عن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا شربتم اللبن فمضمضوا ؛ فإن له دسما . هذا حديث إسناده صحيح ، موسى بن يعقوب الزمعي الأسدي أبو محمد المدني ، روى عنه جماعة ؛ منهم : معن بن عيسى ، وابن أبي فديك ، ومحمد بن عثمة ، وسعيد بن أبي مريم ، وثقه ابن معين ، ولما ذكر حديثه هذا أبو عبد الرحمن في كتاب الكنى أتبعه التوثيق ، ووثقه أيضا أبو محمد الرشاطي ، قال : ووقع في كتاب ابن أبي حاتم أنه قرشي زهري ، وهو وهم ، اللهم إلا أن يكون زهريا من قبل أمّه أو بوجه آخر - والله أعلم - انتهى كلامه . وكما نسبه ابن أبي حاتم نسبه البخاري في تاريخه الكبير ، وأما أبو عبيدة الذي ذكر أبو عمر أنهم اتفقوا على أنه لا اسم له فحديثه في صحيح مسلم ، وأبوه عبد الله بن زمعة له صحبة فيما ذكره ابن حبان .

203

18 - حدثنا أبو مصعب ، ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي ، عن أبيه ، عن جده : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : مضمضوا من اللبن ؛ فإن له دسما . هذا حديث إسناده ضعيف ؛ لضعف عبد المهيمن المذكور قبل في باب التسمية في الوضوء .

204

19 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم السواق ، ثنا الضحاك بن مخلد ، ثنا زمعة بن صالح ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال : حلب رسول الله شاة ، وشرب من لبنها ، ثم دعا بماء فمضمض فاه ، وقال : إن له دسما . هذا حديث قال ابن أبي حاتم : وسمعت أبا زرعة ، وانتهى في القراءة إلى حديث حدثنا به عن عبيد بن يعيش ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أنس بن مالك : شرب - عليه السلام - لبنا ، ثم قال : هاتوا ماء ، فمضمض . هذا وهم ، إنما هو ما ثنا ابن أبي شيبة ، ثنا ابن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام - بنحوه ، مرسل قال زيد : دلني شعبة على هذا الشيخ . ولما ذكره ابن صخر في فوائده ، قال : قال لنا أبو محمد : وهذا غريب من حديث توبة عن أنس ، لا أعلم رواه إلا زيد بن الحباب عن ، وتوبة حديثه في صحيح البخاري ، ويشيده ما ذكره أحمد بن منيع في مسنده : ثنا إسماعيل ، ثنا أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أنس : أنه كان يمضمض من اللبن ثلاثا . وذكر أبو عيسى أن في الباب إثر حديث ابن عباس وحديث سهل بن سعد وأم سلمة ، وأغفل حديث أنس وحديث جابر بن عبد الله المذكور عند ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من حديث أبي عامر العقدي ، ثنا أيوب بن سيار ، وهو ممن اتهمه يحيى بالكذب عن محمد بن المنكدر عنه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شرب لبنا ، فمضمض من دسمه . قال الطبري : ثنا ابن حميد ، ثنا جرير ، عن عطاء ، قال : أتي عبد الرحمن بلبن فشرب ، فحضرت الصلاة ، فقيل له : ألا تمضمض ؟ ! فقال : من أي شيء ؟ من اللبن الخالص الطيب ؟ ثم صلى ، ولم يمضمض . قال أبو جعفر : وبذلك قال جماعة علماء الأمصار والسلف - رضي الله عنهم أجمعين

205

13 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا زائدة وإسرائيل ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن جعفر بن أبي ثور ، عن جابر بن سمرة ، قال : أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نتوضأ من لحُوم الإبل ، ولا نتوضأ من لحوم الغنم . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي عوانة ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب ، عن جعفر بن أبي ثور ، عن جابر : أن رجلا سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أأتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ . قال : أأتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : نعم . قال : أأصلي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم . قال : أأصلي في مبارك الإبل ؟ قال : لا . رواه عن أبي كامل الجحدري عنه ، وأتبعه برواية زائدة عن سماك ، ورواية شيبان عن ابن موهب وأشعث ، كلّهم عن جعفر بمثل حديث أبي كامل عن أبي عوانة . قال : وقد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : أنبأني من سمع جابر بن سمرة يقول : كنا نمضمض من ألبان الإبل ، ولا نمضمض من ألبان الغنم ، وكنا نتوضأ من لحوم الإبل ، ولا نتوضأ من لحوم الغنم . وفي مستخرج أبي نعيم عن أشعث ، وفي المعرفة من حديث زائدة عن سماك ، كلاهما عن جعفر عن جابر ، قال : أتى رجل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنا عنده ، فقال : يا رسول الله ، أتطهر من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت فتطهر ، وإن شئت فدع . قال: أفأصلي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم . قال : أتطهر من لحوم الإبل ؟ قال : نعم . قال : أصلي في مبارك الإبل ؟ قال : لا . وأخرجه ابن منده ، وقال : هذا إسناد صحيح ، أخرجه الجماعة إلا البخاري لجعفر بن أبي ثور ، وفي قوله ذلك نظر ؛ لأن هذا الحديث ليس في كتب الجماعة - خلا القشيري وابن ماجه - وقال البيهقي في المعرفة : هو صحيح عند أكثر أهل العلم ، وأمّا البخاري فإنّه لم يخرجه ، ولعله إنّما لم يخرج حديث ابن موهب وأشعث لاختلاف وقع في ! وفي تاريخ محمد الأوسط : جعفر بن أبي ثور بن جابر السوائي ، قال سفيان وزكريا وزائدة : عن سماك عن جعفر بن أبي ثور بن جابر عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في لحوم الغنم ، وقال حماد بن سلمة : عن سماك عن جعفر بن أبي ثور عن جدّه جابر ، وقال النضر عن شعبة عن سماك : سمعت أبا ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر ، قال محمد : هذا كلّه وهم إلا ما قال سفيان وزائدة : جعفر بن أبي ثور . وقال أهل النسب : ولد جابر بن سمرة : خالد ، وطلحة ، ومسلمة ، وهو أبو ثور ، وروى عن جعفر محمد بن قيس الأسدي وابن موهب ، ثنا عبد الرحمن بن أبي شيبة ، ثنا أبو نباتة عن ابن موهب عن عمه عثمان بن عبد الله بن موهب ، عن رجل بالكوفة سماه لي فلم أحفظه ، كان أبوُه صحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أباه أخبره ، أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنتوضأ من الغنم ؟ قال : لا . ثنا موسى ، ثنا أبو عوانة ، ثنا عثمان بن موهب ، عن جعفر بن أبي ثور ، عن جابر مثله ، وبنحوه ذكره في الكبير ، وقال أبو حاتم : اسم أبي ثور : مسلم ، وقال بعضهم : مسلمة ، وحكى مسلم وعبد الله في علله عن الإِمام أحمد : جابر جده من قبل أمه ، وقال اللالكائي : نافع بن سفيان ، وهو ابن معاوية ، وكذلك روى عثمان بن موهب ، وروى عنه أبو عوانة وشيبان بن عبد الرحمن مثله ، ووافقه محمد بن قيس وأشعث ، وقال أبو أحمد الحاكم : قول شعبة غلط بكل حال ، ومن قال : أبو ثور ، فهو مخطئ ، وزعم مسلم في كتاب الكنى أن محمد بن إسماعيل قال : اسم أبي ثور الذي روى عن جابر بن سمرة : اسمه مسلم ، وتبعه على ذلك أبو عمر ، ولا أدري كيف هذا ، ولا كيف يتجه هذا القول مع ما تقدم من كتابيه ؟ ! ولما ذكره أبو حاتم في كتاب الثقات ، قال : جعفر بن أبي ثور ، وهو أبو ثور بن عكرمة ، فمن لم يحكم صناعة الحديث يتوهم أنهما رجلان مجهولان - والله أعلم ورواه أبو الحسن في الأفراد من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جابر ، وقال : تفرد به عيسى بن يونس عن الأعمش ، وأسنده عن جابر ، وغيره يرويه عن الأعمش ، ويسنده عن البراء ، وفيه خلاف على عبد الله الرازي عن ابن أبي ليلى .

206

14 - حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد الله بن حاتم ، ثنا عباد بن العوام ، عن حجاج ، عن عبد الله بن عبد الله - مولى بني هاشم - وكان ثقة ، وكان الحكم يأخذ عنه ، ثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أسيد بن حضير ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تتوضئوا من ألبان الغنم ، وتوضئوا من ألبان الإبل . هذا حديث تقدم كلام أبي عيسى عليه ، وقال أبو حاتم : ليس بصحيح ، وأهمل ذكره الحافظان الدمشقيان - ابن عساكر وأبو الحجاج - فلم يذكراه في كتاب الأطراف ، وهو ثابت في نسخ ابن ماجه كما ترى . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث عمران القطان عن الحجاج ، ولفظه : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : توضئوا من لحوم الإبل ، ولا تصلوا في مناخها ، ولا توضئوا من لحوم الغنم ، وصلوا في مرابضها . وقال : لم يروه عن عمران إلا أبو عمرو بن عاصم الكلابي ، وهو حديث ضعيف ؛ لضعف راويه أبي أرطاة الحجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحبيل بن كعب بن سلامان بن عامر بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع ، وإن كان الثوري قد قال فيه : عليكم به ، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه ، وقال ابن أبي نجيح : ما جاءنا مثله ، وقال حماد بن زيد : كان عندنا أفهم لحديثه من الثوري . وزاد الدولابي : قال الحسن : قلت ليزيد بن هارون : أكان الثوري أحفظ من الحجاج وأثبت ؟ قال : لم يكن بأثبت منه ، ولكن كان أرضى منه ، وقال العجلي : كان فقيها أحد مفتي الكوفة ، وكان فيه تيه ، وكان يقول : أهلكني حب الشرف ، وولي الشرطة وقضاء البصرة ، وكان جائز الحديث إلا أنّه صاحب إرسال ، وإنما يعيب الناس منه التدليس ، وقال الإمام أحمد : كان من الحفاظ ، وفي حديثه زيادة على حديث الناس ، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة ، وقال ابن معين : صدوق ، ليس بالقوي ، يدلس عن العرزمي عن عمرو بن شعيب ، وفي رواية معاوية بن صالح عنه : ثقة ، وقال أبو زرعة : صدوق مدلس ، وقال أبو حاتم : صدوق يدلس عن الضعفاء ، يكتب حديثه ، فإذا قال : ثنا ، فهو صالح ، لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع ، وقال حماد بن زيد : قدم علينا جرير بن حازم ، فقال : ثنا قيس بن سعد عن ابن أرطاة ، فلبثنا ما شاء الله ، ثم قدم علينا الحجاج ابن ثلاثين - أو إحدى وثلاثين - فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان ، ورأيت عنده مطرا الوراق وداود بن أبي هند جثاة على أرجلهم ، يقولون : يا أبا أرطاة ، ما تقول في كذا ؟ وقال هشيم : سمعته يقول : استفتيت وأنا ابن ست عشرة . وقال ابن عدي : إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وعن غيره ، وربما أخطأ في بعض الروايات ؛ فأما أن يتعمد الكذب فلا ، وهو ممن يكتب حديثه ، وقال الخطيب : كان أحد العلماء بالحديث والحفاظ له ، وقال الحاكم في تاريخ نيسابور : وثقه شعبة وغيره من الأئمة ، وأكثر ما عيب فيه التدليس ، والكلام فيه يطول . وقال أبو حاتم البستي في ترجمة سليمان الأسدي : سيد شباب أهل العراق ابن أرطاة ، وخرج حديثه مسلم في صحيحه مقرونا بابن أبي غنية ، والبخاري في كتاب الأدب . وقال أبو الحسن : لا بأس به ، فقد قال فيه الإمام أحمد بن حنبل : يروي عمن لم يلقه ، لا يحتج بحديثه ، وقال يحيى : ضعيف ، وقال مرة : لا يحتج به ، وقال يحيى ابن سعيد القطان : هو وابن إسحاق عندي سواء - يعني : في الضعف - فلا أحدّث عنهما ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وقال البخاري في التاريخ الأوسط : متروك لا نقربه ، وقال الساجي : متكلّم فيه ، وذكر عن ابن خزيمة : لا أحتج به إلا فيما قال : حدثنا ، أو سمعت . وفي الذخيرة لابن طاهر : حجاج متروك الحديث ، وقال ابن حبان : تركه ابن المبارك ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد ، وفي كتاب العقيلي : عن يحيى بن الحارث المحاربي ، قال : أمرنا زائدة أن نترك ابن أرطاة ، وقال ابن إدريس : كنت آتيه فأجلس على بابه حتى تطلع الشمس ، فلا يخرج إلى صلاة جماعة فتركته ، ولما ذكره أبو العرب في كتابه الضعفاء قال : كان يقول : ترك الصلاة في الجماعة من المروءة ، قال أبو العرب : وهذا من مثالبه ، وقال ابن سعد : كان شريفا مريا ، توفي في خلافة جعفر ، وكان ضعيفا في الحديث ، وبنحوه ذكره يعقوب بن سفيان في تاريخه ، وابن أبي خيثمة في الأوسط ، والبلخي في كتاب الضعفاء . الثاني : إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي ، وإن كان ابن معين قال : لا بأس به ، وقال صالح بن محمد : صدوق ، وقال الدارقطني : ثقة ثبت ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، فقد قال فيه أبو داود : ضعيف ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وهما تلميذاه ، وأعرف به ممن سواهما، والله تعالى أعلم

207

باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل 12 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبد الله بن إدريس وأبو معاوية ، قالا : حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء بن عازب ، قال : سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوضوء من لحوم الإبل ، فقال : توضئوا منها . هذا حديث قال عبد الله : سألت أبي عن الوضوء للصلاة من لحوم الإبل ، فقال : حديث البراء وجابر بن سمرة صحيحان - إن شاء الله تعالى - وقال الأثرم عنه نحوه ، وخرجه ابن الجارود في كتابه ، وقال الحافظ أبو بكر بن خزيمة إثر تخريجه إياه : لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل ؛ لعدالة ناقليه ، حكاه البيهقي عنه . وخرجه الحافظ البستي في صحيحه من حديث إسحاق عن عبد الرزاق ، أنبأنا الثوري ، عن الأعمش ، والحافظ ضياء الدين في صحيحه ، وقال البيهقي في المعرفة : هو صحيح عند أكثر أهل العلم ، وقد أقام الأعمش إسناده ، وأفسده الحجاج بن أرطاة وعبيدة الضبي ، وهما ضعيفان ، وقال ابن المنذر : ثابت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : توضئوا من لحوم الإبل ، وصححه أيضا أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه ، ورواه أبو داود عن عثمان ، ثنا أبو معاوية عن الأعمش بزيادة : وسئل عن لحوم الغنم ، فقال : لا توضئوا منها ، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل ، فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل ، فإنها من الشياطين ، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم ، فقال : صلوا فيها ، فإنها بركة . ولما رواه الترمذي مختصرا عن هناد ، ثنا أبو معاوية ، قال : وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير ، وقد رواه حجاج بن أرطاة عن عبد اللّه بن عبد اللّه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد ، والصحيح من حديث ابن أبي ليلى عن البراء ، وروى عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن عن ذي الغرة ، ورواه حماد بن سلمة عن الحجاج فأخطأ فيه ، فقال : عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه عن أسيد ، والصحيح الأول روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وتفرّد بروايته عبد الله الرازي ، واختلف على عبد الله فيه ؛ فرواه عبيدة الضبي ، فلم يسم ذا الغرّة ، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الرازي ، وقيل : بل رواه عن أخيه عيسى ، فقال : عن عبد الرحمن عن يعيش الجهني - وهو ذو الغرّة - وخالفه الأعمش ؛ فرواه عن الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء ، وقال بعض أهل العلم : إنّ البراء هو ذو الغرّة ؛ سُمي بذلك لبياض كان في وجهه ، ورواه أبو معمر عن عباد عن حجاج عن الرازي ، فقال : عن أسيد بن حضير أو عن البراء - شكّ في ذلك ورواه حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، فقال : عن السليل أو السليك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ولما ذكر ابن أبي داود حديث ذي الغرّة في سننه قال : هذه سنة تفرّد بها أهل الكوفة . الثاني : قوله : وفي الباب عن جابر وأسيد ، وليس كذلك ، بل في الباب غير هذين الحديثين ، سنذكرهما بعد - إن شاء الله تعالى - وأما ما ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن الأعمش : سمعت عبد الله مولى قريش عن ابن أبي ليلى به ، فيريد بمولى قريش عبد الله بن عبد الله ، لا غيره ، والله تعالى أعلم

208

15 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا يزيد بن عبد ربه ، ثنا بقية ، عن خالد بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري ، عن عطاء بن السائب : سمعت محارب بن دثار ، سمعت عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : توضئوا من لحوم الإبل ، ولا توضئوا من لحوم الغنم ، وتوضئوا من ألبان الإبل ، ولا توضئوا من ألبان الغنم ، وصلوا في مراح الغنم ، ولا تصلوا في معاطن الإبل . هذا حديث قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن عبدة عن يحيى بن كثير عن عطاء بن السائب عن محارب ، الحديث ، فقال : إني كنت أنكر هذا الحديث لتفرده ، فوجدت له أصلا : ثنا ابن المصفى عن بقية ، حدثني فلان - سمّاه - عن عطاء عن محارب بنحوه ، قال : وحدثني عبيد الله بن سعد الزهري ، حدثني عمي يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق ، حدثني عطاء بن السائب أنّه سمع محاربا يذكر عن ابن عمر بنحو هذا ، ولم يرفعه ، قال أبي : حديث ابن إسحاق الموقوف أشبه ، انتهى . وفي الباب حديث آخر من رواية جابر بن يزيد الجعفي ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن أبي ليلى ، عن سليك الغطفاني ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، في الوضوء من لحوم الإبل . ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل ، وأشار إلى ضعفه لتفرد ابن يزيد به ، وتقدّم ذكره قبل . قال ابن المنذر : قال بالوضوء منه جابر بن سمرة ، ومحمد بن إسحاق - صاحب المغازي - وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو خيثمة ، ويحيى بن يحيى ، وكان مالك والثوري والشافعي والنعمان لا يوجبون منه وضوءا ، قال أبو بكر : وبالثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقول ، وفي كتاب المعرفة : قال الشافعي في بعض كتبه : إن صح الحديث في الوضوء من لحوم الإبل قلت به ، وقال علي بن الحسين الأفطس : رأيت محمد بن الحسن يتوضأ من لحوم الإبل ، وقال أبو محمد بن حزم : وأكل لحوم الإبل عمدا نيئة أو مطبوخة أو مشوية وهو يدري أنه لحم جمل أو ناقة ينقض الوضوء ، ولا ينقضه أكل شحومها محضة ، ولا أكل شيء منها غير لحمها ، فإن كان يقع على بطونها أو رءوسها أو أرجلها اسم اللحم عند العرب نقض الوضوء وإلا فلا . وبهذا القول يقول أبو موسى الأشعري ، زاد أبو عمر في الاستذكار : وأبو ثور - رحمهم الله أجمعين قال الخطابي : ذهب عامة أهل الحديث إلى إيجاب الوضوء منه ، وأما عامة الفقهاء فمعنى الوضوء عندهم متأوّل على الوضوء الذي هو النظافة ونفي الزهومة ، كما روي : توضئوا من اللبن ، فإن له دسما . كما قال : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل . وليس ذلك من أجل أن بين الأمرين فرقا في باب الطهارة والنجاسة ؛ لأن الناس إما قائل يرى نجاسة الأبوال كلها ، أو قائل يرى طهارتها ، والغنم والإِبل سواء عند الفريقين ، وإنما نهي عن ذلك لنفارها ، وذلك مأمون في الغنم ، ومعلوم أن في لحمها من الحرارة والزهومة ما ليس في لحم الغنم ، انتهى كلامه . ولقائل أن يقول : إنما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل لما يخالطها من الشياطين ، وذلك بين في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي : ولا تصلوا في معاطن الإبل ؛ على ظهر كل بعير شيطان ، فإذا ركبتموهم فسموا الله ، ولا تقصروا عن حاجتكم . وفي حديث عبد الله بن مغفل : ولا تصلوا في معاطن الإبل ؛ فإنها خلقت من الشياطين . ذكرهما أبو القاسم في معجمه ، ويكون ذلك لنهيه - عليه السلام - عن الصلاة في الوادي من أجل الشيطان الذي به ، والله تعالى أعلم . الإبل : جماعة لا واحد لها من لفظها ، وكذلك الغنم ، قاله في التلخيص ، وفي كتاب الصحاح : وهي مؤنثة ؛ لأن اسم الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم ، وإذا صغرتها دخلتها الهاء ، فقلت : أبيلة وغنيمة ونحو ذلك ، وربما قالوا للإبل : إِبْل - بتسكين الباء - للتخفيف ، والجمع آبال ، فإذا قالوا : إبلال وغنمان ، فإنما يريدون قطيعين من الإبل ، وأرض مأبلة أي : ذات إبل ، والنسبة إلى الإبل إبلي ، يفتحون الباء استيحاشا لتوالي الكسرات . والمراح - بالضم - حيث تأوي إليه الإِبل والغنم بالليل ، وبالفتح : الموضع الذي يروح منه القوم أو يروحون إليه ، كالمغدي للموضع الذي يغدى منه ، حكاه المنذري . والعطن ، وجمعه أعطان : مبرك الإبل حول الماء ، ذكره أبو عبيد . وفي كتاب الصحاح : العطن والمعطن واحد الأعطان ، والمعاطن : وهي مبارك الإبل عند الماء لتشرب عللا بعد نهل ، فإذا استوفت ردت إلى المراعي والأظماء ، وعطنت الإبل بالفتح تعطن عطونا : إذا رويت ، ثم تركت ، فهي إبل عاطنة وعواطن ، وقد ضربت بعطن أي : بركت ، وكذلك تقول : هذا عطن الغنم ، ومعطنها لمرابطها حول الماء ، والله تعالى أعلم .

209

11 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثنا عبد العزيز بن المختار ، ثنا سُهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتف شاة فمضمض ، وغسل يديه ، وصلى . هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه عن أحمد بن عبدة ، ثنا عبد العزيز - يعني : الدراوردي - عن سُهيل ، عن أبيه ، ولفظه : أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ من ثور أقط ، ثم رآه أكل من كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ . وهو مشكل لما أنا به الإمام العلامة محمد بن محمد المغربي - رحمه الله - أنبأتنا أم محمد سيدة ، عن أبي روح ، وابن الصفار ، وإسماعيل القارئ ، وزينب الشعرية ، وغيرهم ، قال أبو روح وزينب : أنبأنا العسكري في كتابه من حديث الجعيد بن عبد الرحمن عن الحسن بن عبد الله بن عُبيد الله عنه . وحديث عمة هند ابنة سعيد بن أبي سعيد الخدري ، وقيل : بنت أبي سعيد ، وقيل : تكنى أم عبد الرحمن : أن النبي صلى الله عليه وسلم زارهم ، فأكل كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ . ذكره المديني من حديث يعقوب بن حميد ، عن الدراوردي ، عن محمد بن أبي حميد ، عن هند ، عنها . وحديث عمرو بن عبيد الله ، قال : رأيت النبي أكل كتفا ، وصلى ولم يتوضأ . رواه زاهر ، وابن الصفار ، والفارسي . أنبأنا المسند وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي ، قراءة عليه ، ونحن نسمع ، أنبأنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، قراءة عليه ، أنبأنا أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف ، قراءة عليه ، أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهدي بن مهران الثقفي السراج ، قال : ثنا إسحاق بن إبراهيم ، أنا وكيع ، ثنا سفيان أبو عون الثقفي ، عن عبد الله بن شداد ، قال : شهدت أبا هريرة يقول لمروان : توضئوا مما مست النار ، فأرسل مروان إلى أم سلمة رسولا فسألها ، فقالت : نهش رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندي من كتف ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ ، انتهى . وهو سند صحيح ، وبيان إشكاله : كيف يأمر بالوضوء بعد موته - عليه السلام - مع ما شاهده من فعله الذي رآه ؟ ! وقد تقدّم كلام البيهقي في ذلك ، والله أعلم . وقد روى الرخصة في ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير من تقدم ؛ منهم : عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، قال : وضع لنا طعام في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصفة فأكلنا ، ثم أقيمت الصلاة ، فصلينا ولم نتوضأ . وهو حديث ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه ، وخرجه أبو ذر الهروي في كتابه ، وقال ابن منده : تفرد به المصريون ، وخرجه ابن حبان أيضا في صحيحه ، ورواه أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير عن عمر بن عبد العزيز بن مقلاص ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا ابن وهب ، أخبرني حيوة ، عن عقبة بن مسلم ، عنه ، وقال في الأوسط : لم يروه عن عقبة إلا حيوة بن شريح . ولفظ أبي داود : لقد رأيتني سابع سبعة - أو سادس ستة - مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دار رجل ، فمرّ بلال ، فناداه بالصلاة ، فخرجنا فمررنا برجل وبرمته على النار ، فقال النبي - عليه السلام - : أطابت برمتك ؟ ! فقال : نعم بأبي أنت وأمي ، فتناول منها بضعة ، فلم يزل يعلكها حتى أحرم بالصلاة ، وأنا أنظر إليه . رواه عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح ، ثنا عبد الملك بن أبي كُريمة ، حدثني عُبيد بن ثمامة عنه ، وبنحوه ذكره أبو زكريا بن منده في كتاب آخر من مات من الصحابة ، وفيه رد لما قاله أبو القاسم الطبراني ، والله تعالى أعلم ؛ لأن الحديث واحد ، وإن اختلفت ألفاظه ، فكله يدور على معنى واحد ؛ وهو اصطلاح المخرجين ، وعائشة - رضي الله عنها - قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل خبزا وكتفا ، فأقام المؤذن للصلاة ، فأراد القيام ، فقلت له : ألا تتوضأ يا رسول الله ؟ قال : من الأطيبين أتوضأ ؟ ثم قام فصلى ، ولم يتوضأ . رواه الحافظ أبو العباس السراج في مسنده بإسناد صحيح . وأبو رافع قال : أشْهد لكنت أشوي لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بطن شْاة ، ثم صلى ولم يتوضأ . رواه مسلم في صحيحه ، ولفظ السراج في مسنده ، قال : ذبحت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاة ، وأمرني فطبخت له من بطنها ، فأكل منه ، ثم قام فصلى ، ولم يتوضأ . في سنده عباد من ولد أبي رافع - وهو مجهول - ولما رواه ابن الأشعث من حديث سلمة بن الفضل ، ثنا أبو جعفر الرازي ، عن داود بن أبي هند ، عن شرحبيل ، عن أبي رافع مطولا ، قال : هذا حديث غريب ، وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - روى حديثه ابن أبي داود ، عن عمرو بن عثمان ، ثنا عقبة بن علقمة ، عن الأوزاعي ، قال : كان مكحول يتوضأ مما مست النار ، حتى أتى عطاء بن أبي رباح ، فأخبره عن جابر بن عبد الله : أن أبا بكر أكل ذراعا - أو كتفا ثم صلى ولم يتوضأ ، فقيل له : أتركت الوضوء ؟ فقال : لأن يقع أبو بكر من السماء فيتقطع أحب إليه من أن يخالف أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي لفظ عن مكحول : أخبرني ثقة عن جابر : رأيت أبا بكر أتي بطعام مسته النار قبل صلاة المغرب ، فأكل ، ثم قام فصلى ، ولم يتوضأ . وفيه : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الأول في مثل هذا اليوم أكل في مثل هذا الموضع مما مست النار قبل صلاة المغرب ، ثم صلى ولم يتوضأ ، ففعلت كما فعل . قال زيد بن واقد : فقلت : أخبرك ثقة ؟ قال : نعم . ولما رواه البزار من حديث أسيد الجمال ، ثنا عمرو بن أبي المقدام ، ثنا عمران بن أبي مسلم ، عن ابن غفلة ، عن بلال ، قال : حدثني مولاي أبو بكر ، قال : سمعت النبي يقول : لا يتوضأ رجل من طعام أكله حل له أكله . قال : لا نعلمه يروى عن النبي بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه ، وعمرو بن أبي المقدام هو ابن ثابت ، حدث عنه أبو داود وجماعة من أهل العلم على تشيعه ، ولم يترك حديثه لذلك ، وأسيد حدث بأحاديث لم يتابع عليها ، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه بهذا الإِسناد فذكرناه ، وبينا العلة فيه - والله أعلم ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل من حديث الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن جابر ، عن أبي بكر : أنه أكل مع النبي لحما ، ثم صلى ولم يتوضأ . قال : سمعت محمد بن عوف يقول : هذا خطأ ، إنما يرويه الناس عن عطاء ، عن جابر ، عن أبي بكر ، موقوف ، انتهى كلامه . وفيه إشعار بأن عطاء حفظه ، وفي هذا رد لما قاله أبو عيسى : حديث أبي بكر لا يصح من قبل إسناده ؛ إنمّا رواه حسام بن مصك ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس ، عن أبي بكر ، والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي . هكذا رواه الحفاظ ، وروي من غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس ، ورواه عطاء بن يسار ، وعكرمة ، ومحمد بن عمرو ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وغير واحد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكروا فيه : عن أبي بكر ، وهذا أصح ، وكثير رجل من الصحابة قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فوضع لنا طعام فأكلنا ، ثم أقيمت الصلاة ، فقمنا فصلينا ، ولم نتوضأ . رواه الحافظ أبو بكر بن الأشعث في سننه عن أحمد بن صالح ، وأحمد بن عمرو بن السّرح ، ثنا ابن وهب ، سمعت حيوة بن شُريح ، سألت عقبة بن مسلم التجيبي عن الوضُوء مما مست النار ؟ فقال : إن كثيرا وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الحديث . وأبو سعيد : روى حديثه ابن أبي داود ، عن أيوب بن محمد الوزان ، نا مروان ، نا هلال بن ميمون ، ثنا عطاء بن يزيد ، قال : وأراه عن أبي سعيد ، قال : تعرّق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عظما ، ثم صلى ، ولم يتوضأ . ورواه أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين ، من حديث الحكم بن يوسف ، عن زفر ، عن أبي حنيفة ، عن داود بن عبد الرحمن ، عن شرحبيل ، عنه . وفي كتاب العلل للحربي : وذكر حديث محمد بن أبي حميد عن هند بنت سعيد بن أبي سعيد عن أبي سعيد به ، فقال إبراهيم في هذا الحديث : ابن أبي حميد ، وهند هذه لم تدرك أبا سعيد ، والصواب ما قال عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ ، ومحمد بن كعب عن عمتها ، وعمتها أيضا أخت أبي سعيد لم تدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نعرفها أنها حدثت عن أحد ، وإن كان الحديث عن عمة أبيها أخت أبي سعيد فهي الفارعة ، ولها صحبة . وميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل عندها كتفا ، ثم صلى ، ولم يتوضأ . وعثمان بن عفان قال : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل خبزا ولحما ، وصلى ولم يتوضأ . رواه البزار عن محمد بن عبد الرحيم ، ثنا مالك بن إسماعيل ، ثنا عبد السلام ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن محمد بن أبي أمامة ، عن أبان ، عن عثمان ، ثم قال : وهذا الحديث فيه إسحاق بن عبد الله ، وسائر أسانيده فحسن . ورواه أحمد بن علي القاضي في مسند عثمان عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ثنا معلى بن منصور ، ثنا شعيب بن زريق ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن المسيب : أن عثمان قعد على منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأتي بخبز ولحم فأكل ، ثم صلى ولم يتوضأ ، وقال : قعدت مقعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأكلت طعام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وبنحوه رواه النسائي في كتاب الكُنى عن إسحاق بن موسى ، ثنا الوليد ، عن شعيب أبي شيبة ، وابن مسعود : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل اللحم ، ثم يقوم إلى الصلاة ، ولا يمس ماء . أنبأنا بحديثه أبو النون القاهري ، قراءة عليه ، وأنا أسمع ، أنبأكم ابن المقير ، عن الحافظ السلامي ، أنبأ أبو منصور المعمري ، أنا القاضي أبو بكر بن أبي حُصين ، ثنا عمر بن عثمان ، أنا عبد الله بن محمد ، ثنا يحيى بن أيوب ، وعبد الله بن مطيع ، قالا : ثنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرني عمرو بن أبي عمرو ، عن عبيد الله وحمزة ابني عبد الله بن عتبة ، عن ابن مسعود . ومحمد بن مسلمة الأنصاري : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل آخر أمره لحما ، ثم صلى ولم يتوضأ . رواه أبو القاسم عن عباس الأسفاطي ، ثنا عبد الرحمن بن المبارك ، ثنا قريش بن حيان ، عن يونس بن أبي خِلْدة ، عنه ، والمغيرة بن شعبة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل طعاما وأقيمت الصلاة فقام ، وقد كان يتوضأ قبل ذلك ، فأتيته بماء ليتوضأ فانتهرني ، وقال لي : وراءك ، فساءني ذلك ، ثم صلى ، فشكوت ذلك إلى عمر بن الخطاب ، فقال : يا رسول الله ، إن المغيرة بن شعبة قد شق عليه انتهارك إياه ، خشي أن يكون في نفسك عليه شيء ، فقال : ليس في نفسي عليه شيء إلا خير ، ولكنّه أتاني بماء لأتوضأ ، وإنما أكلت طعاما ، ولو فعلت ذلك فعل الناس ذلك بعدي . أنا بذلك المسند فتح الدين العسقلاني - رحمه الله قراءة عليه ، وأنا أسمع ، أنبأكم الأخوان أبو المكارم عبد الله وأبو عبد الله الحسين ، أنبأنا الحسن بن منصور ، وقال الأول : أنبأ ، وقال الثاني : ثنا الحافظ العلامة أبو بكر محمد بن موسى الهمداني ، قال : قرأت على محمد بن أبي الأزهر بواسط بالعراق : أخبرك أبو طاهر القارئ في كتابه ، أنا الحسن بن أحمد ، أنا دعْلج ، أنا محمد بن علي ، ثنا سعيد ، ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط ، عن أبيه ، عن سويد بن سرحان ، عن المغيرة ، وقال : هذا حديث يروى عن سُويد من غير وجه ، فمنهم من يقول فيه : كان يتوضأ قبل ذلك ، ومنهم من يقول : كان توضأ قبل ذلك . ورواه أبو داود في سننه عن عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري ، ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن أبي صخرة جامع بن شداد ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : ضفت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم ، فأمر بجنْب فشوي ، وأخذ شفرته ، فجعل يحز لي بها منه ، قال : فجاء بلال فآذنه بالصّلاة ، فألقى الشفرة ، وقال : ما له ، تربت يداه ؟ وقام يصلي . وزاد الأنباري : وكان شاربي وفيا ، فقال : أقصه لك على سواك ، أو قصه لي على سواك ، وسيأتي بعد - إن شاء الله تعالى - في كتاب الوليمة . ورافع بن خديج قال : رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل ذراعا ، فلما فرغ أمر أصابعهُ على الجدار ، ثم صلى العصر والمغرب ، ولم يتوضأ . رواه أبو القاسم في المعجم الكبير ، عن الحسين بن إسحاق التستري ، ثنا هشام بن عمار ، ثنا صدقة بن خالد ، عن عمر بن قيس ، عن إبراهيم بن محمد بن خالد ، عن ابن المسيب ، عنه . وإحدى زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلّ ليلة يأتينا إلا قلينا جنة تكون في المدينة ، فيأكل منها ، فيصلي ولا يتوضأ . رواه الكجي عن حجاج ، ثنا عمارة ، عن محمد بن المنكدر ، قال : دخلت على إحدى أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : ألا تحدثيني ، فقالت ، الحديث . وعكراش بن ذؤيب : أنه أكل مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصعة من ثريد ، ثم أتي بماء ، فغسل يده وفمهُ ، ومسح وجههُ ، وقال لي : يا عكراش ، هذا الوُضُوءُ مما مست النار . رواه أبو حفص في كتابه عن هارون بن أحمد ، ثنا النضر بن طاهر ، ثنا عبيد الله بن عكراش ، عن أبيه . ومعاذ بن جبل ، وقيل له : إنّ ناسا يقولون : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ مما مست النار ، فقال : إنّ قوما سمعوا ولم يعُوا ، كنا نُسمّي غسل اليد والفمِ وضوءا ، وليس بواجب ، إنما أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههُم مما مسّتِ النارُ ، وليس بواجب . ورواه البيهقي في كتاب السنن ، ثم قال : فيه مطرف بن مازن ، وفيه كلام ، ورواه البزار في مسنده مرفوعا : إذا أكل أحدنا طعاما غيرت النّار غسل يده وفاه ثلاثا ، نعد هذا وضوءا . من حديث الحسن بن يحيى الخشني ، وحاله مختلف فيها ؛ فابن معين يوثقه ، والنسائي يأبى ذلك . وأم عامر قالت : رأيت النبي وهو في مسجد بني عبد الأشهل ، أتي بعرق فتعرقه ، ثم صلى ولم يتوضأ . ذكره ابن شبة في كتاب أخبار المدينة ، فقال : ثنا محمد بن خالد ، ثنا إبراهيم بن أبي حبيبة ، عن داود ، وعبد الرحمن بن عبد الرحمن عنها ، وعبد الله بن عمر : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : من أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يديه . رواه القاسم في الأوسط من حديث الوازع بن نافع عن سالم عنه ، وقال : لم يروه عن سالم إلا الوازع . تفرّد به المغيرة بن سقلاب . وأم هانئ : إنه - تعني : النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكل كتفا ، وصلى ولم يتوضأ . رواه أيضا فيه عن أحمد بن علي الأبار ، نا أميّة ، عن يزيد بن زريع ، عن روح بن القاسم ، عن محمد بن المنكدر ، قال : زعمت أم هانئ ، فذكره . وضباعة : أنها رأت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتفا ، ثم قام إلى الصلاة ، ولم يتوضأ . رواه أيضا فيه من جهة موسى بن خلف ، عن قتادة ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أم عطية ، عن أختها ضباعة ، وقال : لم يروه عن قتادة إلا موسى بن خلف . تفرد به ابنه خلف العمي ، وإسحاق الذي روى عنه قتادة هو ابن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وضباعة هي ابنة الزبير بن عبد المطلب - رضي الله عنها - انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما ذكره أبو إسحاق الحربي في كتاب العلل ، رواه قتادة عن أبي الخليل ، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث ، [ تابعوا ابن أبي عدي ، وخالد ، ويزيد بن هارون ، عن أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ] ، وقال يزيد بن زريع : عن أبي الخليل ، وإسحاق ، عن عبد الله بن الحارث ، وكان ينبغي أن يقول : عن أبي الخليل . وعبد الله بن الحارث ، وإسحاق عن أم حكيم ، وليست هي أم حكيم ، إنما هي أم الحكم ، وأختها ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب ، وهذه جدّته من قبل أمه ، والتي من قِبل أبيه ، فأم عبد الله بن الحارث هذه بنت أبي سفيان بن حرب ، وأمّها صفية بنت أبي عمرو بن أمّية ، ولو قال عن أخته أم الحكم كان أشبه ؛ لأنه كان لإسحاق أختا لأبيه وأمّه ، يقال لها : أم الحكم ، ولدت لمحمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس ابنه يحيى بن محمد ، وقول سعيد بن بشير عن جدّته وهم ؛ لأنّ أمه أم عبد الله بنت عياش بن أبي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأمها زينب بنت عمرو بن ربيعة . وقال التستري ، عن إسحاق : وأحسن في قوله أم الحكم ، فأمّا همام فقد أحسن في قوله : أم الحكم ، وأساء في موافقته سعيد بن بشير أنها جدّته ، أمّا موسى بن خلف ، فقال : عن أم عطية ، وإنمّا أراد أن يقول : عن أم الحكم عن ضباعة ، وكان للزبير ابنة ، يقال لها : أم عطية ، إنّما كان له ابنتان ضباعة وأم الحكم ، فكيف يقول موسى : أم عطية عن أختها ضباعة . وصفية : أنها قرّبت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتفا - يعني : فأكل - ولم يتوضأ ؟ ! رواه داود بن أبي هند ، عن إسحاق الهاشمي ، عنها . قال الحربي : صفية هذه ليست ابنة حُيي ؛ [ لأن إسحاق بن عبد الله بن الحارث هذا الذي روى عنه داود لم يحدث عن ابنة حيي ] ، ولكنها صفية بنت أبي عمرو بن أمّية ؛ لأنها جدّته من قبل أبيه . وحديث علي بن أبي طالب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان يأكل الثريد ويشرب اللبن ويصلي ولا يتوضأ . رواه الطبري في كتاب تهذيب الآثار ، عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، ثنا أبو أحمد الزبيري ، عن عبد الأعلى ، عن محمد بن علي ، عنه . وأم حكيم بنت الزبير : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل على ضباعة بنت الزبير ، فأكل عندها كتفا من لحم ، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ . رواه البغوي في الكبير عن يزيد ، أنا ابن أبي عروبة ، أنا قتادة ، عن صالح أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث عنها ، ورواه الخطابي في غريبه من جهة يحيى بن حكيم ، ثنا محبوب بن الحسن ، عن داود بن أبي هند ، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عنها ، ولفظه : أنّها أتته بكتف ، فجعلت له فأكل منها ، ثم صلى ولم يتوضأ . وأخت أبي سعيد قالت : جاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عائدا لأبي سعيد ، فقدمنا إليه ذراع شاة ، فأكل منها ، وحضرت الصلاة ، فدعا بماء فمضمض ، وقام فصلى . رواه النسائي في كتاب الكنى عن عبيد الله بن عبد الكريم ، ثنا سعيد بن محمد الجرمي ، ثنا عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ الأنصاري أبو محمد ، ثتنا هند بنت سعيد بن أبي سعيد الخدري عن عمتها فذكرته ، ثم قال : رواه عبيد الله عن سعيد ، وقد تقدّم ما قاله الحربي في هذا الحديث قبل . والبراء بن عازب ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أكل خبزا ولحما ، وصلى ولم يتوضأ . رواه أبو عبد الله في تاريخ نيسابور عن محمد بن حامد البزار ، ثنا مكي بن عبدان ، ثنا أحمد بن يوسف السلمي ، ثنا سعيد بن الصباح ، ثنا مالك بن مغول ، عن أبي السفر عنه . ومعاوية بن أبي سفيان ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل ألبأ فصلى ولم يتوضأ . ذكره عبد الغني بن سعيد في كتاب إيضاح الإشكال ، رواه عن أبي الطاهر ، ثنا ابن ناجية ، ثنا يوسف بن واضح ، ثنا الحسن بن ندبة ، نا روح بن القاسم ، عن محمد بن المنكدر ، عن رجل ، عن معاوية . وقال الحربي : قول من قال : أكل ألبأ خطأ ، إنما أراد أن يقول : لبأ بغير ألف قبل اللام ، وهو حديث أبيض مثل الحمص ويطبخ ، يقال للمرأة : بيضاء كأنها لبأ ، وكان ينبغي أن يقول في الحديث أيضا مطبوخا أو مسلوقا ، حتى يكون مما مست النار ، فأما ما لم تمسّه النار فلا معنى للحديث . وأمّ سُليم ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أكل جنبا مشويا ، ثم صلى ولم يتوضأ . رواه ابن عون عن محمد بن يوسف عنها ، قال الحربي : إِنما أراد أن يقول : أم سلمة ؛ لأن هذا الكلام بعينه رواه ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ، وابن يوسف هذا مولى عمرو بن عثمان بن عفان ، حدث عنه بكير بن الأشج وابن عجلان ، قال ابن المنذر : ممن روى عنه أنه توضأ مما مسته النار ، وأمر بالوضُوء منه : ابن عمر ، وأبو طلحة ، وأنس بن مالك ، وأبو موسى الأشعري ، وعائشة ، وزيد بن ثابت ، وأبو هريرة ، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، وأبي مجلز ، وأبي قلابة ، ويحيى بن يعمر ، والحسن بن أبي الحسن ، والزهري . وكان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي - رضي الله عنهم وابن مسعود وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وأبّي بن كعب وأبو الدرداء ومالك ، وأهل المدينة والثوري ، وأهل الكوفة والأوزاعي ، وأهل الشّام والشّافعي ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وأصحاب الرأي لا يرون منه وضوءا ، وكذلك نقول . وذكر البيهقي عن أبي عبد الله الشّافعي : وإنّما قلنا : لا يتوضأ منه ؛ لأنه عندنا منسوخ ؛ ألا ترى أنّ عبد الله بن عبّاس ، وإِنّما صحبه - عليه السلام - بعد الفتح ، روي عنه : أنه رآه يأكل من كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ . وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ ، وأن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف ، والثابت عنه - عليه السلام - أنه لم يتوضأ منه ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما تقدّم من حديث عائشة المتقدم : ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مما مست النار حتى قبض . [ ولفظ أبي عمر في التمهيد عنها وعن أم حبيبة : كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مما مست النار . قال أبو عمر : وقد روي عن أم سلمة في ذلك خلاف ما روي عنهما ] . قال عثمان بن سعيد الدارمي : لما رأينا هذه الأحاديث قد اختلف فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم نقف على الناسخ منها ، فنظرنا إلى ما أجمع عليه الخلفاء الراشدون والأعلام من الصحابة ، فأخذنا بإجماعهم في الرخصة فيه . قال الحازمي : وأكثر الناس يُطلقُون القول بأن الوضُوء منه منسوُخ ، ثم اجتماع الخلفاءِ الراشدين ، وإجماع أئمة الأمصار بعدهم يدل على صحّة النسخ ، وحديث المغيرة - يعني المتقدّم - يدل على أنّ الرخصة كانت غير مرّة ، وقال البغوي في شرح السنّة : هو منسوخ عند أهل العلم . وقال ابن عبد البر : أعلم مالك الناظر في موطئه أنّ عمل الخلفاءِ الراشدين بترك الوضُوء منه دليلٌ على أنّه منسوخٌ ، وأنّ الآثار الوارِدة بأن لا وضُوء على من أكل شيئا مسته النار ناسخة للآثار الموجبة له ، وقد جاء هذا المعنى عن مالك نصا ، روى محمد بن الحسن أنه سمع مالكا يقول : إذا جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثان مختلفان ، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر ، في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به . وكتب عياش بن عباس إلى يحيى بن سعيد يسأله : هل نتوضأ مما مسته النار ؟ فكتب إليه : هذا مما يختلف فيه ، وقد بلغنا عن أبي بكر وعمر أنهما أكلا مما مسّت النار ، ثم صليا ولم يتوضآ . وفي التمهيد : الأمر بالوضُوء منسُوخ عند أكثر العلماءِ وجماعة أئمة الفقهاءِ ، وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة ، ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسُوخ . وفي مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني : ثنا عمرو بن عثمان ، ثنا سويد بن عبد العزيز ، عن الأوزاعي ، قال : سألت الزهري عن الوضوء مما غيرت النار ، فقال : توضأ ، قلت : عمن ؟ قال : عن زيد بن ثابت ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي موسى الأشعري ، وأنس ، وعائشة ، وأم سلمة ، قلت : فأبو بكر ؟ قال : لم يكن يتوضأ ، قلت : فعمر ؟ قال : لم يكن يتوضأ ، قلت : فعلي ؟ قال : لم يكن يتوضأ ، قلت : فابن مسعود ؟ قال : لم يكن يتوضأ ، قلت : فهات رجالا مثل رجالي ، قال : إذا لأتيتك . وفي كتاب الكنى لأبي عبد الرحمن : سئل سعيد بن المسيب عن الوضوء مما مست النار ، فقال : اغسل يدك وفمك .

210

10 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا علي بن مسهر ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، ثنا سويد بن النعمان الأنصاري : أنهم خرجوا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى إذا كانوا بالصهباءِ صلى العصر ، ثم دعا بأطعمة ، فلم يؤت إلا بسويق فأكلوا وشربوا ، ثم دعا بماء فمضمض فاه ، ثم قام فصلى بنا المغرب . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه من حديث مالك عن يحيى ابن سعيد ، وقال مسلم في الوحدان : لم يرو عن سويد غير بشير .

211

8 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، ثنا الزهري ، قال : حضرت عشاء الوليد أو عبد الملك ، فلما حضرت الصلاة قمت لأتوضأ ، فقال جعفر بن عمرو بن أمية : أشهد على أبي أنه شهد على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أكل طعاما مما غيرت النار ، ثم صلّى ولم يتوضأ . وقال علي بن عبد الله بن عباس : وأنا أشهد على أبي بمثل ذلك . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، وخرج البخاري حديث عمرو فقط ، وفي كتاب ابن أبي داود إثره : ثم أخبر رجال من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسائر أزواجه أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : توضئوا مما غيرت النار . قال ابن أبي داود : فوهنت تلك في الناس قول الزهري : رواه عن عمرو بن عثمان ، ثنا شعيب عنه .

212

7 - حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، وعمرو بن دينار ، وعبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر خبزا ولحما ولم يتوضئوا . هذا حديث رواه الترمذي عن ابن أبي عمر ، ثنا ابن عيينة ، ثنا ابن عقيل ، سمع جابرا ، قال سفيان : ثنا ابن المنكدر ، عن جابر ، قال : خرج النبي - عليه السلام - وأنا معه ، فدخل على امرأة من الأنصار ، فذبحت له شاة فأكل ، وأتته بقناع من رطب فأكل منه ، ثم توضأ للظهر وصلى ، ثم انصرف ، فأتته بعُلالة من علالة الشاة فأكل ، ثم صلى العصر ، ولم يتوضأ . ولم يحكم عليه بشيء ، وفيه نقص عما رواه له شيخه ، والذي في مسنده : ففرشت لنا تحت صوْر لها - والصوْر : النخلات المجتمعات - وفي آخره : وشهدت أبا بكر دخل على أهله ، فقال : هل من طعام ؟ قالوا : لا ، قال : فأين شاتكم الوالد ؟ فأتي بها فحلبها ، ثم أمر بلبانها فطبخ فأكل منه ، ثم صلى ولم يتوضأ ، وشهدت عمر بن الخطاب ، وأتي بجفنتين ، فوضعت إحداهما بين يديه والأخرى من خلفه ، فأكل وأكلنا معه ، ثم صلى ولم يتوضأ . وقال فيه الجوزقاني : حديث صحيح . رواه عن ابن المنكدر جماعة ، وخرجه أبو حاتم البُستي في صحيحه ، عن عبد الله بن محمد الأزدي ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا أبو علقمة عبد الله بن محمد بن أبي فروة ، حدثني محمد بن المنكدر ، عن جابر ، قال : رأيت النبي - عليه السلام - أكل طعاما مما مسته النار ، ثم صلى قبل أن يتوضأ ، ثم رأيت بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر أكل طعاما مما مسته النار ، ثم صلى قبل أن يتوضأ ، ثم رأيت بعد أبي بكر عمر أكل طعاما مما مسته النار ، ثم صلى قبل أن يتوضأ ، وفي لفظ : دعت امرأة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكل هو وأصحابه ، وحضرت ، فتوضأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلى ، ثم عاد إلى بقيتها فأكلوا ، فحضرت العصر فلم يتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم . وفي لفظ : أكل النبي صلى الله عليه وسلم لحما ومعه أبو بكر وعمر ، ثم قاموا إلى العصر فصلوا ولم يتوضئوا . وفي صحيح ابن خزيمة : ثنا موسى بن سهْل الرملي ، ثنا علي بن عياش ، ثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن ابن المنكدر ، عن جابر ، قال : آخر الأمرين من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك الوضوء مما غيرت النار . ولما خرجه ابن حبان في صحيحه عنه ، قال : هذا خبر مختصر من حديث طويل ، اختصره شُعيب متوهما لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقا ، إنما هو نسخ لإيجاب الوضوءِ مما مست النار خلا الجزور فقط . وقال أبو داود عند تخريجه : هذا اختصار من الحديث الأول ، ولفظ الحاكم في التاريخ عن ابن عقيل عنه : أكلت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شاة صنعت له قبل العصر ، فحضرت الصلاة ، فصلى ولم يمس ماء ، ثم حضرت عمر في ولايته ، فأتي بجفنة فيها ثريد ولحم ، فأكلها مع ناس من المهاجرين ، وحضرت الصلاة ولم يمس عمر ولا أحد ممن أكل معه ماء . وقال الدارقطني في الأفراد : تفرد به شعيب ، ولا أعلم رواه عنه غير علي بن عياش ، ورواه في موضع آخر منه بلفظ : بينما نحن مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكل مما مست النار . هذا حديث غريب من حديث ابن عيينة عن الثوري . تفرد به طاهر بن الفضل الحلبي عن ابن عيينة . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش : كان آخر الأمرين ؟ فقال : هذا حديث مضطرب المتن ، إنّما هو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتفا ولم يتوضأ . كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر ، ويمكن أن يكون شعيب حدّث به من حفظه فوهم فيه ، وقال في موضع آخر : إنّما هو أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتفا ، ثم صلى ولم يتوضأ . ولقائل أن يقول : الذي سلف من عند أبي داود وابن حبان أقرب مما ذكره الرازي ؛ لتباعد لفظ المتنين ، ولعدم جواز التعبير بأحدهما عن الآخر ، والانتقال من أحدهما إلى الآخر إنما يكون عن غفلة شديدة يبعد عنها شعيب ، وقول أبي داود أقرب ؛ لأنّه يمكن أن يعبر بهذه العبارة عن معنى الرواية الأولى ، ولقائل أن يقول أيضا : المراد بآخر الأمرين ما ذكره جابر أولا ، من أنه أكل لحما وخبزا ، ثم توضأ ، ثم أكل فضل طعامه وصلى ، ثم لم يتوضأ ، فكان الآخر من الفعل الأول ترك الوضوء ، فصحّ إذا الاختصار ، كان جائزا فهم من التابع الراوي عنه أنّه عرف روايته للحديث الأوّل ، فعبر له بعبارة موجزة يفهمها السامع ، والله أعلم . وعلى هذا لا تعلق لمن ادّعى النسخ بقوله : آخر الأمرين . وأمّا ابن حزم فزعم بعد تصحيحه حديث آخر الأمرين أنّ من قال : إنّه مختصر من الأول ، قول بالظن ، والظن أكذب الحديث ، بل هما حديثان اثنان كما وردا ؛ حديث ابن المنكدر وحده ، ولفظ ابن أبي داود في كتاب الطهارة : أن امرأة اشترت حائطا ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه ويدعو فيه بالبركة الحديث . وفي لفظ : كنّا زمان النبي صلى الله عليه وسلم وما نجد من الطعام إلا قليلا ، فإذا نحن وجدنا لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ، ثم نصلي ولا نتوضأ . وفي سنن الكجي : جئنا امرأة من الأشراف ، وهي جدة خارجة بن زيد بن ثابت ، وفيه عنه أن النبي أخذ بكفه جرعة فمضمض من غبر الطعام ، انتهى . وفي الحديث علّة خفيت على من صححه ، ذكرها البخاري في التاريخ الأوسط ، فقال : ثنا علي ، قلت لسفيان : إن أبا علقمة الفروي قال عن ابن المنكدر ، عن جابر : أكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يتوضأ ، فقال : أحسبني سمعت ابن المنكدر قال : أخبرني من سمع جابرا : أكل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم عن ابن المنكدر : سمعت جابرا ، ولا يصح ، فهذا حكم منه بعدم صحته متصلا ، وإن كان قد صرح في التاريخ الكبير بسماعه من جابر ، ولا منافاة بين القولين ؛ لاحتمال أن يكون ظهر له أنه لم يسمع منه هذا بخصوصه ، وإن كان قد سمع منه غيره ؛ كما قاله لما سأله الترمذي عن حديث ابن عباس : الشاهد واليمين . قال : لم يسمع عمرو هذا الحديث عندي من ابن عباس ، مع تصريحه في صحيحه بسماعه من ابن عباس غير ما حديث ، وما ذكره الشافعي إثر رواية له في سنن حرملة عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج مختصرا ، قال : لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر ، إنّما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر . قال البيهقي : وهذا الذي قاله الشافعي محتمل ؛ وذلك لأنّ أصحاب صاحب الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابر في الصحيح ، مع كون إسناده من شرطهما ، ولأنّ ابن عقيل قد رواه أيضا عن جابر ، ورواه عنه جماعة ، إلا أنّه قد روي عن حجاج بن محمد وعبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج عن ابن المنكدر ، قال : سمعت جابرا ، فذكروا هذا الحديث . فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهما من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح - والله أعلم - انتهى كلامه . وفيه عدم رجوع لما قاله الشافعي ، وركون إلى قول من صرح بالسماع ، وذهول عن قول الجعفي - رحمهم الله تعالى - ويزيده وضوحا أيضا : رجوع ابن المنكدر عن هذا الرأي إلى غيره . ذكر أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن شعيب بن أبي حمزة : أنّ الزهري ناظر ابن المنكدر ، فاحتج ابن المنكدر بحديث جابر ، واحتج الزهري بحديث عمرو بن أميّة في الوضوء مما مست النار ، قال : فرجع ابن المنكدر عن مذهبه إلى مذهب الزهري ، انتهى . ولقائل أن يقول : لو أخذه ابن المنكدر عن جابر شفاها لما رجع عنه ، ولا ساغ له ذلك ، ولكن لما أخذه عنه بواسطة ضعيف رجع عنه مسرعا ، وقد رواه عن جابر أبو الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان . ذكر ذلك الحاكم في تاريخ نيسابور ، فقال : ثنا أبو حامد الحافظ ، أنا أبو حاتم ، ثنا أحمد بن يوسف السلمي ، ثنا الجارود بن يزيد عن عبد الله بن زياد بن سمعان ، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، بلفظ ، قال لنا : يأتيكم رجل من أهل الجنة ، [ فجاء أبو بكر ، ثم قال : يأتيكم رجل من أهل الجنة ] فجاء عمر ، ثم قال : ليأتينكم رجل من أهل الجنّة ، اللهم إن شئت جعلته عليا ، فجاء علي . ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ، ثنا أبو سعيد محمد بن شاذان ، ثنا بشر بن محمد القارئ ، ثنا ابن المبارك ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل كتف شاة ، ثم صلى ولم يتوضأ . وقد تقدم حديث ابن عقيل عنه ، ورأيت بخط سعْد الخير : أنا ابن فراس ، أنا ابن بشران ، ثنا الحسين بن صفوان ، ثنا ابن أبي الدنيا ، عن محمد بن موسى بن الصباح ، ثنا رشدين بن سعْد ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام أربع عشرة ، في كلها أقول : يا رسول الله ، ثنا ابن شهاب عنك : أن توضئوا مما غيرت النار ، فيقول لي : لا يا رشدين

213

9 - حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة ، قالت : أتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتف فأكل منه وصلى ، ولم يمس ماء . هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر في صحيحه ، ورواه النسائي في الكبير من حديث ابن جُريج : حدثني محمد بن يوسف ، عن سليمان بن يسار ، قال : دخلت على أم سلمة ، فحدثتني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصبح جنبا من غير احتلام ، ثم يصوم . وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته أنها قربت ، الحديث . وأنبأ ابن المثنى ، ثنا يحيى ، ثنا جعفر ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، ولفظه : أكل كتفا فجاء بلالُ فخرج إلى الصلاة ، ولم يمس ماء ، وقد تقدّم كلام أبي عمر بأن سنده صحيح ، وتقدّم أيضا ما يعارضه .

214

باب الرخصة في ذلك 6 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أكل نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتفا ، ثم مسح يده بمسح كان تحته ، ثم قام إلى الصلاة فصلى . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما من حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار . وخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس ، ثم قال : خبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد ، غلطنا في إخراجه ، فإن بين هشام بن عروة وبين محمد بن عمرو وهب بن كيسان ، كذلك رواه يحيى بن سعيد وعبدة بن سليمان ، ورواه وهب عن محمد بن عمرو ، ولفظه : ويتمضمض ، ولم يمس ماء . وقال ابن عبد البر : وعند عطاء في هذا الباب أيضا حديث أم سلمة ، أنّها أخبرته : أنها قربت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جنبا مشويا ، فأكل ثم صلى ، ولم يتوضأ . قال : وليس هذا باختلاف على عطاء في إسناده ، وهما حديثان صحيحان مسندان . وفي مسند السراج عن قتيبة عن الدراوردي عن زيد بزيادة : ولم يتمضمض . ولما خرج أبو عيسى حديث عطاء من جهة ابن جريج ، قال : حسن صحيح ، قال ابن عساكر : كذا رواه روح عن ابن جريج ، ورواه خالد بن الحارث وأبو عاصم عن ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان - يعني : ابن يسار قال أبو عيسى : رواه ابن سيرين ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وعطاء ، وعكرمة ، ومحمد بن عمرو بن عطاء ، وغير واحد عن ابن عباس . وفي مسند الإمام أحمد : ثنا حفص بن عمر ، عن همام ، عن قتادة ، عن يحيى بن يعمر ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهش من كتف ، ثم صلى ، ولم يتوضأ . ورواه أيضا عن يحيى عن ابن جريج حدثني سعيد بن الحويرث . وفي كتاب السراج : ثنا زياد بن أيوب ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا الحسن بن عرفة ، ثنا هُشيم ، عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، كلهم عن ابن عباس بنحوه ، وفي المصنف من حديث محمد بن عمرو بن عطاء : أكل من عظم ، أو تعرق من ضلع . وفي حديث أبي جعفر : مر بقدر تفور فأخذ منها عرقا - أو كتفا - فأكله ، ثم تمضمض ، ولم يتوضأ . وفي سنن أبي داود : قال ابن عباس : فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم وماء ، ثم قام إلى الصلاة . وفي مسند ابن عباس ، تصنيف القاضي إسماعيل بن إسحاق من حديث حجاج ، عن سعد بن إبراهيم ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه : أن النبي - عليه السلام - أكل في بيت ضباعة بنت الحارث كتفا . وقال : هكذا رواه أبو معاوية عن حجاج ، وخالفه يزيد بن هارون ، فرواه عن حجاج : دخل على ضباعة بنت الزبير ، فأكل عندها كتفا من لحم ، الحديث . وفي تاريخ بحْشل من حديث سعيد بن جبير : أكل ابن عباس لحما ، ثم صلى ولم يتوضأ ، ولم يثن من البساط شيئا .

215

باب الوضُوءِ مما غيرت النّار 3 - حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : توضئوا مما غيرت النار ، فقال ابن عباس : أتوضأ من الحميم ؟ فقال : يا ابن أخي ، إذا سمعت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثا فلا تضرب له الأمثال . هذا حديث روى مسلم في صحيحه مرفوعه من حديث ابن شهاب . أخبرني عمر بن عبد العزيز ، أنّ عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره : أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد ، فقال : إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها ؛ لأني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : توضئوا مما مست النار . ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر : ثنا سفيان بن عيينة فذكره ، وفيه : فقال ابن عباس : أنتوضأ من الدهن ؟ أنتوضأ من اللحم ؟ ! ولم يحكم عليه بشيء ، والذي رأيت في مسند ابن أبي عمر : ثنا الدراوردي وابن عيينة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : توضئوا مّما مست النار ، ولو من أثوار أقط ، فقال له ابن عباس : يا أبا هريرة ، أنتوضأ من الحميم ؟ فقال له أبو هريرة ، الحديث . وفي مسند أبي العباس السراج من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ، قال : اجتمع أبو هريرة وابن عباس ، فقال ابن عباس : ليس في طعام وضوُء ، وقال : أكل ابن عباس طعاما ولم يتوضأ ، قال : فتناول أبو هريرة كفا من حصباء ، فقال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدد هذه الحصباء ، يقول : توضئوا مما غيرت النار ، وفي لفظ : ولو من ثور أقط ، وفي لفظ : مما أنضجت النار ، وفي لفظ : قال ابن عباس : أتوضأ من طعام أجده حلالا في كتاب الله عز وجل ؛ لأن النار محشته ؟ ! . وقال البيهقي في كتاب السنن الكبير : وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث أبي هريرة - يعني هذا - معلول بفتواه بعد وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بألا وضوء منه ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما علم من مذاهب المحدثين بأنّ العبرة بما روى لا بما رأى ، خلافا للحنفيين .

216

5 - حدثنا هشام بن خالد الأزرق ، ثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك ، عن أبيه ، عن أنس بن مالك ، قال : كان يضع يديه على أذنيه ، ويقول : صُمَّتا ، إن لم أكن سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : توضئوا مما مست النار . هذا حديث قال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن يزيد - يعني : عن أنس - إلا ابنه خالد بن يزيد ، انتهى [ وهو مع الغرابة إسناده ضعيف لضعف راويه : وذلك أن هماما رواه عن مطر عن الحسن عن أنس عن أبي طلحة ، قال - عليه الصلاة والسلام - : الوضُوء مما غيرت النار لونه . أنا بذلك الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف المنبجي - رحمه الله - بقراءتي عليه ، أخبرتكم المسندة أم أحمد زينب بنت مكي بن علي بن كامل الحرانية ، أنا أبو حفص بن طبرزد ، أنا أبو غالب بن البناء ، أنا أبو الغنائم بن المأمون ، أنا أبو القاسم بن حبابة ، أنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني الحافظ ، قال : أنا محمد بن المؤمل ، ثنا بشر ابن عمر ، ثنا همام ، فذكره ، وإسناده صحيح . ورواه السراج في مسنده عن إسحاق بن إبراهيم ، ثنا بشر ، فذكره ، [ رواه كذلك عن عبد الله بن عمر ، ورواه النسائي في كتاب الكنى عن عبيد الله بن سعيد ، ثنا حرمي بن عمارة ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، سمعت يحيى بن جعدة ، ورواه أحمد بن منيع في مسنده بسند صحيح عن إسماعيل ، ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن ، فذكره ] ورواه أبو عبد الرحمن ، وفي الباب غير ما حديث ؛ من ذلك : حديث زيد بن ثابت ، خرجه مسلم في صحيحه ، وقد تقّدم ذكره ، وحديث أم حبيبة ، وشرب عندها ابن أختها أبو سفيان بن سعيد سويقا : يا ابن أختي توضأ ، فإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : توضئوا مما مست النار . خرجه أبو داود ، وإسناده صحيح ، وقال الحربي : رواه عن الزهري ثلاثة عشر ، وقالوا أربعة أقاويل ؛ فقال يزيد بن زريع عن معمر : دخل عليها سعيد بن سفيان بن المغيرة ، وهذا مما أوهم فيه معمر بالبصرة . وقال عبد الرزاق عنه : فدخل عليها أبو سفيان بن المغيرة ولم يصب أيضا ، إنما هو أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس ، وأسقط عثمان بن حكيم أبا سلمة بن عبد الرحمن - يعني : شيخ الزهري وقال الماجشون عن عبيد الله : وهذا وهم منه لا شك فيه ، وليس كقول من قال : عن أبي سلمة ، عن أبي سفيان بن سعيد بن المغيرة ، وفي الأوسط : لم يروه عن بكر إلا جعفر بن ربيعة ، وذكر عن الزهري أنّ أبا سفيان ابن أخت أم حبيبة . وحديث أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ، خرجه أبو عبد الرحمن النسائي ، وإسناده جيِّد ، وصححه ابن حزْم . وحديث عبد الله بن عمر ، قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه عبد الرحمن بن عبد الحميد بن سالم المهري ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، يرفعه : توضئوا مما مست النار ، فقال أبي : هذا خطأ ، ولم يبيِّن الصواب ما هو وما علّة ذلك ، والصحيح ما رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه موقوف ، ورواه شعيب بن أبي حمزة وابن أبي ذئب وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن ابن قارظ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد توبع عبد الرحمن بن عبد الحميد بن سالم ، ذكر القشيري في تاريخ الرقة : ثنا هلال ، ثنا عمرو بن عثمان ، ثنا العلاء بن سليمان الرقي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، مرفوعا . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث عقيل عن ابن شهاب ، وقال : لم يروه عن عقيل إلا خال أبي الطاهر ، واسمه موسى بن ربيعة . وحديث سلمة بن سلامة وكان آخر أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا أن يكون أنس بن مالك ، فإنه قد بقي بعده ، أنهما دخلا وليمة ، وسلمة على وضوءٍ ، فأكلوا ثم خرجوا ، فتوضأ سلمة ، فقال له جبيرة : ألم تكن على وضُوء ؟ قال : بلى ، ولكن رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وخرجنا من دعوة دعينا لها ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وضُوء ، فأكل ثم توضأ ، فقلنا له : ألم تكن على وضوء يا رسول الله ؟ قال : بلى ، ولكن الأمر يحدث ، وهذا مما حدث . خرجه الحافظ أبو بكر بن أبي داود في سننه : عن عبد الملك بن شُعيب بن الليث ، حدثني أبي ، عن جدي ، حدثني زيد بن جُبيرة بن محمود بن أبي جُبيرة الأنصاري ثم الأشهلي ، عن أبيه جبيرة بن محمود ، عنه . وحديث عبد الله بن زيد ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا وضوء إلا مما مست النار ، أو حدث ، أو ريح . رواه ابن شاهين عن الحسين بن أحمد بن صدقة ، نا أحمد بن سعيد ، ثنا يوسف بن عدي ، ثنا ابن المبارك ، عن محمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، فذكره ، ورواه أبو حاتم . ورواه أبو القاسم في الأوسط عن أحمد بن رشدين ، ثنا يوسف بن عدي ، ثم قال : لا يروي هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن أبي حفصة ، تفّرد به ابن المبارك . وحديث زيد بن ثابت مرفوعا : توضئوا مما مست النار . قال الدارقطني : ورواه في الأفراد . تفرد به المنذر بن محمد ، عن أبيه ، عن جنادة بن سلم ، عن عبيد الله ، عن الزهري ، عن حمران بن أبان ، عنه . وحديث بسرة بنت صفوان : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : توضئوا مما أنضجت النار . وذكره ابن عدي في كامله ، من طريق أحمد بن عبد الله بن ميسرة ، عن سليمان بن داود الرقي ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عنها ، وضعفه بأحمد وسليمان ، وقال : إسناد غير محفوظ . وحديث رجل من الصحابة ، قال : كنا نتوضأ ممّا غيرت النار ، ونتمضمض من اللبن ، ولا نمضمض من التمر . رواه الكجي في سننه عن حجاج ، ثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عنه . وحديث أبي سعيد الخير الأنصاري ، ذكره الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد اللّه بن عبد الرحيم [ في تاريخه ، فقال : ثنا دحيم ] ، ثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب ، ثنا فراس الشعباني ، سمعت أبا سعيد الخير ، سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : الوضوء مما مسته النار ، وغلت المراجل . وحديث أبي موسى الأشعري ، ذكره حرب في مسائله . وحديث أم سلمة - زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : توضئوا مما مست النار . رواه الكجي في سننه : ثنا أبو عاصم ، عن ابن أبي ذئب ، عن الحارث ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن عبد الله بن عبد الله ، وهو مشكل بما نذكره عنها بعد - إن شاء الله تعالى - أو يكون قد روت الأمرين الناسخ والمنسوخ جميعا ، والله تعالى أعلم .

217

4 - حدثنا حرملة بن يحيى ، ثنا ابن وهب ، أنا يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : توضئوا مما مسست النار . هذا حديث لم يسمعه ابن شهاب من عروة ، بيان ذلك في كتاب مسلم وغيره : قال مسلم : ثنا عبد الملك بن شعيب ، حدثني أبي ، عن جدّي ، حدّثني عقيل بن خالد ، قال : قال ابن شهاب : أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره أن أباه زيد بن ثابت قال : سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : الوضوء مما مست النار . قال ابن شهاب : وأخبرني عمر بن عبد العزيز أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ ، أخبره أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد ، فقال : إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها ؛ لأني سمعت من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : توضئوا مما مست النار . قال ابن شهاب : أخبرني سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان ، وأنا أحدثه هذا الحديث ، أنه سأل عروة بن الزبير عن الوضوء مما مست النار ، فقال عروة : سمعت عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقول : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : توضئوا مما مست النار . وفي مسند السراج : ثنا محمد بن يحيى ، ثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب : أن سعيد بن خالد أخبره أن عروة أخبره ، فذكر الحديث . وفي كتاب ابن شاهين من حديث ثواب بن يحيى : ثنا أبي ، عن الزهري ، عن القاسم ، سمعتُ عائشة تقول : ما ترك رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوضوء مما مست النار حتى قبض . قال محمد بن عمر الحافظ : وروي عن الزهري عن عروة عن عائشة ، وقيل : عن الزهري عن سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان عن عروة عنها ، وقيل : عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقيل : عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولما ذكر الحربي حديث الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر عن خارجة بن زيد عن أبيه ، قال : إن كان معمر يقول : لم يزل عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن يقول : إنه رواه في كتابه ، وقد وافقه صالح ، وابن أبي ذئب ، ويونس ، وشعيب ، وعقيل ، وعبد الرحمن بن خالد . وأما قول ابن لهيعة : عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه ، فالقول قول ليث ؛ لأنه رواه كما رووه .

218

2 - حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي ، ثنا مروان بن معاوية ، عن جعْفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة : سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مس الذكر ، فقال : إنما هو جزء منك . وفي مصنف وكيع بن الجرّاح : إنما هو جِذْوةٌ منك . هذا حديث معلّل بأمرين : الأول : جعفر بن الزبير الدمشقي الباهلي ، وقيل : الحنفي العابد الشامي . قال علي ابن المديني : سمعت يحيى وذكره ، فقال : لو شئت أن أكتب عنه ألفا لكتبت ، كان يروي عن ابن المسيب نحوا من أربعين حديثا ، وضعفه يحيى جدا ، وقال يزيد بن هارون : كان جعفر بن الزبير وعمران بن حدير في مسجد واحد ، وكان الزحام على جعفر ، وليس عند عمران أحد ، فكان شعبة يمرّ بهما ، فيقول : عجبا ! الناس اجتمعوا على أكذب الناس ، وتركوا أصدق الناس ، قال يزيد : فما أتى علينا إلا القليل حتى رأيت ذلك الزِّحام على عمران ، وتركوا جعفرا ليس عنده أحد . وقال غندر : رأيت شعبة راكبا على حمار ، قيل له : أين تريد يا أبا بسطام ؟ فقال : أذهب وأستعدي على هذا - يعني : جعفرا - وضع على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعمائة حديث كذب . وقال يحيى بن معين : جعفر ضعيف ، وفي رواية : ليس بثقة . وقال الفلاس : متروك الحديث ، كثير الوهم ، [ وقال أبو حاتم : كان واهي الحديث ، لا أرى أن أحدث عنه ، وهو متروك الحديث ] . وقال أبو زرعة : اضربوا على حديثه ، لا أحدّث عنه بشيء ، وقال السعدي : نبذوا حديثه ، وقال البخاري : متروك الحديث ، وفي التاريخ الأوسط : أدركه وكيع ثم تركه ، وقال النسائي والدارقطني وعلي بن الجنيد والأزدي : متروك الحديث ، وقال أبو أحمد : وعامة أحاديثه لا يتابع عليها ، والضعف على حديثه بيّن ، وتركه الإمام أحمد ، وفي موضع آخر : ضرب على حديثه ، وفي كتاب العلل عنه : أن اضرب على رواية جعفر بن الزبير ؛ لأنه إنّما كانت رواية عن القاسم ، وذكره القيرواني في كتاب الضعفاء ، وذكر العقيلي عن محمد بن المثنى : ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه شيئا قط . الثاني : أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى خالد بن يزيد بن معاوية ، ويقال : مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد ، ويقال : مولى جويرية بنت أبي سفيان ، قال أبو زرعة الدمشقي : وهو أحبّ القولين إلي . وقال الطبراني : مولى معاوية بن أبي سفيان ، وإن كان قد وثقه يعقوب بن سفيان وابن معين والترمذي ويعقوب بن شيبة والحربي ، وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : ما رأيت أحدا أفضل منه . وقال الجوزجاني : كان خيارا فاضلا ، فقد قال الإمام أحمد ، وذكره ، فحمل عليه ، وقال : يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب ، وتكّلم فيها ، وقال : ما أرى هذا الأمر إلا من قبل القاسم ، وهو منكر الحديث ، وفي كتاب العقيلي : هذه الأحاديث المناكير يقولون : من قبل القاسم ، وسئل عنه أبو حاتم ، فقال : حديث الثقات عنه مستقيم ، لا بأس به ، وإنمّا ينكر عليه الضعفاء . وقال ابن حبان : كان يروي عن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المعضلات ، وقال الكوفي : يكتب حديثه ، وليس بالقوي ، وقال إبراهيم بن الجنيد : سمعت ابن معين يقول : القاسم ثقة إذا روى عنه الثقات ، أرسلوا ما رفع هؤلاء . وفي رواية البرقي عنه : ضعيف ، ذكرها أبو العرب ، وفي الأوسط للبخاري : وروى عنه العلاء بن الحارث وكثير بن الحارث وسليمان بن عبد الرحمن ويحيى بن الحارث ، وابن جابر أحاديثه مقاربة . وأمّا من يتكلّم فيه مثل جعفر بن الزبير وعلي بن يزيد وبشر بن نمير ونحوهم ، ففي حديثهم مناكير واضطراب . وفي كتاب العقيلي : لما حدّث بشر بن نمير عن القاسم قال شعبة : ألحقوه به ، وقال أبو داود : هو أبو عبد الرحمن ، ومولى عبد الرحمن ، وأهل الشام ينكرون أن يكون ابن عبد الرحمن ، ويقولون : هو سبي ، قال أبو داود : وهم أعلم به . قال الآجري : وسمعت أبا داود يقول : سمعت أحمد بن صالح يقول : إنما هو القاسم عن مولى أدخل بينه وبين أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا أمامة وعمرو بن عبسة وعليا وجماعة لا أعرفهم ، فضعف لحال هذا ، والله أعلم . وذكره الساجي والبلخي في كتاب الضعفاء ، وفي الباب غير ما حديث بخلاف ما يوهمه كلام أبي عيسى ؛ من ذلك : حديث عمر بن الخطاب وعصمة بن مالك الخطمي - وكان من الصحابة - أنّ رجلا قال : يا رسول الله ، إنِّي احتككت في الصلاة ، فأصابت يدي فرجي ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وأنا أفعل ذلك . رواه الدارقطني عن محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ، قال : ثنا أحمد بن محمد بن رشدين ، عن ابن عفير ، عن الفضل بن المختار ، عن الصلت ابن دينار ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عمر بن الخطاب ، وعن عبيد الله بن موهب ، عن عصمة . والصلت ، قال أحمد وعمرو بن علي وعلي بن عمر : ليس بالقوي ، وفي رواية عن أحمد : ترك الناس حديثه ، وقال علي بن الجنيد : متروك . والفضل بن المختار ، قال ابن عدي : أحاديثه منكرة ، وعامتها لا يتابع عليها ، وقال أبو حاتم الرازي : مجهول ، وأحاديثه مُنكرة ، يُحدثُ بالأباطيل ، وقال الأزدي : منكر الحديث جدا ، ولما ذكرها البيهقي في الخلافيات ضعفهما بنحو ما قدمناه بعد فصْله بينهما . وحديث جري الحنفي : أن رجلا أتى رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : [ إني ربما أكون في الصلاة ، فتقع يدي على فرجي ] ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وأنّا ربما كان ذلك ، امض في صلاتك . رواه الحافظ محمد بن إسحاق بن منده في كتاب معرفة الصحابة ، عن عبدوس بن الحسين النيسابوري ، عن محمد بن المغيرة الهمداني ، عن القاسم بن الحكم العرني ، عن سلام الطويل ، عن إسماعيل بن رافع ، عن حكيم بن سلمة ، عنه . وسلام بن سلم ، وقيل : ابن سليمان ، وقيل : ابن سالم ، أبو عبد الله السعدي الخراساني ، سكن المدائن ، قال فيه يحيى : ضعيف ، لا يكتب حديثه ، وقال مرّة : ليس بشيء ، وضعفه ابن المديني جدا ، وقال الإمام أحمد : منكر الحديث ، وقال البخاري والرازي : تركوه ، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كذاب ، وقال النسائي وعلي بن الجنيد والأزدي والدارقطني : متروك الحديث ، وقال ابن حبان : يروي عن الثقات الموضوعات ، كأنه كان المتعّمد لها . وإسماعيل بن رافع أبو رافع مات بالمدينة قديما ، وكان كثير الحديث ضعيفا ، وهو الذي روى حديث الصور بطوله ، قاله ابن سعْد . وقال أحمد ويحيى : ضعيف الحديث ، وفي رواية عن يحيى : ليس بشيء . وقال الفلاس : منكر الحديث ، وقال النسائي وعلي بن الجنيد : متروك الحديث ، انتهى . ويشبه أن يكون حديثه عن الصحابة منقطعا ؛ لأني لم أر أحدا ذكر أنه سمع من صحابي ، إنما وصف بالرواية عن التابعين ، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات عن رجل من بني حنيفة ولم يسمه ، قال : هذا منقطع ، والله أعلم . وحديث مرثد بن الصلت عن أبيه ، أنّه وفد على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسأله عن مس الذكر ، فقال : إنما هو بضعة منك . رواه ابن بنت منيع الحافظ في معجمه عن محمد بن خلف المقرئ : ثنا أحمد بن محمد بن شماس ، ثنا عبد الرحمن بن عمرو ، قال : سمعت عبد الرحمن بن مرثد الجعْفي يحّدث عن أبيه مرثْد بن الصلت ، ثم قال : وهذا حديث منكر ، والذي حدث به عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة ، وهو ضعيف الحديث جدا . وحديث أبي أيوب الأنصاري ، قال : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : مسست ذكري وأنا في الصلاة ، فقال : لا بأس . ذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار بغير إسناد ، ويشبه أن يكون ضعيفا ؛ لأنا قدمنا ضعفه قبل . وحديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن مسّ الذكر ، فقال : ما أبالي مسسته ، أو مسست أنفي ، ذكره البيهقي في الخلافيات ، وقال : هذا حديث منكر ، روينا خلافه عنها ، وحديث رجل من بني حنيفة بنحوه ، ذكره أيضا ورماه بالانقطاع . وحديث أبي ليلى ذكره البيهقي في السنن الكبير عن أبي بكر القاضي وأبي سعيد بن أبي عمرو ، قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن عمران ، حدّثني ابن أبي ليلى ، عن عيسى ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي ليلى ، قال : كنّا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء الحسن ، فأقبل يتمرغ عليه ، فرفع عن قميصه وقبل زبيبته . ذكره إثر حديث طلق ، ثم قال : هذا إسناد غير قوي ، وليس فيه : أنه مسّه بيده ثم صلى ولم يتوضأ . اختلف أهل العلم في هذا الباب ، فذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث ، ورأوا ترك الوضوء من مسّ الذكر . روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وعمار بن ياسر ، وابن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وحذيفة بن اليمان ، وعمران بن حصين ، وأبي الدرداء ، وسعد بن أبي وقّاص - في إحدى الروايتين وعمر بن الخطاب في رواية ، وأنس بن مالك ، ومعاذ بن جبل ، وعبد الله بن عمر ، وأبي بكر الصديق ، وأبي هريرة - في إحدى الروايتين عنه - وأبي أيوب ، وعائشة - في إحدى الروايتين عنهما . قال أبو عمر بن عبد البر : والأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات ، انتهى كلامه . وفيه نظر إن أراد هؤلاء المسمين ؛ لأن حديث ابن مسعود تقدّم ردّه بأبي قيس الأودي ، وحديث ابن عمر وعائشة تقدّم الكلام عليهما قبل ، وحديث حذيفة أعلّه أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه ، وكذلك حديث أبي أيوب وعمر بن الخطاب تقدم ذكرهما ، وحديث عمران مشكوك في اتصاله ؛ لأنه من رواية الحسن عنه ، وغير واحد يزعم أنه منقطع . وقال به أيضا ابن المسيب ، والشعبي ، وإبراهيم ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وعكرمة ، وقتادة ، وطاوس ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، والضحاك ، ومكحول ، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وشريك ، والحسن بن حر ، وعبيد الله بن الحسن ، قال أبو عمر : جمهور العلماء العراقيين ، مضى على ذلك أسلافُهم ، ويحيى بن معين وابن المبارك . وخالفهم في ذلك آخرون ؛ فذهبوا إلى إيجاب الوضوء من مسّ الذكر ، فممن روي عنه ذلك : عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وأبو أيوب ، وزيد بن خالد ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وجابر بن عبد الله ، وعائشة ، وأم حبيبة ، وبُسرة بنت صفوان ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وعروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وعطاء بن أبي رباح ، وأبان بن عثمان ، وجابر بن زيد ، والزهري ، ومصعب بن سعد ، ويحيى بن أبي كثير ، وسعيد بن المسيب ، قال الحازمي في أصّح الروايتين عنه : وهشام بن عروة ، والأوزاعي ، وأكثر أهل الحديث ، وجماعة أهل الشام والمغرب ، والشّافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والمشهور من قول مالك ، ومجاهد ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وحُميد الطويل ، وسليمان التيمي ، وأبو العالية ، والشعبي . قال أبو عمر بن عبد البر ، عن الثوري ، قال : دعاني وابن جريج بعض الأمراء ، فسألنا عن مسّ الذكر ، فقال ابن جريج : يتوضأ من مسّ الذكر ، وقلت أنا : لا وضوء على من مسّ ذكره ، فلما اختلفنا قلت لابن جُريج : أرأيت لو أنّ رجلا وضع يده في مني ؟ قال : يغسل يده ، فأيما أنجس المني أم الذكر ؟ قال : المني ، قلت : فكيف هذا ؟ قال : ما ألقاها على لسانك إلا شيطان . قال أبو عمر : يقول الثوري : إذا لم يجب الوضوء من مس المني فأجدر أن لا يجب من مس الذكر ، وإذا لم يجب من النجس فأحرى ألا يجب من الطاهر ، وإنما ساغت المناظرة ، وصارت المعارضة عنده في هذه المسألة لاختلاف الآثار فيها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واختلاف الصحابة - رضي الله عنهم ومن بعدهم في ذلك ، ولو كان فيها أثر لا معارض له ولا مطعن فيه لسلّم الجميع له وقالوا به . قال أبو بكر بن حازم : ومن ذهب إلى إيجاب الوضوء ادّعى أنّ حديث طلق [ على تقدير ثبوته ] منسوخ ، وناسخه حديث بُسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو ؛ لتأخّرهم في الإسلام . وقال بعض من ذهب إلى الرخصة : المصير إلى حديث طلق أولى لأسباب ؛ منها : اشتهار طلق بالصحبة ، ومنها : طول صحبته وكثرة روايته ، ثم لو سلمنا ثبوت حديث بُسرة ، فمن أين لكم ادعاء النسخ في ذلك ؛ إذ ليس في حديث بُسرة ما يدل على النسخ ؟ بل أولى الطرق أن يجمع بين الحديثين ، كما حكاه لوين عن ابن عيينة ، فإنه قال : تفسير حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من مس ذكره فليتوضأ ، معناه : أن يغسل يده إذا مسّه ، وردّ ذلك ابن حزْم ، فقال : هذا باطل ، لم يقل أحدٌ : إنّ غسل اليد واجب أو مستحب من مس الفرج ، لا المتأولون لهذا التأويل الفاسد ولا غيرهم ، ويقال لهم : إن كان كما تقولون فأنتم أول مخالفين للأمر ، وأيضا فإنه لا يطلق الوضوء في الشّريعة إّلا لوضوء الصلاة ، وقد أنكر - عليه السلام - إيقاع هذه اللفظة على غير الوضوء للصلاة ، لما أتى من الغائط فأتي بطعام ، فقيل : ألا تتوضأ ؟ فقال : لم أصل فأتوضأ ، وقد جاء مبينا في حديث بُسّرة : فليتوضأ وضوءه للصلاة ، وقال ابن حبّان : خبر طلق منسوخ ؛ لأن قدومه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول سنة من سني الهجرة ، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضُوء من مسّ الذكر ، وأبو هريرة أسلم سنة سبْع ، فدل ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بسبع سنين ، ثم قال : ذكر الخبر المصّرح برجوع طلق إلى بلده بعد قدمته تلك . قال : أنا أبو خليفة ، نا مسدد ، ثنا ملازم ، نا عبد الله ، عن قيس ، عن أبيه ، قال : خرجنا سنة وفد إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة من بني حنيفة ، ورجل من بني ضبيعة بن ربيعة ، حتى قدمنا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعناه وجلسنا معه ، وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا ، واستوهبناه من فضل طهوره ، فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض ، وصبّ لنا في إداوة ، ثم قال : اذهبوا بهذا الماء ، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم ، ثم انضحوا مكانها من هذا الماء ، واتخذوا مكانها مسجدا ، قلنا : يا رسول الله ، البلد بعيد ، والماء ينشف ، قال : فأمدوه من الماء ، فإنّه لا يزيده إلا طيبا ، فخرجنا ، فتشاححنا على حمل الإداوة ، أيّنا يحملها ، فجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك نوبا ، لكل رجل يوما وليلة ، فخرجنا بها ، حتى قدمنا بلدنا ، فعلمنا الذي أمرنا ، وراهب ذلك القوم رجل من طيء فنادينا بالصلاة ، فقال الراهب : دعوة حق ، ثم ذهب فلم ير بعد . قال أبو حاتم : في هذا الخبر بيان واضح أن طلقا رجع إلى بلده بعد القدْمة التي ذكرنا ، قال : ثم لا يُعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك ، فمن ادعّى رجوعه بعد ذلك فعليه أن يأتي ببينة مصرحة ، ولا سبيل له إلى ذلك . وبنحوه قاله البيهقي والبغوي في شرح السنة ، وفيه نظر لما ذكره أبو القاسم الطبراني : نا الحسن بن علي الفسوي ، ثنا حماد بن محمد الحنفي ، نا أيوب بن عتبة ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه طلق ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : من مس فرجه فليتوضأ . قال الطبراني : لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد ، وهما عندي صحيحان ، يشبه أن يكون سمع الحديث الأوّل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل هذا ، ثم سمع هذا بعد ، فوافق حديث بسرة وغيرها ، فسمع الناسخ والمنسوخ ، انتهى . وفيه إشعار برجوعه مرة أخرى ، فإن الإيجاب وعدمه لا يتأتى في أيام قليلة غالبا ، لما قيل عنه ، من أنّ مقامه بالمدينة كان قليلا ، نص على ذلك الأئمة . وأيضا فقد قيل : إن بسرة من مسلمة الفتح ، وإذا كان كذلك كان حديثها ظاهرا في النسخ ، ولا احتياج إلى حديث أبي هريرة لتقدّمها عليه ، وممن قال ذلك : إسماعيل بن سعيد الفقيه ، والاحتياط في ذلك أبلغ ، يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإسناد صحيح ، أنه : نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه ، أفلا ترون أن الذكر لا يشبه سائر الجسد ، ولو كان ذلك بمنزلة الإِبهام والأنف والأذن وما هو منّا لكان لا بأس علينا أن نمسّه بأيماننا ، فكيف يشبه الذكر بما وصفوا من الإبهام وغير ذلك ؟ ! فلو كان شرعا سواء لكان سبيله في المسّ سبيل ما سمّينا ، ولكن هاهنا علّة قد غابت عنا معرفتها ، ولعل ذلك أن يكون عقوبة ؛ لكي يترك الناس مس الذكر ، فيصير من ذلك إلى الاحتياط ، انتهى كلامه . وفي استدلاله بحديث مسّ الذكر باليمين نظر ؛ لإغفاله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وهو يبول ؛ لما فيه من الاستهانة باليمين وخشية الاستنجاء بها ، والله أعلم . وقال أبو محمد بن حزْم : خبر طلق صحيح إلا أنه لا حجة فيه لوجوه ؛ أحدها : أنّ هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مسّ الفرج ، هذا ما لا شك فيه ، وهو كذلك ، فحكمه منسوخ يقينا ، حين أمر - عليه السّلام - بالوضوء منه ، ولا يحل ترك ما يتيقّن أنه ناسخ ، والأخذ بما تيقّن أنّه منسوخ . وثانيهما : أن كلامه - عليه السلام - : هل هو إلا بضعة منك ؟ ! دليل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه ؛ لأنه لو كان بعده لم يقل - عليه السلام - هذا الكلام ؛ بل كان يبيّن على أنّ الأمر بذلك قد نسخ ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا ، وأنّه كسائر الأعضاء . وقال الخطابي : وترك خبر طلق على أنه أراد اللمس ، ودونه جائز ، واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبة وابن عيينة : أنّه سأله عن مسّه في الصلاة ، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه ، انتهى . وفي قوله : والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل نظر ؛ لما ذكره أبو عمر من حديث أبي الوليد الطيالسي ، نا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عمر بن الخطاب : أنه صلى بالناس فأهوى بيده فأصاب فرجه فأشار إليهم كما أنتم ، فخرج فتوضأ ثم رجع إليهم فأعاد . وفي الإسرار : ومطلق اللمس : اسم للمس بلا حائل ، وهذه المسألة وقعت في زمن عبد الملك بن مروان ، فشاور الصحابة ، فأجمع من بقي من الصحابة أنه لا وضوء فيها ، وقالوا : لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبيّنا لقول امرأة ، لا ندري أصدقت أم كذبت ، يعْنُون بُسرة . ومعنى قولهم : كتاب ربنا : بين الأحداث في كتابه ، وكانت نجسة : من دم حيض ومني وغائط ، وشرع الاستنجاء بالماء بقوله : رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا . فكانوا يتبعون الحجارة بالماء والاستنجاء بالماء ، لا يتصور إلا بمس الفرجين جميعا ، فلما ثبت بالنص أنه من التطهير لم يجز أن يجعل حدثا بخبر غريب تعم به البلوى ، فسقط على ما هو الأصل في خبر الواحد ؛ ولأنه ورد بخلاف القياس ، وقد ثبت من مذهب أبي هريرة ما يذكر أنه ليس بحديث ، والراوي إذا ذهب إلى خلاف ما روى دل على زيافة الحديث ما عرف في موضعه . قال أبو محمد بن حزْم : وقول من قال : تعظم به البلوى ، ولو كان لما جهله ابن مسعود ولا غيره حماقة قد غاب عن جمهور الصحابة الغسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه ، وهو مما تكثر به البلوى . وقد رأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف ، وهو مما تكثر به البلوى ، ولم يعلم ذلك جمهور العلماء ، ورأى الوضوء من ملء الفم من القلس ، ولم يره في أقل من ذلك ، وهذا تعظم به البلوى ، ولم يعلم ذلك قبله أحدٌ من ولد آدم - عليه السلام - والله أعلم . وأما الوضوء من مسّ الإبط ، فقد جاء في حديث رواه الزهري ، عن عبيد الله بن عتبة ، عن عمر : أنه أمر رجلا يتوضأ من مسّ الإبط . قال البيهقي : هذا مرسل ، وقد أنكره الزهري بعد ما حدث به ، ويمكن أن يكون أمره بغسل اليد تنظفا . وروى أبو الحسن من حديث ابن عرفة : ثنا خلف بن خليفة ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عمر : إذا توضأ الرجل ومس إبطه أعاد الوضوء . قال : وعن ابن عباس : ليس عليه إعادة ، وروى البيهقي أن ابن عمر أدخل يده في إبطه وهو في الصلاة ثم مضى . وأما الوضُوء من مسّ الصنم : فذكر المدائني في سيره ، من حديث محمد بن الوليد ، عن يعلى بن عبيد ، عن صالح بن حيان ، عن ابن بُريدْة ، عن أبيه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بريدة - وقد مس صنما - فتوضأ . وفي مصنف عبد الرزاق ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمار الدهني ، عن أبي عمرو الشيباني : أن علي بن أبي طالب لما استتاب المستورد العجلي مسّ صليبا كان في عُنقه ، فلما دخل في الصلاة قدم رجلا ، ثم أخبر الناس أنه لم يفعل ذلك لحدثٍ أحدثه ، ولكنّه من مس هذه الأجداث ، فأحببت أن أحدث وضوءا . وفي الأوسط للطبراني : نا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، نا معاوية بن هشام ، ثنا شيبان أبو معاوية ، عن جابر الجعفي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، قال : كنا نتوضأ من الأبرص إذا مسسناه . لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد ، تفرد به ابن نُمير ، ولم نكتبه إلا عن الحضرمي ، وكتبه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل . ومن حديث بقية ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال صلى الله عليه وسلم : الحدث حدثان ؛ حدث اللسان وحدث الفرج ، وحدث اللسان أشد من حدث الفرج ، ومنهما الوضُوءُ . وقد روي عن ابن عباس موقوفا ، وروى داود بن المحبّر القائل فيه ابن المديني : ذهب حديثه عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : يتوضأ من الحدث ، وأذى المسلم ، وقالت عائشة : يتوضأ أحدكم من الطعام الطّيب ، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه ؟ ! . وعن إبراهيم النخعي : إني لأصلّي الظهر والعصر والمغرب بوضُوء واحد إلا أن أحدث ، أو أقول منكرا ، الوضوء من الحدث وأذى المسلم ، وعن عبيدة السلماني نحوه . وفي كتاب الترهيب لأبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني : ثنا محمد بن سعيد الشافعي ، عن محمد بن عامر ، عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر ، ثنا عثمان بن مظفر ، عن أبي عبيدة ، عن علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليعد وضوءه . وعن ابن مسعود : لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب . ذكره ابن حزم ، وعلّل الجميع ، قال : وقد أوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة إبراهيم النخعي ، وأوجب الوضوء في الإنعاظ والتذكر والمس على الثوب بشهوة بعض المتأخرين . وروينا إيجاب الغسل من نتف الإبط عن علي وعبد الله بن عمرو ، وعن مجاهد الوضوء من تنقية الأنف ، وقد صح عن عروة : الوضوء من مس الأنثيين ، وروينا عن علي بن أبي طالب ومجاهد وذر والد عُمر بن ذر إيجاب الوضوء من قص الأظفار وقص الشعر ، والله تعالى أعلم . قال ابن المنذر : وبه قال الحكم وحمّاد ، ومن ارتد ثم رجع إلى الإِسلام كان الأوزاعي يقول : يستأنف الوضوء .

219

باب الرخصة في ذلك 1 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا محمد بن جابر ، قال : سمعت قيس بن طلق الحنفي ، عن أبيه : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن مس الذكر ، فقال : ليس فيه وضوء ، إنما هو منك . هذا حديث ضعيف بهذا الإسناد ؛ لأن محمد بن جابر بن سيار بن طلق أبا عبد الله اليمامي الحنفي السحميي أخا أيوب بن جابر ، قال فيه يحيى بن معين : ضعيف ، وقال مرة : ليس بشيء . وفي رواية عباس : أنه كان أعمى واختلط عليه حديثه ، وكان كوفيا ثم انتقل إلى اليمامة ، وقال أحمد : لا يحدث عنه إلا من هو شرّ منه . وفي تاريخ ابن المبارك : قاله عبد الله : مررت بمحمد بن جابر هذا ، وهو يحدث الناس ، فرأيته لا يحفظ حديثه ، فقلت له : أيّها الشيخ ، إنك حدثتني بكذا وكذا ، قال : فوثب أولئك عَلَيَّ قال : فكفّهم محمّد عني ، قال : ثم جاءني محمد إلى رحلي ومعه كتابه ، فقال : انظر ، فنظرت ، فإذا هو صحيح على ما حدثني ، فقلت : رحمك الله ، لا تحدِّث إلا من كتابك . ولفظ أبي داود في كتاب التفرد عن محمد بن جابر ، قال : في الصّلاة ، كذا رواه الثوري وشعبة وهشام بن حسان وابن عيينة وجرير عن ابن جابر ، وقال البخاري : ليس بالقوي ، يتكلمون فيه ، وقال الرازي : ذهبت كتبه في آخر عمره وساء حفظه ، وكان يلقن ، وقال ابن حبان : كان أعمى ، يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ، ويسرق ما ذوكر به فيحدث به . وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول : كان محمد رُبّما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه - يعني الحديث - [ قلت لأبي : لوين حدثنا عن محمد بن جابر عن حديث الغامدية ، قال : كان محمد بن جابر ] ، وربما ألحق في كتابه الحديث ، وهذا حديث ليس بصحيح ، وهو كذب ، [ وسألت أبي عن ابن جابر فغلظ فيه ، وفي تاريخ نيسابور : حديث محمد بن يحيى عن عبد الله بن الزبير عن ابن جابر ، فسئل عن محمد بن جابر ، فقال : لا بأس به ] . وفي كتاب العقيلي عن عبد الله : وقال الفلاس : صدوق ، كثير الوهم ، متروك الحديث ، وكان ابن مهدي يحدث عنه ثم تركه بعد ، وكان يروي أحاديث مناكير ، وهو معروف بالسّماع ، جيِّد اللقاء ، وفي كتابه لحق ، وحديثه عن حمّاد فيه اضطراب . وقال النسائي : ضعيف ، وقال ابن عدي : ولمحمد بن جابر من الحديث غير ما ذكرت ، وعند إسحاق بن أبي إسرائيل عنه أحاديث صالحة ، وكان - يعني ابن أبي إسرائيل - يفضله على جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق . وقد روى عنه من الكبار : أيوب ، وابن عون ، وهشام بن حسان ، والثوري ، وشعبة ، وغيرهم ، ولولا أن محمد بن جابر في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم ، وقد خالف في أحاديث ، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه . وفي سؤالات الآجري : سألت أبا داود عن محمد بن جابر اليمامي ، فقال : ليس بشيء ، وفي موضع آخر : سمعت أبا داود يقول : روى شعبة وسفيان عن محمد بن جابر ذاك الحديث ، سفيان أظنّه كتب به إليه ، وقال الدولابي في كتاب الكنى : ضعيف ، وقال العجلي : ضعيف ، وذكر أبو العرب عن ابن مهدي ، وذكر محمد بن جابر فجعل يضعفه . وقال محمد بن عيسى : قال لي أخي - يعني إسحاق الطباع - : حدث محمد بن جابر بن نمير بحديث لشريك عن أبي إسحاق ، قال : فرأيته في كتابه قد ألحقه بين سطرين من كتابه طري ، قرأت على أبي الفنون وأبي الحسن بن أبي بكر الضرير - رحمهما الله تعالى - قلت للأول : أنبأك المقدسي عن الميهني ، وابن ناصر قال : الميهني . وقال ابن ناصر : أنبأنا ابن خلف ، والثاني : أنبأك الحافظ البكري ، أنا القاسم بن عبد الله الصفّار ، أنبأتنا عمة والدي عائشة بنت أحمد ، عن أبي بكر بن خلف ، قال : أنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، أنا أبو بكر بن إسحاق الإمام ، أنا أبو مسلم عبد الله بن رجاء ، ثنا همام ، عن محمد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه : أنّه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو سأله رجل - فقال : بينا أنا في الصلاة ذهبت أحك فخذي فأصابت يدي ذكري ، فقال : هل هو إلا بضعة منك ؟ . قال الحاكم : هذا حديث رواه جماعة من التابعين عن محمد بن جابر ، فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء عن همام بن يحيى ، وهما ثقتان ، وفي تاريخ أصبهان لأبي نعيم من حديث ابن جابر : إنما هو بضعة منك ، فأنى تعزله ؟ . وقال ابن شاهين : هذا حديث اشتهر به محمد بن جابر ، ورواه عنه الأكابر ممن هم أسنّ منه وأقدم موتا ؛ منهم : أيوب السختياني ، وعبد الله بن عون ، وسفيان الثوري ، وهشام بن حسان ، وقيس بن الربيع ، وهمام بن يحيى ، وصالح المري ، وحّماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ، ووكيع ، وابن فضيل ، والمفضل بن صدقة ، وأخوه أيوب بن جابر ، وجماعة ذكرتهم في الأكابر عن الأصاغر . وذكر الحافظ أبو القاسم الطبراني لمحمد بن جابر متابعا ؛ وهو أيوب بن عتبة عن قيس ، بلفظ : سأل رجل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت إذا مس أحدنا ذكره يتوضأ ؟ ! قال : لا ، إنما هو بضعة منك ، [ رواه عن علي بن عبد العزيز ، عن أحمد بن يونس ، عنه ] . وفي لفظ : سأله عن مس فرجه . وأيوب هو : أيوب بن عتبة شر من محمد ، فإنّه قال فيه يحيى : ليس بشيء ، وفي رواية : ليس بالقوي ، وقال مرّة : ضعيف الحديث ، وكذلك قاله مسلم وأبو زرعة ، وقال النسائي : مضطرب الحديث . وقال علي بن الجنيد : شبه المتروك ، وقال البخاري : لا أحدث عنه ، كان لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه ، قال الترمذي : وضعّفه محمد جدا . وقال أبو داود : منكر الحديث ، وقال السعدي : ضعيف . ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء قال : قال العلاء : وضعّفه يحيى ، وليس هو ساقط الحديث ، وقال أحمد : ضعيف الحديث . وفي كتاب أبي العرب : قال ابن البرقي : أيوب بن النجار اليمامي وأيوب بن عتبة ممن نسب إلى الضعف ، واحتملت روايتهما . وذكر البيهقي أنّ أيوب ومحمدا ضعيفان ، وكذا قاله الحازمي وابن طاهر وابن الجوزي في العلل المتناهية ، ورواه أيضا رجل آخر يسمى أيوب بن محمد عن قيس بن طلق . قال الحربي في كتاب العلل : قول عبد الحميد بن جعفر عن أيوب بن محمد عن قيس بن طلق في مس الذكر لا أعرفه ، بل أعرف لأبي داود شيخا يقال له : أيوب بن محمد عجلي ، روى عن بشير بن علي وطيسلة بن علي ، وأيوب بن محمد شيخ مصري يلقب أبا الجمل ، ثنا عنه عبد الله بن صالح بحديث عن أيوب بن موسى عن يحيى بن أبي كثير ، فلعل عبد الحميد أراد هذا ، أو أراد أيوب أخا محمد بن جابر ، فقال : ابن محمد ، أو أراد يقول : أيوب بن عتبة ، وكان هذا أشبه من روى الحديث ممن يقال له : أيوب ، تسعون رجلا ، وضعف هذا الحديث أيضا يقتضى من طلق الراوي له عن أبيه . [ وفي تاريخ أبي زرعة : كان أحمد يضعف رواية أيوب عن يحيى بن أبي كثيِر ، قال : ] ذكر ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه في مس الذكر ، فلم يثبتاه ، وقالا : قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة ، ووهّناه . وفي كتاب العلل للخلال : قيل له - يعني للإِمام أحمد - : حديث قيس بن طلق عن أبيه ، قال : قد روى ، وغيره أثبت منه . وقال الشافعي في القديم : وزعم بعض من خالفنا أن قاضي اليمامة - يعني : أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر - ذكرا عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على ألا وضوء منه . قال الشّافعي : قد سألنا عن قيس ، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره ، وقد عارضه من وصفنا ثقته ورجاحته في الحديث وتثبته . وقال يحيى بن معين : لقد أكثر الناس في قيس بن طلق ، وأنّه لا يحتج بحديثه ، وأُعلّ أيضا باختلاف الرواة في ألفاظه ، فيما ذكره الحازمي . وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من هؤلاء الضعفاء ، حكم بصحتها جماعة ؛ منهم : الإمام أبو حاتم البستي ، فإنه ذكره في كتابه الصحيح : ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا نصر بن علي ، ثنا ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدْر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، قال : خرجنا وفدا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فجاء رجل ، فقال : يا نبي الله ، الحديث . ثم قال : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو ، وأخبرنا محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري - بمكة ثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء ، نا حسين بن الوليد ، عن عكرمة بن عمار ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه : أنّه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يمس ذكره ، فقال : لا بأس ، إنه كبعض جسدك . ولما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور : ثنا محمد بن يعقوب الحافظ ، ثنا الفراء ، قال : تفّرد به الحسين بن الوليد الثقة المأمون عن عكرمة ، ومنهم الحافظ أبو محمد الفارسي في كتابه المحلّى ، ورجحه ابن منده على حديث بسرة ، وحكى نحو ذلك عن الفلاس وابن المديني . وقال أبو عيسى عندما رواه في جامعه من حديث ابن بدر عن قيس : وهذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب ، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر ، وقد تكلّم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة ، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد اللّه بن بدر أصح وأحسن ، وأمّا قول أبي عمر : وملازم بن عمرو ثقة ، وعلى حديثه عوّل أبو داود والنسائي ، وكل من خرج في الصحيح ذكر حديث بسرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري ، فإنهما عنده متعارضان معلولان ، وعند غيره هما صحيحان ، ففيه نظر ؛ لأنّ مسلما لم يخرّج واحدا منهما ، وكذا ابن خزيمة لم يخرّج حديث طلق ، وهما ممن يخرج في الصحيح . وأمّا قول البيهقي في المعرفة والخلافيات : حديث عكرمة بن عمار عن قيس منقطع ؛ لأنه قال عن قيس : إن طلقا سأل ، وقيس لم يشهد سؤال طلق ، وعكرمة بن عمّار أقوى من رواه عنْ قيس ، وإن كان هو أيضا مختلفا في عدالته ؛ فاحتج به مسلم في غير هذا الحديث وتركه البخاري ، وتبعه على ذلك الحازمي فغير صواب منهما ؛ لما قدّمناه من عند ابن حبان من أنّ روايته متصلة لا شكّ فيها ، وإذا صحّ للحديث طريق وسلم من شوائب الطعن تعين المصير إليه ، ولا عبرة باختلاف الباقين . ورجحه أيضا محمد بن يحيى الذهلي ، بقوله : نرى الوضوء من مس الذكر استحبابا لا إيجابا ؛ لحديث عبد الله بن بدْر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حكاه الحافظ ابن خزيمة في صحيحه ، وذكره أيضا ابن الجارود في كتاب المنتقى ، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل ، وسكت عنه أبو محمد الأزدي ، وذلك مشعر بصحّته عنده ، وتتبع ذلك أبو الحسن عليه ، وقال : هو حسن لا صحيح . وقال أبو عمر بن عبد البر : أحسن أسانيده من جهة ملازم ، وأشار الطبراني - رحمه الله تعالى - إلى صحته . وأما تضعيف من ضعفه بقيس فغير صحيح ؛ لأنه ممن ذكره غير واحد في جملة الصحابة ، وعلى تقدير ألا يكون صحابيّا فقد وثقة ابن معين فيما حكاه ابن الجنيد وغيره ، ولا معارضة بينه وبين ما حكيناه عنه من أنّه لا يحتج به ؛ لاحتمال أن يكون أحد الأمرين قبل الآخر ، أو يكون الحجة عنده فوق الثقة ، ووثقه أيضا أحمد بن عبد الله العجلي الحافظ ، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات ، وروى عنه جماعة ؛ منهم : عبد الله بن بدْر ، ومحمد بن جابر ، وعبد الله بن النعمان السّحيمي ، وابن أخيه عجيبة بن عبد الحميد بن طلق ، وابنه هوذة بن قيس ، وعكرمة بن عمار ، وأيوب بن عتبة ، وأيوب بن محمد ، وموسى بن عُمير الثمالي ، وسراج بن عقبة ، وعيسى بن خيثم ، وفي ذلك رد لقول من قال : قد سألنا عنه فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره ؛ لأنّ هؤلاء عرفوه فرووا عنه ، وأولئك عرفوا حاله فأخبروا عنها ، ولولا عرفانها لما جاز لهم تصحيح خبره ، والله أعلم . ومن كان بما وصفناه كان حديثه صحيحا لا علّة فيه ، حسنا بغير شبهة تعتريه ؛ أمّا الصحة فقد تقدّم سببها ، وأمّا الحسن فلعرفان مخرجه بما يأتي بعد ، إن شاء الله تعالى .

220

الارتياد للغائط والبول 73 - حدّثنا محمد بن بشار ، ثنا عبد الملك بن الصباح ، ثنا ثور بن يزيد ، عن حصين الحميري ، عن أبي سعد الخير ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من استجمر فليوتر ، ومن فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج ، ومن تخلل فليلفظ ، ومن لاك فليبتلع ، ومن فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج ، ومن أتى الخلاء فليستتر ، فإن لم يجد إلا كثيب رملٍ فليمدده عليه ، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج عليه . 74 - حدّثنا عبد الرحمن بن عمر ، ثنا عبد الملك بن الصباح بإسناده نحوه ، وزاد فيه : من اكتحل فليوتر ، ومن فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج عليه . هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه ، عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام ( مكحول ) قال : ثنا سليمان بن سيف ، نا أبو عاصم ، ثنا ثور به . ورواه البخاري في التاريخ الكبير ، عن أبي عاصم مختصرا ، والإِمام أحمد في مسنده ، وقال : كان من أصحاب عمر بن الخطاب . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي عامر الخزاز عن عطاء عنه مختصرا ، وقال : لم يروه عن أبي عامر إلَّا روح بن عبادة . تفرد به إبراهيم بن بسطام ، وخرجه من حديث ابن شهاب ، قال : سمعت أبا إدريس يخبر عن أبي هريرة مختصرا . ورواه أيضا من جهة الأوزاعي ، عن عثمان بن أبي سودة ، عن أبي سعد الخير . وقال : لم يروه مرفوعا عن الأوزاعي إلَّا الهقل . تفرد به عمرو بن هاشم ، وأبى ذلك أبو عمر بن عبد البر ، وقال : ليس إسناده بالقائم ، فيه مجهولان ، وأبو محمد بن حزم ، وأبو بكر البيهقي ، وأبو محمد الإشبيلي ، ويشبه أن يكون قول أبي حاتم أقرب إلى الصواب ؛ وذلك أن العلّة عند من ضعفه إنّما هي الجهل بحال حصين وأبي سعد . أما حصين فهو أبو سعيد حصين بن عبد اللّه الحبرانِي ، ويقال : الحميري ، ونسبه بعضهم : الحمراني ، ولعلّه تصحيف الحبراني ، وحبران قبيل من حمير ، وحمران ليست منهم بحال . ذكره البستي في كتاب الثقات . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عنه ، فقال : شيخ . وقال أبو زرعة الدمشقي : شيخ معروف . وقال يعقوب : لا أعلم إلَّا خيرا ، وهو مما اسْتُدْرِكَ على ابن عساكر في التاريخ الكبير ، فإنه كان حمصيا . وأما أبو سعد فاختلف فيه ، فقال جماعة : أبو سعد ، كما تقدّم . وقال بعضهم : أبو سعيد ، قال الدارقطني في العلل : والصواب الأول . وقد اختلف في صحبته ، فممن ذكره في الصحابة أبو داود ، قال لما خرج حديثه هذا في رواية ابن داسة : أبو سعد الخير هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو عمر : أبو سعيد الخير ، ويقال : أبو سعد الخير الأنماري ، له صحبة ، قيل : اسمه عامر بن سعد . وقيل : عمرو بن سعد ، سكن الشام ، له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث يسيرة . وأمّا العسكري فزعم أن الصحابي المكنى أبا سعد الأنماري المسمى بهذين الاسمين ، هو المكنى أيضا أبا البشر ، فاللّه أعلم . وبنحو ما ذكره أبو عمر ذكره يعقوب وابن بنت منيع وغيره . وأما ابن أبي حاتم فذكره في كتابه ، سألت أبا زرعة عنه ، فقال : لا أعرفه ، فقلت : لقي أبا هريرة ؟ قال : على هذا يوضع ، وذلك ليس بمؤثر في عدم المعرفة بحاله ، على تقدير أن يكون تابعيا ؛ لأن ابن حبان البستي عرفها ؛ فلذلك أدخله في كتاب الثقات ، وإن كان صحابيا كما تقدم فلا نظر في حاله . وقول أحمد : كان من أصحاب عمر - لا ينافي صحبته ؛ لأن الصحابة كلهم من أصحابه ، وإن كان العرف يقضي على ذلك ؛ فظهر بمجموع ما أسلفناه ترجيح قول من صحح الحديث على قول من ضعفه ؛ لأن من علم حجة على من لم يعلم ، ومن أثبت حجة على من نَفَى . وفي رواية الطحاوي تصريح بسماع ثور من حصين ، وحصين من أبي سعد . وزعم بعض العلماء أنه لا يعرف اسمه ، وليس كما زعم لما تقدّم . وزاد بعض مشائخنا زيادة ، ولا أعلم له فيه سلفا .

221

76 - حدثنا محمد بن يحيى ، نا أبو النعمان ، ثنا مهدي بن ميمون ، ثنا محمد بن أبي يعقوب ، عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن جعفر قال : كان أحب ما استتر به النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجته هدفا أو حائش نخل . هذا حديث صحيح خرجه مسلم بن حجاج في صحيحه ، عن شيبان ، وعن عبد الله بن محمد بن أسماء ، قالا : ثنا مهدي ، بلفظ : أردفني النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، فأسرّ إلي حديثا لا أحدثه أحدا من الناس الحديث .

222

75 - حدّثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن يعلى بن مرّة ، عن أبيه قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأراد أن يقضي حاجته ، فقال : ائت تلك الأشاءتين - قال وكيع : يعني النخل الصغار - فقل لهما : إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يأمركما أن تجتمعا ، فاجتمعا ، فاستتر بهما ، فقضى حاجته ، ثم قال لي : ائتهما فقل لهما : لترجع كل واحدة منكما إلى مكانها ، فقلت لهما ، فرجعتا . هذا حديث إسناده صحيح ، واختلف على وكيع فيه ، فتارة رواه كما تقدّم ، وتارة عن يعلى من غير ذكر ابنه ، ذكره عنه ابن أبي شيبة في مسنده ، وهو الصحيح ، والأول وهم ، نص على ذلك البخاري وابن عساكر . انتهى . وقد وجدت متابعا لوكيع على رواية بعضهم ، وهو محاضر بن المورع فيما ذكره البغوي عن هارون بن عبد اللّه عنه ، ورواه أحمد بن منيع في مسنده من غير طريق وكيع بزيادات يستفاد منها في أعلام النبوة ، عن حسين بن محمد ، ثنا المسعودي ، عن يونس بن خباب ، عن ابن يعلى بن مرّة ، عن يعلى بن مرّة أنه قال : شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مشهدا لم يشهده غيري ، نزلت معه في سفر فقال لي : يا يعلى بن مرّة ، هل ترى شيئًا يواريني ؟ وأراد الحاجة ، فقلت : واللّه يا رسول اللّه ما أرى شيئا يواريك إلا شجرتين ، لعلهما إن اجتمعتا توارياك ، قال : فقل لهما فليجتمعا بإذن اللّه تعالى ، فأتت إحداهما إلى الأخرى ، فلما قضى حاجته قال : قل لهما : فلترجع كل واحدة منهما إلى مكانها . ثم إن امرأة عرضت له بابن لها ، فقالت : يا رسول اللّه هذا ابني قد أصابه لمم ، فتفل - عليه السلام - في فيه ، ثم قال : باسم اللّه ، محمد رسول اللّه ، اخسأ عدو اللّه ، فلما رجعنا من سفرنا إذا هي تهدي لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتخبره أنه لم يصبه شيء منذ فارقها ، فلما أتينا المدينة إذا بعير قد وضع جرانه مهملات عينيه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنه يخبرني أنه نضح على أهله كذا وكذا ، ثم أرادوا أن ينحروه ، فالتمسوا صاحبه ، فلما جاء صاحبه قال : بعني بعيرك هذا ؟ قال : هو لك ، قال : فاجعله في إبلك ، وأحسن إليه . وروى بعضه الحاكم في مستدركه .

223

77 - حدثنا محمد بن عقيل بن خويلد ، ثنا حفص بن عبد اللّه ، حدّثني إبراهيم بن طهمان ، عن محمد بن ذكوان ، عن يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : عدل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى الشعب ، فبال حتى إني لآوى له من فكِّ وركيه حين بال وأمّا محمد بن ذكوان البطاحي الأزدي الجهضمي مولاهم ، فهو خال ولد حماد بن زيد ، ذكره البخاري في التاريخ الأوسط ، فقال : هو منكر الحديث . وكذلك قاله أبو حاتم الرازي والنسائي . وقال الدارقطني : ضعيف . وقال ابن حبان : سقط الاحتجاج به . الاستجمار هنا عبارة عن تنح الخارج المعتاد من السبيلين بالأحجار ، واشتق من الجمار ، وهي الأحجار الصغار لرمي الجمار في الحج . وسئل ابن عيينة عن معنى هذا ، فسكت ، فقيل له : أترضى بما قال مالك ؟ قال : وما قال مالك ؟ قال : الاستجمار الاستطابة ، فقال ابن عيينة : مثلي ومثل مالك كما قال الأول : وابن اللبُون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزْلِ القَناعيس كذا حكاه الدارقطني والخطابي وابن خزيمة في صحيحه ، زاد عن ابن وهب : الاستجمار : وهو الاستطابة بالأحجار ، وفيه ردّ لقول من قال : إنّ مالكا - رحمه اللّه - حمل الاستنجاء هنا على استعمال البخور ، مشتقا ذلك من التجمير وهو التبخير ، وليس بشيء ؛ لأنّ الحديث إنما سِيق في الاستطابة لا في التبخير ، ولئن صح ذلك عن مالك فقد سبقه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنهما وبمثل ما قاله مالك أولا قاله أصحاب اللغة بأسرهم فيما أعلم . وزعم الزمخشري أنّ ذلك حقيقة فيهما ، واللّه أعلم . قوله : ( فليلفظ ) ، معناه : فليقذف ، ومضارعه مكسور الفاء ، قال الجوهري : وذلك الشيء لفاظة ، وفي الجامع : كل ما تركته من يدك فقد لفظته ، فهو لفاظ ولفيظ وملفوظ ، واسم ذلك الشيء الملفوظ اللفظ ، ولا يقال : لفظته ، بكسر الفاء . قوله : ( ما لاك ) ، يعني : أداره ، يقال : لاك الشيء له يلوكه لوكا ؛ إذا أداره في فيه ، ولاك الفرس اللجام ، يلوكه لوكا ، إذا أداره في فيه ، وكلّ شيء مضغته فقد لكته لوكا ، وفلان يلوك أعراض الناس ، إذا كان يقع فيهم . قاله القزاز . والجوهري بنحوه . وأمّا الشيطان فذكر ابن الأنباري في اشتقاقه قولين : الأوّل : لتباعده من الخير ؛ أخذا من قول العرب : دار شطون ونوى شطون ، أي : بعيدة ، قال نابغة بني ظبيان : فأضحت بعدما وصلت بدار شطون لا تعاد ولا تعود الثاني : لغيه وهلاكه ، أخذا من قولهم : قد شاط الرجل يشيط ، إذا هلك . قال الأعشى : قد نطعن العير في مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل أراد قد يهلك على أرماحنا ، وقال في موضع آخر : وقولهم : فلان شيطان من الشياطين ، قال : معناه قوي نشيط مرح ، قال جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزلي وهن يَهْوَيْنَنَي إذ كنت شيطانًا وعاب الزجاج على أبي بكر قوله هذا ، وأنكر عليه كونه لم يذكر مم اشتقاقه ، وما درى أنه ذكر اشتقاقه أولا ، كما تقدم ، فاستغنى عن إعادته . ثانيًا : وأغفلا من اشتقاقه ما ذكره نطفويه : هو من الشطن : وهو الحبل الطويل المضطرب ، وما ذكره القزاز : هو فعلان من شيطه بالنار ، إذا أحرقه بها ، قال الجوهري نونه أصلية ، قال أمية بن أبي الصلت : أيما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأغلال ويقال أيضًا : إنها زائدة ، فإن جعلته فيعالا من قولهم تشيطن الرجل ، صرفته ، وإن جعلته من شيط لم تصرفه ، لأنه فعلان ، وفي الكامل : وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن ، وإنس ، أو سبع ، أو حية يقال له : شيطان ، وأن قولهم : تشيطن إنما معناه تخبث ، وتنكر ، قال الراجز : أبصرتها تلتهم الثعبانا شيطانة تزوجت شيطانا وقوله : ( ولا حرج ) : يعني فلا إثم ، قال تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ويقال : معناه : الضيق ، قال تعالى : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، ويقال : معناه : الشك ، وهذا ليس مرادًا في الحديث ، وهو بالفتح والكسر وتسكين الراء أيضًا ، قال الخطابي : معناه التخيير بين الماء الذي هو الأصل في الطهارة ، وبين الأحجار التي هي للترخيص والترفه ، يريد أن الاستجمار ليس بعزيمة ، لا يجوز تركها إلى غيره ، لكنه إن استنجى بالحجارة فليجعله وترًا ، وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره ، وليس معناه رفع الحرج في ترك التعبد أصلًا ، بدليل حديث سلمان : نهانا أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار ، هكذا قاله ، وهو غير ظاهر ؛ لأن قوله : من استجمر فليوتر ، ومَنْ لا فلا حرج إنما يريد الإيتار في الاستجمار وعدمه ، لا ذكر للاستنجاء بالماء فيه ، على هذا أوله الطحاوي وغيره . قال الطحاوي : في الحديث دلالة على أنه - عليه السلام - قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار ، وأيضًا فقد اكتفى - عليه السلام - بحجرين لما ألقى الروثة ، لأنه لو كان لا يجزئ بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين ، ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا ، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين انتهى . وفيه نظر من وجهين : الأول : قوله دل هذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد للغائط في موضع ليس فيه أحجار ، وذلك منطوق به فلا حاجة إلى أن يقال فيه : يدل ، ذكر ذلك البخاري في صحيحه بقوله : فالتمست الثالث فلم أجده ، فأخذت روثة ، فهذا ابن مسعود صاحب القصة بين أنه لم يجد في مكانه ذاك حجرًا لعلته . الثاني : في قوله : ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا إلى آخره ذهول عما في الحديث عند أبي الحسن بإسناد حسن : وألقى الروثة ، وقال : إنها رجس ، ائتني بغيرها ، وفي مسند أحمد : ائتني بحجر . وفي الحديث جواز الاكتحال ، واستحباب الإيتار فيه ، واختلفوا في الكيفية على وجهين : فقيل بالإيتار في كل عين أخذًا بحديث ابن عباس من عند الترمذي كانت له - عليه السلام - مكحلة يكتحل منها في كل ليلة ، ثلاثة في هذه ، وثلاثة في هذه ، وقيل به في المجموع بأن يشفع في الواحدة ، ويوتر في الأخرى ، وقد رُوي في ذلك حديث عن أنس ، ذكره البغوي في شرح السنة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثًا ، وفي اليسرى ثنتين ، أما الأشاء ، فواحدها أشاءة . أنشد القزاز : لاث به الأشاء والعُبريُّ وقال الأجدائي : يقال للنخلة حين تفصل من أمها : جثيثة ، وثبيلة ، وَوَدْيَة ، فإذا انتشرت فهي فسيلة ، ثم أشاءة ، ثم جعلة ، ثم ملم ، ثم طريق إذا نالت اليد أعلاها ، فإذا ارتفعت عن الأيدي فهي جبارة ، ثم رَقْلَةٌ ، ثم سحوق ، وذكر العسكري في كتاب التلخيص أنها التي لا تحمل ، وقيل : هي التي تنبت من غراس ، ويقال له بالفارسية : خدور ، وقال أبو حنيفة : هي من شواب النخل وصغاره حين نهضت ، والجمع : أشاءات ، وأشاء . وفي الصحاح : الأشآء بالفتح والمد الواحدة أشآة ، والهمزة فيه منقلبة من الياء ؛ لأن تصغيرها أُشَيٌّ ، قال الشاعر : وحبذا حين تمسي الريح باردة وادي أشي وقيان به هضم يا ليت شعري عن جنبي مُلَسحَة وحيث تنبني من الحباة الألم عن الأشاءة هل زالت مخارمها وهل تغيّر من آرامها أرم ولو كانت الهمزة أصلية لقال : أشيء . والهدف : القطعة من الجبل أو الحائط ، والجمع : أهداف ، وهو أيضا حبل مشرف من الرمل ، ذكر ذلك القزاز . وفي الصحاح : وهو كلّ شيء مرتفع . وفي الغريب المصنف ، عن الأصمعي تقييده بالعظيم . والحائش : جماعة النخل ، لا واحد له ، كما قالوا لجماعة البقر : ربرب ، قال الأخطل : وكأن ظعن الحي حائش قرية دان جناه وطيب الأثمار وأصل الحائش : المجتمع من الشَّجر نخلا كان أو غيره ، يقال : حائش الطرفاء . ذكره أبو نصر بن حماد . وفي كتاب الهروي : هو جماعة النخل ، ومثله الصور ، والحَشّ والحُشّ والحُشَّة . وفي الغريب لأبي عبيد : وكذلك الغابة والأجمة والغيطل والأيكة والرعل والفيل والغريف والشعراء والدارة والأباة والخيس والأشب . والشِّعْب بالكسر : الطريق في الجبل ، والجمع الشعاب . قاله الجوهري ، وفي الجامع : ما انفرج بين الجبلين . ومعنى آوى : أرق وأرثى له ، يقال : أويت لفلان وأنا آوي له ، أوية وأية ، بقلب الواو بالكسرة ما قبلها ، وتدغم ، ومأوية ومأواة . من كتاب الصحاح . قال الشاعر : ولو أنني استأويته ما أوى ليا

224

باب الوضوء من مس الذكر 207 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، ثنا عبد الله بن إدريس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن مروان بن الحكم ، عن بُسرة بنت صفوان ، قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضأ . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه ؛ فأما أبو عيسى الترمذي فإنه لما رواه من جهة يحيى بن سعيد ، عن هشام ، أخبرني أبي ، عن بسرة قال فيه : حسن صحيح . قال : وهكذا روى غير واحد مثل هذا ، عن هشام ، عن أبيه ، عن بُسرة ، وقد روى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام عن أبيه عن مروان عن بسرة ، ورواه أبو الزناد ، عن عروة ، عن بُسرة ، ولما سأل البخاري عنه في كتاب العلل ، قال : أصح شيء عندي في مس الذكر حديث بسرة ، والصحيح عروة ، عن مروان ، عن بسرة . وذكر البيهقي ، عن إسماعيل القاضي قال : سمعت ابن المديني يقول ، وذكر حديث شعيب بن إسحاق ، عن هشام الذي يذكر فيه سماع عروة من بسرة ، فقال علي : هذا مما يدّلك أنّ يحيى بن سعيد قد حفظ عن هشام ، عن أبيه ، أخبرتني بسرة ، وقال ابن عدي في كامله : إنّما رواه عروة عن بسرة ، ولما سأل داود بن عبد الرحمن أبا عبد الله أحمد بن حنبل ، قلت : حديث بسرة ليس بصحيح في مسّ الذكر ، قال : بلى هو صحيح ، وذلك أنّ مروان حدثهم ثم جاءهم الرسول عنها بذلك ، وروى يعقوب بن سفيان ، عن أحمد أنه سئل عن حديث بسرة ، فقال : هو صحيح ، وأنا أذهب إليه ، قيل له : على الاختيار أو على الوجوب ؟ قال : على الاختيار . وفي كتاب الميموني : قلت لابن معين : أي حديث عن النبي - عليه السلام - أثبت في الوضوء من مسّ الذكر قال : حديث بسرة صحيح من أثبتها ، وإنّما يطعن عليه من لا يذهب إليه ، قلت : فلم لا تتوضأ أنت منه ؟! قال : لأنيْ رأيت أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتوضأ بعضهم ، قلت : فإذا اختلف الصحابة في شيء وأنت تجده عن النبي - عليه السلام - تدعه ؟ ولما سأله مضر بن محمد قال : ما صح فيه شيء إلا حديث بسرة وحديث بسرة فيه شيء ، ولما خرجه الحافظ أبو بكر بن إسحاق السلمي في صحيحه من حديث هشام ، عن أبيه ، عن مروان عنها ، قال : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : أنا ابن وهب ، عن مالك قال : أرى الوضوء من مس الذكر استحبابًا لا أوجبه ، وكان الشّافعي يوجب الوضوء من مس الذكر اتباعا لخبر بسرة لا قياسا . قال أبو بكر : وبقول الشافعي أقول ؛ لأنّ عروة قد سمع خبر بسرة منها ، لا كما توهمه بعض الناس من أنّ الخبر واهي لطعنه في مروان . ولما ذكره ابن حبان في صحيحه من جهة عروة سمعت بُسرة ؟ قال : معاذ الله أن نحتج بمروان . وخرجه ابن الجارود في منتقاه من حديث عروة ، عن مروان ، وفي آخره : قال عروة : فسألت بسرة فصدقته . ولما ذكره في المعرفة قال : إذا ثبت سؤال عروة بسرة له كان صحيحًا على شرط البخاري ومسلم جميعًا . ولما خرجه ابن البيع في مستدركه من جهة خلف ، عن حماد بن زيد ، عن هشام أنّ عروة كان عند مروان ، فسئل عن مس الذكر ، فقال عروة : إن بسرة حدّثتني أنّ النبي - عليه السلام - قال : إذا أفضى أحدكم إلى ذكره فلا يصل حتى يتوضأ ، فبعث مروان حرسيا الحديث . قال : هكذا ساق ابن زيد هذا الحديث ، وذكر فيه سماع عروة من بسرة ، وخلف بن هشام ثقة ، وهو أحد أئمة القراء ، ومما يدل على صحة روايته رواية الجمهور من أصحاب هشام ، عن أبيه ، عن بسرة ، منهم : أيوب السختياني وقيس بن سعد المكي وابن جريج وابن عيينة ، وعبد العزيز بن أبي حازم ويحيى بن سعيد وحماد بن سلمة ومعمر وهشام بن حسان وعبد الله بن محمد أبو علقمة وعاصم بن هلال ويحيى بن ثعلبة المازني وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي وعلي بن المبارك وأبان العطار ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري ، والدراوردي ويزيد بن سنان وعبد الرحمن بن أبي الزناد وعبد الرحمن بن عبد العزيز ، وجارية بن هرم الفقيمي وأبو مَعْشر وعباد بن صهَيب وغيرهم . وقد خالفهم فيه جماعة ، فرووه عن هشام ، عن أبيه ، عن مروان ، عن بسرة ، منهم : الثوري ورواية عن هشام بن حسان ورواية عن حماد بن سلمة ومالك ووهيب بن خالد وسلام بن أبي مطيع وعمر بن علي المقدمي وعبد الله بن إدريس وعلي بن مُسهر وأبو أسامة وغيرهم . وقد ظهر الخلاف فيه على هشام من أصحابه ، فنظرنا فإذا القوم الذين أثبتوا سماع عروة من بسرة أكثر ، وبعضهم أحفظ من الذين جعلوه عن مروان ، إلا أنّ جماعة من الأئمة الحفاظ ذكروا عن مروان ، منهم : مالك والثوري ونظراؤهما ، فظن جماعة ممن لم يمعن النظر في هذا الاختلاف أنّ الخبر واهي ، لطعن أئمة الحديث على مروان ، فنظرنا فوجدنا جماعة من الثقات الحفاظ رووه عن هشام ، عن أبيه ، عن مروان ، عن بسرة ، ثم ذكروا في رواياتهم أنّ عروة قال : ثم لقيت بعد ذلك بسرة فحدّثتني بالحديث كما حدّثني مروان عنها ؛ فدّلنا ذلك على صحة الحديث وثبوته على شرط الشيخين ، وزال عنه الخلاف والشبهة ، وثبت سماع عروة من بسرة . فممن بين ما ذكرنا من سماع عروة منها : شعيب بن إسحاق الدمشقي وربيعة بن عثمان التيمي والمنذر بن عبد الله الحزامي وعنبسة بن عبد الواحد القرشي وأبو الأسود حميد بن الأسود الثقة المأمون . وقد رواه عن عروة جماعة ، منهم : عبد الله بن أبي بكر وابن شهاب وأبو الزناد ومحمد بن عبد الله بن عروة ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري والحسن بن مسلم بن يناق وغيرهم من التابعين وأتباعهم . ورواه عن بسرة جماعة من الصحابة والتابعين ، منهم : عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وسعيد بن المسيب ، وابن أبي مليكة ، وعمرة بنت عبد الرحمن ، وسليمان بن موسى . ولما سئل أبو داود عن أصح حديث في مسّ الذكر ، قال : حديث عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، عن بسرة ، ولما ذكره أبو محمد الفارسي في كتابه محتجا به مصححا له ، قال : فإن قيل : إن هذا رواه الزهري عن عروة ، وعن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، قلنا : مرحبا بهذا ، عبد الله ثقة ، والزهري لا خلاف في أنه سمع من عروة وجالسه ، فهذا قوة للخبر ، والحمد لله تعالى ، ولما ذكره الإشبيلي صححه ، وكذلك ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك . وقال البغوي في شرح السنة : هو حديث حسن . وقال أبو بكر الحازمي : حديث بسرة - وإن لم يخرجاه - لاختلاف يقع في سماع عروة ؛ إذ هو عن مروان عنها ، فقد احتجا بسائر رواة حديثها مروان فمن دونه ، وكلامه يقتضي أنهما خرجا لمروان ، وليس كذلك ؛ لأنه معدود في أفراد البخاري ، وبنحو ما قلناه نبّه عليه البيهقي في المعرفة وصححه أيضا ابن السكن وأبو عمر وابن وضاح ، وقال ابن الجوزي في التحقيق : هذا السند لا مطعن فيه . وأما الذين ضعفوه فالدارقطني لما ذكره في كتاب العلل قال بعد كلام : فلما ورد الاختلاف على هشام أشكل أمر هذا الحديث ، وظن كثير من الناس ممن لم يمعن النظر في الاختلاف أن هذا الحديث غير ثابت ؛ لاختلافهم فيه ؛ لأن الواجب في الحكم أن يكون القول قول من زاد في الإِسناد ؛ لأنهم ثقات ، والثقات زياداتهم مقبولة ، فحكم قوم من أهل العلم بضعف الحديث لطعنهم على مروان ، وقال الفلاس : حديث قيس عندنا أثبت من حديث بسرة . وقال ابن معين : أي حديث ، حديث بسرة لولا أن قاتل طلحة في الطريق ، وكان ابن المديني يقول نحو ذلك ، وفي كتاب الدبوسي : قال ابن معين : ثلاثة أخبار لا تصح عن النبي - عليه السلام - منها حديث من مس ذكره فليتوضأ . قال الحربي في كتاب العلل : حديث بسرة يرويه شرطي عن شرطي ، عن امرأة ، وهو مخالف لما قدمناه عن ابن معين . وروى الدارقطني في سننه : ثنا محمد بن الحسن النقاش ، ثنا عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي ، نا رجاء بن مرجا الحافظ ، قال : اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين ، فتناظروا في مسّ الذكر ، فقال يحيى : يتوضأ منه ، وقال علي بقول الكوفيين ، وتقلد قولهم ، واحتج ابن معين بحديث بسرة ، واحتج علي بحديث قيس بن طلق ، وقال ليحيى : كيف تتقلّد إسناد بسرة ، ومروان أرسل شرطيًا حتى ردّ جوابها إليه ؟ فقال يحيى : وقد أكثر النّاس في قيس بن طلق ، ولا يحتجّ بحديثه ، فقال أحمد : كلا الحديثين على ما قلتما . فقال يحيى : مالك عن نافع ، عن ابن عمر : أنه توضأ من مس الذكر . فقال علي : كان ابن مسعود يقول : لا يتوضأ منه ، وإنما هو بضعة من جسدك ، فقال يحيى : من قال : سفيان ، عن أبي قيس ، عن هُزيل ، عن عبد الله ، فإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر ، واختلفا ، فابن مسعود أولى أن يتبع ، فقال له أحمد : نعم ، ولكن أبو قيس لا يحتج بحديثه فقال : حدّثني أبو نعيم ، ثنا مُسعَر ، عن عمير بن سعيد ، عن عمار بن ياسر فقال : ما أبالي مسسته أو أنفي ، قال أحمد : ابن عمر وعمار استويا ، فمن شاء أخذ بهذا ، ومن شاء أخذ بهذا . وذكر الخطابي أنّ هذه المناظرة كانت بين أحمد ويحيى وأنّ أحمد احتج بحديث ابن عمر ولم يرفعه يحيى . فلعلّهما واقعتان ، ولما ذكره أبو جعفر الطحاوي في شرحه من جهة عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بلفظ : فأرسل إليها مروان شرطيا ، قال : هذا عروة لم يرفع بحديث بسرة رأسا ، وذلك لأنها عنده في حال من لا يؤخذ ذلك عنها ، ففي تضعيف من هو أقل من عروة لبسرة ما يسقط به حديثها ، وقد تابعه على ذلك ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وقال : لو وضعت يدي في دم أو حيض ما نقض وضوئي ، فمس الذكر أيسر أم الدم ؟ وكان يقول لهم : ويحكم مثل هذا يؤخذ به ويعمل بحديث بسرة ، والله لو أن بسرة شهدت على هذا الفعل لما أجزت شهادتها ، فلم يكن في الصحابة من يقيم هذا الدين إلا بسرة ، قال ابن زيد : على هذا أدركنا مشيختنا ، ما منهم واحد يرى في مس الذكر وضوءا ، وإن كان إنما ترك أن يرفع بذلك رأسا ؛ لأنّ مروان ليس عنده في حال من يجب القبول من مثله ، فإنّ خبر شرطي مروان عن بسرة دون خبره عنها ، فإن كان خبر مروان في نفسه عند عروة غير مقبول فخبر شرطيه إيّاه عنها بذلك أحرى أن لا يكون مقبولا ، وأيضا فهذا الحديث لم يسمعه الزهري من عروة ، إنّما دلّس به عن عبد الله بن أبي بكر عنه ، فصار الأثر إنما هو عن الزهري ، عن عبد الله بن عروة ، فقد حطّ بذلك درجة ؛ لأنّ عبد الله في حديثه عن عروة كحديث الزهري ، عن عروة ، ولا عبد الله في حديثه عندهم بالمتقن ، لقد حدّثني يحيى بن عثمان ، ثنا ابن وزير سمعت الشّافعي سمعت ابن عيينة يقول : كنّا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عن واحد من نفر سماهم ، منهم : عبد الله بن أبي بكر سخرنا منه ؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث ، وأنتم قد تضعفون الحديث ، ما هو مثل هذا بأقل من كلام ابن عيينة . وقال آخرون : الذي بين الزهري وعروة في هذا الحديث أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، فإن قالوا : فقد روى هذا الحديث هشام عن أبيه ، فليس ممن تكلّم في روايته بشيء ، قيل له : إنّ هشاما لم يسمع هذا من أبيه ، إنما أخذه من أبي بكر أيضًا ، فدلس به عن أبيه ، ثنا بذلك سليمان بن شعيب ، ثنا الخصيب ، ثنا همام ، عن هشام ، قال : حدّثني أبو بكر بن محمد ، عن عروة ، فإن قالوا : فقد رواه عن عروة غير الزهري وهشام وهو ما رواه ابن لهيعة ، ثنا أبو الأسود ، عن عروة به ، فقيل لهم : كيف تحتجون في هذا بابن لهيعة وأنتم لا تجعلونه حجة لخصمكم فيما يحتج به عليكم ؟ ولم أرد بشيء من ذلك الطعن على عبد الله بن أبي بكر ولا ابن لهيعة ولا غيرهما ، ولكني أردت بيان ظلم الخصم ، فثبت وهاء حديث الزهري بالذي دخل بينه وبين عروة ، ووهاء حديث الزهري أيضا وهشام بالذي بين عروة وبسرة ؛ لأن عروة لم يقبل ذلك ، ولم يرفع به رأسا ، وقد يسقط الحديث بأقل من ذلك ، فإن احتجوا في ذلك بحديث يحيى بن أبي كثير أنه سمع رجلا يحدّث في مسجد النبي - عليه السلام - بحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه : أن بسرة سألت النبي - عليه السلام الحديث ، قيل لهم : أنتم تزعمون أنّ عمرا لم يسمع من أبيه شيئا ، إّنما حدّيثه صحيفة ، فهذا على قولكم منقطع والمنقطع لا يجب به عندكم حجة . انتهى قوله . وعليه فيه مآخذ : الأول : قوله : إنّ عروة لم يرفع بحديث بسرة رأسًا ، وذلك أنها عنده في حال من لا يؤخذ عنها فغير صحيح ؛ لكونها صحابية معروفة الصحبة ، ومن كانت بهذه المثابة فأجدر بأن يرفع لحديثها الرءوس ، قال الحاكم : هي من سيدات قريش ، قال فيها مالك بن أنس : أتدروّن من هي ؟ هي جدّة عبد الملك أم أمه ، فاعرفوا هذا ، وذكر مُصْعب الزبيري أنها من المبايعات وورقة بن نوفل عمّها ، وليس لصفوان بن نوفل عقب إلا من قبلها ، وهي زوج المغيرة بن أبي العاص ، روى عنها جماعة ، وروينا لها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خمسة أحاديث غير هذا الحديث ، فقد ثبت بما ذكرنا اشتهارها ، وأنّ اسم الجهالة مرتفع عنها بهذه الروايات ، وذكر الشّافعي أنّ لها سابقة وهجرة قديمة وصحبة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال : وقد حدثت بهذا الحديث في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون ، فلم يدفعه منهم أحد بل علمنا بعضهم صار إليه عن روايتها ، منهم : عروة بعد إنكاره ذلك وعبد الله بن عمر بن الخطاب . وفي الاستيعاب : ولدت للمغيرة معاوية وعائشة وكانت عائشة تحت مروان ، وفي كتاب الزبير بن بكار : هي أم معاوية وجدّة عائشة بنت معاوية وعائشة هي أم عبد الملك وكانت من المبايعات ، وبنحوه ذكره ابن الكلبي في جامعه ، وزعم البرقي أنها من كنانة ، قال أبو عمر : وليس ذلك بشيء ، والصواب أنها من بني أسد بن عبد العزى ، انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لأنّ أسد بن عبد العزى لا مخرج له عن نسب كنانة ، فكأن البرقي نسبها إلى الجذر لا إلى الفصيلة ، والله أعلم . ولما ذكرها ابن سعد قال : بسرة بنت صفوان بن نوفل بن عبد العزى بن قُصي أمهّا سالمة بنت أمية بن حارثة بن الأوقصي بن مرّة بن هلال بن فالج بن ذكّوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُلَيم ، وأخوها لأمها عقبة بن أبي معيط ، وابنها معاوية قتل منصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- من أحد ، وهو جدّ عبد الملك . وقال ابن حبان : هي من المهاجرات ، وخديجة أم المؤمنين عمة أبيها . وقال أبو محمد الأموي : وصح أن بسرة صحابية مشهورة . وقال ابن شبة في كتاب أخبار المدينة على ساكنها الصلاة والسلام : قال محمد ، يعني ابن طلحة بن الطويل التيمي : صلى عليه الصلاة والسلام في دار بسرة بنت صفوان رضي الله عنها . وأما ما قاله الحافظ ابن سرور : من أنها خالة مروان فشيء لم أره لغيره ، وأيضًا فقد أسلفنا أنه أخذ عنها هذا الحديث نفسه ، وحدث به عنها بغير واسطة كما سبق ، فدل أنها عنده أهل وموضع للرواية ، لا كما زعم ، لا سيما عمله بما روته له ورجوعه إليه بعد إنكاره ذلك . الثاني : قوله : إن هشامًا لم يسمعه من أبيه ، ولعمري لقد قال ذلك قبله شعبة ، فيما حكاه عنه الإمام أحمد في تاريخه الذي رواه عن ابنه أبو بكر الحضرمي : قال شعبة : لم يسمع هشام حديث مس الذكر من أبيه ، قال يحيى : فسألت هشامًا ، فقال : أخبرني أبي ، ثم رواه في مسنده أخبرني يحيى ، عن هشام قال : حدثني أبي أن بُسرة أخبرته فذكر الحديث . وقد أسلفنا قول ابن المديني في ذلك أيضًا ، ويشبه أن يكون مستند من قال ذلك رواية داود العطار عنه ، ووهم في ذلك ، وقال الحاكم أبو عبد الله : وروى داود العطار ، عن هشام ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة حديث بسرة ، وهو واهم . وقال في موضع آخر : ما روي من وجه يعتمد . وفيما قاله نظر ؛ لما رواه أبو القاسم في الأوسط : عن علي بن عبد العزيز ، عن حجاج بن منهال ، عن همام بن يحيى ، عن هشام ، عن عبد الله بن أبي بكر به ، وهؤلاء كلّهم ثقات ، ويحمل ذلك على أنه سمعه منه أولًا ، ثم شافهه به آخرا لصحة الروايتين عنه بذلك ، ولئن كان ما قاله أبو جعفر صحيحًا فلا وجه لإعلال الحديث به ؛ لأن عبد الله ممن خرج الشيخان حديثه في صحيحيهما . وقال مالك النجم فيه : كان رجل صدق . وقال أحمد بن حنبل : حديثه شفاء . وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث عالمًا ، ووثقه ابن معين وأبو حاتم الرازي وابن حبان والعجلي والبرقي وغيرهم ، فعلى هذا يتأول ما نقله عن ابن عيينة ، وأنه ليس بطعن يردّ به حديثه فسواء أبرز أو لم يُبرز لعدالته وثقته ، ولعدم افتقارنا إلى وجوده ، ولما ذكرنا من سماع هشام له من أبيه ، وسماع الزهري من عروة كما سبق بيانه من عند ابن حزم وغيره . الثالث : قوله : لأن مروان عنده ليس في حال من يجب القبول من مثله إلى آخره . قد بينا أنّ مروان ليس له ولا لشرطيه في هذا الحديث مدخل ، ولسنا ممن يعتمد على قول البيهقي في المعرفة : ولولا ثقة الحرسي عند عروة لما قبله لعدم صحة هذا الكلام ؛ لأنا لا نقبل ذلك إلا بعد معرفة عينه وحاله ، أو ما يقوم مقامهما كما بيناه من أن عروة مشى إلى بسرة فشافهته به ، فذكر أولئك ضرب من التشغيب الذي لا طائل تحته ، ولئن سلمنا ما قاله ، فمروان ليس ممن ترد به الأحاديث ؛ لأنه ممن ذكره في الصحابة جماعة من الأئمة ، وروى له البخاري في صحيحه حديثا محتجًا به ، عن علي بن أبي طالب وفاطمة وآخر مقرونًا بالمسوَر بن مخرمة ، وأما ما قُذف به من قتل طلحة فشيء لم يثبت عليه ، ولم يأت إلَّا على لسان مؤرخ مقدوح في عدالته كأبي مخنف وهشام وغيرهما ، والله أعلم ، وسيأتي ذكر من سمّاه المهاجري على بعده إن شاء الله تعالى . وَمَنْ قال في حديث بسرة : إنه عن حرسي - جاهل متعسف ، لا يدري ، وذلك أنه اعتل بعلة لو تدبرها أمسك عنها ، ولهذا قال ابن حزم : ومروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ، ولم يرو عروة هذا عنه إلا قبل خروجه على أخيه ، لا بعد خروجه ، هذا ما لا شك فيه ، والله تعالى أعلم . الرابع : ما حكاه عن ربيعة - مردود بما سنذكره بعد من رواية جماعة من الصحابة لذلك كروايتها . الخامس : ذكره حديث عمرو بن شعيب وادّعاؤه فيه الانقطاع - مردود بما أسلفناه قبل من اتصاله عند جماعة من العلماء ولكن منعنا من أن نحتج به جهالة حال المحدّث لابن أبي كثير ؛ وإن كنا قد عرضنا عنه . السادس : قوله : إنّ أبا الأسود رواه أيضًا عن عروة ، لكن من طريق ابن لهيعة ، يفهم أن غيره لم يروه كروايته عنه ، وهو غير صحيح ؛ لما ذكره أبو عبد الله بن البيع من أن محمد بن عبد الله بن عروة رواه عن عروة ، وكذلك محمد بن عبد الرحمن بن نوفل وعبد الحميد بن جعفر والحسن بن يناق ، وفي الترمذي : ثنا علي بن حجر ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن بسرة ، ومنهم من عابه بالاختلاف في إسناده وألفاظه ؛ وذلك أنه مروي من جهة الزهري ومالك وهشام بن عروة ، فأمّا الزهري فقد اختلف عليه على وجوه : أحدها : عنه ، عن عروة ، عن مروان عن بسرة ، وهذه رواية الطبراني عن عبد الرزاق ، عن معمر عنه ، عن عروة ، قال : تذاكر هو ومروان الوضوء من مس الفرج ، فقال مروان : حدّثتني بسرة أنها سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر بالوضُوء من مس الفرج ، فكأن عروة لم يرفع لحديثه فأرسل مروان إليها شرطيا فرجع فأخبرهم أنها سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر بالوضوء من مس الفرج . وكذلك رواه عبد الرحمن بن نمر اليحصبي ، عن الزهري ، عن عروة أنه سمع مروان قال : أخبرتني بسرة الحديث . أخرجها الطبراني ، عن أحمد بن معلى الدمشقي ، عن هشام بن عمار ، عن الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن نمر . الثاني : عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ، ثم اختلفوا ، فقيل : عن أبي بكر ، عن عروة ، عن بسرة ، وهذه رواية يحيى بن عبد الله البابلتي ، عن الأوزاعي ، عن الزهري بلفظ : سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : يتوضأ الرجل من مس الذكر . وكذلك رواية الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن أبي بكر ، عن عروة ، عن بسرة من جهة ابن دحيم ، عن أبيه ، عن الوليد . وقيل : عن أبي بكر ، عن مروان ، عن بسرة ، وهذه رواية إسحاق بن راشد ، عن الزهري قال فيها : عن أبي بكر أنَّ عروة حدَّثه أنَّ مروان ذكر أن بسرة قالت : إنها سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : من مس فرجه فليتوضأ . ولهذه الرواية شاهد من حديث سعيد بن سفيان الجحدري ، عن شعبة ، عن أبي بكر سمعت عروة يقول : أرسل مروان إلى بسرة فسألها عن هذا الحديث ، فحدثت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ . أخرجها الطبراني من حديث عقبة بن مكرم عن سعيد . الثالث : عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر ثم اختلفوا ، فقيل : عن عروة ، عن مروان ، عن بسرة ، وهذا من جهة الليث بن سعد ، عن الزهري من رواية شعيب بن يحيى وعبد الله بن صالح ، عن الليث ، وكذلك رواية ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، رواها الطبراني ، عن إبراهيم بن محمد بن عرق ، عن عمرو بن عثمان ، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن زهير بن محمد عن ابن أبي ذئب ، وكذلك رواية شعيب ، عن الزهري ، ذكرها النسائي ، وكذلك رواية عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب من رواية عبد الله بن صالح ، عن الليث عنه ، أوردها الطبراني ، وكذلك رواية الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، ورواية عبد الله بن صالح ، وقيل : عن الزهري ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، عن بسرة أو زيد بن خالد رواها الطبراني ، عن الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن ابن شهاب . وأمّا مالك فالصحيح عنه ما أسلفناه . وقيل : عنه عن هشام ، عن أبيه ، عن بسرة ، رواها الطبراني ، عن أحمد بن عمرو الخلال ، عن إبراهيم بن المنذر ، عن أبي علقمة الفروي . وقيل : عنه عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بُسرة سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : الوضوء من مس الذكر رواها أبو الحسن البغدادي في غرائب مالك ، وقال : هذا الحديث معروف بحفص بن عمر العدوي ، عن مالك ، وحفص ليس بقوي في الحديث ، وهذا في الموطأ من فعل ابن عمر غير مرفوع ، وهو الصواب ، وروي عن أبي مُصْعب ، عن مالك كرواية حفص ، ولا يصح عن أبي مصعب ، ثم قال : حدّثني إبراهيم بن محمد وعمر بن أحمد بن عثمان ، ثنا الحسن بن مهدي بن عبدة المروزي ، ثنا محمد بن علي بن المنذر أبو عبد الله ، ثنا أبو مصعب المدني ، ثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بسرة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من مس فرجه فليتوضأ . وقال ابن عدي : هذا ليس يرويه عن مالك إلا حفص ، وهذا الحديث في الموطأ ، عن نافع ، عن ابن عمر موقوف . وفي حديث ابن صاعد بيان ذلك . وأما قوله : عن بسرة فهو باطل . انتهى . وما قدّمناه من عند الدارقطني ، يرد قوله ، ورواه عن ابن قانع بلفظ آخر من جهة ابن مصفى ، عن حفص بلفظ : قال - عليه السلام - : من مس فرجه فليتوضأ . وأما هشام فقيل : عنه عن أبيه ، عن بسرة ، وهذه رواية الترمذي ولفظه : من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ وقال : حسن صحيح ، وقال : هكذا رواه عن واحد ، عن هشام ، وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث ، عن هشام ، عن أبيه ، عن مروان ، ولفظ الدارقطني : وضوءه للصلاة ، وروى إسماعيل بن عياش ، عن هشام ، زاد : وإذا مست المرأة قبلها فلتتوضأ . وضعف هذه الرواية . ورواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر في كتاب العلل عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن نمر اليحصبي عن الزهري عن عروة عن مروان عن بسرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يأمر بالوضوء من مس الذكر ، والمرأة مثل ذلك ، وذكر عن أبيه : هذا حديث وهم فيه في موضعين : أحدهما : أن الزهري يرويه عن عبد الله بن أبي بكر ، وليس في الحديث ذكر المرأة . وذكر الحافظ أبو بكر في كتاب الفصل للوصل المدرج في النقل : أن عبد الحميد بن جعفر رواه عن هشام بلفظ : أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم قال : ذكر الأنثيين والرفغين ، تفرد به عبد الحميد ، وقد رُوي عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن هشام الحديث . وفيه ذكر الأنثيين خاصة ، وذكر الأنثيين والرفغين ليس من كلام النبي عليه السلام ، وإنما هو من قول عروة ، فأدرجه الراوي ، وقد بيَّن ذلك حماد بن زيد وأيوب في روايتهما عن هشام . انتهى كلامه ، وفيه نظر في موضعين : الأول : قوله : إن عبد الحميد تفرد به ، وليس كذلك لما ذكره أبو القاسم في الأوسط عن إسحاق بن داود الصواف ، نا أحمد بن عبدة الضبي ، عن محمد بن دينار ، عن هشام ، عن عروة ، عنها ، قال عليه السلام : مَنْ مس رفغه أو أنثييه أو ذكره فلا يصل حتى يتوضأ . فهذا محمد بن دينار رواه عن هشام كروايته . الثاني : لقائل أن يقول : ليس مدرجًا؛ لأن ابن دينار صدَّر الحديث بذكر الرفغين والأنثيين قبل ذكره مس الذكر ، والمعروف في كتب المحدثين أن الإدراج إنما يكون آخر الحديث ، وأما إذا كان أوله أو في وسطه فهذا أمر عسر صعب لا يوقف على حقيقة الأمر فيه إلا بعد جهد ، والله أعلم . وقيل : عنه عن أبي بكر بن محمد ، عن عروة ، عن بسرة ، أخرجها الطبراني ، عن علي بن عبد العزيز ، عن حجاج بن منهال ، عن همام بن يحيى عنه ، وقيل : عنه عن أبيه عن عائشة . وقيل : عنه ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة . وقيل : عنه ، عن أبيه عن أروى . وفي كتاب الطبراني : من رواية عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه ، عنها ، أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المرأة تضرب بيدها فتصيب فرجها ؟ قال : تتوضأ يا بسرة . أخرجه عن حفص بن سليمان النوفلي ، عن إبراهيم بن المنذر ، عن معن بن عيسى ، عن عبد الله بن المؤمل عنه ، وقد أسلفنا بحمد الله تعالى الجواب عن جميع ما ذكر من الاختلاف ، وأن ذلك ليس بقادح في التعليل لما تقدَم ، والله تعالى أعلم .

225

209 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا المعلى بن منصور ، ونا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي ، ثنا مروان بن محمد قالا : الهيثم بن حميد ، ثنا العلاء بن الحارث ، عن مكحول ، عن عنبسة بن أبي سفيان ، عن أم حبيبة قالت : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : من مس فرجه فليتوضأ . هذا حديث قال فيه علي بن سعيد : سألت أبا عبد الله عما يروى في مس الذكر ، أيّها أصح عندك ؟ قال : حديث أم حبيبة . وقال أبو طالب : قلت لأحمد : حديث أم حبيبة أصحها ؟ قال : نعم هو أصحها . وقال محمد بن عوف : قال لي أحمد : حديثك أشتهي أسمعه حديث عنبسة . وقال مهنأ : سألت أحمد عن الهيثم بن حميد ؟ فقال : لا بأس به ، قلت : إنّ الهيثم بن خارجة قال : هو متروك الحديث ، قال : لم يكن به بأس ، ولكنه كان يرى القدر ، وسألت أحمد عن العلاء بن الحارث ؟ فقال : هو من أصحاب مكحول ، وفي الاستذكار : حديث أم حبيبة صحيح لا أدفعه ، وفي التمهيد : كان أحمد يقول في مسّ الذكر : حديث حسن ثابت وهو حديث أم حبيبة . وقال أبو زرعة الدمشقي في التاريخ : وسمعت أبا مسهر يقول : لم أسأل الهيثم بن حميد إلا عن حديثي أم حبيبة ، وقال أبو زرعة : كتب إليّ أحمد بن حنبل لأكتب إليه بحديثه في مسّ الفرج : حدثني محمود ، عن أبي مسهر أخبرني محمد بن مهاجر أنه يعرف الهيثم بطلب العلم ، قال أبو زرعة : قلت : فأعلم أهل دمشق بحديث مكحول وأجمعه ؟ فقال : الهيثم ويحيى بن حمزة ، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط ، قال : لم يروه عن مكحول إلَّا العلاء ، ولا يروى عن أم حبيبة إلا بهذا الإسناد ، ولما سأل أبو عيسى في كتاب العلل الكبير أبا زرعة عنه استحسنه ، قال : ورأيته كأنه يعدّه محفوظا ، وفي موضع آخر قال : هو صحيح . وقال أبو عمر في التمهيد : قد صحّ عند أهل العلم سماع مكحول من عنبسة ، ذكر ذلك دَحيم وغيره ، وذكر البيهقي في الخلافيات عن إسناد أبي عبد الله : هذا حديث حدّث به الإِمام أحمد ويحيى بن معين وأئمة الحديث ، وكان يحيى بن معين يثبت سماع مكحول من عنبسة ، قال يعني الحاكم : فإذا ثبت سماعه منه فهو أصح حديث في الباب . وقال الخلال في كتاب العلل : قال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري : حدّثني محمد بن زرعة الرعيني قال : سألت مروان بن محمد : مكحول سمع من عنبسة ؟ فلم ينكر ذلك . قال الخلال : ولو لم يكن عند أبي عبد الله أنّ مكحولا سمع من عنبسة لم تتواتر عنه الرواية بتصحيح حديث أم حبيبة . وقال ابن السكن : ولا أعلم في حديث أم حبيبة علّة إلا أنه قيل : إن مكحولا لم يسمع من عنبسة ، وأبى ذلك الحافظ البخاري لما سأله عنه الترمذي بقوله : مكحول لم يسمع من عنبسة ، روى عن رجل عن عنبسة ، عن أم حبيبة : من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة . وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحا ، وفي مراسيل ابن أبي حاتم : وسئل أبو زرعة عن حديث أم حبيبة في مس الفرج ، فقال مكحول : لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئا ؛ وكذا ذكره أبو عبد الرحمن النسائي . وفي كتاب العلل للرازي : قلت لأبي : حديث أم حبيبة فيمن مسّ ذكره ؟ فقال : روى ابن لهيعة في هذا الحديث مما يوهن الحديث ، قال أبو محمد : أي تدل روايته أن مكحولا قد أدخل بينه وبين عنبسة رجلا . وفي الاستذكار : لم يسمع مكحول من عنبسة حديث أم حبيبة في مسّ الذكر ، وفي موضع آخر منه : مكحول لم يسمع عنبسة ، وذكر أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار : كان أحمد يقول بصحة هذا الحديث ، ثم وجده مرسلا ؛ لأنّ مكحولا لم يلق عنبسة . وفي سؤالات مضر بن محمد : سألت يحيى بن معين ، عن قول أحمد : أصحّ حديث في مسّ الفرج حديث العلاء عن مكحول عن عنبسة ؟ فقال يحيى : هذا أضعفها ، قلت : وكيف ؟ قال : مكحول لم يسمع من عنبسة شيئا . وفي كتاب التمهيد عنه : قلت : فإن أحمد يقول : أصحّ حديث فيه حديث الهيثم عن العلاء عن مكحول ؟ فسكت ، وقال الطحاوي : حديث أم حبيبة منقطع ، وضعفه ابن وضاح أيضا ، نقلته مما زاده في تصنيف وكيع بن الجراح بن مليح . والذي يترجح من هذه الأقوال قول أحمد ومن تابعه ، وذلك أنّ المضعَّفين إّنما ضعَّفوه بسبب الانقطاع ، وقد بينا قول من أثبت سماع مكحول من عنبسة ، والمثبت مقدم على النافي . وقد ذكر الدارقطني في علله ما يشدّ ذلك ، وهو ما رواه - يعني حديث أم حبيبة في التطوع - النعمان بن المنذر ، عن مكحول ، عن عنبسة ، أنه أخبره عن أم حبيبة فذكره . وأما قول أبي زرعة : إن حمل على التناقض فيكون ظهر له أحد القولين بعد الآخر ، وإن حمل على أنه وجه بعيد عنده صحيح محفوظ مع انقطاعه ، فقد يتأتى ذلك في كلامهم ، لكن بضميمة أخرى مشعرة بالمقصود ، وكذا ما حكي عن ابن معين ، وأبي عمر ، وإن كان لا يعذر كعذر مَنْ له الاجتهاد لما حكينا عنه في كتابيه ، وأما ما حكي عن أحمد فليس فيه تصريح برجوعه عن قوله ، وإنه مع ذلك قول شاذ ، لم يروه أحد من أصحابه عنه فيما رأينا ، والله أعلم . وأما قول البخاري فالظاهر أنه مستند إلى ما أبرزه أبو حاتم من أن ابن لهيعة زاد بينهما رجلًا ، فلئن كان ذلك كذلك فأجدر بهذه العلة أن يكون شعار ابن لهيعة لا تقبل منه الزيادات بحال ، فإن قيل : قد تابعه على إدخال رجل بينهما عبد الكريم بن أبي المخارق ، فيما ذكره الدارقطني في كتاب العلل ، قلنا له : القول في عبد الكريم كالقول في ابن لهيعة ، والله أعلم .

226

208 - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، ثنا معن بن عيسى ( ح ) ، وثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا عبد الله بن نافع جميعا ، عن ابن أبي ذئب ، عن عقبة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر بن عبد الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء . هذا حديث قال فيه ابن شاهين : غريب ، لا أعلم جوده إلا دحيم وأحمد بن صالح ، وحدث به محمد بن يحيى النيسابوري ، ومحمد بن عوف ، والحسن بن محمد الزعفراني والعباس بن محمد جميعا عن دحيم ولما ذكره أبو عمر قال : هذا إسناده صالح ، كلّ مذكور فيه ثقة معروف بالعلم إلا عقبة بن عبد الرحمن ، فإنه ليس بالمشهور بالعلم ، يقال : هو عقبة بن عبد الرحمن بن معمر ، ويقال عقبة بن عبد الرحمن بن جابر ، ويقال عقبة بن أبي عمرو . انتهى كلامه . ويحتمل على أنه تارة نسب لجده الأعلى ، وتارة للأدنى ، ويكون أبوه يكنى أبا عمرو ؛ وذلك لا يتأتى إلَّا بعد معرفة حاله ، فنظرنا ، فإذا أبو حاتم البستي ذكره في كتاب الثقات بنحو مما قلناه . فقال : عقبة بن عبد الرحمن بن معمر من أهل المدينة ويعرف بابن أبي عمرو ، ولما ذكره الحافظ ضياء الدين قال : ما أعلم بحديث جابر بأسا ، وأبى ذلك البخاري ، فقال لما ذكره : وعقبة روى عنه ابن أبي ذئب ، مرسل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مس الذكر . وزاد عبد الله بن نافع ، عن جابر : ولا يصح . وقال الشّافعي رحمه الله تعالى : وسمعت غير واحد من الحفاظ يرويه لم يذكروا جابرا ، وقال أبو داود : وسئل أحمد عن حديث ابن أبي ذئب يعني هذا ، فقال : هذا من ابن نافع عبد الله بن نافع ، قال أبو داود : يريد أن قوله عن جابر وهم ، وأن الحديث عن محمد بن عبد الرحمن ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسل . وقال أبو طالب : سألت أبا عبد الله عن حديث عبد الله بن نافع هذا ، فأنكره إنكارا شديدا ، وقال : هذا ليس يرفع ، وعبد الله بن نافع منكر الحديث ، وقد رأيته وجالسته ، وكان من المعدودين من أصحاب مالك وأعلمهم بقوله وكان يفتي بالمدينة وكان رجلا صالحا ، قلت له : فما له ؟ قال : لم يكن صاحب حديث ولا يعرفه ، أحاديثه منكرة . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه دَحَيم يعني هذا ، فقال لي : هذا خطأ ، الناس يروونه عن ابن ثوبان ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلا ، لا يذكرون جابراَ ، وإلى هذا مال الطحاوي وذكر مضر عن أبي زكريا قلت له : فحديث جابر ؟ قال : نعم ، رواه ابن أبي ذئب وليس بصحيح ، ولقائل أن يقول : قد تبيّن بمجموع ما تقدم ضعف قول أبي عمرو المقدسي ؛ لأنه أتى بأشدّ من قول محمد بن إسماعيل البخاري في عبد الله بن نافع الصائغ هذا ، في حفظه شيء ، تعرف وتنكر في حفظه وكتابه ، وقول أحمد المتقدّم فيه . وقال ابن عدي : روى عن مالك غرائب ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، وكذلك يعقوب بن سفيان الفسوي والبلخي ، فيقال له على طريقة معلومة : الرفع زيادة وهي من الثقة مقبولة ، وابن نافع قال فيه أبو زكريا بن معين : ثقة . وقال العجلي : ثقة مدني متعبد . وقال ابن عدي : هو مستقيم الحديث وإذا روى عنه مثل عبد الوهاب بن بخت يكون ذلك دليلًا على جلالته . وقال محمد بن سعد : كان قد لزم مالكا لزوما شديدًا ، وكان لا يقدم عليه أحدا وهو دون معن . وقال سحنون : لزم مالكًا أربعين سنة ، حكاه الشيرازي . وقال أبو الفرج بن الجوزي : لم أر فيه طعنًا يعني قادحًا ، وإلا فمن المعلوم أنه رأى بعض ما تقدّم ، وأما ذكر العقيلي وابن عدي والبلخي له في كتاب الضعفاء ، فإنما ذكروا فيه كلام البخاري ، وكلامه يُتأوّل ؛ لعدم صراحته بالضعف ، وكذلك كلام أحمد ، ولئن سلمنا ضعفه ووهمه فنحن غير محتاجين له ، لمتابعة معن له كما سبق في الباب ، والله أعلم . وفي قول البيهقي : روي ، يعني حديث جابر ، دحيم موصولًا - إشعار بتفرّده بذلك ، وليس كما قال ؛ لما ذكره أبو نعيم الحافظ في تاريخ بلده : ثنا أبي ، ثنا الفضل بن الخصيب بن نصر ، ثنا النضر بن سلمة شاذان المروزي ، ثنا عبد اللّه بن نافع ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن عقبة بن عبد الرحمن ، عن ابن ثوبان ، عن جابر الحديث مرفوعا .

227

210 - حدثنا سفيان بن وكيع ، ثنا عبد السلام بن حرب ، عن إسحاق بن أبي فروة ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، عن أبي أيوب ، قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : من مس فرجه فليتوضأ . هذا حديث رواه ابن شاهين في الناسخ ، عن البغوي ، عن عبد الله بن عمر الكوفي ، عن أبي غسان ، عن عبد السلام سالما من ابن وكيع ، ولفظه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : يتوضأ من مس الذكر ، وربما قال : من مس ذكره فليتوضأ . وفي الأبواب عن عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا أحمد بن ملاعب ، ثنا أبو غسان ، ثنا علي بن محمد المصري ، ثنا يحيى بن أيوب ، حدثني سعيد بن عفير ، أنبأنا ابن لهيعة ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن عروة ، عن بُسرة أو أبي أيوب الأنصاري ، ولفظه : إذا مس أحدكم ذكره فلا يصل حتى يتوضأ . وقال البيهقي في الخلافيات : هذا حديث غير محفوظ بهذا الإسناد . وقال ابن وضاح : هو غير صحيح ، وأجدر به أن يكون كذلك لما نذكَره بعد في الباب الذي بعد هذا ، ولحال روايه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة ، ويقال : الأسود بن عمرو بن رياش ، ويقال : كيسان القرشي الأموي أخو إسماعيل وصالح وعبد الأعلى وعبد الحكم وعمار ويونس ومحمد ، فإنه ممن قال فيه أبو عيسى : تركه بعض أهل العلم ، منهم الإمام أحمد . وقال الجوزجاني : سمعت أحمد يقول : لا تحل الرواية عنه ، فقلَت : يا أبا عبد الله لا تحل ؟ قال : عندي . وقال أبو حاتم والفلاس والنسائي وعلي بن الجنيد والدارقطني : متروك ، زاد الفلاس : منكر الحديث . وقال البخاري : قد تركوه . وقال أبو زرعة : ذاهب الحديث . وقال يحيى : ليس بشيء ، لا يكتب حديثه ، وفي رواية : كذاب ، وفي رواية عباس : هو غير ثقة وإخوته ثقات ، وسئل سعدويه عن حديث لعلي بن ثابت ، عن الوازع بن نافع ، فقال : لا يروى الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن مثل الوازع ، وسئل عن حديث إسحاق بن أبي فروة ، فقال شرا مما قال في الوازع . وقال ابن المديني : هو منكر الحديث . وقال ابن سعد : كان كثير الحديث يروي أحاديث منكرة ولا يحتجون بحديثه وكان يرى رأي الخوارج . وقال الساجي : ضعيف الحديث ليس بحجة وكان له أخ يقال له عبد الحكم ، ضعيف مثله ، وكان أبو فروة يسمى كيسان ، وكان حفَّارا من رقيق الإِمارة الذين يحفرون القبور . وفي كتاب العقيلي : جلس إسحاق في مسجد المدينة يحدث والزهري إلى جانبه ، فجعل يقول : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما أكثر قال الزهري : قاتلك الله يا ابن أبي فروة ، ما أجرأك على الله ؟ ألا تسند حديثك ، إنّك لتحدّث بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمّة . وقال محمد بن عاصم : كان من أهل الصدق قدمت المدينة ومالك حي فلم أر أهل المدينة يشكون أن إسحاق بن أبي فروة متَّهم على الدين . وقال أبو غسان : جاءني ابن المديني يكتب عني عن عبد السلام أحاديث ابن أبي فروة ، فقلت : أي شيء تصنع بها ؟ فقال : أعرفها لئلا تقلب ، ولما ذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء ، زاد أنّ النسائي قال : ليس بثقة ولا يكتب حديثه . وقال ابن البرقي : هو ممن ترك حديثه واتهم في روايته . وفي سؤالات الآجري : سمعت أبا داود يقول : إسحاق بن أبي فروة مولى عثمان قتلته الخوارج ودفن في المسجد . وقال ابن نافع : ضعيف . وقال البزار : ليّن الحديث ، وضعفه أيضا الفسوي ، وضعّف به ابن الجوزي غير حديث ، وكذلك ابن طاهر في كتابيه الذخيرة والتذكرة . وفي الباب غير ما حديث عكس ما يوهمه كلام ربيعة الرأي بقوله : أما كان في الصحابة من يحمل هذا الدين إلا بُسرة ، من ذلك : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنبأنا به أبو النون العسقلاني - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأكم ابن المعز ، عن ابن ناصر ، أنا أبو منصور محمد بن أحمد المعمري - رحمة الله عليه - وأخبرنا الإِمام بدر الدين محمد بن خالد بقراءتي عليه ، أخبركم ابن الفرات قراءة عليه ، عن فاطمة بنت سعد الخير ، أنبأ أبي ، أنا المعمري ، أنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن أبي حفص ، أنا الحافظ أبو حفص بن شاهين قال : ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، أنا هشام بن عبد الملك ، ثنا عبد الله بن محمد البغوي ، ثنا محمد بن سليمان الباهلي ، قالا : نا أحمد بن الفرج الحمصي ، ثنا بقية ، ثنا الزبيدي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل مس فرجه فليتوضأ ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ ، قال أبو حفص : لا أعلم ذكر هذه الزيادة في مس المرأة فرجها في غير حديث عبد الله بن عمرو . وأنا الإمام يونس الدَّبوسي قراءة عليه ، وأنا أسمع ، عن أبي المكارم عبد الله بن الحسن بن منصور ، أنبأ الإمام الحافظ أبو بكر بن حازم ، أنا أبو موسى الحافظ ، أنا أبو علي الحداد ، أنا أبو نعيم الحافظ ، أنا أبو أحمد الغطريفي ، نا محمد بن عبد الله بن شيرويه ، أنا إسحاق الحنظلي ، ثنا بقية فذكره . قال : هذا إسناد صحيح؛ لأن إسحاق إمام غير مدافع ، وقد خرَجه في مسنده ، وبقية بن الوليد ثقة في نفسه ، فإذا روى عن المعروفين فمحتج به ، وقد أخرج مسلم بن الحجاج فمن بعده من أصحاب الصحاح حديثه محتجين به . والزبيدي هو محمد بن الوليد قاضي دمشق ، من ثقات الشاميين ، محتج به في الصحاح كلها ، وعمرو بن شعيب ثقة باتفاق أئمة الحديث ، وإذا روى عن غير أبيه لم يختلف أحد في الاحتجاج به ، وأما روايته عن أبيه عن جده فالأكثرون على أنها متصلة ، ليس فيها إرسال ولا انقطاع ، وقد روى عنه خلق من التابعين ، وقد رُوي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب من غير وجه ، فلا يظن ظان أنه من مفاريد بقية فيحتمل أن يكون أخذه عن مجهول . والغرض من تبيين هذا الحديث زجر مَنْ لم يتقن معرفة مخارج الحديث عن الطعن في الحديث من غير تتبع وبحث عن مطالعِهِ . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجهين : الأول : قوله : إن مسلمًا احتج بحديث بقية ، وإنما أخرج له في المتابعات ، كذا قاله شيخنا المزي وغيره . الثاني : قوله في عمرو : ثقة باتفاق ، وذلك أنا أسلفنا قول مَنْ تكلم فيه ، وهم جماعة : أيوب بن أبي تميمة ، والليث ، ويحيى بن سعيد ، وأحمد بن حنبل ، وأبو حاتم ، وابن معين ، وأبو داود ، والعقيلي ، وابن عيينة ، والساجي ، والبرقي ، فأي اتفاق مع مخالفة هؤلاء ؟! وأما قول ابن شاهين : لا أعلم ذكر هذه الزيادة في مس المرأة فرجها إلى آخره ، فيشبه أن يكون وهمًا ، لما سبق من ذكر ذلك في بعض طرق بسرة ، ولما ذكره هو في كتاب الأبواب من تأليفه ، من حديث سعيد بن المسيب ، عنها أنها قالت : يا رسول الله ، كيف تفعل إحدانا تمس فرجها بعد ما تتوضأ ؟ فقال : من مسّ فرجه فليتوضأ ، ومن حديث ابن عمر عنها أيضا . ولما ذكره أيضا من حديث عائشة من طريق ابن سريج : الرجال والنساء سواء . ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن بسرة : سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المرأة تدخل يدها في فرجها ، فقال : عليها الوضوء . قال : لم يروه عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان إلا يحيى بن راشد ، تفرد به سليمان بن داود ، ولما يأتي بعد من حديث عائشة ، رضي الله عنها . وفي كتاب العلل الكبير لأبي عيسى الترمذي : قال محمد : وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في مس الذكر هو عندي صحيح . وفي كتاب المعرفة للبيهقي : ورواه عن عمرو كذلك - يعني موصولا - عبد الله بن المؤمل المخزومي ، وثابت بن ثوبان ، وفي السنن الكبير : وهو غير ثابت غريب . قال : وخالفهم المثنى بن الصباح ، عن عمرو في إسناده ، وليس بالقوي . وخرجه ابن الجارود في المنتقى ، وأبى ذلك الإمام أحمد بن حنبل حين سُئل عنه ، فقال : ليس بذاك ، كأنه ضعفه ، ذكره الخلال في علله ، وفيه إشكال من حيث تخريجه له في مسنده ، إذ لا يخرج فيه إلا ما صح عنده ، كذا ذكره أبو موسى المديني فيما رويناه عنه . وقال ابن وضاح : هو غير صحيح ، وصرح بذلك الطحاوي . والقلب إلى ما قاله البخاري ومن تابعه أميل ، والله أعلم . وحديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - ذكره أحمد بن أبي غرزة في مسنده ، عن الحسن بن الربيع ، ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى أبو همام ، عن ابن إسحاق ، ورواه ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ ، عن الحسن بن حبيب الدمشقي ، ثنا أحمد بن عبد الرحيم البرقي ، نا عمرو بن أبي سلمة ، ثنا صدقة بن عبد الله ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن زيد بن خالد الجهني ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : من مس فرجه فليتوضأ . ثنا البغوي ، ثنا ابن هانئ ، ثنا أحمد بن حنبل ، ثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني محمد بن مسلم الزهري فذكره . وقال مهنأ : سألت أبا عبد الله عن حديث ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن زيد بن خالد في مس الذكر ، فقال : ليس بصحيح ، الحديث حديث بسرة ، فقلت : من قبِل منْ جاء خطؤه ؟ قال : من قبل ابن إسحاق ، أخطأ فيه ، قلت : وكان ابن إسحاق يخطئ في مثل هذا ؟ قال : نعم ، له غير شيء . ولما ذكره أبو جعفر الطحاوي قال : نفس هذا الحديث منكر ، وأخلق به أن يكون غلطا ، وذلك لأن عروة أنكره لما سأله مروان بن الحكم عن مس الفرج ، فأجابه برأيه : أن لا وضوء فيه ، فلما قال له مروان : عن بسرة ما قال ، قال له عروة : ما سمعت به ، وذلك بعد موت زيد بن خالد ، فكيف يجوز أن ينكر ما حدّثه إياه زيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟! ورد ذلك عليه الحافظ البيهقي بقوله : وأما ما قال من تقديم موت زيد بن خالد فهذا منه توهم ولا ينبغي لأهل العلم أن يطعنوا في الأخبار بالتوهم ، فقد بقي زيد إلى سنة ثمان وسبعين ، ومات مروان سنة خمس وستين ، هكذا ذكره أهل العلم بالتواريخ ، فيجوز أن يكون عروة لم يسمع من أحد حين سأله مروان ، ثم سمعه من بسرة ثم سمعه بعد ذلك من زيد ، فرجع إلى رأيهما وحديثهما . وفي سؤالات مُضر : قلت له ، يعني يحيى بن معين : فحديث زيد بن خالد ؟ قال : خطأ ، أخطأ فيه ابن إسحاق . وقال ابن عبد البر : هو خطأ لا شك فيه ، وقال يعقوب بن سفيان : قال ابن المديني : لا أعلم لابن إسحاق إلا حديثين منكرين : نافع عن ابن عمر مرفوعا : إذا نعس أحدكم يوم الجمعة ، والزهري عن عروة عن زيد بن خالد : إذا مس أحدكم فرجه . كذا ذكره البيهقي عنه في الخلافيات . وفي كتاب العقيلي عنه : لم ينكر على ابن إسحاق إلا حديث نافع إذا نعس أحدكم ، لم يذكر الثاني . وفي كتاب العلل للترمذي : قلت له ، يعني البخاري : فحديث محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن زيد ؟ قال : إنما روى هذا الزهري ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، عن بُسرة ، ولم يعد حديث زيد بن خالد محفوظا . وقال ابن وضاح : هذا حديث لا يصح . انتهى . والكل عصبوا الجنابة برأس ابن إسحاق ، وقد توبع ابن إسحاق على ذلك ، فسلم هو والحديث من الخطأ . وذكر ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق وأبو قرة موسى بن طارق ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن بُسرة وزيد بن خالد ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مس الذكر فقال لي : أخشى أن يكون ابن جريج أخذ هذا الحديث من إبراهيم بن أبي يحيى ؛ لأن أبا جعفر ، ثنا قال : سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول : جاءني ابن جريج بكتب مثل هذا خفض يده اليسرى ورفع يده اليمنى مقدار بضعة عشر جزءا فقال : أروي هذا عنك ؟ فقال : نعم . وفي كتاب المعرفة لأبي بكر الحافظ ، رحمه الله : وهذا الحديث إنما ذكره صاحبنا الشافعي من جهة ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، عن بُسرة وزيد بن خالد . وقد أخرجه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في مسنده كما ذكرناه ، وهو إسناد صحيح ليس فيه محمد بن إسحاق ولا أحد مما يختلف في عدالته ، وإنما المنكر عن ابن إسحاق روايته ، عن الزهري ، عن عروة نفسه ؛ فإن الزهري لم يسمعه من عروة ، وإنما أنكر عليه ذكر زيد بن خالد في رواية من لم تبلغه رواية ابن جريج أو بلغته بالشك . وقال في الخلافيات : رواه ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن ابن أبي بكر ، ثم اختلف عليه ، فقيل : عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، عن بُسرة ، أو زيد بن خالد على الشك ، وهذه رواية محمد بن بكير ، عن ابن جريج ، أخبرني الزهري ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، ولم أسمع ذلك منه . وكذا رواية ابن خزيمة ، عن ابن رافع ، عن عبد الرزاق ، أخبرني ابن جريج ، حدثني ابن شهاب ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، قال : ولم أسمع ذلك أنه كان يحدث عن بُسرة أو عن زيد بن خالد . وكذلك رواية إبراهيم بن الحسن ، عن حجاج قال : قال ابن جريج : فذكر الإسناد والشك بين بُسرة وزيد ، وفيه : ولم أسمع ذلك منه ، يعني الزهري قائل ذلك ، ورأيته في مسند إسحاق بلا شك ، ورواية ابن إسحاق بن يسار تدل على صحة رواية إسحاق . قال : وقد روى ابن جريج هذا الحديث ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله ، عن عروة عن بُسرة وزيد بن خالد ، رواه إسحاق في مسنده ، عن محمد بن بكر البرساني ، عن ابن جريج قال : حدثني الزهري فذكره . قال : وهذا إسناد صحيح . انتهى كلامه . وفيه إشارة إلى دفع ما أعله به أبو حاتم ؛ إذ فيه تصريح ابن جريج بالتحديث ، والله أعلم عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة وزيد بن خالد الحديث ، من غير تردّد . قال البيهقي في الخلافيات : أخطأ فيه هذا المصيصي حيث قال : عن عائشة ، وإنّما هو عن بُسرة . وبنحوه ذكره الحافظ ابن طاهر في كتاب الذخيرة . وفي كتاب المعرفة : وتعليل من علل حديث الزهري باختلاف الرواة عليه في إقامة إسناده لا يقدح في رواية من أقام إسناده ، فالذي أقامه حافظ ثقة ، وخطأ من أخطأ فيه على الزهري حين قال : عن عروة ، عن عائشة ، أو على هشام حين قال فيه : عن عروة ، عن أروى ، لا يقدح في رواية أهل الثقة ، فمثل ذلك موجود في رواية الضعفاء لأحاديث أهل الحفظ ، فلم يقدح ذلك في روايتهم ، ولم يرد به أحد من أهل العلم حديثهم ، والله أعلم . وحديث حفصة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : من مس فرجه فليتوضأ . ذكره الشيرازي ، عن الفرخ ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر عنها ، ثم قال : هكذا قال ، والصواب : مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . وحديث أبي هريرة رواه الدارقطني في كتاب السنن فقال : حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا حسن بن سلام السواق ، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، ثنا يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ، حتى لا يكون بينه وبينه حجاب ولا ستر فليتوضأ وضوءه للصلاة ، قال الخلال : أنا عبد الله ، نا أبي ، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك ، يعني النوفلي ، ثنا أبي ، ذكره عن سعيد بن أبي سعيد ، أنه أخبره عن أبي هريرة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : من أفضى بيده إلى ذكره وليس عليه ستر فقد وجب عليه الوضوء . أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله قال : يزيد بن عبد الملك مدني ليس به خير . وقال غيره : وضع فيه . وقال ابن وضاح : هذا حديث لا يصح وضعّفه الطحاوي وأبو عمر بيزيد النوفلي . وقال الشّافعي : روى حديث يزيد عدد ، منهم : سليمان بن عمرو ومحمد بن عبد الله بن دينار عنه ، لا يذكرون أبا موسى الحناط ، وقد سمع يزيد من سعيد المقبري ، كذا ذكره عنه البيهقي في المعرفة ، ثم قال : وروى عبد الرحمن بن القاسم ومعن بن عيسى وإسحاق الفروي وغيرهم ، عن يزيد بن سعيد ، كما قال الشّافعي . وفي سؤالات مضر : قلت له ، يعني ابن معين : فحديث أبي هريرة ؟ قال : رواه يزيد بن عبد الملك عن سعيد ، وقد أدخلوا فيها رجلا مجهولا ، ولما ذكره أبو بكر البزار في مسنده ، عن سعيد بن بحر القراطيسي ، عن معن بن عيسى ، عن يزيد ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه ، ويزيد بن عبد الملك لين الحديث ، كذا ذكره . وفيه نظر ؛ لما ذكره الحازمي : وقد روي عن نافع بن عمر الجمحي ، عن سعيد المقبري ، كما رواه يزيد بن عبد الملك ، وإذا اجتمعت هذه الطرق دلتنا على أن هذا الحديث له أصل من رواية أبي هريرة ، ولما أنبأ أبو البركات محمد بن عثمان الصوفي - رحمه الله - بقراءتي عليه ، أخبركم أبو محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن ، وعبد العزيز الحراني ، قال الأول : أنبأنا أسعد بن سعيد الأصبهاني وأم هانئ عفيفة الفارقانية وعائشة بنت معمر بن عبد الواحد . وقال الحراني : أنبأتنا عفيفة ، قالوا : أنبأ فاطمة الجوزدانية ، أنا ابن ريذة ، أنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي ، أنا أحمد بن عبد الله بن العباس الطائي البغدادي ، ثنا أحمد بن سعيد الهمداني ، ثنا أصبغ بن الفرج ، ثنا عبد الرحمن بن القاسم ، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك النوفلي ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه الوضوء . قال الطبراني : لم يروه عن نافع إلا عبد الرحمن بن القاسم الفقيه المصري ، ولا عن عبد الرحمن إلا أصبغ ، تفرد به أحمد بن سعيد . وفيما قاله نظر ؛ لما يذكره الحاكم بعد ، وخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه من جهة نافع ويزيد كما قدمناه ، ثم قال : اعتمادنا إنما هو على نافع ، فأما يزيد فقد تبرأنا من عهدته في كتاب الضعفاء ، وذكر أبو عمر أن ابن السكن قال : هو أجود ما روي في هذا الباب لرواية أصبغ ، عن ابن القاسم صاحب مالك ، عن نافع ويزيد ، جميعا عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وأصبع وابن القاسم فقيهان ثقتان ، فصح الحديث بنقل العدل عن العدل ، على ما ذكر ابن السكن ، إلا أن الإِمام أحمد كان لا يرضى نافع بن أبي نعيم ، وخالفه ابن معين فقال : هو ثقة . ورواه أبو عبد الله في مستدركه فقال : أنا أبو الحسين محمد بن الحافظ ، عن علي بن أحمد بن سليمان ، علان ، عن محمد بن أصبغ ، حدّثني أبي ، ثنا نافع بن أبي نعيم ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من مس فرجه فليتوضأ . وقال : هذا صحيح ، شاهده الحديث المشهور ، عن يزيد بن عبد الملك ، عن سعيد . ولما ذكره أبو القاسم بن مطير في الأوسط : ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ، نا محمد بن خلف العسقلاني ، ثنا حبيب كاتب مالك ، ثنا شبل بن عباد ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ ، ثم قال : لم يروه عن شبل إلا حبيب . وحديث عائشة - رضي الله عنها - قال الدارقطني في السنن : ثنا محمد بن مخلد ، ثنا حمزة بن العباس المروزي ، ثنا الحسين بن إسماعيل ، ثنا يحيى بن مُعلى ، نا عتيق بن يعقوب ، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون ، قالت عائشة : بأبي أنت وأمي هذا للرجال ، أفرأيت النساء ؟ قال : إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة ثم قال : عبد الرحمن العمري ضعيف . وفي كتاب الكنى للنسائي : ثنا محمود بن خالد ، نا الوليد ، ثنا صدقة أبو معاوية ، وحديثه عن ابن وهب ، عن سليمان بن موسى ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة مرفوعا : توضئوا من مس الذكر . ورواه ابن شاهين من جهة إبراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيِبة ، عن عمرو بن شريح ، عن الزهري ، عن عروة عنها ، قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : من مس فرجه فليتوضأ ، قال : وقال الأموي : ذكره ، ثنا سعيد بن نفيس الصواف ، ثنا جامع بن سوادة ، ثنا زياد بن يونس الحضرمي ، ثنا يحيى بن أيوب ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عنها ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : من مس فرجه فليتوضأ . ثنا عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ، ثنا علي بن سعيد بن النعمان النسائي ، نا عبد الصمد بن عبد الوارث حدّثني أبي ، عن حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن المهاجر بن عكرمة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أعاد الوضوء في مجلس ، فسألوه عن ذلك فقال : إني حككت ذكري . ولما سئل البخاري عنه بقول الترمذي : قلت له : فحديث عروة عن عائشة ، وعروة عن أروى ؟ فقال : ما يصنع بهذا ؟ هذا مما لا يشتغل به ، ولم يعبأ بهما . وفي علل ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه حسن الحلواني ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه ، عن حسين ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن المهاجر بن عكرمة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي - عليه السلام - : من مس ذكره فليتوضأ . ورواه شعيب بن إسحاق ، عن هشام ، عن يحيى ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- به ، قال أبي : هذا حديث ضعيف لم يسمعه يحيى من الزهري ، وأدخل بينهما رجلا ليس بالمشهور ، ولا أعلم أحدا روى عنه إلا يحيى ، وإنما يرويه الزهري عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عروة ، عن مروان ، عن بسرة ، ولو أن عروة سمع من عائشة لم يدخل بينهما أحد ، وهذا يدل على وهن الحديث . وقد ذكر أبو نعيم الحافظ في هذا الحديث علة أخرى ، وهي أن الزهري لم يسمعه من عروة ، فقال في تاريخ أصبهان : ثنا عبد الله بن محمد ، ثنا عامر بن أحمد الفرائضي ، ثنا إبراهيم بن فهد ، ثنا أحمد بن شبيب ، ثنا أبي ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عمرو بن شعيب ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : من مس فرجه فليتوضأ . وقال مهنأ : سألت أبا عبد الله عن حديث عبد العزيز ، عن الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عروة ، عن عائشة في مس الذكر ، فقال : ليس بصحيح ، إنما كان يحدث به الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن رجل ، عن عائشة ، قال الخلال : وقال غير مهنأ ، يعني عنه : لو كان عنده - يعني عروة - صحيحا ، عن عائشة لم يحتج أن يجادل مروان ، إنما الحديث حديث بسرة ، ورده أبو جعفر الطحاوي بنحو من هذا وبعمر بن شريح . وقال ابن وضاح : ليس بصحيح . وأشار في المعرفة إلى أنه خطأ . وفي المستدرك لأبي عبد الله : وقد صحت الرواية عن عائشة بنت الصديق - رضي الله عنها - أنها قالت : إذا مست المرأة فرجها توضأت . وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يناقض ذلك ، وحديث عبد الله بن العباس خرجه أبو أحمد بن عدي في كامله من جهة الضحاك بن حجوة ، قال : وليس بشيء ، كل رواياته مناكير ، إما متنا وإما إسنادا ، عن الهيثم عن الراسبي ، عن عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر عنه مرفوعا : من مس ذكره فليتوضأ . ولما ذكره البيهقي في الخلافيات ضعفه بالضحاك هذا ، وأجدر به أن تضعف به الأحاديث ؛ لأنه ممن قال فيه ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به . وقال الدارقطني : يضع الحديث , والله أعلم . وحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ذكره ابن شاهين ، فقال : ثنا الحسن بن حبيب بن عبد الملك بدمشق ، ثنا أحمد بن عبد الرحيم البرقي ، ثنا عمرو بن أبي سلمة ، ثنا صدقة بن عبد الله الدمشقي ، ثنا هاشم بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من مس فرجه فليتوضأ . ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني ، ثنا القاسم بن هاشم ، ثنا يحيى بن صالح ، ثنا العلاء بن سليمان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : من مس فرجه فليتوضأ . ورواه الحاكم في تاريخ نيسابور ، عن أبي زكريا يحيى بن محمد ، ثنا إبراهيم بن أبي طالب ، ثنا أحمد بن يوسف السلمي ، ثنا عمرو بن أبي سلمة بلفظ : من مس ذكره فليتوضأ . ورواه أيضا عن الأصم ، ثنا أبو الحسن الشعراني ، ثنا السري بن خزيمة الثقة وفوق الثقة ، ثنا سعيد بن هبيرة ، ثنا جويرية ، عن نافع . ورواه أيضا فيما قاله البيهقي ، عن أبي بكر بن أبي العوام الرياحي ، عن عبد العزيز بن أبان ، عن الثوري ، عن أيوب ، عن ابن سيرين عنه . وقال : تفرّد به أبو بكر ، عن عبد العزيز بن أبان . ورواه البيهقي أيضا من جهة عمرو بن خالد ، عن العلاء بن سليمان ، عن الزهري . وقال : هذا ضعيف ، والحمل فيه على العلاء فيما أظن . ورواه أيضا من جهة ابن لهيعة ، عن عقيل ، عن ابن شهاب . وقال : ابن لهيعة لا يحتج به . قال : ورواه الشافعي في القديم ، عن الزنجي ، عن ابن جريج ، عن عبد الواحد بن قيس ، وعن مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب عنه ، وكلاهما منقطع . وفي سؤالات مضر : قلت : وحديث ابن عمر ؟ قال : الصحيح منه غير مرفوع وضعّفه الطحاوي بصدقة وبالعلاء . وقال الخليلي : هذا منكر بهذا الإِسناد ، لا يصح من حديث أيوب ، يعني عن ابن سيرين عنه ، ولا من حديث الثوري ، والحمل فيه على عبد العزيز بن أبان الكوفي ، فإنهم ضعفّوه . وحديث أروى ابنة أنيس ذكره الحافظ أبو زكريا ، وقد تقدّم تضعيف البخاري له من كتاب العلل الكبير للترمذي ، وكلام البيهقي في المعرفة أيضا . وحديث يحيى بن أبي كثير عن رجال من الأنصار أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ . رواه الشافعي عن مسلم ، وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن يحيى به ، وإسناده صحيح عند جماعة لتوثيقهم يحيى . وفي المعرفة للحافظ أبي بكر : أنبأنا أبو عبد الرحمن السُّلمي ، أنّ أبا الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن صبيح أخبرهم ، أنبأنا عبد الله بن محمد بن شيرويه ، أنا إسحاق الحنظلي ، أنا محمد بن بكر البرساني ، ثنا ابن جُريج ، قال : وقال يحيى بن أبي كثير عن رجل من الأنصار : إنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ، ثم عاد في مجلسه فتوضأ ، ثم أعاد الصلاة ، فقال : إنّي كنت مسست ذكري فنسيت . وهو حديث ضعيف لضعف السلمي . وحديث سعد بن أبي وقاص وأم سلمة زوج المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النبي عَلَيْهِ السلام ، ذكرهما أبو عبد الله الحاكم في كتاب المستدرك . وحديث قيس بن طلق عن أبيه ، ذكره الطبراني ، وسيأتي . وفي حديث عبد الله بن عمر وسعد وأم سلمة والرجال والرجل من الأنصار وطلق وابن عباس - وإن كان ظاهرها الإرسال - ردّ لما أغفله الترمذي حين تعداده الرواة .

228

204 - حدّثنا عبد الله بن عامر بن زرارة ، ثنا ابن أبي زائدة ، عن حريث بن أبي مطر ، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة الأنصاري ، عن سعيد بن جبير ، عن أبن عباس قال : كان نومه ذلك وهو جالس . كذا فيما رأيت من النسخ ، وفي الأطراف لأبي القاسم زيادة من نفس السنن ، يعني النوم الذي لم يتوضأ منه . ولما رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي هبيرة ، عن ابن المسيب ، عن ابن عباس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نام وهو قاعد ثم قام فصلى ولم يتوضأ . قال : لم يروه عن أشعث ، عن أبي هبيرة عن سعيد إلا شريك. ورواه غيره عن أشعث ، عن أبي هبيرة ، عن ابن جبير ، وفي موضع آخر : فأخر العشاء حتى نام القوم واستيقظوا ، ثم ناموا واستيقظوا ، فصلى بهم ولم يذكر أنهم توضئوا . وقال : لم يروه عن يونس بن عبيد ، يعني : عن عطاء عنه ، إلا حماد بن سلمة ، تفرّد به يونس المؤدب وابن عائشة ، وهو حديث إسناده ضعيف لضعف روايه حريث أبي عمرو الحناط الفزاري ، فإنه ممن قال فيه البخاري : فيه نظر ، وفي رواية عنه : ليس عندهم بالقوي . وقال عمرو بن علي : لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عنه بشيء قط ، وهو حريث بن عمرو وهو ضعيف الحديث بابه عبيدة الضبي وعبد الأعلى الجرار ونظرائه ، وبنحوه قاله أبو حاتم الرازي وابن عدي . وقال يحيى بن معين : لا شيء ، وفي رواية : ضعيف . وقال النسائي : متروك الحديث ، وكذا قاله علي بن الجنيد . وقال الحربي في كتاب العلل : ليس هو بحجة ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء . وقال الساجي : ضعيف الحديث عنده مناكير ، ومَعْنى حديثه هذا في صحيح مسلم ، بل هو هو ، وأوضح في الدلالة من حديث ابن عباس ، قال : بت ليلة عند خالتي ميمونة ، فقلت لها : إذا قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأيقظيني ، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني في شقه الأيمن ، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني ، قال : فصلى إحدى عشرة ركعة ، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا ، فلما تبيّن له الفجر صلى ركعتين خفيفتين . وفي مسند الإِمام أحمد بن حنبل : ثنا معتمر ، ثنا حميد ، عن عبد الله بن عبيد ، عن رجل قال : رأيت نبي الله -صلى الله عليه وسلم- نام حتى نفخ ثم قام فصلى ولم يتوضأ . وسئل عمن نام وهو جالس ، فقال : عليه الوضوء ، ذكره في تاريخ الموصل من جهة المغيرة بن زياد ، عن ابن أبي رباح عنه . وقد ورد في نوم القاعد غير ما حديث ، من ذلك حديث ابن المبارك : ثنا معمّر ، عن قتادة ، عن أنس قال : رأيت أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا ، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون . قال ابن المبارك : هذا عندنا وهم جلوس . قال الحافظ أبو بكر البيهقي : وعلى هذا حمله عبد الرحمن بن مهدي والشّافعي . انتهى كلامه . وهو محتمل لما قالوه ، لكن وردت زيادة تمنع من هذا التأويل ، وتردّه على من أوله ، ذكرها أبو محمد بن حزم مصححًا لها ، وذكرها أيضًا أبو الحسن بن القطان من رواية يحيى بن سعيد القطان ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس : كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينتظرون الصلاة ، فيضعون جنوبهم ، فمنهم من ينام ، ثم يقوم إلى الصلاة . قال قاسم بن أصبغ : نا محمد بن عبد السلام الخشني ، ثنا ابن بشار ، ثنا يحيى بن سعيد فذكره . وهو كما ترى صحيح من رواية إمام ، عن شعبة فاعلّمَه . ورواه البزار من حديث عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس : أنّ أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ . قال الأثرم : قال أبو عبد الله عند ذكر حديث عبد الأعلى : يضعون جنوبهم - ما في هذا أحسن من حديث أنس : كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون هكذا قال شعبة . وقال هشام : يخفقون برءوسهم . وقال ابن أبي عروبة : فيضعون جنوبهم ، فتبسم أبو عبد الله ، وقال : هذا مرّة ، يضعون جنوبهم . وفي كتاب ابن عدي من حديث محمد بن سليم الراسبي ، عن قتادة ، عن أنس قال : كنا ننام في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا نُحْدِثُ لذلك وضوءا . وقد أكد حديث شعبة ما في الصحيح من حديث ابن عباس ونومه عند النبي - عليه السلام - قال : ثم اضطجع فنام حتى نفخ ولكن قد قال : هو أنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي . وقال سفيان : هذا للنبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة ، وكذا قاله عكرمة ، فعلى هذا لا حجة فيه على التأكيد ، وقد روي ذلك عن عائشة وأنس وجابر وأبي هريرة ، وقد روى يزيد بن أبي زياد وهو منكر الحديث ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : وجب الوضوء على كلّ نائم إلا من خفق خفقة برأسه . قال البيهقي : هكذا رواه جماعة ، عن يزيد موقوفا ، وروي ذلك مرفوعا ولا يثبت رفعه . وقال ابن المنذر : حديث ابن عباس هذا لا يثبت . وفي السنن أيضًا من حديث ابن الجعد : أنبأنا شعبة ، عن الجُريري ، عن خالد بن غلاق ، عن أبي هريرة قال : من استحق النوم فقد وجب عليه الوضوء ، وفي لفظ : فسألناه عن استحقاق النوم ، فقال : هو أن يضع جنبه . قال البيهقي : وروي ذلك مرفوعا ولا يصح . وفي كتاب أبي داود ، عن أنس قال : كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون . قال أبو داود : زاد فيه شعبة عن قتادة ، قال : على عهد النبي عليه السلام . وفي رواية معمر ، عن قتادة : حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا . وفي كتاب الترمذي من حديث عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدالاني ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس : أنه رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نام وهو ساجد حتى غطّ أو نفخ ثم قام فصلى ، فقلت : يا رسول الله ، إنك قد نمت ، قال : إنّ الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعا ، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله . قال أبو عيسى : رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس قوله ، ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه ، ولما ذكره دعلج في مسند ابن عباس من تأليفه ، قال : سمعت موسى بن هارون يقول : هذا حديث منكر لا نعلم أحدا رواه إلا الدالاني . والمعروف عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نام حتى نفخ ، ثم صلى ، ولم يتوضأ ، وليس فيه زيادة على هذا الكلام ، ورواه البيهقي من جهة إسحاق بن منصور السلولي عن عبد السلام بلفظ : لا يجب الوضوء على مَنْ نام جالسًا ، أو راكعًا ، أو ساجدًا حتى يقع جنبه ، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ، قال البيهقي : تفرد بهذا الحديث على هذا الوجه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني . ولما رواه أبو داود قال : قوله الوضوء على من نام مضطجعا هو منكر ، لم يروه إلا الدالاني عن قتادة ، وروى أوله جماعة ، عن ابن عباس ، لم يذكروا شيئا من هذا ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقال شعبة : إنّما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث : حديث يونس بن مَتَّى ، وحديث ابن عمر في الصلاة ، وحديث القضاة ثلاثة ، وحديث ابن عباس حدثني رجال مرضيون . قال : وذكرت حديث يزيد للإِمام أحمد ، فقال : ما للدالاني يدخل على أصحاب قتادة ، ورأيته لا يعبأ بهذا الحديث ، وقال في التفرّد ، يعني أبا داود : لم يسمع هذا الحديث من أبي العالية ولم يجئ به إلا يزيد ، قال البيهقي : يعني به أحمد ، ما ذكره البخاري من أنه لا يعرف لأبي خالد سماع من قتادة . ولما ذكره ابن أبي داود في كتاب الطهارة من السنن ، قال : هذا الحديث معلول ، لم يسمع قتادة من أبي العالية إلَّا أربع أحاديث معروفة ، ليس هذا منها ، وهذا مرسل بين قتادة وأبي العالية يحتاج رجلا آخر ، وهذه سنة تفرد بها أهل البصرة وحفظها أهل الكوفة من غير صحة . وفي كتاب العلل لأبي عيسى الترمذي : سألت محمدًا عن هذا الحديث ، فقال : هذا لا شيء ، رواه ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس قوله ، ولم يذكر فيه أبا العالية ، ولا نعرف لأبي خالد سماعا من قتادة . وقال الدارقطني : تفرّد به الدالاني ولا يصح . وقال البيهقي : وأمّا هذا الحديث فقد أنكره على أبي خالد جميع الحفاظ . وقال الخزرجي في كتابه تقريب المدارك : حديث أبي العالية هذا منكر ، وليس بمتصل الإسناد . وقول من قال : إنه تفرّد بهذا اللفظ ، أعني الدالاني ، نظر ؛ لما نذكره من متابعة يعقوب عن مقاتل له بعد ، والله أعلم . وفي الاستذكار : حديث أبي خالد هذا عند أهل الحديث منكر ، لم يروه غير أبي خالد عن قتادة . ولما ذكر ابن الجوزي في التحقيق كلام الدارقطني ، قال : قد ذكرنا أن مذهب المحدثين إيثار قول من وقف الحديث احتياطا ، وليس هذا بشيء ، وقول الدارقطني : لا يصح ؛ لأنه دعوى بلا دليل ، وقد ذكرت هذا الحديث مستوفيا العلل في كتابي المسمى بالسنن في الكلام على أحاديث السنن ، ولله الحمد والمنّة . وفي كتاب الدارقطني من حديث عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : من نام جالسا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء . ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ليث عن عمرو قال : لم يروه عنه إلا الحسن بن أبي جعفر ، تفرد به عبد القاهر بن شعيب ، ولما ذكره ابن المنذر ضعفه بعمر . وذكره ابن عدي في كامله من حديث مقاتل بن سليمان المتهم بالوضع عند النسائي عنه . وفي تاريخ نيسابور من حديث الجارود بن يزيد ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن ابن المسيب عنه يرفعه : الوضوء من سبعة : من إقطار البول ، والدم السائل ، والقيء ، ومن دسعة يملأ بها الفم ، والنوم المضطجع ، وقهقهة الرجل في الصلاة ، ومن خروج الدم . وفي الكامل أيضا من حديث معاوية بن يحيى ، وهو واهي ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : إذا وضع أحدكم جنْبه فليتوضأ . قال الحربي : هذا حديث منكر ، وفيه من حديث قزعة بن سويد ، عن يحيى بن كنيز وهو منكر الحديث ، عن ميمون الخياط ، عن أبي عياض ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : كنت في مسجد المدينة جالسا أخفق ، فاحتضنني رجل من خلفي ، فالتفت فإذا النبي - عليه السلام - فقلت : يا رسول الله ، هل وجب علي وضوء ؟ قال : لا ، حتى تضع جنبك . قال البيهقي : تفرّد به بحر السقاء ، وفيه أيضًا حديث ابن عباس مرفوعًا : وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة أو خفقتين . قال الدارقطني : إنما يروى عن ابن عباس من قوله ، وقد تقدّم .

229

205 - حدّثنا محمد بن المصفى الحمصي ، ثنا بقية ، عن الوضين بن عطاء ، عن محفوظ بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي ، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ . هذا حديث لما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء في ترجمة الوضين قال : عنده حديث واحد منكر ، وذكر هذا ثم قال : ورأيت أبا داود أدخل هذا الحديث في كتاب السنن ولا أراه وضعه إلا وهو صحيح عنده ، ولما سئل أحمد عن هذا الحديث وحديث معاوية ، قال : حديث علي أثبت وأقوى . وفي الخلافيات نحوه ، ولما ذكره أبو محمد الفارسي قال : هذا أثر ساقط ، وقال أبو محمد الإشبيلي : حديث علي ليس بمتصل ، وقال ابن القطان : هو كما قال ليس بمتصل ، ولكن بقي عليه أن يبيّن أنه من رواية بقية ، وهو ضعيف عن الوضين وهو واهي ، قاله السعدي ، وقد أنكر عليه هذا الحديث نفسه ، عن محفوظ بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن عائذ ، وهو مجهول الحال عن علي ، ولم يسمع منه ، فهذه ثلاث علل سوى الإِرسال ، كل واحدة تمنع من تصحيحه مسندًا كان أو مرسلًا ، وفيما قاله نظر ، حيث قال عن ابن عائذ مجهول الحال ، وليس كذلك ؛ فإنه ممن ذكره ابن حبان في كتابه ، ومع ذلك فهو ممن لا يحتاج إلى معرفة حاله ولا الكشف عنها لكونه صحابيًا مشهورًا بذلك ، قد ذكره في الصحابة جماعة ، منهم البغوي ابن بنت منيع وأبو نعيم الأصفهاني والعسكري . وقال : كان من أصحاب النبي - عليه السلام - وأصحاب أصحابه ، وكان من حملة العلم ، وذكر له حديثًا فيه : سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : لو حلفت يمينًا لبَررْت أنه لا يدخل الجنة قبل الرعيل الأول من أمتي قبل خمسة عشر إلا إبراهيم وإسماعيل ويعقوب وإسحاق والأسباط وعيسى وموسى ومريم ابنة عمران . وقال أبو عمر : عبد الله بن عبد ، ويقال : عبد بن عبد أبو الحجاج الثمالي ، ويقال : عبد الله بن عائذ من الأزد ، يُعدّ في الشاميين ، حديثه عند بقية بن الوليد . ولما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال : يقال : إن له صحبة ، قاله صفوان بن عمرو السكسكي . وفي قول أبي محمد الإشبيلي : حديث علي ليس بمتصل - نظر ، إن أراد الحديث الذي من رواية عبد الرحمن بن عائذ فمسلم ، على أن ابن حبان ذكر أنه روى عن علي ، قال : وقد قيل : إنه لقي عليا ، روى عنه أهل الشام وإن أراد نفس الحديث فغير مسلم ؛ لما أسلفناه من رواية غير عبد الرحمن والله أعلم . وفي رواية البيهقي من حديث بقية ، عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس ، عن معاوية قال - عليه السلام - : العين وكاء السه ، فإذا نامت العين استطلق الوكاء . قال : ورواه مروان بن جناح والوليد بن مسلم ، عن عطية ، عن معاوية موقوفا ، والوليد ومروان أثبت من أبي بكر بن أبي مريم ، وبمثله قاله ابن عدي في الكامل ، ولما ذكره في الخلافيات من حديث ابن عباس وأبي هريرة قال : حديث علي الذي يرويه الوضين أثبت منه في هذا الباب . وقال أبو عمر بن عبد البرّ ، وأبو محمد بن حزم : حديث علي ومعاوية ضعيفان ، زاد أبو عمر : ولا حجة فيهما من جهة النقل . ولما رواه عبد الله بن أحمد وجادة في كتاب أبيه بخط يده ، قال : كان في المحنة ، وقد ضرب على هذا الحديث في كتابه ، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة ، عن حديث علي ومعاوية قالا : ليسا بقويين . ولما ذكره ابن أبي داود في سننه من حديث الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية ، قال : هذه سنة تفرد بها أهل حمص ، وقال ابن الجوزي : فيهما مقال .

230

206 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن عاصم ، عن زر ، عن صفوان بن عسال قال : كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة ، لكن من غائط وبول ونوم . هذا حديث رواه ابن ماجه في موضع آخر ، ورواه ابن أبي عمر في مسنده عن سفيان مطولًا بلفظ : أتيت صفوان بن عسال ، أسأله عن المسح على الخفين ، فقال : ما جاء بك يا زر ؟ فقلت : ابتغاء العلم ، فقال : إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب ، قلت : إنه حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول ، وكنت امرءا من أصحاب النبي - عليه السلام - فجئت أسألك : هل سمعت في ذلك شيئًا ؟ قال : نعم ، كان يأمرنا إذا كنّا سفرا - أو مسافرين - أن لا ننزع خفافنا بعد ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم ، قال : قلت : هل سمعته يذكر في النجوى شيئا ؟ قال : نعم ، كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري : يا محمد ، فأجابه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصوت على نحو من صوته : هاؤم ، قلنا : ويحك اغضض من صوتك ، فإنك عند النبي - عليه السلام - وقد نهيت عن هذا ، فقال : والله لا أغضض صوتي ، قال الأعرابي : المرء يحب القوم ولما يلحق بهم ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : المرءُ مع من أحب يوم القيامة ، فما زال يحدّثنا حتى ذكر بابا من قبل المغرب مسيرة سبعين عامًا عرضه ، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عامًا . قال سفيان : قبل الشام خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا ، يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه . ورواه الترمذي ، عن أحمد بن عبدة ، ثنا حماد بن زيد ، عن عاصم ، وقال : حسن صحيح . وخرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن أحمد بن عبدة ، ثنا حماد وعن علي بن خشرم ، نا ابن عيينة والحافظ أبو حاتم البستي ، عن الحسين بن محمد بن أبي معشر ، ثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي ، ثنا زهير بن معاوية ، عن عاصم ، ونا أبو يعلى ، ثنا هارون بن معروف ، ثنا سفيان ، وأنا عبد الله بن محمد الأزدي ، نا إسحاق بن إبراهيم ، أنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن عاصم ، وأنا ابن خزيمة ، ثنا محمد بن يحيى وابن رافع ، أنا عبد الرازق فذكره . ولما ذكره الحاكم في مستدركه قال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ، وخرجه ابن الجارود في منتقاه ، عن محمد بن عبد الله بن يزيد ، ثنا سفيان ، وصححه أبو محمد بن حزم . وفي كتاب ابن السكن ما يرد على الحاكم قوله ، وهو : وقال الصعق بن حزن ، عن علي بن الحكم ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر ، عن ابن مسعود قال : جاء رجل من مراد يقال له صفوان فذكر هذا الحديث . وفي معجم الطبراني من جهة عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن زر بقصة المسح . والله أعلم . وأما حديث أبي هريرة قال - عليه السلام - : من وضع جنبه فنام فليتوضأ ، فإن الحربي لما ذكره في علله قال : هذا منكر لم يروه عن الزهري إلا معاوية بن يحيى . السَّه : اسم من أسماء الدبر . وقيل : هي حلقة الدبر فيما ذكره الهروي ، والوكاء : الحبل الذي يشد به القربة ، قال : ولا القرب وكاء الزاد أحسبه لقد علمت بأن الزاد مأكول وفي بعض الأمالي : حفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء . قال أبو بكر بن المنذر في كتاب الإشراف : واختلفوا في الوضوء من النوم ، فكان الحسن يقول : إذا خالط النوم قلب أحدكم فليتوضأ ، وهو قول سعيد بن المسيب وإسحاق وأبي عُبيد ، وروينا معناه عن أبي هريرة وابن عباس وأنس . وقال الزهري وربيعة ومالك : إن نام قليلًا قاعدًا لم ينتقض وضوؤه ، وإن تطاول ذلك توضأ . وقال الأوزاعي معنى ذلك ، وبه قال أحمد ، وكان حماد بن أبي سليمان والحكم وسفيان وأصحاب الرأي يقولون : إنّ من نام قائمًا أو قاعدًا فلا ينتقض وضوؤه ، وإذا نام مضطجعًا أو متكئًا انتقض وضوؤه ، واحتجوا بحديث عن ابن عباس لا يثبت . وفيه قول رابع : وهو أن من نام ساجدًا في صلاة فليس عليه وضوء ، فإن نام ساجدًا في غير صلاة توضأ ، وإن تعمّد النوم ساجدًا في الصلاة فعليه الوضوء ، وهو قول ابن المبارك . وفيه قول خامس : وهو أن من زال عن حدّ الاستواء قاعدًا أو نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو مضطجعًا فعليه الوضوء وهو قول الشافعي . وفيه قول سادس : وهو أن الوضوء لا يجب من النوم على أي حال كان حتى يحدث حدثًا غير النوم ، روي معنى هذا القول عن أبي موسى الأشعري . قال في شرح السنة : وهو قول الأعرج ، قال ابن المنذر : وعن ابن المسيب أنه كان ينام مرارًا مضطجعًا ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد الوضوء ، قال أبو بكر : وبالقول الأول أقول استدلالًا بالسنة ، وبإجماعهم على أنّ من زال عقله بغير النوم فعليه الوضوء ، والنائم زائل العقل أو في معناه . وقال ابن حزم : والنوم في ذاته حدث ينقض الوضوء سواء قلّ أو كثر ، قاعدًا أو قائمًا ، في صلاة أو غيرها ، أو راكعًا أو ساجدًا أو متكئًا أو مضطجعًا ، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا ، برهان ذلك حديث صفوان ، فعم - عليه السلام - كل نوم ، ولم يخص قليله من كثيره ولا حالًا من حال وسوى بينه وبين الغائط والبول ، وهذا قول أبي هريرة وأبي رافع وعروة بن الزبير وعطاء والحسن وابن المسيَّب وعكرمة والزهري والمزني وغيرهم ، وذهب الأوزاعي إلى أن النوم لا ينقض كيف كان ، ويرده ما أسلفناه من عند ابن المنذر . قال أبو محمد : وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة ، وعن ابن عمر ومكحول وعبيدة ، وذكر حديث فيضعون جنوبهم ، وحديث ينامون ثم يصلون ، قال : لو جاز القطع بالإِجماع فيما لا يتيقن أنه لم يشذ عنه أحد ؛ لكان هذا يجب أن يقطع فيه بأنه إجماع ، لا تلك الدعاوى التي يدعونها ، وذهب داود بن علي إلى أنّ النوم لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع فقط ، وهو قول روي عن عمر بن الخطاب وابن عباس ولم يصح عنهما ، وعن ابن عمر ، وصح عنه ، وصح عن النخعي وعطاء والليث والثوري والحسن بن حي . وذهب أبو حنيفة إلى قول - يعني ما تقدم - لا نعلمه عن أحد من المتقدّمين إلَّا أن بعضهم ذكر ذلك عن ابن أبي سليمان والحكم ، ولا نعلم كيف قالا ، وأمّا قول الشّافعي فما نعلم تقسيمه يصح عن أحد من المتقدّمين ، إلا أنّ بعض الناس ذكر ذلك عن طاوس وابن سيرين ، ولا نحققه . انتهى كلامه . وفيما حكاه أنه رواه البيهقي من جهة يزيد بن أبي زياد ، قال : وقد روي مرفوعا ، والمرسل إذا عُضِّده مرسل آخر أو قول صحابي كان عند جماهير المحدثين أقوى من مسندٍ لو عارضه . والله أعلم .

231

203 - حدّثنا عبد الله بن عامر بن زرارة ، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن حجاج ، عن فضيل بن عمرو ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نام حتى نفح ثم قام فصلى . هذا حديث إسناده صحيح على شرط مسلم ، ولفظ أبي عبد الله أحمد بن إبراهيم الدورقي في مسند ابن مسعود : كان - عليه السلام - ينام وهو ساجد ، وكنا نعرف ذلك بنفخه ، ثم يقوم فيمضي في صلاته . رواه عن محمد بن الصلت ، ثنا منصور بن أبي الأسود ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، ثنا سعيد بن سليمان ، ثنا ابن أبي زائدة ، ثنا حجاج ، عن فضيل ، يعني الفقيمي ، عن إبراهيم نحوه . قال حجاج : فسألت عطاء ، فقال : النبي - عليه السلام - ليس كغيره . ولما ذكره في الأوسط ، قال : لم يروه عن الأعمش إلا منصور ، وفي سنن الدارقطني عن ابن محمود السمعي ، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ، ثنا أبو خيثمة ، عن محمد بن حازم ، عن حجاج ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله : كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينام مستلقيًا حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ .

232

باب الوضوء من النوم 202 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينام حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ . قال الطنافسي : قال وكيع : تعني وهو ساجد . هذا حديث إسناده على شرط الشيخين .

233

200 - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش ، عن أبيه ، عن زينب بنت جحش أنه كان لها مُخضَبٌ من صُفر قالت : كنت أرجل رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه . هذا حديث إسناده صحيح ، إبراهيم وثقه ابن حبان وأبوه محمد روى عنه أيضًا مولاه أبو كثير . وقال ابن أبي حاتم : له صحبة ، قتل أبوه يوم أحد وهو غير مطابق لما ترجم له أبو عبد الله ، والذي رواه أحمد في مسنده مطابق فكان أولى بالذكر قالت : إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتوضأ في مخضب من صفر ، ولفظه في الأفراد : توضأ النبي -صلى الله عليه وسلم- في مخضبي هذا مخضب من صفْر . ورواه من حديث الدراوردي ، عن إبراهيم بن محمد ، عن أبيه عنها ، وعن الدراوردي ، عن إبراهيم بن عبد الله بن جحش عنها ، وقال : اختلفا في إسناده وهو حديث غريب تفرد به الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، ولفظه عند أبي عبيد : إن زينب كانت تغسل رأس النبي -صلى الله عليه وسلم- في مخضب من صفر ، قال العمري : وقد رأيت ذلك المخضب .

234

باب الوضوء في الصفر 199 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن الماجشون ، ثنا عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخرجنا له ماءً في تور من صُفر فتوضأ به . هذا حديث خرجه البخاري وخرج مسلم أصله ولم يذكر التور .

235

201 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا : ثنا وكيع ، عن شريك ، عن إبراهيم بن جرير ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ في تور . هذا حديث إسناده صحيح ، وهو غير مطابق أيضا ؛ إذ التور يكون من غير الصفر ، والله أعلم . وفي الباب أيضا حديث عائشة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تور من شبّه ذكره أبو داود . وقال أبو القاسم الطبراني : لم يروه عن شعبة - يعني : عن هشام عن أبيه - إلا حماد بن سلمة ، ولا عنه إلا حوثرة بن أشرس ، تفرد به عبد الله . وفي صحيح ابن خزيمة من حديثها أيضًا قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه : صبوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ، قالت : فأجلسناه في مخضب لحفصة من نحاس وسكبنا عليه الماء الحديث . ثم قال : ثنا به محمد بن يحيى ، سمعت عبد الرزاق ، يذكر عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة نحوه ، غير أنه لم يقل : من نحاس ، حين جعل الحديث عن عروة بلا شك . وخرجه الحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . وفي كتاب البيهقي ، عن عائشة من طريق فيها ضعف ، ولكنها متصلة ، قالت : كنت أغتسل أنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- في تور من شبه . وذكره أبو داود من طريق منقطعة ، وفي الأوسط عن جابر : توضأ - عليه السلام - في طست فأخذته فصببته في بئر لنا . وقال : لا يروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد ، ابن المبارك ، أنبأنا عمر بن سلمة بن أبي مزيد المديني ، عن أبيه ، عن جابر تفرّد به ابن المبارك . وفي كتاب الطهور لأبي عبيد بن سلام ، ثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين قال : كانت الخلفاء يتوضئون في الطست في المسجد . وعن الحسن قال : رأيت عثمان يصب عليه من إبريق . وعن عبد الرحمن بن أبي الموال ، قال : حدّثني حسن بن علي بن محمد بن علي ، ورأيته يتوضأ في تور ، فذكر وضوءه ، ثم قال : أخبرني أبي ، عن أبيه : أنّ عليا كان يتوضأ هكذا . قال أبو عبيد : وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر الأشياء . يروى عن ابن عمر من الكراهة ، ثنا حجاج ، عن شعبة ، عن عبد الله بن جبر الأنصاري قال : جاء ابن عمر إلى بني عبد الأشهل فطلب وضوءا فأتيته بتور من ماء فقال : رده وائتني به في قصعة أو ركوة . وفي كتاب الإشراف : توضأ أنس بن مالك من طست . ورخص كثير من أهل العلم في ذلك ، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور ، وما علمت أني رأيت أحدًا كره الوضوء في آنية الصفر وكذا النحاس والرصاص وما أشبه ذلك ، وبه نقول ، والأشياء على الإِباحة ، وليس يحرم ما هو مباح بموقوف ابن عمر . وكان الشافعي وإسحاق وأبو ثور يكرهون الوضوء في آنية الذهب والفضة ، وبه نقول ، ولو توضأ فيه متوضئ أجزأه وقد أساء ، وحكي عن أبي حنيفة أنه كان يكره الأكل والشرب في آنية الفضة ، وكان لا يرى بأسًا بالمفضّض ، وكان لا يرى بالوضوء منه بأسًا . وفي قوله : ما علمت أحدًا كره الوضوء في آنية الصفر والنحاس - نظر ؛ لأن الصفر هو النحاس . وفي قول أبي عبيد : لا نعلم أحدا كرهه إلا عن ابن عمر - نظر ؛ لما ذكره في الإشراف عن معاوية أيضا . وأمّا الصّفر : فهو النحاس بالضم ، حكاه ثعلب في فصيحه ، وروى المطرّز عنه : النّاس كلّهم يقولون : صفر ، وأبو عبيدة يكسره ، يعني الصاد . وقال ابن درستويه : سُمّي النحاس صفرا لصفرته ، وهو الذي يصنع بالنوشادر ويقال له الشبه ؛ لأنه يشبه الذهب . وفي الجامع : هو النحاس الجيد ، والمخضب المركن ، وهي الإِجانة التي تغسل فيها الثياب ، كذا في الصحاح ، وفي الغريب : شبه المركن ، والله أعلم .

236

باب ما يقال بعد الوضوء 197 - حدّثنا موسى بن عبد الرحمن ، ثنا الحسين بن علي وزيد بن الحبُاب ، ( ح ) وثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو نعيم ، وثنا إبراهيم بن نصر ، ثنا أبو نعيم ، قالوا : ثنا عمرو بن عبد الله بن وهب أبو سليمان النخعي ، ثنا زيد العُمي ، عن أنس بن مالك ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قال ثلاث مرات : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ؛ فتح له ثمانية أبواب الجنة ، من أيّها شاء دخل . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف روايه زيد العمي المتقدّم الذكر ، ولما ذكره الحاكم شاهدًا ضعفه ، وكذلك ابن أبي حاتم في علله حين سأل أبا زرعة عنه ، وخرجه ابن منده في كتاب الوضوء من تأليفه من حديث عمرو بن عبد الله بن موهب ، عن زيد . وذكر القشيري أن المستغفري خرجه في الدعوات ، وقال : هذا حديث حسن .

237

198 - حدّثنا علقمة بن عمرو الرؤاسي ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن عطاء البجلي ، عن عقبة بن عامر الجهني ، عن عمر بن الخطاب ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ؛ إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء . هذا حديث خرجه أبو عيسى من حديث أبي إدريس وأبي عثمان ، عن عمر ، وقال : هذا حديث في إسناده اضطراب ، قال الدارقطني : رواه عبد الله بن عطاء . وقيل : عن ابن عطاء ، عن سَعْد بن إبراهيم ، عن زياد بن مخراق ، عن شَهْر بن حَوشب ، ففسّد الحديث عند شعبة لما فحص عنه . وفي كتاب العلل للحربي : ثنا المثنى ، عن معاذ قال : قلت لأبي : لم ضربت على حديث عقبة بن عامر هذا من كتاب شعبة ؟ فقال : سل بشر بن المفضل عنه ، فسألته فقال : ثنا شعبة قلت لأبي إسحاق : ممن سمعت حديث عقبة هذا ؟ قال : من الأسود الذي يجالسنا ، فذكر أسود ليس بشيء ، فسألت أسود ، فقال : سمعته من ابن المنكدر ، فلقيت ابن المنكدر في الحج فسألته فقال : حدّثني به زياد بن مخراق ، فرجعت إلى البصرة فسألته فقال : بلغني عن شهر . ولا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب كبير شيء . وفيما قاله نظر ؛ لأنّ مسلما - رحمه الله تعالى - ذكر في صحيحه : حدّثني محمد بن حاتم ، ثنا ابن مهدي ، ثنا معاوية بن صالح ، عن ربيعة ، يعني ابن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن عقبة بن عامر ، وحدّثني أبو عثمان ، عن جبير بن نفير ، عن عقبة بن عامر ، قال : كانت علينا رعاية الإِبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي ، فأدركت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائما يحدّث الناس فأدركت من قوله : ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلى ركعتين فيقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة . قال : فقلت : ما أجوّد هذه ، فإذا قائل بين يدي يقول : التي قبلها أجود ، فنظرت فإذا عمر ، قال لي : قد رأيتك جئت آنفا ، قال : ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو يسبغ - وضوءه ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء . وثناه أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا زيد بن حُباب ، ثنا معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان ، عن جبير بن نُفير ، عن عقبة به . ولما خرجه أبو عوانة في صحيحه بين أنّ معاوية بن صالح هو القائل : وحدّثني ربيعة بن يزيد ، ولما خرجه ابن منده قال : هذا حديث مشهور من طرق عن عقبة وعن عمر ، والعجب من أبي عيسى في إخراجه حديث أبي إدريس وتركه حديث غيره وهو قد سأل البخاري في كتاب العلل ، عن حديث أبي إدريس فقال : هذا خطأ إنّما هو معاوية بن صالح ، عن ربيعة ، عن أبي إدريس ، عن عقبة ، عن عمر ومعاوية عن ربيعة ، عن أبي عثمان ، عن جبير بن نفير ، عن عمر ، وليس لأبي إدريس سماع من عمر ، قلت : من أبو عثمان هذا ؟ قال : شيخ لم أعرف اسمه . فالذي يصححه يجعل رواية أبي إدريس وأبي عثمان مرسلة ، ويأخذ بالزيادة في إثبات عقبة بن عامر بين أبي إدريس وعمر ، وإثبات جبير بن نفير بين أبي عثمان وعمر ، فإن الأخذ بالزائد أولى . وفي علل أبي الحسن : رواه عن عقبة ، عن عمر : أبو إدريس وجبير وليث بن سليم الجهني وابن عم زهرة بن مَعْبد ومحمد بن ثابت القرشي ، وممطور والقاسم أبو عبد الرحمن وأبو الأحوص حكيم بن عُمير وحميد بن هلال ، ولم يسمع من عقبة . وأحسن أسانيده ما رواه معاوية ، عن ربيعة ، عن أبي إدريس وأبي عثمان عن جبير ، عن عقبة . وحديث يحيى بن حمزة ، عن يزيد بن أبي مريم ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن عقبة - ليس به بأس أيضًا . ورواه يزيد بن أبي منصور ، عن دخين أبي الهيثم ، عن عقبة ، عن أبي بكر الصديق ، وذكره ابن أبي غرزة في مسند عقبة من تأليفه ، عن أبي نعيم ، ثنا خالد بن إياس ، عن صالح بن محمد بن زائدة ، عن عقبة ، وذكره أبو جعفر أحمد بن سنان في مسنده ، عن يعقوب بن محمد الزهري ، ثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت ، حدّثني أبي ، عن عقبة قال : حدثني عمر بن الخطاب بنحوه مختصرا ، وذكره أبو القاسم في الأوسط ، يعني اللفظ الذي سقناه مطولًا عن عقبة قال : جئت في اثني عشر راكبًا حتى حللنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أصحابي : من يرعى إبلنا وننطلق نحن نقتبس من النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا راح أقبسناه ما سمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت : أنا ، ثم قلت في نفسي : لعلي مغبون يسمع أصحابي ما لم أسمع ، فحضرت يوما فسمعت رجلا يقول : قال نبي الله : من توضأ وضوءا كاملا ثم قام إلى صلاته كان من خطيئته كيوم ولدته أمه ، فتعجبت من ذلك ، فقال عمر بن الخطاب : فكيف لو سمعت الكلام الآخر كنت أشدّ عجبًا ، فقلت : اردد علي جعلني الله فداك ، فقال عمر : إن نبي الله قال : من مات لا يشرك بالله شيئًا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ، ولها ثمانية أبواب ، فخرج علينا نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فجلست مستقبله فصرف وجهه عني ثلًاثا ، فلما كانت الرابعة قلت : يا نبي الله بأبي أنت وأمي لم تصرف وجهك عني ؟ فأقبل علي فقال : أواحدٌ أحب إليك أو اثنا عشر ؟ مرتين أو ثلاثًا ، فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي . فال أبو القاسم : لم يروه عن الوضين - يعني : عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن عقبة - إلا يحيى بن حمزة . وأما قول الترمذي : وفي الباب عن أنس وعقبة ، فقد أغفل حديثًا رواه ثوبان مرفوعًا : من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله ، فتحت له أبواب الجنة ، يدخل من أيّها شاء . ذكره البزار في كتاب السنن ، عن ابن مثنى ، عن شجاع بن الوليد ، ثنا أبو سعد ، عن أبي سلمة عنه . وقال : لا نعلمه يروى عن ثوبان إلا من هذا الوجه . وفيما قاله نظر ؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث مسور بن مورع العنبري ، ثنا الأعمش ، عن سالم أبي الجعد ، عن ثوبان مرفوعًا بلفظ : فساعة يفرغ من وضوئه يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين الحديث . وقال : لم يروه عن الأعمش إلا مسور ، وحديثًا ذكره النسائي في كتاب اليوم والليلة من حديث يحيى بن كثير أبي غسان ، عن شعبة ، عن أبي هاشم ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من توضأ فقال : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ؛ كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة . ثم رواه عن ابن بشار ، عن محمد عن شعبة ، عن أبي هاشم سمعت أبا مجلز يُحدث عن قيس بن عباد ، عن أبي سعيد ، قال : ما من مسلم موقوفا . وفي مسائل حرب : ثنا سعيد بن منصور ، ثنا هشيم ، عن أبي هاشم ، فذكره مرفوعا بلفظ : من توضأ فقال عند فراغه . ثم قال : طبع على طابع ، فيرفع تحت العَرش فلا يقضي إلى يوم القيامة . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث يحيى عن شعبة ، وقال : لم يرو هذا الحديث مرفوعا عن شعبة إلا يحيى . وفي فوائد المزكي تخريج الدارقطني حديث روح بن القاسم ، عن أبي هاشم مرفوعا بلفظ : من توضأ ففرغ من وضوئه فقال : سبحانك اللهم وبحمدك الحديث . قال : غريب عن روح ، تفرد به عيسى بن شعيب ، عن روح ، وقد رواه ابن منده في كتاب الوضوء بزيادة البسملة في أوله ، وقد تقدّم ذكره عن سليمان ، عن شقيق ، عن عبد الله ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا فرغ أحدكم من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويصل علي ، فإنه إذا فعل ذلك فتحت له أبواب الرحمة ثنا الأعمش بزيادة : إذا تطهر أحدكم فليذكر الله ؛ فإنه يطهر جسده كلّه ، فإن لم يذكر أحدكم اسم الله على طهوره لم يطهر إلا ما مرّ عليه ، وإذا فرغ الحديث . ولما ذكره أبو موسى في كتاب الترغيب والترهيب قال : هذا حديث مشهور له طرق : عن عمر وعقبة وثوبان وأنس ، وليس في شيء منها ذكر الصلاة إلا في هذه الرواية ، وحديثا ذكره أبو الحسن البغدادي من حديث صالح بن عبد الجبار ، أنبأنا ابن البيلماني ، عن أبيه عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عثمان بن عفان يرفعه : من توضأ هكذا ولم يتكلم ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله الحديث . وفيه : غفر له ما بين الوضوءين . وفي مسند عثمان للقاضي أحمد بن علي : من توضأ فغسل يديه ثلاثًا ثم مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ومسح برأسه ، ثم غسل رجليه الحديث رواه عن القواريري ، ثنا محمد بن الحارث الحارثي عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني . وأما الدعاء عند غسل كل عضو فمروي عن علي عن النبي -صلى الله عليه وسلم - من طرق ، وفي كلّها ضعفاء ومجاهيل ، وفي بعضها مع ذلك انقطاع . ذكر منها ابن عساكر طرفا في أماليه وابن الجوزي ، والله أعلم . ولما دخلت حمص سنة تسع وسبعمائة أفادني بها بعض الفضلاء جزءًا من الحديث لا أدري الآن من خرّجه ولا ما سنده ، فيه : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ عند فراغه من وضوئه سورة القدر ، ثم يرفع رأسه فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله الحديث .

238

النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث عنده 78 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الله بن رجاء ، أنبأ عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن عياض ، عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يتناجى اثنان على غائطهما ، ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه ، فإن اللّه تعالى يمقت على ذلك . حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا سلم بن إبراهيم الوراق ، ثنا عكرمة ، عن يحيى ، عن عياض بن هلال ، قال محمد بن يحيى : وهو الصواب . ثنا محمد بن حميد ، ثنا علي بن أبي بكر ، عن سفيان الثوري ، عن عكرمة بن عمار ، عن يحيى عن عياض بن عبد اللّه نحوه . هذا حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه ؛ فممّن ضعَّفه أبو داود - رحمه اللّه - فإنه قال : لم يسنده إلا عكرمة . وفي كتاب ابن داسة عنه : هو من حديث المدنيين . وفي كتاب ابن العبد عنه : هو مرسل عندهم . وفي كتاب ابن الأعرابي ، وأبي عمرو ، وأحمد بن علي البصري عنه : وعكرمة في يحيى ليس بذاك . نا أبو سلمة ، ثنا أبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث عكرمة عنه . انتهى . وفي قوله : وهو من حديث المدنيين نظر ؛ لأنه من مفردات أهل اليمامة ، كذا ذكره غير واحد ، منهم ابن عقدة في كتاب المفردات من تأليفه ، وقال عبد الحق نحوه ، زاد : وقد اضطرب فيه كذا رواه عن يحيى أبان بن يزيد - يعني كما رواه عكرمة - وروته جماعة عن يحيى فقالت : عن عياض بن هلال . كذا رواه عن هشام الدستوائي ، وعلي بن المبارك ، وحرب بن شدّاد ، كلّهم عكس ما قال عكرمة وأبان ، فقالوا : عياض بن هلال . انتهى كلامه . ورواه ابن مهدي عند أبي نعيم في الحلية عن يحيى ، أخبرني هلال بن أبي عياض ، كذا في أصل سماعنا . قال ابن القطان : ورواه الأوزاعي عن يحيى فقال : ثنا عياض بن أبي زهير ، وهذا كلّه اضطراب ، ولكنه على يحيى ، لا على عكرمة ، فيحتمل أن يكون ذلك من يحيى نفسه ، ويحتمل أن يكون من أصحابه ، فقول أبي محمد : لم يسنده إلَّا عكرمة ، وقد اضطرب فيه ، ينبغي أن يكون ضبط : اضْطُّرِبَ مَبْنِيًّا لما لم يسم فاعله ، فإنّه إن أسند الفعل إلى عكرمة كان خطأ ، ويحيى أحد الأئمة ، ولكن هذا الرجل الذي أخذ عنه هذا الحديث هو من لا يعرف ، ولا تحصل من أمره شيء ، وهكذا هو عند مصنفي الرواة ، لم يعرفوا من أمره بزيادة على هذا . وللحديث مع ذلك علّة أخرى ؛ وهي اضطراب متنه ، وبيان ذلك هو أنّ ابن مهدي رواه عن عكرمة فقال ما تقدّم من جعل المقت على التكشف والتحدّث في حال قضاء الحاجة . ورواه بعضهم فجعل المقت على التحدّث كذلك فقط . ورواه بعضهم فجعل المقت على التكشف والنظر ، لم يذكر التحدّث ، وهذا قد كان يتكلّف جمعه لو كان راويه معتمدا ، واضطرابه دليل سوء حال راويه ، وقلة تحصيله ، فكيف وهو من لا يعرف ؟! والآن قد بلغنا الغرض المقصود ، وهو أنّ للحديث طريقا جيدا غير هذا . قال أبو علي بن السكن : ثنا يحيى بن محمد بن صاعد ، ثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني ، ثنا مسكين بن بكير ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد اللّه ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : إذا تغوط الرجلان فليتوار كلّ منهما عن صاحبه ، ولا يتحدّثا على طوقهما ، فإن اللّه يمقت على ذلك . قال ابن السكن : رواه عكرمة ، عن يحيى ، عن هلال بن عياض ، عن أبي سعيد الخدري ، وأرجو أن يكونا صحيحين . انتهى . وليس فيه تصحيح حديث أبي سعيد الذي فرغنا من تعليله ، وإنّما يعني أن القولين عن يحيى صحيحان ، وصدق في ذلك ، صحّ عن يحيى أنّه قال : عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر ، وأنه قال : عن عياض ، أو عن هلال عن أبي سعيد ، ولم يقض على حديث أبي سعيد بالصحة أصلا ، ولو فعل كان مخطئا ، فإن الأمر فيه على ما بينا . فأمّا حديث جابر هذا فصحيح وسائر من في الإِسناد لا يسأل عنه ، وعن يحيى في هذا المعنى غير هذا مما ذكره الدارقطني في علله ، إلَّا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد ، انتهى ما ذكره . وفيه نظر من وجوه : قال ابن أبي حاتم : وعياض بن هلال أشبه . ورجّحه البخاري في الكبير ، ومسلم بن الحجاج في الوحدان ، والدارقطني ، وذكره البخاري في شواهده ، وصحّ فيه الحديث . وفي مسلم معناه : لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل . ولما ذكر الترمذي في جامعه حديث إذا لم يدر أحدكم كم صلى من رواية عياض هذا ، عن أبي سعيد ، قال فيه : حسن . ولما خرج ابن خزيمة هذا الحديث في صحيحه ، عن أبي موسى ، ثنا ابن مهدي ، ثنا عكرمة ، عن يحيى ، عن هلال بن عياض ، حدثني أبو سعيد ، فذكره ، أتبعه قول : ثنا محمد بن يحيى ، ثنا سلم بن إبراهيم ، يعني الوراق ، ثنا عكرمة بن عمار ، عن يحيى عن عياض بهذا الإِسناد نحوه ، قال : وهذا هو الصحيح ، هذا الشيخ هو عياض بن هلال ، روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث ، وأحسب الوهم من عكرمة حين قال : عن هلال . ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى ، ثنا محمد بن أبي بكر المقدسي ، ثنا إسماعيل بن سنان ، ثنا عكرمة ، ثنا يحيى ، عن عياض بن هلال . فذكره ، ولفظه : لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدثان ، يرى كل واحد منهما عورة صاحبه ؛ فإن اللّه يمقت على ذلك . والثاني : . الثالث : في تصحيحه هذا الحديث نظر ، وذلك أن الدارقطني الذي نقل أبو الحسن كلامه ذكر طريق مسكين هذه ولم يصححها ، وزعم أن أشبه الأقوال بالصواب حديث عياض بن هلال ، فعلى هذا لا يكتفى بجودة الطريق إذا ثبت عند الدارقطني تعليله ، اللهم إلَّا لو لم تكن مذكورة عنده ، كان يقال : إنه لم يرها ، فأما عند الرواية فلا ، واللّه أعلم . الرابع : قد وجدنا لهذا الحديث طرقا جيّدة لا يطعن فيها ، ذكرها أبو القاسم الطبراني في الأوسط ، فقال : حدّثنا أحمد بن محمد بن صدقة ، ثنا محمد بن عبد اللّه بن عبيد بن عقيل المصري ، ثنا جدي عبيد بن عقيل ، ثنا عكرمة بن عمار ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال - عليه السلام - : لا يخرج الرجلان الحديث . قال : لم يروه عن عكرمة - يعني هكذا - إلا عبيد بن عقيل . انتهى . عبيد هو : عبيد بن عقيل هذا روى عنه جماعة . وقال فيه أبو حاتم الرازي : صدوق . وقال يعقوب : لا أعلم إلا خيرا ، وابن ابنه هو : محمد بن عبد اللّه بن عبيد بن عقيل روى عنه جماعة أيضا ، منهم النسائي ، وقال : لا بأس به ، ولم أر أحدا من الأئمة تعرض لتعليلها ، واللّه أعلم . الخامس : ضبطه اضطرب بضم الهمزة فغير صواب ؛ لأنّ عكرمة نفسه اضطرب فيه كيحيى ، لما تقدّم من كلام أبي داود وابن خزيمة وأبي القاسم ، رحمهم اللّه تعالى. السادس : عيبه على أبي محمد قوله : لم يسنده إلا عكرمة - فليس بشيء ؛ لأنّ عبد الحق خرّج الحديث من عند أبي داود ، وهو قائل ذاك كما تقدّم ، فهو في ذلك مقلّد لأبي داود ، فإن كان عيبا فلأبي داود لا له . السابع : هو دائبًا يعيب على الإشبيلي إبعاده النجعة ، وهنا استعملها ؛ لأنّ الحديث عند أبي الحسن في كتاب العلل كما قدمناه ، فَذِكْرُهُ من عند ابن السكن إبعادٌ للنجعة ، وإن كان سابقه ، ولعل قائلًا يقول : إنما ذكره من عنده لتصحيحه إياه ، وليس كذلك ؛ لأن أبا علي لم يصححه ، إذ لو صححه لكان مصححًا حديث أبي سعيد ، وابن القطّان أبى ذلك ؛ ولهذا ذكر حال رجال إسناده ، ويشبه أن يكون عذره في ذلك كون الدارقطني ذكره منقطعًا بلا إسناد موصل إليه ، ومع ذلك فلا عذر له في تركه كلام الدارقطني ، مع روايته له ، واللّه أعلم . وقد ذكره أيضًا الإِسماعيلي من حديث يحيى بن أبي كثير ، ذكرنا ذلك استظهارًا ، ولا نطالبه به . وفي قول أبي داود : وهو مرسل إشعار بأن وصله غير صواب عنده ، وإلّا فالطريق المذكور عنده لا خلاف في رفعها ووصلها . وأمّا قوله : إنّ عكرمة في يحيى ليس بذاك - فقد خالفه في ذلك الإمام أبو الحسين ، حيث خرج له عنه في صحيحه حديثا محتجا به . واستشهد البَخاري بحديثه عنه أيضًا في صحيحه . وأما قول من قال : عياض بن عبد الله ، وفي تاريخ البخاري : عياض بن أبي زهير - فيشبه أن يكون نسيانا ؛ لما رواه عن يحيى ، نسي اسم أبيه فسمّاه عبد اللّه ، والخلق كلهم عبيد اللّه . وقول الأوزاعي : ابن أبي زهير - يحتمل أن يكون كنية أبيه . وبهذا وبما أسلفناه تجتمع الأقوال وينتهي مذهب التهاتر والاختلال .

239

باب المنديل بعد الوضوء وبعد الغسل 194 - حدّثنا محمد بن رمح ، ثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سعيد بن أبي هند ، أن أبا مرة مولى عقيل حدثه أنّ أمّ هانئ بنت أبي طالب حدّثته : أنه لما كان عام الفتح قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبه فالتحف به . هذا حديث اتفقا على تخريجه وذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي مرّة عنها قالت : أتاني يوم حموان فأجرتهما فجاء علي يريد قتلهما فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة ، فذكرت غسله ، ثم قالت : قلت : يا رسول الله إني أجرت حموين لي وإن ابن أمي عليًا أراد قتلهما ، فقال - عليه السلام - : ليس له ذلك قد أجرنا من أجرت . قال أبو عمر : الذي أجارته هو ولد هبيرة بن أبي وهب المخزومي واحدا كان أو اثنين ، لأن في حديث أبي النضر ما يدلُّ على أنه كان واحدا . وفي حديث المقبري : اثنان ، وهبيرة زوجها وولده حمو لها . وقيل : إنّ الذي أجارته الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة المخزوميان . وأمّا قول من قال : إنه جعدة بن هبيرة - فما أدري ما هذا ؛ لأنّ جَعْدة ابنها لا حموها ، ولم يذكر أهل النسب ابنا لهبيرة يسمّى جَعْدَة من غير أم هانئ ، والله أعلم .

240

195 - حدّثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن ابن أبي ليلى ، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، عن محمد بن شرحبيل ، عن قيس بن سَعْد قال : أتانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فوضعنا له ماءً فاغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها ، فكأني أنظر إلى أثر الورس عليه . هذا حديث إسناده ضعيف بابن أبي ليلى المتقدّم ذكره . ورواه أبو محمد بن حزم في كتابه مصححا له من طريق عند أبي داود مختصرا . وفي تصحيحه له نظر ، وذلك أنّ أبا داود رواه في سننه عن هشام وابن مثنى قالا : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، سمعت يحيى بن أبي كثير ، حدّثني محمد بن عبد الرحمن ، عن قيس قال : زارنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منزلنا فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، قال قيس : فرد سعد ردًّا خفيًا ، قال قيس : فقلت : ألا تأذن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ قال : ذره يكثر علينا من السلام ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد سعد ردا خفيا ، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : السلام عليكم ورحمة الله ، ثم رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتبعه سعد ، فقال : يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردًا خفيًا لتكثر علينا من السلام ، قال : فانصرف معه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمر له سَعْد بغسل فاغتسل ، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها ، ثم رفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يديه ، وهو يقول : اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عُبادة ، قال : ثم أصاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الطعام ، فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارًا قد وطئ عليه بقطيفة ، فركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال سعد : يا قيس اصحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال قيس : فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : اركب ، فأبيت ، فقال : إما أن تركب وإما أن تنصرف ، قال : فانصرفت . قال أبو داود : رواه عمر بن عبد الواحد وابن سماعة ، عن الأوزاعي مرسلا ، لم يذكرا قيسا ، فهذا كما ترى سقط من هذه الطريق محمد بن شرحبيل الذي لم يتصل والله أعلم . ورواه النسائي من طريق ابن أبي ليلى ، فقال عمرو بن شرحبيل ، عن قيس بنحوه . وعن محمد بن حاتم ، عن حبان ، عن ابن المبارك ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان : أن النبي - عليه السلام - مرسل . زاد البزار فقال : اللهم صلِ على الأنصار وعلى ذرية الأنصار وعلى ذرية ذرية الأنصار ، ثم أوكف سعد حمارًا له عليه قطيفة فقال لابنه : اذهب فرد الحمار فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : اركب على صدر حمارك فإنك ربه ، قال : هو لك يا رسول الله . وذكر هنا حديث ميمونة في اغتساله من الجنابة ، وسيأتي ذكره ، وفي معناه حديث وائل بن حجر من حديث إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل ، عن سعيد بن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه ، عن جدّه عنه مرفوعا . فذكر الوضوء ، وفيه : ولم أره تنشف . وحديث عبد الله بن جعفر : ذهب - عليه السلام - إلى الحائط فقضى حاجته ثم توضأ فأقبل والماء يقطر من لحيته على صدره . ذكرهما أبو علي الحسن بن علي بن شبيب العمري في كتاب ما ينبغي للرجل أن يستعمله في يومه وليلته .

241

196 - حدّثنا العباس بن الوليد وأحمد بن الأزهر قالا : حدّثنا مروان بن محمد ، ثنا يزيد بن السمط ، ثنا الوضين بن عطاء ، عن محفوظ بن علقمة ، عن سلمان الفارسي : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ فقلب جُبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه . هذا حديث قال عنه أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن الوضين إلا ابن السمَطَ ، تفرّد به مروان الطاطري . يعني : الوضين بن عطاء بن كنانة بن عبد الله بن مصدع الخزاعي ، أبا كنانة الدمشقي ، وإن كان قد قال فيه أحمد بن حنبل : هو ثقة ، وفي موضع : ما كان به بأس ، كان يرى القدر ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وكذلك قاله دُحَيم ، وقال أبو داود : صالح الحديث ، قيل له : هو ثقة ؟ قال : نعم ثقة . وتكلّم فيه السعدي بقوله : واهي الحديث . وقال الحربي : غيره أوثق منه . وقال ابن سعد : كان ضعيفًا في الحديث ، ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء قال : نا أحمد بن يحيى ، ثنا الهيثم بن خارجة ، ثنا الوليد بن مسلم قال : رأيت الوضين وكان صاحب خُطب ، ولم يكن في حديثه بذاك ، وذكره الساجي في كتاب الضعفاء ، وزعم أنّ عنده حديثًا منكرًا ، وهو : وكاءَ السه العينان ، ورد ابن عدي هذا الحديث به . وقال ابن عدي : القول فيه قول دحيم ؛ لأنه أعرف به ، وضعفه أبو الحسن بن القطان ، وما أرى بحديثه بأسا ، وكذلك البلخي ، ولما ذكر الترَمذي حديث عائشة ، عن سفيان بن وكيع ، ثنا عبد الله بن وهب ، عن زيد بن حباب ، عن أبي معاذ ، عن الزهري ، عن عروة عنها ، قالت : كان للنبي - عليه السلام - خرقة يتنشف بها بعد الوضوء . قال : وفي الباب عن معاذ ، نا قتيبة ، ثنا رشدين ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عتبة بن حميد ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب وإسناده ضعيف ، ورشدين وابن أنعم يضعفان في الحديث . وقال ابن القاسم في الأوسط : لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإِسناد تفرّد به رشدين ، قال أبو عيسى : وحديث عائشة ليس بالقائم ، ولا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب شيء ، وأبو معاذ يقولون : هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف عند أهل الحديث . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : أبو معاذ يقولون فيه : هو ابن أرقم ، يعني تخرّصًا لا يقينًا ، وقد أبى ذلك الإِمام أحمد بن حنبل حين سأله مهنأ عنه ، فقال : هو حديث منكر منكر ، وأبو معاذ ياسين بن معاذ وهو ضعيف وهو أقوى من سليمان بن أرقم . وأما عبد الله الحاكم فإنه لما ذكر5 في مستدركه ، قال : أبو معاذ هو الفضل بن ميسرة ، روى عنه يحيى بن سعيد وأثنى عليه ، وهذا حديث صحيح ، وقد روي عن أنس وغيره ولم يخرجاه ، فليس قوله بأولى من قوليهما . الثاني : قوله : ولا يصحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب شيء - مردود بحديث أم هانئ ، لو لم يكن في الباب غيره ، على رأي من لم يفرق بين التنشُّف من الغسل والوضوء . الثالث : اقتصاره على ذكر حديث معاذ وأغفل ما أسلفناه ، وكذا حديث أبي بكر رضي الله عنه : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت له خرقة يتنشف بها بعد الوضوء . قال البيهقي : إسناده غير قوي ، قال : وإنما رواه أبو عمرو بن العلاء ، عن إياس بن جعفر أن رجلا حدّثه : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت له خرقة أو منديل يتنشف بها بعد الوضوء وهو المحفوظ . وقال الدارقطني في كتاب الأفراد والغرائب : هكذا رواه الصولي ، عن أبي العيناء ، عن سعيد بن أوس عنَ أبي عمرو بن العلاء ، عن أنس بن مالك عنه . ورواه عون بن عمارة ، عن أبي عمرو ، عن إياس بن صبيح ، عن رجل : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت له خرقة أو منديل . وقال غيره : عن أبي عمرو ، عن إياس بن جعفر ، عن رجل ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم وحديث أنس بن مالك قال البيهقي : أنا أبو الحسين بن بشرانّ ، أنا ابن السماك ، أنا حنبل بن إسحاق ، ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال : سألت عبد الوارث عن حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان له خرقة أو منديل فإذا توضأ مسح وجهه ، فقال : كان في قطينة ، فأخذه ابن علية فلست أرويه ، قال الشّيخ : وهذا لو رواه عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس لكان إسناده صحيحا إلَّا أنه امتنع من روايته ، ويحتمل أنه كان عنده بالإسناد الأوّل ، يعني إسناد حديث أبي العلاء بن العلاء المتقدّم . ولما سئَل أبو حاتم عنه قال : رأيته في بعض الروايات ، عن عبد العزيز : أنه كان لأنس خرقة . وموقوف أشبه ، ولا يحتمل أن يكون مسندا . وحديث منيب الأزدي ، أنا به المسند المعمر أبو بكر بن علي الحميري بقراءتي عليه ، أخبركم المشائخ أبو المفاخر المخزومي وابن الشمعة وغيرهما ، أنا عبد العزيز بن أبي الفتح بن عمر ، أنا أبو زرعة ، أنا والدي الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ، أنا الحسن بن أحمد السمرقندي ، أنا أبو العباس جعفر بن محمد الخطيب ، أنا الخليل بن أحمد ، أنا بن ديزل ، ثنا يحيى بن يونس ، حدثني أبو الحسن سنبل الشامي ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن التيمي ، ثنا عتبة بن حماد الحكمي ، ثنا مُنِيبْ بن مدرك الأزدي ، عن أبيه ، عن جده قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية وهو يدعو الناس إلى التوحيد والإِيمان وهم يردون عليه ويسفون التراب على وجهه حتى تعالى النهار ، فأقبلت جارية تحمل قدحا ومنديلًا فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- القدح فغسل وجهه ، يعني توضأ ، ومسح بالمنديل وجهه ثم قال : يا بنية فذكر حديثًا طويلا . قال ابن طاهر : رواه أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ، عن سليمان التيمي مختصرًا ، وعلونا فيه إليه . وحديث أبي مريم إياس بن جعفر بن الصلت ، عن فلان ، رجل من الصحابة : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ رواه النسائي في كتاب الكنى ، عن إبراهيم بن يعقوب ، ثنا سهل بن حماد ، ثنا أبو عمرو بن العلاء ، أخبرني أبو مريم فذكره . وروى مَسعَر ، عن سويد مولى عمرو بن حُريث : أن عليًا اغتسل فأتي بثوب فدخل فيه ، يعني تنشف به ، وهذه رواية وكيع ، عن مسعر . ورواه أبو نعيم ، عن سُوَيد مولى عمرو بن حُريث ، عن عمرو بن حُريث : أنه أتى عليًا وقد اغتسل فأخذ ثوبًا فلبسه ، أو قال : دخل فيه ذكرهما أبو بكر الإِسماعيلي في جَمعه حديث مُسعَر . وقد اختلف الناس في التمندل : فأمّا ابن المنذر فذكر أنه أخذ المنديل بعد الوضوء : عثمان والحسن بن علي وأنس بن مالك وبشير بن أبي مسعود ، ورخّص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك ، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا . وروينا عن جابر أنه قال : إذا توضّأت فلا تتمندل . وكره ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن المسيب والنخعي ومجاهد وأبو العالية ، وعن ابن عباس كراهيته في الوضوء دون الغسل من الجنابة . ورخص فيهما آخرون ، قال أبو بكر : ذلك كلّه مباح . قال أبو عيسى : إنما كرهه من كرهه من قبل أنه قيل إن الوضوء يوزن . روي ذلك عن ابن المسيب والزهري ، ثنا محمد بن حميد ، ثنا جرير ، حدّثنيه علي بن مجاهد وهو عندي ثقة ، عن ثعلبة ، عن الزهري قال : إنما كره المنديل بعد الوضوء ؛ لأن الوضوء يوزن . وفي تاريخ الموصل : ثنا العلاء بن أيوب ، ثنا سليمان بن محمد ابن حيان ، ثنا يحيى بن عنبسة ، عن حميد ، عن أنس قال عليه الصلاة والسلام : لا يتوضأ أحدكم موضع استنجائه فإن الوضوء يوضع مع الحسنات . وذهب أبو محمد إلى أنه يكره للمغتسل أن يتنشف في ثوب غير ثوبه الذي يلبس ، فإن فعل فلا حرج ، ولا يكره ذلك في الوضوء . وأما المنديل فنونه وياؤه زائدتان ، وميمه مكسورة ، قاله الجوهري ، تقول منه : مندلت بالمنديل وتمندلت ، وأنكرها الكسائي . وتمدل بالمنديل لغة في تندل ، وفي الجامع : والندل : المسح بالمنديل من غير استعمال ، ولا يقال : مدلت ؛ لأن المنديل مفعيل من ندلت يده ندلا ؛ إذا غمرت ، فقيل : منديل ؛ لأنه يمسح به ذلك ، ويقال : مندل في معنى منديل ، وحكى ابن جني فتح الميم ، قال : واشتقاقه من الندل وهو الجذب . وأبو مرة اسمه زيد لزم عقيلًا فنسب إليه وإنما هو مولى أم هانئ ، وأم هانئ اسمها فاختة ، وصححه الكلاباذي ، وقيل : هند ، وقال بعضهم : جمانة ، قال ابن الحذاء : وهو خطأ ، إنما جمانة أمها ، وهي شقيقة علي ، وفي ذلك نظر ؛ لأنّ أم علي لا خلاف في أن اسمها فاطمة إلَّا أن يكون جمانة لقبها ، والله أعلم .

242

81 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا محمد بن المبارك ، ثنا يحيى بن حمزة ، نا ابن أبي فروة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : لا يبولن أحدكم في الماء الناقع . هذا حديث ضعيف الإِسناد برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة ، ويقال : الأسود بن عمرو بن رياش ، ويقال : كيسان أبو سليمان القرشي البلوي ، ضعيف ذاهب الحديث ، سيأتي ذكره في باب الوضوء من مس الذكر ، إن شاء الله تعالى . وأما قول أبي القاسم في الأوسط : لم يروه عن ابن أبي فروة إلا عبد السلام بن حرب ، تفرد به سليمان الشاذكوني فغير صحيح لما تقدم . الماء الراكد : هو الدائم الذي لا يجري ، يقال : ركد الماء ركودًا ، وركدت الريح سكنت ، وركد الميزان إذا استوى ، والناقع : المجتمع في قراره . ذكره الهروي . وبهذا يقول الحنفيون في تنجيس الماء الراكد ، وإن كان أكثر من القلتين؛ لأن الصيغة صيغة عموم ، والشافعيون يخصون هذا العموم ، ويحملون النهي على ما دون القلتين ، وقوله : ( ثم تغتسل فيه ) نهي عن شيئين ، وذلك يكون تارة على الجمع ، وتارة عن الجمع ، فأما الأول فتقتضي المنع من كل واحدة منهما ، وأما الثاني فمعناه المنع عن فعلهما معًا ، وهذا الحديث من باب النهي عن الجمع ، أي : لا يجمع بين البول في الماء والاغتسال فيه ، ويؤيده رواية ابن عجلان : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ولا يغتسل فيه نهي عن الجمع ، قال القرطبي : الرواية الصحيحة : تغتسلُ برفع اللام ، ولا يجوز نصبها ، وحكى الثوري فيه النصب والجزم أيضًا ، قال ابن بطال : ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر هذا الحديث إلا داود بن علي ، والله تعالى أعلم .

243

النهي عن البول في الماء الراكد 79 - حدثنا محمد بن رمح ، أنا الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه نهى أن يبال في الماء الراكد . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث ، وكان لا يقبل من حديث أبي الزبير إلَّا ما كان مسموعا له ، فيما ذكره ابن القطان عنه ، وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث سفيان عنه ، أنا جابر به . ورواه أبو نعيم من حديث عباد بن كثير ، عن أبي الزبير بلفظ : لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الدائم ثم يتوضأ منه .

244

80 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يبولن أحدكم في الماء الراكد . هذا حديث اجتمع على تخريج أصله الأئمة الستة من حديث أبي هريرة ، وحديث الباب أخرجه ابن حبان في صحيحه ، ورواه أبو داود ، عن مسدد ، ثنا يحيى ، عن محمد بن عجلان ، فخالف أبا خالد في لفظه ، وصرح بسماعه من أبيه ، وسماع أبيه من أبي هريرة ، ولفظه : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ولا يغتسل فيه من الجنابة . وفي لفظ للبخاري : ثم يتوضأ منه . وفي لفظ : نهى أو نُهي أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الراكد ، ثم يتوضأ منه ، أو يغتسل منه . وفي رواية : أو يشرب منه . وأعاد ابن ماجه ذكره في باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه ؟ بلفظ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم .

245

191 - حدّثنا إبراهيم بن محمد الفريابي ، حدّثنا حسان بن عبد الله ، ثنا ابن لهيعة ، عن عُقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، ثنا أسامة بن زيد ، عن أبيه زيد بن حارثة ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : علمني جبريل الوضوء وأمرني أن أنضح تحت ثوبي لما يخرج من البول بعد الوضوء . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة ، ولما سئل عنه أبو حاتم الرازي قال : هذا حديث كذب باطل ، قال ابنه : وقد كان أبو زرعة أخرج هذا الحديث في كتاب المختصر ، عن ابن أبي شيبة ، عن الأشيب ، عن ابن لهيعة فظننت أنه أخرجه قديما للمعرفة ، وضعفه أيضا ابن عدي وابن طاهر وأبو الفرج البكري والسهيلي ، ورواه أحمد في مسنده ، والدارقطني في سننه من جهة رشدين بن سعد ، وحاله يقرب من حال ابن لهيعة ، عن عقيل وقرة بحذف زيد أبي أسامة . ولما ذكر الإشبيلي حديث زيد بن حارثة المتقدّم من عند البزار قال : هذا يرويه ابن لهيعة وهو ضعيف عندهم ، وقد رُوي أيضًا من طريق رشدين بسنده إلى زيد بن حارثة وهو ضعيف عندهم كذلك ، وهو غير صواب من فعله ؛ لأن حديث رشدين لا ذكر فيه لزيد كما سقته لك أولا ، فاعلمه . وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق جيدة لا ذكر فيها لابن لهيعة ولا لرشدين ذكرها أبو القاسم في معجمه الأوسط من حديث سعيد بن شرحبيل ، ثنا الليث بن سعد ، عن عُقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن أسامة ، عن أبيه زيد الحديث . قال : لم يروه عن الليث إلا سعيد بن شرحبيل ، والمشهور من حديث ابن لهيعة .

246

193 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عاصم بن علي ، ثنا قيس ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنضح فرجه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف رواته : الأول : عاصم بن علي أبو الحسين الواسطي وإن كان البخاري قد خرج حديثه وأثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل ، فقد قال فيه يحيى بن معين : لا يساوي شيئًا ، وفي رواية : كَذابّ ابن كذاب . الثاني : قيس بن الربيع أبو محمد الأسدي الكوفي وإن كان أبو حفص وشعبة أثنيا عليه ووثّقه أبو الوليد الطيالسي ، وكذا قاله عفان والثوري وشعبة ، فقد قال عمرو بن علي : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه ، وكان عبد الرحمن حدثنا عنه قبل ذلك ثم تركه . وقال عفان : كان ربما أدخل حديث مغيرة في حديث منصور ، وسئل عنه أحمد فلينه . وقيل له مرة أخرى : لم ترك الناس حديثه ؟ قال : كان يتشيّع ، وكان كثير الخطأ في الحديث ، وروى أحاديث منكرة ، وكان ابن المديني ووكيع يضعفانه وكان وكيع إذا ذكره قال : الله المستعان ، وسئل عنه ابن معين فقال ليس بشيء . وقال مرة : ضعيف . وقال ابن نمير وأبو داود : كان له ابن هو آفته ، نظر أصحاب الحديث في كتبه ، فأنكروا حديثه فظنوا أنه قد غيرها . وقال ابن عدي : وعامة رواياته مستقيمة ، والقول فيه ما قال شعبة ، كأنه لا بأس به . وقال ابن سعد : أبو محمد قيس بن الربيع الجوَّال توفي بالكوفة سنة ثمان وستين ومائة ، وكان كثير الحديث ضعيفًا فيه . وقال السعدي : ساقط . وقال الدارقطني : ضعيف الحديث . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال ابن حبان : تتبعت حديثه فرأيته صادقا إلَّا أنه لما كبر ساء حفظه فيدخل عليه فيحدث منه ثقة بما فيه فوقعت المناكير في روايته واستحق المجانبة . وقال أبو الفتح الأزدي : ثنا ابن منيع ، نا محمود بن غيلان قال لي محمد بن عُبيد : كان قيس بن الربيع استعمله أبو جعفر على المدائن فكان يعلّق النساء بأثدائهن ويرسل عليهن الزنابير . وقال ابن القطان : إنما ساء حفظه بعد ولايته القضاء فهو مثل شريك وابن أبي ليلى ، وذكره الساجي والعقيلي والبلخي في كتاب الضعفاء ، وضعّف به ابن طاهر غير ما حديث . الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن يسار . وقيل : داود الأنصاري الفقيه القاضي ، قال شعبة : ما رأيت أسوأ حفظًا منه أفادني أحاديث فإذا هي مقلوبة . وقال أحمد بن يونس : كان زائدة لا يروي عنه ، وكان قد ترك حديثه . وقال أحمد : كان يحيى بن سعيد يضعفه . وفي رواية : سيئ الحفظ . وقال أحمد : هو سيئ الحفظ مضطرب الحديث وكان فقهه أحب إلي من حديثه ، حديثه فيه اضطراب جدا . وفي موضع آخر : ضعيف ، وعن عطاء : أكثر خطأ ، إنّما دخل عليه وهو مريض . وقال يحيى : ليس بذاك . وقال النسائي : ليس بالقوي . وقال مرة : ضعيف الحديث . وقال العجلي : كان فقيها صاحب سنة ، صدوقا جائز الحديث ، وكان قارئا للقرآن عالما به ، قرأ حمزة عليه وكان حمزة يقول : إنما تعلمنا جَودة القراءة عند ابن أبي ليلى ، وكان من أحسب الناس وأنقطهم للمصحف وأخطهم قلمًا وكان جميلا نبيلًا ، وأول من استقضاه على الكوفة يوسف بن عمر الثقفي ، وكان يرزقه في كل شهر مائة درهم ، وفي موضع آخر : كان كوفيا صدوقا ثقة ، وقال أبو حاتم الرازي : شُغل بالقضاء فساءَ حفظه ولا يتهم بشيء من الكذب إنما ينكر عليه كثرة الخطأ فلا يحتج به . وقال ابن حبان : كان فاحش الخطأ ، رديء الحفظ فكثرت المناكير في حديثه فاستحق الترك ، تركه أحمد ويحيى . وقال الدارقطني : هو رديء الحفظ كثير الوهم . وقال ابن طاهر في كتاب التذكرة : وأجمعوا على تركه ، وفيما قاله نظر ؛ لما أسلفناه من عند العجلي ، وذكره أبو جعفر العقيلي وأبو القاسم البلخي في كتاب الضعفاء ، وكذلك يعقوب بن سفيان ، وضعف به أبو أحمد والإشبيلي وابن القطان ومحمد بن عبد الواحد المقدسي وأبو محمد بن حزم وأبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد ، وأبو الفرج في العلل المتناهية والتحقيق ، والبيهقي في الخلافيات والكبير والمعرفة غير ما حديث . ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء قال : كان صاحب فقه ورأي وكان سيئ الحفظ لا يتعمد الكذب ، وكان يُمدح في فقهه وقضائه ، فأما في الحديث فلم يكن بحجة . وقد ذكر الدارمي في مسنده حديثا إسناده صحيح ، هو أولى بالذكر مما تقدم من الأحاديث ، رواه عن قَبيصة ، ثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرةً مرة ونضح وهو في صحيح البخاري بغير هذه الزيادة . وقال الإِمام أحمد فيما حكاه عنه البيهقي : قوله ونضح تفرد بها قبيصة ، عن سفيان ، وقد رواه جماعة ، عن سفيان من دون هذه الزيادة ، وقد روي من وجه آخر ، عن ابن عباس من حديث الحسين بن علي ، عن يزيد الصدائي ، عن إبراهيم بن فروخ مولى عمر بن الخطاب ، عن أبيه ، عن ابن عباس مطولا فذكر نومه عند ميمونة ، قال ابن أبي حاتم : سألت عنه أبي فقال : هذا حديث منكر وإبراهيم عنه مجهول . ورواه الحافظ أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين عن عبد الله بن محمد بن زكريا ، عن محمد بن بكير ، عن محبوب بن مَحْرز ، عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، ولفظه : توضأ ونضح فرجه . وقال : هذا حديث لم يروه إلا محبوب بن محرز تفرد به ، وفيما أسلفناه من عند الدارمي ردّ عليه كاف ، والله أعلم . وروى أبو الحسن في غرائب حديث مالك من حديث القاسم بن عبد الله الأخميمي ، عن سخبرة بن عبد الله القيرواني عنه ، عن الزهري ، عن أنس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا توضأ نضح عانته . ثم قال : هذا باطل عن مالك ، ولا يصح ، وحديث عمار بن ياسر المتقدم عند ابن ماجه في خصال الفطرة ، وفيه : والانتضاح . وذكر الحافظ أبو بكر الإِسماعيلي في جمعه مسند الحسن : ثنا أبو القاسم البغوي ، ثنا أحمد بن حازم الغفاري ، أنا عبد الله بن محمد بن سالم ، حدّثني حسين بن زيد بن علي عن الحسن بن زيد بن الحسن ، عن أبيه ، عن الحسن بن علي : أن النبي عليه السلام كان إذا توضأ أفضل لموضع سجوده ماءً حتى يسيله على مواضع السجود . ولما ذكره أبو جعفر الطبري في كتاب تهذيب الآثار ، عن ابن حازم ، قال : وهذا عندنا خبر صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآَخرين سقيما لعلتين : إحداهما : أنه خبر لا يُعرف له مخرج يصح عن النبي - عليه السلام - إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه . والثانية : أن ذلك مما لا يعرفه العامة وهو عمل من أعمال الطهارة ولو كان صحيحا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تجهله العامة ، كذا قال أبو جعفر ، ولم أجد في تاريخ محمد بن إسماعيل ، ولا في كتاب ابن أبي حاتم سماعا ولا رواية لزيد بن الحسن ، عن أبيه ، إنّما ذكرا روايته ، عن ابن عباس : أنه تطيب بالمسك ، لم يذكرا له رواية عن غيره وفي حديث جابر وابن عباس وأنس بن مالك والحسن وعمار - ردٌ لما أغفله الترمذي . النضح : الرش ، نضحت البيت أنضحه بالكسر ، وهو أيضا الشرب دون الري ، ذكره الجوهري ، قال الهروي : في الحديث : النضح من النضْخ . يريدُ من أصابه نَضخٌ من البول فعليه أن ينضحه بالماء ، والنضخ دون النضح . وفي المغيث : هما متقاربان في المعنى ، وقيل : بالخاء ما بقي له أثر ، وقيل : ما كان على اعتماد ، وبالحاء بخلافهما . وقيل : بالمهملة أرق ، ومعناه : إذا توضأت فصبّ الماء على العضو صبًا ، ولا تقتصر على مسحه ، فإنه لا يجزئ فيه إلَّا الغسل . وقيل : استبراء الماءِ بالنثر والتنحنح يقال : نضحت أسلت وانتضحت تعاطيت الإسالة . وقيل : رش الإزار الذي يلي الفرج بالماء ليكون أذهب للوسواس . وقيلَ : معناه الاستنجاءَ بالماء إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار . وفي المحكم : قال أبو علي : النضح ما كان من علو إلى سُفل .

247

192 - حدثنا الحارث بن سلمة اليحمدي ، ثنا سلم بن قتيبة ، ثنا الحسن بن علي الهاشمي ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا توضأت فانتضح . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : هذا حديث غريب ، قال : وسمعت محمدًا يقول : الحسن بن علي منكر الحديث . وقال ابن حبان : هذا حديث باطل ، ولما ذكره البغوي في شرح السنة قال : إسناده غريب ، وذكره ابن عدي فيما أنكره من حديث الهاشمي ، ولما ذكره العقيلي وحديثا آخر قال : لا يُتابع عليه من هذا الوجه ، فأمّا الانتضاح فقد روي بغير هذا الإِسناد بإسناد صالح ، وأمّا الثاني فلا يحفظ إلَّا عنه . وقال عبد الحق : إسناده ضعيف ، ولما ذكره الدارقطني ، قال : يروي عن الأعرج ، عن أبي هريرة مناكير ، وخرجه الحافظ أبو نعيم من حديث أبي قتيبة : حدّثني الحسن الهاشمي قال : قلت له : أين لقيته ؟ قال : عادلته إلى مصر ، وكان مولى لنا عن أبي هريرة ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : قال لي جبريل : يا محمد ، إذا توضأت فانتضح .

248

باب في النضح بعد الوضوء 190 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن بشر ، ثنا زكريا بن أبي زائدة قال : قال منصور : وثنا مجاهد ، عن الحكم بن سفيان الثقفي : أنه رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثم أخذ كفا من ماء فنضح به فرجه . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه وإرساله ووصله ؛ فممن حكم باتصاله : أبو زرعة فيما حكاه عنه عبد الرحمن حين قال : سمعت أبا زرعة يقول : رواه جرير ، عن منصور ، عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو أبي الحكم بن سفيان . ورواه الثوري ، عن منصور فقال : عن الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم . ورواه وهب ، عن الحكم ، عن أبيه . ورواه ابن عيينة ، عن منصور وابن أبي نُجيح ، عن مجاهد ، عن رجل من ثقيف ، عن أبيه . وقال : والصحيح مجاهد ، عن الحكم بن سفيان وله صحبة . والنسائي حين رواه في سننه عن الحكم ، قال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- كما عند ابن ماجه ، وكذلك ذكره في تاريخه . ولما خرجه أبو عبد الله في مستدركه من طريق سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن سفيان بن الحكم ، أو الحكم بن سفيان ، قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، وإنما تركاه للشك فيه ، وليس ذلك مما يوهنه ، وقد رواه جماعة عن منصور ، عن مجاهد ، عن الحكم بن سفيان بنحو ما تقدم . قال في كتاب الحربي : رواه عن منصور ثمانية عشر رجلا ، وقالوا في إسناده ستة أقاويل ، قال سلام بن أبي مطيع وزكريا وإسرائيل : الحكم بن سفيان . وقال سفيان وزائدة ومعمر : هو عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان . وقال أبو عوانة وجرير وعبيدة وقيس بن شيبان وأبو المحياة وحسن : عن الحكم أو ابن الحكم . وقال شعبة ووهيب : عن الحكم أو أبي الحكم ، عن أبيه . وقال ابن عيينة : عن رجل ، عن أبيه ، وأرسله مسعر ، والذي عندي أنه الحكم بن سفيان رجل من ثقيف له صحبة ، نزل الطائف فسمع منه مجاهد بمكة . وقال ابن حبان في كتاب الصحابة : الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب الثقفي من أهل الحجاز ، وهو الذي يقال له : سفيان بن الحكم ، يخطئ الرواة في اسمه واسم أبيه ، وأم الحكم : عائشة بنت أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب . وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر وابن الجوزي في كتاب الصحابة : الحكم بن سفيان ، وسفيان بن الحكم ، وقيل : ابن أبي سفيان ، وقيل : أبو الحكم الثقفي واحد ، وذكره في الصحابة أيضًا ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط وأبو القاسم الطبراني وأبو جعفر الطبري في المذيل ، وأبو إسحاق الحربي في كتاب العلل ، وقال : نزل الطائف فسمع منه مجاهد وأبو أحمد العسكري وأبو نعيم . وقال ابن عبد البر : سماعه - يعني من النبي -صلى الله عليه وسلم عندي صحيح ، وخالف ذلك البخاري في التاريخ الكبير بعد ذكره اختلاف ألفاظ الرواة ، فقال : وقال بعض ولد الحكم بن سفيان : لم يدرك الحكم النبي -صلى الله عليه وسلم زاد الترمذي عنه في العلل : ولم يره ، وفي كتاب العلل : قال أبي ، يعني أبا حاتم الرازي : الصحيح الحكم عن أبيه ، ولأبيه صحبة ، وخالف ذلك في كتاب الجرح والتعديل فذكر في باب الحكم أنّه رأى النبي - عليه السلام - وبنحو ما قاله البخاري قاله أحمد في كتاب العلل وابن بنت منيع في معجمه عن ابن عيينة . وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور : قال محمد بن يحيى الذهلي : قلت لابن المديني : الصحيح عندك ، عن الحكم ، أو عن أبيه ؟ فقال : لا ، عن أبيه ، كذا يقول شعبة . قال الترمذي حين رواه عن ابن أبي عمر ، عن ابن عيينة ، عن منصور ، وابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن رجل من ثقيف ، عن أبيه ، قال : وقال بعضهم : الحكم بن سفيان ، وقال بعضهم : سفيان بن الحكم ، واضطربوا في هذا الحديث . وفي هذا رد على ابن عساكر في إغفاله ذكر الترمذي ، وتبعه على ذلك المنذري ، وهو غير صواب منهما . وقال أبو عمر : هذا حديث مضطرب جدًّا . وكذا قاله العسكري . ولما ذكره الإشبيلي قال : اختلف في إسناد هذا الحديث في اسم الصاحب ، وأصح الأسانيد فيه إسناد النسائي : الحكم عن أبيه . كذا قال الترمذي عن البخاري والثالث : أبوه المذكور لا تعرف صحبته ، ولا روايته لشيء غير هذا . والرابع : تهافت لفظ الحديث المذكور المجتمع من روايات رواته ، وشرح ذلك أن مداره عَلَى منصور ، وهو قد تلون أو تلون عليه ألوانًا ، فرواية شعبة ، عن الحكم ، عن أبيه ، وفي رواية أخرى : الحكم أو أبو الحكم ، عن أبيه ، وفي أخرى : الحكم أو أبو الحكم أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو خطأ ؛ لأن الرجل الذي لا يعرف إذا قال عن نفسه إنه ثقة فذلك غير مقبول منه . وأما قوله : كان ، فبعيد أن يكون على ظاهره ، ولو أطلقه ألزم الناس للنبي - عليه السلام - وكلام البخاري لا يعطي حكمًا بصحة الحديث ، إنّما هو كما يقال : هذا المرسل أصح ، فلا يخرج من شيء من ذلك تصحيح ما رواه ضعيف أو متروك أو ما روى مرسلًا ، وأيضا فالبخاري لم يقل ذلك إنما سألَهُ الترمذي عنه فقال : الصحيح ما رواه شعبة وَوَهيبْ . وقال عن أبيه ، وربما قال ابن عيينة في هذا الحديث عن أبيه ، فما في هذا عن البخاري أنه قال : هو أصح الأسانيد ، وإنما قال : الصحيح زيادة من زاد عن أبيه ، وتعين أنا ننظر في حاله ، لكونه تابعيًا وعدالته لم تثبت ، ولعل قائلًا يقول : فلعلّه أيضًا قد رأى النبي - عليه السلام - كما رآه أبوه أخذًا من رواية من لم يقل عن أبيه ، فنقول : ما في هذا أكثر من أنهما ادّعيا أنهما رأيا وسمعا وإذا لم يعرفا بالعدالة لم يقبل منهما ورواه أيضا كذلك ، عن سفيان بغير زيادة عن أبيه ، والشك في الحكم أو سفيان : ابن مهدي ، ولفظه أحسن من لفظ محمد بن كثير ، قال فيه : رأيت النبي - عليه السلام - بال ثم توضأ ذكر ذلك ابن السكن . ورواه كذلك معمر ، وممن رواه عن سفيان بغير زيادة عن أبيه دون شك في الأب والابن - محمد بن يوسف ، وهي التي يمكن أن يحتج بها ابن عبد البر لما ذهب إليه من تصحيح صحبة الحكم ، قال فيه : عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن الحكم بن سفيان ، قال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر ذلك عنه البخاري في التاريخ ، ويمنعه من الاحتجاج به رواية من رواه عنه بالشك كما قدمناه ، وقد رواه عن منصور هكذا بغير شك ولا زيادة عن أبيه عمار بن رُزيق وجرير بن عبد الحميد ، بغير لفظة كان ، إنما أخبر عن فعلة واحدة . ورواه كذلك زكريا . والذي نقوله : لا نترك رواية من زاد عن أبيه لترك من ترك ذلك ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، وإذا لم يكن بد من زيادته فالحكم تابعي ، فنحتاج أن نعرف من عدالته ما يلزمنا به قبول روايته ، وإن لم يثبت ذلك لم تصح عندنا روايته ، ونسأل من صححها عمّا علم من حاله وليس بمبين لها فيما أعلم . والله تعالى أعلم . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : تفرقته بين الاضطراب والتهافت ثم جمع بينهما حين تبييّنه التهافت فذكر لفظ الاضطراب سواء بغير زيادة ، ولو أراد التهافت الاصطلاحي الذي هو السقوط لما ساعده . الثاني : قوله : إن الراوي شكّ ، فقال : الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم ، فقد أسلفنا قول ابن حبان وغيره في ذلك . الثالث : قوله : كان بعيدًا أن يكون على ظاهره أو ما علم أنّ لفظة كان لا تُقتضي الدوام والاستمرار ، ويؤيّد ذلك ما ذكره البيهقي في الكبير ، رواه إسرائيل وسلام بن أبي مطيع ، وزكريا ، فقالوا : عن الحكم ، بغير شك ، وهؤلاء حفاظ أثبات جزموا بما يثبت لديهم . قالت عائشة : كنت أفتل قلائد هدي النبي - عليه السلام ومن المعلوم أنّ ذلك إنما كان مرة . الرابعُ : على تقدير صحة ما ذكره من اقتضائها التكرار ، فحديث ابن ماجه سالم من ذلك . الخامس : قوله : وأن يكون شكُّا في كونه الأب أو الابن إلى آخره ، فقول لم يقله أحد غيره ، وإنما يحتمل ما قاله إذا ثبت أن للحكم ولدًا يقال له سفيان فأما أن نثبت له ولدًا بالوهم والاحتمال ونركب عليه التردّد ، فما أظنّه يستقيم ، فانظره . السادس : قوله : وتعين أنّا ننظر في حاله لكونه تابعيًا - غير مستقيم ؛ لأنّ كلّ من روى حديثًا غير صحابي لا يكون تابعيا ؛ لأنَ عهدنا الصحابة يروي بعضهم عن بعض ، ولئن أثبتنا روايته لهذا الحديث عن أبيه ، فيكون عند من أسقطها من مراسيل الصحابة ، وذلك مقبول عند الجماهير . السابع : تطرقّه إلى أبيه سفيان بعدم قبول روايته ، وهو في ذلك غير مصيب ؛ لأنّ سفيان أباه ذكره في الصحابة أبو أحمد العسكري ، وذكر له جماعة رووا عنه عدَة أحاديث ، فصح بهذا المجموع قول الحاكم وغيره . الثامن : إغفاله ما ذكره أبو إسحاق الصريفيني من أنه يقال له أيضا : الحكم بن الحكم ، والله تعالى أعلم .

249

189 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا حجاج ، ثنا همام ، أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدّثني علي بن يحيى بن خلاد ، عن أبيه ، عن عمه رفاعة بن رافع أنه كان جالسًا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : إنها لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله : يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين . هذا حديث لما رواه الترمذي ، عن علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر ، عن يحيى بن علي بن خلاد بن رافع الزرقي ، عن جدّه ، عن رفاعة بن رافع : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينما هو جالس في المسجد يومًا ، قال رفاعة : ونحن معه ، إذ جاءه رجل كالبدوي ، فصلى فأخف صلاته ، ثم انصرف ، فسلّم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي : وعليك ، فارجع فصل فإنّك لم تصل . فرجع فصلى ثم جاءه ، فسلم عليه فقال : وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل . ففعل ذلك مرتين أو ثلاثًا ، كل ذلك يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- فيسلم فيقول : وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل . فخاف الناس وكبُر عليهم أنّ يكون من أخف صلاته لم يصل ، فقال الرجل في آخر ذلك : فأرني وعلمني فإنّما أنا بشر أصيب وأخطئ ، فقال : أجل ، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به ثم تشهد فأقم الصلاة فإن كان معك قرآن فأقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهللّه ثم اركع فاطمئن راكعًا ثم اعتدل قائمًا ثم اسجد فاعتدل ساجدًا ثم اجلس فاطمئن جالسًا ثم قم فإذا فعلت ذلك فقد تمّت صلاتك وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك . قال : وكان هذا أهون عليهم من الأول : أنه من انتقص من ذلك شيئًا انتقص من صلاته ، ولم تذهب كلّها ، قال : هذا حديث حسن ، وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه . ورواه أبو داود مطولًا من حديث إسحاق ، عن علي بن يحيى عن عمه بلفظ : إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء - يعني مواضعه - ثم يكبر ويحمد الله عز وجل ويثني عليه ، وتقرأ بما شئت من القرآن ثم تقول الله أكبر ثم تركع حتى تطمئن مفاصله ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده حين يستوي قائما ، ثم يقول : الله أكبر ، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبّر ، فإذا فعل ذلك تمت صلاته . وعن إسحاق ، عن علي بن يحيى بن خلاد ، عن أبيه ، عن عمه ، فذكر لفظ ابن ماجه ، ولما ذكر المفاصل زاد : حتى تسترخي ثم يكبّر فيستوي قاعدًا على مقعده ، ويقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ : لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك ثنا وهب بن بقية ، عن خالد ، عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خلاد ، عن رفاعة بن رافع بهذه القصّة قال : إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن أو ما شاء الله أن تقرأ وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ، قال : وإذا سجدت فمكّن لسجودك ، وإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى . وفي حديث محمد بن إسحاق : حدّثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع ، عن أبيه ، عن عمه بهذه القصة : فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ . ولفظ النسائي ، عن عم له بدري ، وفيه : حتى كان عند الثالثة أو الرابعة قال : والذي أنزل عليك الكتاب لقد جَهدت وحَرصت فأرني وعلمني فذكره بمعنى حديث أبي عيسى . وذكره الحافظ أبو حاتم في صحيحه من حديث محمد بن عمرو ، وفي معجم الطبراني الكبير : صلى صلاة خفيفة لا يتم ركوعها ولا سجودها ، وفيه : فإذا لم يفعل ذلك لم تتم صلاته ، وفيه : أنه كان من الأنصار . وذكره أيضا أبو محمد بن حزم مصححا له ، ولما ذكره البزار بلفظ : ما أدري ما تعيب علي من صلاتي وما ألوت ؟ فقال - عليه السلام - : إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى فيغسل يديه ووجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين . ثم ذكره ، وقال : هذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا رفاعة وأبو هريرة ، وحديث رفاعة أتم من حديث أبي هريرة ، وإسناده حسن . انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما ذكره الترمذي من أنّ عمارا روى ذلك أيضا

250

باب ما جاء في الوضوء على أمر الله تعالى 188 - حدّثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن جامع بن شداد أبي صخرة قال : سمعت حمران يحدث أبا بردة في المسجد أنه سمع عثمان يحدث ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : من أتمّ الوضوء كما أمره الله فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن . هذا حديث لما رواه مسلم في صحيحه ، عن عبيد الله بن معاذ ، ثنا أبي وثنا محمد بن مثنى وابن بشار قالا : ثنا محمد بن جعفر ، قالا جميعًا : ثنا شعبة ، عن جامع ، كما ذكره ابن ماجه ، قال : هذا حديث ابن معاذ ، وليس في حديث غندر : في إمارة بشر سمعت حمران يحدّث أبا بردة في إمارة بشر أن عثمان فذكره ، ولا ذكر المكتوبات . وفي لفظ النسائي : فالصلوات الخمس .

251

باب ما جاء في غسل القدمين 187 - ذكر فيه حديثا لأبي حية ، عن علي القائل فيه الجوزقاني : صحيح ، وحديث المقدام بن معديكرب ، وحديث الربيع ، وقد تقدّم ذكرهما كليهما ، وأغفل حديث عمرو بن عبسة الطويل من عند مسلم ، وفيه : ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء ، وعند ابن خزيمة من حديث عمرو بن عبسة : كما أمره الله . وحديث جابر عند الدارقطني قال : أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا . وحديث أنس المذكور عنده : أن رجلًا توضأ وترك على قدميه مثل الظفر ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : ارجع فأحسن وضوءك . وحديث خالد بن مَعْدان ، عن بعض الصحابة عند أبي داود أن رجلا صلى وفي ظهر قدميه لمعة ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : أعد الوضوء والصلاة . وحديث عثمان بن عفان خرجه ، وفيه : فغسل قدميه . وحديث أبي بكر : بينا أنا جالس عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه رجل قد توضأ وبقي على ظهر قدمه مثل الظفر . ذكره الدارقطني في كتاب الأفراد والغرائب ، وقال : غريب من حديث سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن أبي بكر , تفرّد به الوازع بن نافع عنه ، وتفرّد به المغيرة بن سقلاب ، عن الوازع به ، وذكره ابن شاهين من جهة الوازع بن نافع ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن أبي بكر وعمر بنحوه . وحديث محمد بن محمود : رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أعمى يتوضأ فقال : اغسل باطن قدميك فجعل يغسل باطن قدميه . ذكره المديني في كتاب الصحابة من حديث عبدان ، عن الأشج ، ثنا أبو خالد ، ثنا يحيى بن سعيد عنه . وحديث أبي الهيثم : رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتوضأ فقال : بطن القدم يا أبا الهيثم . ذكره الطبراني من حديث ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عنه . قال أبو إسحاق : الفرض في الرجلين في الوضوء الغسل إلى الكعبين ، وهما العظمان الناتئان في مفصل الساق والقدم . هذا مذهب الشافعي ، وبه قال من الصحابة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وحذيفة وأنس بن مالك وأبو هريرة وتميم الداري وسلمة بن الأكوع وعائشة . قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أجمع أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- على غسل القدمين ، وقد لقي عبد الرحمن مائة وعشرين صحابيا . وقال عطاء بن أبي رباح لم أدرك أحدا منهم يمسح على القدمين ، وقد لقي عطاء عشرة من الصحابة ، وهو مذهب الشعبي والحكم والحسن وابن سيرين والزهري وعكرمة ومحمد بن علي بن الحسين وجعفر بن محمد وعطاء الخراساني ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عُبيد والحسن بن صالح وداود بن علي . وذهبت الإِمامية من الشيعة إلى أنّ الواجب هو المسح على ظهر القدمين من الأصابع إلى الكعبين ، والكعب عندهم في ظهر القدم ، ووافقهم على الكعب محمد بن الحسن ، ولكن لم يوافقهم في المسح . وقال بعض أهل الظاهر : يجب الجمع بين المسح والغسل . وقال ابن حزم : هو بالخيار بين المسح والغسل . والدليل على فساد ما ذهبوا إليه أنّ الأخبار تواترت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحكى قوم وضوءه ، وروى قوم أمره ، وروى قوم الوعيد في ترك غسل الأعقاب ، وأمّا ما ذهبوا إليه من أنّ هذه أخبار آحاد فلا نقبلها ولا نعمل بها فيجاب بأنّ هذا ليس بآحاد ؛ لأنّ بمجموعها تواتر معناها ، وأما قراءة من قرأ : وأرجلكم بالخفض ، فمعارضة بمن نصبها ، وهو نافع وابن عامر وعلي بن حمزة ، وهو أحد الروايتين عن عاصم ، فلا حجة إذا لوجود المعارضة ، فإن قيل : نحن نحمل قراءة النصب على أنّها منصوبة على المحل ؛ لأن محل الرأس النصب ، وإنّما انخفض بدخول الباء ، فيكون نصب الأرجل على العطف على المحل ، وإذا حملناه على ذلك لم يكن بينهما تعارض ، بل يكون معناهما المسح وإن اختلف اللفظ فيهما ، ومتى أمكن الجمع لم يجز الحمل على التعارض والاختلاف ، والدليل على جواز العطف على المحل قوله تبارك وتعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ، وقول الشاعر : ألا حي ندماني عُمَير بن عامرٍ إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا فنصب غدا على المحل ، وقول آخر : مَعَاوِي إننا بَشر فأسجح - أي : أعفو - فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد على المحل . وقال جندب : كبير أناس في بجادٍ مُزَمَّلُ . وقال : صفيف شواءٍ أو قَدير مُعَجَّل . وقال زهير : لعب الزمان بها وغيَرها بعدي سَوَافي المور والقطر وقال النابغة : لم يبق إلَّا يسير غير منفلت أو موثق في حبال القدّ مَسلُوبُ وقال جرير : فهل أنت إن ماتت أتانك داخل إلى آل بسطام بن قيسٍ بخاطب وقال آخر : حي دارًا أعلامها بالجناب مثل ما لاح في الأديم الكتاب وقال درَيْد : فجئت إليه والرماحُ تنوشُه كوقع الصياصي في النسيج الممدَّد فدافعت عنه الخيل حتى تبدّدت وحتَّى علاني حالك اللّون أسود وقال آخر : كأنما ضربت قدام أعينها قطنًا بمستحصد الأوتار محلوج وقال فيه أبو إسحاق : ويجاب بأنّ العطف على المحلّ خلاف السنة وإجماع الصحابة . فأما السنة فحديث عمرو بن عَبَسَة يعني المتقدم الذكر ، وأما الإِجماع فهو ما يروي عاصم ، عن أبي عبد الرحمن السلّمي ، قال : بينا أنا يوما والحسن يقرأ علي ، وجليس قاعد إلى علي رضي الله عنه يحادثه ، فسمع يقرأ : وأرجلكم ففتح عليه الجليس الخفض ، فقال علي وزجره : إنّما هو فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أرجلكم من تقديم القرآن وتأخيره . وروي عن ابن مسعود أنه قرأ : وأرجلكم . وقال : رجع الأمر إلى الغسل ، وعن ابن عباس نحوه ، وكذا عن عروة ومجاهد وعكرمة والحسن ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن الأعرج والضحاك وعبد الله بن عمر ، وابن غيلان ، زاد البيهقي : وعطاء ويعقوب الحضرمي وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي بكر بن عياش . وأمّا قول أبي إسحاق : وهو مذهب الشعبي وعكرمة والحسن - ففيه نظر ؛ لما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه بأسانيد صحيحة عنهم بالمسح . وأمّا ما حكاه عن علي وابن عباس ، فقد ردّه أبو محمد بن حزم ، وذكر أنهما قالا به . وأما ما حكاه عن محمد بن الحسن من أنّ الكعب عنده في ظهر القدم ، فكذلك هو ، ولكن بزيادة : في كلّ رجل كعبان ، في القدم كعب ، وفي الساق كعب . حكى ذلك أبو جعفر عنه ، قال : وقال غيره : في كل قدم كعب ، وموضعه ظهر القدم ، وقال آخرون : هو الدائر مغرز الساق ، وهو مجمع العروق من ظهر القدم إلى العراقيب . وأمّا ما حكاه من الإجماع فلا دليل عليه . قوله : ولم يذكر هو شيئا من ذلك ، ولا يكفي في الإَجماع أنَّ عليا وابن مسعود وابن عمر قالوا به ؛ لأنّ عليًا لم يقل شيئًا يخالف فيه ابن مسعود ، فكيف يتجّه قوله على هذا ، فينظر فيه ، والله أعلم . وأمّا قوله : إنّ عطاء لقي عشرة من الصحابة في معرض مدحه ، وذلك مشعر بألّا زيادة على ذلك ، وليس كذلك ؛ لما ذكره الحافظ ابن سرور من أنّه رأى : عقيل بن أبي طالب وأبا الدرداء ، وسمع : ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وجابرا وأبا هريرة ورافع بن خديج ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن خالد وجابر بن عُمير الأنصاري وأبا سعيد الخدري وعائشة , انتهى . وفيه نظر لما حكاه هو أنّ عطاء ولد في آخر خلافة عثمان ، وأبو الدرداء توفي سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ، فكيف تتصوّر روايته لأبي الدرداء ، وهذا لا يمكن أصلًا ، وقد وردت أحاديث لا بد من تأويلها أوردها ، وهو رفاعة بن رافع سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ، فذكر حديثا فيه : ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ، وسيأتي ذكره في الباب الذي بعد هذا ، وحديث على : كنت أرى أنَّ باطن القدم أحقّ بالمسح حتى رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسح ظاهرهما ، وقد تقدّم طرف منه . وهذان الحديثان ألجآ من قال من أهل الظاهر بالجمع ، وإن كان ابن شاهين ذكر أن هشيمًا قال : كان هذا في مبدأ الإِسلام ، وكذا حديث أوس بن أبي أوس ، والله أعلم . وحديث عبد الله بن زيد : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ فمسح بالماء على رجليه . ذكره ابن أبي شيبة في مسنده ، عن أبي عبد الرحمن المقرئ ، عن سعيد بن أبي أيوب ، حدّثني أبو الأسود ، عن عبّاد بن تميم به ، وأبو الأسود هذا لا أدري من هو . وقال الجوزقاني : هذا حديث منكر . وحديث ابن عباس عند أبي داود مرفوعًا : فقبض قبضة من الماء ، فرشَّ على رجله اليمنى وفيها النعل ، ثم مسحها بيديه ، يد فوق القدم ، ويد تحت النعل ، ثم صنع باليسرى مثل ذلك . وفي إسناده هشام بن سعد وهو ضعيف عند ابن معين وابن سعد وغيرهما . وحديث علي بن أبي طالب كذلك ذكره أيضًا ، وإسناده لا بأس به ، ولفظه : قال : قلت : وفي النعلين ؟ قال : وفي النعلين ثلاثا . وحديث عثمان : مسح رأسه وظهر قدميه ، وفيه : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحو وضوئي هذا . ذكره أحمد بن علي القاضي في مسند عثمان ، عن القواريري ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن مسلم بن يسار ، عن حمران فذكره . وسنده صحيح . وحديث عباد بن تميم ، عن أبيه : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسح ثلاثًا على رجليه ، رواه البخاري في تاريخه عن رجاء وإبراهيم بن نبهان ، عن أبيه ، عن سعيد بن أبي أيوب ، حدّثني أبو الأسود عنه قال ابن الحصار : هو يتيم عروة ، وفي الإسناد علة ، وذلك أنه خرجه في مسند ابن أبي شيبة : ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، عن سعيد بن أبي أيوب ، حدثني أبو الأسود به ، وقال أبو عمر : هذا إسناد لا تقوم به حجة ، وفيما قاله نظر ، لما أسلفناه ، وحديث رجل من قريش قال : تبعت النبي -صلى الله عليه وسلم- بقدح فيه ماء ، فلما قضى حاجته توضأ وضوءه للصلاة ، قال فيه : ثم مسح على قدمه اليمنى ، ثم قبض أخرى ، فمسح بقدمه اليسرى ، رواه أبو مسلم الكجي بإسناد صحيح عن حجاج ، ثنا حماد عن أبي جعفر الخطمي . يعني : عميرًا . وحديث عبد خير عن علي : كنت أرى باطن القدمين أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسح ظاهرهما . ذكره أبو داود . وحديث عمر : أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ومسح على القدمين ، ذكره ابن شاهين من حديث ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عباد بن تميم عنه . وحديث جابر : خرج - عليه السلام - إلى بقيع الغَرقد فتوضأ وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ، وتناول الماء بيده اليمنى ، فرش على قدميه فغسلهما . رواه أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن سلمة بن عبد الله بن الحصين إلا ابن لهيعة . قال ابن حزم بعد ذكر حديث عبد الله بن عمر ، وما أشبهه : فأمر - عليه السلام - بإسباغ الوضوء في الرجلين وتوعد بالنار على ترك الأعقاب ، فكان هذا الخبر زائدا على ما في الآية وعلى الأخبار التي رويناها - يعني حديث رفاعة وعلي - وناسخًا لما فيها ولما في الآية والأخذ بالزائد واجب ، ولقد كان يلزم من يقول بترك الأخبار للقرآن أن يترك هذا الخبر للآية ؛ لأنا وجدنا الرجلين يسقط حكمهما في التيمم كما يسقط حكم الرأس فكان حملهما على ما يسقطان بسقوطه ويثبتان بثباته أولى من حملهما على ما لا يثبتان بثباته ، وأيضًا فالرجلان مذكوران مع الرأس فكان حملهما على ما ذكرا معه أولى من حملهما على ما لا يذكرا معه ، وأيضًا فالرأس طرف والرجلان طرف ، فكان قياس الطرف على الطرف أولى من قياس الطرف على الوسط ، وأيضًا فإنهم يقولون : بالمسح على الخفين فكان تعويض المسح من المسح أولى من تعويض المسح من الغسل ، وأيضًا فإنّه لما جاز المسح على ساتر الرجلين ، ولم يجز على ساتر دون الوجه والذراعين ، دل على أصول أصحاب القياس أنّ أمر الرجلين أخف وأقيس من أمر الوجه والذراعين ، فإذ ذلك كذلك فليس إلا المسح ولا بدّ ، فهذا أصح قياس في الأرض لو كان القياس حقًا ، والله أعلم . وأمّا قوله : وذهبت الإِمامية من الشيعة - فكلام مجمل يحتاج إلى بيان ، وذلك أنّ الإِمامية أصلهم على ما ذكره السمعاني من قال بإمامة علي بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- نصا ظاهرًا ، وهذا قول يعم جميع الشيعة ، ولهذا أطلق الفقهاء من غير تقييد بأنه مذهب الشيعة . قال المسعودي : وفرق الإِمامية - يعني الشيعة - كانوا على ما ذكر من سلف من أصحاب الكتب ثلاثًا وثلاثين فرقة ، ثم تنازعوا وتباينوا حتى بلغوا ثلاثًا وسبعين فرقة . وفي كتاب الشهرستاني : ثم إن الإِمامية لم يثبتوا في تعيين الأئمة بعد الحسن والحسين على رأي واحد ، بل اختلافاتهم أكثر من اختلافات الفرق كلها ، حتى قال بعضهم : إنَّ نيفًا وسبعين من الفرق المذكورين في الخبر هو في الإِمامية خاصة ، ومن عداهم فخارجون عن الملّة ، والإِمامية بعضها معتزلة ، إما وعيدية وإما تفضيلية ، وبَعْضها إخبارية ، إمّا مشبهة وإما سلفية ، فقد تبين لك تفصيل ما أجمل ، والله أعلم . وأما ما حكاه عنهم من أنّ الكعب في ظهر القدم فكان ينبغي له ردّه بما لا طاقة لهم به ، وهو قول إمام اللغة عبد الملك بن قريب ، فإنه أنكر ذلك القول على قائله ، وأبو عبيدة وغيرهما ، وإن كان قد ذكر أبو إسحاق ذلك أخيرًا فذكره هنا أولى . قال أبو موسى المديني : ذهب عامة الصحابة والتابعين إلى أنه الملتصق بالساق المحاذي للعقب ، وليس بالظاهر في ظهر القدم . وقال أبو بكر بن خزيمة في مسنده الصحيح من حديث عثمان الذي فيه وغسل اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ، واليسرى مثل ذلك : الكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي القدم ، إذ لو كان العظم الناتئ على ظهر القدم لكان للرجل اليمنى كعب لا كعبان ، ثم ذكر حديث طارق الذي فيه : ورجل خلفه ، يعني الذي يرميه بالحجارة ، وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه ، قال : وفي هذا دلالة على أن الكعب هو العظم الناتئ في جانبي القدم إذ الرمية إذا جاءت من وراء الماشي لا تكاد تصيب القدم ، إذ الساق مانع أن يصيب الرمية ظهر القدم ، ثم ذكر حديث النعمان : فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه وركبته بركبة صاحبه . وأما قوله : إنّ عبد الرحمن أدرك عشرين ومائة - فيحتاج إلى زيادة بيان ، وذلك أنّ عطاء بن السائب روى عنه : أدركت عشرين ومائة من الصحابة كلّهم من الأنصار ، فهذا هو أخبر عن نفسه إدراكه لهؤلاء الأنصاريين ، فكيف بمن بعدهم من بقية الصحابة غيرهم ، والله أعلم . وزعم ابن حزم أنّ القرآن نزل بالمسح ، وسواء قرئ بفتح اللام وتخفيفها هي على كلِّ حال عطف على الرأس ، إمّا على اللفظ وإمّا على الموضع ، لا يجوز غير ذلك ؛ لأنه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة . وهكذا جاء عن ابن عباس ، وفي أمالي ابن الحاجب : الصواب أنه نصب على الاستئناف ، والله أعلم .

252

85 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، ثنا الأسود بن شيبان ، حدثني ابن مرّار ، عن جدّه أبي بكرة قال : مرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرين ، فقال : إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ؛ أما أحدهما فيعذب في البول ، وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة . هذا حديث معلّل بأمرين : ولو سكت أبو عبد اللّه بن ماجه عن تعيين الجدّ لحمل على عبد الرحمن ، وكان الحديث مرسلا ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق متصلة . وعلى رأي ابن معِين ومن تابعه تكون صحيحة . ذكرها البخاري في تاريخه الكبير ، فقال : ثنا مسلم ، ثنا الأسود بن شيبان ، ثنا بحر ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، قال : حدّث أبو بكرة ، قال : قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : صاحبا القبر يُعذّبان بلا كبير : الغيبة ، والبول . نا الجعفي ، ثنا عبد الصمد ، نا الأسود ، نا بحر ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، قال : حدث أبو بكرة وثنا إسحاق قال : أنا عبد الصمد ، نا الأسود ، سمعت بحر بن مرار ، يحدّث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، ثنا أبو بكرة ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم الحديث . وبنحوه ذكره الطبراني في الكبير وابن قانع والعسكري ، فهذا كما ترى تصريح بسماع بحر من جدّه ، وجده من أبيه ، واللّه تعالى أعلم . ولما ذكره الدارقطني في العلل ، قال : الصواب قول من قال : عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، يعني : عن أبي بكرة . وقال الترمذي إثر حديث ابن عباس : وفي الباب عن زيد بن ثابت ، وأبي بكرة ، وأبي هريرة ، وأبي موسى ، وابن حسنة ، وأغفل حديث عائشة : عذاب القبر من البول ، المذكور عند الدارقطني ، وحديث عبادة بن الصامت مرفوعًا : إني أظن منه عذاب القبر ، يعني البول . ذكره البزار ، وإسناده لا بأس به . وحديث يعلى بن سيابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّ بقبر يعذّب صاحبه فقال : إنَّ هذا القبر يعذب صاحبه في غير كبير ، ذكره الطبراني وابن أبي شيبة ، الحديث . وحديث أبي أمامة الباهلي وأبي رافع ذكرهما أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب ، وحديث ميمونة ذكره أبو القاسم في الأوسط . وحديث جابر بن عبد الله ذكره بحشل في تاريخه من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان عنه : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - حائطا لأمه ميسرة ، وإذا بقبرين ، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين ، ثم وضع واحدة على أحد القبرين ، والأخرى على الآخر ، ثم قال : لا يرفعان عنهما حتى يجفّا ، قيل : يا رسول الله في أي شيء يعذبان ؟ فقال : أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يتنزه من البول . رواه عن موسى بن شبيب ، ثنا عبد الله بن موسى ، ثنا أبو إسرائيل ، عن الأعمش . وحديث أنس بن مالك : مرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرين من بني النجّار يعذبان في النميمة والبول ، فأخذ سعفة رطبة ، فشقها بنصفين ، فجعل على ذا القبر نصفا ، وعلى ذا القبر شقا ، وقال : لا يزال يخفف عنهما ما دامتا رطبتين ، أنا به المسند المعمر حسن بن عمر بن خليل ، قراءة علينا من لفظه ، أنا ابن شاذان قراءة عليه ، أنا أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق قراءة عليه ، نا حسين بن حميد بن الربيع ، ثنا عبيد بن عبد الرحمن ، ثنا عيسى بن طهمان ، عن أنس ، فذكره . وحديث ميمونة راويه ليس بثقة : أشدّ عذاب القبر في الغيبة والبول . ذكره ابن منده ، وحديث عائشة : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين يعذّبان ، فقال : إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير ، كان أحدهما لا يستنزه عن البول ، وكان الآخر يمشي بالنميمة ، فدعا بجريدة رطبة الحديث ، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبيدة بن حميد ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن مسروق عنها ، وقال : لم يروه عن منصور إلا عبيدة ، تفرّد به علي بن جعفر الأحمر ، يعني شيخ شيخه محمد بن أحمد الوكيعي ، وحديث عبد الله بن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر يوما بين قبور ومعه جريدة رطبة ، فشقها باثنتين ، ووضع واحدة على قبر ، والأخرى على قبر آخر ، ثم مضى ، قلنا : يا رسول اللّه لم فعلت ذلك ؟ فقال : أما أحدهما فكان يعذب في النميمة ، وأما الآخر فكان لا يتقي البول ، ولن يعذبا ما دامت هذه رطبة . ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث غسان بن الربيع ، ثنا جعفر بن ميسرة ، عن أبيه عنه قال : لا يُرْوَى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإِسناد . والقبر : جمعه قبور في الكثرة ، وفي القلة : أقبرة ، واستعمل مصدرًا ، قالوا : قبرته أقبره قبرًا ، وفي الغريبين : قبرته : دفنته ، وأقبرته : جعلت له قبرًا . وقال القزاز : موضع قبر ، ومن أسمائه أيضًا فيما ذكره ابن السكيت في كتاب الألفاظ ، وأبو هلال العسكري في التلخيص : الجدث ، والمنهال ، والجدف ، والرمس ، والدمس ، والجبان ، والضريح ، واللحد . وفي هذه الأحاديث وغيرها إثبات عذاب القبر على ما هو المعروف عند أهل السنة ، واشتهرت به الأخبار ، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة ، كذا رأيت جماعة من العلماء ذكروا ذلك عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه . ويشبه أن يكون ذلك وهمًا منهم على المعتزلة ؛ لما ذكره القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة ومصنفهم في كتاب الطبقات من تأليفه : إن قيل : إنّ مذهبكم أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر ، وهو قد أطبقت عليه الأمة ، وظهر فيه الآثار والدلائل . قيل : إن هذا الأمر إنّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو ، ولما كان من أصحاب واصل ، ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة ، وليس الأمر كذلك ، بل المعتزلة رجلان : أحدهما : يجوز ذلك كما وردت به الأخبار ، والثاني : يقطع بذلك ، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك ، إنّما ينكرون قول طائفة من الجهلة : إنّهم يعذبون وهم موتى ، ودليل العقل يمنع من ذلك ، وبنحوه قاله أبو عبد اللّه المرزباني في كتاب الطبقات أيضًا . واختلف في فتنة القبر : هل هي للمسلمين وللكافرين ؟ . فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه لا تكون إلا لمؤمن أو منافق من أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه ، وبنحوه قال الحكيم أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول . وخالفهما أبو محمد الإشبيلي ، فزعم أنها تعم المؤمنين والمنافقين والكافرين ، واختاره القرطبي في التذكرة ، قال : وقد اختلف في هذين المعذبين - أعني اللذين في حديث ابن عباس - هل كانا من أهل القبلة أم لا ؟ فقال : إن كانا منها ، فالمرجو لهما بذلك تخفيف العذاب عنهما مطلقا ، وإن كانا كافرين فالمرجو تخفيف العذاب المطلق بهذين الذنبين المذكورين . أما قوله : إن كانا كافرين إلى آخره ، فهو من طريق الشكّ ، فهو قول مسنده فيما أظن - واللّه أعلم - حديث رواه أبو موسى المديني في كتاب الترغيب والترهيب من حديث ابن لهيعة ، عن أسامة بن زيد ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : مر نبي اللّه - صلى الله عليه وسلم - على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية ، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة . وقال : هذا حديث حسن ، وإن كان إسناده ليس بالقوي ؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته لهما إلى أن ييبسا معنى ، ولكنه لما رآهما يعذبان ، لم يستجز من عطفه ولطفه - صلى الله عليه وسلم - حرمهما من ذلك ، فشفع لهما إلى المدّة المذكورة ، واللّه أعلم . وقد أنا بحديث أبي الزبير هذا المسند المعمر فتح الدين بن حسن الهروي الكناني عن أبي الحسن البغدادي ، أنبأتنا شهدة قراءة عليها وأنا أسمع ، أنا الحسين بن طلحة الثعالبي قراءة عليه ونحن نسمع ، أنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر ، أنا أبو علي البرذعي ، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، أنا محمد بن علي ، ثنا النضر بن شميل ، أنا أبو الغرام ، واسمه عبد العزيز بن ربيع الباهلي ، ثنا أبو الزبير ، عن جابر ، ولفظه غير اللفظ الذي ساقه أبو موسى ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسيرنا ، فأتى على قبرين يعذبان صاحباهما ، فقال : إنهما لا يعذبان في كبير ؛ أما أحدهما فكان يغتاب الناس ، وأمّا الآخر فكان لا يتأذى من بوله ، ودعا بجريدة الحديث . ولفظ أبي القاسم في الأوسط ، وقد خرجه من حديث ابن لهيعة ، عن أسامة بن زيد ، عن أبي الزبير ، عن جابر : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية ، فسمعهن يعذبن في النميمة ، فأتى بجريدة ، لم يروه عن أسامة إلا ابن لهيعة ، فلئن كان ذلك فهو تصريح لا شك فيه ، ولكن يعكر عليه ما جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس في : مر بقبرين من قبور الأنصار وبنو النجار من الأنصار ، فيحتمل أن يكون الراوي قاله بالمعنى الأول ، والأنصار لفظة إسلامية لم يعرف بها مسمى في الجاهلية ؛ ولذلك قال النعمان بن بشير الأنصاري - رضي الله عنهما - يخاطب عمرو بن العاص : يا عمرو لا تعد الدعاء فما لنا نسب نجيب به سوى الأنصار نسب تخيره الإله لصحبنا أثقل به نسبًا على الكفار وحديث الباب : بقبرين جديدين ، وفي حديث مسلم : فأحببت بشفاعتي أن يخفف ذلك عنهما ، والشفاعة لا تكون إلا لمؤمن ، وبضميمة كونهما جديدين ، وأما رواية من روى المدينة أو مكة ، وهو البخاري في الصحيح ، فيحتمل أن يكون سهوا من أحد الرواة . وقد استدرك ذلك أبو عبد اللّه ؛ فذكره في كتاب الأدب على الصواب : المدينة . وقوله : وما يعذبان في كبير ، يحتمل معنيين ، والذي يجب أن يحمل عليه منهما أنَّهما لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه ، وأنه سهل يسير على من يريد التوقي منه ، ولا يراد بذلك أنه صغير من الذنوب ؛ لأنه ورد في الصحيح : وإنه لكبير . قال المازري : والنميمة تكون من الكبائر ؛ فيحتمل على أنه يريد به في كبير علمهم تركه ، وإن كان كبيرًا عند اللّه تعالى ، ولا شك أن النميمة كبيرة . قال : والمنهي عنه على ثلاثة أنحاء : منه ما يشق تركه على الطباع ، كالملاذ المنهي عنها ، ومنه ما ينبو عنه الطبع ولا يدعو إليه ، كالنهي عن قتل نفسه وغيره ، ومنه ما لا مشقة فيه على النفس في تركه ، فهذا القسم مما يقال فيه : ليس بكبير على الإنسان تركه . وقال عياض : قوله وما يعذبان في كبير أي كبير عندهم ، كقوله تعالى : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ، وسبب ذلك أن عدم النثرة من البول يلزم منه بطلان الصلاة ، وتركها كبيرة . وأما النميمة فقد تكون كبيرة ، ولا سيما إذا تكررت ، وبذلك أشعر قوله : كان يمشي بالنميمة . وفي كتاب الإحياء للشيخ أبي حامد ، رحمه الله تعالى : اعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه ، كما تقول : فلان يتكلّم فيك بكذا ، وليس النميمة مخصوصة بهذا ، بل حدّ النميمة : كشف ما يكره كشفه ، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه ، وسواء أكان ذلك بالكناية أو الرمز أو الإِيماء ، فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه ؛ فلو رآه يخبئ مالا لنفسه فذكره فهو نميمة ، فكلّ من حملت إليه نميمة ، وقيل له : فلان يقول فيك ، أو يفعل فيك كذا ، فعليه ستة أمور : الأول : أن لا يصدقه ؛ لأن النمّام فاسق . الثاني : ينهاه عن ذلك . الثالث : يبغضه في الله ؛ لأنه بغيض عند الله . الرابع : لا يظن بأخيه الغائب سوءا . الخامس : لا يحمله ما حكاه على التجسس والبحث عن ذلك . السادس : أن لا يرضى لنفسه ما نهى عنه النّمام ، فلا يحكي نميمته عنه فيقول : فلان حكى كذا ، فيصير نمّاما . لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم فإن كانت النميمة في مصلحة ، فلا منع منها ، وذلك كما إذا أخبره أن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله ، أو أخبر الإمام أو من له ولاية أنّ إنسانًا يسعى بما فيه مفسدة ؛ فيجب على صاحب الولايةَ الكشف عن ذلك وإزالته ، فكلّ هذا وشبهه ليس بحرام ، وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه مستحبا على حسب المواطن . انتهى . وأهل اللغة يفرقون بين نميت مخففة ، ونمَّيت مشدّدة . فالأول : إذا بلغته على وجه الإصلاح والخير . والثاني : على وجه الإِفساد ، ولم يبين الشيخ أبو حامد ذلك في كلامه ، فيلبس على من لا يعرف اشتقاق النميمة ، واللّه أعلم . وأما حديث أبي بكرة : فيعذّب في الغيبة فالغيبة مخالفة للنميمة ؛ إذ هي ذكر المرء بسوء فيه من ورائه ، وفي قول الشيخ أبي حامد : النميمة هتك الستر ، معنى من معاني الغيبة ؛ لأنك إذا ذكرته بسوءٍ فيه ، فقد هتكت ستره بذكرك ذلك ، وإذا كان كذلك ، كانا بمعنى واحد ، ويكون الراوي لمح في هذا المعنى . وقوله : من البول يؤخذ منه نجاسة الأبوال مطلقا ، قليلها وكثيرها ، إلا ما عفا عنه الشّارع ، صلوات اللّه عليه وسلامه . وأما لعلّ فهو حرف لتوقع مرجو أو مخوِّف ، وفيها لغات أنها : لعلّ ، وعلّ ، وعنّ ، ولعنّ ، وأنّ ، ولأنّ . وفيه دليل على انتفاع الميت بتلاوة القرآن العظيم أخذًا من غرز العسيب ، فإذا انتفع بتسبيح النبات فقراءة القرآن من الإِنسان أولى ، وفي الصحيح للبخاري : أوصى بريدة أن يجعل في قبره جريدتان تبركًا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، واختلف في وصول ثواب القرآن العظيم للميت ؛ فمذهبنا ومذهب أحمد وصول ذلك إليه ، وأبى ذلك جماعة من العلماء مستدليّن بقوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وبقوله - عليه السلام - : إذا مات المرء انقطع عمله والكلام في ذلك يأتي بعد في كتاب الجنائز ، إن شاء اللّه تعالى . وأمّا الدرقة فهي ضرب من الترسة تتخذ من جلود دواب تكون في بلاد الحبشة ، والجمع درق وأدراق ، قاله القزاز . وفي الصحاح : هي الجحفة إذا كانت من جلود ليس فيها خشب ولا عقب . وأما بنو إسرائيل فهم أولاد يعقوب - عليه السلام وهو اسم عبراني ، وفيه لغات : إسرائيل بكسر أوله ، والمدّ ، والياء بعد الراء ، والهمزة ، وقيل : كذلك إلَّا أنّه بغير همز ، وبيائين ، وقيل : بفتح أوله مع الوجوه الثلاثة ، وقيل : إسرال بغير مدّ ولا ياء ، بكسر أوّله وقد يفتح ، وقيل : بكسر الهمزتين بغير ألف بعد الراء ، وقيل كذلك إلا أنه بياء من غير همز ، وقيل بدلا عن اللام على الوجوه كلها ، وقيل غير ذلك . ولا خلاف أن إِيل هو اسم اللّه تعالى في اللغة العبرية . واختلف في إسرا ، فزعم السهيلي أنه عبد . وقيل : صفوة . وقيل : هو مركب من عربي وعجمي ، معناه : أسري إلى اللّه ، وذلك أن يعقوب - عليه السلام - أسري به ليلة في الهجرة إلى الربّ - سبحانه وتعالى - فسمى إسرائيل بذلك ، واللّه أعلم .

253

83 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ووكيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن طاووس ، عن ابن عباس قال : مر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بقبرين جديدين ، فقال : إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ؛ أمّا أحدهما فكان لا يستنزه من بوله ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة . في صحيح ابن حبان حديث أبي هريرة بمثل حديث ابن عباس مطولًا هذا حديث اجتمع على تخريجه الأئمة الستة في كتبهم . وقال الترمذي : حديث صحيح . وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد ، عن ابن عباس ، ولم يذكر فيه طاوسا ، ورواية الأعمش أصح . وكذا ذكره البخاري في كتاب العلل ، وخالف وأبى ذلك في جامعه الصحيح بذكره حديث منصور إثر حديث الأعمش ؛ فيحتاج إلى تأويل ذلك ، بأن يكون ظهر له ترجيحه بوجه من الوجوه ، وأظن ذلك ؛ لأن شعبة روى عن الأعمش كما رواه منصور ، ذكر ذلك أبو موسى المديني في كتاب الترغيب من حديث أبي داود الطيالسي ، ثنا شعبة به ، ولفظه : أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس ، وأما الآخر فكان صاحب نميمة . وقال آخره : كذا قال عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، والمحفوظ من حديث الأعمش : مجاهد ، عن طاوس ، وفي حديث الأعمش عند الإسماعيلي : من طريق شعبة عنه ، ثنا مجاهد . قال شعبة : وأخبرني منصور مثلَ إسناد سليمان وحديثه ، فلم أنكره منه ، فهذا الأعمش رواه كما رواه منصور ؛ فظهر بذلك ترجيح حديثه على غيره . وأما أبو حاتم البستي فذكر في صحيحه الحديثين جميعا ، وقال : سمع مجاهد هذا الخبر عن ابن عباس ، وسمعه عن طاوس ، فالطريقان جميعا محفوظان ، ففي هذا شفاء للنفس وإزالة للبس بتصريحه بسماع مجاهد هذا الحديث من ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ولولا ذلك لكان لقائل أن يقول : إن مجاهدا مدلس ، فلو عرى عنه ذلك أو صرّح بالسماع كنّا نقول : رواه عنهما . وأما في هذه الحالة فنجزم بالانقطاع ، وعلى تقدير صحة ذلك ، لم يكن حديث الأعمش أصح ، إنما يكونان صحيحين . وفي لفظ البخاري : ثم أخذ جريدة رطبة فشقّها نصفين ، فغرز في كل قبر واحدة ، قالوا : يا رسول اللّه لم فعلت هذا ؟ قال : لعله يخفّف عنهما ما لم ييبسا . وفي رواية : وما يعذبان في كبير ، ثم قال : بلى كان أحدهما . وفي لفظ لمسلم : لا يستنزه عن البول ، أو من البول مع لفظ لأبي داود : ويستتر مكان يستنزه ، وفي لفظ للبخاري : يستبرئ ، زاد ابن الجوزي في قصة يوسف - عليه السلام - : فأورق كل واحد من الغصنين واخضر ، وأورق من ساعته ، ففرح النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : رفع عنهما العذاب بشفاعتي .

254

التشديد في البول 82 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة ، قال : خرج علينا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي يده الدرقة فوضعها ، ثم جلس فبال إليها ، فقال بعضهم : انظروا إليه يبول كما تبول المرأة ، فسمعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ويحك ، أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل ؟ كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض ، فنهاهم ، فعذب في قبره . هذا حديث قال فيه الحاكم لما خرجه من حديث سفيان ، وعبيد الله بن موسى ، وزائدة ، وعبد الواحد بن زياد ، قالوا : حدثنا الأعمش بلفظ : انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج ومعه درقة الحديث . هذا حديث صحيح الإِسناد ، ومن شرط الشيخين إلى أن بلغ : تفرد زيد بن وهب بالرواية عن ابن حسنة ، ولم يخرجا هذا اللفظ . وفيما قاله نظر ، بل هو على شرطهما ، ولا نظر إلى تفرد زيد ؛ لأنهما رويا عن جماعة لم يرو عن أحدهم إلَّا شخص واحد . ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى ، ثنا أبو خيثمة ، ثنا محمد بن خازم كحديث الباب ، لا ذكر لعمرو فيه ، وزيد المشار إليه هو ابن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي ، رحل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فَقُبِض وهو في الطريق ؛ فلذلك عُد من المخضرمين ، وإن كان مسلم لم يذكره فيهم . وزعم ابن منجويه أنه من همدان ، وجمع الكلاباذي بين النسبين ، ولا جمع ، إلَّا أن يكون بحلف أو شبهِهِ . قال ابن سعد : زيد جهني أحد بني حسل بن نصر ابن مالك بن عدي بن الطول بن عوف بن غطفان بن قيس بن جهينة من قضاعة . وبنحوه ذكره الكلبي في الجامع وغيره ، حديثه في الصحيحين ، وعبد الرحمن بن حسنة ، وهي أمه ، وأبوه عبد الله بن المطاع بن الغطريف بن عبد العزى ابن جثامة بن مالك بن ملازم بن مالك بن رُهم بن يشكر بن مبشر بن الغوث بن مُرّ ، أخي تيم بن مر ، ويقال : إنه من كندة ، وهو أخو شرحبيل بن حسنة . كذا ذكره البخاري وأبو داود السجستاني في كتاب الإخوة ، وأبو زرعة الدمشقي في كتاب الإخوة أيضًا ، وأنكر ذلك ابن أبي خيثمة ، وبعده العسكري . وكانت أمه مولاة لمعمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، هاجرت إلى الحبشة ؛ فلذلك عدّه ابن شهاب في حلفاء بني جمح . وقيل : إنّها ليست أمه ، بل تبنَّته ، ونسبه البخاري قرشيا ، ولا منافاة بينه وبين ما تقدّم ؛ ولأنه قرشي بالحلف في زهرة ، أو بالولاء في جمح . وأمّا من قال : كندي ، فبالنسبة إلى نسب أمه ، فإنّها منهم ، واللّه أعلم . واختلف في القائل : انظروا إليه يبول كما تبول المرأة ، فعند أبي داود والعسكري أن عمرًا وابن حسنة قالا ذلك ، وفي كتاب البغوي : فقال بعضنا لبعض ، وعند النسائي : بعض القوم ، وكل ذلك قريب ، وفي حديث البغوي والطبراني زيادة تبيّن معنى الإنكار على أي وجه كان ، وهو قوله : انظروا إليه يبول كما تبول المرأة ، وهو قاعد . وفي بعض ألفاظ الطبراني : يا رسول الله ، تبول كما تبول المرأة إما أن يكون سمع ، وإما أن يكون أخبر ، فإن الأحاديث المتقدّمة موهمة أنّ ذلك إما للاستتار أو الجلوس .

255

84 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عفان ، نا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : أكثر عذاب القبر من البول . هذا حديث صحيح الإسناد ، قال الشيخ ضياء الدين المقدسي لما ذكره : إسناده حسن ، وما علم بأن الحاكم حَكم بصحته على شرط الشيخين ، قال : ولا أعرف له علّة ، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا : عامة عذاب القبر من البول . وصححه أيضًا البخاري ، رحمه الله .

256

184 - حدّثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثنا عبد العزيز بن المختار ، ثنا سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : ويل للأعقاب من النار . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما . ولما ذكره الدارمي بلفظ : ويل للعقب - قال : هذا أعجب إلي من حديث عبيد الله بن عمرو .

257

185- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : ويل للعراقيب من النار . هذا حديث إسناده صحيح على شرط الشيخين إلا سعيد بن أبي كريب ، ويقال : ابن كرب ، والأول أصح لما ذكره الدارقطني والبزار ، وإن كان لم يرو عنه غير أبي إسحاق ، فقد قال فيه أبو زرعة : كوفي ثقة ، وذكره أبو حاتم البُستي في كتاب الثقات . وأخرجه في الحلية من حديث سليمان ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو عبيد ، ثنا ابن مهدي ، ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق . وقال : غريب من حديث الثوري ، تفرّد به ابن مهدي ، وخرجه أبو القاسم في الأوسط من طريق عمر بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد . وقال : لم يروه عن عمر إلا أبو عبيدة الحدّاد ، وخرجه البزار أيضًا من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - رواه عن عمرو بن علي ، عن أبي معاوية عنه ، قاله في معرض شد حديث أبي إسحاق المتقدّم ، ولا شد لأمرين : الأول : ما أسلفناه من توثيق سعيد الغير محتاج إلى غيره ، وفي هذا أيضًا رد عليه ، حيث قال : إنما ثبت مثالًا لحفظه من غيره ، وهذا قد حفظه هو عن غيره ، فلم أثبته هنا ، والله أعلم . الثاني : حديث الأعمش عن أبي سفيان منقطع ، والمنقطع ضعيف ولا يشد به حديث صحيح ، وممن نصّ على انقطاع ما بينهما أبو بكر البزار نفسه ، قال : وقد روى عنه نحوا من مائة حديث ، وإنما يثبت من حديثه ما لا يحفظه من غيره لهذه العلة . وقال في موضع آخر : إنما هي صحيفة عُرضت عليه . وفي موضع آخر : وذكر حديثا عن الفلاس ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا الأعمش ، قال : حدّثني أبو سفيان ، يعني طلحة بن نافع ، فذكر حدّيثا قال في إثره : كان يحيى يذكر أحاديث الأخبار وربما حدّث بها غيره ، فيدخل بينهما رجلًا ، فعلى هذا لا يتبع فيه . وقال الطبراني في الأوسط : ورواه من حديث أبي الأسباط ، ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد المقرئ ، عن الحسن بن صالح وعمّار بن رزيق ، عن أبي إسحاق : لم يرو هذا الحديث عن الحسن ابن صالح إلا عبد الرحمن ، تفرد به أبو الأسباط ، والله أعلم . وذكر ابن شاهين حديث جابر في كتاب الناسخ والمنسوخ من جهة العرزمي ، عن عطاء عنه ، قال : أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا توضأنا أن نغسل أرجلنا .

258

182 - حدثنا أبو حاتم ، ثنا عبد المؤمن بن علي ، ثنا عبد السلام بن حرب ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ويل للأعقاب من النار . 183 - وخرجه أيضا من حديث ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي سلمة عنها ، قال : رَأَت عائشة عبد الرحمن وهو يتوضأ الحديث ، بلفظ : العراقيب . هذا حديث رواه مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، ثنا أبو سلمة حدّثني سالم مولى شداد قال : دخلت على عائشة يوم توفي سعد بن أبي وقاص فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر يتوضأ عندها ، فقالت : يا عبد الرحمن : أسبغ الوُضوء الحديث . وحديث أبي سلمة عنها ، وفي علل أبي عيسى قال محمد : حديث أبي سلمة عنها - يعني عائشة - حديث حسن ، وحديث سالم عنها حديث حسن . وقال أبو زرعة في كتاب العلل : وهم شيبان النحوي ، فأدخل بين سالم وعائشة أبا هريرة ، والصحيح حديث الأوزاعي ، وحسين المعلم ، عن يحيى ، عن سالم عنها . ولما ذكره الحافظ أبو الفضل الهروي في علله قال : هذا حديث قد خالف أصحاب يحيى عكرمة ، فرواه علي بن المبارك وحرب بن شداد والأوزاعي عن يحيى ، قال : حدّثني سالم ، وقد قيل في هذا الحديث : حدّثني أبو سالم ، وليس بمحفوظ ، وذكر أبي سلمة في حديث يحيى غير محفوظ ، وقد روي عن أبي سلمة وعائشة من غير رواية يحيى ، ومن غير ذكر سالم فيه . انتهى . وفي كلامه إشعار بأن عكرمة هو المخالف لا غيره ، وليس كذلك ؛ لما ذكره الطبراني في الأوسط حين رواه من حديث عبد السلام بن حرب ، عن هشام عن أبيه عنها ، وقال : لم يروه عن هشام إلا عبد السلام ، تفرّد به عبد المؤمن بن علي . ورواه أيضًا من حديث أبي عبيد بن سلام ، ثنا عمر بن يونس اليماني ، عن عكرمة ، عن يحيى ، حدّثني أبو سلمة حدّثني سالم ، أو قال أبو سالم به ، قال : لم يدخل في إسناد هذا الحديث بين يحيى وسالم أبا سلمة إلا عكرمة ، ولا عن عكرمة إلا عمر بن يونس ، تفّرد به أبو عبيد ، كذا ذكره أبو القاسم في الأوسط . وفي كتاب ابن أبي حاتم ما يشعر بأن اليمامي إنما قال : أبو سالم ، قال أبو زرعة : هكذا روى عمر ، والصحيح رواية الأوزاعي عن الهقل ، وفي كتاب الطيالسي : ويل للأعقاب من النار يوم القيامة .

259

186 - حدّثنا العباس بن عثمان وعثمان بن إسماعيل الدمشقيان قالا : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا شيبة بن الأحنف ، عن أبي سلام الأسود ، عن أبي صالح الأشعري ، قال : حدثني أبو عبد الله الأشعري ، عن خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، وعمرو بن العاص ، كل هؤلاء سمعوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : أتموا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار . هذا حديث قال فيه الترمذي في العلل عن البخاري : هو حديث حسن . ولما سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عنه ، قال : أبو صالح وأبو عبد الله لا يعرف أسماؤهما . ورواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن إسماعيل بن إسحاق الكوفي ، قال : ثنا صفوان بن صالح ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا شيبة ، عن أبي سلام ، عن أبي صالح ، حدّثني أبو عبد الله الأشعري ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلي فجعل لا يركع وينقر في سجوده والنبي - عليه السلام - ينظر إليه ، فقال : أترون هذا لو مات على هذا لمات على غير ملة محمد ؛ ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم ، مثل الذي يصلي ولا يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين ، فما يغنيان عنه ، فأسبغوا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار ، وأتموا الركوع والسجود . قال أبو صالح الأشعري : فقلت لأبّي عبد الله الأشعري : من حدثك هذا الحديث ؟ قال : أمراء الأجناد : خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة ، كل هؤلاء سمعوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم وفي الباب غير ما حديث ، من ذلك : حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء ، ذكره الحافظ أبو بكر بن خزيمة وأبو عبد الله الحاكم من حديث الليث بن سعد عن حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم عنه بزيادة : وبطون الأقدام من النار ، وحكم عليه بالصحة ، وقال أبو عمر : لا علة فيه . وحديث أبي أمامة ذكره الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عنه ، وذكره ابن أبي حاتم في علله من حديث عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم عنه ، وزعم أن أبا زرعة ضعّفه . وحديث أخي أبي أمامة ذكره أيضا أبو القاسم من حديث عبد الواحد بن زياد ، عن ابن سابط ، عن أخي أبي أمامة ، قال : رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- قوما يتوضئون ، فبقي على أقدامهم قدر الدرهم لم يُصِبه الماءُ ، فقال : ويل للأعقاب من النار . ورواه الدارقطني في سننه من حديث عبد الواحد بن زياد ، ثنا ليث ، ثنا ابن سابط ، عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة فذكره . وفيه : فكان أحدهم ينظر ، فإذا رأى موضعا لم يصبه الماء أعاد الوضوء . وفي الأوسط لأبي القاسم من حديث سويد بن سعيد ، ثنا علي بن مُسهر ، وقال : عن أبي أمامة وأخيه ، جمع بينهما من غير شكّ ولا ترّدد في أحدهما ، وكذا ذكره المديني في كتاب الصحابة عنهما . ولما سئل أبو زرعة عن هذا الحديث قال : أخو أبي أمامة لا أعرف اسمه . وحديث أبي ذر خرجه الكجي في سننه من حديث ابن عيينة ، عن عبد الكريم أبي أمية ، عن مجاهد عنه . ولم يسمع منه . قال : أشرف علينا النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن نتوضأ ، فقال : ويل للأعقاب من النار . وحديث مُعَيقِيب رواه البزار ، عن عمرو بن علي ، عن أبي داود ، ثنا أيوب بن عتبة ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عنه قال - عليه السلام - : ويل للأعقاب من النار ، وقال : لا نعلمه يروى عن مُعيقيب إلا بهذا الإِسناد . وقال الترمذي في كتاب العلل : قال البخاري : وحديث أبي سلمة عن مُعَيقيب ليس بشيء كان أيوب لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه ؛ فلا أحدّث عنه ، وضعّفه جدا . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث قال : إنّما هو عن يحيى ، عن سالم سبلان عن عائشة ، ومنهم من يقول : يحيى ، عن أبي سلمة ، عن سالم ، عن عائشة . وحديث الأعمى ذكره الشّافعي في مسنده . فقال : وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأعمى يتوضأ : بطن القدم ، فجعل الأعمى يغسل بطن القدم ، ولا يسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- فَسُمِّى البصير . وقال الثعلبي في تفسيره : فسمي أبا غسِيل ، ورواه أبو موسى في معرفة الصحابة من حديث محمد بن محمود وله صحبة . وحديث أبي سعيد الخدري ذكره أبو إسحاق الشيرازي في كتاب غسل الرجلين ؛ الذي قرأته على الشيخ المسند المعمر علي بن الصلاح - رحمة الله عليه - أخبركم الحافظ صدر الدين إجازة إن لم يكن سماعًا ، عن أبي القاسم عبد المحسن بن عبد الله الحافظ الخطيب الطبري ، أنا والدي أنا الإمام أبو إسحاق ، وأنبأنا به عاليا أبو البدل ، عن ابن المعز ، عن أبي يعقوب عنه . ويشَبه أن يكون في كلامه نظر ؛ لأنّ حديث أبي سعيد ذكره الدارمي ، وليس فيه إلَّا إسباغ الوضوء ، ولا ذكر للأعقاب فيه ، والله أعلم . وفي حديث أبي أمامة وأخيه وأبي ذر وأبي سعيد والأعمى - ردّ على أبي عيسى إذ أغفلهم ، والله أعلم . العُرقوب : موصل القدمين بالساق من الإِنسان . قاله القزاز . زاد الجوهري : هو العصب الغليظ الموتر فوق عَقب الإِنسان ، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها . قال أبو داود : حديث الطرف والمنكب والعرقوب والقلب . قال الأصمعي : كل ذي أربع عرقوباه في رجليه ، وركبتاه في يديه ، قال أبو جعفر : العرب تقول : الكعبان هما العرقوبان . والعقب بكسر القاف : مؤخر القدم وهي مؤنثة ، وحكى بعضهم سكونها ، قال : أراد صاحبها ، فحذف المضاف . وقوله : أرهقنا الصّلاة ، أي : أخرناها حتى كادت تدنو من الأخرى . وقال الخليل : أرهقنا استأخرنا عنها . وقال أبو زيد : أرهقنا عن الصلاة : أخرناها ، وأرهقتنا حانت . وقال النَّضر : أرهقت الشيء غشيته ، ورهقني دنا منّي . وقال ابن الأعرابي : رهقته وأرهقته بمعنى دنوت منه ، وأرهق الحلم : دنا منه . قال عياض : وتكون أرهقتنا بمعنى أعجلتنا لضيق وقتها ، ويقال : أرهقته أعجلته ، ومنه المراهق بالفتح في الحج ، ويقال بالكسر الذي أعجله ضيق الوقت أن يطوف من قبل الوقوف بعرفة .

260

باب غسل العراقيب 181 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن أبي يحيى ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومًا يتوضئون وأعقابهم تلوح ، فقال : ويل للأعقاب من النار ، وأسبغوا الوضوء . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما ، ولفظ البخاري : تخلف النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر . وفي لفظ لمسلم : رجعنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة . وفي مستخرج أبي نعيم وصحيح ابن خزيمة : بيض تلوح لم يمسها الماء .

261

179 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن سليم الطائفي ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صَبرة ، عن أبيه ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع . هذا حديث تقدم الكلام عليه في باب المبالغة في المضمضة مستوعبا .

262

باب تخليل الأصابع 177 - حدثنا محمد بن المصفي الحمصي ، ثنا محمد بن حمير ، عن ابن لهيعة ، حدّثني يزيد بن عمرو المعافري ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن المستورد بن شداد ، قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ، ولفظه : دلك أصابع رجليه بخنصره . وقال البزار : وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد عن المستورد ، قال نحو كلامه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه بغير هذا اللفظ ، وفيما قالاه نظر ؛ لما سنذكره بعد ، وذكره العسكري في معرفة الصحابة ، وشرطه أن يذكر أحسن ما روى ذلك الصحابي فاعرفه . ولما ذكره المنذري وعبد الحق وغيرهما ضعفوه بابن لهيعة ، وتتبع ذلك أبو الحسن علي بن أبي محمد ، فقال : رواه غيره فصح ، وهو ما ذكره ابن أبي حاتم : أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب ، قال : سمعت عمي ، سمعت مالكا يسأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ، فقال : ليس ذلك على الناس ، قال : فتركته حتى خف الناس ، فقلت له : عندنا في ذلك سنة ، فقال : ما هي ؟ قلت : ثنا الليث وابن لهيعة وعمرو بن الحارث ، عن يزيد بن عمرو المعافري ، عن أبي عبد الرحمن فذكره ، فقال : إن هذا الحديث حسن ، ما سمعت به قط إلا الساعة ، ثم سمعته بعد ذلك سُئِلَ ، فأمر بتخليل الأصابع . الثالث : ما ذكرهَ من تفقد سماع ابن أبي حاتم من أحمد بن عبد الرحمن - مردود بأمرين : الأول : أنّ ابن أبي حاتم ليس مدلسا وقد صرح بالتحديث المشعر بالسماع ، وذلك مقبول إجماعًا من المدلسين ، فكيف من غيرهم ؟! ولئن سلمنا له ما قاله من أنه روى عنه بالإجازة كان أيضًا متصلًا عند جماهير أهل العلم من المحدثين وغيرهم ، حتى قالَ أبو الوليد الباجي : لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها ، وادّعى الإِجماع من غير تفصيل ، وحَكى الخلاف في العمل ، ورد عليه ادعاء الإِجماع برواية عن الشافعي رواها عنه الربيع بن سليمان ، ثم قال : وأنا أخالفه في ذلك ، وتبع الشافعي القاضي حسين والماوردي والإِمام أبو إسحاق الحربي وأبو الشيخ وأبو نصر السجزي وغيرهم . الثاني : مجيء هذا الحديث بعينه من غير روايته من طريق صحيحة ، ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب غرائب حديث مالك ، عن أبي جعفر الأسواني ، عن أبي بشر محمد بن أحمد الدولابي قال : ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال : سمعت عمي فذكره ، وذكره أبو عبد الله محمد بن الربيع بن سليمان الجيزي في كتاب من دخل مصر من الصحابة من جهة جماعة عن ابن لهيعة ، منهم : ابن عبد الله بن عبد الحكم وابن وهب . وفي روايتهما عنده ذكر سماع يزيد من أبي عبد الرحمن ، وسماع أبي عبد الرحمن من المستورد ، وكذا ذكره ابن وهب في مسنده ، وأبو عبيد في كتاب الطهور . وأما أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبُلي المعافري ، فمنسوب إلى حبل أخي مُقْرًي بن سبيع بن الحارث بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهَير بن المز بن هميسع بن حمير بن سبأ ، كذا ساق نسبه ابن الكلبي في جامعه وجمهرة الجمهرة والجمهرة وأبو عبيد بن سلام وغيرهما من النسابين ، وخالف في ذلك أبو سعد السمعاني ، فزعم أنه منسوب إلى بني الحُبلي سالم بن غنم بن عوف بن الخزرْج بن حارثة ، وكذلك قاله أبو زيد السهيلي ، وهو وهم منهما ، بينت ذلك في كتابي المسمى بالزهر الباسم بشواهده ، فأغنى عن إعادته هنا ، والله أعلم .

263

178 - حدَثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر ، عن ابن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مَولى التوأمة ، عن ابن عباس ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء واجعل الماء بين أصابع يديك ورجليك . هذا حديث قال فيه الترمذي حين رواه من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى : هذا حديث حسن غريب . وقال في العلل الكبير : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : هو حديث حسن ، وإنَما أخرجته شاهدا ، وأما قول الترمذي : حسن غريب ، فيعني بذلك حسن المتن ؛ لأنه روي نحوه من غير وجه ، والغرابة في الإسناد وهي تفرد ابن أبي الزناد به ، وهو ممن ذكر قبل ما للناس فيه من الكَلام . وأمّا سعد بن عبد الحميد فذكر مهنأ أنه سأل أحمد وابن معين وأبا خيثمة عنه : كيف هو ؟ فقالوا : كان هاهنا في ربض الأنصار يدّعي أنه سمع عرض كتب مالك ، قال أحمد : والناس ينكرون عليه ذلك ، هو هنا ببغداد لم يحج ، كيف سمع عرض مالك . وأمّا صالح بن نبهان فهو ممن قال فيه مالك بن أنس : ليس بثقة ، فلا يأخذون عنه شيئا . وقال أبو زرعة : ضعيف . وقال أبو حاتم : ليس بالقوي ، وكان شعبة لا يروي عنه ، وينهى عنه . واختلف قول يحيى فيه ، فمرة قال : ثقة حجة ، ومرة قال : لم يكن ثقة . وقال ابن حبان : تغيّر سنة خمس وعشرين ومائة ، وجعل يأتي بالأشياء التي تشبه الموضوعات عن الثقات ، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ، ولم يميز ، فاستحق الترك . وقال ابن سَعْد : رأيتهم يهابون حديثه . وقال ابن معين : لقيه مالك بعد ما كبَّر وخرف ، وكذلك الثوري ، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف . وقال ابن عدي : لا بأس به إذا روى عنه القدماء : ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سَعْد وغيرهم ، ومن سمع منه بأخرة وهو مختلط مثل مالك والثوري فغير شيء . وفيما قالاه مخالفة لما ذكره البخاري من أنّ ابن أبي ذئب سمع منه بأخرة . وذكره العقيلي والساجي ويعقوب في الضعفاء ، ورواه أحمد في مسنده من جهة سليمان بن داود الهاشمي ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح : سأل رجل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء من أمر الصلاة ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : خلل أصابع يديك ورجليك - يعني : إسباغ الوضوء - وإذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن ، وإذا سجدت فلتمكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجم الأرض .

264

180 - حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي ، ثنا معَمَّر بن محمد ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، حدثني أبي ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا توضأ حرك خاتمه . هذا حديث ذكره أبو أحمد وضعفه وكذلك أبو الحسن والبيهقي وتبعهم على تضعيفه أبو محمد الإشبيلي وأبو الحسن بن القطان ومحمد بن طاهر وأبو الفرج البغدادي . وابنه معمر : قال ابن معين : ما كان بثقة ولا مأمون . وقال أبو حاتم : رأيته ولم أكتب عنه في سنة ثلاث عشرة ومائتين فخرج علينا وهو مخضوب الرأس واللحية فلم أسأله عن شيء ، فدخل فرآني بعض أصحاب الحديث وأنا قاعد على بابه ، فقال : ما يقعدك ؟ قلت : أنتظر الشيخ أن يخرج ، قال : هذا كذاب . وقال ابن عدي : ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه . وقال صالح بن محمد : ليس بشيء . وقال ابن حبان : ينفرد عن أبيه بنسخة أكثرها مقلوب ، لا يجوز الاحتجاج به . وقال العقيلي : لا يتابع على حديثه ، ولا يعرف إلا به ، وعبد الملك بن محمد أبو قلابة الرقاشي الضرير الرجل الصالح ، وإن كان أبو داود قال فيه : رجل صدوق أمين مأمون ، فقد قال الدارقطني : صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون ، وكان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام منه ، ولما ذكر البيهقي هذا الحديث قال : والاعتماد في هذا الباب على الأثر عن علي وغيره ، ثم روى أثر علي من جهة ابن شمير عن أبيه ، قال : وضأت عليا فكان إذا توضأ حرك خاتمه . ومن جهة الأزرق بن قيس قال : رأيت ابن عمر إذا توضأ حرك خاتمه . وروى ابن أبي خيثمة ، عن يحيى بن عبد الحميد ، ثنا عبيد بن هاشم ، عن عُبَيدة ابنة نابل قالت : رأيت عائشة ابنة سَعْد وفي يدها خاتمان فكانت إذا توضأت حركتهما . وفي غريب الحديث لابن قتيبة من رواية ابن لهيعة ، عن عمرو بن الحارث ، عن عقبة بن مسلم ، عن أبي عبد الرحمن الحبُلي ، عن الصنابحي أن أبا بكر - رضي الله عنه - رأى رجلًا يتوضأ فقال : عليك بالمغْفَلة والمنشلة . قالوا : المغْفلة العنفقة ، سميت بذلك لأن كثيرا من الناس يغفل عنها وعما تحتها ، والمنْشَلَة : موضع الخاتم من الخنصر ، ولا أحسبه سمي بذلك ، إلا أنه إذا أراد غسله نشل الخاتم من ذلك الموضع ، أي : اختلعه منها ، ثم غسله ورد الخاتم . وذكر المديني في كتاب الترغيب ، عن فرقد السبخي أنه قال : رأيت في المنام إصبعي الصغرى تكلمني ، فقالت : ما لي من بين أصابعك أُعذب ؟ قلت : ولم ذاك ؟ قالت : إنك إذا توضأت لا تحرك خاتمك ، قال أبو موسى : وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : ويل للأعقاب من النار ، ومن ترك شعرة لم يصبها الماء من الجنابة فعل الله به كذا وكذا في النار . قال علي : فلذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : وخللوا بين أصابعكم بالماء قبل أن تخللها نيران جهنم في غير ذلك من الأحاديث . وفي كتاب تخليل الأصابع غير حديث سوى ما ذكره أبو عبد الله ، فمن ذلك : حديث أبي هريرة ، رواه الدارقطني من حديث يحيى بن ميمون بن عطاء ، وكان كذابا فيما ذكره ابن أبي حاتم ، عن ليث ، عن مجاهد عنه ، قال - عليه السلام - : خللوا أصابعكم ، لا يخللّها الله يوم القيامة في النار . وحديث عائشة رواه أيضًا من حديث سَنْدل وهو متروك الحديث ، قال ذلك أبو حاتم وغيره ، عن ابن شهاب ، عن عروة عنها قالت : كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ ويخلل أصابعه ويدلك عقبيه ، ويقول : خللوا أصابعكم لا يخلل الله بينها بالنار . وحديث ابن مسعود ذكره ابن أبي حاتم ، فقال : سألت أبي عن حديث رواه زيد بن أبي الزرقاء ، عن الثوري ، عن أبي مسكين ، عن هزيل بن شرحبيل ، عن ابن مسعود قال - عليه السلام - : لينهكن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكها النار ، فقال أبي : رفعه منكر . وحديث أبي أيوب خرجه أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي في إملائه في ربيع الأول سنة ثلاثين وثلاثمائة من رواية ابن البيع عنه ، من حديث رياح بن عمرو ، ثنا أبو يحيى الرقاشي عن ابن أخي أبي أيوب عنه ، قال : خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : حبذا المتخللون بالوضُوء والطعام . وذكره عبد الحميد في مسنده ، أنا يزيد بن هارون ، أنا رياح به . وحديث عثمان الذي عند الدارقطني ، وقد تقدم تصحيحه عن جماعة في باب تخليل اللحية : أنه توضأ فخلل أصابع قدميه ، وقال : رأيت النبي - عليه السلام - فعل كما فعلت . وحديث أبي الدرداء وذكر وضوءه - عليه السلام - وخلل ما بين أصابع رجليه مرتين إلى الكعبين ، ذكره أبو إسحاق بن عبيد في مسنده ، فقال : حدّثني سهل بن إسماعيل ، ثنا سهل بن زنجلة ، ثنا مبشر الحلبي ، ثنا ثابت بن نجيح ، عن الحسن عنه . وحديث الربيع ، ووصفت وضوءه - عليه السلام قالت : ويغسل رجليه مثله ثلاثًا ، فخلل بين أصابعه ، ذكره أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن النعمان بن سالم - يعني عنها - إلا ابن أبي سليم ، ولا عن ليث إلا يزيد بن إبراهيم التستري ، ولا عن يزيد إلا حجاج بن منهال ، تفرد به ابنه عبيد الله بن حجاج . وحديث أنس مرفوعًا : حبذا المتخللون من الوضوء ذكره في تاريخ الموصل من حديثه ، عن أحمد بن علي ، نا ابن عمار ، ثنا عفيف بن سالم ، عن محمد بن أبي جعفر العطار ، عن رقبة عنه . وفي حديث أبي هريرة وعائشة وابن مسعود وعثمان وأنس وأبي الدرداء والربيع وعمار - ردّ لما ذكره الترمذي ، وأغفله حين تعداده الصحابة ، والله أعلم . وكان ابن سيرين وعمرو بن دينار وعروة وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن عيينة وأبو ثور يحرّكون خاتمهم في الوضوء ، ورخص فيه مالك والأوزاعي ، وروي ذلك عن سالم . وقال عبد العزيز بن أبي سلمة وأحمد بن حنبل : إن كان ضيقًا يحيله ، ويدعه إن كان سلسًا . قال أبو بكر : وبذلك نقول .

265

175 - حدّثنا محمد بن زياد ، أنا حماد بن زيد ، عن سنان بن ربيعة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : الأذنان من الرأس ، وكان يمسح رأسه مرة ، وكان يمسح المأقين . هذا حديث مختلف في رفعه ووقفه وتحسينه وتضعيفه . فأمّا أبو داود فذكر في كتاب التفرد ، عن سليمان بن حرب يقولها أبو أمامة ، يعني الأذنين . وأمّا الترمذي فإنه لما ذكره قال : إسناده ليس بذاك القائم . وقال الدارقطني : رفعه وهم ، والصواب أنه موقوف ، ثم ذَكر من تابع شهرا على رفعه ، وهو راشد بن سعد من طريق ابن أبي مريم وهو ضعيف ، والقاسم من طريق جعفر بن الزبير ، وهو متروك ، ولما ذكر ابن عدي طريق راشد هذه ، قال : هذا يعرف من طريق حماد بن زيد ، عن سنان بن شهر ، وحدث به أحمد بن عيسى الخشاب ، عن عبد الله بن يوسف ، عن عيسى بن يونس ، عن ابن أبي مريم هكذا ، والحمل فيه عليه . قال قتيبة : قال حماد : لا أدري هو من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أبي أمامة ، يعني قصة الأذنين . وقال في الخلافيات : ما منها حديث ، يعني الأذنان من الرأس إلا وله علة . وقال البيهقي في السنن الكبير : روى حديث الأذنان من الرأس بأسانيد ضعاف ، أشهرها حديث شهر ، وهو معلل من وجهين : الأول : ضعف بعض رواته ، والآخر دخول الشك في رفعه ، وبنحوه قال الدارقطني ، وفيما قالاه نظر ؛ لأن حديث ابن زيد المذكور أصح من حديث شَهْر وأَشْهر ، ولما سئل موسى بن هارون ، عن حديث أبي أمامة ، قال : ليس بشيء فيه شَهْر ، والحديث في رفعه شك . وقال سليمان بن حريث : الأذنان من الرأس ، إنّما هو من قول أبي أمامة ، فمن قال غير هذا فقد بدل ، أو كلمة قالها سليمان ، أي أخطأ ، ولما ذكره الدارقطني في سننه ، قال : شهر ليس بالقوي ، وقد وقفه ابن حُرب ، عن حماد وهو ثقة ثبت . ولما ذكره الإشبيلي أبرز من إسناده شهرا فقط ، قال ابن القطان : لم يتقدّم له ذكر شهر قبل هذا ، فهو إذا لم يعتمد فيه مقدما قدم ، وشهر قد وثقه قوم ، وضعفه آخرون ، وجنح إلى ترجيح توثيقه كما أسلفناه قبل ، ويرويه عنه أبو ربيعة سنان بن ربيعة ، قال فيه أبو حاتم : شيخ مضطرب الحديث . وقال ابن معين : ليس بالقوي . وقد أخرج له البخاري ، فهذا الذي فسرناه من علة هذا الخبر ، هو الذي لا يصح من أجله عنده ، والله أعلم . وفي كتاب العلل للحنظلي : سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة ، عن سنان بن ربيعة ، عن أنس : أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا توضأ غسل مآقي عينيه قال أبي : روي عن حماد بن زيد ، عن سنان ، عن شَهْر ، عن أبي أمامة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم وحماد بن زيد أحفظ وأثبت من ابن سلمة ، وسنان مضطرب الحديث .

266

باب الأذنان من الرأس 174 - حدّثنا سويد بن سعيد ، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن شعبة ، عن حبيب بن زيد ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : الأذنان من الرأس . هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه ، ولم يلتفت إلى ما أعل به ؛ وذلك أن سويدًا خرج حديثه مسلم في صحيحه محتجًا به ، ووثقه غير واحد . ورمي بالتدليس ، وهو هنا مأمون ، وبالاختلاط لما عمي ، والتلقين وهو هنا معدوم ؛ لأن ابن ماجه أخذ عنه قديمًا . وقول البيهقي في الخلافيات إثر حديث خالف الشّافعي : اختلط بعد أن كتب عنه مسلم ، ولعلّه لو عرف تغيّره ما روى عنه في الصحيح - فكلام لا معنى له ، ولعل الملجئ له إلى ذلك التعصب ؛ لأنه طالما صحح أحاديث من روايته غير مُبيّن فيها سماعًا ولا تحدَّيثا ولا حالا ، بل يحيل على من وثقه ، وتخريج مسلم حديثه ، وقد بين الدارقطني حاله بيانا شافيًا حين سأله حمزة عنه ، فقال : تكلّم فيه ابن معين ، وقال : حدث عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة . رواه عن أبي كريب عن أبي معاوية ، كما قال سويد سواء ، وتخلص سويد ، وصح الحديث عن أبي معاوية ، أنا بذلك المسند المعمر أبو الحسن الصوفي بقراءتي عليه يوم الأربعاء سابع عشرين جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة ، أخبركم الإمام أبو محمد بن ظافر المصري إجازة إن لم يكن سماعًا ، عن الحافظ السلفيَ قال : سمعت المؤتمن الساجي يقول : سمعت إسماعيل بن مسعدة الجرجاني الحافظ يقول : سمعت أبا القاسم حمزة بن يوسف عن إبراهيم الحافظ يقول فذكره ، وقد أشبعت الكلام فيه في كتابي الواضح المبيّن في ذكر من مات من المحبين . وأما قول أبي عيسى الترمذي : قلت للبخاري : فإنهم يذكرون عن سويد بن سعيد ، عن ابن أبي زائدة ، عن شعبة ، عن حبيب بن زيد فذكر كلامًا ، وكان بعده ما صورته وضعفه جدًّا ، وقال : كلما لقّن شيئًا تلقنه وضَعَّف أمره ، فإنما يريد سويدًا لا الحديث ؛ لأنّ مذهبه في سويد معلوم ، وحبيب بن زيد بن خلَّاد حفيد عبد الله بن زيد ، وثقه النسائي وابن حبان ، وقال أبو حاتم الحنظلي : صالح ، وباقي من في الإِسناد لا يسأل عن حالهم .

267

176 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمرو بن الحصين ، ثنا محمد بن عبد الله بن عُلاثة ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : الأذنان من الرأس . هذا حديث ، قال أبو محمد الإشبيلي : لا يصح ، ولم يبيّن لم ذلك ، وهو حديث معلل بأمرين : الأول : عمرو بن الحصين البصري العقيلي ، قال ابن أبي حاتم : سمع منه أبي . وقال : تركت الرواية عنه ، ولم يُحدّثنا بحديثه . وقال : هو ذاهب الحديث ليس بشيء ، أخرج أوّل الشيء أحاديث مشبهة حسانا ، ثم أخرج بعد لابن عُلاثة أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا عنه ، فترك حديثه ، وسئل أبو زرعة عنه عندما امتنع عن التحديث عنه ، فقال : ليس هو في موضع من يحدث عنه ، هو واهي الحديث . وقال أبو الفتح الأزدي : ضعيف جدا ، يتكلّمون فيه ، وقال ابن عدي : حدث عن الثقات بغير حديث منكر ، وهو متروك الحديث . وقال الدارقطني : متروك . وقال في السنن لما ذكر الحديث : عمرو وابن عُلاثة ضعيفان . ثم ذكره من رواية جماعة عن أبي هريرة وضعفها كلّها وأغفل ذكره الحافظ المقدسي في كماله ولا ينبغي له ذلك . الثاني : أبو اليُسير محمد بن عبد الله بن عُلاثة العقيلي ، قاضي بغداد لمحمد بن أبي جعفر ، ويُعرف بقاضي الجن ، وإن كان ابن معين وثقه . وقال ابن سعد : كان ثقة إن شاء الله تعالى . وقال أبو زرعة : صالح ، فقد قال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال البخاري : في حديثه نظر . وقال أبو الفتح الأزدي : لست أقنع من البخاري بهذا ، حديثه يدل على كذبه ، وكان أحد العُضل في التزيد ، وفي موضع آخر : كان واهي الحديث لا يحل كتب حديثه عن الأوزاعي ، وحديثه يدل على كذبه . قال أبو بكر الخطيب : قد أفرط الموصلي في الميل على ابن علاثة ، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن الحصين ، عن ابن علاثة ، فنسبه إلى الكذب لأجلها ، والعلة في تلك من جهة عمرو ؛ فإنّه كان كذابا . وأمّا ابن عُلاثة فقد وصفه ابن معين بالثقة ، ولم أحفظ لأحد من الأئمة فيه خلاف ما وصفه به يحيى . انتهى كلامه . وما ذكرناه من كلام الأئمة يرد قوله . وقال ابن عدي : ابن عُلَاثة حسن ، وأرجو أنه لا بأس به . وقال الدارقطني : عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات ، لا يحل ذكره إلا على جهة القدح فيه ، ورّد به ابن القطّان حديثًا ، وكذلك ابن طاهر ، وردّ حديث : ما عظمت نعمة الله على عبد بقوله : ليس بحجة . ولما ذكر أبو عيسى حديث شَهْر قال : وفي الباب عن أنس لم يزد شيئًا ، وقد تقدّم حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة ، وفيهما رّد لما ذكره . وكذا حديث عبد الله بن عباس القائل فيه عبد الحق : هو ضعيف ، وأنكر ذلك أبو الحسن ، فقال : ليس هو عندي كذلك ، بل إما صحيح وإما حسن ، وبيانه هو ما ذكره الدارقطني ، ثنا محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري بمصر ، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ، ثنا أبو كامل ، ثنا غندر ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : الأذنان من الرأس . حدّثني به أبي قال : ثنا الباغندي ، ثنا أبو كامل بهذا مثله . هذا الإِسناد صحيح بثقة رواته واتصاله ، وإنما أعلّه الدارقطني بالاضطراب في إسناده ، فتبعه أبو محمد على ذلك ، وهو ليس بعلة فيه ، والذي قال فيه الدارقطني : هو أن أبا كامل تفرّد به من غندر ، ووهم فيه عليه ، هذا ما قال ، ولم يؤيّده بشيء ولا عضده بحجة ، غير أنّه ذكر أنّ ابن جريج الذي دار الحديث عليه يُروى عنه عن سليمان بن موسى ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا ، وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان مسند ومرسل . انتهى كلامه . وفي قول ابن القطان ، وحدث به عن غندر أبو كامل والمعمري ، ففي قوله : والمعمري - رّد لما قاله الدارقطني من تفرّد أبي كامل به ، عن غندر . ورواه أيضًا من جهة محمد بن زياد الطحان ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس : سئل - عليه السلام - عن الأذنين الحديث ، وحديث سلمة بن قيس الأشجعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : إذا توضأت فانثر ، وإذا استجمرت فأوتر ، والأذنان من الرأس . ذكره أبو بكر الحافظ في كتاب المدرج من الأحاديث من حديث خيثمة بن سليمان ، عن وزير بن القاسم الجبيلي ، عن آدم ، عن شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف عنه ، قال : قوله في هذا الحديث الأذنان من الرأس - خطأ فظيع ووهم شنيع ، وذلك أنّ المتن المرفوع آخره فأوتر ، حسب لا زيادة عليه ، والوهم في هذا الحديث من وزير ، وهمه على آدم أو من خيثمة ، وهمه على وزير . والحديث في كتاب آدم عن شعبة ، آخره : فأوتر ، وبعده في إثره ، بإسناد آخر عن عبد الله بن عمر : الأذنان من الرأس . فأسقط الناقل لحديث سلمة ما بعده من إسناد حديث ابن عمر ، ووصل منه بلفظ حديث سلمة ، وقد روى معمر والثوري وزائدة وموسى بن مطير وقيس بن الربيع هذا الحديث ، فلم يزيدوا على ما قلت لك . وكذا رواه أبو الوليد ، عن شعبة ، عن منصور ، وروى إبراهيم بن الهيثم البلوي ، عن آدم ، عن شعبة حديث سلمة هذا ، وأتبعه بحديث ابن عمر ، وميّز كل واحد منهما عن صاحبه ، وحديث عبد الله بن عمر ذكره ابن عدي الحافظ من رواية زيد العمي ، عن نافع عنه ، وعن زيد : محمد بن الفضل بن عطية ، قال : ولعلّ البلاء منه ، فإنّه أضعف من زيد ، وذكره أيضا في ترجمة إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع عنه ، قال : وهذا الحديث لم يحدث به عن إسماعيل غير ضمرة ، ولا عن يحيى غير إسماعيل . وقال الدارقطني : رفعه وهم ، والصواب موقوف ، وحديث أبي موسى الأشعري ، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث علي بن سعيد الرازي ، ثنا الأحمر . وقال : لم يروه عن الأشعث إلا علي بن مسهر ، تفرّد به علي بن زياد ، ولا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإِسناد . وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سمعت أبي وذكر حديث علي بن جعفر الأحمر ، عن عبد الرحيم بن سليمان ، عن أشعث ، عن الحسن عن أبي موسى مرفوعا : الأذنان من الرأس ، فقال أبي : ذاكرت أبا زرعة بهذا الحديث ، فقال : حدّثنا إبراهيم بن موسى ، عن عبد الرحيم ، فقال : عن أبي موسى موقوف . ولما ذكره ابن عدي قال : لا أعلم أحدا رفعه عن عبد الرحيم غير علي الأحمر . وحديث عائشة قال فيه الدارقطني : إرساله أصح ، وحديث علي ذكره الدبوسي في الأسرار ، وحديث جابر بن عبد الله وسمرة بن جندب ذكرهما البيهقي في كتاب الخلافيات ، وأعلهما ، وعمم أبو محمد بن حزم بضعف سائر الأحاديث الّتي في الباب ، ووهاها ، وفيه نظر لما أسلفناه . قال أبو عمر في كتاب التمهيد : قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم وأشهب وغيرهم : الأذنان من الرأس ، إلا أنه قال : يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس ، فوافق الشافعي في هذا ؛ لأن الشافعي قال : يمسح الأذنين بماء جديد كما قال مالك ، ولكنه قال : هما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس ، واحتج بحديث ابن جدعان : أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ لهما ماء جديدا ، وكذلك روى : أنه - عليه السلام - مسح ، ومسك مسبحتيه لأذنيه ذكر ذلك أبو زيد ، وفي حديث عبد الله بن زيد المصحح إسناده عند البيهقي دلالة واضحة للشّافعي ، وهو : وأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه . وذكره أبو عبد الله بن البيع في النوع الخامس والعشرين من علوم الحديث بسند صحيح ، أنبأنا بذلك المسند المعمر أبو النون الدبوسي بقراءتي عليه ، عن ابن المقرئ ، أنبأنا الحافظ محمد بن ناصر السلامي عن ابن خلف أنا الحاكم قراءة عليه ، قال : أنا أبو علي الحافظ ، ثنا أبو الطاهر المديني بمصر ، ثنا حرملة بن يحيى ، ثنا ابن وهب ، ثنا عمرو بن الحارث ، عن حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد ، فذكره ، وقال : هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ، ولم يشركهم فيها أحد . ورواه الترمذي بهذا الإسناد بلفظ : مسح رأسه بماء غير فضل يديه وقال : حسن صحيح . كذا قالَ : مسح رأسه ولم يذكر الأذنين . وكذا حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان إذا توضأ يعيد إصبعيه في الماء فيمسح بهما أذنيه . وقال عبد الحق : روى هذا ابن جارية ، عن أبيه ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : تجديد الماء للأذنين ، وهو ضعيف ، وزعم ابن القطان أنه حديث لا وجود له أصلًا . وقال أبو عمر : وقول أبي ثور في ذلك كقوله سواء . وقال أحمد بن حنبل كقول مالك . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : الأذنان من الرأس يمسحان مع الرأس بماء واحد . وروي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين مثل هذا القول . وقال ابن شهاب : الأذنان من الوجه . وقال الشعبي : ما أقبل منهما من الوجه ، وظاهرهما من الرأس ، وبه قال الحسن بن حي وابن راهويه . وحكى ابن راهويه هذا القول عن الشافعي ، والمشهور ما تقدّم ذكره ، رواه عنه المزني والربيع والبويطي والزعفراني وغيرهم ، وقد روي عن أحمد مثل قول الشعبي وإسحاق . وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن ، وإن لم يمسح فلا شيء عليه ، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق ، فإنّه قال : إن ترك مسح أذنيه عمدا لم يجزه . وقال أحمد : إنّ تركهما عمدًا أحببت أن يعيد ، وقد كان علي بن زياد صاحب مالك ، يقول : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدًا أعاد ، وهذا عند الفقهاء ضعيف ، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر ، ولو كان ذلك كذلك لم يُعرف الفرض الواجب من غيره . واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدا ؛ بأنّ ابن عمر كان يفعل ذلك ، وحجة أبي حنيفة حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كذلك فعل ، وحديث الصنابحي حيث قال - عليه السلام - : فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، كما قال في الوجه : من أشفار عينيه ، وفي اليدين : من تحت أظفاره . ومن المعلوم أن العمل في ذلك واحد بماء واحد ، واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود ، عن ابن عباس ، ومسح برأسه مسحة واحدة ، وأكثر الآثار على هذا ، وحجة من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه ، ويمسح باطنهما مع الرأس أن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه ، وهو مأخوذ من المواجهة ، فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب غسله ، وأمر عز وجل بمسح الرأس وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس ؛ لأنهما في الرأس فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس ، وهو قول ترده الآثار الثابتة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما من حديث علي وابن عباس وغيرهما . وحجة ابن شهاب أنهما من الوجه ؛ لأنه ما لم ينبت عليه الشعر فهو من الوجه ، لا من الرأس إذا أدركته المواجهة ، ولمن يكن قفا ، والله تعالى قد أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا . وفي حديث عثمان : فأخذ ماء فمسح برأسه وأذنيه ، يغسل ظاهرهما وباطنهما . ومن الحجة له أيضًا ما صح عنه - عليه السلام - : أنّه كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه فشق سمعه وبصره ، فأضاف السمع إلى الوجه . وحجة الشافعي في قوله : إن مسحهما سنة على حيالهما -إجماع العلماء على أنّ الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر . قال أبو محمد : ولا يختلف أحد في أنّ البياض الذي بين منابت الشّعر من الرأس وبين الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء . فمن المحال أن يكون بين أجزاء رأس الحي عضو ليس من الرأس ، وأن يكون بعض رأس الحي مباينًا لسائر رأسه ، وأيضًا لو كانا من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح الرأس ، وهذا لا يقوله أحد . وحكى الخطابي أن قوله - عليه السلام - : الأذنان من الرأس - له تأويلان : أحدهما : يمسحان مع الرأس تبعًا له ، والآخر : أنهما يمسحان كما يمسح الرأس ولا يُغسلان كالوجه ، وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب ، لا إضافة تحقيق ، وإنما هو في معنى دون معنى ، كقوله : مولى القوم منهم ، أي في حكم النصرة والموالاة دون حكم النسب واستحقاق الإرث ، ولو أوصى رجل لبني هاشم لم يعط مواليهم ، ومولى اليهودي لا يؤخذ بَالجزية ، وفائدة الكلام ومعناه عندهم إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل ، وقطع الشبه فيها لما بينهما من الشبه في الصورة ، وذلك أنهما وجدتا في أصل الخلقة بلا الشعر ، وجُعلتا محلا لحاسة من الحواس ، ومعظم الحواس محلها الوجه ، فقيل : الأذنان من الرأس ؛ ليعلم أنهما ليسا من الوجه .

268

باب ما جاء في مسح الأُذُنين 171 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبد الله بن إدريس ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسح أذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه ، فمسح ظاهرهما وباطنهما . هذا حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن عبد الله بن سعيد الأشج ، عن ابن إدريس ، ولفظه : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ، وغرف غرفة ، فمضمض واستنشق ، ثم غَرف غرفة فغسل وجهه ثم غَرف غَرفة فغسل يده اليمنى وغرف غرفة فغسل يده اليسرى وغرف غَرفة فمسح رأسه وباطن أذنيه وظاهرهما وأدخل إصبعيه فيهما ، وغرف غرفة فغسل رجله اليمنى وغَرف غَرفة فغسل رجله اليسرى . وخرجه ابن منده أيضًا وابن حبان عن أبي يعلى ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن إدريس مطولًا . ولما خرجه الترمذي قال : حديث حسن صحيح ، وصححه الطبري بسنده في تهذيب الآثار .

269

173 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا الوليد ، ثنا حريز بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن المقدام بن معديكرب : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ فمسح برأسه وأذنيه ، ظاهرهما وباطنهما . هذا حديث لما ذكره أبو محمد الإشبيلي من عند أبي داود سكت عنه فإنها على قسمين : إما بإسقاط الثقات ، وإما بإسقاط الضعفاء ، كما أن التدليس أيضًا إمّا بإسقاط الثقات وإما بإسقاط الضعفاء ، فما كان من التدليس والتسوية بإسقاط الضعفاء ينقسم قسمين : قسم هو إسقاط ضعفاء عنده وعند غيره ، فهذا إذا فعله يكون به مجرَّحًا ، وقسم هو إسقاط قوم ضعفاء عند غيره ، ثقات عنده ، وهذا لا يكون به مجرحًا ، ومن هذا القبيل هو قول الدارقطني المحكي عن الوليد ، أعني : أن يكون يُسقط من بين الأوزاعي وبين أشياخه الثقات قومًا روى عنهم الأوزاعي ، وهم عند الوليد ثقات ، وكان غيره يضعفهم ، فلا يكون بعلمه المذكور مضعفا . والله أعلم . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأوّل : قوله : الوليد لم يقل في هذا الحديث : ثنا ، ولا ذكر عن حريز أنّه قال ذلك ، وهو ذهول شديد عن الكتاب الذي نقل منه ، أعني كتاب السنن ، فإنّ لفظه : ثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي ، عن الوليد ، عن حريز ، عن عبد الرحمن ، عن المقدام ، ثم قال : قال محمود : أخبرني حريز ، ثم رواه بعدّ عن محمود ، وهشام بن خالد ، قالا : ثنا الوليد بهذا الإِسناد ، قال : ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، زاد هشام : وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه ، فأحال أبو داود على الإسناد الأول . وقد صَرح محمود فيه بقول الوليد : أخبرني حريز ، وروى أبو المغيَرة ، عن حريز قال : حدّثني عبد الرحمن بن ميسرة قال : سمعت المقدام فذكره ، وفيه : ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما . فعلى هذا الحديث إسناده واحد ، اختلف في بعض ألفاظه ، وفي اختصاره وإكماله ، فإذا كان واحدا فبرواية محمود عن الوليد يزول التدليس ، وبرواية أبي المغيرة عن حريز تزول التسوية ، وكذلك رواه أبو جعفر الطحاوي ، عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : ثنا حريز بن عثمان ، وكذا أسلفناه من عند ابن ماجه . الثاني : عيبه الوليد بالتدليس والتسوية ، وهو كما قال ، ولكن وقع لنا من غير روايته ، ذكرها بعد هذا الحديث أبو داود أيضا : من حديث الإمام أحمد بن حنبل ، ثنا أبو المغيرة ، ثنا حريز ، قال : حدّثني عبد الرحمن ، سمعتَ المقدام فذكره بلفظ : فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما . تابع الوليد على روايته ، فكأنّ روايته لم تكن ، فإن اعترض معترض بأنّ حديث الوليد فيه ذكر الصماخ ، وهذا لا ذكر له فيه ، فالجواب ما أسلفناه من أنّه حديث واحد ، اختلف في اختصاره وإكماله ، وأنه روي بالمعنى ، فإدخال أصبعه لمسح باطن الأذنين هو معنى قوله : وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه . ويوضح ذلك قول الطبراني في الكبير إثر حديث أبي المغيرة ، ثنا هاشم بن مرثد ، ثنا صفوان بن صالح ، ثنا الوليد ، عن حريز ، عن ابن مَيسرة ، عن المقدام مثله ، ويؤيده حديث الربيع : وأدخل إصبعيه في جحري أذنيه الخامس : سكوته عن علة إن صحت كانت قادحة ، بخلاف ما ذكره من العلل ، ذكرها العسكري أبو أحمد ، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي أن المقدام بن معديكرب وفد على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقام بالمدينة أربعين يوما ثم هلك ، فعلى هذا يكون حديث عبد الرحمن بن ميسرة عنه منقطعًا ؛ لأنه ليس صحابيًا ، وإنما وفدت الوفود سنة تسع ، والله أعلم . ولما ذكر أبو عيسى حديث ابن عباس قال : وفي الباب عن الربيع ، وأغفل حديث الباب وحديثًا ذكره ابن وهب في مسنده ، فقال : ثنا أسامة بن زيد الليثي ، عن عطاء بن أبي رباح : أنّ عثمان مسح على باطن أذنيه وظاهرهما ، وقال : هكذا رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ . وذكره أيضًا القاضي أحمد بن علي في مسنده ، وهو قطعة من حديث تقدم الكلام عليه قبل من هذه الطريق المنقطعة ، ومن حديث عامر بن شقيق ، عن أبي وائل عنه ، وحديثًا عند أبي عوانة من جهة عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أنّ رجلا أتى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : كيف الطهور ؟ فدعى النبي عليه السلام بماء فتوضأ فأدخل أصبعيه السبابتين أذنيه ، فمسح بإبهاميه باطن أذنيه ، وبالسبابتين ظاهر أذنيه . وحديثا في المستدرك ذكره في الشواهد الصحاح ، وصححه الطبري أيضا بسندهما من جهة حميد ، عن أنس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ فمسح باطن أذنيه وظاهرهما . ثم قال : زائدة بن قدامة ثقة مأمون ، وقد أسنده عن الثوري ، وخالفه البيهقي ، فزعم أن صوابه الوقف . وحديثًا عند البغوي من جهة عمرة قالت : سألت عائشة عن الأذنين ، قالت : هما من الرأس ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على أذنيه ظاهرهما وباطنهما إذا توضأ . رواه عن طالوت ، ثنا اليمان أبو حذيفة عنها ، ولما ذكره الدارقطني أعله بقوله اليمان : ضعيف . ورواه النسائي في كتاب الكُنى من حديث سالم سبلان عنها ، وأرته وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم وفيه : ومسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره ، ثم أمرت يديها بأذنيها ، ثم مرت على الخدين . وحديثا عند البزار من جهة أبي الخنافس محمد بن حجر ، وهو ضعيف عن سعيد بن عبد الجبار ، عن أبيه ، عن أمه ، عن وائل بن حجر ، قال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأتي بإناء فيه ماء ، فذكر وضوءه ، ثم قال : وغسل باطن أذنيه وأدخل أصبعيه في باطن أذنيه الحديث .

270

172 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن الحسن بن صالح ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه . هذا حديث تقدّم الكلام على سنده ، وأن ابن القطان رجحه على حديث المقدام ، وسكت عنه أبو محمد حين إيراده ، وذكره بحشل في تاريخه من حديث ليث بن أبي سليم ، عن النعمان بن سالم عنها ، ولفظها : فغسل أذنيه ظاهرهما وباطنهما ، وعظومهما مع الوجه .

271

87 - حدّثنا هشام بن عمار ، ثنا مسلمة بن علي ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : مرّ رجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول ، فسلّم عليه فلم يرد ، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض ، فتيمم ، ثم ردّ عليه السلام . هذا حديث قال فيه أبو القاسم الطبراني لما ذكره في الأوسط من حديث هشام : لم يروه عن الأوزاعي إلا مسلمة ، تفرّد به هشام

272

89 - حدّثنا عبد الله بن سعيد ، والحسين بن أبي السري العسقلاني ، قالا : ثنا أبو داود ، عن سفيان ، عن الضحاك بن عثمان ، عن نافع ، عن ابن عمر : مرّ رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول ، فسلم عليه ، فلم يرد عليه . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه . وقال فيه الترمذي : صحيح ، وهو أحسن شيء في الباب . وقال ابن منده : هذا إسناد صحيح ، خرجه الجماعة إلا البخاري للضحاك بن عثمان ، وأخرجه أيضًا أبو عوانة في صحيحه . وقال أبو داود بإثر تخريجه : وروي عن ابن عمر وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمّم ، ثم ردّ على الرجل السلام . وفي الأوسط لأبي القاسم ما يدل على أن الضحاك رواه عن نافع مختصرًا ، وهو ما رواه من حديث محمد بن ثابت ، عن نافع قال : انطلقت مع ابن عمر في حاجته إلى ابن عباس ، فقضى ابن عمر حاجته من ابن عباس ، وكان حديثه يومئذ أن قال : مرّ رجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في سكة من السكك ، وقد خرج من بول أو غائط ، فسلّم عليه فلم يرد عليه السلام ، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط ، فمسح وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى بيده على الحائط فمسح ذراعيه ، ثم رد على الرجل السلام ، وقال : إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن على طهر . وقال : لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا محمد بن ثابت ، وسيأتي له مزيد بيان في كتاب التيمم ، وأن أبا داود خرجه . ورواه الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في مسنده ، عن إبراهيم بن محمد : أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رجلًا مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول ، فسلم عليه الرجل ، فرد عليه السلام ، فلما جاوزه ناداه النبي - عليه السلام - فقال : إنما حملني على الردّ عليك خشية أن تذهب فتقول : إني سلّمت على النبي - عليه السلام - فلم يرد علي ، فإذا رأيتني على هذه الحالة ، فلا تسلم علي ، فإنك إن تفعل لا أردّ عليك . وهذا لو صح إسناده ، وسلم من إبراهيم لكان مخالفًا للأول ، ولَكنّه عدم الصحة ، وقد وقع لنا من طريق سالمة من إبراهيم ، ذكرها البزار في مسنده ، فقال : ثنا سعيد بن سلمة ، ثنا أبو بكر ، فصح الحديث والمخالفة ؛ ولهذا ، ولكن حديث مسلم أصح ، ولعلّه كان ذلك في موطنين ، وإنما قال ذلك لأجل المعارضة الظاهرة . واعترض عليه أبو الحسن بن القطان بأن قال : ما قاله عبد الحق تصحيح للخبر مطلقا نطقا لا سكوتا ، وإن كان رجح عليه حديث مسلم ، فقد يُرجح في ذلك ، والتمس له مخرجًا بجعله إيّاه في موطن آخر وقصة أخرى . وهذا الذي ذكره في أبي بكر ينبغي أن يتوقف فيه ؛ فإنه لا يعلم منه أكثر من أنه من ولد عبد الله بن عمر ؛ فمن أين له هذا النسب ؟ وأنّه الذي روى عنه مالك ، وقد كان مانعا له من أن يقول ذلك ، لو ثبت أنَّ الذي في الإِسناد يروى عن نافع ، والذي توهمه أنه معلوم الرواية عن ابن عمر ، روى عنه مالك ، وابن طهمان ، وإسحاق بن شرفَى ، وعبيد الله بن عمر . انتهى كلامه . وفيه نظر ، وذلك أنَّ عبد الحق - رحمه الله تعالى - احترز بقوله فيما أعلم ، فسلم من هذا الإِيراد ؛ لكونه لم يجزم به ، وعلى ذلك فهو كما قاله . صرّح بذلك الإِمام الشافعي كما سبق ، وناهيك به جلالة ونُبلا ، ولعل قائلا يقول : إنّما ساق نسبه إبراهيم ، وهو ضعيف لا يحتج به ، فلو استظهرت على ذلك بكلام عنه لثلج بذلك الصدر ، فيقال له : قد ذكر ذلك غير واحد في مصنفه ، منهم : ابن الجارود في كتاب المنتقى ، فقال : ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الله بن رجاء ، ثنا سعيد - يعني ابن سلمة - حدّثني أبو بكر ، هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . فذكره . وكذلك أبو العباس السراج في مسنده ، فقال : نا محمد بن إدريس ، نا ابن رجاء ، ثنا سعيد ، ثنا أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثنا نافع . فذكره . فذهب بحمد الله ما توهمه على أبي محمد ، وصحَّ بما ذكرناه الحديث ؛ لأن سعيدا وأبا بكر حديثهما في الصحيح ، والله أعلم . وأما المعارضة فيحتمل أن يكون الرد كان بعد التيمم ، كما جاء في رواية غير أبي بكر ، عن نافع . وزعم الطحاوي في شرح الآثار أن حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء ، وقيل : بحديث عائشة : كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه ، وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث رواه جابر الجعفي ، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حزم ، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء ، عن أبيه قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الماء ، نكلّمه فلا يكلّمنا ، ونسلم عليه فلا يسلم علينا ، حتى نزلت آية الرخصة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، وزعم الحسن أنه ليس منسوخا ، وتمسك بمقتضاه فأوجب الطهارة للذكر ، ومنعه للمحدث ، ثم ناقض بإيجابه للتسمية للطهارتين ، فإنه مستلزم لإيقاع الذكر حالة الحدث ، وروي عن عمر إيجاب الطهارة للذكر . وقيل : يتأوّل الخبر على الاستحباب ؛ لأن ابن عمر راويه رأى ذلك ، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود ، وهو حسن إن لم يثبت حديث جابر الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلة . وفي حديث جابر بن سمرة ذكر الوضوء لا التيمم . ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث الفضل بن أبي حسان ، ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، نا أسباط بن نصر ، عن سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة قال : دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول ، فسلمت عليه فلم يردّ علي ، ثم دخل إلى بيته فتوضأ ثم خرج ، فقال : وعليك السلام قال : لا يُروَى عن جابر إلا بهذا الإِسناد . تفرد به الفضل . وذكر الخطابي أن السلام الذي يتحيّا به الناس اسم من أسماء الله عز وجل ، جاء ذلك في حديث رواه أبو هريرة مرفوعا : السلام اسم من أسماء الله تعالى ، فأفشوه بينكم ، كذا ذكره ، والذي رأيت في حديث أبي هريرة : السلام اسم من أسماء الله تعالى ، وضعه في الأرض تحية لأهل ديننا ، وأمانًا لأهل ذمتنا ، قال فيه الطبراني في الأوسط : لم يروه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، يعني عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، إلا عصمة بن محمد الأنصاري ، تفرد به محمد بن يحيى الأنيسي . وذكر الحليمي في المنهاج معنى السلام : السالم من المعايب ؛ إذ هي غير جائزة على القديم ، فإن جوازها على المصنوعات ؛ لأنّها أحداث وبدائع ، فكما جاز أن يوجدوا بعد أن لم يكونوا موجودين ، جاز أن يعدموا ما وجدوا ، والقديم لا علّة لوجوده ، فلا يجوز التغير عليه ، ولا يمكن أن يعارضه نقص ، أو شين ، أو تكون له صفة تخالف الفضل والكمال . وفي كتاب القزاز : وقول القائل : السلام عليكم ، يريد اسم الله عليكم ، قال لبيد يخاطب ابنته : إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر يريد : اسم الله عليكم . وقيل : معنى السلام عليك ، أي : سلمت مني لا أنالك بيدي ولا لساني . وقيل : معناه السلامة من الله . وقيل : هو الرحمة . وقيل : هو الإيمان . وقيل : الصلح . قال الخطابي : وفي الحديث من الفقه أن يتيمم لغير مرض ، ولا جرح ، وإليه ذهب الأوزاعي في الجنب يخاف إن اغتسل أن تطلع الشمس ، قال : يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت ، وبه قال مالك في بعض الروايات . ومذهبنا أن ذلك في الجنازة والعيدين . قال أبو سليمان : وفيه حجة للشّافعي فيمن كان محبوسًا في حَش أو نحوه ، فلم يقدر على الطهارة بالماء ، أنه يتيمم ويصلي على حسب الإِمكان ، إلَّا أنه لا يرى عليه الإعادة إذا قدر عليها ، وكذلك قال في المصلوب ، وفيمن لا يجد ماءً ولا ترابًا ، إلَّا أنه يعيد . وفيه المنع من ذكر الله تعالى على الخلاء ، ولو بسبب ، كالعطاس والموافقة في الأذان ، وهو مذهبنا ومذهب الشّافعي وأحمد ، خلافًا لقوم من السلف ومالك في حمد العاطس .

273

الرجل يسلم عليه وهو يبول 86 - حدّثنا إسماعيل بن محمد الطلحي ، ثنا روح بن عبادة ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن بن حضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة أبي ساسات الرقاشي ، عن المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جذعان ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ فسلّمت عليه ، فلم يرد عليّ ، فلما فرغ من وضوئه ، قال : إنه لم يمنعني من أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء . هذا حديث قال فيه الحاكم لما أخرجه في مستدركه من حديث عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، وعبد الله بن خيران ، قالا ثنا سعيد به : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ . وفيه نظر من وجهين : . الثاني : ينظر في سعيد ؛ فإنه ممن اختلط اختلاطًا قبيحًا ، ولا نعلم من سمع منه أولا ممن سمع منه أخيرًا ، ولم يذكر الحديث من رواية غيره ليكون متابعا له ، والله أعلم . وذكره ابن حبان في صحيحه : عن ابن خزيمة ، ثنا محمد بن مثنى ، ثنا عبد الأعلى به . ورواه أبو أحمد العسكري من حديث مكي بن إبراهيم ، عن سعيد ، وزاد : ولا تسلم علي وأنا في مثل هذه الحالة ، فإنّك إن سلّمت علي لم أرد عليك . وذكر البغوي في معجمه أن معاذ بن معاذ رواه عن قتادة ، عن حضين من غير ذكر الحسن . قال : ورواه الخفاف ، فأثبت فيه الحسن ، كذا قال . والبزار ذكر رواية معاذ بن معاذ عن ابن مثنى عنه بثبوت الحسن ، وكذلك ذكره أبو القاسم في الكبير من حديث معاذ بن هشام ، والله أعلم . وهذا الحديث معدود مما جوده قتادة ، ورواه عنه شعبة والدستوائي ، كما رواه ابن أبي عروبة ، فذهب ما كنا نخشاه من اختلاطه ، فكأنه غير موجود ، والله أعلم . وقد روي عن الحسن عن مهاجر مرسلا فيما ذكره الطبراني ، قال ذلك عنه حميد ، ويونس ، وعبد الله بن المختار ، وزياد الأعلم ، وأبو عبيدة بن مجاعة ، والحسن بن دينار ، فيما ذكره ابن قانع ، ولفظه : فقمت مهمومًا ، فدعا بوضوءٍ فتوضَّأ ورد عليّ ، وقال : إني كرهت أن أذكر الله تعالى وأنا على غير وضوء . ورواه أبو عبيدة الناجي ، وهو ليِّن الحديث عن الحسن عن البراء ، مخالفا لرواية الجميع ، وحضين هذا بضاد معجمة ، اسم مفرد فيما قاله البرذعي ، وقيل فيه : بصاد مهملة ، وهو قليل ، كنيته أبو محمد ، ولقبه أبو ساسان فيما ذكره الحاكم ، وأبو حاتم ، والسراج في مسنده ، وابن حبان ، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي ، وفيه يقول ، وكانت رايته معه : لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قيل قدمها حضين تقدّما وفي التاريخ الأوسط للبخاري : وقال علي بن سويد بن منجوف : تعيشنا مع يزيد بن المهلب ومعنا حضين ، ذكر ذلك في ترجمة مَنْ مات بين المائة إلى عشر ومائة . وأما المهاجر فاسمه عمرو ، قال العسكري : سُمّي بذلك لما قَدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح ، فقال - عليه السلام - : هذا المهاجر حقًّا . وبنحوه قاله ابن سعد : ابن قنفذ ، واسمه خلف ، قال الطبراني : يقال له : شارب الذهب ، أيضًا ابن عمير بن جذعان .

274

88 - حدّثنا سويد بن سعيد ، نا عيسى بن يونس ، عن هاشم بن البريد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله : أنّ رجلا مرّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول فسلم عليه ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي ، فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك . هذا حديث إسناده لا بأس به . هاشم وثقه ابن معين وابن حبان ، وقال الإِمام أحمد : لا بأس به ، وابن عقيل تقدّم ذكره ، وأن جماعة كانوا يحتجون بحديثهم ، منهم : أحمد ، وإسحاق ، مع ما عضد حديثه من المتابعات والشواهد ، والله أعلم .

275

باب ما جاء في مسح الرأس 166- حدثنا الربيع بن سليمان ، وحرملة بن يحيى قالا : ثنا محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه- أنا مالك بن أنس ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، أنه قال لعبد الله بن زيد ، وهو جد عمرو بن يحيى : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ ؟ فقال عبد الله بن زيد : نعم ، فدعا بوضوء ، فأفرغ على يديه ، فغسل يديه مرتين ، ثم تمضمض ، واستنثر ثلاثًا ، ثم غسل وجهه ثلاثًا ، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ، ثم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما ، وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ، ثم غسل رجليه . هذا حديث خرجه الجماعة في كتبهم ، وقال ابن منده بعد ما أخرجه من حديث مالك : وهذا إسناد مجمع على صحته ، رواه جماعة عن عمرو ، ولم يذكر واحد منهم في صفة مسح الرأس أنه مسح جميع الرأس إلا مالك بن أنس . انتهى كلامه . وفيه نظر لما ذكره ابن وهب في مسنده ، ثنا يحيى بن عبد الله بن سالم ، ومالك عن عمرو ، وفيه : أنه أخذ بيديه ماء ، فبدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بيديه إلى مؤخر الرأس ، ثم ردهما إلى مقدمه ، وهذا يقتضي متابعة يحيى بن عبد الله لمالك في هذه الصفة ، وهو ممن أخرج مسلم حديثه في صحيحه ، ولما ذكره ابن خزيمة في صحيحه ، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، ثنا ابن عيينة عن عمرو بن يحيى ، وفيه : ثم مسح برأسه ، وبدأ بالمقدم . وفي رواية خالد عنه عند أبي داود نحوه . وفي سنن النسائي عن ابن زيد : ومسح برأسه مرتين ، وفي صحيح ابن حبان عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن يحيى : ومسح برأسه ، فأقبل بيديه وأدبر . قال ابن عبد البر : وهم ابن عيينة فيه في موضعين : الأول : قوله : عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، وهو خطأ ، إنما هو عبد الله بن زيد بن عاصم ، وأما ابن عبد ربه فهو الذي أري الأذان ، وليس هو الذي يروي عنه يحيى بن عمارة هذا الحديث ، وعبد الله بن زيد بن عاصم هو عم عباد بن تميم ، وهو أكثر رواية من ابن عبد ربه ، وقد كان أحمد بن زهير يزعم أن إسماعيل بن إسحاق وهم فيهما ، فجعلهما واحدًا ، والغلط لا يسلم منه أحد . الثاني : ذكر المسح على الرأس مرتين ، وأظنه والله أعلم تأول الحديث : فمسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر ، وما ذكرناه عن ابن عيينة فمن رواية مسدد ، ومحمد بن منصور ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وأما الحميدي فإنه ميَّز ذلك ، فلم يذكره ، أو حفظ عن ابن عيينة أنه رجع عنه ، قال : وليس هذا الحديث في نسخة القعنبي ، فإما أسقطه ، وإما سقط . انتهى. وفي ذلك نظر من حيث كونه موجودًا عنده ، نص على ذلك أبو الحسن الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ ، وأما قوله : إن سفيان تفرد بقوله : ابن عبد ربه ، فليس كذلك ، لما ذكر أبو قرة السكسكي في مسنده : ذكر ابن جريج أخبرت عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عمه أنه قال لعبد الله بن زيد ، فذكر الحديث ، وفي آخره : وعبد الله بن زيد الأنصاري هو الذي أري الأذان بالصلاة . وفي كتاب الصحابة لأبي موسى المديني عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن عمه عمرو بن أبي حسن قال : رأيت النبي - عليه السلام - توضأ ، فمضمض ، واستنشق واحدة .

276

168- حدثنا هناد بن السري ، ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن أبي حية ، عن علي : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسح رأسه مرة . هذا حديث صححه أبو محمد الفارسي باحتجاجه به ، وخرَّجه أبو داود في سننه بغير إنكار له عن عمرو بن عون ، أنا أبو الأحوص ، ولفظه : رأيت عليًا توضأ فذكر وضوءه كله ثلاثًا ثلاثًا ، قال : ثم مسح رأسه ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ، ثم قال : إنما أحببت أن أريكم طهور النبي عليه السلام . قال ابن العبد : قال غير أبي داود : أخطأ فيه محمد بن القاسم الأسدي ، فقال : عن الثوري عن أبي إسحاق عن حية ، وإنما هو أبو حية ، وتقدم من حديث عبد خير عن علي قبل بما فيه كفاية . وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم تصحيح حديث أبي الأحوص عن أبي حية على حديث أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ، وكذا الدارقطني بقوله : ورُوي عن أبي إسحاق عن حية عن علي ، وهو وهم ، وعن أبي إسحاق ، عن عبد خير ، وحية ، وعن أبي إسحاق ، عن أبي حية ، وعبد خير ، وعن أبي إسحاق عن أبي حية ، وعمرو ، ورُوي عن أبي إسحاق عن أبي يحيى ، وهو وهم ، إنما أراد أبا حية ، وعن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب ، وعن أبي إسحاق وهذا هو والله أعلم الملجئ لابن السكن إلى تصحيحه ، واعتمد ذلك أبو محمد الإشبيلي بسكوته عنه مصححًا له . وقال الترمذي : هو أحسن شيء في الباب ، وذكره الشيخ ضياء الدين في صحيحه ، وقال البغوي في شرح السنة : هو حديث حسن ، وأما أبو حية فذكره أبو عمر بن عبد البر في قسم الذين لا تعرف أسماؤهم ، وكذا الحاكم ، وابن سعد ، ومسلم في الوحدان ، وابن أبي حاتم ، وخالف ذلك أبو حاتم البستي ، فإنه لما ذكره في الثقات سماه : عمرو بن عبد الله ، وقال الأمير أبو نصر بن ماكولا : مختلف في اسمه ، فيقال : عمرو بن نصر ، ويقال : عامر بن الحارث ، والله أعلم

277

170 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن عقيل ، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ، قالت : توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمسح رأسه مرتين . هذا حديث سبق الكلام عليه ، قال أبو عمر : وهو مختلف في ألفاظه . وفي كتاب أبي القاسم الأوسط : ومسح برأسه ، يعني مرة ، وقال : لم يروه عن الحسن بن عياش عنها إلا عبد الرحمن بن يونس ، تفرد به العباس بن محمد بن حاتم ، وفيه أيضًا : مسح رأسه بفضل ماءٍ كان في يده ، فبدأ بمؤخر رأسه ، ثم جره إلى قفاه ، ثم جره إلى مؤخره ، وقال : لم يروه عن سفيان ، يعني الثوري ، عن ابن عقيل ، إلا عبد الله بن داود الخريبي ، وفي حديث أبي داود عنها : فمسح الرأس كله من فرق الشعر كل ناحية لمنصب الشعر ، لا يحرك الشعر عن هيئته . وفي كتاب الطحاوي عنها : فمسح رأسه على مجاري الشعر ، ومسح صدغيه وأذنيه ، وقد ذكر في كيفية مسح الرأس غير ما تقدم ، ففي حديث أبي هريرة المذكور عند ابن قانع من حديث إسماعيل بن مسلم عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عنه يرفعه : إذا مسح رأسه وضع يده على النصف من رأسه ، ثم جرهما إلى مقدم رأسه ، ثم أعادهما إلى ذلك المكان الذي بدأ منه ، وجرهما إلى صدغيه ، وفي حديث المغيرة بن شعبة عند مسلم مرفوعًا : فمسح ناصيته ، وعلى العمامة ، وفي كتاب أبي داود حديث أنس بن مالك مرفوعًا : فأدخل يده من تحت العمامة ، فمسح مقدم رأسه ، ولم ينقض العمامة . ضعفه ابن القطان ، وابن السكن ، وصححه الإشبيلي ، وفي حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده في كتاب أبي داود : ومسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال ، وهو أول القفا ، وفي رواية : مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره ، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه ، وفي كتاب ابن الجارود : ومسح رأسه حتى بلغ القذال ، وفي كتاب ابن السكن : فمسح باطن لحيته وقفاه ، وفي كتاب تاريخ أصبهان لأبي نعيم من حديث ابن عمر : أنه كان إذا توضأ مسح عنقه ، وقال : قال عليه السلام : مَنْ توضأ ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة ، رواه عن محمد بن أحمد بن محمد ، نا عبد الرحمن بن داود ، ثنا عثمان بن خرزاذ ، ثنا عمرو بن محمد بن الحسن المكتب ، ثنا محمد بن عمرو بن عبيد الأنصاري ، عن أنس بن سيرين عنه به ، حتى أتى على سالفيه يصف ذلك بيده . وفي حديث معاوية بن أبي سفيان المذكور عند أبي داود من جهة المغيرة بن فروة ، ويزيد بن أبي مالك عنه مرفوعًا : فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء ، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه ، حتى قطر الماء ، أو كاد يقطر . وفي الأوسط للطبراني من جهة الضحاك بن مزاحم ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود ، قال عليه السلام : من نسي مسح الرأس ، فذكر وهو يصلي ، فوجد في لحيته بللًا ، فليأخذ منه ، ويمسح رأسه ، فإن ذلك يجزئه ، فإن لم يجد بللًا ، فليعد الوضوء والصلاة ، قال : لم يروه عن الضحاك إلا نهشل بن سعيد ، تفرد به عن عامر بن إبراهيم . وفي حديث عائشة من عند النسائي مرفوعًا : وضعت يدها في مقدم رأسها ، ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره ، ثم مدت بيدها بأذنيها ، ثم مدت على الخدين ، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره ، ومن مؤخره إلى مقدمه ، وحديث واسع بن حبان عند جميعها . قال أبو عمر : أجمعوا على أن مَنْ مسح برأسه فقد أحسن ، وفعل أكمل ما يلزمه ، وكلهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة موعبة كاملة ، لا يزيد عليها إلا الشافعي ، فإنه قال : أكمل الوضوء أن يتوضأ ثلاثًا كلها سابغة ، ويمسح برأسه ثلاثًا ، ورُوي ذلك عن أنس ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وغيرهم ، وكان ابن سيرين يقول : يمسح برأسه مرتين ، وكان مالك يقول في مسح الرأس : يبدأ بمقدم رأسه ، ثم يذهب بيده إلى مؤخره ، ثم يردهما إلى مقدمه ، على حديث عبد الله بن زيد ، وبه يقول الشافعي وأحمد . وكان الحسن بن حي يقول : يبدأ بمؤخر رأسه ، ورُوي عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه ، ولا يصح ، فأما قول الحسن فموجود في حديث الربيع الدائر على ابن عقيل . وأصح حديث في هذا الباب حديث ابن زيد ، واختلف الفقهاء في مسح بعض الرأس ، فقال مالك : الفرض مسح جميعه ، وإن ترك شيئًا منه كان كمن ترك غسل شيء من وجهه ، وهو قول ابن علية . قال ابن علية : قد أمر الله أن يمسح الرأس في الوضوء ، كما أمر أن يمسح الوجه في التيمم ، وأمر بغسله في الوضوء ، وقد أجمعوا على أن الوجه يمسح كله ، ولم يقل أحد : إن مسح بعضه سنة ، وبعضه فريضة ، فلما أجمعوا على أن ليس مسح بعضه سنة كان مسح كله فريضة . واحتج إسماعيل وغيره من المالكية بقول الله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه ، فكذا مسح الرأس . وقوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ، معناه امسحوا رءوسكم ، ومَنْ مسح بعض رأسه فلم يمسح رأسه ، ومن الحجة أيضًا لهم أن الفرائض لا تؤدى إلا بيقين ، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس ، هذا هو المشهور من مذهب مالك ، ولكن أصحابه اختلفوا في ذلك ، فقال أشهب : يجوز مسح بعض الرأس ، وقال غيره : الثلث فصاعدًا ، وأما الشافعي فقال : الفرض مسح بعض الرأس ، ولم يحد ، وهو قول الطبري ، وقد رُوي عنهما : إنْ مسح ثلث الرأس فصاعدًا أجزأه . قال الشافعي : احتمل قول الله عز وجل : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ بعض الرأس ، ومسح جميعه ، فدلت السنة أن مَسح بعضه يجزئ . وقال في موضع : فإن قيل : فقد قال الله تعالى في التيمم : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ ، أيجزئ بعض الوجه في التيمم ؟ قيل له : مسح التيمم في الوجه بدلّ عن عموم غسله ، ولا بُدّ أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه ، ومسح الرأس أصل ، فهذا فرق ما بينهما . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن مسح المتوضئ ربع رأسه أجزأه ، ويبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره ، قال الدبوسي : وإن كرر إقبالًا وإدبارًا لم يكن به بأس ، وأخذ الماء لكلِّ مرّة بدعة . واختلف أصحاب داود ، فقال بعضهم كقول مالك ، وقال بعضهم : المسح ليس شأنه في اللسان : الاستيعاب ، والبعض يجزئ . وقال الثوري والأوزاعي والليث : يجزئ مسح بعض الرأس ويمسح المقدم , وهو قول أحمد . وقال أبو حنيفة : إن مسح رأسه أو بعضه بثلاثة أصابع فما زاد أجزأه ، وإن مسح بأقل من ذلك لم يجزئه ، والمرأة عند جميع العلماء في مسح رأسها كالرجل سواء ، واتفق مالك والشّافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : أنّ الرأس لا يجزئ مسحه إلا بماء جديد ، ومن مسح رأسه بما فضل من البلل في يديه من غسل ذراعيه لم يجزئه . وقال الأوزاعي وجماعة : يجزئ . انتهى كلامه . وفي تضعيفه الرواية عن ابن عمر إذا بدأ بوسط رأسه - نظر ؛ لما ذكره ابن حزم محتجا به ، ولا يحتج بضعيف ، وروينا عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يدخل يده في الوضوء ، فيمسح به مسحة واحدة ، اليافوخ فقط . ورويناه أيضا من طريق عبيد الله بن عمر ، عن نافع عنه ، قال : ولا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف لما رويناه عن ابن عمر في ذلك ، والله أعلم . وفي حديث أبي هريرة المذكور عند ابن قانع تقوية له .

278

169 - حدثنا محمد بن الحارث المصري ، ثنا يحيى بن راشد البصري ، عن يزيد مولى سلمة ، عن سلمة بن الأكوع قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ، فمسح رأسه مرةً . هذا حديث ضعيف الإسناد برواية يحيى بن راشد ، الذي قال فيه ابن معين : ليس بشيء ، وقال أبو زرعة : شيخ ، لين الحديث . وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، في حديثه إنكار ، وأرجو ألا يكون ممن يكذب . وقال النسائي : ضعيف . وقال الدارقطني : يعتبر به ، صويلح ، ويشبه أن يكون ابن حبان ذكره في الثقات ، ولا أحقق ذلك لعدم تميزه ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، ورُوي نحوه عن رجل من الصحابة ، ذكر حديثه ابن السكن ، وحديث ابن أبي أوفى تقدم ، وحديث المقدام عند أبي داود ، وكذا حديث جد طلحة ، والله أعلم . وحديث البراء بن عازب مرفوعًا : مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ، ودور ، يعني : دور إبهاميه وراء أذنيه ، وحديث معاذ : ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسح رأسه فقط إلا مرة واحدة ، وحديث عون بن أبي جحيفة مرفوعًا : ومسح رأسه مرة ، ذكرها الدبوسي في الأسرار ، وحديث عبادة بن الصامت المذكور في تفسير الكلبي مرفوعًا فيه : ومسح رأسه مرة ، وحديث أبي أمامة مرفوعًا : مسح رأسه مرة ، ذكره الدارقطني في الأصول من فوائده ، ورواه ابن معروف من حديث شهر .

279

167- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عباد بن العوام ، عن حجاج ، عن عطاء ، عن عثمان بن عفان قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ، فمسح رأسه مرة. هذا حديث في إسناده علتان : ضعف ، وانقطاع الثانية : انقطاع ما بين عطاء وعثمان. ذكر ذلك ابن أبي حاتم في علله عن أبي زرعة حين سأله عن هذا الحديث ، قال : وكذا رواه حماد بن زيد ، وابن سلمة ، وهشيم ، وابن أبي زائدة ، ويزيد بن أبي حبيب ، والليث ، وابن لهيعة ، ورواه ابن جريج عن عطاء أنه بلغه عن عثمان ، مرسل ، وهو الصحيح عندنا ، انتهى . وبنحوه ذكره في المراسيل ، وخالفه الليث ، فرواه عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن عطاء ، فقال : ومسح برأسه ثلاثًا حتى قفاه وأذنيه ، وحديث حجاج معناه مخرج في الصحيح من حديث حمران ، ويخدش فيما قاله رواية مسلم عنه : توضأ ثلاثًا ثلاثًا ، وكذا رواه الشافعي من جهة حمران ، قال البيهقي : على هذا اعتمد الشافعي في تكرار المسح ، وفي كتابه عنه : ومسح رأسه ثلاثًا ، رواه من جهة عامر بن شقيق ، وقد تقدم ذكر مَنْ صححه في كتاب أبي الحسن من جهة أبي حنيفة ، وتفرد به عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي مرفوعًا ذكر الثلاث ، قال : وغالب الروايات عن علي أنه مسح مرة واحدة ، وفي مسند البزار من حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية : رأيت عليًّا ، فذكره ، وفي كتاب أبي بكر البيهقي من حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عنه مثله ، وفي مسند عثمان للقاضي أحمد ، ثنا بندار ، ثنا صفوان بن عيسى ، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي مريم المدني عن ابن دارة قال : شهدت عثمان توضأ بالمقاعد فذكر الحديث ، وفيه : ثم مسح برأسه ثلاثًا ، وغسل رجليه ثلاثًا ، وقال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل مثل هذا . وخرج أبو الحسن من حديث زيد بن حباب عن عمر بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي ، حدثني جدي أن عثمان خرج في نفر من أصحابه حتى جلس على المقاعد ، فدعا بوضوء ، فغسل يديه ثلاثًا ، وتمضمض ، ومسح برأسه مرة واحدة ، وغسل رجليه ثلاثًا ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ، كنت على وضوءٍ ، ولكن أحببت أن أريكم كيف توضأ النبي عليه السلام ، ولهذا قال أبو داود حين ذكر حديث عبد الرحمن بن وردان : ومسح رأسه ثلاثًا ، وأحاديث عثمان الصحاح تدل على مسح الرأس مرة ، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا ، وقالوا فيها : ومسح رأسه ، لم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره . وقال ابن سلام في كتاب الطهور : فهذه الأحاديث كلها تشهد أن مسح الرأس لم يكن إلا مرة واحدة ، وكذلك وجدنا كثيرًا من الآثار بعد النبي عليه السلام ، ولا نعلم أحدًا من السلف جاء عنه ذكر الثلاث إلا ما كان من إبراهيم التيمي . انتهى كلامه . وفيه نظر ، لما ذكره أبو عمر عن أنس ، وابن جبير ، وعطاء ، زاد ابن المنذر : وزاذان ، وميسرة .

280

162 - حدثنا محمد بن أبي خالد ، ثنا عبد الرزاق ، عن إسرائيل ، عن عامر بن شقيق الأسدي ، عن أبي وائل ، عن عثمان : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فخلل لحيته . هذا حديث خرجه ابن حبان في صحيحه ، عن الحسن بن سفيان ، أنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن نمير ، ثنا إسرائيل . وقال فيه الترمذي : حسن صحيح . وقال في العلل : قال محمد : أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان ، قلت : إنهم يتكلمون في هذا الحديث ، فقال : هو حسن . ورواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه وابن الجارود في منتقاه ، عن إسحاق بن منصور ، أنا ابن مهدي ، نا إسرائيل ، عن عامر عن شقيق بن سلمة ، قال : رأيت عثمان توضأ ، فغسل كفيه ثلاثًا ، ومضمض ، واستنشق ، وغسل وجهه ثلاثًا ، ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا ، وخلّل أصابعه ، وخلل لحيته ، حتى غسل وجهه ثلاثًا ، وقال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل كما رأيتموني فعلت . وقال الحاكم : قد اتفق الشيخان على إخراج طرق حديث عثمان ، ولم يذكرا في روايتهما تخليل اللحية ثلاثا، وهذا إسناده صحيح ، قد احتجا بجميع رواته غير عامر بن شقيق ، ولا أعلم فيه طعنًا بوجه من الوجوه ، وله في تخليل اللحية شاهد صحيح عن عمار ، وأنس ، وعائشة ، رضي الله عنهم . وقال أحمد فيما ذكره عنه الخلال : ليس يثبت في التخليل حديث ، وأحسن شيء فيه حديث شقيق ، عن عثمان . وأما ما اعتل به ابن حزم حيث قال : هذا حديث لا يصح ؛ لأنّ إسرائيل ليس بالقوي عن عامر بن شقيق ، وليس مشهورًا بقوة النقل - فليس بشيء ؛ لأن إسرائيل لا يحتاج إلى تعريف حاله ؛ لأنه ممّن خرج له الشيخان في صحيحيهما ووثّقه أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وأبو حاتم ، ويعقوب بن شيبة ، وابن سفيان ، وابن حبان ، وأبو داود ، وابن سعد ، وغيرهم . وأما عامر فروى عنه جماعة ، منهم : الثوري ، وابن عيينة ، ومسعر ، وشريك ، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات ، وفي كتاب المروذي ، وذكره - يعني أحمد - فلم يتكلّم فيه بشيء . وقال النسائي : لا بأس به ، وإن شهرته أكثر من هذه . وأمّا قول ابن معين : فيه ضعف ، فليس يعارض ما أسلفناه من توثيقه عند من صحح حديثه أو حسنه ، ويكون ضعيفا بالنسبة إلى غيره من الثقات . وكذا قول أبي حاتم الرازي : ليس بقوي . قال معنى ذلك أبو الحسن ابن القطان . ولما ذكره الدارقطني في كتاب السنن من حديث أبي بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن نمير ، عن إسرائيل بلفظ : رأيت عثمان يتوضأ فغسل يديه ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، ومضمض ثلاثا ، واستنشق ثلاثا الحديث . قال : قال موسى بن هارون : في هذا الحديث موضع فيه عندنا وهم ؛ لأن فيه ابتدأ بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق . وقد رواه ابن مهدي وأبو غسان على الصواب ، وبنحوه ذكره في العلل لم يزد على ذلك شيئا ، والله أعلم . وأما قول البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه عن عثمان بهذا الإسناد - فيشبه أن يكون وهما ؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عطاء الخراساني ، عن ابن المسيب : رأيت عثمانَ توضأ فخلل لحيته ، ثم قال : رأيت النبي - عليه السلام - توضأ فخلل لحيته . وقال : لم يروه عن عطاء إلا شعيب بن رزيق . وقال أبو نعيم لما رواه أيضا من حديث عطاء : تفرّد به شعيب . وفي كتاب العلل للرازي : سألت أبي عن حديث رواه بقية عن أبي سفيان الأنماري ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن ابن المسيب ، عن عثمان الحديث ، فقال : هو حديث موضوع ، وأبو سفيان مجهول .

281

باب ما جاء في تخليل اللحية 161 - حدّثنا محمد بن أبي عمر العدني ، ثنا سفيان ، عن عبد الكريم أبي أمية ، عن حسان بن بلال ، عن عمار بن ياسر ، ( ح ) وثنا ابن أبي عمر قال : وثنا سفيان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال ، عن عمار بن ياسر قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلل لحيته . هذا حديث حرف ابن ماجه ألفاظه ، وذلك أن العدني لم يروه له كما ذكر ، وإنما قال في مسنده : ثنا سفيان ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن حسان بن بلال ، قال : رأيت عمار بن ياسر توضأ ، فخلل لحيته ، فقيل له : أتخلل لحيتك ؟ قال : ما يمنعني ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلل لحيته . ثنا سفيان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال ، عن عمار ، عن النبي - عليه السلام - مثله . هذا نص ما في مسنده ، وكذلك رواه عنه الترمذي لا يغادر حرفًا ، فقد تبين لك تحريف نقله له ، وانتقاله من التصريح بالسماع والرواية إلى العنعنة المشعرة بعدم الاتصال ، لا سيما من كوفي ، وقد كنت قديمًا رأيت من تكلم في هذا الحديث بنحو من هذه العلة فقط ، وهو أبو محمد بن حزم ، قال : حسان بن بلال مجهول ، وأيضا فلا يعرف له لقاء عمار ، وفيما قاله نظر ؛ وإن كان ابن حبّان قد سبقه بقوله : روى عن عمار ، إن كان قد سمع منه حين ذكره في الثقات ، لما تقدم من تصريحه بالرواية والسماع عند ابن ماجه والمكي وابن منده في كتاب الوضوء من تصنيفه ، ولأنه قد روى عنه جماعة ، منهم : أبو قلابة وأبو بشر وقتادة ويحيى بن أبي كثير ، وقال ابن المديني فيه : ثقة ، فمن كانت هذه حاله فليس مجهولا بحال ، والذي يظهر من العذر لابن ماجه أنه عدل عن حديث عبد الكريم بن أبي المخارق قيس ، ويقال : طارق أبي أمية البصري ، فقد قال فيه أيوب : كان غير ثقة ، سألني عن حديثه لعكرمة ، فحدثته ثم قال : حدثني عكرمة ، وذكر ابن أبي معين أنّه اتهم بالكذب ، وقال مرة : هو ضعيف ، وإن كان مسلم قد خرج له في صحيحه . كذا ذكره ابن سرور ، وأظنّه وهم ؛ لأني لم أر ذلك لغيره ، إنما خرّج له البخاري مستشهدًا في باب التهجد بقوله : قال سفيان : وزاد عبد الكريم أبو أمية ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، ومسلم إنما جرحه في مقدمة كتابه . ولهذا قال أبو محمد بن يربوع : أمّا مسلم فقد بين جرحه في صدر كتابه ، وأمّا البخاري فلم ينبه من أمره على شيء ؛ فدل أنه عنده على الاحتمال ؛ لأنه قد قال في التاريخ : كل من لم أبين فيه جرحة فهو على الاحتمال ، وإذا قلت : فيه نظر ، فلا يحتمل . وقال معمر : سألني حماد عن فقهائنا ، فذكرتهم ، فقال : قد تركت أفقههم ، يعني أبا أمية ، قال أحمد : كان يوافقه على الإِرجاء ، وكان ابن عيينة يستضعفه . وقال أحمد : هو ضعيف ، وفي رواية : ليس بشيء قد ضربت على حديثه ، وهو شبيه بالمتروك . وفي إطلاق ذلك نظر ؛ لما ذكره ابن أبي حاتم عنه ، وذكروا مرة عند يحيى يوم الجمعة في مسجد الجامع ، قال عمرو : وأنا شاهد الترويح في الصلاة ، فقال : يذكرون عن مسلم بن يسار وأبي العالية ، فقال له عفان : من حديث من ؟ فقال فيما بينه وبينه وأنا أسمع : ثنا هشام ، عن عبد الكريم المعلم ، عن عمير بن أبي يزيد ، وأما عبد الرحمن فإني سألته فيما بيني وبينه ، فقال : فأين التقوى ؟ انتهى . فهذا يحيى قد حدّث عنه . وقال الفلاس : كان ابن مهدي ويحيى لا يحدثان عنه . وقال ابن عدي : والضعف بين على كل ما يرويه . وقال ابن معين : ليس بشيء . وقال مرّة : هو ضعيف . وقال السعدي : غير ثقة . وقال ابن حبان : كثير الوهم فاحش الخطأ ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به . وقال النسائي وأبو الحسن الدارقطني : متروك . وقال الحربي في كتاب العلل من تأليفه : كان يتفقه ويرى الإرجاء ، غيره أوثق منه . وقال الآجري : سمعت أبا داود يقول : لم يحدث مالك عن أحد أضعف من عبد الكريم ، وسمعه يقول : مرجئة البصرة : أبو أمية عبد الكريم ، وعثمان بن غياث ، والقاسم بن الفضل . وقال أبو عمر في التمهيد : بصري ضعيف متروك ، مجتمع على ضعفه ، لقيه مالك بمكة ، فروى عنه ، ولم يكن عرفه قبل . وفي موضع آخر : عبد الكريم ضعيف لا يختلف العلماء بالحديث في ضعفه ، إلا أنّ منّهم من يقبله في غير الأحكام خاصة ، ولا يحتج به على كل حال ، ومن أَجَلِّ من جرحه وطرحه أبو العالية وأيوب مع ورعه ، ثم شعبة ويحيى القطان وأحمد وابن المديني وابن معين ، وكان مؤدب كتاب ، غر مالكًا منه سَمْته ، ولم يكن من أهل بلده ، ولم يخرج عنه في موطئه حكمًا ، إنما ذكر عنه فيه ترغيبًا وفضلًا ، ولقائل أن يقول : إنّ ذلك ليس كما زعم ، بل روى عنه حكمًا وهو قوله : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحْيِ فاصنع ما شئت ، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة ، وتعجيل الفطر ، والاستيناء بالسحور , فهذه الأحاديث لا شك في أنها أحكام ، والله أعلم . ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، قال : ثنا أحمد بن محمود ، ثنا عثمان بن سعيد قال : سمعت الحسن يقول : عبد الكريم بن أبي المخارق ليس بشيء . وقال الساجي : فيه ضعف ، ليس بحجة في الأحكام ، وذكره البلخي في الضعفاء ، وكذلك يعقوب بن سفيان ، وضعف به ابن طاهر غير حديث ، وسئل عنه أبو حاتم فقال : ضعيف ، وسئل أبو زرعة فقال : ليّن . وأما ابن راهويه فإن حَرَبا لما سأله عن التخليل قال : سنة ، وذكر له حديثه في معرض الاحتجاج به في تصريح حسان بسماعه له من عمار ، وهو ردّ على من نفاه ، وأخرجه من حديث ابن أبي عروبة لعدالة رواته وثقتهم ، وذلك هو المحوج لأبي عبد الله الحاكم إلى تصحيحه ، ولعمري لقد كان ذلك عذرا لو صحّ ، لكن مهنأ ذكر عن أحمد ، عن ابن المديني أنه قال : إنّ قتادة لم يسمع هذا الحديث إلَّا من عبد الكريم فلا عذر إذا ، والله أعلم . وفيه تصريح بسماع سفيان من سعيد . وقال البخاري في الكبير : إنّ ابن عيينة قال مرّة : عن سعيد ، عن قتادة ، عن حسان ، ولا يصح سعيد ، ومع ضعف حديث عبد الكريم فيه انقطاع أيضا فيما بينه وبين حسان . قال الترمذي : سمعت إسحاق بن منصور ، سمعت أحمد بن حنبل قال : قال ابن عيينة : لم يسمع عبد الكريم من حسان حديث التخليل ، وكذا ذكره البخاري في التاريخ ، فهاتان علّتان كافيتان في عدم الاحتجاج بالحديث ، ولو كانت واحدة لكانت كافية . وأمّا ما ذكره مهنأ ، قلت لأحمد : حدّثوني عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن حسان بن بلال ، عن عمار الحديث - فقال أبو عبد الله : إمّا أن يكون الحميدي اختلط ، وإمّا أن يكون الذي حدّث عنه خلط ، قلت : كيف ؟ فحدثني أحمد قال : ثنا سفيان ، عن عبد الكريم ، عن حسان بن بلال ، عن عمار . انتهى . وفي عصْبه الجناية برأس الحميدي أو الراوي عنه - نظر ؛ لما أسلفناه من عند ابن أبي عمر ، وهو كاف في الردّ عليه . وأما قول ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة ، عن سعيد ، يعني هذا ، فقال : لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة ، عن ابن أبي عروبة ، قلت : هو صحيح ؟ فقال : لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة ، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث ، يعني سماعا ، وهذا أيضا مما يوهنه ، فليس كما زعم ، لأنا أسلفنا من عند الحاكم تصريحه بالسماع لهذا الحديث من سعيد ، فزال ما يخشى من تدليسه . وأمّا كونه ليس في كتبه فليس بشيء أيضا ، إذ العالم قد يشذ عنه عند التصنيف الكثير من روايته . وأمّا قول الطبراني في المعجم الصغير : لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلَّا سعيد ، تفرد به ابن عيينة ، فليس بموهن له ، إذ في الصحيح الكثير من أفراد الثقات ، فكيف بالحفاظ ! ورواه أبو القاسم في الكبير ، عن إبراهيم بن موسى ، ثنا صالح بن قطن ، ثنا محمد بن عمار بن محمد بن عمّار ، حدثني أبي ، عن جدي ، عن عمار ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وخلل لحيته .

282

164- حدثنا هشام بن عمار ، نا عبد الحميد بن حبيب ، ثنا الأوزاعي ، ثنا عبد الواحد بن قيس ، حدثني نافع ، عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها . هذا حديث رجال إسناده لا بأس بهم ، وذكر الخلال عن أحمد أنه أصح شيء في التخليل ، وقال فيه الدارقطني : الصواب موقوف أن ابن عمر كان إذا توضأ ، وبنحوه قاله البيهقي . وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم : قال أبي : روى هذا الحديث الوليد عن الأوزاعي عن عبد الواحد ، عن يزيد الرقاشي ، وقتادة قالا : كان النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أشبه ، وخالف ذلك أبو أحمد بن عدي ، فصوب رفعه ، وأظن أن ذاك بسبب متابعة عبد الحميد المذكورة عند أبي القاسم في الأوسط ، حين رواه عن أحمد بن محمد بن صدقة ، ثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة ، عن مؤمل بن إسماعيل ، ثنا عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان إذا توضأ خلل لحيته وأصابع رجليه ، وزعم أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك . وقال : لم يرو هذا الحديث عن ابن عمر إلا مؤمل . ولما قال عبد الحق : الصحيح أنه فعل ابن عمر ، غير مرفوع إلى النبي ، عليه السلام - قال ابن القطان : قد يظن أن تعليله إياه إنما هو ما ذكر من وقفه ورفعه ، وليس ذلك بصحيح ، فإنه إنما كان يصح أن يكون هذا علة لو كان رافعه ضعيفًا ، وواقفه ثقة ، ففي مثل هذه الحال كان يصدق قوله : الصحيح موقوف من فعل ابن عمر . أما إذا كان رافعه ثقة فهذا لا يضره ، ولا هو علة فيه ، وهذا حال هذا الحديث ، فإن رافعه عن الأوزاعي ابن أبي العشرين ، وواقفه عنه هو أبو المغيرة ، وكلاهما ثقة ، والقضاء للوقف على الرفع يكون خطأ ، قال : وبعد هذا فعلة الخبر هي ، والموقوف الذي صحح لا بد فيه من عبد الواحد المذكور ، فليس إذًا بصحيح ، والدارقطني لم يقل في الموقوف : صحيح ، ولا أصح ، إنما قال في رواية أبي المغيرة وقفه هو الصواب . انتهى كلامه . وفي حصره أن الرافع يكون ضعيفًا ، والواقف ثقة - نظر ، فقد يأخذون ذلك من كثرة الواقفين ، أو تقديم مرتبة الواقف على الرافع ، ولعل هذا منه عند مَنْ قال ذلك ، فإن أبا المغيرة عبد القدوس احتج به الشيخان ، وابن أبي العشرين ليس مثله ، ولعل أبا الحسن أراد : إنما يصح ذلك في النظر الصحيح عنده ، والله أعلم

283

165- حدثنا إسماعيل بن عبد الله البرقي ، ثنا محمد بن ربيعة الكلابي ، ثنا واصل بن السائب الرقاشي ، عن أبي سورة ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ، فخلل لحيته . هذا حديث قال الترمذي في كتاب العلل : سألت محمدًا عنه؟ فقال : هذا لا شيء ، فقلت : أبو سَوْرة ما اسمه؟ فقال : لا أدري ما يصنع به؟ عنده مناكير ، ولا يعرف له سماع من أبي أيوب ، ولما ذكره ابن حزم قال : فيه واصل ، وهو ضعيف ، وأبو أيوب هذا ليس هو بأبي أيوب الأنصاري ، قاله ابن معين . انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأول : تضعيفه واصلًا ، وذلك أمر لا يضر أحيانًا لو كان صحيحًا؛ لأنها كلمة مقولة في جماعة من الأئمة ، ولا ضرر فيها عليهم إلا بضميمة أخرى ، وهذا الرجل لا يحسن فيه هذا القول وحده ، إلا بما يضم إليه ، لأنه مما قال فيه البخاري ، وأبو حاتم الرازي : منكر الحديث ، وقال أبو عبد الرحمن النسائي ، والأزدي : متروك الحديث ، وقال أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو زرعة ، والدارقطني : ضعيف ، وقال ابن عدي : أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات ، وقال أبو داود عن ابن معين : ليس بشيء ، ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ذكر من حديثه هذا الحديث ، ثم قال : والرواية في التخليل فيها لين ، وفيها ما هو أصلح من هذا الإسناد ، وقال الساجي : منكر الحديث ، وبنحوه قاله يعقوب ، وابن طاهر ، فمن كان بهذه المثابة لا يحسن فيه قول ضعيف فقط . الثاني : قوله : إن أبا أيوب هذا ليس بأبي أيوب الأنصاري ، وحديث الباب كافٍ في الرد عليه ، وكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء ، وأبو حاتم البستي حين ذكر أبا سورة في كتاب الثقات ، وأبو حاتم الحنظلي ، وأبو القاسم الطبراني ، وأبو بكر البزار ، وغيرهم من المتأخرين . الثالث : سكوته عن حال أبي سورة ، ولا ينبغي ذلك له؛ لأنه ممن قال فيه البخاري ما أسلفناه ، وقال أبو عيسى : يضعف في الحديث ، ضعفه ابن معين جدًّا ، وسمعت محمدًا يقول : أبو سورة منكر الحديث ، يروي عن أبي أيوب مناكير ، لا يتابع عليها ، وقال أبو الحسن الدارقطني : مجهول ، وقال الساجي : أبو سورة يحدث عن أبي أيوب منكر الحديث ، روى واصل بن السائب عنه أحاديث عن أبي أيوب مناكير يطول ذكرها . الرابع : انقطاع ما بينه وبين أبي أيوب المشار إليه أولًا ، فهذه علل ثلاث قوادح ، لو كان في الحديث منهن واحدة لكان مردودًا ، لا ما أبرزه هو من العلتين اللتين ذكرهما ، والله أعلم . ولفظ البغوي في معجمه : إذا توضأ تمضمض ، ومسح لحيته من تحتها بالماء ، وقد روى التخليل جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، منهم : وائل بن حجر ، ذكر حديثه أبو عبد الرحمن في كتاب الكنى فقال : ثنا أحمد بن يوسف ، ثنا محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل أبو جعفر ، وحدثه عن سعيد بن عبد الجبار عن أبيه عن أمه عن وائل قال : خلل النبي -صلى الله عليه وسلم- لحيته ، ومسح باطن أذنيه ، ثم قال : رواه أحمد عنه ، ومنهم : عائشة ، ذكر حديثها أبو عبد الله الحاكم في مستدركه في باب الشواهد الصحاح من حديث شاذ بن فياض ، ثنا عمر بن أبي وهب ، عن موسى بن ثروان ، عن طلحة بن كريز عنها ، قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : عمر بن أبي وهب كيف هو؟ قال : ما أعلم به بأسًا ، وروى حديثه هذا في مسنده ، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات في باب من اسمه عمر ، وسمى أباه ثورًا ، قال : وهو الذي أعتق سلام بن أبي مطيع ، روى عنه ابن المبارك وعبد الصمد بن عبد الوارث . وموسى بن ثروان اضطرب فيه ، فشعبة يقول : ابن ثروان ، ووكيع يقول : سروان ، وأبو الحسن يقول : وردان ، وأخطأ في ذلك ، وقال غيره : مروان ، وقال غيره : موسى النجدي ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين ، وخرج مسلم حديثه في صحيحه متابعة ، وفي سؤالات حرب : ثنا شاذ بن فياض ، ثنا عمر بن أبي وهب عن موسى النجدي به ، ولما ذكر ابن حزم حديث عائشة هذا رده بقوله : فيه رجل مجهول ، لا يعرف من هو؟ شعبة يسميه عَمْرًا ، وأمية بن خالد يسميه عمر . انتهى كلامه ، وفيه نظر لما أسلفناه قبل. ومنهم : علي بن أبي طالب رواه ابن مردويه في انتقائه على كتاب الطبراني عن يحيى بن عثمان ، ثنا زكريا بن عبد الخالق الواسطي ، ثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن أبي البختري الطائي عنه . وفي كتاب المراسيل لأبي حاتم ، ثنا الهسنجاني ، ثنا أحمد بن حنبل ، ثنا حجاج ، يعني ابن محمد ، نا شعبة قال : كان أبو إسحاق أكثر عن أبي البختري ، ولم يدرك أبو البختري عليًّا ، ولم يره ، سمعت أبي يقول : أبو البختري لم يدرك عليًّا ، ومنهم جابر بن عبد الله ، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أصرم بن غياث ، ثنا مقاتل ، عن الحسن عنه ، ولفظه : وضأت النبي -صلى الله عليه وسلم- غير مرة ولا مرتين ، فرأيته يخلل لحيته ، قال جابر : فنظرت إلى أصابعه من تحت لحيته وبقي علة غير انقطاع ما بين مقاتل والحسن المذكور قبل ، وهي انقطاع ما بين الحسن وجابر بن عبد الله ، نص على ذلك ابن المديني ، وأبو زرعة ، وبهز ، وأبو حاتم ، والبزار ، وأبو داود ، ومنهم أبو أمامة ، ذكر حديثه أبو القاسم في الكبير من حديث أبي غالب حزوَّر عنه عن عمر بن سليم الباهلي ، وحاله مختلف فيها : فأبو الحسن يوثقه ، وابن معين يقول : صالح الحديث ، وأبو زرعة يقول : صدوق ، وغيرهم يضعفه ، ومنهم : ابن عباس ، ذكر حديثه أبو القاسم في الأوسط من حديث شيبان بن فرُّوخ ، ثنا نافع أبو هرمز عن عطاء عنه ، وقال : لم يرو هذه اللفظة عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تخليل اللحية في الوضوء إلا نافع أبو هرمز ، تفرد به شيبان ، قال العقيلي : لا يتابع نافع عليه بهذا الإسناد لما رواه عنه عن ابن سيرين عن ابن عباس ، ومنهم أم سلمة ذكره ابن حزم ، ورده بخالد بن إياس العدوي من ولد أبي الجهم بن حذيفة ، وهو ساقط ، منكر الحديث ، وليس هو خالد بن إياس الذي يروي عنه شعبة ، ذاك بصري ثقة ، ومنهم ابن أبي أوفى ، وقد تقدم حديثه في باب الوضوء ثلاثًا ، ومنهم أبو الدرداء ، وأشار إليه ابن حزم ، وقال : حديث الحسن ، وعمرو بن الحارث مرسلان ، فأسقط بزعمه كل حديث رُوي في التخليل ، وكذا قال أبو عمر : رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه خلل لحيته في وضوئه من وجوه كثيرة ، كلها ضعيفة ، وبنحوه قاله العقيلي ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تخليل اللحية حديث ، خرجه أبو إسحاق بن عبيد في مسنده عن أبي زرعة ، ثنا هشام بن عمار ، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان ، قالا : ثنا إسماعيل بن عياش ، ثنا تمام بن نجيح الأسدي عن الحسن عنه قال : توضأ النبي - عليه السلام - فخلل لحيته بفضل وجهه . قال أبو محمد : ولا معنى لذلك في الغسل والوضوء ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وداود ، وذهب إلى إيجابه قوم ، منهم : عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وعطاء ، وابن جريج ، وابن سابط ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وسعيد بن جبير ، وروينا عن غير هؤلاء فعل التخليل دون أن يأمروا به ، منهم : عثمان ، وعمار ، وابن أبي أوفى ، وأبو الدرداء ، وعلي ، وإليه كان يذهب أحمد بن حنبل ، وهو قول أبي البختري ، وابن سيرين ، وأبي ميسرة ، والحسن ، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، وعبد الرزاق ، وقال ابن المنذر : قال إسحاق ، وأبو ثور : إذا ترك التخليل عامدًا أعاد ، وممن روينا عنه أنه كان يخلل لحيته : ابن عباس ، والحسن بن علي ، وأنس ، وممن روينا عنه أنه رخص في ترك ذلك : ابن عمر ، والحسين بن علي ، وطاوس ، والنخعي ، وأبو العالية ، والشعبي ، ومحمد بن علي ، ومجاهد ، والقاسم . وقال سعيد بن عبد العزيز ، والأوزاعي : ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب . وقال أبو بكر : غسل ما تحت اللحية غير واجب ، إذ لا حجة تدل على وجوب ذلك . وقال الخطابي : يشبه أن يكون المأمور بتخليله من اللحي على سبيل الوجوب ما رقّ من الشعر منها ، فيُرى ما تحتها من البشرة ، والله أعلم . وفي تاريخ ابن المبارك : وفي الحديث أنه قال : تحريك ما مر عليها من الماء ، وقال : ليس له قوة ، والله أعلم .

284

163 - حدّثنا محمد بن عبد الله بن حفص بن هشام بن زيد بن أنس بن مالك ، ثنا يحيى بن كثير أبو النضر صاحب البصري ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ خلل لحيته وفرج أصابعه مرتين . هذا حديث لما ذكره الدارقطني في الأفراد قال : تفرّد به محمد بن حمير ، عن سلمة بن العيار ، عن موسى بن أبي عائشة عنه ، ولم يروه عنه غير عيسى بن المنذر الحمصي ، وما أسلفناه من عند ابن ماجه يرد عليه ، وعلى هذا فإسناده في غاية الضعف ، أما شيخ ابن ماجه فحاله مجهولة ، وأما يحيى بن كثير فقال فيه الرازيان وابن معين : ضعيف . زاد أبو حاتم : ذاهب الحديث جدًّا . وقال الدارقطني : متروك الحديث . وقال ابن حبان : يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم ، لا يجوز الاحتجاج به فيما انفرد به . وقال الفلاس : لا يتعمد الكذب ويكثر الغلط . وقال العُقيلي : منكر الحديث لا يتابع على حديثه . وقال الساجي : معروف في التشيع ، كان ضعيف الحديث جدًّا ، متروك ، يحدّث عن الثقات بأحاديث بواطيل ، وذكره يعقوب في باب من يُرغب عن الرواية عنهم . وأمّا يزيد بن أبان أبو عمرو فكان يحيى بن سعيد لا يحدّث عنه ، وكان عبد الرحمن يحدّث عنه ، فيما قاله عمرو بن علي . وقال أبو طالب : قلت لأحمد بن حنبل : يزيد لم ترك حديثه ، هوى كان فيه ؟ قال : لا ، ولكن كان منكر الحديث . وقال عبد الله : سمعت أبي يقول : هو فوق أبان بن أبي عياش ، وكان شعبة يشبهه بأبان . وفي رواية : قال أحمد : لا يكتب عنه شيء ، كان منكر الحديث . وفي كتاب المروذي : عن أحمد : ليس ممن يحتج به ، وقال ابن معين : ضعيف ، وفي رواية : هو خير من أبان ، وفي رواية : لا شيء ، وفي رواية : هو رجل صالح وليس حديثه بشيء . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال في التمييز : ليس بثقة . وقال الفسوي : فيه ضعف . وقال أبو حاتم : كان واعظا بكاء كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر صاحب عبادة وفيه ضعف . وقال ابن عدي : أرجو أنّه لا بأس به لرواية الثقات عنه ، وقال ابن أبي شيبة : سألت ابن المديني عن يزيد ، فقال : كان ضعيفًا . وقال الدارقطني مثله . وقال ابن حبان : كان من خيار عباد الله من البكائين بالليل ، لكنه غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة ، حتى كان يقلب كلام الحسن ، فجعله عن أنس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب . وفي كتاب الساجي : كان رجلًا صالحًا يهم ولا يحفظ ، ويحتمل حديثه لصدقه وصلاحه وفضله . وفي كتاب العقيلي : قال شعبة : لأن أزني أحب إلي من أن أروي عن يزيد ، وقد وقع لنا هذا الحديث بزيادة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ يقول بيده في ذقنه يخلل لحيته ، يفعل ذلك مرتين ، وربما فعله ثلاثًا أو أكثر من مرتين . أنا بها المعمر أبو الفضل الصابوني - رحمة الله عليه - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا جدي قراءة عليه ، أنا ابن الحرستاني ، أنا السلمي قراءة عليه ، أنا ابن طلاب ، أنا ابن جميع ، ثنا زكريا بن أحمد بمصر ، ثنا أبو غسان ، ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد ، ثنا الرحيل بن معاوية ، عن الرقاشي ، فذكره . وقد وقع لنا أيضًا من طريق سالمة من هؤلاء الضعفاء حسّنة ، بل صحيحة ؛ لما عضدها من الشواهد والمتابعات ، ذكرها الحاكم في الشواهد الصحيحة لحديث عثمان عن علي بن حمشاذ ، نا عبيد بن عبد الواحد ، ثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة ، ثنا محمد بن حرب ، وذكرها الذهلي في كتاب علل حديث الزهري ، قال : ثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله ، وكان صدوقًا ، ثنا محمد بن حرب ، ثنا الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك فذكره ، قال ابن القطان : وهذا الإسناد عندي صحيح ، ولا يضره رواية من رواه عن ابن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس ، فإنه ليس مَنْ لم يحفظ حجة على مَنْ حفظ ، فالصفار قد عين شيخ الزبيدي بأنه الزهري ، وحتى لو علمنا أن محمد بن حرب حدث به تارة ، فقال فيه : عن الزبيدي بلغني عن أنس لم يضره ذلك ، وقد يراجع فيعرف فيه أن الذي حدثه هو الزهري ، فيحدث به ، فيأخذه عنه الصفار وغيره ، وهذا الذي أشرت إليه هو الذي اعتل به الذهلي حين ذكره ، ونص كلامه هو أن قال : وثنا يزيد بن عبد ربه ، ثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ، فأدخل أصابعه تحت لحيته ، قال الذهلي : المحفوظ عندنا حديث يزيد ، وحديث الصفار واهٍ عندنا ، هذا نص كلامه ، فانظر فيه ، ويزيد بن عبد ربه ثقة ، فاعلمه ، ورواه ابن قيراط في مسند أنس بن مالك : عن سليمان بن سلمة عن ابن حرب كذلك ، ولفظه : فأدخل أصابعه من تحت لحيته ، فخللها ، وقال : هكذا أمرني ربي تعالى . وفي كتاب حرب ، ثنا أبو عبيدة شاذ بن فياض ، ثنا هاشم بن سعيد عن محمد بن زياد عن أنس به ، ورواه عن أنس أيضًا غير واحد ، منهم : الوليد بن زوران ، أنا بحديثه الإمام المسند المعمر يوسف بن عمر رحمه الله قراءة عليه وأنا أسمع قال : أنا الحافظ المنذري قراءة عليه وأنا أسمع أنا المسند المعمر أبو حفص عمر بن محمد وأنبأنا به عاليًا ابن البخاري ، عن ابن طبرزد ، قال : أنبأنا الشيخان إبراهيم الكرخي ومفلح الدومي ، أنا الحافظ أبو بكر الخطيب ، أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي ، أنا سليمان بن الأشعث قال : ثنا أبو توبة ، يعني الربيع بن نافع ، ثنا أبو المليح ، عن الوليد بن زوران ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء ، فأدخله تحت حنكه ، فخلل به لحيته ، وقال : هكذا أمرني ربي ، قال أبو داود : الوليد بن زوران ، روى عنه حجاج بن حجاج ، وأبو المليح الرقي ، زاد الإمام أحمد : وجعفر بن برقان ، وفي تاريخ الرقة : وهو مَنْ بني سليم ، ومع ذلك فهو مجهول الحال ، ولا يعرف بغير هذا الحديث ، قال ذلك ابن القطان ، وهي طريقة له معلومة في طلب زيادة التعديل ، مع رواية جماعة عن الراوي ، وليس هو بأبي عذرة هذا القول لِسَبْق ابن حزم بذلك . ولما سئل ابن المبارك عن التخليل في تاريخه قال : قد جاء : كذا أمرني ربي ، قال : ولم نجد ذاك القوة ، وقال : قد جاء حديث آخر تحريك ما مر عليها من الماء ، قال : وهذا أيضًا ليس له قوة ، ومنهم : ثابت البناني روى حديثه أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عمر أبو حفص العبدي . ورواه ابن حبان في الثقات ، ولما ذكره ابن طاهر ضعفه بعمر ، ومنهم حميد الطويل ، قال في الأوسط : لم يروه عن حميد إلا إسماعيل بن جعفر ، تفرد به إسحاق بن عبد الله التميمي ، ومنهم موسى بن أبي عائشة ، رواه مروان الطاطري عن أبي إسحاق الفزاري عنه ، وعُلِّل برواية أحمد بن يونس عن حسن بن صالح عن موسى عن رجل عن يزيد الرقاشي عن أنس ، قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : قال أبي : هذا الصحيح ، وكنا نظن أن ذلك غريب ، ثم تبين لنا علته ، ترك من الإسناد رجلين ، وجعل موسى عن أنس ، وفي موضع آخر : الخطأ من مروان ، موسى بن أبي عائشة يحدث عن رجل عن الرقاشي عن أنس ، ورواه الطبراني من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد عن الرحيل بن معاوية عن يزيد ، وقال : لم يرو هذا عن الرحيل إلا شجاع بن الوليد ، ورواه الخطيب في كتاب المتفق والمفترق من حديث وكيع عن الهيثم بن أبي الهيثم عن يزيد ، ورواه البغوي عن الهيثم بن حماد عن يزيد . ومنهم أبو خالد ، ذكر حديثه الحافظ أبو بكر البيهقي ، ومنهم محمد بن زياد ، روى حديثه ابن عدي من حديث هاشم بن سعيد عنه ، وقال : هاشم له من الحديث غير ما ذكرت ، ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه ، ومنهم بشير بن يحيى الكوسج أبو نصر النيسابوري ، ذكر حديثه الحاكم في تاريخ نيسابور ، ومنهم الحسن بن أبي الحسن ، روى الدارقطني من حديث أيوب بن عبد الله عنه ، ومنهم مطر الوراق رواه الطبراني من حديث عتاب بن محمد بن شوذب عن عيسى الأزرق عن مطر ، وقال : لا يُروى عن مطر إلا بهذا الإسناد ، ومنهم معاوية بن قرة ، وسلام الطويل ، ذكرهما ابن عدي ، ومنهم عمرو بن وهب ، ذكره ابن حزم .

285

باب ما جاء في إسباغ الوضوءِ 158 - حدّثنا أحمد بن عَبدة ، أنبأ حمّاد بن زيد ، ثنا موسى بن جهضم أبو جهضم ، ثنا عبيد الله بن عبد الله بن عباس ، عن ابن عباس ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسباغ الوضوء . هذا حديث وهم ابن ماجه في موضعين منه : الأول : قوله : موسى بن جَهْضَم ، وإنّما هو موسى بن سالم . الثاني : قوله : عبيد الله بن عبد الله ، وإنما هو عبد الله بن عبيد الله ، بين ذلك أبو عيسى حين خرجه عن أبي كريب ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا موسى بن سالم أبو جهضم ، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَبدًا مأمورًا ، ما اختصّنا دون الناس بشيء إلا بثلاث : أمرنا أن نسبغ الوضوء ، وأن لا نأكل الصدقة ، وأن لا ننزي حمارا على فرس . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وروى سفيان الثوري ، عن أبي جَهْضَم هذا ، فقال : عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس ، وسمعت محمدا يقول : حديث الثوري غير محفوظ ، وهم فيه الثوري ، والصحيح ما روى إسماعيل بن علية وعبد الوارث ، عن أبي جَهْضَم ، عن عَبد الله بن عُبَيد الله . وكذا سمّاه النسائي في كتاب الكنى عن قرّة بن خالد وأبو بشر الدولابي ومسلم بن الحجاج وأبو حاتم الرازي وأبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء . وقال ابن عساكر : قال ابن ماجه : موسى بن جهضم ، وهو وهم ، وأخرجه في ترجمة عبد الله بن عبيد الله ، وأخرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن ابن عبده شيخ ابن ماجه ، قال : ثنا حماد بن زيد ، عن موسى بن سالم أبي الجَهْضم ، قال : حدثني عبد الله بن عبيد الله . ثم أخرجه من حديث ابن علية ، عن موسى بن سالم ، عن عبد الله بمثله . وزاد : قال موسى : فلقيت عبد الله بن حسن ، فقلت : إن عبد الله بن عبيد الله حدّثني بكذا وكذا ، فقال : إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة ، فأحب أن تكثر فيهم ، فتبين بمجموع ما أسلفناه أن الوهم من صاحب الكتاب لا من غيره من شيوخه . وإن كان ابن أبي حاتم ذكر في كتاب العلل ، عن أبيه : إنما هو عبد الله بن عبيد الله ، أخطأ فيه حماد ، قال : وقالا جميعا : رواه حماد بن زيد وعبد الوارث ومرجا ، فقالوا كلهم : عن أبي جهضم ، عن عبد الله بن عبيد الله ، وهو الصحيح ، فقد بينّا أن رواية حماد وابن عبدة على الصواب ، وأن الدارمي رواه عن مسدد ، عن حماد ، فقال : عبيد الله بن عبد الله . ورواه الترمذي أيضًا من حديث أيوب ، عن أبي قلابة عنه مطولًا ، ثم قال : وقد ذكروا بين أبي قلابة وابن عباس في هذا الحديث رجلًا ، وهو خالد بن اللجلاج ، قال : وهو حديث حسن غريب .

286

160 - حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، ثنا سفيان بن حمزة ، عن كثير بن زيد ، عن الوليد بن رباح ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كفارات الخطايا : إسباغ الوضوء على المكاره ، وإعمال الأقدام إلى المساجد . هذا حديث إسناده حسن ؛ للاختلاف في حال كثير هو : كثير بن زيد ؛ فإنه ممن صحح له الترمذي حديثا . وخرج ابن خزيمة له حديثًا في صحيحه . وقال ابن معين : ثقة ، ومرة : ليس بشيء ، ومرة : ليس بذاك القوي ، ومرّة : صالح . وقال محمد بن عبد الله بن عمار : ثقة ، وذكره البستي في الثقات . وقال النسائي : ضعيف . وقال أبو زرعة : لين . وأمّا الوليد بن رباح بن عاصم بن عدي أبو البداح الدوسي المديني مولى ابن أبي ذباب ، قال عبد الرحمن : سئل أبي عنه ، فقال : صالح ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وسفيان وصفه أبو زرعة بالصدق . وقال أبو حاتم : صالح . وأغفل ذكره ابن سرور ، ولا ينبغي له ذلك ، وهو في صحيح مسلم ، عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا أخبركم بما يمحُو اللهُ به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط . ولما ذكره ابن منده في صحيحه قال : هذا صحيح على رسم الجماعة ، إلا البخاري ؛ فإنه لم يخرج في كتابه ، عن العلاء إلا استشهادا . وقد روى هذا الحديث ، عن العلاء جماعة ؛ منهم : شعبة ، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر والدراوردي وزهير بن محمد وحفص بن ميسرة وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام ، وكل هؤلاء مقبول عندهم . انتهى ما ذكره . وفيه نظر من حيث زعم أنّ البخاري استشهد به ، وذلك قول لم أره لغيره ، والله أعلم . وفي المستدرك من حديث صفوان بن عيسى : ثنا الحارث بن أبي ذباب ، عن ابن المسيب ، عن علي ، قال - عليه السلام - : إسباغ الوضوء على المكاره ، وإعمال الأقدام إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة - يغسل الخطايا غسلا . قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وذكره في الأوسط من حديث علي بن زيد ، عن ابن المسيب عنه : من أسبغ الوضوء في البرد الشديد كان له من الأجر كِفْلان . وقال : لم يروه عن علي إلا أبو حفص العبدي ، واسمه عمر بن حفص . وفي كتاب النجوم للخطيب البغدادي من حديث عبيد الله بن موسى ، عن الربيع بن حبيب ، عن نوفل بن عبد الملك ، عن أبيه عنه : نهاني النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النظر في النجوم ، وأمرني بإسباغ الوضوء . ومن حديث المقدمي : ثنا هارون بن مسلم ، ثنا القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن علي بنحو هذا . وفي صحيح ابن خزيمة : أنبأ محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي ، حدّثني أبي ، ثنا سفيان ، عن سماك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، وهو ابن مسعود ، عن أبيه ، قال : الصفقة بالصفقتين ربا ، وأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسباغ الوضوء . ولما رواه الطبراني في الأوسط من حديث سفيان أشار إلى تفرد ابن أبي صفوان ، عن أبيه ، وأبيه عن سفيان . وفي تصحيح ابن خزيمة لهذا الحديث نظر ؛ لأن عبد الرحمن أنكر سماعَهُ مِنْ أَبِيهِ ابْنُ مَعِينٍ . وقال ابن سعد : تكلموا في روايته عن أبيه ، قالوا : كان صغيرا , وقال الغلابي عن أحمد : مات أبوه وله ست سنين . واختلف قول أبي حاتم ، ففي كتاب الجرح والتعديل : سمع أباه ، وفي كتاب التاريخ : يدخل في المسند ولا يصح سماعه من أبيه ، واختلف قول البخاري في ذلك أيضًا ؛ فذكر في التاريخ الكبير أنّه سمع من أبيه ، وفي الأوسط : قال محمد : شعبة يقول : عبد الرحمن لم يسمع من أبيه ، ويجمع بما قاله ابن المديني في كتاب العلل الكبير ، ولعله عمد لهما : سمع من أبيه حديثين : حديث الضب ، وحديث : كنت مع أبي ، فأخر ابن عقبة الصلاة . قرأت على المسند البقية شرف الدين المقدسي - رحمه الله - عن أبي محمد القرشي ، أنبأ العلامة أبو طاهر الإِسكندري ، قرأت على أبي الحسن ابن عبد الجبار بن أحمد ، سمعت أبا مسلم عمر بن علي بن الليث البخاري : سمعت أبا الحسن علي بن أبي بكر الحافظ الجرجاني بنيسابور ، سمعت مسعود بن علي السجزي ، سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول ، وذكر عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، فقال : اتفق مشائخ الحديث على أنه لم يسمع من أبيه . وفي مسند البزار : أنا خالد بن يوسف - يعني السمتي - عن أبيه ، أنا موسى بن عقبة ، عن إسحاق بن يحيى ابن أخي عبادة ، عن عبادة بن الصامت ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطيئة ، ويمحو به الذنوب ؟ قالوا : نعم ، قال : إسباغ الوضوء عند المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط . وفي معرفة الصحابة لأبي نعيم الحافظ : عن امرأة من المبايعات قالت : جاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني سَلمة ، فقربنا له طعامًا ، فأكل ومعه أصحابه ، ثم قرب إليه وضوء فتوضأ ، ثم أقبل على أصحابه ، فقال : ألا أخبركم بمكفرات الخطايا ؟ قالوا : بلى ، قال : إسباغ الوضوء الحديث . وفي مسند أبي يعلى الموصلي ، عن عُبيدة بن عمرو الكلابي ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ، فأسبغ الوضوء . وفي سنن الكجي ، عن ربيعة بنت عياض الكلابية ، قالت : حدّثني ربيعة الكلابي ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ، فأسبغ الوضوء . وفي كتاب أبي موسى المديني من حديث عبيدة بن عمرو الكلابي ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فأبلغ الوضوء ، وفي لفظ : فأسبغ الوضوء . رواه من حديث سعيد بن خثيم ، عن ربيعة بنت عياض الكلابية ، قالت : حدثني ربيعة ، وفي موضع آخر : حدّثني جدّي عبيدة ، قال أبو موسى : وهو الصواب . وفي تاريخ الموصلي : ثنا علي بن جابر ، ثنا أبو العباس محمد بن عمارة القرشي ، أنا الثوري ، عن آدم بن علي ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يُدعى يوم القيامة قوم يقال لهم المنقوصون ، قيل : يا رسول الله وما المنقوصون ؟ قال : الذين لا يتمون وضوءهم ويلتفتون في صلاتهم . وسألت محمدًا عن هذا الحديث ، فقال : هذا حديث حسن صحيح . وفي كتاب الترمذي - رحمة الله عليه - عن معاذ بن جبل ، ولفظه : وإسباغ الوضوء حين الكريهات . وقال : حديث حسن صحيح . وهو أصح من حديث الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، ثنا خالد بن اللجلاج ، حدّثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال : سمعت النبي - عليه السلام فذكر الحديث . وهذا غير محفوظ ، كذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى بشر بن بكر ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإِسناد ، عن ابن عائش ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وهذا أصح ، وابن عائش لم يسمع من النبي عليه السلام . وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في علله من عدّة طرق ، وفي كتاب الكامل لأبي أحمد من حديث أشعث بن براز : ثنا ثابت ، عن أنس قال - عليه السلام - : يا أنس أسبغ الوضوء يُزَد في عمرك . وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سألت أبي وأبا زرعة عن أحاديث تروى عن أنس مرفوعة في إسباغ الوضوء ، وذكرت لهما الأسانيد المروية في ذلك ، فضعفاها كلها ، وقالا : ليس في إسباغ الوضوء يزيد في العمر حديث صحيح . وقال : سألت أبا زرعة عن حديث رواه عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، عن إسماعيل بن عياش ، عن حبيب بن صالح ، عن ثابت بن أبي ثابت ، عن عبد الله بن معانق الدمشقي ، عن عبد الرحمن بن غنم الدمشقي الأشعري ، عن أبي عامر الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إسباغ الوضوء نصف الإِيمان . فقال : عبد الوهاب شيخ صالح من حَوْط من مذحج ، وأبو عامر اسمه عبيد ، قتل بخيبر ، وإنما هو عن أبي مالك الأشعري ، وهو أشبه ؛ لأن الشيخ قال : أبو عامر ، وحديث لقيط بن صَبرة تقدم ذكره . وفي المعجم الأوسط ، عن أنس ، قال - عليه السلام - : أسبغ الوضوء يزد في عمرك الحديث بطوله ، وقال : لم يروه بهذا التمام عن ابن المسيب إلا علي بن زيد بن جدعان ، ولا عن علي إلا عبد الله بن المثنى . تفرد به مسلم بن حاتم ، عن الأنصاري ، عن أبيه ، وتفرّد به محمد بن الحسن بن أبي يزيد ، عن عباد المنقري .

287

159 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا زُهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به في الحسنات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . هذا حديث إسناده ضعيف بعبد الله بن عقيل المتقدم الذكر . ورواه أبو عاصم النبيل ، عن الثوري ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن ابن المسيب ، عن أبي سعيد يرفعه : ألا أدلكم على شيء يكفر الخطايا ويزيد في الحسنات فذكره ، وفيه : إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم ، وسدوا الفُرج ، وإذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وخير صفوف الرجال المقَدم ، وفيه : يا معشر النساء ، إذا سجد الرجال فاحفظن أبصاركن . قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : قال أبي : هذا وهم ، إنما هو الثوري ، عن ابن عقيل ، وليس لعبد الله بن أبي بكر معنى .

288

156 - حدثنا محمد بن المصفى الحمصي ، ثنا بقية ، عن محمد بن الفضل ، عن أبيه ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يتوضأ ، فقال : لا تسرف لا تسرف . هذا حديث إسناده معلل بأمور ، منها : بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي الحميري الميَّتمي ، وإن كان مسلم قد خرج له حديثًا في صحيحه واحدًا في كتاب النكاح ، واستشهد به البخاري في باب : من أخف الصلاة ، وصحح له الترمذي أحاديث . وقال ابن المبارك في تاريخه : كان صدوقًا ، ولكنه كان يكتب عمن أقبل وأدبر . وقال ابن معين : كان شعبة مبجلا لبقية حين قدم بغداد . وقال أبو زرعة : ما له عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين ، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق ، إِذا حدّث عن الثقات فهو ثقة . وقال يعقوب : هو ثقة إذا حدث عن المعروفين ، ويحدّث عن قوم متروكي الحديث ، وعن الضعفاء ، ويحيل عن أسمائهم إلى كناهم ، وعن كناهم إلى أسمائهم ، ويحدث عمن هو أصغر منه . وقال محمد بن سَعْد : كان ثقة في روايته عن الثقات ، ضعيفا في روايته عن الضعفاء . وقال النسائي : إذا قال : ثنا وأنبأنا ، فهو ثقة ، وإذا قال : عن فلان ، فلا يؤخذ عنه ؛ لأنه لا يدرى عمن أخذه . وقال العجلي : هو ثقة فيما روى عن المعروفين ، وما روى عن المجهولين فليس بشيء . وعن عبد الله بن أحمد قال : سمعت عطية بن بقية يقول : أنا عطية بن بقية وأحاديثي نقية ، فإذا مات عطية ذهب حديث بقية . وذكر الحازمي أنه ثقة في نفسه ، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به ، فقد قال ابن عيينة ، وسئل عن حديث ، فقال : أنا أبو العجب أنا بقية بن الوليد ، ثم قال : لا تسمعوا من بقية ما كان في سُنة ، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره . وقال أبو مسهر : بقية ليست أحاديثه نقية فكن منها على تقية . وقال أحمد بن حنبل : إذا حدّث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوه . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وفي سؤالات السلمي للدارقطني : وأخرج البخاري عن بقية وبهز اعتبارا . قال : لأن بقية يحدث عن الضعفاء ، وبهز متوسط . وقال ابن عدي : يخالف في بعض رواياته الثقات ، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت ، وإذا روى عن غيرهم خلط ، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منه ، لا منهم ، وهوْ صاحب حديث . وفي الخلافيات لأبي بكر في أثناء كلام له : كيف وقد أجمعوا على أن بقية ليس بحجة . انتهى . وهو كلام يحتاج إلى تأويل وصرف عن ظاهره . وقال أبو حاتم بن حبان : سمع من شعبة ومالك وغيرهما أحاديث مستقيمة ، ثم سمع من أقوام كذابين ، عن شعبة ومالك ، فروى عن الثقات بالتدليس ما سمع من الضعفاء ، وكان أصحابه يفعلون ذلك ، ولا يحتج به . وفي كتاب العقيلي عن بقية قال : ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث ، فقال : ما أجود أحاديثك لو كان لها أجنحة . يعني : أسانيد . وقال وكيع : ما سمعت أحدا أجرأ على أن يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من بقية . وقال أبو عبد الله : وما سمعته يتناول أحدا إلا بقية ، ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء ، قال : فيه اختلاف . الثاني : محمد بن الفضل بن عطية العَبسي أبو عبد الله المروزي ، قال فيه ابن معين : ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وفي رواية : كان كذابا . وفي رواية : حديثه حديث أهل الكذب . وقال الجوزجاني : كان كذابا ، سألت ابن حنبل عنه فقال : ذاك عجب يأتي بالطّامات ، ولم يرضه ، وهو صاحب حديث : ناقة ثمود ، وبلال المؤذن . وقال ابن المديني : روى عجائب ، وضعفه . وقال النسائي ومسلم : متروك الحديث . وقال صالح بن محمد : كان يضع الحديث . وقال عبد الرحمن بن يوسف ابن خراش : متروك الحديث . وقال مرة : كذاب . وقال أبو بكر : قلت له - يعني الدارقطني - عنه ، قال : متروك . وقال ابن أبي حاتم : ثنا محمد بن يحيى ، أخبرني صالح ابن الضريس يقول لعمرو بن عيسى ، وحدث عن محمد بن الفضل ، فقال : ألم أنهك عن هذا الكذاب ؟ وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عنه ، فقال : ليس بشيء . وقال الآجريّ : سألت أبا داود عنه فوهاه . وقال عمرو بن علي : متروك الحديث كذاب . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : ذاهب الحديث ، ترك حديثه . وقال عبد السلام بن عاصم : سمعت إسحاق بن سليمان يسأل عن حديث من حديثه ، فقال : تسألوني عن حديث الكذابين ؟ وقال ابن راهويه : قال لي يحيى بن يحيى : كتبت عن محمد بن الفضل ثم مزّقته ، قلت : كان أهلهُ . قال إسحاق : وكان أبوه ثقة . وقال ابن عدي : وله غير ما ذكرت من الحديث ، وعامة حديثه ما لا يتابعه عليه الثقات . وقال أبو موسى المديني : ومحمد هذا ممن لا يُرتاب في تركه ، وكان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات ، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار . وقال الدارقطني : ضعيف . وبنحوه قاله الفسوي في تاريخه . الثالث : أبوه فضل بن عطية ، وإن كان ابن معين قال فيه : ليس به بأس . وبمثله قاله أبو زرعة ، ووثقه أبو داود لما سأله عنه الآجري ، وابن حبان ذكره في كتاب الثقات ، فقد قال فيه : يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه ؛ لأن ابنه في الحديث ليس بشيء . وقال عمرو بن علي وأبو أحمد بن عدي : ضعيف ، وذكره في كامله من حديث ابن الفضل ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بالله من وسوسة الوضوء . فخالف هذه الرواية في الإسناد واللفظ .

289

154 - حدّثنا علي بن محمد ، ثنا خالي يَعْلى ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الوضوء ، فأراه ثلاثا ثلاثا ، ثم قال : هذا الوضوء ، فمن زاد على هذا ، فقد أساء أو تعدى أو ظلم . هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، ثنا الأشجعي ، عن سفيان ثم قال : لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى ، وخرجه أيضا ابن الجارود في المنتقى . وخرجه أبو داود في باب : ما تفرد به أهل الطائف بلفظ : أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله كيف الطهور ؟ فدعا بماء في إناء ، فغسل كفّيه ثلاثا ، ثم غسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ، ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ، فمسح بإبهامه ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أُذنيه ، ثم غسل رجليه ثلاثا ، ثم قال : هكذا الوضوء . وإسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبي إبراهيم ، وحاله مختلف فيها على أربعة أنحاء : هل هو ثقة أم لا ؟ وهل حديثه متصل أم لا ؟ فأما الأول : فذكر يحيى بن سعيد القطان أنه إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به . وقال الأوزاعي : ما رأيت قرشيا أفضل من عمرو . وذكر ابن معين أنه ثقة في نفسه ، إنما بلي بكتاب أبيه ، عن جدّه . وقال أبو الفتح الأزدي : سمعت عدة من أهل العلم بالحديث يذكرون أنّ عمرا فيما روى عن ابن المسيب وغيره فهو صدوق ، وما رواه عن أبيه عن جدّه يجب التوقّف فيه . وقال النسائي : سمعت ابن راهويه يقول : عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده عندنا عدل ، وإنما دخل حديثه الوهن لرواية الضعفاء عنه ، وقد روى عنه جماعة من الأئمة ، قال أبو عبد الرحمن : وهو لا بأس به . وسئل أبو حاتم : عمرو أحب إليك أو بهز عن أبيه عن جدّه ؟ قال : عمرو ، عن أبيه ، عن جده أحب إلي . وسأله الكناني عن حديث عمرو ، عن أبيه ، عن جده ، فقال : يكُتب ما روى عنه الثقات ، ولا يحتج بها ، وفي رواية : وسئل عنه أيضا فقال : ما شأنه ؟ وغضب ، وقال : ما أقول فيه ؟ روى عنه الأئمة . وفي رواية يحيى بن منصور : يكتب حديثه . وفي كتاب الطبقات لمحمد بن عبد الله البرقي : قال لي ابن معين : كان عمرو ثبتا . وقال العجلي : هو ثقة . وقال البخاري : رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن عبد الله ، والحميدي ، وإسحاق بن إبراهيم ، وأبا عبيد ، وعامة أصحابنا ، يحتجون بحديث عمرو ، عن أبيه ، عن جده ، ما تركه أحد من الناس . قال محمد : قال حنبل : فمن الناس بعدهم ؟ وقال أحمد بن تميم : قلت لمن يتكلم فيه : تقول ماذا ؟ قال : يقولون : إن عمرا أكثر ، أو نحو هذا . وقال الدارقطني : لم يترك حديثه أحد من الأئمة ، وإذا بين جدّه فهو صحيح . وقال أبو زرعة : مكي ، كأنه ثقة في نفسه ، إنّما تكلم فيه بسبب كتاب كان عنده . الثاني : قال أيوب السختياني : كنت إذا أتيته غطيت رأسي حياء من الناس . وقال الليث : عليك بطاوس ومجاهد ، رد عني من جواليقك : عمرو بن شعيب وفلانا . وقال يحيى بن سعيد : حديثه عندنا واهٍ . وقال أحمد : أنا أكتب حديثه ، وربّما احتججنا به ، ورّبما وجس في القلب منه شيء ، وله مناكير . وفي رواية : ليس بحجة ، ومالك روى عن رجل عنه . وفي سؤالات الميموني : سمعت أحمد يقول : عمرو له أشياء مناكير ، وإّنما يكتب حديثه ليعتبر ، فأما أن يكون حجة فلا . وفي هذا معارضة لما ذكره البخاري قبل . وقال أبو حاتم : ليس بقوي ، يكتب حديثه ، ما روى عنه الثقات فيذاكر به ، وفي رواية ابن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معين : ليس بذاك . وقال الآجري : سألت أبا داود : عمرو عندك حجة ؟ قال : لا ، ولا نصف حجة . وفي موضع آخر : قال أبو داود ، عن أحمد : أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو ، عن أبيه ، عن جدّه ، وإذا شاءوا تركوه . وقال ابن عدي : أحاديثه عن أبيه عن جدّه اجتنبها الناس مع احتمالهم إيّاه ، ولم يدخلوه في صحيح ما خرجوه . وقالوا : هي صحيفة . ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء قال : قال سفيان بن عيينة : غيره خير منه . وفي كتاب ابن أبي حاتم عنه : وكان حديثه عند الناس فيه شيء . وقال أبو عمرو بن العلاء : كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يُعاب عليهما بشيء ، إلا أنّهما كانا لا يسمعان شيئا إلَّا حدّثا به . وفي كتاب الساجي : ثنا ابن المثنى ، ثنا حماد بن سلمة ، عن حميد ، قال : الناس يتهمون عمرًا في حديث رواه عن أبيه ، عن جدّه ، عن عمر بن الخطاب : أن النبي - عليه السلام - قضى في موالي المرأة لعصبتها دون ابنها ، وذكره البرقي في كتاب الطبقات في باب من ينسب من الثقات إلى الضعف . الثالث : قال البخاري في تاريخه الكبير : شعيب بن محمد سمع عبد الله بن عمرو ، سمع منه ابنه عمرو . وقال أبو عاصم : عن حَيوة ، عن زياد بن عمرو : شعيب بن محمد سمع عبد الله بن عمرو ، قال البخاري : إنّما أردنا بهذا أن شعيبًا سمع من عبد الله . وقال أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي : عمرو ثقة ، روى عنه الذين نظروا في الرجال ، واحتج أصحابنا بحديثه ، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو . وقال أبو الحسن البغدادي : رأى شعيب عبد الله . وقال في كتاب السنن : قال محمد بن علي الوراق : قلت لأحمد بن حنبل : عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئًا ؟ قال : يقول : حدّثني أبي ، قلت : فأبوه سمع من ابن عمرو ؟ قال : نعم أرَاهُ قد سمع منه ، قال : وسمعت أبا بكر النيسابوري ، يقول : هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد صح سماع عمرو من أبيه شعيب ، وسماع شعيب من جدّه عبد الله ، وبنحوه قاله ابن سرور . وأمّا قول البيهقي في المعرفة : لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في سماع عمرو من أبيه ، وإنّما الخلاف في سماع شعيب من جدّه عبد الله . وقد ذكرنا في مسألة الجماع في الإحرام ما دلّ على سماع شعيب من عبد الله بن عمرو ، وما نذكره بعد من الخلاف ، يرد عليه قوله ، والحمد لله وحده . الرابع : ذكر العقيلي عن يحيى : حديث عمرو كتاب ، إنما هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله ، وهو يقول : أبي عن جدّي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم فمن هنا ضُعّف أو نحو هذا . وقال الدوري عنه : إذا حدّث عمرو عن أبيه فهو كتاب ، وفي كتاب الطبقات للبرقي : كانوا يرون ما روى عن أبيه ، عن جدّه كتابا . وقال أبو زرعة : إنّما أنكروا عليه أنه روى صحيفة كانت عنده ، وكان مغيرة بن مقسم لا يعبأ بصحيفة عمرو ، وقال : ما يسرني أن صحيفته عندي بتمرتين أو بفلسين . وفي كتاب الساجي : عن أبيه عن جده - لا حجة فيه ، وليس هو بمتصل ، وهو ضعيف من قبل أنه مرسل ، وجد شعيب كتب عبد الله بن عمرو ، فكان يرويها عن جدّه إرسالًا ، وهي صحاح عن ابن عمرو ، غير أنه لم يسمعها . وفي تاريخ ابن أبي خيثمة الأوسط : سئل يحيى عن حديث عمرو ، عن أبيه ، عن جدّه ، فقال : ليس بذاك ، قال : وسمعت هارون بن معروف ، يقول : لم يسمع عمرو من أبيه شيئًا ، إنما وجده في كتاب ، وبنحوه قاله الترمذي . وقال ابن حبان في كتاب الثقات : شعيب يروي عن ابن عباس ، روى عنه ابنه عمرو ، ويُقال : إنه سمع جدّه عبد الله ، وليس ذلك بصحيح عندي . 155- حدثنا أبو إسحاق الشّافعي إبراهيم بن محمد بن العباس ، ثنا سفيان ، عن عمرو سمع كريبًا سمعت ابن عباس يقول : بت عند خالتي ميمونة ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ من شنة وضوءًا يقلله ، فقمت ، فصنعت كما صنع . هذا حديث خرجه الشيخان في صحيحيهما مطولًا بذكر الصلاة وغيرها ، وسيأتي طرف منه بعد - إن شاء الله تعالى - وميمونَةُ هي بنت الحارث بن حَزْن بن بجير بن الهُزَم بن رُؤيبة بن عبد الله بن هلال أخت لبابة الكبرى أم ابن عباس ، ولبابة الصغرى أم خالد ، عَصْيماء وعزة وأم حفيد هُزَيلة لأب وأم ، وأخواتها لأمها : أسماء وسلمى وسلامة بنات عُمَيس ، تزوجها - عليه السلام - بسرف وهو محرم . وقيل : وهو حلال في شوال سنة سبع ، وبنى بها به ، وتوفّيت به سنة ثلاث . وقيل : ست وستين . وقيل : إحدى وخمسين . وقيل : اثنتين وخمسين ، وضعفها ابن عساكر ، خلا الحادي والخمسين . وقيل : سنة ثمان وثلاثين ، ذكره البكري أبو عُبيد ، وهي آخر زوجة تزوجها صلى الله عليه وسلم .

290

باب ما جاء في القصد في الوضوء ، وكراهية التعدي فيه 153 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو داود ، ثنا خارجة بن مصعب ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن عتي بن ضمرة السعدي ، عن أبي بن كعب ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إن للوضوء شيطانا يقال له ولهان ، فاتقوا وسواس الماءِ . هذا الحديث مختلف فيه ؛ فممن صححه : الحافظ أبو بكر بن خزيمة وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ؛ بذكره له في الأحاديث المختارة ، وأبو عبد الله ابن البيع بذكره له شاهدا في مستدركه ، ونبه على تفرد خارجة به ، وكذلك قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وليس إسناده بالقوي ، لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة ، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه ، عن الحسن قوله ، ولا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء وفي العلل لابن أبي حاتم ، عن أبيه : كذا رواه خارجة ، وأخطأ فيه ، ورواه الثوري ، عن يونس ، عن الحسن قوله . ورواه غير الثوري ، عن يونس ، عن الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم مرسل . قال : وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث ، فقال : رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - منكر . وفي موضع آخر : هو عندي منكر . وفي كتاب التاريخ لأبي حاتم ، وقال له الكَناني : روى هذا الحديث غير خارجة ؟ فقال : لم يرو هذا الحديث غيره ، وهو متروك الحديث ، ولا يرويه عن يونس غيره ، وفيما قالوه نظر ؛ لأنا رأينا غير خارجة رواه أيضا ، وأسنده وهو محمد بن دينار الثقة برفع البأس عنه عند ابن معين وأبي حاتم ، الصدوق عند أبي زرعة ، الحسن الحديث عند ابن عدي . قال الهيثم بن كليب في مسنده : ثنا أبو بكر بن أبي خيثمة ، أنبأ موسى بن إسماعيل المنقري ، عن محمد بن دينار ، عن يونس . فذكره مرفوعًا . ولنذكر من حال أبي الحجاج خارجة بن مصعب الضبعي الخراساني ما يبين أمره ويوضحه ، وذلك أنه ممن ذكر البخاري أنّ وكيعًا تركه قال : وكان يدلس على غياث بن إبراهيم ، ولا نعرف صحيح حديثه من سقيمه . وسئِل عنه ابن معين ، فقال : ليس بشيء . وقال مرة : ليس بثقة . وقال أبو حاتم : مضطرب الحديث ، ليس بقوي ، يكتب حديثه ولا يحتج به ، مثل مسلم بن خالد ، لم يكن محله محل الكذب . وقال أحمد : لا يكتب حديثه ، وفي كتاب المروذي : سئل أحمد عنه فضعفه ، وقال : ما روى عنه ابن المبارك شيئًا في كتبه ، فقال له ابن أبي رزمة : بلى حديثًا واحدًا ، قال : وقد قالوا لابن المبارك فيه ، فقال : كيف أحدث عن رجل حدث بكذا ؟! لحديث منكر . وقال يحيى بن يحيى : هو مستقيم عندنا ، ولا ننكر من حديثه إلا ما كان يُدلس عن غياث ، وإنّا كنّا نعرف تلك الأحاديث . وقال النسائي والأزدي وابن خراش : متروك الحديث . وقال الدارقطني : هو وأخوه علي ضعيفان . وقال ابن عدي : وهو ممن يكتب حديثه ، وعندي أنّه إذا خالف في الإسناد أو المتن فإنّه يغلط ، ولا يتعمّد الكذب ، وإذا روى حديثًا منكرًا فيكون البلاء ممن روى عنه ، فيكون ضعيفًا . وقال ابن أبي شيبة : سألت عليًا عنه فقال : هو عندنا ضعيف . وقال ابن حبان : لا يحل الاحتجاج بخبره . وفي كتاب الآجري : سألت أبا داود عنه ، فقال : ضعيف ، وفي موضع آخر : سمعت أبا داود يقول : خارجة أودع كتبه غياث بن إبراهيم ، فأفسدها عليه . وفي موضع آخر : سألت أبا داود عنه ، فقال : ليس بشيء . وذكره العُقيلي ، والبلخي ، ويعقوب بن سفيان ، في الضعفاء . وقال الساجي : كان يرى الإرجاء ، تركه وكيع . فتبيّن بمجموع ما ذكر أنّ الصواب قول من ضعف الحديث بخارجة ، ومن صححّه بوجوده وتفرده على ما زعم لا عذر له ، وأنّ الحديث الذي أورده الهيثم صحيح الإِسناد ، والله أعلم .

291

157 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا قتيبة ، ثنا ابن لهيعة ، عن حيي بن عبد اللَه المعافري ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال : ما هذا السرف ؟ قال : أفي الوضوء إسراف ؟ قال : نعم ، وإن كنت على نهر جار . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة المتقدم الذكر ، وحيي بن عبد الله أبي عبد الله المعافري المصري ، قال فيه أحمد بن حنبل : أحاديثه مناكير . وقال البخاري : فيه نظر . ولما ذكره ابن عدي قال : أرجو أنه لا بأس به . وقال النسائي : ليس بالقوي ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء . ولما ذكره الساجي قال : عنده مناكير . وقال ابن معين : لا بأس به ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وفي هذا المعنى حديث إسناده صحيح ، رواه أبو حاتم البُستي في صحيحه من حديث الجريري ، عن أبي العلاء ، قال : سمع عبد الله بن مغفل ابنا له ، وهو يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها ، فقال : يا بني سل الله الجنة ، وتعوذ به من النّار ، فإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور وفي الدعاء ، ثم قال : سمع هذا الخبر الجريري ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير وأبي نعامة العدوي ، فالطريقان جميعا محفوظان ، وحديث أبي نعامة المشار إليه ، روى ابن ماجه حديثه في كتاب الدعاء مقتصرا على ذلك . ورواه أبو داود مطولا في كتاب الطهارة ، وحديث عمران بن الحصين . ذكره البيهقي في كتاب السنن ، وحديث ذي مخبر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وضوءا لم يلت منه التراب . ذكره البرقي في تاريخه ، من رواية آدم ، عن حريز ، ثنا يزيد بن صالح عنه ، وحديث أبي كاهل : قال لي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا أبا كاهل ضع الوضوء منك مواضعه ، وأبق فضل وضوئك لأهلك ، لا تعطش أهلك ، ولا تشق على خادمك . رواه أيضا عن آدم ، ثنا الهيثم بن جماز ، عن ابن أبي كثير عنه . وحديث أبي الدرداء ذكره أبو عبيد في كتاب الطهور ، فقال : ثنا أبو أيوب ونعيم بن حماد ، عن بقية ، ثنا أبو بكر بن أبي مريم ، قال : قال أبو أيوب ، عن شريح بن عبيد ، وقال نعيم : عن حبيب بن عبيد ، عن أبي الدرداء ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : أنه مر بنهر فنزل وأخذ قعبا معه ، فملأه من الماء ، ثم تنحى عنه ، فتوضأ ، ففضل من ذلك الماء ، فرده إلى النهر ، وقال : يبلغه الله - عز وجل - إنسانا أو دابة وأشباهه ينفعهم الله تعالى به . وذكره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عُبيد في مسند أبي الدرداء بنحوه . ولما ذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث في العلل قال : قال أبي : حبيب عن أبي الدرداء مرسل . وحديث أنس بن مالك قال - عليه السلام - : لا خير في صب الماء ، وقال : إنه من الشيطان يعني : كثرة صب الماء . ذكره أبو نعيم في تاريخه من حديث محمد بن جعفر الوركاني ، ثنا سعيد بن ميسرة ، عنه . الشيطان : اشتقاقه من قولهم : دار شطون ، ونوى شطون ، أي : بعيدة . قال نابغة بني شيبان : فأصبحت بعدما وصلت بدارٍ شَطُون لا تُعاد ولا تعودُ بمعنى تباعده من الخير ، أو تكون لغيه وهلاكه ، أخذ من قولهم : قد شاط الرجل يشيط ، إذا هلك ، قال الأعشى : قد نطعن العير في مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل أراد : وقد يهلك على أرماحنا . ذكره ابن الأنباري وأبو القاسم الزجاجي . وقوله : أساء ، قيل : أساء في الأدب ، بتركه السنة والتأدب بآداب الشّرع ، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب ، بترداد المرات في الوضوء . وقيل : ظلم : جاوز الحد ، ونقص : يحتمل أن يريد به نقصان العضو ، والشنّة : كل وعاءٍ من أدم خلق ، والجمع الشنان ، وقد تشان : إذا أخلق . قال أبو عمر : الشن : قطران الماء من الشنة ، شيء بعد شيء ، وهو الشنين ، قال الشاعر : يا من لدمع دائم الشنين وفي الصحاح تقييد الشنة بالصغيرة .

292

93 - حدّثنا أبو كريب ، ثنا معاوية بن هشام ، عن يونس بن الحارث ، عن إبراهيم بن أبي ميمونة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نزلت في أهل قباء فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ، قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت فيهم هذه الآية . هذا حديث قال فيه الترمذي عند تخريجه : غريب من هذا الوجه . ولما ذكره أبو داود سكت عنه ، وكذلك عبد الحق . وتعقب عليه أبو الحسن بن القطان بأن قال : احتمل أن يكون من قسم ما يتسمح فيه ، وهو حديث إنّما يرويه إبراهيم بن أبي ميمونة ، وهو مجهول الحال لا يعرف روى عنه غير يونس بن الحارث الطائفي ، وهو ضعيف . قال فيه ابن معين : لا شيء . وسئل أحمد عنه فقال : مضطرب الحديث ، وحكى أبو أحمد عن ابن معين أنه قال فيه : ضعيف ، وعنه قول آخر : إنّه ليس به بأس ، يكتب حديثه . وقال النسائي : ليس بالقوي ، وعندي أنه لم تثبت عدالته وليس له من الحديث إلا اليسير . قاله ابن عدي . والجهل بحال إبراهيم كاف في تعليل الخبر ، والله تعالى أعلم . انتهى قوله . وفيه نظر لكونه قد عصب الجناية برأس إبراهيم ، وليس كذلك فإنّه ممن ذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات ، فذهب ما توهمه من جهالة حاله ، والله أعلم . فيشبه أن يكون سكوت أبي محمد تابعًا لسكوت أبي داود ، والترمذي ، فلم يقض عليه بشيء ، إذ الغرابة تكون في الحديث الصحيح . وقول ابن معين فيه : لا بأس به يكتب حديثه توثيق . وكذا قاله ابن عدي . وقال أبو داود : مشهور ، وروى عنه غير واحد ، ومع ذلك فهو معروف في غير ما حديث . وأما قول الترمذي : وفي الباب عن أبي أيوب وأنس وابن سلام ففيه نظر ؛ لإِهماله حديث جابر بن عبد الله ، وحديث عويم وابن عباس المذكورين قبل ، وحديث عمر بن الخطاب . قال مهنأ : ذكرت لأحمد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : رأيت عمر بن الخطاب بال فمسح ذكره بالتراب ، ثم توضأ ، ثم التفت إلي ، فقال : هكذا علمنا . قال أحمد : ليس بصحيح . قال شعبة : قال الحكم : إنما كان لعبد الرحمن بن أبي ليلى حين قتل عمر ست أو سبع سنين . شعبة عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى قال : كان لعمر مكان يبول فيه . لم يذكر رأيت عمر ، وحديث محمد بن عبد الله بن سلام ذكره الفريابي عن مالك بن مغول : سمعت سيارا أبا الحكم يذكر عن شهر ، عن محمد بن عبد الله بن سلام ، قال : لما قدم علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله أثنى عليكم في الطهور ، قال : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ، ألا تخبروني ؟ قالوا : يا رسول الله إنا نجده مكتوبًا في التوراة أن نستنجي بالماء . ذكره البرقي في تاريخه ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب ابن حبان والترمذي من حديث أبي عوانة ، عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة ، أنها قالت : مُرن أزواجكن أن يغسلوا إثر الغائط والبول بالماء ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . وقال فيه : حسن صحيح . وفي لفظ لأحمد : وهو شفاء من الناسور . كذا هو في المسند . ولما سئل عنه فيما ذكره حرب الكرماني ، قال : لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث ، قيل : فحديث عائشة ؟ قال : لا يصح ؛ لأنّ غير قتادة لم يرفعه . وفي كلامه نظر ؛ لأن الحربي ذكر في كتاب العلل من تأليفه : هذا الحديث اختلف فيه أصحاب معاذة ؛ فرفعه قتادة ، وليس منتشرا عنه ، وأوقفه يزيد الرشك ، واتفق على ذلك أصحابه إلَّا ابن شوذب فإنه رفعه ، والوهم في ذلك منه أو من ضمرة ، والصواب ما أجمع عليه شعبة ، وابن علية ، وحماد بن زيد ، وعبد الوارث ، وجعفر بن سليمان . ورواه أبو قلابة أيضا فأوقفه ، ولم أسمعه عنه إلا من حديث أيوب ، ولم يختلف أصحاب أيوب إلا ابن طهمان ، فإنه رفعه . ورواه عاصم الأحول فأوقفه ، إلَّا أن أبا زيد قد رفعه عنه ، وعاصم أحفظ من أبي زيد ، إن شاء الله . ورواه إسحاق بن سويد وعائشة ابنة عرار ، فأوقفاه ، والحديث عندي - والله أعلم - موقوف ؛ لكثرة من أجمع على ذلك ممن تقدّم ذكره ، فهذا كما ترى غير قتادة رفعه . ووهم ابن شوذب عن يزيد وابن طهمان ، وأبو زيد عن أيوب . وفي كلام أبي إسحاق الحربي نظر ، وذلك في قوله : وفي حديث عائشة ابنة عرار وإسحاق بن سويد موقوف . ولما ذكره الطبراني في الأوسط ، فإنه لما ذكر حديث عائشة مرفوعا ، قال : لم يروه عنها إلَّا هشام بن حسان ، تفرد به عمر بن المغيرة . وقال في حديث إسحاق حين رواه كذلك : لم يروه عنه إلَّا إبراهيم بن مرثد العدوي ، تفرد به حوثرة بن أشرس ، ولئن سلمنا لهم أن غير قتادة لم يروه ، وأنه منفرد بذلك ، فلا يضر ذلك الحديث ؛ لأنه مع علمه وحفظه إذا رفع حديثا خالفه فيه غيره ، قبل قوله ، وهو الصحيح ؛ لكونها زيادة من حافظ ، والله تعالى أعلم . وفي حديث معاذة المذكور علة أغفلاها ، أعني الإِمامين أحمد والحربي ، وهي انقطاع ما بين قتادة ومعاذة ، ذكر ذلك يحيى بن معين فيما حكاه عنه ابن أبي حاتم ، وفي كتاب البلخي : قال شعبة : كنت إذا قدمت المدينة يسألني الأعمش عن حديث قتادة ، فقلت له يوما : ثنا قتادة ، عن معاذة ، فقال : عن امرأة ؟! اغرب ، اغرب . وفي قول الإِمام أحمد : لم يصح في الاستنجاء حديث نظر ؛ لما في الصحيح من حديث أنس : كنت أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء ، فيستنجي بالماء . ولفظ أبي عوانة في صحيحه يرد ما قاله ، وهو : فخرج علينا وقد استنجى بالماء . وفي لفظ له : إذا تبرز لحاجته أتيته بالماء فتغسل به . ولو سلم من كلام قاله الأصيلي ، وهو القائل : فيستنجى بالماء ، هو أبو الوليد هشام بن الوليد . وفي الصحيح : وانتقاص الماء ، وفسر بالاستنجاء ، وقد تقدم . وحديث عائشة المذكور عند ابن ماجه وابن حبان ، وحديث ابن مسعود قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ، فأتيته بماء ، فقال : مَنْ أمرك بهذا؟ قلت : ما أمرني أحد ، قال : قد أحسنت ، أبشر بالجنة . ذكره أبو القاسم في معجمه الأوسط ، وقال : لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن مرة عن إبراهيم بن يزيد يعني عن عبيدة عنه إلا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم ، ورواه الأعمش وأبو الجحاف عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن عبيدة عن عبد الله . وحديث جرير الآتي بعد : فأتيته بماء فاستنجى به وهو مصحح وغير ذلك ، وحديث معاذة مذكور في مسنده ، وهو قد أخبر عن نفسه أنَه لا يقع فيه إلا ما صح عنده ، أنا بذلك الشيخ الإِمام كمال الدين عبد الرحيم بن عبد المحسن بن أبي عامر ، قراءة عليه ، أنا الإمام نجيب الدين الحراني ، عن الحافظ أبي محمد عبد الغني المقدسي ، قالَ : قرأت على الإمام الحافظ محيي السنة أبي موسى المديني في كتاب خصائص المسند من تأليفه . فذكره . فلا عدول له عنه على هذا ، والله أعلم . وطريق الجمع بين هذه الأخبار وحديث عمر : ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ ، ولو فعلت لكانت سنة الحمل على النّدب لا الوجوب ، استدامة للطهارة ؛ لما تقدّم في استحباب الجمع ، وقد روي في فضل ذلك حديث رواه بريدة مرفوعا . قولها : يغسل مقعدته يعني دبره ، ومن أسمائها : العجز والعجيزة ، والسه ، والمؤخر ، والإلية ، والكفل ، والبوص ، والمعرص ، والسته ، والوجعاء ، والصحارى ، والجهوة ، والذعرة ، وَالوباعة ، وأم سويد ، وأم خنور ، وأم النعمة ، وأم عزم ، وأم عزمة ، وأم عزيمة ، وأم عزمل ، وأم سكين ، وأم تسعين ، وأم كيسان . لخصت ذلك من كتاب العرب المصنف ، وجامع القزاز ، والتلخيص لأبي هلال العسكري ، والآباء والأمهات لعيسى بن إبراهيم القيسي ، وكتاب البنت والبنات لأبي السري عبد الرحيم بن محمد بن أحمد ، وأعرضت عما ذكره التيفاشي في كتاب فصل الخطاب لكون معظمه لم تتكلم به العرب . وأما قباء فهو فيما ذكره البكري في كتاب معجم ما استعجم ، ممدود على وزن فعال ، من العرب من يذكره ويصرفه ، ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه ، وهما موضعان : موضع في طريق مكة من البصرة ، وبالمدينة ، وقال ابن الأنباري في كتاب التذكير والتأنيث ، وقاسم في الدلائل : وقد جاءت قباء مقصورًا ، وأنشدا : فلأبغينكم قبا وعوارضًا ولأقبلن الخيل لابه ضَرغد وهذا وهم منهما ؛ لأنّ الذي في البيت إنّما هو قناء بفتح القاف بعدها نون ، وهو جبل في ديار بني ذبيان ، وهو الذي يصلح أن يقرن ذكره بعوارض ، وكذلك أنشده جميع الرواة الموثوق بروايتهم ونقلهم في هذا البيت . وقال الهمداني : القباء اسم للأرض بلغة حمير . انتهى كلامه ، وفيه نظر في موضوعين : الأول : في قوله : وهما موضعان يفهم من كلامه أنه ليس غيرهما ، وليس كذلك ، فإنّ ياقوت زاد ثالثا ، قال : وهي قرية في أول أرض اليمن من عمل الكوز ، ورابعا بلدة كبيرة من نواحي فرغانة قرب الشاش ، ينسب إليها أبو المكارم رزق الله بن محمد بن أبي الحسن القبائي ، سكن بخارى ، وكان أديبا فاضلًا ، سمع منه أبو سعد وغيره . والثاني : قوله : موضع في طريق مكة إلى آخره ؛ لأن الحنفي زعم أنه منهل ، وكذا ذكره أبو حاتم السجستاني - رحمهما الله - وإن كانت اللغة لا تمنع من تسمية المنهل موضعا ، فإن العرف يقضي عليها ، والله أعلم .

293

91 - حدّثنا هشام بن عمار ، نا صدقة بن خالد ، ثنا عتبة بن أبي حكيم ، حدثني طلحة بن نافع ، أخبرني أبو أيوب الأنصاري ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، قال : لما نزلت فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا معشر الأنصار ، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور ، فما طهوركم ؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ، ونغتسل من الجنابة ، ونستنجي بالماء ، قال : فهو ذاك ، فعليكموه . هذا معلل بأشياء : الأول : ضعف عتبة بن أبي حكيم الهمداني أبي العباس الشامي الطبراني الأزدي ، فيما قاله أبو عبد الرحمن النسائي وابن معين . وفي كتاب الآجري : قال أبو داود : سألت ابن معين عنه ، فقال : والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث ، وكان الإِمام أحمد يوهِّنه قليلًا ، وقال ابن عدي : أرجو أنّه لا بأس به . وقال السعدي : كان غير محمود في الحديث . وقال محمد بن عوف الحمصي : ضعيف الحديث ، ومع ذلك وثقه مروان الطاطري ، وأبو زرعة الدمشقي ، وأبو القاسم الطبراني . وقال أبو حاتم : لا بأس به . الثاني : أبو سفيان طلحة بن نافع ، وإن كان مسلم خرج حديثه ، فقد تكلّم فيه غير واحد ، منهم ابن معين بقوله : ليس بشيء ، ويعقوب بن سفيان ، والحربي ، وأبو محمد بن حزم ، والإشبيلي ، وغيرهم . الثالث : انقطاع حديثه ؛ وذلك أن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب المراسيل : سمعت أبي يقول ، وذكر حديثا رواه عتبة بن أبي حكيم ، عن أبي سفيان ، قال : حدثني أبو أيوب وجابر وأنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبي : لم يسمع أبو سفيان من أبي أيوب ، فأما جابر فإن شعبة يقول : سمع أبو سفيان من جابر أربعة أحاديث ، قال أبي : وأما أنس فإنه يحتمل ، ويقال : إنّ أبا سفيان أخذ صحيفة جابر من صحيفة سليمان اليشكري . وقال وكيع ، عن شعبة : حديثه عن جابر صحيفة ، وبمثله قاله سفيان بن عيينة . وقول الأعمش عنه : جاورت جابرًا ستّة أشهر ليس صريحًا في السماع ، فكم من مجاور لا يعرف حال جاره ، وآخر مسافر مطلع على أسراره . وقال البستي في كتاب الثقات : يروي المقاطيع ، وقد روى عن أنس ولم يره ، وحديث الباب يقضي له بالسماع منهم ، لكنه على لسان ضعيف ؛ فلهذا لم يعتبره أبو حاتم ، والله أعلم . ولما خرجه الحاكم من حديث محمد بن شعيب بن شابور ، حدّثني عتبة به ، قال : هذا حديث كبير صحيح في كتاب الطهارة ، فإنّ محمد بن شعيب وعتبة بن أبي حكيم من أئمة أهل الشام ، والشيخان إنّما أخذا مخ الروايات ، ومثل هذا لا يترك . قال إبراهيم بن يعقوب : محمد بن شعيب أعرف الناس بحديث الشاميين ، وله شاهد بإسناد صحيح . أخبرناه أحمد بن سلمان ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا إسماعيل بن أبي أويس ، ثنا أبي ، عن شرحبيل بن سعد ، عن عويم بن ساعدة الأنصاري ثم العجلاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأهل قباء : إن الله قد أحسن الثناء عليكم في الطهور ، وقال : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا حتى انقضت الآية ، فقال لهم : ما هذا الطهور ؟ الحديث . ثنا أبو العباس ، ثنا محمد بن خالد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ، قال : لما نزلت هذه الآية بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عويم ، فقال : ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به ؟ قال : يا نبي الله ، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره ، أو قال : مقعدته ، فقال - عليه السلام - : ففي هذا . قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وقد حدث به سلمة بن الفضل هكذا ، عن ابن إسحاق ، ولما ذكره الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن صبيح ، ثنا أبو أويس به ، قال : لم يرو عن عويم إلا بهذا الإِسناد ، فيحتمل أن يكون أراد إسماعيل فمن بعده ، فإن كان كذلك فهذا يرُدّ عليه ، وإن أراد أنه لم يقع إلا بهذا الإسناد فقريب ، والله أعلم . قال الحاكم : وحديث أبي أيوب شاهده : ثنا أبو بكر بن إسحاق ، أنا محمد بن أيوب ، وأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى ، ثنا إسماعيل بن قتيبة ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن واصل بن السائب الرقاشي ، عن عطاء بن أبي رباح وأبي سَورة ، عن عمه أبي أيوب ، قال : قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين نزل فيهم فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا الحديث . انتهى ما ذكر . وقد تقدّم في حديث طلحة ما فيه كفاية . وأما تصحيحه حديث شرحبيل بن سعد ، وكذلك ابن خزيمة لما رواه في صحيحه ، عن محمد بن يحيى ، ثنا إسماعيل بن أبي أويس به ، ففيه نظر ، وذلك أنه ممن وصفه ابن سعد بالاختلاط وعدم الاحتجاج به . وقال ابن إسحاق بن يسار : نحن لا نروي عنه شيئا ، وكان متهما . وقال سفيان : احتاج ، فكأنهم اتهموه ، وكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل وطلب منه شيئا ، ولم يعطه ، أن يقول : لم يشهد أبوك بدرا . وقال ابن أبي ذئب : أما شرحبيل فهو شرحبيل ، وقد بينّا لكم ، يعني أمره ، وكان متهمًا . وقال أبو زرعة : فيه لين . وقال مالك : ليس بثقة . وقال النسائي : ضعيف . وقال ابن معين : ليس هو بشيء ، ضعيف . وقال الدارقطني : يعتبر به ، وهو ضعيف . وقال ابن عدي : وفي عامة ما يرويه إنكار . الثاني : انقطاع حديثه ، وذلك أن عويمًا توفي في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم وقيل : في خلافة عمر ، وأياما كان فمتعذر سماعه منه ؛ لأني لم أر له شيخًا مذكورًا في كتب العلماء أقدم موتًا من زيد بن ثابت - رضي الله عنه - وكانت وفاته أيام معاوية .

294

الاستنجاء بالماء 90 - حدثنا هناد بن السري ، ثنا أبو الأحوص ، عن منصور ، عن إِبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من غائط قطّ إلا مس ماءً . هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه كما قدمناه ، فقال : ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ، ثنا أبو الأحوص بزيادة : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صائما العشر قط ، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء . ولما ذكر البزار في مسنده حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود عنها : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صائمًا العشر قط ، عن ابن المثنى وعمرو بن علي قالا : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش قال : وهذا الحديث لا نعلم له طريقًا عن عائشة إلا هذا الطريق ، وقد تابع الأعمش الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم . انتهى . وفيما قاله نظر ؛ لما أسلفناه من عند ابن حبان ، والله أعلم .

295

92 - حدّثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن شريك ، عن جابر ، عن زيد العمي ، عن أبي الصديق الناجي ، عن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغسل مقعدته ثلاثًا . قال ابن عمر : فعلناه ، فوجدناه دواءً وطهورًا . هذا حديث قال فيه الطبراني في الأوسط : لم يروه عن أبي الصديق إلا العمي ، ولا عنه إلَّا جابر ، تفرد به شريك ، وخرجه في موضع آخر بلفظ : قال - عليه السلام - : استنجوا بالماء البارد ، فإنه مصحة للبواسير ، رواه عن عبد الوارث بن إبراهيم ، ثنا عمار بن هارون ، نا أبو الربيع السمان ، عن هشام ، عن أبيه عنها ، وقال : لم يروه عن هشام إلَّا أبو الربيع ، تفرد به عمار ، يعني المخرج حديثه في صحيح أبي عبد الله ، ولما ذكره أبو حاتم في الثقات قال : رّبما أخطأ . فهذا - والله أعلم - أصح من حديث ابن ماجه ؛ لأنه معلل مع التفرد بأشياء : الثالث : ما يتوهم من انقطاع ما بين أبي الصديق وعائشة ، فإني لم أر أحدا ذكر ذلك حين عددت مشائخه ، ولم يأت هنا ما يدلّ على سماعه منها ، فيتوقف فيه إلى أن يظهر ذلك بطريقه ، الله أعلم .

296

باب ما جاء في الوضُوءِ مرةً ومرتين وثلاثًا 151 - حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي ، حدّثني مرحوم بن عبد العزيز العطار ، حدّثني عبد الرحيم بن زيد العمي ، عن أبيه ، عن معاوية بن قرة ، عن ابن عمر قال : توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة واحدة ، فقال : هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به ، ثم توضأ ثنتين ثنتين ، فقال : هذا وضوء القدر من الوضوء ، وتوضأ ثلاثا ثلاثا ، وقال : هذا أسبغ الوضوء ، وهو وضُوئي ووضوء خليل الله إبراهيم ، ومن توضأ هكذا ، ثم قال عند فراغه : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فتح له أبواب الجنة ، يدخل من أيها شاء . هذا حديث جمع ضعفا وانقطاعا . أما الأول : فأبو زيد عبد الرحيم بن زيد ، قال فيه ابن معين : ليس بشيء . وقال مرة أخرى : كذاب . وقال البخاري : تركوه . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال الجوزجاني : هو غير ثقة ، وفي موضع آخر : متروك . وأبو داود والسعدي : ضعيف . قال ابن عدي : يروي عن أبيه غير حديث منكر ، وله أحاديث لا يتابعه الثقات عليها . وقال أبو حاتم الرازي : ترك حديثه ، وفي العلل : متروك الحديث ، وكذا قاله الدارقطني . وقال أبو زرعة : واه ، وأبوه زيد بن الحواري أبو الحواري . قال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : ليس بقوي ، واهي الحديث ، ضعيف . وقال النسائي : ضعيف . وقال ابن معين : يكتب حديثه على ضعفه ، وفي رواية : ليس بشيء . وقال الجُوزجاني : متماسك . وقال الدارقطني وأحمد : صالح . وقال ابن عدي : وعامة ما يرويه ومن يروي عنه ضعفاء ، هو وهم ، على أن شعبة قد روى عنه ، ولعلّ شعبة لم يرو عن أضعف منه . ولما سأل ابن أبي شيبة عليًّا عنه ، قال : كان ضعيفًا عندنا . ولما ذكر الحديث ابن طاهر في ذخيرة الحفاظ ضعفه بهما ، وذكره البيهقي في الخلافيات ، وقال : حديث غير ثابت . وقال أبو حاتم البستي : يروي عن أنس أشياء موضوعة ، لا يجوز الاحتجاج بخبره . وقال الرشاطي : كان واهي الحديث من قيل فيه النقد هو : زيد العمي . وأما الانقطاع فذكر ابن أبي حاتم في كتاب العلل : أنه سأل أباه عن هذا الحديث فقال : لا يصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم . وسئل أبو زرعة عنه فقال : هو عندي حديث واهٍ ، ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر ، قلت لأبي : فإن الربيع بن سليمان ثنا بهذا الحديث عن أسد بن موسى ، عن سلَّام بن سليم ، عن زيد ، عن معاوية بن قرّة ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هذا سلام الطويل ، وهو متروك الحديث ، وزيد هذا هو العمي ، وهو ضعيف الحديث . وفي علل الدارقطني : رواه سلام ، ثنا محمد بن الفضل بن عطية وعبد الرحمن ، عن زيد ، عن معاوية ، عن ابن عمر . ورواه أبو إسرائيل الملائي ، عن العمي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ووهم فيه ، والصواب قول من قال : عن معاوية بن قرّة . وقال فيه ابن حزم : العطار عن عبد الرحيم بن زيد ، عن أبيه ، عن معاوية بن قرّة مرسلًا ، كذا ذكره ، وحديث ابن ماجه يرد قوله ، والله أعلم . وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من هذين الضعيفين ذكرها عبد الغني بن سعيد في كتاب إيضاح الإشكال ، فقال : ثنا أبو يعقوب يوسف الصقلابي أن محمد بن إبراهيم الديلي حدّثهم ، ثنا إبراهيم بن عبد الرحيم ، ثنا أبو بكر الكلبي ، ثنا سعد بن إبراهيم ، عن معاوية فذكره . ولما ذكر الحاكم حديث أبي هريرة مرفوعًا : توضأ مرتين مرتين . قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وشاهده الحديث المرسل المشهور ، عن معاوية بن قرة ، عن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة الحديث بطوله . وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق حسنة : أنا بها جماعة من شيوخنا إجازة ، عن يوسف بن خليل ، ثنا خليل بن أبي الرجاء الداراني بقراءتي عليه ، أخبركم أبو علي الحداد ، أنا الإِمام أبو نعيم بجميع كتاب حديث عبد الله بن دينار من تأليفه ، أنا محمد بن أحمد بن حمدان ، نا الحسن بن سفيان ، ثنا المسيب بن واضح ، وثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا عبدان ، ونا أبو أحمد الحافظ ، ثنا أبو عروبة الحراني ، ونا محمد بن إبراهيم ، ثنا أبو عروبة قالوا : نا المسيب بن واضح ، ثنا جعفر بن ميسرة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر . والمسيب روى عنه جماعة ، منهم : الرازيان وابن أبي داود وأبو عروبة والباغندي وبقي بن مخلد ، وسُئل عنه أبو حاتم ، فقال : صدوق كان يخطئ كثيرًا ، فإذا قيل له لم يقبل . وقال أبو عروبة : كان لا يحدث إلا بشيء نعرفه يقف عليه . وقال أبو نصر هبة الله بن عبد الجبار بن فاخر بن معاذ الهجري : كان شيخًا جليلًا ثقة بمرة مع الاتباع ، وكان يخطئ . وقيل لعبدان : أيما أحب إليك : المسيب ، أو إسماعيل بن عياش ؟ فقال : كلاهما سواء ، وكان أبو عبد الرحمن النسائي حسن الرأي فيه ، ويقول : الناس يؤذوننا فيه ، أي : يتكلمون فيه . وقال ابن عدي : وهو ممن يكتب حديثه ، وهو لا بأس به . ولما روى الدارقطني حديثه هذا ، عن دعلج ، عن الحسن ، قال : تفرد به عن جعفر : المسيب ، وهو ضعيف . ولما ذكره البيهقي قال : وهذا الحديث من هذا الوجه ينفرّد به المسيب ، وليس بالقوي . وقال في المعرفة : المسيب غير محتج به ، وروي من أوجه كلها ضعيفة . وقال الساجي : تكلّموا فيه ، أحاديثه مناكير . فلزم بمجموع ما تقدم ألا عيب فيه إلا الخطأ ، وذلك مرفوع هنا لما سلف من متابعيه ، والله أعلم .

297

152 - حدّثنا جعفر بن مسافر ، ثنا إسماعيل بن قعنب أبو بشر ، ثنا عبد الله بن عَرَادة الشيباني ، عن زيد بن الحَواري ، عن معاوية بن قرة ، عن عبيد بن عمير ، عن أبي بن كعب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء فتوضأ مرةً مرةً ، فقال : هذا وظيفة الوضوء ، أو قال : وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة ، ثم توضأ مرتين مرتين ، ثم قال : هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال : هذا وضوئي ووضُوء المرسلين قبلي . هذا حديث قال فيه أبو الحسن الدارقطني في كتاب العلل الكبير : . وفي الباب أحاديث غير هذين . منها : حديث عائشة ، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل من تأليفه ، فقال : سئل أبو زرعة عن حديث رواه عباس النرسي ، عن يحيى بن ميمون ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة الوضوء مرة مرة ، فقال : هذا الذي افترض الله عليكم ، ثم توضأ مرتين مرتين فقال : من ضعف ضعف الله له ، ثم أعادها الثالثة فقال : هذا وضوءنا معشر الأنبياء . قال أبو زرعة : هذا حديث واه ، منكر ، ضعيف . وفي موضع آخر : فمن زاد على ذلك فقد أساء وأربى . قال أبو زرعة : ليس لهذا الحديث أصل ، وامتنع من قراءته علينا . ومنها : حديث عكراش بن ذؤيب التميمي الذي شهد مع عائشة الجمل ، فقال الأحنف : كأنكم به قد أتي به قتيلا ، أو به جراحة لا تفارقه حتى يموت ، فضرب ضربة على أنفه ، فعاش بعدها مائة سنة وأثر الضربة به . ذكره ابن دريد في الاشتقاق الكبير ؛ فعلى هذا يكون قول من قال : إن أبا الطفيل آخر من مات من الصحابة غير صواب ؛ لتأخّر عكراش عن ذلك . قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب بن أبي عصمة : ثنا النضر بن طاهر ، ثنا عبيد الله بن عكراش ، حدثني أبي قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة ، وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ، وتوضأ مرتين مرتين ، وقال : هذا وسط من الوضوء . ولما ذكر ابن حبان عكراشا في كتاب الصحابة ، قال : غير أني لست بالمعتمد على إسناد خبره ، والله أعلم . ومنها : حديث أبي رافع المتقدم الذكر . ومنها : حديث بريدة بن الحصيب ، ذكره الطبراني في الأوسط من حديث ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : دعا - عليه السلام - بوضوء ، فتوضأ واحدة واحدة ، وقال : هذا هو الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به ، ثم توضأ مرتين مرتين الحديث ، ثم قال : لا يُروى عن ابن بريدة إلا بهذا الإِسناد . تفرد به محمد بن أبي السري ، وحديث زيد بن ثابت وأبي هريرة مرفوعا ، المذكورين عند ابن عساكر في مجموع الرغائب ، وقال : تفرد به علي بن الحسن السّامي ، عن مالك . وحديث عبد الله بن زيد المذكور عند البغوي الكبير : توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين . وروى عن سريج ، ثنا فليح ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عباد عنه . وحديث حبيب بن زيد ، قال - عليه السلام - : الوضوء واحدة ، وثنتان ، وثلاثة ، لا تحل زيادته ، ولا ينقص من واحدة ، ذكره المديني من حديث عبد الرحمن بن جبلة ، عن حسين بن زيد الكندي ، عن ابن حبيب ، عن أبيه حبيب .

298

149 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا محمد بن يوسف ، عن سفيان ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي مالك الأشعري قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ثلاثًا ثلاثا . هذا حديث إسناده جيّد ، ولولا الاختلاف في حال رواته لقيل فيه : صحيحا ، لما عضده من الشواهد والمتابعات ، ولأنه لم يتكلم فيهما بقادح ، يُرّد به حديثهما ، وللعرفان بحال الواسطة وعينه ، أما ليث فهو ابن أبي سليم أنس . كذا ذكره ابن الجوزي ، ويشبه أن يكون وهم ؛ لأن العقيلي فرق بين ليث بن أبي سليم زياد ، وبين ليث بن أنس بن زنيم الليثي الراوي ، عن ابن سيرين ، يكنى أبا بكر ، ويقال بكير ، كوفي . وإن كان ابن سرور ذكر أنّ الشيخين رويا له ، فيشبه أن يكون وهما ؛ وذلك أن الكلاباذي ، والحاكم ، واللالكائي ، والحبال ، والباجي ، لم يذكره أحد منهم في كتابه ، اللهم إلَّا لو قال : إنّ محمدا استشهد به ، وروى له في رفع اليدين ، وقرنه مسلم بأبي إسحاق الشيباني لكان صوابًا ، وكذلك قاله ابن معين ، زاد أبو الحسن : سئل وكيع عن حديث من حديثه ، فقال : ليث ليث ، وقال : كان سفيان لا يسمي ليثا . وقال البخاري : كان صدوقًا . وقال ابن عدي : أحاديثه صالحة ، وروى عنه شعبة ، والثوري ، وغيرهما من ثقات الناس ، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه ، فقد قال أبو معمر : كان ابن عيينة لا يحمد حفظه ، وفي رواية : ضعيف . وقال ابن مهدي : ليث ، وعطاء بن السائب ، ويزيد بن أبي زياد ، ليث أحسنهم عندي . وقال جرير : كان ليث أكثرهم تخليطًا . وقال عيسى بن يونس : كان قد اختلط ، كان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن . وقال أحمد بن حنبل : هو مضطرب الحديث ، ولكن حدث الناس عنه . وفي علل الترمذي عنه : لا يفرح بحديثه . وقال أبو زرعة وأبو حاتم : لا يشتغل به ، مضطرب الحديث . زاد أبو حاتم : هو أحب إلي من يزيد بن أبي زياد . وقال الفلاس : كان يحيى لا يحدّث عنه ، وكان ابن مهدي يحدّث عنه . وقال الدارقطني : صاحب سنة ، وكذلك قاله ابن معين ، زاد أبو الحسن : يخرج حديثه ، إنّما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب . وقال يحيى بن سعيد : لا يحمد حديثه . ذكره عنه الحاكم . وقال ابن سعد : كان رجلا صالحا عابدا ضعيفا في الحديث ، يقال : كان يسأل عطاء وطاوسا ومجاهدا عن الشيء ، فيختلفون فيه ، فيروي أنّهم اتفقوا من غير تعمّد لذلك . وقال الساجي : صدوق فيه ضعف ، كان سيئ الحفظ ، كثير الغلط ، وكان أبو داود لا يدخل حديثه في كتاب السنن الذي صنفه . وفيما قاله نظر من حيث إنّ أبا داود إذا أطلق كان في العرف محمولا على السجستاني ، فإن كان عناه فهو قد خرج حديثه في كتابه ، وإن كان غيره فيلزمه بيانه . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : ضعيف . وقال ابن عدي : له أحاديث صالحة ، وروى عنه شعبة ، والثوري وغيرهما من ثقات الناس ، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه . وفي تاريخ ابن أبي خيثمة : قال ابن معين : ليس بذاك ، وفي كتاب الآجري : قال يحيى : ليس به بأس ، وفي كتاب العقيلي عنه : هو أضعف من يزيد ، ويزيد فوقه ، وفي رواية : ضعيف ، إلَّا أنه كان يُكتب حديثه . وفي كتاب البلخي : قال صدقة بن الفضل المروزي : ليث أضعف العالمين . وقال السعدي : يضعّف حديثه ، ليس بثبت . وقال ابن حبان : اختلط في آخر عمره ، فكان يقلب الأسانيد ، ويرفع المراسيل ، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم ، تركه القطان وابن مهدي ، وأحمد ، وابن معين . انتهى كلامه . وفي إطلاقه ذلك نظر ؛ لأنا أسلفنا عن الفلاس تحديث القطان عنه ، وثناء أحمد عليه ، وكذلك ابن معين . والصواب في ذلك قول الساجي : كان يحيى القطان بأخرة لا يحدّث عنه ، ففي هذا جمع بين قول أبي حاتم والفلاس ، وأما ابن معين فلا وجه لما حكاه عنه . وقال ابن المديني : مجاهد أحبّ إلي منه . وقال العجلي : كوفي جائز الحديث . وفي كتاب الآجري : قال أبو داود أحمد بن يونس سمعت فضيل بن عياض يقول : كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك ، سمعت أبا داود يقول : سمعت يحيى يقول : عامة شيوخه لا يعرفون . الثاني : شهر بن حوشب أبو سعيد ، ويقال : أبو عبد الله ، ويقال : أبو عبد الرحمن ، ويقال : أبو الجعد الأشعري الحمصي ، ويقال : الدمشقي ، وإن كان مسلم قد خرج حديثه مقرونا ، وحسّن الترمذي والبخاري حديثه ، وروى له في كتاب الأدب . وقال أحمد : ما أحسن حديثه ، ووثّقه ، وفي رواية : هو حسن الحديث ، وقوى أمره ، قال : وإنما يتكلم فيه ابن عون ، يعني بقوله : تركوه ، وفي رواية : لا بأس به ، وفي رواية : ثبت . وقال العجلي : ثقة . وكذلك قاله ابن معين . وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم . وقال موسى بن هارون : ضعيف ، وبمثله قاله ابن سَعْد . وقال يعقوب بن شيبة : سمعت ابن المديني ، وقيل له : ترضى حديث شهر ؟ فقال : أنا ما أحدّث عنه ، قال : وكان ابن مهدي يحدث عنه ، قال : وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمعا عليه يحيى وعبد الرحمن ، يعني على تركه . قال يعقوب : وهو ثقة ، على أنّ بعضهم قد طعن فيه . وقال الفسوي في تاريخه : وإن قال ابن عون : تركوه ، فهو ثقة ، وفي هذا رّد لما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور : وثقه ابن معين وأبو زرعة الرازي ، وشذّ عنه سائر المشائخ ، والله أعلم . وقال أبو حاتم : هو أحبّ إلي من أبي هارون وبشر بن حرب ، وليس بدون أبي الزبير ، ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : لا بأس به . وقال محمد بن عبد الله بن عمّار : روى عنه النّاس ، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة ، قيل : يكون حديثه حجة ؟ قال : لا . وقال صالح بن محمد : لم يوقف منه على كذب ، وكان رجلًا يشك ، إلَّا أنه روى أحاديث تفرّد بها لم يشركه فيها أحد ، وقد تركه شعبة وطعن فيه ، ولم يحدّث عنه ابن مهدي . وقال النسائي وابن عدي : ليس بالقوي . زاد ابن عدي : ولا يحتج بحديثه . وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات المعضلات ، عادل عبّاد بن منصور في الحج ، فسرق عيبته ، فهو القائل : لقد باع شهر دِينَهُ بخريطةٍ فمن يأمن القراء بعدك يا شهر كذا ذكره ، ويشبه أن يكون وهمًا ؛ لأنّ المعروف أنّ الخريطة إنمّا كانت من بيت المال ، حين وليه ليزيد بن المهُلب . وقال الهذلي : كان على خزائن يزيد ، فلما سأله عنها أتاه بها ، فدعا يزيد الذي رفع عليه ، فشتمه ، وقال لشهر : هي لك ، فقال : لا حاجة لي فيها ، فقال القطامي الكلبي ، ويقال : سنان بن مُكْمل النميري ، البيت ، وبعده : أخذت له شيئًا طفيفًا وبعته من ابن خز نبيداد هذا هو الغَدْرُ وصحَّف بعض حفّاظ عصرنا هذا البيت ، فقال من ابن جرير : إنّ هذا هو الغَدْرُ ، ويقال : الشرقي المسمّى الوليد بن القطامي ، وهو الحسين بن جمال النسابة . وقال مرة النخعي لشهر : يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ لولاك كان كصالح القراء فتبيّن بما ذكرناه فساد قول من عَزا ذلك لعبّاد ، أعني الشعر والخريطة ، اللهم إلا لو ذكر خيانته له لكان صوابا من فعله ؛ لأن شعبة شهد عليه أنّه رافق رجلا من أهل الشام فخانه . فيما ذكره الساجي . ثم ذكر قصته في بيت المال بعد ، فجعلهما مرّتين ، وهو الأشبه ، والله أعلم . وفي كتاب الترمذي ، عن النضر : شهر تركوه ، ويشبه أن يكون وهما ، وذلك أنّ الساجي والعقيلي والسعدي وغيرهم إنما ذكروا روايته عن ابن عون ، لا عن نفسه . وقال البستي : ضعيف . وفي تاريخ ابن أبي خيثمة ، عن ابن معين ، عن مسلم ، عن رجل ذهب على يحيى اسمه ، قال : كنت مع شهر في طريق مكة ، فكنّا إذا نزلنا منزلا قال : هاتوا عوديا سووا طنبوريا ، فإنا إنّما نأكل به خبزنا ، يعني الحديث ، وفي كتاب العقيلي نحوه ، وعن قتادة قال : جاء شهر يستأذن على الأمير ، قال : فخرج الآذن فقال : إن الأمير يقول : لا نأذن له فإنه سبائي قال : فقلت : إنّ خادم البيت يخبرك بما في أنفسهم ، قال : ثمّ قال قتادة : لا غفر الله لمن لا يستغفر لهما ، يعني عليا وعثمان رضي الله عنهما. وقال الساجي : فيه ضعف وليس بالحافظ . وقال السعدي : أحاديثه لا تشبه أحاديث النّاس ، عن عمرو بن خارجة : كنت آخذًا بزمام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم وعن أسماء بنت يزيد قالت : كنت آخذة بزمام ناقته أيضًا ، كأنه مولع بزمام ناقة النبي - عليه السلام وحديثه دال عليه ، فلا ينبغي أن يغتر به وبروايته ، وقال موسى بن هارون : ضعيف ، وذكره مسلم في مقدمته بالضعف ، وكذلك الرازي ، فتبين بمجموع ما ذكر أنّ لا قادح فيهما ، وذلك أن ليثا غالب ما رمي به الجمع والاختلاط ، أمّا الأول فهذا الحديث عار منه ، وأمّا الثاني فقد رمي به جماعة من المجمع على عدالتهم ، وهذا إنما كان اختلاطه في آخر عمره ، وسفيان ممن أخذ عنه قديما . وأما رميه بالاختلاط وسُوْء الحفظ فقد أسلفنا له متابعات وشواهد أمن ذلك معها منهما ، وأمّا شهر فمعظم ما رمي به إّنما أتى على لسان شاعر مرمي بالكذب متغرّض ، لا يدرى أمحقّ أم مبطل ؟ ولئن كان محقا تؤول على أنّ له حقًا في بيت المال أخذ بعضه ، وهذا لا قدح فيه . وأمّا خيانته لعباد إن ثبت فيحتمل أن تكون مزحا أو ظفرا ، أو لأنه يرى اختلاف الآراء يوجب إباحة الأموال ، وذلك أن عبادًا رماه ابن حبان بالدعاء إلى القدر ، فإن كان بهذه المثابة كان عند بعضهم كافرًا ، وأما تسويته الطنبور فهو قول مردود بما ذكره عثمان بن نويرة عنه قال : دُعي شَهْر إلى وليمة وأنا معه ، فدخلنا فأصبنا من الطعام ، فلما سمع شهر المزمار وضع أصبعيه في أذنيه وخرج حتى لا يسمعه . وعلى تقدير صحته فهو مذهب لأهل المدينة مشهور لا عيب فيه على من تعاطاه ممن يراه ، وأمّا رميه بأنه سبائي فإنما جاء على لسان من لا يعرف اسمه ولا حاله ولا عينه ، ومثل هذا لا يقبل خبره ، فكيف تفرده بما لم يأت غيره من الأئمة ؟! ولئن كان ما قاله صحيحًا فلا عيب فيه على من لا يدعو إليه . وأما ترك شعبة له فإنّما هو بسبب خيانته لعباد كما تقدّم مبينًا ، وأما قول ابن عون فيه : تركوه ، فقد قيل فيه بالنون والزاي ، بمعنى طعنوه ، وهو الصحيح ؛ لأنا أسلفنا كلام الأئمة ، وليس فيهم أحد تركه ولا حرج بذلك ، فبقي محمولًا على الطعن الذي بيّناه ، الذي لم يسلم غالبًا منه أحد . وأمّا قول السعدي فيحمل على بغضه للشيعة وتعصّبه عليهم لفرط نَصبه ، والله أعلم . وبنحو ما قلناه ذكره ابن القطان في كتاب الوهم والإِيهام فقال : لم أسمع لمضعفه حجة ، وما ذكروه من تزييه بزي الجند وسماعه الغناء بالآلات ، وقذفه بأخذ خريطة ، فكذب عليه ، إما لا يصح وإما خارج مخرج لا يضره ، وشر ما قيل فيه : إنه يروي منكرات عن ثقات ، وهذا إذا كثرت منه سقطت الرواية به ، والله أعلم . وأما قول ابن دحية في كتابه العلم المشهور : وأعظم جرحه أنه كان شرطيًا للحجاج ، وليس كذلك ، ولئن كان إنّما كان عاملًا لابن المهلب ولئن عمل للحجاج حمل على جبره له ، كما جبر غيره . وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق ليس فيها ليث ، مشعرة بانقطاع ما بين شهر وأبي مالك بدخول واسطة بينهما ، ولكنه غير ضار لثقته وعدالته ، رواها ابن أبي شيبة في مسنده ، عن محمد بن بشر ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن شهر ، عن عبد الرحمن بن عمر أنَّ أبا مالك جمع قومه فذكره مطولًا .

299

148 - حدّثنا سفيان بن وكيع ، ثنا عيسى بن يونس ، عن فائد أبي الورقاء بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ثلاثا ثلاثا ، ومسح برأسه مرة . هذا حديث إسناده ضعيف ؛ لضعف سفيان بن وكيع المتقدّم الذكر ، ونكارة حديث فائد ، وإن كان ليس من نظير ما ذكره لمتابعة أبي يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس الثقة الثبت له ، فكأنه ليس بموجود في هذا الحديث ، فلم يبق إلَّا تعليله بسفيان ، وإن كان ليس علّة له ، فقد وقع لنا من طريق سالمة منه ، أنا بها الشيخ الإِمام المسند المعمر أبو بكر بن علي الحميري ، أنبأنا عبد الهادي ، عن فاطمة قالت : أنبأتنا فاطمة ، أنا ابن ريذة ، أنا أبو القاسم ، ثنا الحسن بن إسحاق ، ثنا علي بن بحر ، أخبرني عيسى بن يونس ، عن فائد : سمعت ابن أبي أوفى يقول : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا ثلاثا ، ومسح بيده مرّة ، وبه إلى أبي القاسم ، أنا عليّ بن عبد العزيز ، ومحمد بن يحيى المروزي ، قالا : أنا أبو عبيد القاسم بن سلام ، ثنا مروان بن معاوية ، عن أبي الورقاء ، عن عبد الله بن أبي أوفى أنه توضأ ثلاثا ثلاثا ، فخلّل لحيته ، وقال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفْعل هذا , فصح إسناده على هذا ، والله تعالى أعلم . ولما ذكر أبو القاسم ابن عساكر هذا الحديث ، لم يذكره من رواية عبد الرحمن ، عن ابن أبي أوفى ، ولا ذكر لمن اسمه عبد الرحمن رواية عنه ، واستظهرت على ذلك بعدة نسخ ، إنما ذكره من حديث فائد فقط ، وعزاه لابن ماجه ، وتبعه على ذلك جماعة من المتأخرين ، منهم : ابن سرور ، والحافظ المزّي في كتابيه ، وحديث ابن ماجه يرد قولهم . وممن نبه على أنّ عبد الرحمن هذا هو أبو يعفور الصغير : أبو حاتم بن حبّان ، وأبو نعيم الأصبهاني ، وأبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة من تأليفهما ، وقبلهم الحميدي في مسنده .

300

باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا 145 - حدثنا محمود بن خالد الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم الدمشقي ، عن ابن ثوبان ، عن عَبدة بن أبي لبابة ، عن شقيق بن سلمة قال : رأيت عثمان وعليًّا يتوضآن ثلاثا ، ويقولان : هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا حديث إسناده صحيح ، ومعناه في الصحيح من حديث عثمان أيضا ، ولما ذكره أبو عيسى في علله من حديث فليح ، عن سعيد بن الحارث عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن زيد : أن عثمان توضأ ثلاثا ثلاثا ، وقال : هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ . قال : سألت محمدًا عن هذا الحديث ، قال : هو حديث حسن . قال أبو عيسى : وهو غريب من هذا الوجه . وذكر أبو جعفر ابن مُنيع في مسنده من طريق ابن لهيعة ، ثنا أبو النضر عمن رأى عثمان دعا بوضوء ، وعنده الزبير وسعد بن أبي وقاص ، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ، ثم قال : أنشدكم الله أتعلمون أن النبي كان يتوضأ كما توضأت ؟ قالوا : نعم . وفي كتاب أبي عبيد : وعنده علي ، وطلحة ، والزبير ، وسعد الحديث . ولما ذكر حديث ابن ماجه هذا بعض الحفاظ المبرزين قال : رواه ابن ماجه عن محمود بن خالد ، عن الوليد ، عن ابن ثوبان ، عن عبدة ، عن شقيق ، قال : ثم عن أبي حاتم ، عن أبي نعيم ، ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، فذكر نحوه . ويشبه أن يكون ذلك وهمًا ؛ لأن القائل : ثنا أبو حاتم إلى آخره إنما هو أبو الحسن ابن سلمة القطان الراوي ، عن ابن ماجه ؛ لينبئ أن الحديث عنده عال من غير طريق ابن ماجه ، فعل ذلك في غير حديث ، ورأيته مفصولًا في نسخة ، ويؤيد ما قلناه إعراض أصحاب الأطراف عن ذكره ، والله أعلم .

301

146 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن ابن عمر : أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم . هذا حديث ذكره ابن حبان في صحيحه ، عن الحسن بن سفيان ، ثنا حبان ، عن عبد الله ، أنا المطلب فذكره ، وصححه ابن حزم أيضًا باحتجاجه به ، ومع ذلك فهو معلّل بأمرين : الأول : الانقطاع ، قال ابن عساكر في كتاب الأطراف : تابعهما بشر بن بكر ، ورواه الوليد بن مزيد ، فجعله عن ابن عباس ، وذكر الخلال حديثه هذا في علله ، وفي المسند زيادة : وأنّ ابن عباس كان يتوضأ مرّة مرّة ، ويسند ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم

302

147 - حدثنا أبو كريب ، ثنا خالد بن حيان ، عن سالم أبي المهاجر ، عن ميمون بن مهران ، عن عائشة وأبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا ثلاثا . هذا حديث معلّل بأمرين : الأول : انقطاع ما بين ميمون وشيخيه ، أما عائشة فذكر الكناني ، قلت له ، يعني أبا حاتم الرازي : ميمون هل سمع من عائشة شيئًا ؟ قال : لا . وأما أبو هريرة فذكر ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل : ثنا زحمويه سمعت أبا طالب قال : قلت لأحمد بن حنبل : ميمون بن مهران سمع من حكيم بن حزام ؟ قال : لا ، من أين لقيه ؟ لم يرو إلا عن ابن عباس وابن عمر ، فهذا حكم من أحمد على عدم سماعه من صحابي غير هذين ، ولم نر له مخالفا نرجع إلى قوله . الثاني : الاختلاف في حال خالد بن حيان أبي يزيد الرقي الكندي مولاهم الخراز ، فأمّا ابن عمَار ، وابن معين ، وابن سعد ، فذكروا أنه ثقة . وأمّا الإِمام أحمد بن حنبل فقال : لم يكن به بأس ، كان يروي عن جعفر غرائب . وقال عمرو بن علي : ضعيف الحديث . وقال يعقوب : أنكرت عليه أحاديث تفرد بها ، وسئل عنه علي بن ميمون ، فقال : كان منكرًا ، وكان صاحب حديث . قال أبو بكر الخطيب : قوله : منكر ، يعني في الضبط والحفظ ، وشدة التوقي والتحرز . انتهى كلامه . وفيه نظر ، إذ لقائل أن يقول : لو لم يكن فيه إلَّا قول من وثقه لكان ما ذكرته حسنًا ، ولكن لما رُئِي مضعفًا راويًا للغرائب جوز حمله على نكارة الحديث لا غيرها ، اصطلاحًا لا لغة . وقد وقع لنا حديث أبي هريرة من طريق صحيحة في مسند البزار ، رواها عن ابن المثنى ، عن الحجاج بن منهال ، عن همام ، عن عامر الأحول ، عن عطاء بن أبي رباح عنه : أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلاثًا . وقال : هذا الحديث لا نعلمه روي عن أبي هريرة بأحسن من هذا الإِسناد ، وصحح الطْبري إسناده في تهذيب الآثار ، وحديث عائشة من طريق متصلة ، ذكرها أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب الكنى ، فقال : حدّثنا الحسين بن حريث ، ثنا الفضل بن موسى ، عن جُعيد بن عبد الرحمن ، أخبرني عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب ، أخبرني سالم سبلان قال : أرتني عائشة كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ، قالت : يتمضمض ثلاثا الحديث .

303

150 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا ثلاثًا . هذا حديث مختلف في صحته وضعفه للاختلاف في حال ابن عقيل المذكور قبل . وقال الترمذي فيه : حسن . وفي حديث الزبير وسعد وطلحة والمطلب وابن أبي أوفى وأبي مالك الأشعري المذكورين قبل - ردٌّ لما أغفله الترمذي حين تعداده الصحابة الذين رووا هذا المعنى . وكذا حديث المقدام بن معديكرب وابن عباس المذكورين عند أبي داود ، والله أعلم . وحديث وائل بن حجر المذكور عند البزار ، رحمه الله . وحديث عبد الله بن جعفر المذكور عند الطبراني في الأوسط . وقال : لم يروه عن إبراهيم إلا قتادة ، تفرّد به الزبير . وحديث أبي الدرداء ذكره إبراهيم بن محمد بن عبيد في مسنده ، عن سهل بن إسماعيل النصيبي ، ثنا سهل بن زنجلة الرازي ، ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي ، ثنا تمام بن نجيح ، عن الحسن عنه : توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغسل يده ثلاثا ؛ وتمضمض ثلاثًا الحديث . وحديث المغيرة بن شعبة عند الطبري في التهذيب ، رواه عن أحمد بن محمد بن موسى الطوسي ، ثنا يعقوب بن محمد ، ثنا أبي ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، حدثني عباد بن زياد ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه ، وحديث علي من طريق أبي إسحاق ، عن الحارث عنه ، وحديث أبي أمامة من طريق سنان بن ربيعة ، عن شهر عنه ، وروى البغوي من حديث أبي أمامة أيضًا ، عن يزيد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن سميع عنه . وحديث معاوية بن أبي سفيان قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلًاثا ، وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ، ثنا به المسند أبو محمد النصري - رحمه الله أنا أحمد بن عبد الله القدوة ، أنا يوسف بن عبد الله الدمشقي ، أنا أبو طاهر الخشوعي ، أنا أبو محمد بن الأكفاني ، نا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد التميمي ، أنا أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي الحافظ ، قال : حدّثني أبو الحسن علي بن الحسن بن علان ، أنا أبو علي أحمد بن الحسن بن عبد الله المقرئ ، ثنا عليّ بن محمد بن أبان المصري ، حدّثني أبي ، عن علي بن أبي جميلة ، عن أبيه عن عبد الملك بن مروان ، حدّثني أبو خالد حدثني أمير المؤمنين معاوية به . ولما خرجه أبو داود في كتاب التفرد ، قال : تفرد به علي . وحديث أنس بن مالك قال : رأيت النبي - عليه السلام - يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ، وخلّل لحيته مرتين أو ثلاثا ، ثم قال : هكذا أمرني ربي ، أنا به المسند العلامة أبو الفتح المقرئ - رحمه الله تعالى - أنا أبو الفضل الموصلي ، أنا عمر بن طبرزد ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، أنا عمر بن إبراهيم الخفاف ، أنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ البزار ، ثنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي ، نا عبد الرحمن بن صالح ، ثنا أسد بن عمرو ، عن موسى الجهني ، عن يزيد الرقاشي عنه . ولما ذكره في الأوسط من حديث الزبير بن محمد ، ثنا قتادة بن الفضيل الرهاوي ، ثنا إبراهيم بن أبي عبلة ، عن أنس بن مالك ، قال : لم يروه عن إبراهيم إلا قتادة ، تفرد به الزبير . وبنحوه قاله أبو الحسن في الأفراد . وحديث زيد بن ثابت ، أنا به المشائخ المسندون أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت ، وأبو يوسف يعقوب بن عوض ، وعبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل الشطنوفي قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا المسند المعمر أبو حامد بن أبي محمد بن علي قراءة عليه ونحن نسمع ، أنا أبو الحسن المبارك بن الحسين المقرئ قراءة عليه ، أنا الحافظ أبو محمد الحسن بن محمد الخلال إملاءً ، ثنا يوسف القواس ، ثنا محمد بن إبراهيم بن نيروز الأنماطي ، ثنا محمد بن عمر بن نافع ، ثنا علي بن الحسين ، ثنا مالك ، عن ربيعة ، عن ابن المسيب ، عن زيد وأبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء فتوضأ مرة مرة ، فقال : هذا الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به ، وتوضأ مرتين مرتين ، وقال : هذا يضاعف الله به الأجر مرتين ، وثلاثًا ثلاثا ، وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي . أنا الشيخ الزاهد ضياء الدين الزرزاري المقرئ - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا الشيخ نجيب الدين قراءة عليه ، عن اللبان والجمال ، أنا أبو علي ، أنا إبراهيم ، أنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن أيوب ، نا أحمد بن يحيى الحلواني ، نا أحمد بن حنبل سنة ثمان وعشرين في المحرم ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا سعيد الجريري ، عن أبي عائذ سيف السعدي ، وأثنى عليه خيرًا ، عن يزيد بن البراء بن عازب قال : وكان أميرًا بعمان ، وكان خير الأمراء ، قال : قال لي : اجتمعوا فلأريكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ، وكيف كان يصلي ، فإني لا أدري ما قدر صحبتي إياكم ، فجمع بنيه وأهله ، فدعا بوضوء ، فمضمض ، واستنشق ، وغسل وجهه ثلاثًا ، وغسل هذه اليد - يعني اليمنى - ثلاثًا ، وغسل هذه ثلاثا - يعني اليسرى - ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، وغسل هذه الرجل ثلاثا - يعني اليمنى وغسل هذه الرجل ثلاثًا - يعني اليسرى ثم قال : هكذا ما ألوت أن أريكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ . ثم دخل بيته ، فذكر صفة الصلاة . وحديث معاذ بن جبل قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ واحدة واحدة ، واثنتين اثنتين ، وثلاثًا ثلاثًا ، وغسل رجله غسلًا . ذكره ابن شاهين ، عن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم المارستاني ، ثنا روح بن عبد الرحمن البوشنجي ، ثنا الهيثم بن ربيع أبو المثنى العقيلي ، ثنا الأصبع بن زيد ، عن سليمان بن الحكم ، عن محمد بن سعيد ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم عنه . وحديث أبي أمامة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا ثلًاثا ، ومسح المأقين ، ورواه قاسم في كتاب الدلائل ، عن موسى بن هارون ، ثنا يحيى بن إسحاق ، نا حماد بن زيد ، عن سنان بن ربيعة ، عن شهر عنه ، وحديث أبي رافع ذكره في الأوسط بلفظ : ومسح برأسه وأذنيه ، وغسل رجليه ثلاثًا ، وقال : لا يروى عن أبي رافع إلا بهذا الإِسناد ، تفرد به الدراوردي ، يعني : عن عمرو بن أبي عمرو ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عنه .

304

144 - حدّثنا أبو كريب ، ثنا رشدين بن سعد ، ثنا الضحاك بن شرحبيل ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة توضأ واحدة واحدة . هذا حديث قد سبق فيه كلام الترمذي وأبي حاتم في باب المضمضة والاستنشاق . وقال ابن عدي : ورواه رشدين ، وعبد الله بن سنان ، وكلاهما خطأ ، والصواب : عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ، وسيأتي ما للناس في رشدين من كلام ، والله أعلم . وقال البزار : روى هذا الحديث ، يعني ابن عباس المتقدّم جماعة ، وخالفهم الضحاك ، فرواه عن عمر ، وأغفل في إسناده قصد الصواب ، قال : وقد تابعه ابن لهيعة ، وخالفا من سمينا من الثقات ، وما أتي هذا إلَّا من الضحاك بن شرحبيل . انتهى وفي علل أبي الحسن : وخالف الضحاك عبد الله بن سنان ، فرواه عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وكلاهما وهم . ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل بيّن الغزوة المبهمة بأنها الحديبيَّة ، وفي الباب حديث أبي رافع مرفوعا ، قال البخاري : فيه اضطراب . ورواه البزار من جهة الدراوردي ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن ابن أبي رافع ، عن أبيه ، وقال : لا نعلم يروى هذا الحديث عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد . ولما ذكره أبو عبيد بن سلام من جهة عمرو ، قال : عبد العزيز ، نسب هذا الرجل أنه عبد الله بن عُبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جدّه . ففي هذا كما ترى زيادة رجل لم يكن في إسناد حديث البزار ، وفيه بيان اسم الابن المبهم عنده ، ويشبه أن يكون هذا هو الاضطراب المشار إليه عند البخاري ، ولئِن كان أباه فلا ضرر فيه ؛ لأن المبهم وغير المبهم من رجاله حديثهم في الصحيح ، والله أعلم . ورواه أبو عبيد أيضًا من جهة عمرو ، عن يعقوب بن خالد ، عن أبي رافع . وقال أبو الحسن المقرئ في كتاب العلل : ورواه الدراوردي أيضًا ، عن محمد بن عمارة ويعقوب بن المسيب ، قال : وأشبهه بالصواب حديث عمرو عن عبد الله بن عبيد الله ، عن أبيه ، عن جده به ، فتبين بما ذكرنا فساد قول من زعم أنه لا يروى عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد . وحديث بريدة ذكره البزار ، فقال : ثنا أبو كُريب ، ثنا علي بن قادم ، ثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، وهو سليمان بن بريدة ، قال : هذا الحديث لا نعلم رواه عن الثوري ، عن علقمة ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، وهو سليمان بن بريدة ، إلا ابن قادم . انتهى . ولما ذكر بعض الحفاظ حديث بريدة هذا قال : إسناده جيد ، وحكى في ابن قادم ما قاله أبو حاتم فقط أخذًا لذلك من كتاب الكمال لابن سرور ، وفيما قاله نظر لما أسلفناه . وحديث عبد الله بن عمرو ، قال فيه البزار لما رواه من طريق مندل عن ابن أبي نجيح : وهذا الحديث لا نعلم رواه عن ابن عمرو إلا مجاهد ، ولا عن مجاهد إلا ابن أبي نجيح . وفي الأوسط : لم يروه عن ابن أبي نجيح إلَّا مندل ، تفرد به بكير بن يحيى بن زبان . وحديث ابن المسيّبِ ، عن زيد بن ثابت : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة رواه الدارقطني في الأفراد . وقال : تفرد به علي بن حسن الشامي ، عن مالك ، عن ربيعة الرأي عنه ، وحديث عمرو بن أبي الحسن الأنصاري : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ، فمضمض ، واستنشق مرة واحدة ذكره المديني من جهة محمد بن هلال المزني ، عن عمرو بن يحيى بن عمارة ، عن عمه ، عنه ، وهو مما يستدرك على الترمذي لإغفاله ذكره . وحديث ابن الفاكه ، واسمه سبرة ، أنا بحديثه المسند المعمر يحيى بن أبي محمد الناصري ، عن مفتي المسلمين أبي الحسن المقرئ ، عن أبي الطاهر الثغري ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي ، أنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد السعدي قراءة عليه ، ثنا عبيد الله بن محمد العكبري قراءة عليه ، قال : قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي ، وأنا أسمع ، ثنا علي بن الجعد ، ثنا عدي بن الفضل ، عن أبي جعفر ، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت ، عن ابن الفاكه ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة . وحديث معاذ ، وحديث ابن عباس مخرج في الصحيح ، وسيأتي ذكره في باب الإسباغ وحديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، قال الدارقطني : رفعه وهم ، والصواب موقوف ، وحديث القيسي ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل ، وحديث عائشة ذكره ابن عدي ، وضعفه بيحيى بن ميمون ، وحديث عبد الرحمن بن أبي قراد ، ذكره البخاري في التاريخ الكبير ، وحديث أبي هريرة ذكره ابن عساكر في رغائبه .

305

باب ما جاء في الوضوء مرةً مرةً 143 - حدّثنا عبد الله بن عامر بن زرارة ، ثنا شريك ، عن ثابت بن أبي صفيَّة الثمالي ، قال : سألت أبا جعفر - عليه السلام - قلت له : حدثت عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة ؟ قال : نعم . قلت : ومرتين مرتين ؟ وثلاثا ثلاثا ؟ قال : نعم . هذا حديث قال فيه البزار : لا نعلمه يُروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد ، ولا رواه عن محمد بن علي إلا أبو حمزة الثمالي ، وفيما قاله نظر ؛ لما أنبأ به الإمام المسند المعمر يحيى بن أبي الفتوح المقدسي قراءة عليه وأنا أسمع ، عن العلامة الخطيب أبي الحسن اللخمي ، أنا شهدة قراءة عليها وأنا أسمع ، أنا أبو منصور محمد بن الحسين قراءة عليه ، أنا الحافظ أحمد بن غالب ، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني ، ثنا محمد بن علي بن حفص ، عُرف بحيدرة ، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي ، ثنا الحارث بن عمران الجعفري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، فذكره . ورواه أيضا ابن البيّع في تاريخ نيسابور من حديث الحارث بن عمران ، به . ورواه الترمذي من حديث شريك ، ثم قال : وروى وكيع هذا الحديث عن ثابت ، قلت لأبي جعفر : حدَّثك جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة ؟ وهذا أصح من حديث شريك ؛ لأنه رُوي من غير وجه ، هذا عن ثابت نحو رواية وكيع ، وشريك كثير الغلط ، وذكر في كتاب العلل أنه سأل محمدا عن الحديثين ، فقال : الصحيح ما رواه وكيع عن أبي حمزة ، وحديث شريك ليس بصحيح ، ولما سأل مهنأ الإمام أحمد عن الوضوء مرة مرة ؟ قال : الأحاديث فيه ضعيفة ، ثم ذكر حديث جابَر هذا في الأحاديث الضعاف ، وسيأتي الكلام مع أحمد في موضعه عند ذكر حديث ابن عباس المخرج في صحيح البخاري ، إن شاء الله تعالى . وثابت هذا هو ابن دينار ، ويقال : ابن حمزة أبو حمزة ، روى عن جماعة من التابعين ، قال العقيلي عن يزيد بن هارون : كان يؤمن بالرجعة ، وقال فيه أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال الدارقطني : متروك . وقال أبو زرعة : ليّن . وقال ابن حنبل : ضعيف الحديث ليس بشيء . وقال الجوزجاني : واهي الحديث . وقال النسائي : ليس بثقة . وقال ابن عدي : وضعفه بيَّن على رواياته ، وهو إلى الضعف أقرب . وقال ابن سعد : كان ضعيفًا . وقال ابن الجنُيد : متروك . وقال الآجري عن أبي داود : جاءه ابن المبارك فدفع إليه صحيفة فيها حديث سُوْء في عثمان ، فردّ الصحيفة على الجارية ، وقال : قولي له : قبحك الله وقبح صحيفتك . وذكره الفسوي في جملة من يرغب عن الرواية عنهم . وقال الساجي : هو ضعيف من أهل الصدق ، يقدّم عليًّا على عثمان ، لم يحدث عنه يحيى ولا ابن مهدي ، وذكره البستي في كتاب الضعفاء من تأليفه ، وزعم شيخنا العلامة المزي أن ابن ماجه وأبا داود لم يخرجا حديثه ، وحديث الباب كاف في الردّ عليه .

306

141 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسحاق بن سليمان ، ( ح ) وثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن ابن أبي ذئب ، عن قارظ بن شيبة ، عن أبي غطفان المري ، عن ابن عباس ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : استنثروا مرتين بالغتين ، أو ثلاثًا . هذا حديث ذكره أبو عبد الله مستشهدا به كما وصفنا ، وابن الجارود في منتقاه ، أنا المسند المعمر أبو محمد عيسى بن عبد الرحمن بن معالي المقدسي فيما أجازناه غير مرة ، أنا جعفر بن أبي البركات ، أنا الحافظ أبو طاهر الأصفهاني ، أنا الشيخان المبارك بن عبد الجبار وأبو طالب عبد القادر بن محمد ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البرمكي ، ثنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان بن بطة ، حدّثني أبو القاسم علي بن يعقوب بن أبي العقب ، ثنا أبو زرعة النصري قال : سألت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ، عن أي الحديثين أوكد : حديث ابن عباس ، أو حديث أبي هريرة ؟ قال : هما جميعا ، الاستنثار أشد تأكيدا ، وذكر حديث ابن أبي ذئب عن قارظ ، فرأيته يزعم كأنه حديث يعمل عليه ، وفي كتاب الخلال : قيل لأحمد : قال عليه السلام : ثنتين بالغتين ، قال : ذاك في إسناده شيء . انتهى . ولا معارضة بين القولين ، والله أعلم . ولما ذكره الإشبيلي قال : قارظ هو ابن شيبة ، وهو لا بأس به ، والصحيح ما تقدّم من الأمر بالوتر بالاستنثار . قال أبو الحسن بن القطان : لم يعتل على هذا الحديث بأكثر من هذا ، وحكمه على قارظ بأنه لا بأس به ، وعلى الحديث بالضعف تعيين لتضعيفه أبا غطفان ؛ لإِبرازه إياه ، وأبو غطفان هو ابن طريف بن مالك المري , يروي عن أبي هريرة وابن عباس ، روى عنه داود بن حصين وقارظ ، وكانت له بالمدينة دار عند دار عمر بن عبد العزيز ، أخرج له مسلم ، وقال الدوري ، عن ابن معين فيه : ثقة ، وقارظ بن شيبة هو أخو عمر بن شيبة من بني ليث بن كنانة ، حلفاء قريش . قال النسائي : لا بأس به ، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك بالمدينة . قاله أبو حاتم ، وبقية من في الإِسناد لا يسأل عنهم ، فإنّهم أئمة . ووظيفة المحدّث النظر في الأسانيد من حيث الرواة والاتصال والانقطاع . فأما معارضة هذا المتن ذاك الآخر وأشباه ذلك ، فليس من نظره . انتهى كلامه . ويشبه أن يكون لكلام أبي محمد وجه ، وذلك أن الدارقطني ذكر عن ابن أبي داود : أبو غطفان رجل مجهول ، فيحتمل أن يكون ذلك هو الذي اعتل به على الحديث ، وكلام أبي الحسن يفهم منه أنّ أبا غطفان الراوي ، عن ابن عباس وأبي هريرة واحد ، وذاك هو الملجئ له إلى نقل كلام من وثقه ، وليس هو بأبي عذرة ذلك ، فقد قاله قبله ابن أبي حاتم وأبو عمر وغيرهما . وأما الحافظ أبو بكر البزار فإنه فرق بينهما ، وزعم أن المري روى عن أبي هريرة ، وأبا غطفان عن ابن عباس ، ويرجح ذلك قول ابن معين : أبو غطفان الذي روى عنه داود بن حصين ثقة . فيحتمل أن عبد الحق لما رأى ذلك وما أسلفناه ورأى حديثه مخالفا لحديث غيره من الثقات - توهمه المجهول لا الموثق ، والله أعلم . ولما خرجه أبو نعيم من حديث الربيع بن بدر ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : تمضمضوا واستنشقوا ، والأذنان من الرأس . قال : هذا غريب من حديث ابن جريج في المضمضة والاستنشاق ، ولا أعلم رواه عنه إلا الربيع .

307

142 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا زيد بن الحباب وداود بن عبد الله ، ثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليَوتر . هذا حديث اتفقا على تخريجه ، وفي الباب من الفقه أن الاستنشاق في الوضوء غير واجب ، إذ لو كان فرضًا لكان على الصائم كهو على المفطر ، وهذه مسألة اختلف فيها : فكان عطاء ، والزهري ، وابن أبي ليلى ، وحماد ، وإسحاق ، يقولون : يعيد إذا تركها في الوضوء . وقال الحسن ، وعطاء آخر قوليه ، والزهري ، والحكم ، وقتادة ، وربيعة ، ويحيى الأنصاري ، ومالك ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، والشّافعي : لا يعيد . وقال أحمد : يعيد في الاستنشاق خاصة ، ولا يعيد من ترك المضمضة ، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور . وقال أبو حنيفة والثوري : يعيد إن تركها في الجنابة ، ولا يعيد في الوضوء . قال ابن المنذر : بقول أحمد أقول ، وفي المحلى لأبي محمد ، وذكر قول أحمد : وهذا هو الحق ؛ لأن المضمضة ليست فرضًا ، وإن تركها فوضوءه تام ، وصلاته تامة ، عمدًا تركها أو نسيانًا ؛ لأنه لم يصح بها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ، وإنما هي فعل فعله - عليه السلام وأفعاله ليست فرضًا ، وإنما فيها الايتساء به - عليه السلام انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لأن الأمر بالمضمضة صحيح ، لا كما زعمه ، لما أسلفناه في حديث لقيط المذكور عند أبي داود ، عن ابن فارس ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج بهذا الحديث ، قال فيه : إذا توضأت فمضمض ، فهذا أمر ظاهر ، صحيح الإِسناد على ما شرح آنفًا : في المعجم الأوسط من حديث يزيد بن عبد الملك النوفلي ، عن أبي موسى الحناط ، عن ابن المنكدر ، عن أنس ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ أحدكم فليمضمض ثلاثا الحديث . قال : لم يروه عن ابن المنكدر عن أنس إلا أبو موسى . تفرد به النوفلي ، وذكر أيضا من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن عطاء ، عن أبي هريرة قال ، صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ أحدكم فليمضمض ، ثم قال : لم يروه عن عطاء إلا إسماعيل ، تفرد به علي بن هاشم بن البريد ، أنا المسند المعمر أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا جدّي الحافظ أبو حامد ، أنا القاضي أبو القاسم الأنصاري ، أنا أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن أبي الفتح ، أنا أبو نصر الحسين بن محمد بن أحمد ، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد الغساني ، ثنا محمد بن جعفر غندر الحافظ ، ثنا الحسن بن شبيب المعمري ، ثنا هدبة من كتابه ، ثنا حماد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمضمضة والاستنشاق . ولما ذكره البيهقي من طريق هدبة صحّح إسناده ، ثم قال : وقال مرّة أخرى مرسلا ، لم يقل : عن أبي هريرة ، وتابعه داود بن محبر ، عن حماد في وصله ، قال البيهقي : وغيرهما يرويه مرسلًا ، وخالفهما إبراهيم بن سليمان الخلال شيخ ليعقوب بن سفيان ، فقال : عن حماد عن عمار عن ابن عباس ، وكلاهما غير محفوظ ، والله أعلم . وقد وردت أحاديث شاهدة لهما في إسنادها مقال ، فمنها : ما ذكره أبو القاسم من حديث أبي سعيد مرفوعا : من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليوتر . ذكره أبو حاتم في صحيحه . وحديث وائل بن حجر من عند البزار مرفوعا : فمضمض واستنشق ثلاثا ، وسيأتي له زيادة بيان في باب الغسل . وفي سنن البيهقي من حديث عصام بن يوسف ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ترفعه : المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه . ورواه إسماعيل بن بشر ، عن عصام نحوه ، إلَّا أنه قال : من الوضوء الذي لا تتم الصلاة إلَّا به ، قال الدارقطني : تفرد به عصام ، ووهم فيه ، والصواب : ابن جريج ، عن سليمان مرسلا ، ورواه محمد بن الأزهر ، وهو ضعيف ، عن الشيباني ، عن ابن جريج بإسناد عصام ، ومتن الجماعة : من توضأ فليمضمض وهو خطأ ، والصواب مرسل ، زاد في السنن من تأليفه : وأحسب عصامًا حدث به من حفظه ، فاختلط عليه ، واشتبه بإسناد حديث ابن جريج ، عن سليمان ، عن الزهري : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ، وفي الأفراد : هذا غريب من حديث الزهري ، عن عروة عنها ، تفرد به سليمان بن موسى الدمشقي عنه ، ولم يروه عنه غير ابن جريج ، وهو غريب من حديث ابن المبارك ، عن ابن جريج ، تفرد به عنه عصام ، وذكره من حديث الربيع بن بدر ، وهو متروك ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس مرفوعا : تمضمضوا ، وذكره من عدة طرق عن ابن عباس ، وضعفها كلها ، والله أعلم . فتبين بمجموع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة وغيرها صحة ما استدللنا عليه ، والله الموفق .

308

140 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن سليمان الطائفي ، عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة ، عن أبيه : قلت : يا رسول الله أخبرني عن الوضوء ؟ قال : أسبغ الوضوء ، وبالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائما . هذا حديث رواه أبو داود مطولا بلفظ : كنت وافد بني المنتفق ، أو في وفد بني المنتفق ، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - لم نصادفه في منزله ، وصادفنا عائشة ، قال : فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا ، قال : وأتينا بقناع ، ولم يُقل قتيبة : القناع ، والقناع : الطبق فيه تمر ، ثم جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : هل أصبتم شيئا أو أمر لكم بشيء ؟ قال : قلنا : نعم يا رسول الله ، قال : فبينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوسا ، إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر ، فقال : ما ولدت يا فلان ؟ قال : بهمة ، قال : فاذبح لنا مكانها شاة ، ثم قال : لا تحسِبن ، ولم يقل : لا تحسَبن ، أنَّا من أجلك ذبحناها ، لنا غنم مائة ، لا نريد أن تزيد ، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة ، قلت : يا رسول الله إن لي امرأة ، وإن في لسانها شيئا ، يعني البذاء ، قال : فطلقها إذًا ، قلت : يا رسول الله إنّ لها صحبة ولي منها ولد ، قال : فمرها ، يقول : عظها ، فإن يك فيها خير فستفعل ، ولا تضرب ظعينتك كضربك أُميّتك ، قلت : يا رسول الله أخبرني عن الوضوء ؟ قال : أسبغ الوضوء ، وخلل بين الأصابع ، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما . ثنا عقبة بن مكرم ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا ابن جريج ، حدّثني إسماعيل ، فذكر معناه ، قال : فلم ننشب أن جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكفأ ، يتقلع . وقال عصيدة مكان خزيرة ، ثنا محمد بن يحيى بن فارس ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج بهذا الحديث ، قال فيه : إذا توضأت فمضمض ، والترمذي مختصرا ، وقال : حسن صحيح ، وابن حبان في صحيحه من حديث شريح ، عن الطائفي مطولا ، والحافظ أبو بكر بن خزيمة ، عن الحسن بن محمد الزعفراني ، وزياد بن يحيى الحساني ، وإسحاق بن حاتم المدائني وجماعة ، قالوا : ثنا يحيى بن سليم بمثل حديث ابن ماجه ، وابن الجارود في كتاب المنتقى ، وصححه أيضا البغوي في شرح السنة ، وأبو محمد الإشبيلي ، وصحح إسناده الطبري ، وأبو الحسن بن القطان ، وأبو بشر الدولابي في جمعه حديث الثوري ، بلفظ : إذا توضأت ، فبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما ، ورجحه أبو القاسم في الأوسط ، وذلك لما رواه من حديث قرة بن خالد ، عن إسماعيل قال : لم يروه عن قرّة إلا يحيى بن سعيد ، تفرّد به علي بن حسان ، فإن كان علي القطان حفظه فهو غريب من حديث قرة ؛ لأن غير علي رواه عن يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل ، ورواه أيضا من حديث محمد بن طارق ، عن أبيه ، عن لقيط بلفظ : إذا كنت صائما فاستنثر رويدا . وقال : لم يرو هذا الحديث عن محمد بن طارق إلَّا بشر بن رافع ، تفرد به صفوان بن عيسى . وقال الحاكم : هذا حديث صحيح ، ولم يخرجاه ، وهو جملة ما قلنا : إنّهما أعرضا عن الصحابي الذي لا يروي عنه غير الواحد ، وقد احتجا جميعًا ببعض هذا الحديث بعينه ، وله شاهد من حديث ابن عباس ، يعني الآتي بعد ، وفيما قاله نظر من وجهين : الأول : قوله : إنّهما أعرضا عن الصحابي الذي لا يروي عنه غير الواحد ، وليس كما زعم لعدم اشتراطهما ذلك ، ولما في كتابيهما من أحاديث جماعة بهذه المثابة ، منهم : المسيب بن حزن ، وأبو قيس بن أبي حازم ، ومرداس الأسلمي ، وربيعة بن كعب الأسلمي ، وغيرهم . الثاني : لو سلمنا له ما قاله ، كان لفظ هذا خارجًا عن ذلك ؛ لرواية جماعة عنه ، منهم : ابن أخيه وكيع بن حدس ، وابنه عاصم ، وعمرو بن أوس ، فيما ذكره ابن سعد وأبو عمر ، قال : ومنهم من يجعل لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل ، المكنى أبا رزين غير لقيط بن صبرة ، وليس بشيء ، بل هما واحد ، نسب إلى جدّه ، وكذلك قاله البخاري ، وأبو حاتم الرازي ، وأبو أحمد العسكري ، والفسوي في تاريخه ، وابن حبان ، وعبد الغني بن سعيد ، وغيرهم . وأما ما ذكره الخلال في كتاب العلل عن الإِمام أحمد بن حنبل : عاصم لم يسمع غير بكر رواية ، أي : ليس بمشهور في الرواية عنه - فمردود بما أسلفنا ذكره عند من صحح حديثه . وما ذكره العسكري والطبراني في الأوسط ، ولفظه : فاستنثر رويدا من جهة بشر بن رافع ، عن محمد بن طارق ، عن أبيه ، عن لقيط ، قال : لم يروه عن ابن طارق إلَّا بشر بن رافْع ، تفرد به صفوان بن عيسى ، ومن جهة القطان ، عن قرّة بن خالد ، عن إسماعيل قال : لم يروه عن قرّة إلَّا يحيى بن سعيد ، تفرد به علي بن حسّان القطان ، فإن كان علي حفظه فهو غريب من حديث قرة ؛ لأن غير ابن حسان رواه عن يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل . ولما ذكره الخطيب في تاريخه من رواية وكيع ، عن مسعر ، قال : تفرد به وكيع عنه ، وحبذا بوكيع ، وكذا قول عبدان الذي حكاه العسكري : أتيت سفيان الثوري فقدمت على شعبة ، قال لي : ما سمعت من سفيان ؟ فقلت : حدّثني عن إسماعيل بن كثير ، عن عاصم الحديث ، فقال : أوه ، منعتني ، لو جئت به عن غير سفْيان لقلت فيه ؛ لأنه عديم المحاباة ، فلو اتجه له قول فيه لقاله ، وحمل على أنه قاله مداعبة وتعظيما لسفيان ، والله أعلم . وكذا ذكره أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد ، الذي أنا به بقراءتي المسند المعمر يوسف الحنفي ، عن عبد الوهاب المصري ، أنا أحمد بن محمد الإسكندري ، أنا المبارك بن عبد الجبار ، أنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد ، أنا أبو الحسن أحمد بن الفرج عنه : أنه حديث تفرد به أهل الطائف عن غيرهم من البلاد ؛ لأنّ هذا التفرد لا يوجب ضعفًا كما توهمه بعض الناس فيه ، وقد رواه الحاكم في تاريخ بلده من غير طريق إسماعيل ، قال : ثنا أبو بكر البوشنجي ، ثنا إبراهيم الحزامي ، ثنا أبو إسحاق ، أنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الله الحزامي ، حدّثني عبد الرحمن بن عباس الأنصاري ، عن دلهم بن الأسود ، عن عبد الله بن حاجب بن عاصم بن المنتفق العقيلي ، عن جدّه عبد الله ، عن عمه لقيط ، قال دلهم : وحدثنيه أيضا أبي الأسود ، عن عاصم بن لقيط به مطولا . قال أبو عبد الله : سمعت أبا بكر يقول : سمعت أبا عبد الله يقول : هذا حديث إبراهيم كتبه عنه ابن معين وابن حنبل وحفّاظ الحديث ببغداد ، ولم يرو عبد الرحمن غير هذا الحديث ، ولا كتبناه عن أحد إلا عن الحزامي ، وهو من قرية لا من بني مخزوم بن عبد الله ، هذا هو الحارثي .

309

المبالغة في الاستنشاق والاستنثار 139 - حدّثنا أحمد بن عبدة ، أنبأ حماد بن زيد ، عن منصور ( ح ) ، وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن سلمة بن قيس ، قال : قال لي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إذا توضأت فانثر ، وإذا استجمرت فأوتر . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : حسن صحيح ، وذكره ابن حزم محتجا به ، وألزم الدارقطني الشيخين إخراجه ، ولما ذكره أبو ذر الهروي في مستخرجه ، زاد : ألا وإنما هن أربع : ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا بالحق ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا . وفي لفظ : أربع ما أنا بأشح بهن مني يوم سمعتهن . وفي لفظ : كان ذلك في حجة الوداع . وأمّا النسائي والطبراني وغيرهما فجعلوهما حديثين . ولفظ ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط وابن قانع والطبراني : إذا استنشقت . وقد وقع لنا هذا الحديث بعلو ثلاث درجات على طريق ابن ماجه ، أنا المسند المعمر يحيى بن أبي محمد الدمشقي بقراءتي عليه عن مفتي المسلمين علي بن هبة الله ، أخبرتنا شهدة ، أنا الحسن بن علي ، أنا عبد الله بن يحيى ، قرئ على إسماعيل بن أحمد ، ثنا سعدان ، ثنا ابن عيينة عن منصور ، فذكره ، وقال الدارقطني في الأفراد ، ورواه من حديث موسى بن مطير عن منصور : هذا غريب من حديث موسى عن منصور .

310

من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء 94 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد قالا : ثنا وكيع ، عن شريك ، عن إبراهيم بن جرير ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى حاجته ، ثم استنجى من تور ، ثم دلك يده بالأرض . هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه ، فقال : ثنا إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل بن مبشر قالا : ثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس ، ثنا أبي ، ثنا شريك ، ثنا إبراهيم ، به . وقال في الأوسط : لم يروه عن أبي زرعة إلا إبراهيم . تفرد به شريك ، وسكت عنه الإشبيلي ، واعترض عليه ابن القطان ، فقال : لا يصح لعلتين : إحداهما : شريك ، فإنه سيئ الحفظ ، مشهور بالتدليس ، وهو في سوء الحفظ مثل ابن أبي ليلى وقيس بن الربيع ، وكلهم اعتراهم سوء الحفظ لما ولوا من القضاء . والثانية : إبراهيم ، فإنه لا تعرف حاله ، وهو كوفي يروي عن أبيه مرسلًا ، ومنهم من يقول : حدّثني أبي . انتهى كلامه . وعليه فيه مآخذ ، منها : تدليس شريك المخوف زال بحديث آدم عنه المصرح فيه بحدّثنا إبراهيم من عند ابن حبان ، ومنها : تسويته بين شريك وقيس ومحمد في سوء الحفظ ، وليس كذلك ؛ لأنه ممن خرج مسلم حديثه في صحيحه . وقال فيه ابن معين : ثقة ثقة . وهو أحب إلي من أبي الأحوص ، وجرير ، ليس يقاس هؤلاء به . وفي رواية : ثقة إلا أنه لا يتقن ، ويغلط ، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة ، قال فيه الإمام أحمد نحو ذلك ، زاد : وهو في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل ، وخالف ذلك أبو داود ، وسيأتي كلامه . وقال وكيع : لم نر أحدًا من الكوفيين مثل شريك ، وحدث عنه ابن مهدي ، وقال العجلي : ثقة حسن الحديث . وقال ابن عدي : والغالب على حديثه الصحة والاستواء . وقال أبو داود : ثقة يخطئ على الأعمش ، زهير وإسرائيل فوقه . وقال الآجري : وسمعت أبا داود يقول : إسرائيل أصح حديثًا من شريك ، وسمعت أبا داود يقول : أبو بكر بن عياش بعد شريك ، قال الآجري : سمعت أحمد بن عمار بن خالد ، سمعت سعدويه يقول لإبراهيم بن محمد بن عرعرة : ارو هذا ، أنا سمعت عبد الله بن المبارك ، يقول : شريك أعلم بحديث الكوفة من سفيان . وقال ابن سعد : كان ثقة مأمونًا ، كتب الحديث ، وكان يغلط ، توفي في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة . ولما ذكره الحربي في كتاب العلل قال : كان ثقة . وقال الفسوي في تاريخه : ثقة صدوق ، صحيح الكتاب ، رديء الحفظ ، مضطربه . وقال النسائي في التمييز : ليس به بأس ، فكيف يشبه من يكون هذه حاله بابن أبي ليلى ؟! القائل فيه شعبة بن الحجاج : ما رأيت أسوأ حفظًا منه . قال أحمد : سيئ الحفظ ، مضطرب في الحديث . وكذلك قاله يحيى بن سعيد ، زاد : جدا . وقال أبو حاتم : شغل بالقضاء فساء حفظه . وقال ابن حبان : كان فاحش الخطأ ، رديء الحفظ ، فكثرت المناكير في حديثه ، فاستحق الترك ، تركه أحمد ويحيى ، وكذلك زائدة . وقال الدارقطني : هو رديء الحفظ ، كثير الوهم . وقال ابن طاهر في كتاب التذكرة : أجمعوا على ضعفه ، وليس كما ذكر ؛ لأنّ العجلي ذكره في تاريخه ، فقال : كان صدوقا جائز الحديث ، صاحب سنة ، فلا إجماع إذًا ، والله تعالى أعلم . وأما قيس بن الربيع فقال فيه أحمد لما سئل عنه : لم يترك الناس حديثه ، وقال : كان يتشيع ويخطئ في الحديث ، ويروي أحاديث منكرة . وقال الجوزجاني : ساقط . وقال أبو داود : إنما أتي من قبل ابن له ، كان يدخل أحاديث الناس في فُرَج كتابه ، ولا يعرف الشيخ ذاك . وقال الأزدي : كان يعلّق النساء بثديهن ، ويرسل عليهن الزنابير ، وتكلم فيه غير هؤلاء . ومنها قوله : إبراهيم لا يعرف حاله ، وليس كما قال ، فإنه ممن روى عنه أبان بن عبد الله البجلي ، وحميد بن مالك اللخمي ، وداود بن عبد الجبار ، وزياد بن أبي سفيان ، وقيس بن مسلم الجدلي ، وشريك ، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات . وقال ابن عدي : لم نضعفه في نفسه ، وإنما قيل : لم يسمع من أبيه شيئا ، وأحاديثه مستقيمة تكتب . ومنها قوله : ومنهم من يقول حدثني أبي ، وذلك لا يستقيم ، وأنى له السّماع من أبيه مع قول ابن سعد فيه : مولده بعد موت أبيه . وكذلك قاله الحربي في كتاب العلل ، وبنحوه ذكره الآجري . ومنها : إغفاله علّة هي في الحقيقة إن صحت علة الخبر لا ما ذكر ، وهي ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن حنبل حين سأله حنبل عنه ؟ فقال : هذا حديث منكر . وأشد من هذا ما ذكر أبو داود من رواية ابن العبد عنه : ثنا محمد بن عبد الله المخرمي ، ثنا وكيع ، عن شريك ، عن إبراهيم بن جرير ، عن المغيرة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة . فهذا كما ترى إبراهيم صرح بأنه لم يسمعه من أبي زرعة ، إنما سمعه من المغيرة عنه ، ولو كان أتى بلفظ يشعر بسماعه منه لكنا نقول : سمعه منه وعنه ، فلما يأت بذلك ، إنما قاله معنعنا ؛ دلنا ذلك على انقطاع حديثه ؛ لرؤيتنا واسطة بينهما ، ولا أدري من هو في جماعة مسمين بهذا الاسم ، وفي هذه الطبقة ؟ ولفظ أبي داود : كان - عليه السلام - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة ، فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ، ثم أتيته بإناء آخر يتوضأ ، ولما ذكره الحافظان أبو محمد المنذري ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد في كتابيهما ، قالا : خرجه أبو داود وابن ماجه ، تبعا في ذلك الحافظ أبا القاسم ابن عساكر ، وهو وهم منه ؛ لأنّه ثابت في كتاب السنن للنسائي المجتبى والكبير ، ولفظه : فتوضأ ، فلما استنجى دلك يده بالأرض رواه عن محمد بن عبد الله بن المبارك ، ثنا وكيع ، عن شريك ، وأشار الطبراني في الأوسط إلى أن إبراهيم تفرّد به وعنه شريك . وأما قول من قال من العلماء المتأخرين : إن ابن خزيمة خرجه في صحيحه ، فيشبه أن يكون وَهِمَ ؛ لأنّي نظرت كتاب ابن خزيمة فلم أجد ذلك فيه ، إنّما فيه حديثه ، أعني إبراهيم ، عن أبيه ، الآتي بعد ، فلعله اشتبه عليه ، والله أعلم . ورواه أبان بن عبد الله ، عن مولى لأبي هريرة ، عن أبي هريرة ، قال - عليه السلام - : ائتني بوضوء ، ثم دخل غيضة ، فأتيته بماء ؛ فاستنجى ثم مسح يده بالتراب ، ثم غسل يده . ذكره الدارمي في مسنده ، عن محمد ابن يوسف عنه ، وأبو زرعة اختلف في اسمه ، فذكر الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب الأسماء والكنى من تأليفه أنَّ اسمه عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله . أنا محمد بن عيسى ، سمعت عباسًا ، سمعت يحيى يقول : اسم أبي زرعة بن عمرو بن جرير : عمرو بن عمرو بن جرير . وفرَق بينه وبين أبي زرعة هَرِم . وقال عن علي : هرم أبو زرعة ليس هو ابن عمرو بن جرير ، إنما هو آخر . ثم في الطبقات لابن سعد : كان لجرير ابن يقال له عمرو ، وبه كان يكنى ، هلك في إمارة عثمان ، فوُلد له ابن ، فسماه جرير بن عبد الله باسم أبيه ، وغلب عليه أبو زرعة ، وأبى ذلك أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات ، وأبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء ، فلم يذكرا غيره . زاد أبو حاتم : وقد قيل : اسمه كنيته . وأما أبو حاتم الرازي وأبو زرعة فسمّياه عبد الرحمن . وأما مسلم فاختلف قوله ، فسماه في الطبقات عبد الله ، وفي الكُنى هرما .

311

95 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو نعيم ، نا أبان بن عبد الله ، حدّثني إبراهيم بن جرير ، عن أبيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الغيضة فقضى حاجته ، وأتاه جرير بإداوة من ماءٍ ، فاستنجى بها ، ومسح يده بالتراب . هذا حديث رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن محمد بن يحيى ، كما رواه أبو عبد الله ، ولما خرجه أبو عبد الرحمن النسائي إثر حديث شريك المتقدم قال : هذا أشبه بالصواب من حديث شريك ، ومع ذلك ففيه علّتان ، يضعف الحديث بواحدة منها : الأول : ما أسلفناه من أن جريرًا توفي قبل ولادة ابنه إبراهيم . وقال أبو حاتم : لم يسمع من أبيه ، وكذلك قاله يعقوب . ولما ذكر الدارقطني حديثه عن أبيه في المسح على الخفين ، ومن رواه عنه كذلك - قال : خالفهما شريك ؛ فرواه عن إبراهيم ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير ، وهو أشبه ، والله تعالى أعلم . وذكر بعضهم أنه لم يذكر عنه أحد قوله : حدثني أبي إلا داود بن عبد الجبار ، وهو متهم بالكذب . الثانية : . ذكره بحشل في تاريخه : ثنا حسين بن عبد الرحمن ، ثنا موسى بن داود ، ثنا هشيم عن عروة بن عبد الله أبي عبد الله البزاز الهمداني عن الشعبي عنها أنها قالت : إن شئتم أريتكم المكان الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك يده إذا توضأ . التور بتاء ثالث الحروف : إناء يشرب فيه . ذكره الجوهري . وفي الجمهرة لابن دريد : التور عربي معروف ، هكذا يقول قوم . وقال آخرون : هو دخيل . فأمّا التور الرسول فعربي صحيح ، وقال الجواليقي : هو إناء معروف يذكره العرب ، قال أبو عبيد عن أبي عبيدة : ومما دخل في كلام العرب الطست والتور والطاجن ، وهي فارسية كلها . وقال الزمخشري في الأساس : هو إناء صغير مذكر عند أهل اللغة ، ومررت بباب العمرة على امرأة تقول لجارتها : أعيريني تويرتك . وسُمي بذلك لأنه يتعاور ويردد ، سمي بالتور وهو الرسول الذي يدور بين العشاق ، مأخذه من التارة ؛ لأنه تارة عند هذا ، وتارة عند هذا . وذكر أبو موسى في المغيث : أنّه إناء يشبه الإِجانة من صفر أو حجارة ، يتوضأ منه ويؤكل ، والجمع أتوار . والغيضة : الأجمة ، وهي مغيض ماء يجتمع ، فينبت فيه الشجر ، والجمع : غياض ، وأغياض ، وغيض الأسد : أي ألف الغيضة . ذكره في الصحاح . وقال أبو موسى : هو شجر ملتف ، وفي الجامع : يقال لما كثر من الطرفاء والأثل وما أشبهه : غيض . وقال أبو حنيفة : الغيضة : ما كان من الغرب خاصة ، والِذي جاءت به الأشعار خلاف هذا ، قال رؤبة : في غيضة شجراء لم تمعَّر من خُشْب عاس وغاب مثمر فجعلها من المثمر وغير المثمر ، وجعلها أيضا غابة ، وأي غَرب بنجد يلي غُرب الأرياف إذا اجتمعت ، فهي غياض ، وكذلك إن كانت من غير الغرب بعد أن تجتمع وتلتف ، قال الطرماح : ومخاريج من شعار وغيـ ـل وغماليل مُدجنات الغياض والغلول : بطن من الأرض ، غامض ، ذو شجر ، والغال نحو منه ، ذكر ذلك أبو عمرو فجعلها غياضا ، وهي ألفاف من الشجر ، وليست منابت غرب ، وشبيه به الغيل ، والغيطلة ، والغابة . وفي الغريب المصنف : ونحو منه السرداج ، والخبراء ، والسَّلان ، والعقرة . وفي كتاب أسماء الشجر لأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري : ومثله الحرجة ، والنوطة ، والفرش ، والوهط ، والسليل ، والرجلة ، وقصيمة ، ودبيل ، والقصيصة ، والسبت ، وعببة ، وباعجة ، وربض ، وصربة ، والأباءة ، والعصل ، والشجراء ، والأجمة ، والخميلة ، والخمر .

312

137 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا شريك ، عن خالد بن علقمة ، عن عبد خير ، عن علي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ، فمضمض ثلاثًا ، واستنشق ثلاثًا من كف واحد . هذا حديث خرجه الحافظان أبو بكر بن خزيمة وأبو حاتم البستي في صحيحيهما من حديث خالد بن علقمة الهمداني ، عن عبد خير مطولًا . وقال فيه الترمذي : حسن صحيح ، ولما ذكره البغوي في شرح السنة قال : حديث عبد خير صحيح حسن ، أنا بذلك العلامة أبو الحسن بن موسى الحجازي بقراءتي عليه في شهور سنة إحدى عشرة وسبعمائة جميع كتاب الطهارة منه والزكاة والحج ، ومناولة لباقي ذلك . وأخبرني أنه سمع بعضه من لفظ شيخه شيخ الإِسلام شمس الدين زكي بن الحسن وبقيته قراءة عليه وأنا أسمع بثغر عدن في شهور سنة تسع وستين وستمائة . قال : أخبرني الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن أحمد بن وكيع ، أنا شيخ الإسلام عماد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروروذي ، قال : أنا البَغوي فذكره . ورواه النسائي في مسند علي مطولًا : فملأ فمه فمضمض واستنشق ، ونثر بيده اليسرى ، يفعل هذا مرارًا في الحديث ثلاث مرات . وكذا ذكره أحمد بن سنان القطان في مسنده ، ورواه شعبة فقال : عن مالك بن عرفطة ، ووهمه في ذلك أبو داود ، والنسائي ، والدارقطني ، والإمام أحمد ، ومسلم في كتاب شيوخ شعبة من تأليفه ، والبزار ، وقال : قد رواه غيَر واحد عن خالد بن علقمة ، ولا نعلم أحدًا أحسن له سياقًا ولا أتم كلامًا من زائدة . ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبي زرعة قال : وهم فيه شعبة . إنما أراد خالد بن علقمة . ورواه سفيان موقوفًا ، لم يرفعه . وفي ذلك نظر ؛ لأن الدارقطني ذكر رواية الثوري هذا الحديث مرفوعًا ، ثم قال : وخالف الجماعة الحجاج بن أرطأة ، فجعله عن خالد ، عن عمرو ذي مر ، ووهم في ذلك ، والصواب قول من قال : عبد خير عن علي . انتهى . وفي توهيم الجماعة شعبة وعصبهم الجناية برأسه تعسّف ؛ لأمرين : الأوّل : لروايته ذلك كرواية الجماعة : سفيان ، وشريك ، وأبو عوانة ، وأبو الأشهب ، وغيرهم ، نص على ذلك أبو الحسن البغدادي . الثاني : متابعة أبي عوانة له . نص على ذلك مطلقًا من غير تقييد أبو داود في رواية ابن العبد ، والترمذي في جامعه ، وأبو حاتم كما أسلفناه ، والدارقطني ، وعن الإِمام أحمد أنه رجع عن ذلك لما قيل له : إن شعبة وهم ، وقَال : ما يدريني أنا سمعته ، وهو يخالفني في اسمه ، فقلت : لعله أعلم مني ، فاتبعته ، وتبسم أبو عبد الله عند هذا . وقال : خالد بن علقمة كوفي ثقة . وحكى الدارقطني عنه أنه قال فيه أيضا : خالد بن عرفطة ، وهو غير شيء أيضا ؛ لأن خالد بن عرفطة روى عن أبي سفيان ، عن جابر روى عنه واصل مولى أبي عيينة ، ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وفي مسند الدارمي متابع له ، وهو حسن بن عقبة المرادي المذكور في الثقات للبستي .

313

باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد 136 - حدّثنا عبد الله بن الجراح وأبو بكر بن خلاد ، ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمضمض واستنشق من غرفة واحدة . هذا حديث خرجه ابن ماجه في موضعين آخرين ، وهو قطعة من حديث مطول رواه البخاري في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، وِلفظه : وجمع بين المضمضة والاستنشاق ، وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، والحافظ أبو بكر في صحيحه ، وجوده الإِمام أحمد فيما حكاه الخلال . ولما خرجه أبو عيسى قال : حديث ابن عباس أحسن شيء في هذا الباب وأصح ، وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث ، عن الضحاك بن شرحبيل ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مَرة مرة وليس هذا بشيء ، والصحيح ما روى هشام بن سعد والثوري وعبد العزيز بن محمد ، عن زيد ، عن عطاء ، وبنحوه قاله أبو حاتم الرازي حين سأله ابنه ، عن حديث رواه ابن لهيعة ، عن الضحاك هذا .

314

138 - حدّثنا علي بن محمد ، ثنا أبو الحسين العكلي ، عن خالد بن عبد الله ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد الأنصاري ، قال : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألنا وضوءًا ، فأتيته بماء فمضمض واستنشق من كف واحد . هذا حديث أصله في الصحيحين ، وقال فيه أبو عيسى : حسن غريب ، وقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث عن عمرو ، ولم يذكروا هذا الحرف ( من كف واحد ) ، وإنما ذكره خالد بن عبد الله ، وهو ثقة حافظ عند أهل الحديث . انتهى كلامه . وفيه نظر في موضعين : الأول : قوله : عن مالك وغيره ، لم يذكروا من كف واحد ، إن أراد اللفظ فكذلك هو ، وإن أراد المعنى فليس كذلك ؛ لأن لفظ حديث مالك وغيره : فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة ، وفي لفظ : ثلاث مرات من ثلاث غرف وفي رواية : من ثلاث حفنات ، وفي رواية : فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء ، فهذا كما ترى مالك وغيره ذكروا معنى ما ذكره خالد ، والله أعلم . الثاني : تحسينه الحديث مع شهادته للمنفرد به بالحفظ ، والحافظ إذا تفرد بحديث عنده كان صحيحًا ، لا سيما إذا عضده متابع وشاهد كهذا ، مع قطع النظر عمن صححه قبل . وذكر أبو عبيد في كتاب الطهور : وجدنا الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثبتة ، فبعضها معناه أنهما كانا بغرفة واحدة ، وفي بعضها : جدد لكل واحد منهما غرفة ، ففي هذا شاهد أنّ الأمرين جميعًا واسعان ، وأنهما من سنته ، وقد عملت العلماء بالرخصة فيهما .

315

باب التيمن في الوضوء 134 - حدّثنا هناد بن السري ، ثنا أبو الأحوص ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، وثنا سفيان بن وكيع ، ثنا عمر بن عبيد الطنافسي ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيمن في الطهور إذا تطهر ، وفي ترجله إذا ترجل ، وفي انتعاله إذا انتعل . هذا حديث اتفقا على تخريجه .

316

135 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو جعفر النفيلي ، ثنا زهير بن معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم . هذا حديث إسناده صحيح ، وخرج ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما قطعة منه ، عن نصر بن علي ، أنا عبد الصمد ، ثنا شعبة ، عن الأعمش به : إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه . وفي موضع آخر : إذا لبستم أو توضأتم . ورواه أيضًا الترمذي عن نصر ، وقال : قد روى هذا غير واحد ، عن شعبة ، عن الأعمش بهذا الإِسناد ، ولا نعلم أحدا رفعه غير عبد الصمد عن شعبة ، ولما ذكره في الأوسط أشار إلى تفرد زهير به ، عن الأعمش ، عن أبي هريرة موقوفًا . وفي مسلم ، عن أبي هريرة مرفوعًا : إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين ، وله شاهد في صحيح ابن حبان من حديث ابن عمر : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتعاطى أحدنا شيئًا بشماله . وفي كتاب الإشراف : ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمن ما استطاع من ترجله وتنعله ووضوئه . وقد أجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره في الوضوء قبل يمينه ، وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا : فلا تبال بأي يد بدأت . زاد الدارقطني : أبا هريرة .

317

98 - حدّثنا أبو بدر عباد بن الوليد ، ثنا مطهر بن الهيثم ، ثنا علقمة بن أبي جمرة الضبعي ، عن أبيه أبي جمرة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكل طهوره إلى أحد ، ولا صدقته التي يتصدّق بها ، يكون هو الذي يتولاها بنفسه . هذا حديث معلل بأمرين : الأول : الجهالة بحال علقمة هذا ، فإني لم أر أحدًا ذكره ، ولا ذكر له راويا غير ما في هذا الإِسناد بغير زائد عليه . الثاني : مطهر بن الهيثم ، وإن كان قد روى عنه جماعة ، فقد قال فيه ابن يونس : متروك الحديث . وقال ابن حبان : يروي عن موسى بن علي ما لا يتابع عليه ، وعن غيره من الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات . وقد وقع لنا هذا الحديث بعلو درجتين ، فإني سمعته من طريق ابن ماجه ، أنبأ به المسند المعمر بدر الدين الزكي بقراءتي عليه ، أنبأكم ابن رواح ، عن أبي الطاهر ، نا أبو القاسم الأرحبي ، أنا أبو الحسن الدارقطني بكتاب المقلين من أبناء المكثرين ، ثنا محمد بن مخلد ، ثنا أبو بدر ، فذكره . وفي كتاب البغوي الكبير : أنا أبو العلاء ، ثنا الليث ، عن معاوية بن صالح ، أن أبا حمزة حدّثه ، عن عائشة ، فذكرت حديثًا فيه : ولا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل وضوءه إلى غير نفسه ، حتى يكون هو الذي يهيئ وضوءه لنفسه حين يقوم من الليل . وأما الوكاء فذكر ابن دريد في الجمهرة أنه كل خيط شدّدت به وعاءً متحفظا له . وفي ( الجامع ) تقييده بالمدّ ، وبكلّ حبل وخيط . وفي الصحاح تقييده بالذي يشدّ به رأس القربة . وذكره الزمخشري في باب الحقيقة . وأما ( السقاء ) فذكر ابن دريد أنه القربة الصغيرة ، والجمع : أسقية . وفي الجامع تقييده بالماء . وفي الصحاح : يكون للبن والماء ، والجمع : أسقية وأسقيات ، والكثير أساق .

318

تغطية الإِناء 96 - حدّثنا محمد بن يحيى ، نا يعلى بن عبيد ، ثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نوكي أسقيتنا ونغطي آنيتنا . هذا حديث لما خرجه الترمذي قال فيه : حسن صحيح ، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه . وقال ابن منده : إسناده صحيح على رسم الجماعة ، إلا البخاري لأبي الزبير ، وسنعيد ذكره مطولا في كتاب الأشربة حيث أعاد أبو عبد الله ذكره فيه ، إن شاء الله تعالى .

319

97- حدثنا عصمة بن الفضل ويحيى بن حكيم قالا : حدّثنا حرمي بن عمارة بن أبي حفصة ، ثنا حريش بن خريت ، أنا ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : كنت أضع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آنية من الليل مخمرة : إناء لطهوره ، وإناء لسواكه ، وإناء لشربه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف راويه حريش أخي الزبير بن خريت ، وإن كان قد روى عنه حرمي ، ومسلم بن إبراهيم ، والمؤرج بن عمرو السدوسي ، فقد قال فيه البخاري : فيه نظر ، وهو إذا قال هذا اللفظ يريد أنه لا يحتمل ، هكذا أُخبر عن اصطلاحه فيما ذكره الدولابي عنه . وقال أبو زرعة : واهي الحديث . وقال الرازي : لا يحتج بحديثه . وقال الدارقطني : يعتبر به . وقال ابن عدي : ولا أعرف له كثير حديث ، فأعتبر حديثه ، فأعرف ضعفه من صدقه . ولما رواه البزار من حديث حرمي قال : وهذا الحديث لا نعلمه يُرْوَى إلا عن عائشة ، ولا نعلم له إسنادًا عن عائشة إلا هذا الإِسناد . وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن ابن أبي مليكة إلا الحريش . تفرد به حرمي .

320

133 - حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، ثنا ابن أبي فديك ، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ، ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار . هذا حديث خرجه الحاكم في مستدركه ، وقال : لم يخرج على شرطهما . انتهى . وإسناده ضعيف ؛ لضعف راويه عبد المهيمن ، فإنه ممن قال فيه البخاري : منكر الحديث . وقال ابن الجنيد وابن معين : ضعيف الحديث . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال ابن حبان : لما فحش الوهم في روايته بطل الاحتجاج به . وقال الدارقطني : ليس بالقوي . وقال الساجي : منكر الحديث . وقال الحربي في كتاب العلل : غيره أوثق منه . وأما حديث عائشة مرفوعًا : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ، فإن الحربي ذكر في كتاب العلل أنَّ إسحاق بن راهويه عمل مختصر سنن ، فجاء به علي بن الجهم إلى أحمد بن حنبل ، فأول حديث فيه حديث حارثة ، عن عمرة ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الحديث . قال : فرمى أحمد بالكتاب من يده ، وقال : هذا يزعم أنّه اختار أصح شيء في الباب ، هذا أضعف حديث في الباب ، حديث ربيح وحديث سعيد بن زيد أصح من هذا ؛ ، وكل ما روي في ذلك فليس بالقوي الإِسناد ، وإن تتابعت هذه الأسانيد . ولفظ الدارقطني : إذا مَسَّ طهورًا يسمِّي الله تعالى ، وفي لفظ : إذا قام إلى الوضوء يسمي الله تعالى . وأما قول الترمذي : وفي الباب عن أنس ، فيشبه أن يريد بذلك الحديث الذي أخبرناه الإمام أبو الحسين بن الهيثم بقراءتي عليه ، أخبركم الحافظ البكري إجازة إن لم يكَن سماعًا ، أنا أبو روح الهروي قراءة عليه ، أنا أبو القاسم زاهر الشحامي قراءة عليه ، أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الجنزروذي ، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أنا جدي الإِمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه الصحيح ، ثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم قالا : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن ثابت وقتادة ، عن أنس قال : نظر بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوءا فلم يجدوا ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : هاهنا ماء ، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع يده في الإِناء الذي فيه الماء ، ثم قال : توضئوا باسم الله ، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ، والقوم يتوضئون ، حتى توضئوا عن آخرهم ، قال ثابت : قلت لأنس : كم تراهم كانوا ؟ قالوا : نحو من سبعين . وأخرجه النسائي أيضًا ، وأصله متفق عليه . وفي الباب مما لم يذكره الترمذي : حديث جابر ، وفيه طول ، وفي آخره : فقلت : ألا وضوء ، ألا وضوء ؟ وفيه قال : خذ يا جابر ، فصب علي ، وقل : باسم الله ، فصببت عليه ، وقلت : باسم الله . رواه مسلم في صحيحه ، وهو أصرح من حديث أنس في الدلالة ، وفيه رد لقول البيهقي ، حيث قال في حديث أنس : هو أصح شيء في التسمية ، إذ لقائل أن يقول : أراد بقوله باسم الله ؛ الإذن لا التسمية ، وفيه رد لقول من زعم أن ليس في الباب حديث له إسناد جيد كَما قدمناه ، وفي حديث نبيح العنزي ، عن جابر عند أحمد : فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - كفه في الماء والقدح ، ثم قال : باسم الله ، ثم قال : أسبغوا الوضوء . وفي حديث سالم بن أبي الجعد عنه عنده أيضًا : فوضع يده في تور من ماءٍ بين يديه ، فجعل يفور من خلال أصابعه كأنها عيون ، ثم قال : خذوا باسم الله ، حتى وسعنا وكفانا . وروى البخاري ومسلم هذا الحديث من رواية سالم ، عن جابر بغير ذكر التسمية ، وإسناد أحمد فيه على رسم الصحيح ، وحديث أبي سبرة ذكره ابن بنت منيع في معجمه ، عن صلت بن مسعود الجحدري ، ثنا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس ، حدثني عيسى بن سبرة ، عن أبيه ، عن جدّه أبي سبرة مرفوعا الحديث ، ولما رواه الطبراني في الأوسط ، قال : لم يرو هذا الحديث عن أبي سبرة إلَّا بهذا الإِسناد ، ويشبه أن يكون وهم ؛ لما رواه ابن أبي عاصم في كتاب الآحاد والمثاني عن الصلت ، ثنا يحيى عن عيسى بن سبرة ، عن مولى لقريش ، عن أبيه ، عن جده ، زاد الموَلى ، وليس عنده ، والله أعلم . وحديث عبد الله بن مسعود مرفوعا ، أنا به عبد المحسن المصري قراءة عليه ، أنا جدي ، أنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد ، أنا ابن أبي الفتح السلمي ، أنا الشريف الحسين بن محمد الخطيب ، أنا أبو الحسين الغساني ، ثنا طلحة بن عبد الله بن موسى بن إسحاق ، ثنا جدّي ، ثنا يحيى بن هاشم ، ثنا الأعمش ، عن سفيان عنه ، وأنا به أعلى من هذا بدرجة قاضي القضاة كمال الدين بن محمد بن سليمان - رحمه الله تعالى - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا المسند أبو بكر محمد بن النشبي قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا أبو حفص البغدادي ، أنا أبو القاسم بن الحصين ، أنا أبو طالب محمد بن إبراهيم ، أنا أبو بكر الشافعي ، ثنا محمد بن غالب ، ثنا يحيى بن هاشم ، ثنا الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله به . وحديث خصيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مقطوع ومعضل . ذكره أبو بكر البيهقي في كتاب السنن وضعفه ، وحديث علي بن أبي طالب ذكره أبو أحمد بن عدي وضعفه ، وحديث عبد الله بن عمر ذكره الدارقطني وضعفه بالداهري ، وحديث ابن سبرة : لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار ذكره أبو موسى ، وقال : قال جعفر : في إسناده نظر . وحديث أبي بكر الصديق ذكره ابن أبي شيبة ، فوقفه ، واختلف في وجوب التسمية عند الوضوء ؛ فاستحب كثير منهم أن يسمي . وقال قوم : إن تركه عامدًا فلا شيء عليه ، كذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ، وقال إسحاق : إذا تركه ساهيًا فلا شيء عليه ، وإذا تعمد ذلك أعاد ، قال ابن المنذر : وعندي لا شيء عليه ، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : تفسير : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه أنه الذي يتوضأ ويغتسل ، ولا ينوي وضوءًا للصلاة ولا غسلا للجنابة . وقال أبو عبيد ابن سلام : وأنا لا أرى لبشر أن يدع ذكر الله تعالى عند طهوره ، وإني ما تركته ساهيا حتى يمضي بعض وضوئي ، فأعيده من أوّله بالتسمية ، وهذا اختيار مني لنفسي آخذها به ، وأراه لمن قبل رأيي من غير أن أوجبه ، ولا أفسد بتركه صلاة رجل ولا طهوره .

321

131 - حدّثنا الحسن بن علي الخلال ، ثنا يزيد بن هارون ، أنا يزيد بن عياض ، ثنا أبو ثفال ، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان أنه سمع جدّته بنت سعيد بن زيد تحدّث أنها سمعت أباها سعيد بن زيد يقول : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه . هذا حديث اختلف في تحسينه وتضعيفه ؛ فممن حسنه ظاهرا أبو عبد الله البخاري بقوله فيما حكاه عنه أبو عيسى : هو أحسن شيء في هذا الباب عندي ، ولما ذكره البزار قال : وحديث ابن حرملة رواه جماعة ثقات ، وأبو ثفال مشهور ، ورباح وجدّته لا نعلمهما رويا إلَّا هذا الحديث ، ولما سئل عنه أبو الحسن البغدادي قال : رواه عبد الرحمن بن حرملة ، عن أبي ثفال ، واختلف عنه ، فقال وهيب وبشر بن المفضل ، وابن أبي فديك ، وسليمان بن بلال ، عن ابن حرملة ، عن أبي ثفال عن رباح عن جدته ، وذكر الاختلاف فيه ، ثم قال : والصحيح قول وهيب ، وبشر ، ومن تابعهما ، وذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة من طريق عفان عن وهيب ، بزيادة : ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار ، ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل قال : ذكرته لأبي وأبي زرعة ، فقالا : ليس عندنا بذاك الصحيح ، أبو ثفال مجهول ، ورباح مجهول ، ولما ذكره ابن القطان قال : إن كان يعني عبد الحق اعتمد قول أحمد : لا أعلم في هذا حديثًا له إسناد جيد ، فقد بقي عليه أن يبين علته ، وذلك هو الذي قصدت بيانه في هذا الباب لتكتمل الفائدة ، وإن كان اعتمد قول البخاري : إنه أحسن شيء في هذا الباب ، فقد توهم أنه حسن ، وليس كذلك ، وما هو إلَّا ضعيف جدا ؛ لأنّ في إسناده ثلاثة مجاهيل الأحوال : أولهم : جدّة رباح ، فإنها لا تعرف بغير هذا ، ولا يعرف لها اسم ولا حال ، وغاية ما تعرفنا بهذا أنها ابنة لسعيد . الثاني : رباح فهو مجهول الحال كذلك ، ولم يعرف ابن أبي حاتم من حاله بأكثر مما أخذ من هذا الإِسناد . الثالث : أبو ثفال مجهول كذلك ، وهو أشهرهم ؛ لرواية جماعة عنه ، منهم : ابن حرملة ، وسليمان بن بلال ، وصدقة مولى الزبير ، والدراوردي ، والحسن بن أبي جعفر ، وعبد الله بن عبد العزيز ، قاله أبو حاتم . وفيما قاله نظر من وجوه : الأول : ما ذكره من جهالة حال أبي ثفال ، وليست كذلك فإنه ممن قال فيه البخاري : في حديثه نظر ، والبخاري إذا قال ذلك يكون غير محتمل عنده ، وقد أسلفنا فيما ذكر من حسن حديثه ، وما ذاك إلا بعد تحسين حاله ، وسيأتي كلام ابن حبان فيه . الثاني : ابنة سعيد بن زيد ، اسمها أسماء ، سماها بذلك البيهقي في كتاب السنن الكبير ، وقوله : إنها مجهولة الحال ليست كذلك ؛ بل معروفة ، ذكرها ابن حبان في كتاب الثقات . وقال : لا أدري ما اسمها ، روى عنها رباح بن عبد الرحمن إلا أني لست بالمعتمد على ما انفرد به أبو ثفال ثمامة المري . الثالث : قوله في رباح : إنه مجهول ، ليس كذلك ، فإنه ممن ذكره ابن حبان في كتاب الثقات أيضًا . قال المقدسي : وروى عنه حذيفة غير منسوب والحكم بن القاسم الأويسي ، فعلى هذا لولا أن أبا ثفال في السند لكان الحديث صحيحا على رسم ابن حبان ، ولكان قول أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطهور أقرب إلى الصواب ، وذلك أنه لما ذكره وذكر حديث أبي سعيد قال : فقد كان بعض أهل الحديث يطعن في إسناديهما ، لمكان المرأة المجهولة في الأول ، ولما في الآخر من ذكر الرجل ليس يُروى عنه كثير علم ، فإن كانا محفوظين فإنما يوجهان على ما في ذكر الله تعالى عند الطهور من الفضيلة والثواب .

322

132 - حدثنا أبو كريب وعبد الرحمن بن إبراهيم قالا : ثنا ابن أبي فديك ، ثنا محمد بن موسى بن أبي عبد الله ، عن يعقوب بن سلمة الليثي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه . هذا حديث اختلف فيه : فمنهم من أعله ، ومنهم من صححه ؛ فأما المعلل فالبخاري لما سأله عنه الترمذي فقال : محمد بن موسى المخزومي لا بأس به ، مقارب الحديث ، ويعقوب بن سلمة مدني ، لا يعرف له سماع من أبيه ، ولا يعرف لأبيه سماع من أبي هريرة ، والعجب من المنذري في إيراده كلام البخاري هذا ، ثم قال : وهذا الحديث أمثل الأحاديث الواردة إسنادا ، وقد أسلفنا ذكر أحاديث حسنة الإِسناد متصلة ، لا تقاس بهذا ، وأمّا المصحح : فالحاكم لما ذكره في مستدركه من حديث قتيبة بن سعيد ، ثنا محمد بن موسى ، ثنا يعقوب بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الحديث ، ثم قال : رواه ابن أبي فديك ، عن محمد بن موسى المخزومي ، أخبرناه أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس ، ثنا عثمان بن سعيد ، ثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فديك ، قال : وهذا حديث صحيح الإسناد ، فقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون ، واسم أبي سَلمة دينار ، ولم يخرجاه ، انتهى كلامه . وعليه فيه مآخذ : الأول : حكمه عليه بالصحة ، وهو عديمها لأمرين : الأوّل : ما ذكره البخاري . الثاني : جهالة يعقوب وأبيه سلمة ، فإني لم أر أحدا تعرّض لذكر حالهما ، وأما ما ذكره ابن سرور في باب سلمة من قوله : روى عنه ابنه يعقوب ، ومحمد بن موسى الفطري وأبو عقيل يحيى بن المتوكل فوهم منه ، وقد ذكره في باب يعقوب على الصواب ، ولو كان ما قاله صحيحا لخرج سلمة من جهالة العين برواية جماعة عنه ، وليس الظاهر كذلك ، وإنّما تبع عبد الغني في ذلك ابن أبي حاتم حيث قال : سلمة الليثي ، روى عن أبي هريرة ، روى عنه ابنه يعقوب ، وروى عنه محمد بن موسى وأبو عقيل ، فاعتقد أنّ الضمير في روى عن محمد بن موسى عائد على سلمة ، وإنما هو يرجع إلى يعقوب ، يفهم ذلك من قوله روى مرتين ، على أنّ هذا لا بد فيه من تعسف ؛ إذ الاصطلاح غيره . وأما البخاري فذكره في الكبير على الصواب ، وتبعه على ذلك غير واحد من المتأخرين . الثالث : قوله : يعقوب بن أبي سلمة ، وليس صحيحا ؛ إذ لو كان ابن أبي سلمة لكان صحيحا كما زعم ، ولكنه ليس به ، ولم يقل أحد ما قاله غيره بغير متابع له عليه ، وممن رواه كرواية ابن ماجه : أبو داود ، والترمذي في العلل ، والدارقطني والإِمام أحمد بن حنبل ، والطبراني في المعجم الكبير ، وفي الأوسط ، وقال : لم يروه عن يعقوب إلا الفطري ، وغيرهم . ويشبه أن يكون وقع ذلك منه لاعتماده على حفظه ، فإن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون أجول على الذهن من يعقوب بن سلمة ، فانتقل ذهنه من هذا إلى هذا ، وأكّده بذكر أخيه ، والله تعالى أعلم . الرابع : لو سلم له قوله : إنّه ابن أبي سلمة ، لكان يحتاج إلى معرفة حال أبيه دينار ، وهي غير معروفة ، بل لم يذكره في الرواة أحد من أصحاب التاريخ فيما أعلم . ورواه أيوب بن النجار ، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ : ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه ذكره الدارقطني في الأول من فوائده رواية ابن معروف عنه ، ولما ذكره الحافظ أبو بكر في سننه ، قال : وهذا الحديث لا يعرف من حديث يحيى ، عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه ، وكان ابن النجار يقول : لم أسمع من يحيى إلَّا حديثًا واحدًا التقى آدم وموسى . ذكره ابن معين ، فحديثه على هذا يكون منقطعًا ، وروي من حديث إبراهيم بن المنذر ، ثنا عبد الله بن محمد عن هشام بن عروة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة نحوه . قال أبو نصر الوائلي : هذا حديث غريب من حديث هشام ، عن أبي الزناد وهو من المدبج ، وفي كتاب أبي الحسن من حديث مجاهد ، عن أبي هريرة نحوه ، وفيه جماعة مجاهيل . ورواه أبو القاسم في الأصغر من حديث علي بن ثابت ، عن محمد يرفعه عنه : إذا توضأت فقل : باسم الله ، والحمد لله ، فإن حفظتك لا تستريح تكتب لك حسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء . وقال : لم يروه عن علي بن ثابت أخي عزرة بن ثابت إلَّا إبراهيم بن محمد البصري ، تفرد به عمرو بن أبي سلمة . وفي كتاب الشيرازي من حديث الحسين بن علوان : من سمى في وضوئه لم يزل كاتباه يكتبان له الحسنات حتى يحدث من ذلك الوضوء .

323

باب ما جاء في التسمية في الوضوء 130 - حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، ثنا زيد بن الحباب ( ح ) ، وثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو عامر العقدي ( ح ) ، وثنا أحمد بن منيع ، ثنا أبو أحمد الزبيري ، قالوا : ثنا كثير بن زيد ، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه . هذا حديث ذكره الحاكم في مستدركه مستشهدا به ، وذكر عن أحمد أنه أحسن ما يروى في هذا ، ولما ذكره المروذي عن أحمد ، قال : لم يصححه ، وقال : ليس فيه شيء يثبت . وفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي عنه : وسأله عن التسمية على الوضوء ، فقال : فيها أحاديث ليست بذاك ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا الآية ، فلا أوجبه عليه . وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يتوضأ ولم يسم ، قال : ليس في هذا حديث يثبت ، وأحسنها حديث كثير بن زيد . وفي كتاب العلل للخلال : ذكر أبو عبد الله ربيحًا هو : رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقال : ليس بمعروف ، وفي مسائل أبي عمر خطاب بن بشر الوراق للإِمام أحمد : وسألته عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا وضوء لمن لم يسم الله ، فقال : ليس الخبر بصحيح ، روي عن رجل ليس بالمشهور ، واسمه رُبيح ، وهذا لا يناقض كلامه الأول ؛ لأنه حسّنه على علّاته . ولما ذكره البزار في كتاب السنن من تصنيفه الذي رويناه عن جماعة من شيوخنا ، عن مثلهم من أصحاب أبي طاهر عنه ، أنا أبو الفتح أحمد بن محمد بن سعيد الحداد سماعًا ، أنا أبو الفتح عبد الغفار بن إبراهيم ، نا أبو محمد بن حيان عنه ، قال : لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإِسناد . وكثير قد روى عنه جماعة من أهل العلم ، فاحتملوا حديثه ، وربيح روى عنه فليح ، والدراوردي ، وكثير بن عبد الله بن عمرو ، وكثير بن زيد ، تتابع على هذا الحديث عن أبي سعيد ، ولما ذكره في مسنده قال : لا نعلمه يروى عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلَّا بهذا الإسناد ، وكثير صالح الحديث ، قد روى عنه سليمان بن بلال ، وعبد العزيز بن أَبي حازم ، والدراوردي ، وسفيان بن حمزة ، وأبو أحمد ، وأبو عامر ، وزيد بن الحباب . وأما قول ابن عدي : لم يروه عن ربيح غير كثير ، ولا عن كثير غير زيد فليس بشيء ، لما تقدّم من عند ابن ماجه ، وكلام البزار يدور على ترجيح كثير ، وإغفال ذكر ربيح ، وأحمد قد تقدّم كلامه فيه . وقال فيه البخاري : منكر الحديث . ذكره عنه الترمذي في كتاب العلل الكبير عند إعلاله هذا الحديث ، وخالف ذلك ابن حبان فذكره في كتاب الثقات . وقال أبو زرعة فيه : شيخ . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وكثير بن زيد وثقه ابن عمار وابن معين في رواية . وقال أبو حاتم : صالح . وقال ابن سعد : كان كثير الحديث ، وخرج ابن خزيمة له حديثا في صحيحه . فعلى هذا يكون حديثا حسنا باعتبار سنده ، وبما يشده من الشواهد ، والله أعلم . ورواه الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب الوضوء من تصنيفه ، عن عمر بن أحمد بن عمر الصفار ، أنا الطبراني ، ثنا الحضرمي ، ثنا الحماني ، ثنا قيس بن الربيع ، عن أبي هاشم ، عن أبي مجلز عن قيس بن عباد ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال إذا توضأ : باسم الله ، وإذا فرغ قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا الله الحديث ، وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى .

324

الرّجل يستعين على وضوئه فيُصب عليه 122 - حدّثنا هشام بن عمار ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا الأعمش ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض حاجته ، فلما رجع تلقيته بالإِداوة ، فصببت عليه فغسل يديه ثم غسل وجهه ، ثم ذهب يغسل ذراعيه ، فضاقت الجبة ، فأخرجهما من تحت الجبة ، فغسلهما ومسح على خفيه ثم صلى . هذا حديث خرجه الشيخان في صحيحيهما .

325

128 - حدّثنا إسماعيل بن توبة ، ثنا زياد بن عبد الله البكائي ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم فأراد أن يتوضأ ، فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها ؛ فإنه لا يدري أين باتت يده ، ولا على ما وضعها . هذا حديث قال فيه الدارقطني لما رواه من حديث محمد بن نوح ، عن زياد : إسناد حسن . وفي قول أبي القاسم في الأوسط : لم يروه عن عبد الملك إلا زياد ، تفرّد به موسى بن يحيى المروزي ، ولا يروى عن جابر إلَّا بهذا الإِسناد - نظر ، لما تقدّم عند ابن ماجه والدارقطني من عدم تفرد موسى به .

326

123 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا الهيثم بن جميل ، ثنا شريك ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الربيع بنت معوذ ، قالت : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بميضأة ، فقال : اسكبي ، فسكبت فغسل وجهه وذراعيه ، وأخذ ماءً جديدا ، فمسح به رأسه مقدّمه ومؤخّره ، وغسل قدميه ثلاثًا ثلاثًا . هذا حديث قال فيه أبو عيسى حين تخريجه : هذا حديث حسن ، وحديث ابن زيد أصح من هذا ، وأجود إسنادًا . وفي موضع آخر قال : وحديث الربيع حديث حسن صحيح ، يعني بذلك نفس حديثها في الوضوء ، يدلّ على ذلك قوله : حديث الربيع ، ولم يقل هذا حديث صحيح كعادته

327

126 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، حدثني الزهري ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أيضا ، حدثاه أن أبا هريرة كان يقول : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا ، فإن أحدكم لا يدري فيم باتت يده . هذا حديث خرجه الترمذي ، وقال فيه : حسن صحيح ، وفيما قاله نظر ؛ وذلك أنه رواه عن أبي الوليد أحمد بن عبد الرحمن بن بكار البسري الدمشقي البغدادي ، عن الوليد بن مسلم ، ولم يسمع منه ، فيما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه . قال : قرأت في كتاب علي بن أحمد بن أبي الفوارس : أنا أبي ، أنا الباغندي ، قال : سمعت أبا عبد الله - يعني إسماعيل بن عبد الله السكري - يقول : لم يسمع أبو الوليد هو : أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن بن بكار البسري الدمشقي البغدادي من الوليد بن مسلم شيئًا قط ، ولم أره عند الوليد قط ، وقد أقمت تسع سنين ، والوليد حي ، ما رأيته قط ؛ فعلى هذا يكون حديثه المذكور عنده منقطعا ، ويكون حديث الباب أصح إسنادا منه ؛ لسلامته من هذه الوصمة ، ولتصريح كل منهم بسماعه من الآخر ، وهو في الصحيح بلفظ : حتى يغسلهما ثلاثا ، وفي لفظ للبخاري : إذا استيقظ أحدكم من نومه ، وفي لفظ عند مسلم : فليفرغ على يده ثلاث مرات ، وفي لفظ : إذا كان أحدكم نائما ثم استيقظ فأراد الوضوء ، فلا يضع يده في الإِناء حتى يصب على يده ، فإنه لا يدري أين باتت . وعند أبي داود : إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاث مرات ، وعند الدارمي : فلا يغمس يده في الوضوء ، وعند الدارقطني : في إنائه أو في وضوئه ، وفي رواية : أين باتت تطوف يده ، وحسن إسناده ، وفي الأوسط عن هشام بن عروة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج بزيادة : ويسمي قبل أن يدخلها ، وقال : لم يروه عن هشام إلَّا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة . تفرد به إبراهيم بن المنذر ، ولا قال أحد ممن رواه عن أبي الزناد ويسمي إلا هشام ، ولفظ ابن وهب في جامعه : حتى يغسل يده أو يفرغ فيها ، فإنه لا يدري حيث باتت يده ، وفي علل الرازي : فليغرف على يده ثلاث غرفات ، مع لفظ : ثم ليغترف بيمينه من إنائه . وعند البيهقي : أين باتت يده منه ، وقال : قوله منه تفرد بها محمد بن الوليد البُسرِي ، وفيما قاله نظر لما ذكره ابن منده ، عن عبد الله بن شقيق من رواية خالد الحذاء عنه ، قال : فإنه لا يدري أين باتت يده منه ، قال : وكذلك رواه محمد بن الوليد ، عن غندر ، ومحمد بن يحيى ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن شعبة ، عن الحذاء ، عن ابن شقيق ، عن أبي هريرة ، وقال فيه : فإنه لا يدري أين باتت يده منه . وقال : ما أراهما محفوظين بهذه الزيادة ، إلَّا أن رواة هذه الزيادة ثقات معدلون ، وبنحوه قاله الدارقطني ، فهذا كما ترى غير البسري رواه كروايته . ورواه الحسن عن أبي هريرة عند ابن عدي : فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ، فليرق ذلك الماء . وفي كتاب الكجي : حتى يصب عليها صبة أو صبتين . وفي رواية : على ما باتت يده . وفي المصنف لابن أبي شيبة : كان أصحاب عبد الله إذا ذكر عندهم حديث أبي هريرة ، قالوا : كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس الذي في المدينة ؟ ورواه عن أبي هريرة من غير ذكر العدد جماعة ، منهم : همام ، وعبد الرحمن بن يعقوب ، وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وعمار بن أبي عمار ، وابن سيرين ، والأعرج ، قال أبو عمر : وروى العدد جماعة عنه ، منهم : جابر بن عبد الله الصحابي ، وابن المسيب ، وأبو سلمة ، وعبد الله بن شقيق ، وأبو صالح ، وأبو رزين ، وأبو مريم الأنصاري ، انتهى . وفيما قاله نظر ، لما ذكره أبو نعيم في مستخرجه أنّ المقدمين ، وهكذا روي عن زياد عن ثابت ذكر العدد .

328

124 - حدّثنا بشر بن آدم ، ثنا زيد بن الحباب ، حدّثني الوليد بن عقبة ، حدّثني حذيفة بن أبي حذيفة الأزدي ، عن صفوان بن عسال قال : صببت على النبي - صلى الله عليه وسلم - الماء في السفر والحضر في الوضوء . هذا حديث إسناده صحيح على شرط أبي حاتم البستي ، لتوثيقه راويه الوليد وحذيفة ، أما حذيفة فإن عبد الغني لم يذكره جملة ، واستدركه عليه الحافظ المزي ، ولم يعرف بحاله مع كثرة نظره ونقله من كتاب الثقات لابن حبّان .

329

125 - حدّثنا كردوس بن أبي عبد الله الواسطي ، ثنا عبد الكريم بن روح ، حدثني روح بن عنبسة بن سعيد بن أبي عياش مولى عثمان بن عفان عن أبيه عنبسة بن سعيد ، عن جدّته أم أبيه أم عياش وكانت أمة لرقيّة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : كنت أوضئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا قائمة وهو قاعد . هذا حديث معلل بأمور : الأول الثاني : . وكذلك عنبسة أيضا لم أجده في الكتب المذكورة ، ولم يزد من ذكره على ما في نفس الإِسناد . الرجل يستيقظ من منامه هل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ؟ .

330

127 - حدّثنا حرملة بن يحيى ، ثنا عبد اللّه بن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، وجابر بن إسماعيل ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها . هذا حديث إسناده صحيح على رسم مسلم ؛ لتفرده بجابر بن إسماعيل الحضرمي أبي عباد المصري ، وفي كتاب العلل لأبي عيسى تقويته ، وذلك أنّه ذكر عن سفيان بن وكيع ، ثنا عبد الله بن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه مرفوعا : إذا قمت من منامك فلا تضع يدك في الإناء حتى تفرغ عليها ثلاث مرات . وقال : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقَال : وهم فيه ، إنما روى ابن وهب هذا عن جابر بن إسماعيل ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ولما ذكره أبو الحسن البغدادي في سننه من حديث ابن أخي ابن وهب عن عمّه عنهما بلفظ : حتى تغسلها ثلاث مرات ، فإنه لا يدري أين باتت يده ، أو أين طافت يده ، فقال له رجل : أرأيت إن كان حوضًا ؟ فحصبه ابن عمر وقال : أخبرك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول : أرأيت إن كان حوضًا . قال : إسناد حسن ، وبنحوه قاله أبو بكر البيهقي .

331

129 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث قال : دعا علي - عليه السلام - بماء ، فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع . هذا حديث جمع ضعفًا وانقطاعًا : الأول : الحارث بن عبد الله أبو زهير الأعور الهمداني الخارفي الكوفي ، ويقال : الحارث بن عبيد ، قال أبو بكر بن عياش : لم يكن الحارث أرضاهم ، كان غيره أرضى منه ، وكانوا يقولون : إنّه صاحب كتاب ، وكان ابن مهدي قد ترك حديثه ، وقال ابن أبي خيثمة : سمعت أبي يقول : هو كذاب . وقال بندار : أخذ يحيى وعبد الرحمن القلم من يدي ، فضربا على نحو أربعين حديثًا من حديث الحارث عن علي . وقال الشعبي : ثنا الحارث ، وأشهد أنه أحد الكذابين . وقال أبو إسحاق السبيعي : زعم الحارث الأعور ، وكان كذابًا . وقال أبو زرعة : لا يحتج بحديثه . وقال أبو حاتم : ليس بقوي ولا يحتج بحديثه . وقال حمزة الزيات : سمع مُرّة الهمداني من الحارث شيئًا فأنكره ، فقال : اقعد حتى أخرج إليك ، فدخل مرة واشتمل على سيفه ، وأحس الحارث بالشر فذهب . وقال ابن المديني : الحارث كذاب . وقال أبو أحمد بن عدي : وعامة ما يرويه عنهما - يعني عليًا وابن مسعود - غير محفوظ . وقال أبو بكر بن أبي داود : كان الحارث حُوتيًا من حوت ، بطن من همدان . وفي كتاب الدوري ، عن ابن معين : يزعمون أنّه ليس من همدان ، يقولون : إنه من الأبناء . وقال النسائي : ليس بالقوي . وقال أبو الحسن البغدادي : ضعيف . وذكر ابن الجنيد جماعة ضعفاء ، ثم قال : وأضعف القوم الحارث ، عن علي ، وقال ابن سعد : كان له رأي سوء وهو ضعيف في رأيه ، توفي بالكوفة أيّام عبد الله بن الزبير . الثاني : انقطاع ما بين أبي إسحاق والحارث ، وبين الحارث وعلي ، فإن ابن نمير قال : لم يسمع السبيعي من الحارث إلَّا أربعة أحاديث ، وإنما أخذ حديثه من صحيفة . وفي تاريخ السعدي ثلاثة أحاديث . وقال ابن المديني في كتاب العلل الصغير الذي قرأته على المسند المعمر أبي الحسن بن الصلاح ، عن ابن رواح ، عن السلفي ، أنا أبو الحسن عن علي بن المشرف الأنماطي من أصل سماعه وأبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي بمصر ، قالا : أنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحافظ بمصر ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن سعيد المعروف بابن النحاس المعدل ، قراءة عليه بمصر في المحرم سنة سبع وأربعمائة ، أنا أبو محمد دعلج بن أحمد بن عبد الرحمن السجزي ، قدم علينا سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن البراء في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين ، قال : ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي المعروف بابن المديني : سمع أبو إسحاق من الحارث أربعة أحاديث ، ثم قال : وإنما علمت الحارث روى عن علي حديثين ، يختلف عنه في أحدهما . وذلك في العلل الكبير ذلك عن شعبة بن الحجاج ، قال : وكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروي عن علي باطل . قرأت على الإمام المعمر أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن شجاع الهاشمي ، أخبرَكم أبو محمد عبد الوهاب المصري إجازة ، أنا أبو الطاهر الثغري قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي من أصله ، أنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري بقراءة مسعود بن ناصر السجزي ، أنبأ أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه فيما أذن لي ، نا أبو الطيب محمد بن القاسم بن جعفر الكوكبي ، نا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال : الحارث الأعور أحاديثه عن علي بن أبي طالب أخذها من كتاب ، وقد وقع لنا معنى حديث علي هذا من طريق صحيحة ، ذكرها أبو داود من حديث عبد خير ، عن علي : أخذ بيمينه فألقى على يده اليسرى ، ثم غسل كفيه ، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء ، فأفرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه ، فعله ثلاث مرات . وفي آخره : من سرّه أن يعلم وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو هذا . وسيأتي طرف منه في موضعه ، إن الله قدر ذلك وشاءه . وفي الباب حديث آخر عن عائشة . ذكره ابن وهب في جامعه ، قال : أخبرني ابن أبي ذئب عمن سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول : حدّثتني عائشة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله - يعني حديث أبي هريرة - قال : إلَّا أنه قال : فليغرف على يديه ثلاث غرف قبل أن يدخلها في وضوئه . ذهب عامة أهل العلم إلى أنّ ذلك على الاستحباب ، وله أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها ، فإن الماء طاهر ما لم يتيقن نجاسة يده ، وذهب داود والَطبري إلى إيجاب ذلك ، وأن الماء ينجس به ، إن لم تكن اليد مغسولة ، وفرق أحمد وبعض الظاهرية بين نوم النهار والليل ؛ لأنّ الحديث جاء في نوم الليل ، وكأن الإنسان لا ينكشف لنوم النهار وينكشف لليل غالبا ، وأبى ذلك الحسن البصري وإسحاق ، حين قال الحسن : ما رأيته ، فيما حكاه ابن المنذر ، وفيه دليل على أن الماء إذا وردت عليه النجاسة وإن قلت غيرت حكمه .

332

الوضوء بماء البحر 119 - حدّثنا هشام بن عمار ، ثنا مالك بن أنس ، حدّثني صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة ، هو من آل ابن الأزرق ، أن المغيرة بن أبي بردة ، وهو من بني عبد الدار ، حدّثه أنه سمع أبا هريرة يقول : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو الطهور ماؤه ، الحلّ ميتته . هذا حديث قال فيه أبو عيسى لما خرجه : هذا حديث حسن صحيح ، قال : وسألت محمدًا عنه ، فقال : هو حديث صحيح ، قال أبو عمر بن عبد البر : ما أدري ما هذا من البخاري ، فإن أهل الحديث لا يحتجون بمثل إسناد هذا الحديث ، ولو كان صحيحًا عنده لوضعه في كتابه ، قال : الحديث عندي صحيح ؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول ، وحاصل ما يعترض به على هذا الحديث أربعة أوجه : أحدها : الجهالة بسعيد بن سلمة والمغيرة ، وادعاء أنه لم يرو عن سعيد غير صفوان ، ولا عن المغيرة غير سعيد , وفي موضع آخر : وليس إسناده مما تقوم به حجة ، فيه رجلان غير معروفين بحمل العلم . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : قوله ولو كان صحيحًا لوضعه في كتابه ، وذلك أنه هو قد أخبر عن نفسه أنه خرج كتابه هذا من مائة ألف حديث صحيحة ، قال : ولم أخرج هنا إلا ما أجمعوا عليه ، فهذا صحيح غير مجمع عليه . الثاني : ما ادّعى من أنّه لم يرو عن سعيد غير صفوان ، وليس كذلك ، بل روى عنه أيضًا الجلاح أبو كثير ، فيما ذكره النسائي في كتاب السنن ، والحاكم في المستدرك ، والبيهقي في كتاب السنن الكبير بلفظ : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما فجاءه صيّاد ، فقال : يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد ، فيحمل معه أحدنا الإداوة وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا ، فربما وجده كذلك ، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه ، فلعله يحتلم أو يتوضأ ، فإن اغتسل أو توضأ نفد الماء ، فلعل أحدنا يهلكه العطش ، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل منه أو نتوضأ به إذا خضنا ذلك ؟ فزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : اغتسلوا به وتوضؤوا منه ، فإنه الطهور ماؤه ، الحل ميتته . الثالث : المغيرة روى عنه غير سعيد ، وهو يحيى بن سعيد ، ويزيد بن محمد القرشي ، فيما ذكره البيهقي ، وعبد الله بن أبي صالح من رواية ابن وهب عنه . ذكره أبو بكر في رياض النفوس ، والحارث بن يزيد ، ويزيد بن أبي حبيب ، وعبد العزيز بن صالح ، وأبو مرزوق التجيبي ، وموسى بن الأشعث البلوي وغيرهم ، فيما ذكره ابن يونس . وقال عبد الغني : وصفوان بن سليمان وعبد الله ابنه فيما ذكره أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد في كتابه التعريف بصريح التاريخ . الرابع : الخامس : وقال ابن يونس في تاريخ علماء مصر : ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين ، والبعث من مصر لعمر بن عبد العزيز سنة مائة ، وولده بإفريقيا إلى اليوم . قال ابن أبي خلف : شهد قتل أصحاب يزيد بن المهلب ، وممن صححه أيضًا أبو حاتم البستي ، ثم قال : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه السنة تفرد بها سعيد بن سلمة ، فذكر حديث جابر الآتي بعد ، ورجّح ابن منده صحته . وقال ابن المنذر : ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في البحر : هو الطهور ماؤه . وقال البيهقي : هو حديث صحيح ، وإنما لم يخرجه البخاري في الصحيح لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة ، وذكره ابن الجارود في المنتقى ، أنا الشيخ المسند المعمر مجد الدين إبراهيم بن علي بقراءتي عليه ، أخبركم الإِمام الرحّال صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكري إجازة ، إن لم يكن سماعا ، أنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الهروي قراءة عليه ، أخبركم أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي قراءة عليه وأنت تسمع ، أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الجنزروذي ، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح السلمي النيسابوري ، أنا جدي الإِمام أبو بكر بجميع كتاب الصحيح من تأليفه ، قال : أنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أنا ابن وهب أنّ مالكًا حدثه ( ح )، وثنا يحيى بن حكيم ، نا بشر ، يعني ابن عمر الزهراني ، ثنا مالك ، نا صفوان ، عن سعيد بن سلمة فذكره ، قال : هذا حديث يونس . وقال يحيى : عن صفوان ، ولم يقل : من آل ابن الأزرق ، ولا من بني عبد الدار . وقال : نركب البحر أزمانًا ، والحاكم في المستدرك ، ومع ذلك فقد أعل بأمور ، منها : الاختلاف في سعيد بن سلمة ، فيما ذكره البيهقي في السنن الكبير ، فقيل : عن سلمة بن سعيد . وقيل : عن عبد الله بن سعيد المخزومي . وقيل : من آل الأزرق . وقيل : من آل ابن الأزرق . وقيل : من آل بني الأزرق . ومنها : الإِرسال فيما ذكره أبو عمر من أن ابن أبي عمر والحميدي والمخزومي ، رووه عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة ، أن ناسًا من بني مدلج أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : الحديث بمعنى حديث مالك ، قال : ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان ، وأثبت من سعيد بن سلمة . ومنها : الاضطراب واختلاف الروايات ، فأما ابن إسحاق فرواه عن يزيد بن أبي حبيب ، عن الجلاح ، عن عبد الله بن سعيد المخزومي ، عن المغيرة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : أتى رجال من بني مدلج ، وفي رواية عن ابن إسحاق : سلمة بن سعيد ، عن المغيرة حليف بني عبد الدار ، عن أبي هريرة . ذكره السراج في مسنده . وفي كتاب البيهقي : واختلف في رواية يحيى بن سعيد اختلافًا كثيرًا ، فقيل : عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن رجل من بني مدلج ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم هذه رواية أبي عبيد القاسم بن سلام ، عن هشيم عنه . ورواه بعضهم ، عن هشيم ، فقال : عن المغيرة بن أبي برزة ، وهو وهم قال البيهقي : ورواه سفيان عن يحيى ، فقال : عن المغيرة بن عبد الله بن عبدٍ أن رجلا من بني مدلج ، ورواه سليمان بن بلال ، عن يحيى ، عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلا من بني مدلج ، وفي رواية : عن عبد الله بن المغيرة الكندي ، عن رجل من مدلج . وقيل : عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبيه ، عن رجل من مدلج ، وقيل : عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه . قال البيهقي في معرفة السنن : وهذا الاختلاف يدل على أنه لم يحفظه كما ينبغي ، والجواب عن ذلك أنّ من لم يحفظ لا يكون حجة على من حفظ ، وذلك أن ابن يوسف جوده ، وذلك فيما ذكره الحافظ ابن عساكر - رحمه الله - في كتابه مجموع الرغائب ، الذي قرأته على الشيخ بدر الدين يوسف الحنفي ، أخبركم أبو التقي صالح إجازة إن لم يكن سماعا عن مصنفه المذكور ، قال : وقد جوده عبد الله بن يوسف عن مالك ، عن صفوان ، عن سعيد ، سمع المغيرة أبا هريرة . وفي كتاب التاريخ للبخاري : وحديث مالك أصح ، قال البيهقي : وقد تابعه الليث وعمرو بن الحارث ، كلاهما عن سعيد بن سلمة ، عن يزيد بن محمد ، عن المغيرة . وأمّا الاختلاف في نسبة المغيرة فكلّه بتفاوت غير ضار ، قاله أبو عمر . وأمّا رواية ابن إسحاق فقد خالفه في ذلك الليث ، حيث رواه كمالك ، والليث لا يقارن به ابن إسحاق ، وقد وقع لنا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - من غير طريق المغيرة ، من جهة الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عنه ، أنا بذلك أبو النون يونس بن إبراهيم الكناني إذنًا ومناولة عن ابن المقير ، قال : أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري ، قال : أنا أبو الحسن بن المهتدي في كتابه ، عن أبي الحسن علي بن مهدي البغدادي الحافظ ، أنا الحسين بن إسماعيل ، ثنا محمد بن عبد الله بن منصور ، نا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن ، نا محمد بن غزوان ، نا الأوزاعي به ، ومن جهة ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء من طريق عبد الله بن محمد القدامي ، نا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري عنه ، ومن جهة الأعرج ، عن أبي هريرة ، ذكره ابن منده ، وأشار إلى عدم ثبوته . وفي المستدرك : وقد رويت من متابعات مالك في طرق هذا الحديث عن ثلاثة ليسوا من شرط هذا الكتاب ، وهم : عبد الرحمن بن إسحاق ، والقدامي ، وإسحاق بن إبراهيم المزني ، وإنّما حملني على ذلك أن نعرف العالمين أن هذه المتابعات والشواهد لهذا الأصل الذي صدّر به مالك كتاب الموطأ ، وتداوله فقهاء الإسلام من عصره إلى وقتنا هذا ، لا يرد بجهالة سعيد والمغيرة ، على أنّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات . ورواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن المختار ، عن عبد العزيز بن عمر عن سعيد بن ثوبان ، عن أبي هند ، عن أبي هريرة ، ولفظه : من لم يطهره ماء البحر فلا طهّره الله .

333

120 - حدّثنا سهل بن أبي سهل ، ثنا يحيى بن بكر ، حدّثني الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة ، عن بكر بن سوادة ، عن مسلم بن مخشي ، عن ابن الفراسي قال : كنت أصيد ، وكانت لي قربة أجعل فيها ماءً ، وإني توضأت بماء البحر ، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته . هذا حديث سأل الترمذي البخاري عنه فقال : هو مرسل ، ابن الفراسي لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم وأبوه له صحبة ، وقَال الإشبيلي : لم يروه فيما أعلم إلا ابن مخشي وابن مخشي لم يرو فيما أعلم عنه إلَّا بكر بن سوادة ، هذا نص ما ذكر ، وخفي عليه انقطاع حديثه ، وذلك أنه نقله من عند ابن عبد البر ، ونص ما عنده عن مسلم أنّ الفراسي ، قال : كنت أصيد الحديث . وناقض ذلك الإشبيلي حين ذكر حديث إذا كنت سائلا فسل الصالحين ، بقوله : ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم . قال أبو الحسن ابن القطان : فتبيّن من هناك أن مسلما لا يروي عن الفراسي إلا بوساطة ابنه ، وليست لابنه صحبة . انتهى كلامه . وقال أبو عمر : حديث الفراسي إسناده ليس بالقائم ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق متصلة صحيحة ، ذكرها أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده : نا قتيبة ، نا ليث ، عن جعفر ، عن بكر ، عن مسلم بن مخشي ، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال : قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث . فهذا كما ترى ابن الفراسي رواه عن أبيه ، فذهب ما توهم البخاري وغيره من انقطاعه ، على أن البخاري قد خولف في ذلك ، فذكر ابن بنت منيع في معجمه أنّ ابن الفراسي له صحبة أيضا ، وزعم ابن الأثير أنَّ ابن الفراسي والفراسي واحد ، ويشبه أن يكون وهما ، والله أعلم . وأما بكر بن سوادة أبو ثمامة المصري الفقيه المفتي ، فروى عن سهل بن سعد الساعدي وغيره من الصحابة ، وروى عنه جماعة ، منهم : عمرو بن الحارث ، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، والليث بن سعد ، قال ابن سعد : كان ثقة إن شاء الله تعالى ، وروى له مسلم في صحيحه ، واستشهد به البخاري ، وبكر بن سوادة وثقه أبو حاتم البستي - رحمه الله فصح بذلك الحديث ، والله تعالى أعلم . ويقال في الفراسي : فراس ، ولم يذكر البخاري في الكبير غيره ، وهو من فراس بن مالك بن كنانة ، حديثه عند أهل مصر ، ومخرج حديثه عنهم . كذا ذكره أبو عمر ، وفيه نظر ؛ لأن فراسا ليس هو ابن مالك ، إنما هو ابن عثمان بن ثعلبة بن مالك ، قال أبو محمد الرشاطي : وثبوتهما هو الصواب .

334

121 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا أحمد بن حنبل ، ثنا أبو القاسم بن أبي الزناد ، حدّثني إسحاق بن حازم ، عن ابن مقسم عبيد الله ، عن جابر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته . هذا حديث ذكر الشيخ تقي الدين أن ابن السكن خرجه في مصنفه . وقال : هو أصح ما روي في هذا الباب ، وخالفه ابن منده في هذا ، فقال : روى هذا الحديث عبيد الله بن مقسم ، عن جابر ، وعن الأعرج ، عن أبي هريرة ، ولا يثبت ، والظاهر أن القول كما قاله ابن السكن ، وذلك أنّ رجال إسناده ثقات . بيانه : أن أبا القاسم ابن أبي الزناد لما سئل عنه أبو زرعة ، فقال : اسمه كنيته ، لا يعرف له اسم ، وتبعه على ذلك الحافظان مسلم بن الحجاج وأبو عمر ، وغيرهما من المتأخرين ، وخالف ذلك أبو عمرو بن الصلاح ، فذكر أن اسمه مرداس ، أنا بذلك قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ، قال : أنا قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين ، أنا ابن الصلاح ، وأنبأ به جماعة من شيوخنا الشاميين عنه به . وقال عباس بن محمد : سئل عنه يحيى بن معين ، فقال : ليس به بأس ، قد سمع منه أحمد ، قرأت على الشيخ المعمر أبي زكريا المقدسي أخبركم ابن رواح إجازة ، إن لم يكن سماعا ، أنا الحافظ أبو طاهر قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية في يوم الأحد لعشرين من جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ، أنا الشيخ أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف بن عمران الهلالي بثغر سلماس من أصل سماعه سنة ست وخمسمائة ، أنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني قدم علينا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، ثنا أبي ، نا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان ، نا علي بن أحمد بن الصباح ، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ - رحمه الله - قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذكر أبا القاسم بن أبي الزناد ، فأثنى عليه ، وقال : كتبنا عنه وهو شاب . وأمّا إسحاق بن حازم . وقيل : ابن أبي حازم المديني ، فروى عنه عبد الله بن وهب ، وعبد الله بن نافع ، وخالد بن مخلد ، ومعن بن عيسى ، قال فيه ابن معين : ثقة ، وكذلك قاله أحمد بن حنبل . وقال أبو حاتم الرازي : صالح الحديث . وخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن قانع ، ثنا محمد بن علي بن شعيب ، ثنا الحسن بن بشر ، ثنا المعافي بن عمران ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر . ورواه الدارقطني ، عن علي بن الفضل ، ثنا أحمد بن أبي عمران ، نا سهل بن تمام ، ثنا مبارك بن فضالة ، عن أبي الزبير به ، قال : وخالفه عبد العزيز بن عمران ، وليس بالقوي . فأسنده عن أبي بكر الصديق ، وجعله عن وهب بن كيسان ، عن جابر ، ولما ذكره في العلل قال : تفرد به عبد العزيز ، وهو مدني ضعيف الحديث ، وقد روي عن أبي بكر من قوله غير مرفوع من رواية صحيحة من حديث عمرو بن دينار ، عن أبي الطفيل عنه . ورواه ابن زاطيا عن شيخ له ، من حديث عبيد الله بن عمر ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الطفيل ، عن أبي بكر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ووهم في رفعه ، والموقوف أصح . ولما ذكره ابن صخر في فوائده ، قال : قال لنا أبو محمد الحسن بن علي : هذا حديث غريب من حديث أبي بكر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم انفرد بروايته بهذا الإِسناد محمد بن يحيى المدني ، وما كتبناه إلَّا من حديث عمر ، يعني ابن شبة ، وقد حدّث به الزيادي ، فقال : حدّثني أبو زيد النحوي ، يعني ابن شبة ، ثنا محمد بن يحيى ، حدّثني عبد العزيز فذكره . وقال صاحب كتاب الوقوف على معرفة الموقوف : الصحيح موقوف على أبي بكر ، وفي هذا ردّ لما ذكره أبو عيسى من حديث أبي هريرة : وفي الباب عن جابر والفراسي ، وفيه أيضا حديث ابن عباس ، خرجه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة ، عن أبي التياح ، عن موسى بن سلمة عنه ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وشواهده كثيرة ، ولم يخرجاه . وأبى ذلك الدارقطني ، فزعم أن وقفه هو الصواب . وفيه أيضا : حديث عليّ بن أبي طالب ، خرجه الحاكم من حديث محمد بن الحسين بن علي ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه عنه . وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، خرجه الحاكم من حديث الهقل بن زياد ، عن الأوزاعي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه . وفيه أيضا : حديث أنس بن مالك ، أنا به يونس بن إبراهيم إذنا ومناولة ، عن ابن المقيرّ ، قال : أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري ، ثنا محمد بن علي من كتابه ، أنبأنا علي بن عمر قال : نا علي بن مبشر ، نا محمد بن حرب ، نا محمد بن يزيد ، عن أبان ، عن أنس به ، قال : أبان هو ابن أبي عياش ، وهو متروك الحديث . وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ذكره الدارقطني ، وقال : باطل بهذا الإسناد ، مقلوب . وفيه أيضا حديث العركي ، أنا به الإِمام تاج الدين ابن دقيق العيد - رحمه الله - إجازة ، عن الفقيه أبي الحسن بن الحميري ، قال : أنبأنا الحافظ أبو الطاهر بن سلفة ، قال : أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قراءة عليه ، وأنا أسمع بمصر ، قال : أنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي ، قال : أنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري ، قال : قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا عثمان بن أبي شيبة ، نا حاتم بن إسماعيل ، عن حميد بن صخر ، عن عياش بن عباس ، عن عبد الله بن جرير ، عن العركي الذي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا رسول الله ، إنا نركب الأرمات ، فنبعد في البحر ، ومعنا ماء لشفاهنا الحديث . قال أبو القاسم : هكذا ثنا عثمان ، عن حاتم ، عن حميد بن صخر ، وهو وهم ، وإنما هو حميد بن زياد أبو صخر المدني ، وهو صالح الحديث ، قال : والعركي بلغني أن اسمه عبدود ، ورواه ابن قتيبة في غريبه ، عن القرشي ، ثنا محمد بن غياث المكي ، نا حاتم بن إسماعيل ، عن أسامة بن زيد ، عن أبي عبد الرحيم ، عن عبد الله بن رزين الغافقي ، عن العركي به . وأما البحر فمختلف فيه ؛ فزعم بعضهم أن ذلك يعم العذب والملح . وقال بعضهم : بل ذلك مخصوص بالملح فقط ، وممن قال ذلك القزاز ، فإنه ذكر أنه سمي بذلك لسعته من قولهم : تبحر الرجل في العلم ؛ إذا اتسع فيه ، وإذا اجتمع الملح من الماء والعذب سموهما باسم الملح ، قال تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ، فجعل الماء العذب بحرًا لمقارنة الملح . قال الشاعر : وقد عاد عذب الماء بحرًا فزادني على مرضي أن أبحر المشرب العذب انتهى كلامه . وفيه تصريح بأن البحر إنما يطلق على الملح لا العذب ، وإن أطلق فعلى سبيل المجاز ، وكذا ذكره ابن فارس في محكمه بقوله : ماء بحر ، أي ملح ، يقال : أبحر الماء إذا ملح ، وفي الغريب المصنف عن الأموي والأصمعي : البحر هو الملح ، يقال فيه : قد أبحر الماء ، أي صار ملحا ، وكذا ذكره الزمخشري في أساس البلاغة بقوله : وماء بحر وصف به لملوحته ، وقد أبحر المشرب العذب ، قال ذو الرمة : بأرض هجان الترب وسمية الثرى غداة نأت عنها الملوحة والبحر وفي كلام الجوهري ما يفهم منه خلاف ذلك ؛ لقوله : البحر خلاف البر ، سمي بذلك لعمقه واتساعه ، والجمع : أبحر وبحار وبحور ، وكل نهر عظيم بحر ، قال عدي : سره ماله وكثرة ما يملك والبحر مُعْرضًا والسدير يعني : الفرات . وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في كتاب المناسك وغيره : والبحر الماء العذب والملح ، وإليه نحا أبو محمد بن بري في كتابه المسمى بـ التنبيه والإِفصاح عمّا وقع في كتاب الصحاح ، الذي أنا بجميعه الشيخ تاج الدين أحمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد ، إذنًا عن الفقيه بهاء الدين عنه ، قال : كان الأموي يجعل البحر من الماء الملح فقط ، قال : وسمّي بحرًا لملوحته ، يقال : ماء بحر أي مالح ، وأما غيره فقال : إنما سمي بحرًا لسعته وانبساطه ، ومنه قولهم : إنّ فلانًا لبحر ، أي : واسع المعروف ، فعلى هذا يكون البحر للملح والعذب ، وشاهد العذب قول ابن مقبل : ونحن منعنا البحر أن تشربوا به وقد كان منكم ماؤه بمكان وقال جرير : اعطوا هنيدة تحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف كومًا مهاريس مثل الهضب لو وردت ماء الفرات لكاد البحر ينتزف وقال الكميت : أناس إذا وردت بحرهم صوادي العرائب لم تضرب وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر ، وجاء في التنزيل فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ قال أهل التفسير : هو نيل مصر ، وفي كتاب الجمهرة لابن دريد : والعرب تسمي الماء الملح والعذب بحرًا إذا كثر ، وفي التنزيل : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ يعني الملح والعذب . وفي كتاب الغريب لابن قتيبة : سئل ابن عباس عن الوضوء بماء البحر ، فقال : هما البحران لا تبال بأيهما توضأت ، والله أعلم . ذكره الأجدائي في كتاب الكفاية التي قرأتها على علامة وقته وشيخ مشائخ البلاد أبي حيان عن ظهر قلب في مجلس واحد ، وأخبرني بها عن الشيخ الصالح المقرئ رشيد الدين عبد النصير بن علي الهمداني وغيره ، عن أبي الفضل جعفر بن أبي البركات ، وأنبأني بها جماعة من أصحاب جعفر عنه ، عن أبي الفتح رضوان بن مخلوف ، عن أبي الحسن علي بن الحسن بن حفص القرشي سماعًا من والده . وعن أبي محمد عبد الله ابن المؤلف لها أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الطرابلسي ، كلاهما عن مؤلّفها أبي إسحاق ، قال : والبحر : الماء الكثير المتسع ، عذبًا كان أو ملحا ، وإنما سمي بحرا لكثرة مائه . ومن أسمائه : اليم ، والدأماء ، والمهرقان ، وحصارة ، والقاموس : وسطه ، وغواريه : أمواجه ، والحال : طينه وترابه ، والعبر : ساحل البحر وهو الشّط ، والشاطئ ، والسيف ، والضف ، والضفة ، والجد ، والجدة ، والغيقة ، ويقال : ماء زَغْرَبَ ، وماء تليذم ، وماء خضرم ؛ إذا كان كثيرا متسعًا ، وفي الغريب المصنف : والبلاثق : الماء الكثير ، وفي كتاب الألفاظ لابن السكيت : وكذلك ماء سُعر ، وسعبر ، وطيس ، وطيسل ، وأديب ، وجوار على فعال أي : كثير . وفي كتاب تثقيف اللسان للحميري : ولا يقولون بحرا إلَّا لما كان ملحًا خاصة ، والبحر يقع على الملح والعذب . انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث عيبه على من يقول ذلك من الناس ، ولا عيب عليهم ؛ لما أسلفناه من قول جماعة من أهل العلم باللغة ، والله أعلم . وأما السائل ، فزعم السمعاني أنه العركي ، قال : وهو اسم يشبه النسبة ، والله أعلم . انتهى . وفيه نظر من حيث جعله اسما ، وليس كذلك ، بل هو نعت لمن كان صيادًا ، وقد سبق بيان ذلك في الكتاب الموسوم بـ رفع الارتياب في الكلام على اللباب ، وملخصه ما ذكره القزاز وغيره ، والعروك : الصيادون ، والواحد : عركي ، قال زهير : يغشى الحداة بها رعث الكثيب كما يغشى السَّفائن موج اللجة العرك وكتب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لقوم من اليهود : أنّ عليكم ربع ما أخرجت نخلكم ، وربع ما صاد عروككم ، ويزيد ذلك وضوحا قول البغوي : قيل : اسمه عبد ، كما أسلفناه ، واختلف في الوضوء من ماء البحر ؛ فكره الوضوء منه جماعة ، منهم : أبو هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وأبو العالية فيما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف . وفي الإشراف عن ابن المسيب : إذا ألجُئت إليه توضأ منه . وقد انعقد الإِجماع على جواز الوضوء منه فيما حكاه ابن عبد البر ، وإنما كره الوضوء منه من كرهه لما روي في بعض الأحاديث من أنّ الله تعالى يسقط فيه الكواكب يوم القيامة ويصيره نارًا ، وفي حديث يعلى من تاريخ محمد بن إسماعيل مرفوعًا : البحر من جهنم ، أحاط بهم سرادقها ، والله لا أدخله حتى أعرض على الله تعالى وكنت لم أسمع بهذا الحديث ، فلما سافرت إلى الشام سنة تسع وسبعمائة في شوال نزلنا منزلة العريش على شاطئ البحر يوم الثلاثاء تاسعه ، وجب علي غسل ، فلما أن أردت أن أغتسل من البحر ، وجدت ناسا كثيرًا مختفين بالشاطئ ، فبصرت استضواء ، فنمت وقت القائلة ، فرأيت في منامي برية واسعة مليء جمرا كهيئة الكرسي إذا أوقد عليه ، فجعلت أفكر فيه ، فسمعت قائلا يقول : هذا البحر الملح صيره أو يصيره اللّه يوم القيامة نارًا ، فلا تقربه ، فاستيقظت فزعًا ولم أقربه ولا ماءه ، فلما قدمنا من الشام ومرت علينا أعوام رأيت هذا الحديث في كتب المسانيد ، فحمدت الله تعالى الذي وقاني شره وصدق رؤياي .

335

غسل الإِناء من ولوغ الكلب 99 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي رزين قال : رأيت أبا هريرة يضرب جبهته بيده ، ويقول : يا أهل العراق إنكم تزعمون أني أكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ليكون لكم المهنأ ، وعلي الإِثم : أشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات . 100 - ثنا محمد بن يحيى ، ثنا روح بن عبادة ، ثنا مالك بن أنس ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات . هذا حديث اجتمع على تخريج أصله الأئمة الستة ، وفي مسلم : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات ، أولهن بالتراب . وفي الترمذي : أولاهن أو أخراهن ، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة . وقال : حسن صحيح . وفي مسلم من حديث الأعمش ، عن أبي رزين وأبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا : فليهرقه وليغسله سبع مرات ، زاد ابن خزيمة من حديث علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، عن الأعمش : وإذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش فيه حتى يصلحه . وزعم النسائي أن هذه الزيادات لم يتابع ابن حجر عليها أحد ، أعني قوله : فليرقه . وفي الصحيح : إذا شرب من حديث مالك ، وكذا هو في الموطأ ، قال أبو عمر بن عبد البر : هكذا قال مالك : إذا شرب ، وغيره من رواة حديث أبي هريرة يقول : إذا ولغ . وهو الذي يعرفه أهل اللغة ، وتابعه على ذلك الإِسماعيلي وابن منده ، وليس كما قالوا لأمرين : الأول : مالك - رحمه الله - لم ينفرد بهذه اللفظة ، بل تابعه عليها غيره ، عن الأعرج ، وهو المغيرة بن عبد الرحمن ، وورقاء ، فيما ذكره الجوزقي وغيره ، ووقعت هذه اللفظة أيضا من رواية أبي همام محمد بن الزبرقان قال : ثنا هشام بن حسان ، عن محمد ، عن أبي هريرة . الثاني : في قول أبي عمر : ( هكذا قال مالك ) يقتضي ظاهره اتفاق الرواة عنه على ذلك ، فإنهم لو اختلفوا كان القول منسوبا إلى رواة هذه اللفظة عنه دون غيرهم ، وقد رواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى بن سليمان ، عن أبي عبيد القاسم بن سلام ، عن عمر ، عن مالك بإسناده سواء . ولفظه : إذا ولغ ، وذكر الدارقطني - رحمه الله - أنَّ أبا علي الحنفي رواه عن مالك كذلك أيضا ، فظهر بمجموع ما تقدم بطلان قول من وهم على مالك ، وأنه مما قرِف به بريء ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب أبي الشيخ الأصبهاني : فليمصه بالماء سبعا ، وفي الأوسط للطبراني من رواية هشام بن حسان ويونس بن عبيد ، عن ابن سيرين : أولاهن بالتراب ، ورواه أبان ، عن قتادة ، عنه : السابعة بالتراب ، ورواه خلاس ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : أولاهن ، قال البيهقي : غريب ، إن كان حفظه معاذ ، يعني : عن أبيه ، عن قتادة ، عن خلاس ، فهو حسن ؛ لأن التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، وإنما رووه عن هشام ، عن قتادة ، عن ابن سيرين ، ورواه ابن أبي عروبة ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة : أولهن . وفي رواية أبان ، وغيره ، عن قتادة ، عنه : السابعة . وفي رواية يزيد بن إبراهيم ، عن ابن سيرين : إحداهن . انتهى . وفي قوله : لم يروه عن أبي هريرة ثقة غير ابن سيرين - نظر ؛ لما أورده أبو الحسن الدارقطني في كتاب السنن بإسناد حسن ، فقال : ثنا أبو بكر النيسابوري ، ثنا يزيد بن سنان ، ثنا خالد بن يحيى الهلالي ، ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه يغسل سبع مرات ، الأولى بالتراب . والحسن أنكر سماعه من أبي هريرة جماعة . وفي كتاب الطبراني الأوسط ما يوضح لك أنّ ذلك ليس بصواب ، وأن الصواب عكسه . قال أبو القاسم : ثنا محمد بن زياد الأبزاري ، ثنا عبد الأعلى بن حماد ، ثنا أبو عاصم العباداني ، ثنا الفضل بن عيسى الرقاشي ، عن الحسن قال : خطبنا أبو هريرة . فذكر حديثًا طويلًا . قال في آخره : لا يُروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإِسناد . تفرّد به عبد الأعلى . وهذا الحديث يؤيد قول من قال : إن الحسن سمع من أبي هريرة بالمدينة ، وقد رأى الحسن عثمان يخطب على المنبر ، والله أعلم . وفي المعجم الصغير له قال : وقال بعض أهل العلم : إنه سمع منه . وفي كتاب أبي موسى المديني المسمّى بالترغيب والترهيب ، من حديث عمرو بن عدي ، عن صالح بن محمد بن سلمة الكندي ، عن حماد بن عبد الله ، سمعت الحسن يقول : سمعت أبا هريرة يقول فذكر الحديث . وفي كتاب النصيحة للآجري ، وتفسير القرآن العظيم للثعلبي بإسناد لا يحضرني الآن ذكره ، وفي كتاب المناهي تأليف أبي القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الأزجي : ثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد ، ثنا محمد بن أحمد الغساني ، ثنا مهدي بن جعفر الرملي ، ونا أبو الخليل العباس بن الخليل الطائي الحمصي ، ثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي ، قالا : ثنا ضمرة بن ربيعة ، ثنا عباد بن كثير بن قيس الثقفي ، ثنا عثمان بن الفرج ، عن الحسن بن أبي الحسن قال : حدّثني سبعة رهط من الصحابة : عبد الله بن عمر ، وأبو هريرة الدوسي ، وجابر بن عبد الله ، وعمران بن حصين ، ومعقل بن يسار ، وأنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا مطولًا عن الحسن . قال : سألت عمران بن حصين وأبا هريرة ، عن قصور الجنة ، فقالا : على الخبير بها سقطت الحديث . وفي مسند أبي داود الطيالسي بإسناد على شرط الشيخين : ثنا عباد بن راشد ، ثنا الحسن ، ثنا أبو هريرة ، ونحن إذ ذاك بالمدينة ، قال : يجيء الإِسلام يوم القيامة الحديث . ثنا أبو الأشهب ، عن الحسن قال : قدم رجل من أهل المدينة فلقي أبا هريرة فذكر حديثًا طويلًا ، في آخره قال أبو داود : سمعت شيخا في المسجد الحرام يحدّث بهذا الحديث ، قال : وقال الحسن وهو في مجلس أبي هريرة لما حدث هذا الحديث فذكر كلامًا . وفي كتاب الناسخ والمنسوخ لابن شاهين : ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، وما كتبته إلا عنه ، ثنا أحمد بن محمد اليمامي ، ثنا النَّضر بن محمد ، ثنا شعبة ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، قال -عليه السلام- : إذا أراد أحدكم أن يغشى المرأة الحديث . قال : هذا حديث صحيح غريب ، ما كتبناه عن أحد إلَّا عن عبد الله بن سليمان . وقال الدارقطني في كتاب العلل : ثنا دعلج ، قال : سمعت موسى بن هارون يقول : سمع الحسن من أبي هريرة ، إلا أنّه لم يسمع منه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا قعد بين شعبها الأربع ، بينهما أبو رافع ، ولما خرج الترمذي حديث : لعن عبد الدينار وعبد الدرهم من حديث يونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة مرفوعًا . قال فيه : حسن غريب . وقال في حديث أبي هريرة : إن موسى كان ستيرا عن عبد بن حميد ، عن روح بن عبادة ، عن عوف ، عن الحسن ومحمد بن خلاس عنه . قال : هذا حديث حسن صحيح . ولما خرج ابن حبان في صحيحه حديث الإِسراء من جهة همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أنس عن مالك بن صعصعة ، قال في وسطه : قال قتادة : وثنا الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون منه ، ثم رجع إلى حديث أنس فذكره . وأما ما في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم : ثنا علي بن الحسن الهسنجاني ، ثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي ، ثنا إسماعيل بن علية ، عن شعبة ، عن قتادة قال : قال الحسن : إنا والله ما أدركنا إلا وقد مضى صدر من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - الأول . قال قتادة : إنما أخذ الحسن عن أبي هريرة ، قلت له : زعم زياد الأعلم أن الحسن لم يلق أبا هريرة ؟ قال : لا أدري . فظاهره يحتمل إنكار قول زياد وعدم رجوع قتادة إليه ، وأنه أخبر بالواقع الذي عنده ، وكأنه يقول لا أدري ، متهكما بقول زياد ، والله تعالى أعلم . فقد ظهر بمجموع ما تقدم صحة قول من قال : إنه سمع من أبي هريرة ، وفساد قول من خالف ذلك . وفي كتاب البزار ، عن يونس ، عن ابن سيرين : أولهن أو آخرهن . وفي رواية عطاء ، عن أبي هريرة مرفوعًا : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ، فلا يجعل فيه شيئًا حتى يغسله سبع مرات . قال في الأوسط : لم يروه عن صفوان بن سليم عن عطاء إلا إبراهيم ابن محمد . تفرد به إسماعيل بن عياش . وفي مشيخة ابن المني : إذا ولغ الكلب في الإِناء غسل سبع مرات ، أولاهن بالتراب ، وإذا ولغ الهر غسل مرة . وستأتي محصلات ولوغ الهر ، وفي تاريخ أبي عبد الله محمد بن الحسين بن عمر اليمني ، ومن خطه نقلت : ثنا الحسين بن عبد الله ، ثنا الربيع بن سليمان الجيزي ، ثنا سعيد بن عفير ، ثنا يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : يغسل الإِناء من الخمر كما يغسل من الكلاب . قال أبو عبد الله : تفرد به يحيى بن أيوب .

336

102 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا ابن أبي مريم ، أنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات . هذا حديث ظاهر إسناده صحيح على شرط الشيخين ، وليس كذلك ؛ لقول ابن عساكر في كتاب الأطراف : وفي نسخة عبد الله وهو أشبه ، ولما ذكر ابن سرور مشائخ سعيد بن الحكم بن أبي مريم لم يذكر عبيد الله فيهم ، إنما ذكر عبد الله ، وبذلك يخرج الإِسناد من الصحة إلى الضعف ؛ لما قيل في . وفيه ردّ لما قال الترمذي إثر حديث أبي هريرة : وفي الباب عن ابن مغفل ، وأغفل أيضا حديث علي بن أبي طالب من عند الدارقطني ، يرفعه : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالبطحاء . وإسناده لا بأس به ، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط مطولا قال : لم يروه عن أبي إسحاق ، يعني عن هبيرة بن يريم ، عن علي - إلا إسرائيل ، ولا عنه إلَّا الجارود بن يزيد ، ولا يُرْوَى عن علي إلَّا بهذا الإِسناد . قوله : إذا ولغ ، الولغ من الكلاب والسباع كلها هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع ، فيحركه فيه ، عن ثعلب : تحريكًا قليلا أو كثيرًا . قاله المطرز . وقال مكي في شرحه : فإن كان غير مائع ، قيل : لعقه ولحسه . قال المطرز : فإن كان الإِناء فارغا ، يقال : لحس ، فإن كان فيه شيء ، قيل : ولغ . وقال اللبلي : هذا يقتضي أنه إذا كان في الإِناء شيء ، مائعا كان أو غيرَ مائع ، فإنه يقال فيه : ولغ ، وهو خلاف ما تقدّم قبل عنه وعن غيره . وقال ابن درستويه : معنى ولغ : لطعه بلسانه ، شرب فيه أو لم يشرب ، كان فيه ماء أو لم يكن ، وفي الصحاح : ولغ الكلب بشرابنا ، وفي شرابنا ومن شرابنا ، وقال المطرز : ولا يقال : ولغ في شيء من جوارحه سوى لسانه . وقال ابن جنِّي في شرحه شعر المتنبي : أصل الولغ : شرب السباع بألسنتها الماء ، ثم كثر فصار للشرب مطلقًا . وعن ثعلب : سمعت ابن الأعرابي وقد سئل : أيكون الولوغ في الطير ؟ قال : لا يكون إلَّا في الذباب وحده ، وتبعه على ذلك المطرز في كتاب الياقوت ، والجوهري ، وغيرهما ، وأنشد المطرز : تذب عنه كف بها رمق طيرا عكوفًا كزور العرس عما قليل خلسن مهجته فهن من والغ ومنتهس وفي كتاب الفصيح : ولَغ - يعني بفتح اللام - الكلب في الإناء ، يلغ ويولغ : إذا ولغه صاحبه ، وينشد هذا البيت : ما مر يوم إلَّا وعندهما لحم رجال أو يولغان دما وذكر عنه المطرز أنه يقال فيه : ولِغ بكسر اللام ، ولكنّها لغة غير فصيحة ، وتبعه على ذلك أبو علي وابن القطاع وابن سيده في المحكم ، وأبو حاتم السجستاني في تقويم المفسد ، زاد : وسكن بعضهم اللام ، فقال : ولْغ . قال ابن جني : مستقبله يلَغ بفتح اللام وكسرها ، وفي مستقبل ولِغ بالكسر يلَغ بالفتح . زاد ابن القطاع : ويلِغ بكسر اللام كما في الماضي . وقد جاء في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة مرفوعًا : يغسله بالماء ثلاثًا أو خمسا أو سبعًا ، ولكن في الطريق إسماعيل بن عياش ، وهو ضعيف ، وعنه عبد الوهاب بن الضحاك ، قال الدارقطني : تفرّد به ، وهو متروك الحديث ، وغيره يرويه عن إسماعيل بهذا الإسناد : فاغسلوه سبعًا . وهو الصواب . ومن طريق عبد الملك ، عن عطاء ، عنه : إذا ولغَ الكلب في الإناء ، فأهرقه ، ثم اغسله ثلاث مرات . قال الدارقطني : هذا موقوف ، ولم يروه هكذا غير عبد الملك ، عن عطاء ، وبهذا تعلّق الحنفيون اعتمادًا منهم على أن أبا هريرة لا يخالف ما روى إلا لأمر ثبت عنده في روايته . وغيرهم يقول : الحجة في روايته ، لا في رأيه ، وهو الصواب ، وعليه أكثر المحدثين . وقال الحربي بأن حديث الثلاث منكر ، والأصل فيه موقوف ، ليس فيه : فليرقه وليغسله ثلاث مرات .

337

101 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا شبابة ، ثنا شعبة ، عن أبي التياح ، سمعت مطرفًا ، يحدث عن عبد الله بن المغفل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا ولغ الكلب في الإِناء ، فاغسلوه سبع مرات ، وعفروه الثامنة بالتراب . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه بزيادة : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب ، ثم قال : ما بالهم وبال الكلاب ، ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم ، وقال : إذا ولغ الحديث .

338

الوضوء بالنبيذ 117 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، عن أبيه . ( ح ) وثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، عن سفيان ، عن أبي فزارة العبسي ، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث ، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له ليلة الجن : عندك طهور ؟ قال : لا ، إلَّا شيء من نبيذ في إداوة ، قال : تمرة طيبة وماء طهور ، فتوضأ . 118 - ثنا العباس بن الوليد الدمشقي ، ثنا مروان بن محمد ، ثنا ابن لهيعة ، ثنا قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لابن مسعود ليلة الجن : معك ماء ؟ قال : لا ، إلا نبيذا في سطيحة ، فقال صلى الله عليه وسلم : تمرة طيبة وماء طهور ، صب علي ، قال : فصببت عليه ، فتوضأ به . هذا حديث قال فيه الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي : نقلته من خطّ ابن أبي يداس البرزالي : حديث صحيح ، وما تركوه إلا بسبب أبي فزارة ، وأبي زيد ؛ لأنهما غير معروفين ، وأبو فزارة اسمه راشد بن كيسان ، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث . انتهى كلامه . وهو حديث علل بأمور : الأول : جهالة حال أبي زيد وضعف حديثه ، فقد قال الترمذي عند تخريجه : إنّما روي هذا الحديث عن أبي زيد ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وأبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم لا يعرف له رواية غير هذا الحديث . انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث زعمه أن أبا زيد تفرّد به عن ابن مسعود ؛ لرواية جماعة نحوه عنه ، منهم عمرو البكالي الصحابي ، ذكره الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى ، فقال : نا أبو القاسم البغوي ، ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي ، ثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، أخبرني أبو تميمة عن عمرو ، ولعلّه قد قال : البكالي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : استتبعني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا فذكر حديث ليلة الجن ، ومنهم أبو رافع ، ذكر حديثه أبو عبد الله الحاكم من جهة أبي سعيد مولى أبي هاشم ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عنه ، عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ليلة الجن : أمعك ماء ؟ قال : لا ، قال : أمعك نبيذ ؟ قال : نعم ، قال : فتوضأ به . قال الجوزقاني : هذا حديث باطل . وقال أبو عبد الله : تفرد به أبو سعيد ، عن حماد . وفيما قاله نظر ؛ وذلك أن الدارقطني لما ذكره من جهة أبي سعيد قال : علي ضعيف ، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود ، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد ، وقد رواه أيضًا عبد العزيز بن أبي رزمة ، وليس هو بقوي ، عن حماد مثله ، فهذا عبد العزيز قد تابع أبا سعيد ، وفي قول أبي الحسن : وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود نظر من حيث كونه جاهليا من كبار التابعين . قال أبو عمر : روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ، روى عنه الحسن وغيره من كبار التابعين ، فمن كان بهذه المثابة لا ينكر سماعه من ابن مسعود ، لا سيما وقد جمعهما العصر والبلد . وفي قوله : لم يثبت - إشعار بعدم النفي ، إذ لو كان ثابتا عنده لجزم به كعادته ، ويشبه أن تكون روايته عنه إنّما جاءت على لسان متكلّم فيه ؛ فلذلك قال : لم يثبت . وفي كلامه أيضا إشعار بترجيح مذهب من يشترط أنّه لا بدّ من أن يعرف سماعه من المروي عنه ، ولو مرة ، ولئن كان كذلك فهو مذهب مرجوح ، أطنب مسلم - رحمه الله تعالى - في الردّ على قائله . وفي قوله أيضا : وليس هذا الحديث في مصنفات حماد نظر ؛ لأن المصنف الكبير لا يذكر في جامعه جميع رواياته ، إمّا لعدم استحضاره له ، أو لكونه لم يرتضه ، وقد يحتمل أن يكون ذكره في مصنف لم يره الدارقطني ، وذلك مأخوذ من قوله : مصنفات بغير آلة الحصر ، إذ لو حصر لما تطرق ذلك له غالبا ، والله أعلم . فعلى ما تقرر يشبه أن يكون أمثل أسانيد هذا الحديث . [ ومنهم علي بن رباح ، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديثه عن المقدام بن داود ، ثنا عبد الله بن صالح ، حدثني موسى بن عُلي بن رباح عن أبيه عن عبد الله فذكر حضوره ليلة الجن ، وذكر عن ابن مسعود حديثًا غير هذا ، وإسناده لا بأس ، ومنهم ما ذكره عمر بن الخطاب حدث به ابنه ابن عمر قال : كنت ممن حضر مع ابن مسعود ليلة الجن ، ذكره أبو موسى المديني في الصحابة ، وحديث محمد بن خالد الجندي ، ثنا شعبة بن الحجاج عن ابن عباس عنه] ، ومنهم : أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، وأبو الأحوص ، أنا بذلك الشيخ المسند المعمر حسن بن عمر بن عيسى بن خليل الكردي من لفظه ، وابن خطيب المزة ، قالا : أنا أبو المنجا [عبد الله بن عمر بن اللتي قراءة عليه وأنا في الرابعة سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة قال : ثنا أبو المعالي محمد بن محمد بن اللحاس أنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن السراج ، أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال : ثنا الشيخ الإمام أبو عمرو عثمان بن] أحمد بن عبد الله الدقّاق ، قال : نا محمد بن عيسى المدائني ، نا الحسن بن قتيبة ، نا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، وأبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فقال : خذ معك إداوة من ماء ، ثم انطلق وأنا معه ، قال : ثم خطّ علي خطا ، ثم قال لي : لا تخرج من هذا الخط ، قال : ثم مضى - عليه السلام فسمعت لغطا شديدا ، قال : فخفت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أحفظ لرسوله مني ، فإذا هم وفد الجن ، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم قال : فأتاني ، فقلت : يا رسول الله : سمعت لغطا شديدا قال : هذا وفد أهل نصيبين من الجن أتوني ، قال : فلما انصرفت تبعوني يسألوني الرزق ، فأمرت لهم بالعظام والروث ، قال : ثم تبرز ثم جاء ، فقال : ناولني ثلاثة أحجار فناولته حجرين وروثة قال : فرمى بالروثة ، وقال : هذا ركس أو رجس ، قال : فلما أفرغت عليه من الإِداوة إذا هو نبيذ ، فقلت : يا رسول الله ، أخطأت بالنبيذ ، فقال : تمرة حلوة وماء عذب ومنهم عبد الله بن سلمة ذكره الحافظ أبو الحسين بن المظفر في كتاب غرائب حديث شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن عبد الله بن سلمة عنه ، وذكره البخاري في الأوسط والصغير ، فقال : لا يصح . ومنهم قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، ثنا ابن مسعود نحوه ، ومنهم عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي ، ذكره الإِسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه ، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل ، وأعله بجهالة حال ابن غيلان هذا . وقال الدارقطني : يقال : اسمه عمرو ، وقيل : عبد الله بن عمرو بن غيلان ، وفي الخلافيات : وقيل : عن فلان بن غيلان ، وبنحوه قاله الجوزقاني ، ومنهم عُلي بن رباح ، ولم يسمع منه ولم يره ولم تبلغه سنه . ذكره البيهقي في الخلافيات . ومنهم عبد الله بن عباس من طريق ابن لهيعة ، عن حنش الصنعاني ، عنه . ذكره ابن ماجه تباعا . وقال البيهقي : تفرّد به ابن لهيعة ، ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة ، ذكره الدارقطني من جهة الحسين بن عبيد الله العجلي . وقال : كان وضاعًا . قال الحاكم أبو عبد الله ، فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات : ومنهم ابن لعبد الله ، روى أبو عبيدة بن عبد الله ، عن طلحة بن عبد الله عنه أن أباه حدثه ، قال البخاري في التاريخ الأوسط : ولا يُعرف لطلحة سماعٌ من ابن عبد الله ، وأما حديث أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله حين خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم - فسنده صحيح . رواه الدارقطني في سننه عن يزيد بن هارون ، نا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان . وأما حديث أبي تميمة الهجيمي وعمرو البكالي ، عن ابن مسعود ، فليس في حديث واحد منهما ذكر نبيذ التمر ، إنّما ذكرا خروجه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك اللّيلة على اضطراب في إسناد حديثهما ، وعلى هذا فلا تقوم بهما حجة . وأبو عثمان بن سَنَهْ ذكره ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق ضعيفة ، كذا ذكره البيهقي ، وفيه نظر ؛ لأنّ حديث عمرو سنده صحيح ، رواه الدارقطني عن غيلان ، ثنا المعتمر قال : قال أبي : حدّثني عمرو البكالي فذكره ، فقد ثبت بمجموع ما تقدّم أنه لم يروه أبو زيد عن ابن مسعود وحده ، كما فهم من كلام الترمذي المتقدم ، والله أعلم . رجعنا إلى ذكر أبي زيد ومن جهله . قال ابن أبي حاتم : سمعت أبا زرعة يقول : حديث أبي فزارة ليس بصحيح ، يعني في الوضوء بالنبيذ ، وأبو زيد مجهول ، وذكر في العلل نحوا من هذا ، وقال أبو عبد الله البخاري : أبو زيد رجل مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله ، وقال ابن حبان : لا يُدرى من هو ، ولا يُعرف أبوه ولا بلده . قال أبو أحمد الحاكم : هو رجل مجهول لا يوقف على صحة كنيته واسمه ، ولا نعرف له راويًا غير أبي فزارة ، ولا رواية من وجه ثابت إلا حديث النبيذ . وقال الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ : وأبو زيد لا يعرف وما يُدرى من أين هو ؟ وقال الجوزقاني : منهم من سمّاه ، ومنهم من كنّاه ، ولكنه رجل مجهول . وقال أبو عمر في كتاب الاستغناء : هو عند أهل الحديث رجل مجهول ، روى عن ابن مسعود حديثًا منكرًا لم يتابع عليه ، ولم يرو عنه غير أبي فزارة ، ولا يصح حديث أبي زيد هذا عند أهل الحديث ، ولا قال به أحد من أهل الحجاز ، ولا رواه من يوثق به ، ولا يثبت ، وقال أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الله الباهلي في مسند عبد الله بن مسعود ، تأليف أحمد بن إبراهيم الدورقي : هذا الحديث يدخله شيئان : أحدهما : أن يكون هذا من قبل حفظ الناقلين ، والوجه الآخر : أن يكون قوله ما رأيت مثلهم إلا ليلة الجن حين رأى ناسًا من الزط ، يعني : ما علمت إلَّا ما علمت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأن الصحيح عن ابن مسعود أنه قال : ما كنت ليلتئذ مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو أحمد الكرابيسي : وفي هذا الخبر إبطال كتاب الله تعالى ، وذلك أن الله تعالى قال : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، وقال - عليه السلام - لعمار : إن لم تجد الماء فعليك بالصعيد . وقد اجتمعت الأمة أنه لا يتوضأ بغير الماء ، ولا يغتسل بغيره من الجنابة ، مثل : الخل ، ونبيذ التمر والعسل ، وماء العصفر ، وما أشبه ذلك . ولا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث ، بل الأخبار الصحيحة عن ابن مسعود ناطقة بخلافه . وقال أبو جعفر الطحاوي : هذه الطرق لا تقوم بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد . وقال أبو بكر بن المنذر : حديث ليس بثابت ، وقال ابن عدي : ولا يصح هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم وهو خلاف القرآن ، وبنحوه قاله الترمذي ، وفي علل الحربي : وأبو زيد رجل مجهول ، قد روى حديثه هذا عن أبي فزارة سبعة أنفس ، وقالوا خمسة أقاويل ، فقال إسرائيل ووكيع وشريك وسفيان : عن أبي زيد ، وقال أبو العميس : عن زيد ، وقال عبد الملك بن أبي سليمان : عن عبد الله بن يزيد بن الأصم ، وقال ليث : عن رجل ، وقال أبو عبد الله الشقري : عن شريك أنه حدّثه عن أبي زائدة ، خلاف ما حكي عن سعدويه ، والقول قول من قال : عن أبي زيد . الثاني : وقد خرج عبد الرزاق في أماليه التي رواها عنه الرمادي ، فقال : أخبرني الثوري ، عن أبي فزارة العبسي ، وأما النسائي فلم يذكر في كتاب الكنى غير راشد ، فعلى قول البخاري ومن بعده يكون قول من قال فيه : مجهول غير جيد ، لا سيما على قول الحربي من أن سبعة رووه عنه ، وذكر جماعة من العلماء ، فأين مطلق الجهالة مع هذا ؟ والله أعلم . وأما قول ابن الجوزي في كتاب التحقيق : فإن قيل : أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان أخرج عنه مسلم ، فلذلك قال الدارقطني : أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه راشد ، فجوابه من وجهين : أحدهما : أنهما اثنان ؛ والمجهول هو الذي في هذا الحديث ، ودليل هذا قول أحمد : أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول ، فاعلم أنه غير المعروف . الثاني : أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة ، فيه نظر لما أسلفناه . الثالث : وهو إنكار كون ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره شهد ليلة الجن ، وقد أسلفنا ما يدلّ على أنّه هو حضرها ، ولما رأى قومًا من الزطّ ، قال : هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن ، ذكره البطليوسي ، وأنكر ذلك علقمة فيما ذكره مسلم في صحيحه ، وأبو عبيدة ابنه فيما ذكره البخاري في الأوسط ، ولما ذكره أبو جعفر الطحاوي رجّحه مع علمه بانقطاعه ، قال : لأنّ ابنه يعلم حال أبيه ، وإبراهيم النخعي فيما ذكره البيهقي . وقال في التحقيق عن اللالكائي : أحاديث الوضوء بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية . ويجاب عن إنكار أبي عبيدة بأمرين : الأول : ضعف الإِسناد الموصل إليه . الثاني : ما أسلفناه من روايته عكس ذلك ، فتهاترتا . وعن قول إبراهيم بانقطاعه ، ويشبه أنّه إنّما أخذه عن علقمة ، وعن قول علقمة بأن عبد الله لم يشهد الجن وما قالوا ، وصدق في ذلك ، كان في الخط الذي خطه له المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ولهذا فإنك لا تجد رواية ضعيفة ولا صحيحة أنه شهد الجن ، إنما يقولون : ليلة الجن . وذلك بيّن في حديث أبي الأحوص المتقدّم ، وأن الوضوء بالنبيذ كان بعد مجيئه صلى الله عليه وسلم من عند الجن . ومال الطحاوي - رحمه الله - إلى أن ابن مسعود لم يحضرها ، ويزيده وضوحا ما ذكره الكرابيسي في كتاب المدلّسين من تأليفه : أخبرني من سمع عبد الرزاق يحدّث عن أبيه ، عن ميناء ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ليلة الجن : يا عبد الله نعيت إلي نفسي الحديث ، في ذكر الخلافة ، وحديث التيمي عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله : أنّه رأى ناسا من الزطّ ، فقال : ما رأيت شبههم إلا ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم . وأمّا قول اللالكائي فظاهر في التعصب ، والله أعلم ، ويزيد ذلك وضوحا حضور الزبير بن العوام أيضا تلك الليلة ، روى ذلك الإِسماعيلي ، عن موسى بن جعفر ، ثنا يعقوب بن سفيان ، ثنا سليمان بن سلمة ، ثنا أبو يحمد بقية بن الوليد ، حدّثني نمير بن يزيد الحمصي - معروف حسن الحديث - عن أبيه ، عن عمه قحافة بن ربيعة ، ثنا الزبير بن العوام ، قال : صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح في مسجد المدينة ، فلما فرغ قال : أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة الحديث . وكيفما حكى فلم يجزم بعدم حضوره ، لكنه تردد ، قال الأثرم : سألت أبا عبد الله : الذي يصح عندك أن عبد الله صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ؟ فقال : لا أدري . وقال ابن السيد في كتاب أسباب الخلاف : إنما أوجب التعارض أن الذي روى الحديث الأول يعني حديث عبد الله أسقط منه كلمة ، وإنّما الحديث ما شهدها أحد غيري . ومال الطحاوي - رحمه الله - إلى أن ابن مسعود لم يحضرها ، فقال : فهذا الباب إن كان يؤخذ من طريق صحة الإِسناد ؛ فهذا الحديث الذي فيه الإِنكار أولى ، يعني حديث علقمة ، لاستقامة طريقه ومتنه ، وثبت رواته ، وإن كان من طريق النظر فإنا قد رأينا الأصل المتفق عليه ، أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا بالخل ، فكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضًا كذلك . وقد أجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودا في حال وجود الماء أنّه لا يتوضأ به ؛ لأنه ليس ماءً ، فلما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء ، كان كذلك هو في عدم الماء ، وتوضؤ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان وهو غير مسافر ، فلو ثبت هذا الأثر أنّ النبيذ يجوز التوضؤ به في البوادي والأمصار ، ثبت أنّه يجوز التوضؤ به في حال وجود الماء وعدمه ، فلما أجمعوا على ترك ذلك والعمل بضدّه ، ثبت بذلك تركهم لذلك الحديث ، وخرج حكم ذلك النبيذ من حكم سائر المياه ، وثبت بذلك ألّا يجوز التوضؤ به في حال من الأحوال ، وهو قول أبي يوسف وهو النظر عندنا ، والأول قول أبي حنيفة . انتهى كلامه . وفي تاريخ الموصلي من حديث شريك ، عن أبي فزارة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قد أمرت أن أتلو على إخوانكم من الجن ، فليقم معي من ليس في قلبه مثقال خردلة من غش ، وفي سنن الدارقطني من جهة المسيب بن واضح ، ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء . قال : ووهم فيه المسيب في موضعين : في ذكره ابن عباس ، وفي ذكره النبي - عليه السلام والمحفوظ من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ولا إلى ابن عباس والمسيب ضعيف ، وقد رواه مجاعة ، وهو ضعيف ، عن أبان بن أبي عياش ، وهو متروك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مرفوعًا . ولما ذكره الجوزقاني قال : هذا حديث باطل ، والصحيح رأي عكرمة غير مرفوع ، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات قال : هذا حديث واهي ، وروى أبو إسحاق السبيعي ، عن الحارث ومزيدة بن جابر ، عن علي : أنه كان لا يرى بالوضوء به بأسًا ، قال ابن المنذر : وهو قول الحسن البصري والأوزاعي ، قال الدارقطني : وبه قال ابن عباس وعكرمة ، قال الترمذي : وبه قال الثوري ، وروي عن أبي العالية نحوه ، وذهب بعضهم إلى أنّه لو صح لكان منسوخا ؛ لأنه كان بمكة في صدر الإسلام . وقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً نزل في غزوة المريسيع ، وممن قالَ ذلك ابن القصار من المالكية وغيره . وأما قول أبي حنيفة : لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة إلا نبيذ التمر ، ففيه نظر ؛ لما روى الدارقطني ، عن أبي العالية : إنما كان ذلك زبيبا وماء . وأصل النبذ : الطرح والرفض ، قال الله تعالى : فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وإذا أردت عمله ليطيب ، قلت : نبذت النبيذ ، بغير ألف . ذكره ثعلب وكراع وابن السكيت والقزاز . وأما ما ذكره ابن درستويه من أن قول العامة : أنبذت خطأ ، فيشبه أن يكون وهما ؛ لأنّ جماعة من اللغويين ذكروا ذلك ، فلا عيب على العامة ، قال اللحياني في نوادره : وأنبذت لغة ، ولكنّها قليلة ، وبنحوه ذكره ثعلب في كتاب فعلت وأفعلت ، وابن سيده في المحكم ، قال : والانتباذ قيل : هو المعالجة .

339

115 - حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا أنس بن عياض ، ثنا أسامة بن زيد ، عن سالم بن النعمان ، وهو ابن سرج ، عن أم صبية الجهنية قالت : ربما اختلفت يدي ويد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوضوء من إناء واحد . قال أبو عبد الله : سمعت محمدًا يقول : أم صبية هي : خولة بنت قيس ، فذكرته لأبي زرعة : فقال : صدق وأمّا سالم بن سرج فهو أبو النعمان ، ويقال أيضا ابن النعمان ، ويقال : ابن خربوذ ، قال الحاكم : من قال سرج عَرّبَهُ ، ومن قال خَربوذ أراد به الإكاف بالفارسيَّة . وقال الدارقطني : سرج يعرف بخربوذ ، ووهم وكيع ، فقال : عن أسامة ، عن النعمان بن خربوذ . قاله البخاري ، قال : والصواب سالم بن خربوذ أبو النعمان . روى عنه أيضا خارجة بن عبد الله أبو الحجاج ، قال فيه ابن معين : شيخ مشهور ثقة . وذكره البستي في الثقات ، وفي كتاب العلل الكبير للترمذي تصريح سالم بسماعه من خولة هذا الحديث ، وكانت من المبايعات ، وروت عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أحاديث ، وهي جدّة خارجة ، ومولاة سالم . قاله ابن سعد وغيره . وفرق ابن حبان بينها وبين خولة الأنصارية امرأة حمزة بن عبد المطلب ، واعترض بعضهم على صحة هذا الحديث بكونه - عليه السلام - لم يمس امرأة لا تحل له . قال : وخولة هذه لم يأت في خبر صحيح ولا غيره أنها كانت بتلك الصفة ، وفي الذي قاله نظر في موضعين : الأول : وذلك يؤخذ من قولها : تختلف ، ألا يسلم أن الاختلاف يوجب مسًا . الثاني : لا يدفع صحة الحديث لتخيّل معارضة إذا عُدلت رواته ، وسَلِمَ من شائبة الانقطاع ، والله تعالى أعلم .

340

116 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا داود بن شبيب ، ثنا حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن عكرمة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنهما كانا يتوضآن جميعًا للصلاة . هذا حديث صحيح الإِسناد متصله ، وإن كان ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل خالف ذلك بقوله : سمعت أبي يقول : عكرمة لم يسمع من عائشة ، فغير صواب ؛ لنقضه ذلك في كتابه الجرح والتعديل ، قيل لأبي : سمع عكرمة من عائشة ؟ فقال : نعم ، وكذلك قاله البخاري ، وخرج حديثه عنها في صحيحه ، وكذلك الترمذي وصححه . وقال الآجري : سمعت أبا داود يقول : عكرمة سمع من عائشة . ورواه عن عائشة - رضي الله عنها - جماعة ، منهم : أبو سلمة ، ومعاذة ، وحفصة عند مسلم ، وعطاء عند عبد الرزاق ، وعبيد بن عمير عند الدارقطني ، ومسروق وأم منصور بن عبد الرحمن عند الطحاوي ، وابن المسيب عند ابن عبد البر ، وإبراهيم - على انقطاعه - عند ابن أبي شيبة ، وأبو أمامة الأنصاري ، أنا بحديثه الإِمام تاج الدين أبو العباس أحمد بن علي بن وهب القشيري ، المعروف بابن دقيق العيد - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، [أنا أبو الحسن ابن الحميري قراءة عليه وأنا أسمع أنا الحافظ أبو طاهر السلفي -رحمه الله- قراءة عليه وأنا أسمع] ، أنا أبو عبد الله القاسم بن الفضل الأصبهاني قراءة عليه في شهور سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بأصبهان ، أنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ ، أنا أحمد بن محمد بن زياد القطان ، نا علي بن إبراهيم الواسطي ، ثنا يزيد بن هارون ، أنا جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن عائشة قالت : لقد كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - تختلف أيدينا في الإِناء الواحد في الغسل من الجنابة . والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وفي حديثه زيادات أخبرنا به جماعة من شيوخنا بقراءتنا وقراءة عليهم ، وأنا أسمع ، قالوا : أنا جماعة ، منهم : ابن خطيب المزة ، وأبو بكر المقدسي ، والشريف عماد الدين ، وابن أبي حيان ، نا ابن طبرزد رحمه الله ، وأنبأنا به الإِمام أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاري ، أنا أبو حفص عمر بن معمر الدارقزي ، أنا أبو القاسم هبة الله بن محمد الشيباني ، أنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم البزاز ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، ثنا جعفر بن محمد أبو بكر القاضي ، ثنا محمد بن عثمان العثماني ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن القاسم ، عن عائشة بمثله ، يعني حديثا قبله فيه : كنت أغتسل معه - عليه السلام - من الإناء الواحد . قال : زاد في حديثه : هو الفرق . قال ابن شهاب : الفرق خمسة أقساط ، وبه قال الشافعي . قال : ثنا عبد الرحمن بن إسحاق الدمشقي ، ثنا محمد ، ثنا مروان ، نا ابن لهيعة ، ثنا عطاء بن خباب المكي ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، فإن سبقني لم أقربه ، وإن سبقته لم يقربه . وبه قال : أنا يوسف بن يعقوب ، نا محمد بن أبي بكر ونصر بن علي ، قالا : ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد ، عن عباد بن منصور ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - من إناءٍ واحد ، غير أنه يبدأ قبلي . وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عنه : إناء ليس بالكثير الماء . قال أبو عمر بن عبد البرّ : في هذه المسألة خمسة أقوال : الأول : قال ابن عمر : لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ما لم تكن حائضا أو جنبا . الثاني : الكراهة أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة ، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل . الثالث : الكراهة في أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ، والترخيص في أن تتطهر المرأة بفضل وضوء الرجل . الرابع : أنّهما إذا شرعا جميعا في التطهير فلا بأس به ، وإذا خلت المرأة بالطهور فلا خير في أن يتوضأ بفضل طهورها ، وهو قول أحمد بن حنبل . الخامس : لا بأس أن يتوضأ كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه شرعا جميعا ، أو خلا كل واحد منهما به . وعليه فقهاء الأمصار ، والآثار في معناه متواترة . وذكر ابن المنذر معناه ، وقال : وبه نقول .

341

الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد 114 - حدّثنا هشام بن عمار ، ثنا مالك بن أنس ، حدّثني نافع ، عن ابن عمر قال : كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه ، ولفظ أبي داود : من الإناء الواحد جميعًا . وفي لفظ له : كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم ، ندلي فيه أيدينا ، وفي لفظ : من الميضأة .

342

111 - حدثنا أبو عامر الأشعري عبد الله بن عامر ، ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا إبراهيم بن نافع ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم هانئ : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل وميمونة من إناءٍ واحد في قصعة فيها أثر العجين . هذا حديث إسناده ضعيف ؛ للجهل بحال أبي عامر عبد الله بن عامر بن براد بن يوسف بن أبي بردة . قال الحافظ المزي : وظنّ بعضهم أنه ابن براد ، يعني الذي حديثه في الصحيح ، وليس كذلك ، ولم يذكر أحدًا من أصحاب الكتب روى عن هذا إلا ابن ماجه فقط ، ولم يعرف بشيء من حاله ، ولم أر قبله أحدًا عرض بحاله ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سالمة ، من أبي عامر هذا ، ذكرها الحافظ النسائي ، فقال : محمد بن بشار حدّثني عبد الرحمن ، حدثني إبراهيم بن نافع فذكره . 112- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن الحسن الأسدي ، ثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه يغتسلون من إناء واحد . هذا حديث حسن ، لعرفان مخرجه ولاحتجاج جماعة بحديث ابن عقيل كما بيناه قبل .

343

110 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، عن خالته ميمونة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، والبخاري عن أبي نعيم ، عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن جابر ، عن ابن عباس ، ثم قال : كان ابن عيينة أخيرا يقول : عن ابن عباس ، عن ميمونة ، والصحيح ما رواه أبو نعيم . انتهى ، وقد تقدم التنبيه على طرف منه قبل ، والله أعلم . وخرجه الترمذي كما تقدم . وقال : حسن صحيح . وذكر الإِسماعيلي : وقال المقدمي ، وابن أبي شيبة ، والنرسي ، وإسحاق الطالقاني ، وأبو خيثمة ، وابن أبي عمر ، وسريج ، وابن منيع ، والمخزومي ، وعثمان بن أبي شيبة ، وعبد الجبار ، وابن همام ، وأبو موسى الأنصاري ، وابن وكيع ، والأحمسي ، كلّهم عن سفيان في هذا الحديث عن ميمونة ، قال : وهكذا يقول ابن مهدي . وقال الدارقطني : خالف ابن عيينة ابن جريج ، فرواه عن عمرو ، عن جابر ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان يغتسل بفضل ميمونة . قال : وقول ابن جريج أشبه .

344

الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد 109 - حدثنا محمد بن رمح ، أنا الليث بن سعد ، عن ابن شهاب ( ح ) ، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد . هذا الحديث اتفقا على تخريجه بزيادة : تختلف فيه أيدينا ، زاد ابن عوانة في صحيحه : وتلتقي . ورواه عن عائشة جماعة .

345

113 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسماعيل بن علية ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة : أنها كانت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسلان من إناء واحد . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه عن سعد بن حفص ، ثنا سفيان ، عن يحيى به ، كذا ذكره خلف في أطرافه . وزعم الشيخ ضياء الدين أنهما اتفقا عليه ، والله أعلم . ورواية ابن ماجه ، عن ابن أبي شيبة فيها تقصير منه ؛ لأن ابن أبي شيبة روى هذا الحديث في مسنده ، عن إسماعيل ، بزيادة : وكان يقبلها وهو صائم . ورواه كرواية ابن ماجه عثمانُ بن أبي شيبة عند الطبراني ، وعند أحمد بن منيع ، عن عنبسة بن عمار الفزاري ، ثنا يحيى فذكره ، وتابعه عمار الدهني عند الطبراني ، ورواه عن أم سلمة أيضًا عنده سليمان مولاها ، ولفظه : من إناء واحد نحو نصف الفرق ، فيتبادران الغسل جميعًا ، يبدأ قبلي . وخيرة أم الحسن البصري بزيادة : فأقول : اترك اترك . وعبيد بن عمير ، ولفظه : يأخذ كل منّا على حدة . وعبد الله بن رافع ، وقد روي عن علي بن أبي طالب نحوه مرفوعًا . ذكره أحمد بن حنبل ومطين في مسنديهما ، وفي البخاري من حديث أنس نحوه .

346

الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك 103 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا زيد بن الحباب ، ثنا مالك بن أنس ، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة ، عن كبشة بنت كعب ، وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة : أنها صبت لأبي قتادة ماء يتوضأ به ، فجاءت هرة تشرب ، فأصغى لها الإناء ، فجعلت أنظر إليه ، فقال : يا ابنة أخي ، أتعجبين ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنها ليست بنجس ، هي من الطوافين أو الطوافات . هذا حديث قال فيه الترمذي لما خرجه : حسن صحيح ، وهذا أحسن شيء في الباب ، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق ، ولم يأت به أحد أتم من مالك . وقال البخاري : جوّد مالك هذا الحديث ، وروايته أصح من رواية غيره ، وخرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، وأبو حاتم في صحيحه أيضا . وقال فيه الحاكم : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه على أنهما فيما أصلاه لا يعذران في تركه ، إذ هما قد شهدا جميعا لمالك بأنه الحكم في حديث المدنيين ، وهذا الحديث مما صححه واحتج به في الموطأ . ولما ذكره ابن المنذر حكم بثبوته ، وصححه أيضا أبو محمد بن حزم ، وأبو عمر بن عبد البر ، وأبو محمد الإشبيلي . وخالف ذلك الحافظ ابن منده بقوله : أم يحيى اسمها حميدة ، وخالتها هي كبشة ، لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث ، ومحلهما محل الجهالة ، لا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه ، وسبيله سبيل المعلول ، وليس بمعول على قوله مع ما تقدّم من إخراج مالك وغيره حديثهما ، وتوثيق من وثقهما ، وقول الإِمام أحمد بن حنبل : إذا روى مالك عن رجل لا يعرف فهو حجة . [ومع ذلك فله غير شاهد ، من ذلك : رواه همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة بنحوه ، ورواه الشافعي عن الثقة عن يحيى بن أبي كثير ، ورواه عبد الواحد عن الحجاج عن قتادة عن ابن أبي قتادة : عبد الله عن أبيه ، ورواه يعلى بن عبيد عن سفيان عن خالد عن عكرمة قال : لقد رأيت أبا قتادة يقرب طهوره إلى الهرة ، فتشرب منه ، ثم يتوضأ بسؤرها ، وابن علية عن أيوب عن أبي قلابة قال : كان أبو قتادة الحديث ، ورواه عبيد الله بن عمر العمري عن إسحاق عن أبي سعيد الخدري يرفعه ، قاله إسماعيل بن عياش عنه ، ورواه أخوه عبد الله عن إسحاق عن أنس عن أبي قتادة ، قاله أبو عمر] ، وقد رواه عن إسحاق كرواية مالك جماعة ، منهم : همام بن يحيى ، وحسين المعلم ، وابن عيينة ، وهشام ، وإن كانا لم يقيما إسناده ، فكلّهم يقول في الحديث : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنها ليست بنجس . ومن أسقط ذلك فلم يحفظه لثبوته في رواية الحفاظ . قال أبو عمر : ورواه يحيى بن يحيى ، عن حميدة بنت أبي عبيد ، والصواب : بنت عبيد بن رفاعة بن رافع الأنصاري . وقال : عن خالتها ، وسائر رواة الموطأ لا يذكرون ذلك . واختلف في رفع الحاء ونصبها من حميدة ، والضم أكثر ، وتكنى : أم يحيى ، فهي امرأة إسحاق . ذكر ذلك القطان عن مالك ، وكذلك قال فيه ابن المبارك ، إلَّا أنه قال : كبشة امرأة أبي قتادة ، وهو وهم . انتهى كلامه . وفيه نظر ، وذلك أن ابن المبارك رواه على الصواب ، فلعلّ الاختلاف كان عليه لا منه ، ذكر ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه ، فقال : ثنا وكيع ، ثنا هشام وابن المبارك ، عن إسحاق ، عن حميدة ، عن امرأة عبد الله بن أبي قتادة عنه ، فذكره . ولئن كان ابن المبارك تفرد بهذه اللفظة كما قال أبو عمر ، فقد توبع عليها . قال النسائي في كتاب مسند مالك : أنا قتيبة وعتبة بن عبد الله ، عن مالك ، عن إسحاق ، عن حميدة ، عن كبشة ، وكانت تحت أبي قتادة الحديث . وفي كتاب الدارقطني : وكذا قاله البستي وعبد الرزاق عن مالك ، في مسند الشافعي نحوه ، وكذا رواه زيد بن الحباب ، عن مالك ، عند الحاكم ، وهو خلاف ما عند ابن ماجه في الباب . قال أبو عمر : وروي مرسلا ومرفوعا ، وهو الصحيح ، ولعل من وقفه لم يسأل أبا قتادة : هل عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثر أم لا ؟ لأنهم حملوا فعل أبي قتادة حسب ، وأحسنها إسنادًا : ما رواه مالك ، فحفظ أسماء النسوة وأنسابهن ، وجود ذلك ورفعه ، والله أعلم .

347

105 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الهرة لا تقطع الصلاة ؛ لأنها من متاع البيت . هذا حديث إسناده جيد لا بأس به ، وعلى رأي أبي عبد الله ابن البيع يكون صحيحا ، وذلك أنه لما خرج حديث وسيلة آدم بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - قال فيه : هذا حديث صحيح الإسناد ، وهو من . وقد تابعه الحكم بن أبان فيما ذكره ابن خزيمة في صحيحه فقال : ثنا محمد بن يحيى ، نا إبراهيم بن الحكم بن أبان قال : حدثني أبي ، عن عكرمة قال : قال أبو هريرة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الهرة من متاع البيت . وأما قول الترمذي إثر حديث أبي قتادة : وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة - ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من حديث أبي سعيد الخدري ، ولما في الأوسط للطبراني من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه علي بن الحسين ، عن أنس قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان ، فقال : يا أنس اسكب لي وضوءا ، فسكبت له ، فلما قضى حاجته أقبل إلى الإناء ، وقد أتى هر فولغ في الإناء ، فوقف له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقفة حتى شرب الهر ، ثم توضأ ، فذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الهر ، فقال : يا أنس ، إن الهر من متاع البيت ، لن يقذر شيئا ولن ينجسه . قال : لم يروه عن جعفر إلَّا عمر بن حفص ولا روى علي بن الحسين عن أنس حديثا غير هذا . قال الحاكم : وقد صح على شرط الشيخين في الهرة ضد هذا ولم يخرجاه ، ثم ذكره من حديث أبي بكرة ، عن أبي عاصم ، عن قرة بن خالد ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب ، والهر مثل ذلك . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ثنا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ ، ثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد الفقيه ، ثنا بكار بن قتيبة وحماد بن الحسن بن عنبسة ، قال : ثنا أبو عاصم فذكره . وقد شفى علي بن نصر عن قرة في بيان هذه اللفظة : ثناه أبو محمد المزني ، ثنا أبو معشر الحسن ابن سليمان الدارمي ، ثنا نصر بن علي ، ثنا أبي ، ثنا قرة بن خالد ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب . ثم ذكر أبو هريرة الهر ، لا أدري قال : مرة أو مرتين ، قال نصر : وجدته في كتاب أبي في موضع آخر في الكلب مسندًا وفي الهر موقوفًا ، تابعه في توقيف ذكر الهر مسلم بن إبراهيم ، فقد ثبت الرجوع في حكم الشريعة إلى حديث مالك في طهارة الهر . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : إذا كان الحديث قد صح عندك وقفه ، فلأي شيء حكمت بصحة رفعه مع وجود هذه العلّة عندك ؟ على أن الطحاوي لم يعتد بذلك ، ولم يجعله علّة ؛ لأن ابن سيرين كان يقول : كلُّ ما أحدث به عن أبي هريرة فهو عن النبي صلى الله عليه وسلم . الثاني : قوله في حديث بكار : صحيح على شرط الشيخين ، وليس كما زعم ؛ فإنه لم يخرج له الشيخان في صحيحيهما شيئًا ، ولا يمكن ذلك ، ولو خرجه من جهة البزار لصح له قوله ، فإن البزار رواه عن عمرو بن علي ، نا أبو عاصم ، ثنا قرة فذكره . الثالث : أنت قد صححت حديث : الهرة سبع من حديث عيسى بن المسيب . وقال : تفرّد به عن أبي زرعة إلا أنه صدوق لم يجرح قط ، فلَئِن سلمنا لحكمه ذلك ، فلقائل أن يقول : إذا كانت من السباع كان سؤرها غير طاهر ؛ لأنّ أسآر السباع كذلك ، وقد جاء ذلك في حديث تقدّم ذكره بإسناد صحيح أيضًا من عند البيهقي ، وذكره الدارقطني - رحمه الله تعالى - من حديث يحيى بن أيوب ، يعني الغافقي المصري ، وحديثه في الصحيح ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعًا : يغسل الإِناء من الهر كما يغسل من الكلب . وروي عن أبي هريرة موقوفًا به من غير وجه ، وكذلك عن غيره من التابعين ، وحديث ابن عمر : سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب ، فقال : إذا كان الماء قلتين فلن يحمل الخبث . وأما حديث : لها ما في بطنها ، وما بقي فهو لنا طهور ففيه كلام ، ولا يصح فيما ذكره الطحاوي ، فحصل بذلك التعارض ، لا كما زعم ، والله أعلم . الرابع : . قال الخطابي : الطوافون : هم الذين يريدون الأجر والمواساة . وقال ابن عبد البر : هم الذين يداخلونا ، قال تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ . وفيه أن خبر الواحد ، النساء والرجال فيه سواء . وفيه إباحة اتخاذ الهر ، وما أبيح اتخاذه للانتفاع به جاز بيعه وأكل ثمنه ، إلا أن يخص شيئًا من ذلك دليل ، فيخرجه عن أصله . وفيه أن سؤره طاهر ، وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف . وفيه دليل على أن ما أبيح لنا اتخاذه فسؤره طاهر ؛ لأنه من الطوافين علينا ، وطهارة الهر تدل على طهارة الكلب ، وأن ليس في حي نجاسة إلا الخنزير ؛ لأن الكلب من الطوافين علينا ومما أبيح لنا اتخاذه لأمور . وإذا كان حكمه كذلك في تلك المواضع فمعلوم أن سؤره في غير تلك المواضع كسؤره فيها ؛ لأن عينه لا تنتقل ، ودلّ على ما ذكرناه أن ما جاء في الكلب من غسل الإناء سبعًا أنه تعبد واستحباب ، ولا نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه في الهر أنه لا يتوضأ بسؤره ، إلا أبا هريرة على اختلاف عنه ، وسائر التابعين بالحجاز والعراق يقولون في الهر : إنه طاهر ، لا بأس بالوضوء من سؤره ، إلا عطاء ، وابن المسيب ، والحسن . والحجة عند التنازع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم . ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤره أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة ، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه ، وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد ، وجمعت بينهما على ما قدمناه . انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأول : قوله : ولا نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه في الهر إلا أبا هريرة ، وليس كما قال ، بل قد قاله منهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . الثاني : قوله : إلا عطاء وابن المسيب والحسن ، وليس كذلك ؛ بل قد قاله غير هؤلاء ، وهم : ابن أبي ليلى ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وطاوس بالغ إلى أن قال : يغسل سبعًا بمنزلة الكلب . ذكر ذلك ابن المنذر في كتاب الإشراف . الثالث : قوله : لأن الكلب من الطوافين علينا إلى آخره ليس كذلك ، ولا تابعه على ذلك العلماء ، والكلام معه ومع غيره مستوفى في كتب الفقهاء ، ولا يليق ذكره بهذا المختصر لتشعب الكلام فيه . الرابع : قوله : وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه . وليس كذلك ؛ بل يكون بلغه حديث أبي هريرة المتقدّم من عند الحاكم ، والدارقطني المصرّح فيه بالغسل من سؤر الهرة سبعا ، فأي حاجة للقياس مع هذا النص الصريح ؟ والله تعالى أعلم . وأما السؤر مهموز : فهو ما بقي من الشراب وغيره في الإناء وغيره ، فيما ذكره أبو العباس أحمد بن يحيى في كتاب الفصيح . قالَ ابن درستويه : والعامة لا تهمزه ، وتركها الهمز ليس بخطأ . وقال اللبلي : يستعمل في كل بقية ، قال : وأسار فلان من الطعام : إذا أبقى منه . ومن أسماء الهر : القط ، والخيطل ، والسنور ، والأبوسندره ، والضيون ، ولفظ ( السنور ) مؤنث ، ويقال لولده : الوبر ، ولصوته : الهوآء ، مآيمو ، مؤا ، قاله العسكري في كتاب التلخيص ، وفيه نظر من حيث جعله الوبر ولد القط ، وذلك أن الوبر : دويبة رأيتها بأرض الشام ، لا سيما بالغور صغيرة برية ، لا يزيد مقدارها على القطاط ، بل هي أصغر من السنانير ، وبهذه الصفة حكاه غير واحد من اللغويين . قال الأجدائي : هي دويبة تقرب من السنور ، ولها بول يخثر ، وييبس ، يتداوى الناس به ، يسمى : الصن . وقال القزاز : الوبر بسكون الباء : دويبة أصغر من السنور ، طحلاء اللون ، لا ذنب لها ، وبنحوه قاله في الصحاح والجمهرة ، وفي الغريب المصنف : جمع الهر هررة ، وجمع الهرة هرر ، والله أعلم .

348

104 - حدّثنا عمرو بن رافع ، وإسماعيل بن توبة قالا : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن حارثة ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : كنت أتوضأ أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك . هذا حديث معلل بأمرين : الأول : ضعف حارثة بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان المدني ؛ فإن الإِمام أحمد لما سئل عنه قال : ضعيف ليس بشيء ، وسئل عنه أبو زرعة فقال : واهي الحديث ضعيف . وقال عبد الرحمن : سمعت أبي يقول : هو ضعيف الحديث ، منكر الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه منكر . وقال النسائي : متروك الحديث ، وفي موضع آخر : ليس بثقة ولا يكتب حديثه . وقال أبو عيسى : تكلم فيه من قبل حفظه . وقال ابن معين : ليس بثقة ولا يكتب حديثه . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال علي بن الجنيد : متروك الحديث . وقال ابن حبان : فحش خطؤه ، وكثر وهمه ، فتركه أحمد ويحيى . وقال الساجي : منكر الحديث . وقال أبو داود : ليس بشيء . ولما ذكره أبو جعفر في كتاب المشكل ، قال : إنّما يرويه حارثة ، وهو ممن يتكلم في حديثه ، ويضعف غاية الضعف . الثاني : انقطاع ما بين حارثة وجدته عمرة ، وأنه جاء عنه أنه روى هذا الحديث عن أمّه عنها فيما رواه الطحاوي ، وأمه مجهولة العين ، فضلًا عن الحال ، وإنّ كان معروفَ السماعِ من جدَّتِهِ . فهنا أورثنا شبهة من كونه لم يصرح بالسماع ، إنما أتى بلفظة عن ، وعلى ذلك فقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة لا ذكر لحارثة فيها . قال الحاكم : ثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي ببخارى ، ثنا محمد بن أيوب ، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، ثنا سليمان بن مسافع بن شيبة الحجبي ، قال : سمعت منصور ابن صفية بنت شيبة يحدّث عن أمه صفية ، عن عائشة فذكره . وقال : إسناده صحيح . وله في كتاب أبي داود طريق أخرى جيدة ، قال : ثنا عبد الله بن مسلمة ، نا عبد العزيز ، عن داود بن صالح بن دينار التمار ، عن أمه : أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة الحديث . قال الدارقطني في السنن : تفرد به عبد العزيز ، عن داود بن صالح ، عن أمه بهذه الألفاظ . وبنحوه قاله الطبراني في الأوسط . انتهى . داود هذا قال فيه الإمام أحمد : لا أعلم به بأسًا ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وروى حديثها أيضا البغوي في معجمه ، عن أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد الأيامي ، ثنا أبو عباد عبد الله بن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عنها قالت : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يلقي الإناء للسنور حتى يشرب ، ويتوضأ منه . وكذا الترمذي فإنه لما خرج حديثها في باب المواقيت ، قال فيه : حسن صحيح .

349

النهي عن ذلك 107 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو داود ، ثنا شعبة ، عن عاصم الأحول ، عن أبي حاجب ، عن الحكم بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة . هذا حديث اختلف فيه : فصححه جماعة ، وضعفه آخرون ، فمن المصححين له أبو محمد بن حزم . ولما ذكر ابن ماجه حديث ابن سرجس بعده ؛ قال : الصحيح الأول ، والثاني وهم . وخرجه أبو حاتم البستي من حديث أبي داود ، عن شعبة ، عن عاصم : سمعت أبا حاجب يحدّث فذكره . ولما خرجه أبو عيسى في جامعه ؛ قال فيه : حديث حسن . ومن المضعفين له أبو عبد الله البخاري ، فإن الترمذي سأله عنه فقال : ليس بصحيح . كذا في كتاب العلل . وفي التاريخ الكبير قال : سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي يعد في البصريين ، ويقال : الغفاري ، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو . وهذا كلام لا يعطي على صراحته تضعيفًا ولا تصحيحًا ، وإن كان المنذري قد ذكره في معرض ردّ الحديث لاحتمال أن يكون لفظ الصحة منه عائدة إلى نسبه إلى غفار ، وذلك لا يوجب ضعفًا ، لكن بضميمة ما في العلل يتبيّن الضعف ، ولا يخلص ذلك المنذري ؛ لأنه لم ير ما في العلل ؛ فلذلك لم يحكه ، والذي حكاه في التاريخ لا يوضح مقصده ، والله تعالى أعلم . أو تكون عائدة على الانقطاع فيما بين أبي حاجب والحكم ، ولئن كان كذلك فليس بشيء أيضًا ؛ لما صحّ عن أبي حاجب أنه سمعه منه فيما يبينّ ذلك بعد . وذكر ابن منده أنه لا يثبت من جهة السند ، ولما ذكر أبو عمر حديث الحكم هذا قال : الآثار في هذا الباب مضطربة ، لا تقوم بها حجة ، وذكر الميموني أنه سأل أبا عبد الله عنه ، فقلت : يسنده أحد غير عاصم ؟ قال : لا ، ويضطربون فيه عن شعبة ، وليس هو في كتاب غندر ، وبعضهم يقول : عن فضل سؤر المرأة ، وبعضهم يقول : فضل وضوء المرأة ولا يتفقون عليه . ورواه التيمي إلَّا أنه لم يسمه ، قال : عن رجل من الصحابة ، والآثار الصحاح واردة بالإِباحة . وقال الدارقطني : اختلف عنه ، يعني أبا حاجب ، فرواه عمران بن حدير وغزوان بن حجين السدوسي عنه موقوفًا من قول الحكم ، ورواه أبو كدينة ، عن سليمان ، عن أبي حاجب ، عن أبي هريرة ، وهو وهم . انتهى . ويشبه أن يكون قول من صحح أرجح من قول من ضعف ، وذلك أن الإِسناد ظاهره السلامة من مضعف وانقطاع ، وذلك يرد قول ابن منده . أمّا الأول : فلأنّ أبا حاجب سوادة بن عاصم روى عنه جماعة منهم سليمان التيمي ، وعاصم ، وعمران بن حدير ، وشعبة ، ووثقه ابن معين وغيره ، وخرَج حديثه مسلم في صحيحه على ما قاله اللالكائي ، وأبو إسحاق الحبال وغيرهما ، ومن قبله في الإِسناد لا يسأل عنه . الثاني : تدليس عاصم المخوف زال بما ذكره ابن حبان ، وسوادة صرّح بسماعه من الحكم بن أبي شيبة في المصنف بقول سوادة : انتهيت إلى الحكم بن عمرو بالمربد ، وهو ينهاهم عن فضل طهور المرأة ، فقلت : ألا حبذا صفرة ذراعيها ، ألا حبذا كذا ، فأخذ شيئًا ، فرمى نحوي ، وقال : لك ولأصحابك . ويجاب عن قول البخاري المذكور في التاريخ بما تقدّم ، والقول المذكور في العلل بخلاف الترمذي له حين حسنه ، ولولا ظهور ترجيح لما جاز له الإقدام على خلافه ، أو يحمل على أنه لم يصح صحة المجمع عليه من الأحاديث ، إذ الصحة تتفاوت عنده وعند غيره ، أو يكون قوله صحيحًا لا يمنع الحسن . ويجاب عن قول أحمد بأن تفرد عاصم بالرفع لا يؤثر في صحة الحديث إذا وقفه ثقة غيره ؛ بل يكون ذلك مقبولًا ، وكونه ليس في كتاب غندر ليس قادحا أيضًا ؛ لأنّ ابن جعفر لم يدع الإِحاطة بجميع حديث شعبة ، وقد رواه عن شعبة كرواية أبي داود موافقًا له الربيع بن يحيى الأشناني فيما ذكره الطبراني في الكبير ، وعبد الصمد بن عبد الوارث عند ابن بنت منيع في معجمه ، وقيس بن الربيع عند العسكري بزيادة : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدباء والحنتم والمزفت مع سؤر المرأة . ويجاب عن الاضطراب بأن معنى ما روي يرجع إلى شيء واحد ، وهو البقيّة ؛ إذ الرواية بالمعنى جائزة . فقول من روى فضل طهور المرأة ، وسؤر المرأة - واحد ، يريد بذلك البقّية ، وقد جاء مصرحًا به في كتاب الطبراني الكبير بفضل المرأة ، وإذا كان كذلك فلا خلف ، ويجاب عن إبهام اسم الصحابي بأن ذلك لا يضر ، إذ الصحابة كلّهم عدول ، فسواء أبرز اسمه التابعي أو أبهمه ، لكن بعد أن يشهد له بالصحبة كما يشترطه أبو الحسن بن القطان ، رحمه الله تعالى . وأيضًا ففي الطبراني الكبير المسمّى عن رجل من غفار ، والحكم غفاري ، فعلى هذا لا فرق بين القولين إذًا ، قول من قال عن الحكم ، وقول من قال رجل غفاري له صحبة ، ولأنّ المسمى روى عنه أيضًا غير هذا الحديث مصرحا باسمه ، فيجيء ذلك من باب البسط وعدمه ، والله تعالى أعلم . ويجاب عن قول من وقفه بأمرين : الأول : ليس بشيء . الثاني : يجعل ذلك من قبيل الفتيا ، لا من قبيل التعارض في الرواية . وأما من نسب الحكم غفاريًا ، يعني بذلك أن صلبه منهم ، فيشبه أن يكون ليس كذلك ، وممن نسبه غفاريا أبو عبد الله البخاري في تاريخه الكبير ، وأبو حاتم الرازي ، وأبو عيسى الترمذي في كتابه الجامع ، والتاريخ ، ومسلم في كتاب الطبقات ، وأبو بكر بن أبي شيبة في كتابه المصنف ، والمسند ، وغيرهم ، وليس كما زعموا ، بل هو من نعيلة ، حي غُفار بن مُلَيل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة ، نسب غفاريا لدخوله فيهم ، نص على ذلك ابن الكلبي ، وابن سعد ، وأبو أحمد العسكري ، وأبو حاتم بن حبان ، والطبري في المذيل ، والأمير أبو نصر ، والبغوي في معجمه ، وابن قانع ، قالوا : هو الحكم بن عمرو الأقرع بن مجدع بن حذيم بن الحارث بن نعيلة بن مليل ، إلَّا العسكري فإنَّه قال : نعيلة بن جدي بن مُليل ، وفي كتاب خليفة : خديم بن حلوان بن الحارث ، والصواب الأول ، توفي سنة خمس وأربعين ، ويقال : خمسين ، ويقال : إحدى وخمسين ، بمرو .

350

108 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا المعلى بن أسد ، ثنا عبد العزيز بن المختار ، ثنا عاصم الأحول ، عن عبد الله بن سرجس قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة ، والمرأة بفضل وضوء الرجل ، ولكن يشرعان جميعا . هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه ؛ فأما البخاري فذكر عنه أبو عيسى في كتاب العلل أنّه قال : حديث ابن سرجس هذا حديث موقوف ، ومن رفعه فهو خطأ ، وقد تقدم كلام ابن ماجه فيه ، ولما رواه في الأوسط قال : لم يروه عن عاصم ، عن ابن سرجس غير عبد العزيز . تفرد به معلى بن أسد . ورواه غيره عن عاصم الأحول ، عن سوادة بن عمرو ، عن الحكم الغفاري ، ولما ذكره الدارقطني قال : خالفه شعبة فوقفه ، وهو أولى . وقال البزار : لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم ، عن ابن سرجس إلَّا عبد العزيز ، وخالف ذلك أبو محمد بن حزم فصححه مرفوعًا ، وذكر عبد الحق أنَّ النسائي خرجه ، ووهم في ذلك فيما بينه أبو الحسن . قال أبو الحسن : عبد العزيز بن المختار قد رفعه ، وهو ثقة ، ولا يضره وقف من وقفه ، وتوقف في تصحيحه ؛ لأنه لم يره إلا في كتاب الدارقطني ، وشيخ الدارقطني فيه لم يعرف حاله ، ولو رآه هنا لما توقف ؛ لأن رجاله كلهم حديثهم في الصحيحين ، وفي قول أبي عيسى إثر حديث الحكم : وفي الباب عن ابن سرجس نظر من حيث إغفاله حديث أبي داود من جهة داود الأودي عن حميد الحميري ، قال : لقيت رجلًا صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما صحبه أبو هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ، أو تغتسل المرأة بفضل الرجل ، وليغترفا جميعًا . وهو حديث صحيح الإسناد ، وممن صححه أيضًا ابن مفوز وابن القطان . وقال أحمد : إسناده حسن ، فيما حكاه عنه الأثرم . وَلا التفات إلى قول ابن حزم عندما أراد تضعيفه ، إن كان داود هذا هو عم عبد الله بن إدريس فهو ضعيف ، وإن لم يكن إياه فهو مجهول . وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الخبر ، وتبين له أمر داود هذا ، بأنه داود بن عبد الله الزعافري الأزدي أبو العلاء الكوفي ، روى عنه جماعة ، ووثقه الإِمام أحمد وغيره ، وهو غير عم ابن إدريس فيما ذكره الإمام أحمد . ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال : الذي تفرد به من هذا الحديث قوله : نهى أن تغتسل المرأة من فضل الرجل . قال ابن مفوز : فلا أدري رجع عن قوله أم لا ؟ ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة ، قال : هو منقطع ، وداود بن عبد الله ينفرد به . وقال في السنن الكبير : رواته ثقات إلَّا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدّثه ، فهو بمعنى المرسل ، إلا أنه مرسل جيّد ، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله ، وداود لم يحتج به الشيخان . انتهى . وعليه فيه مآخذ : الأول : قوله : إنه بمعنى المرسل إن أراد أنه يشبهه في أنّه لم يسم الصحابي فصحيح ، لكنه لا يمنع خصمه من الاحتجاج ، وإنما إلى أنّه لا حاجة إلى تسمية الصحابي بعد أن يحكم التابعي بكونه صحابيًا ، وإن أراد أنه في معناه من أنه لا يحتج به قوم كما لا يحتجون بمرسل التابعي ، فغير صحيح لما تقدم . الثاني : قوله : مرسل جيّد ، غير جيّد ، بل هو مسند على الصحيح من قول العلماء . الثالث : قوله : لولا مخالفة الأحاديث الثابتة . يعني بذلك ما تقدّم ، فليس بجيّد أيضًا لأمرين : الأول : شأن المحدّث الإعراض عن المعارضة كما قررناه في غير موضع . الثاني : على تقدير تسليمنا ذلك ، يجاب عنه بأنه لا بأس أن يتوضأا ، أو يغتسلا جميعًا من إناء واحد ، يتنازعاه على حديث عائشة ، وميمونة ، وأنس ، وابن عمر ، وأم هانئ ، وأم سلمة ، وأم حبيبة ، وغيرهن ، وعلى أنه لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على حديث الحكم ، ولأن الأحاديث التي وردت بعد في الكراهة عن الصحابة والتابعين ، لم يكن في شيء منها أنَّ الكراهة في ذلك للرجل أن يتطهر بفضل وضوء المرأة ، ولتلك الأحاديث علل ، ذكر ذلك أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ . الرابع : قوله : وداود لم يحتج به الشيخان فيه نظر لأمرين : الأول : إن أراد عيبه بذلك فليس ذلك بعيب عند المحدثين قاطبة ؛ لأنهما لم يلتزما الإِخراج عن كل ثقة ، ولو التزماه ما أطاقاه . الثاني : إن كان يريد بهذا الكلام ردّ الحديث ، وهو الأقرب بضميمة كلامه على انقطاعه وغيره ؛ فهو كلام متناقض ، ولا حاصل تحته لما سلف من توثيقه رجاله . الخامس : قوله : منقطع ، إنما يريد به الإرسال الذي أشار إليه في السنْن الكبير ، لا الانقطاع الصناعي ، والله أعلم . وزعم أبو عمر بن عبد البر أن أبا عوانة رواه عن داود عن حميد عن أبي هريرة ، فأخطأ فيه . وزعم أبو الحسن ابن القطان أنَّ المبهم هنا ، قيل : هو عبد الله بن مغفل ، وقيل : ابن سرجس . وقطع أبو محمد بن حزم بأن حكم الإباحة منسوخ ، وهذا الباب وما فيه من الأحاديث ناسخ ، وأبى ذلك ابن العربي ، فزعم أنّ الناسخ حديث ميمونة ؛ بدليل أنّه - عليه السلام - لما أراد أن يغتسل قالت له : إني توضأت به ، وهذا يدّل على تقدّم النهي ، وبنحوه قاله الخطابي . وأغفل أيضا - أعني الترمذي - حديث أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن رجل : كان نبي الله - عليه السلام - وأهله يغتسلون من إناء واحد ، ولا يغتسل أحد مما يفضل صاحبه . قال أبو بكر الأثرم : لم يسمعه أبو إسحاق من الحارث ، وحديث عائشة : سئل - عليه السلام - عن فضل وضوء المرأة ، قال : لا بأس به ما لم تخل به ، فإذا خلت به فلا يتوضأ بفضل وضوئها . ذكره ابن عدي ، وأعلّه بعمر بن صبح ، وحديث أبي ذر وأبي هريرة ذكرهما ابن منده ، وأشار إلى أنهما لا يثبتان من قبل سندهما ، وقد سبقت الإِشارة إلى حديث أبي هريرة أيضا .

351

الرخصة بفضل وضوء المرأة 106- حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : اغتسل بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في جفنة ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليغتسل أو يتوضأ ، فقالت : يا رسول الله إني كنت جنبا ، فقال : إن الماء لا يجنب . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه ؛ فممن صححه : أبو عيسى ، فإنّه لما خرجه قال فيه : حسن صحيح ، وخرجه أبو حاتم في صحيحه عن عمر بن إسماعيل الثقفي ببغداد ، ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، أنا أبو يعلى نا أبو معمر القطيعي ، نا أبو الأحوص ، أنا الحسن بن سفيان ، ثنا حبان بن موسى ، أنا عبد الله ، عن سفْيان ، ثنا سماك ، فذكره مختصرا . قال : ولم يقل أحد عن سماك : في جفنة غير أبي الأحوص ، ولما خرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمد بن يحيى وأحمد بن المقدام قالا : ثنا محمد بن بكر ، ثنا شعبة ، عن سماك به . ولفظه : الماء لا ينجسه شيء . قال : هذا حديث أحمد بن المقدام ، وخرجه الحاكم من حديث سفيان ، وشعبة عن سماك ، وقال : قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة ، ومسلم بسماك ، وهذا حديث صحيح ولم يخرجاه ولا يحفظ له علّة . وفي الخلافيات : وروي مرسلًا ، ومن أسنده أحفظ ، وروى مسلم معناه في صحيحه من حديث عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان يغتسل بفضل ميمونة . وفي بعض طرقه ، عن عمرو : أكبر علمي ، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني عن ابن عباس ، وذلك يوجب تعليله ، والله أعلم . لكن ذكر أبو عوانة في صحيحه : أنا عمرو ، أنا جابر أبو الشعثاء سمع ابن عباس فذكره . وقال : قال سفيان : هذا الإسناد كان يعجب به شعبة . أخبرني سمعت كأنه اشتهى توصيله ؛ فزالت تلك العَلّة ، والله أعلم . ولما أخرجه البزار من طريقهما قال : وهذا الحديث لا نعلم أحدا أسنده عن شعبة إلَّا محمد بن بكر ، ورواه غيره عنه مرسلا ، وقد رواه جماعة عن سماك ، واقتصرنا على هذين ، ولا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلَّا من هذا الوجه . وخرجه ابن الجارود في المنتقى من حديث سفيان ، وممن ضعفه الإِمام أحمد بن حنبل بقوله : هذا حديث مضطرب . ذكره عنه الأثرم في سؤالاته . وفي رواية الميموني عنه : لم يجئ بحديث سماك غيره ، والمعروف أنهما اغتسلا جميعا . وقال أبو طالب : قال أحمد : هذا فيه اختلاف شديد ، بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه ، وأكثر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون : إذا خلت فلا يتوضأ منه . وقال ابن حزم : لا يصح لأن سماك كان يقبل التلقين ، شهد عليه بذلك شعبة وغيره ، وهذه جرحة ظاهرة ، وذكره ابن ماجه في موضع آخر ، والدارقطني في سننه من حديث شريك عن سماك ، فجعله من مسند ميمونة . قال ابن القطان : فعلى هذا يجب أن تكون رواية غيره مرسلة ، وتبين برواية شريك أن ابن عباس لم يشهد ذلك ، إنّما تلقاه من خالته ميمونة . انتهى . ويجاب عن الاضطراب بأن ذلك لا يقدح إلا مع التساوي ، ولا تساوي هنا ؛ لأنّ من أرسله لا يقاوم من رفعه ، أعني بذلك شعبة وسفيان ، ويجاب عن قول ابن حزم بأن شعبة الذي شهد على سماك بالتلقين كان لا يقبل منه حديثا ملقنا فيما أخبر بذلك عن نفسه ، حكاه عبد الحق الإشبيلي ، فصح حديثه بهذا الاعتبار . ويجاب عن قول ابن القطان بأمرين : الأول : شريك لا يقاس بشعبة والثوري . والثاني : على تقدير صحة حديثه ، فكان ماذا ؟! قصاراه أن نقول : هو مرسل صحابي ، ولئن كان ذلك فلا ضير ؛ لكونه مسندا على الصحيح ، ومن المعلوم أنّ ابن عباس لم يكن ليشهد مثل هذا من المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لكونه غير جائز له ، والله أعلم . فتبين بمجموع ما تقدم أن قول من صححه راجح على قول من ضعفه ؛ بل هو الصواب ، والله تعالى أعلم . وأما قول ابن حبان : لم يقل أحد عن سماك : في جفنة غير أبي الأحوص ، فيشبه أن يكون ليس كذلك ؛ لأن الدارمي ذكر في مسنده : ثنا يحيى بن حسان ، عن يزيد بن عطاء ، عن سماك ، عن عكرمة به ، وفيه ذكر الجفنة ، ثم قال : ونا عبيد الله ، عن سفيان ، عن سماك بنحوه ، اللهم إلَّا أن يكون أراد بالغير ثقة ، فلا يردّ عليه حديث يزيد هذا لضعفه ، والله أعلم .

352

58 - حدثنا سويد بن سعيد ، ثنا أبو الأحوص ، عن محمد بن عبيد الله ، عن الحسن بن سعد ، عن أبيه ، عن علي رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : إني اغتسلت من الجنابة ، وصليت الفجر ، ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك . هذا حديث رجال إسناده كلهم في الصحيح إلا سعد بن معبد ، فإن ابن حبان ذكره في الثقات ، وقد سبق الكلام على هذا الباب قبل ، والحمد لله وحده ، وسيأتي له تكملة إن شاء الله تعالى .

353

باب من اغتسل من الجنابة ، فبقي من جسده لمعة لم يصبها الماء 57 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وإسحاق بن منصور قالا : ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ مستلم بن سعيد ، عن أبي علي الرحبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغتسل من جنابة ، فرأى لمعة لم يصبها الماء ، فقال : بَجَمْتُهُ ، فبلّها عليه ، وقال إسحاق في حديثه : فعصر شعره عليها . هذا حديث سأل الأثرم عنه أحمد ، فقال : ذاك ، ولم يُصحّحه ، وسببه فيما أرى ضعف راويه أبي علي حسين بن قيس الملقب حنشا ، وهو إن كان حصين بن نمير قال فيه : هو شيخ صدوق ، وقال البزار : لين الحديث روى عنه سليمان التيمي ، وقال : حنش عنده أحاديث صالحة عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وخرج الحاكم حديثه في مستدركه ، فقد قال الإمام أحمد : هو متروك الحديث ضعيفه ، كذاب ، وترك حديثه ، وله حديث واحد حسن رواه عنه التيمي في قصة الشؤم ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وقال أبو زرعة : ضعيف ، وقال العقيلي : وله غير حديث لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به ، وفي كتاب ابن حزم : ضعيف متروك ، وقال البخاري : أحاديثه منكرة جدًّا لا يكتب حديثه ، وقال النسائي والدارقطني : متروك الحديث ، وقال في التمييز : ليس بثقة ، وقال ابن عدي : هو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق ، وقال الجوزجاني : أحاديثه منكرة جدًّا ، وقال إسماعيل القاضي ، عن علي بن المديني : ليس هو عندي بالقوي ، وذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء ، وكذلك البلخي ، وقال الساجي : ضعيف الحديث متروك ، يحدّث بأحاديث بواطيل

354

40 - حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، عن ابن لهيعة أنه قال : حدثني أبو الأسود ، عن عروة ، عن علي بن أبي طالب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة . هذا حديث ضعيف معلل بأمرين : الأول : قال فيه أبو القاسم في الأوسط : لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد ، تفرد به ابن لهيعة ، ومع ذلك فهو ابن لهيعة ، وقد سبق ذكره . الثاني : انقطاع ما بين عروة ، وعلي ؛ وإن كان مولده سنة ثلاث وعشرين ، وسنه يوم الجمل ثلاث عشرة سنة ، فرد لاستصغارهم إياه . وقيل : كان مولده لست سنين خلت من خلافة عثمان - رضي الله عنه - فقد نص أبو حاتم على أنه لم يسمع من علي فيما حكاه عنه ابنه في كتاب المراسيل ، ويزيده وضوحا أن النسائي في مسند علي أدخل بينه وبين المقداد ، ومحمد بن سنجر ، وأحمد بن سنان القطان في مسندهما ، أدخلا بينهما عبد الله بن جعفر . ورواه صفوان بن صالح ، عن الوليد بن مسلم بلفظ : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة . رواه أبو نعيم في كتاب المساجد ، عن أبي عمرو بن حمدان ، ثنا الحسن بن سفيان عنه ، وكذا رواه عبد الله بن يوسف ، وابن المبارك ، وابن وهب ، عن ابن لهيعة وقال : ولفظهم سواء فظهر من هذا أن زيادة ( من ماله ) تفرد بها عباس بن عثمان ، وليس بقريب من أولئك - والله أعلم

355

39 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو بكر الحنفي ، ثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، عن محمود بن لبيد ، عن عثمان بن عفان قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما .

356

11 - أبواب المساجد والجماعات ومن بنى لله عز وجل مسجدا 38 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يونس بن محمد ، ثنا الليث بن سعد ، وثنا أبو بكر ، ثنا داود بن عبد الله الجعفري ، ثنا عبد العزيز بن محمد - جميعا - عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، عن الوليد بن أبي الوليد ، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة العدوي ، عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من بنى لله مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة . هذا حديث خرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه ، عن سفيان ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة به ، ورواه ابن لهيعة ، عن الوليد بن أبي الوليد فقال : عن أيوب بن خالد ، عن عمر بن الخطاب ، قال - صلى الله عليه وسلم - : من بنى مسجدا لا يريد به رياء ، ولا سمعة بنى الله الكريم له بيتا في الجنة . ذكر ذلك الحافظ أبو نعيم في كتاب المساجد ، عن أبي بكر الآجري ، ثنا جعفر الفريابي ، ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا ابن لهيعة به ، قال : ورواه يحيى بن بكير ، عن ابن لهيعة ، وقال : ويذكر اسم الله عليه ، قال : ورواه يحيى بن أيوب ، عن الوليد ، عن عثمان ، وقال عبد الله بن صالح ، عن الليث : يذكر اسم الله تعالى فيه .

357

43 - حدثنا جبارة بن المغلس ، ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن البجلي ، عن ليث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ستشرفون مساجدكم كما شرفت اليهود كنائسها ، وكما شرفت النصارى بيعها هذا حديث لما ذكره الحافظ ضياء الدين المقدسي : رده بليث المذكور قبل ، وأغفل كونه من رواية أبي محمد جبارة بن المغلس الحماني الكوفي ، فإن عبد الله بن أحمد عرض على أبيه شيئا من حديثه فأنكرها ، وقال في بعضها : سمعت هذه موضوعة ، أو هي كذب ، وقال ابن معين : هو كذاب ، وكان أبو زرعة حدث عنه ، ثم ترك حديثه بعد ذلك ، وقال : قال لي ابن نمير : ما هو عندي ممن يكذب ، كان يوضع له الحديث فيحدث به ، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب ، وذكر ابن عقدة ، عن محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي : سألت ابن نمير عنه ؟ فقال : صدوق ، وقال أبو حاتم : هو مثل القاسم بن أبي شيبة ، وقال ابن عدي : في بعض حديثه ما لا يتابعه أحد عليه ، غير أنه كان لا يتعمد الكذب ، وحديثه مضطرب كما ذكره البخاري . وقال ابن حبان : كان يقلب الأسانيد ، ويرفع المراسيل ، وقال محمد بن سعد : يضعف ، وذكره أبو جعفر العقيلي ، والبلخي في كتاب الضعفاء ، ويعقوب في باب من يرغب عن الرواية عنهم ، وقال البزار : كان رجلا كثير الخطأ ، ليس يحدث عنه رجل من أهل العلم ، إنما يحدث عنه قوم فاتتهم أحاديث كانت عنده ، أو رجل غبي ، وأغفل كونه أيضا من رواية عبد الكريم المجهول العين ، والمنفرد عنه بالرواية جبارة ، وقد وجدنا لهذا الحديث شاهدا ، رواه أبو داود بسند صححه ابن حزم ، عن محمد بن الصباح ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن سفيان ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أمرت بتشييد المساجد ، قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود ، والنصارى . ورواه أبو نعيم من حديث عبد الأعلى بن حماد ، ثنا معتمر سمعت ليثا، عن أبي فزارة به .

358

44 - حدثنا جبارة ، ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمر بن الخطاب : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم . هذا حديث تقدم الكلام على سنده قبيل ، وقد وردت أحاديث من هذا الباب غير ما تقدم من ذلك : حديث ليث ، عن أيوب ، عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ابنوا المساجد ، واتخذوها جما ، وفي لفظ : أمرت بالمساجد جما ، ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن مالك بن إسماعيل ، ثنا هريم عنه ، ولما سأل الترمذي محمدا عنه ، قال : إنما يروى عن أيوب ، عن عبد الله بن شقيق قوله . وقال أبو الحسن وسئل عنه : لم يتابع ليث عليه ، وغيره يرويه ، عن أيوب ، عن ابن شقيق قوله . وحديث مجاهد ، عن ابن عمر قال : نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي في مسجد مشرف ، رواه الدارقطني ، وقال : رواه إسحاق بن منصور ، وأبو غسان ، عن هريم ، عن ليث عنه ، ورواه عبد الحميد بن صالح ، عن هريم ، عن ليث ، عن نافع ، عن ابن عمر . وحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال : أمرنا أن نبني المساجد جما ، ذكره عبد الغافر الفارسي في كتابه مجمع الغرائب ، قال : ومعناه التي لا شرف لها ، وفي كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام زيادة : والمدائن شرفا . وحديث علي بن أبي طالب سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ائتوا المساجد حسرا ومقنعين فإن ذلك سيما المسلمين . رواه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن شعيب ، ثنا مبشر بن عبيد ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار عنه ، وحديث جابر بن عبد الله : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من زوق بيته ، أو مسجده لم يمت حتى تصيبه قارعة ، رواه أيضا من حديث موسى بن محمد صاحب القديدي ، ثنا المنكدر بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه عنه . ورواه ابن الجوزي في علله من حديث أبي البختري ، وهب بن وهب ، ورده به . وفي كتاب أبي نعيم بن دكين ، ثنا سفيان ، عن أيوب ، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : كانت المساجد تبنى جما ، والمدائن تشرف ، ثنا سفيان ، عن أبي فزارة ، عن مسلم البطين قال : كان علي بن أبي طالب إذا مر بمسجد التيم ، وهو مشرف قال : هذه بيعة التيم . غريبه : الشرفة : ما يوضع على أعالي القصور ، والمدن ، وشرف الحائط : جعل له شرفة ، ذكره ابن سيده ، وفي الجامع : وقولهم قصر مشرف : إنما معناه طويل ، وإذا أرادوا له شرف قالوا : قصر مشروف ، والبيعة : كنيسة النصارى ، وقيل : كنيسة اليهود ، فيما ذكره في المحكم ، وفي الجامع : البيعة : بكسر الباء : صومعة الراهب ، وقيل : كنيسة النصارى ، والجمع بيع . وقال عياض : البيعة : كنيسة أهل الكتاب والصلوات للصابئين ، كالمساجد للمسلمين ، وفي كتاب الجواليقي : البيعة والكنيسة : جعلهما بعض العلماء ، فارسيين معربين ، وأما البناء المشيد : فهو المعمول بالشيد ، وكل ما أحكم من البناء ، فقد شيد ، قال أبو عبيد : البناء المشيد المطول . وقال الكسائي : المشيد للواحد ، والمشيدة للجميع . حكاه أبو عبيد عنه ، والكسائي يجل عن هذا . قاله ابن سيده ، وفي الجامع : أشدت الحائط ، وشيدته : فهو مشاد ، ومشيد إذا طولته . وقيل : لا يكون مشيدا حتى يجصص ، ويطول . والزخرف : الذهب هذا الأصل ، ثم سمي كل زينة زخرفا ، وزخرف البيت : زينه ، وأكمله ، وكل ما زوق وزين ، فقد زخرف ، والتزخرف : التزين ، والزخارف : ما زين من السفن . والزخرف : زينة النبات ، ذكره ابن سيده ، وفي الجامع : كل نفيس يسمى زخرفا ، وقال الهروي : هو كمال حسن الشيء ، وقال عياض : هو التزويق بالنقش ، والتلوين ، قال الخطابي : المعنى أن اليهود ، والنصارى ؛ إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا ، وتركوا العمل بما في كتبهم ، نقول : فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم ؛ إذا طلبتم الدنيا بالدين ، وتركتم الإخلاص في العمل ، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد ، والمباهاة بتشييدها ، وزينتها ، وفيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره ، وأما قول من قال : أراد بالتباهي في المساجد : التفاخر بالأنساب والأحساب ، وشبهه فمردود بقوله : ببناء المساجد ، وبكثرة المساجد .

359

12 - باب تشييد المساجد 42 - حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي ، ثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، عن محمد بن رافع ، ثنا المؤمل بن إسماعيل ، ثنا حماد بلفظ : إن من أشراط الساعة ، وثنا محمد بن يحيى ، ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي ، ثنا حماد ، عن قتادة ، وأيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال أبو نعيم : تفرد الخزاعي بذكر قتادة ، وقال ابن مطير في الأوسط : لم يروه عن قتادة إلا حماد ، وقال ابن خزيمة : ثنا محمد بن عمرو بن العباس ، ثنا سعيد بن عامر ، عن أبي عامر الخزاز قال : قال أبو قلابة : انطلقنا مع أنس نريد الزاوية يعني قصر أنس ، فمررنا بمسجد ، فحضرت صلاة الصبح ، فقال أنس : لو صلينا في هذا المسجد ، فقال بعض القوم : نأتي الآخر ، قالوا : أي مسجد ؟! قال : فذكر مسجدا ، فقال أنس : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ، ثم لا يعمرونها إلا قليلا ، أو قال : يعمروها قليلا ، وفي كتاب أبي نعيم من حديث محمد بن مصعب القرقساني ، عن حماد : يتباهى الناس ببناء المساجد ، وفي حديث علي بن جرير عن سعيد عن أبي عامر الخزاز : يتباهون بكثرة المساجد

360

27 - حدثنا علي بن محمد، ثنا أبو أسامة عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحكم بن ميناء، قال: أخبرني ابن عباس، وابن عمر أنهما سمعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول على أعواده: لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين . هذا حديث في سنده انقطاع فيما بين يحيى والحكم، وإن كان قد سمع منه، فقد ورد هذا الحديث مبينا فيه عدم سماعه منه بين ذلك أبو عبد الرحمن إذ رواه في سننه، عن محمد بن معمر، عن حبان بن هلال، عن أبان، عن يحيى، عن الحضرمي بن لاحق، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحكم بلفظ: ودعهم الجماعات . قال: وأنبأنا إبراهيم بن يعقوب، ثنا سعيد بن الربيع، ثنا علي بن المبارك، عن يحيى عن زيد، عن أبي سلام، عن الحكم، عن ابن عمر وابن عباس، قال علي: ثم كتب به إلي، عن ابن عمر وأبي هريرة فذكره. وذكره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مجموع حديثه من حديث هشام بن عمار: ثنا الوليد، ثنا معاوية بن سلام سمع يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني الحكم بن ميناء يقول: سمعت ابن عمر وأبا هريرة يقولان: سمعنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على منبره، وهو يقول: لينتهين أقوام، عن تركهم الجماعات الحديث. ومن حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن يحيى يرده إلى ابن عمر وابن عباس ولفظه: الجماعات ومن حديث زياد بن أيوب: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن يحيى عمن حدثه عنهما. وفي كتاب الثواب لآدم بن أبي إياس: ثنا بكر بن خنيس، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: تدارأنا أهل حضرة المسجد، وأهل العوالي من الأنصار؛ فقال أهل حضرة المسجد: نحن أعظم أجرًا منكم، لقربنا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تفوتنا معه صلاة، ونحن محدثوه، وقالت الأنصار من أهل العوالي: نحن أعظم أجرًا منكم لبعد منازلنا من المسجد، ولا يرغبنا إليه إلا حب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصلاة معه وحديثه، نأتيه في الحر والبرد فبينما هم يتدارءون إذ طلع عليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسلم عليهم فقصوا عليه القصة، فقال: الأبعد فالأبعد أعظم أجرا، وذلك أن الرجل إذا توضأ في بيته وأحسن الوضوء وأكمله ثم خرج إلى المسجد لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، وإذا دخل المسجد لم يزل في صلاة حتى يخرج أو يحدث . أنبأنا به الشيخ المسند الفقيه أبو النون بن عبد القوي قال: أنبأنا أبو الحسن علي بن محمود المحمودي أنبأنا الحافظ أبو طاهر البغوي قراءة عليه أنبأنا أبو مسعود محمد بن عبد الله السوذرجاني أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الحبال أنبأنا أبو محمد عبيد الله بن محمد بن إبراهيم قراءة عليه أنبأنا أبو موسى عيسى بن إبراهيم ثنا آدم، وحديث ابن عمر يرفعه: لأنا على أمتي في غير الخمر أخوف عليهم من الخمر، سكن البادية، وترك المساجد، والذكر . ذكره ابن يونس في تاريخه، عن عاصم بن رازح، ثنا زكريا بن يحيى بن أبان، ثنا مسكين بن عبد الرحمن وخالد بن حميد، عن أبي مالك يحيى عن واهب بن عبد الله المعافري عنه، قال: ورواه محمد بن المغيرة، عن واهب موقوفًا على ابن عمر. ورواه مسلم في صحيحه، عن الحلواني، عن أبي توبة، ثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد سمع أبا سلام حدثني الحكم بن ميناء أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدّثاه. فذكره بلفظ: الجمعات . قال البيهقي: ورواه أبان، عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن الحضرمي، عن الحكم وخالفه الدستوائي فرواه عن يحيى أن أبا سلام حدّثه، عن الحكم أنه حدثه، قال: ورواية معاوية، عن أخيه زيد أولى أن تكون محفوظة. انتهى كلامه. يفهم منه أن أبان بن يزيد رواه بلفظ: الجمعات بالإسناد المذكور عنده، وليس كذلك لما ذكره أبو بكر الإسماعيلي أنبأنا الفاريابي أنبأنا عمران بن موسى، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عفان وأنبأنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا يحيى بن إسحاق البجلي، ثنا عمرو بن محمد، ثنا عفان قال: أنبأنا أبان بن يزيد العطار، لفظ الفريابي، ثنا يحيى، عن زيد، عن أبي سلام، عن الحكم عنهما، أعني: ابن عمر وابن عباس بلفظ: الجماعات وقال أبو حاتم في علله: والحضرمي رجل من أهل المدينة وليس لرواية أبي سلام عنه معنى، وإنما يشبه أن يكون يحيى لم يسمعه من زيد، فرواه عن الحضرمي عن زيد، فوهم الذي حدث به.

361

28 - حدثنا عثمان بن إسماعيل الهذلي الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، عن ابن أبي ذئب، عن الزبرقان بن عمرو الضمري، عن أسامة بن زيد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم . هذا حديث إسناده منقطع فيما بين أسامة والزبرقان. قاله أبو القاسم بن عساكر والشيخ ضياء الدين في أحكامه، ويوضحه ما في تاريخ البخاري الكبير: زبرقان بن عمرو بن أمية الضمري، روى عنه ابن أبي ذئب، قال جعفر بن ربيعة: الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية، عن أبيه. وقال لي إسحاق: أنبأنا عبد الصمد، ثنا شعبة، عن عمرو سمع الزبرقان سمع عروة عن زيد بن ثابت، وعن أبي داود عن ابن أبي ذئب، عن زبرقان، عن زهرة: كنّا عند زيد، فقال: هي الظهر - يعني الصلاة الوسطى - فأرسلوني إلى أسامة بن زيد فقال: هي الظهر. وقال هشام: حدّثنا صدقة، عن ابن أبي ذئب، عن الزبرقان بن عمرو بن أمية الضمري، عن زيد بن ثابت وأسامة نحوه. وقال آدم: ثنا ابن أبي ذئب، ثنا زبرقان الضمري نحوه، وروى يحيى بن أبي بكير، عن ابن أبي ذئب نحوه. وفي الباب حديث أنس بن مالك أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لو أن رجلًا دعا النّاس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه، وهم يدعون إلى هذه الصلاة في جماعة فلا يأتوها، لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس في جماعة فأضرمها عليهم نارًا، فإنه لا يتخلف عنها إلا منافق . قال أبو القاسم في الأوسط: ورواه عن إبراهيم بن هاشم، ثنا حوثرة بن أشرس، ثنا حماد عن ثابت عنه : لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا حماد بن سلمة . وحديث أبي الدرداء من عند أبي داود مرفوعًا: ما من ثلاثة في قرية ولا بدو ولا تقام فيهم الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية . وحديث ابن عمرو يرفعه: الجماعة على من سمع الأذان . ذكره ابن عدي من حديث محمد بن سعيد المصلوب، وهو هالك. وفي كتاب البيهقي من حديث أبي إسحاق، عن الحارث عن علي : من سمع النداء من جيران المسجد وهو صحيح من غير عذر فلم يجب فلا صلاة له . قال البيهقي : وقد روي من وجه آخر مرفوعًا وهو ضعيف . وحديث أبي موسى قال عليه السلام: من سمع النداء فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له . رواه أبو نعيم، عن يحيى بن عبد الحميد، ثنا قيس عن أبي حصين، عن أبي بردة عنه خرجه الحاكم مصححًا له . وحديث عمر بن الخطاب وأبي بن كعب مرفوعا: إن الله تعالى يتعجب من الصلاة في الجميع . ذكره ابن عدي، وضعفه بحماد بن قيراط وغيره . وحديث حارثة بن النعمان من عند الكشي من طريق مولى غفرة يرفعه: يخرج الرجل في غنيمة فلا يشهد الصلاة حتى يطبع على قلبه وذكر حديثَا طويلا. وحديث ابن زرارة الأنصاري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من سمع النداء ثلاثَا فلم يجب كتب من المنافقين . ذكره أبو يعلى، عن أبي خيثمة، ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا أبان، عن يحيى بن أبي ذئب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه. وحديث أبي الزبير، عن جابر قال صلى الله عليه وسلم: لولا شيء لآمر رجلا يصلي بالنّاس ثم لحرقت بيوتا على ما فيها . ذكره أبو جعفر الطحاوي في شرح المشكل. وحديث أبي هريرة يرفعه: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر . ذكره الحافظ أبو أحمد في كامله من حديث سليمان بن داود قال: وليس بشيء عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه . قال أبو سليمان الخطابي: قوله: لا يلاومني هكذا يروى في الحديث، والصواب: لا يلائمني أي: لا يوافقني ولا يساعدني على حضور الجماعة، قال أبو ذؤيب: أما لجنبك لا يلائم مضجعا إلا أقض عليك ذاك المضجع فأمّا الملاومة فإنها مفاعلة من اللوم وليس هذا موضعه . قال الله تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ وقال أبو موسى: أصله الهمز لا يلائمني. وقال السكري: يلائم: يوافق، ويلازق، يقال: التأم الجرح، ويقال: التأم أمر بني فلان، قال الحطيئة: وهم جبروني بعد فقر وعسرة كما لأم العظم الكسير جبائر وفي الصحاح: لا يقال: يلاومني. والرُّخْصة والرُّخُصة: لغتان حكاهما ابن سيده في محكمه، قال: رخّص له في الأمر أذن له فيه بعد النهي عنه، ولما شرح كتاب الإصلاح لأبي يوسف بن السكيت حكى عنه صاحب العين: الرخصة: ترخيص الله للعباد: أي تسهيله في أشياء خفَّفها عليهم، يقول: رخصت له في كذا: أي أذنت له فيه بعد نهيي إيّاه عنه، قال: والودع: الترك، وقد ودعه ووادعه. وقال شمر: زعمت النحوية أنّ العرب أماتوا مصدر يدع وماضيه، قال الهروي: والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفصح. قال أبو محمد بن حزم: ولا تجزئ صلاة فرض أحدا من الرجال إذا كان بحيث يسمع الأذان أن يصليها إلا في المسجد مع الإمام، فإن تعمّد ترك ذلك بغير عذر بطلت صلاته، وإن كان بحيث لا يسمع الأذان ففرض عليه أن يصلي في جماعة مع واحد فصاعدا ولا بد فإن لم يفعل فلا صلاة له، إلا أن لا يجد أحدا يصليها معه فيجزئه حينئذ إلا من له عذر. وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم، عن أبي موسى: من سمع النداء فلم يجب فارغا صحيحا فلا صلاة له، وعن ابن مسعود أنه كان يقول: جار المسجد إذا سمع وليس له علة، ثم لم يجب فلا صلاة له، وعن عائشة: من سمع المنادي ثم لم يجبه، فلم يرد خيرا، ولم يرد به. وفي كتاب ابن زنجويه، عن معاذ: لأن أصلّي في جماعة أحبّ إلي من أن أصلّي الدّهر وحدي، وذكر صاحب التحفة الحنفي، عن محمد بن الحسن: الجماعة واجبة، وقد سمّاها بعض أصحابنا سنة مؤكّدة ؛ وهما سواء. وفي المفيد: هي واجبة، وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة. وفي البدائع: تجب على الرجال البالغين، العقلاء، الأحرار، القادرين عليها من غير حرج فإذا فاتته لا يجب عليه الطلب في مسجد آخر بلا خلاف بين أصحابنا؛ لكن إن أتى مسجدًا يرجو إدراكها فيه فحسن، وإن صلّى في مسجد حيّه فحسن، وذكر شرف الأئمة: إن تركها لغير عذر يوجب التعزير ويأثم الجيران لسكوتهم عنه. زاد شمس الأئمة السرخسي: ولا تقبل شهادته وإن اشتغل بتكرار اللغة حتى فاتته لا يعذر، وبتكرار الفقه ومطالعة كتبه يعذر، والأكثر أنها سنة مؤكدة، ولو تركها أهل ناحية أثموا، ووجب قتالهم بالسلاح، وفي شرح جواهر زاده: هي سنة مؤكدة غاية التأكيد، وقيل: فرض كفاية، وبه قال الطحاوي والكرخي وغيرهما. وقال الإِمام أحمد: هي واجبة وليست بشرط. وفي كتاب الجواهر، عن مالك: هي سنة مؤكّدة وليست بواجبة إلا في الجمعة، وحكى القاضيان أبو الوليد وأبو بكر، عن بعض شيوخهم أنّها فرض كفاية، وحكى الإِمام الشافعي في كتاب الأم أنها فرض كفاية، وحكى الرافعي أنها فرض عين لكن ليست شرطًا لصحّة الفرض، وبه قال ابن خزيمة وأبو بكر بن المنذر، قال النووي رحمه الله: وقيل: إنه قول الشّافعي، وهو الصحيح من قول أحمد، والقول الآخر: لا تصح الصلاة بتركها فإن ذكر حديث: تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ، وصيغة أفضل تقتضي الاشتراك في الفضل وترجيح أحد الجانبين، وما لا يصح لا فضل فيه ولا يجوز أن يقال: قد يستعمل بمعنى الفاضل لما عرف في كتب النحو أن ذلك على سبيل الندور عند الإطلاق لا عند التفاضل بزيادة عدد، ويؤيّده ما في بعض طرقه: تزيد أو تضاعف على صلاته وحده فإنّ ذلك يقتضي ثبوت صلاة يزاد عليها، ولا يقال: إن ذلك محمول على صلاة المعذور فذّا ؛ لأنه ذكر الفذّ بالألف واللام المقيدة للعموم، فيدخل تحته كل فذّ من معذور وغيره، يؤيّده قوله: أو في سوقه ؛ إذ العليل لا يكون في السوق غالبا، وعلى تقدير ذلك فصلاة المعذور أجرها كصلاة الصحيح قال عليه السلام: إذا كان العبد يعمل عملًا ثم مرض أمر الله ملائكته أن تكتب له أجر عمله في صحته، ذكره البخاري: أجيب بأن المفاضلة لا تمنع أن تقع في الواجبات أنفسها؛ أي أنّ صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة لمكان العذر بتلك الدرجات المذكورة، وهذا الجواب سبق ردّه ولله الحمد. وزعم المهلب أن التحريق أريد به المنافقين، وإليهم يوجّه الوعيد محتجا بقوله: لو يعلم أحدهم أنّه يجد عرقًا، قال: وليس هذا من صفات المؤمن، وبنحوه قاله البيهقي، عن الشافعي. رأى ذلك ابن حزم وابن بطال، واستدل بعضهم به على أنّ الجماعة ليست فرض عين، ولو كانت فرضًا لما تركهم، وزعم بعضهم أنّ هذا كان أوّل الإِسلام حيث كانت العقوبة في المال. وأجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف، عن الصلاة والغال في الغنيمة، وجوزوا به أخذ أهل الجرائم على غرة، وفيه دليل على أنّ تارك الصلاة متهاونًا يقتل على قول من يقول: إنَّ الخطاب للمؤمن. وأمّا حديث ابن أم مكتوم فزعم بعضهم أنه كان مؤذنا ومستخلفا على غيره، ولأنه رخّص لغيره ولم يرخّص له ؛ قلنا: قد تأوّله أبو بكر بن خزيمة والحاكم والبيهقي وأبو بكر بن إسحاق الفقيه وأبو سليمان - رحمهم الله تعالى - على أنه لا رخصة لك إن طلبت فضل الجماعة وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. وقال المنذري: يحتمل أنه كان في الجمعة لا في الجماعة، وقيل: كان ذلك في أول الإسلام حين الترغيب في الجماعة وسد الباب على المنافقين في ترك حضورها، وقيل: لعلّه كان ممن ينصرف في أمر دنياه دون قائد ككثير من العميان. انتهى. أمّا قوله في الجمعة فغير شيء ؛ لأن من قدر على الجماعة لا يعذر على الجمعة بطريق الأولى، وأما قوله: لعله ممن كان ينصرف في أمر دنياه فكذلك أيضًا ؛ لأنّ من استطاع المجيء في الليل قبل الناس ليؤذِّن دليل على كثرة تصرفه، والذي يظهر من هذا أنه رجل من المهاجرين الفقراء الذين لم يألفوا المدينة ولا أمكنتها فتوهم أن ذلك يكون عذرًا له في التخلّف عن الجماعة، فلما استقر قراره وألِف أمكنتها صار متصرفا بنفسه ومؤذنَا لا يحتاج إلى قائد ولا غيره. وأمّا ترخيصه لعتبان فظاهره أنّه بعد هذا وأنّ له أعذارا منها السمن المفرط والسيل والريح الذي ابن أم مكتوم غير ملتبس بها، والله تعالى أعلم. وفي المشكل للطحاوي: اختلف أهل العلم ؛ فقالت طائفة منهم بوجوب حضور الجماعة على الضرير كوجوبها على الصحيح، وجعلوه كمن لا يعرف الطريق فلم يعذر بجهله، وعذره آخرون، وقد روي القولان جميعَا، عن أبي حنيفة ؛ غير أنّ الصحيح عندنا عنه هو وجوب حضورها عليه وإلى ذلك كان يذهب محمد، ولا يحكي فيه خلافَا بينه وبين أحد من أصحابه.

362

26 - حدثنا عبد الحميد بن بيان الواسطي، ثنا هشيم، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر . هذا حديث خرجه البستي في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، ثنا زكريا بن يحيى وعبد الحميد بن بيان السكري بلفظ: من سمع النداء فلم يجب . وخرجه أبو داود من حديث أبي جناب، عن مغراء عن عدي بلفظ: قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل له الصلاة التي صلى . ورواه في الأوسط ثم قال: لم يروه، عن مغراء إلا أبو جناب، ولا عن أبي جناب إلّا جرير. تفرد به أبو معمر، وفيه نظر لما نذكره بعد. ورواه أبو عبد الله من حديث عبد الرحمن بن غزوان وهشيم عن شعبة ثم قال: هذا حديث قد أوقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقراد أبو نوح ثقتان ، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما، وله غير شاهد فذكر حديث سعيد بن عامر وأبي سليمان داود بن الحكم، عن شعبة مرفوعًا، قال: ولشعبة متابعان مغراء العبدي عن عدي بلفظ: قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض . وأبو جناب من حديث سليمان بن قرم بلفظ: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سمع النداء ينادى صحيحًا فلم يأته من غير عذر لم يقبل الله صلاة غيرها. قيل: وما العذر؟ قال: المرض والخوف . وفي كتاب العلل للخلال : ثنا محمد بن الحسين، ثنا الفضل قال: قلت لأحمد: شعبة عن عدي فذكره، قال: أخطأ فيه هشيم مرّة رفعه وهذا موقوف. قلت: كيف؟ قال: غْندر وغيره لا يرفعه. وقال أبو الحسن الدارقطني : تابع هشيما على رفعه قراد، ورواه جرير عن أبي جناب رفعه، ووقفه يوسف القطّان عن جرير. ورواه ابن قرم، عن أبي جناب عن مغراء عن عدي مرفوعا. وقال أبو أحمد: ورواه جرير. وتفرد به عن أبي جناب، عن مغراء. وقال ابن قرم عن أبي جناب، عن عدي وكأنه اختلط على الناسخ لا على أبي أحمد. وقال الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود: هذا يرويه مغراء العبدي، وقد روى عنه أبو إسحاق، والصحيح: موقوف على ابن عباس، وتتبع ابن القطان عليه أمرين: الأول: إعلاله إيّاه بمغراء أبي المخارق ، قال: وليس بصواب ؛ لأنه روى عنه جماعة ، وذكر أبو العرب عن الكوفي وليس في كتابه أنه لا بأس به . الثاني: قوله: على أنّ قاسما ذكره في كتابه عن إسماعيل: ثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عن ابن عباس، قال عليه السلام: من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة إّلا من عذر . قال أبو محمد : وحسبك بهذا الإسناد صحة، قال أبو الحسن: ليس في كتاب قاسم: إلّا من عذر في الحديث المرفوع، إنّما هو في الموقوف، فلم يتثبت أبو محمد، فأورده هكذا، وإنّما نقله من كتابه بواسطة ابن حزم أو غيره، وهذا مما نقله من عند ابن حزم، وهو جاء به مفسرا بزيادة: إلّا من عذر في المرفوع ؛ فتبين لك أنّ الصواب فيه بإيراد الواقع في كتاب قاسم بنصّه، قال قاسم: ومن كتابه نقلت: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا حفص بن عمر، وسليمان بن حرب، وعمرو بن مرزوق، عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر . قال إسماعيل: وبهذا الإسناد روى الناس عن شعبة، وثنا به أيضا عن شعبة بإسناد آخر، ثنا سليمان، ثنا شعبة، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له . ثنا بهذا سليمان مرفوعا، وثنا بالأول موقوفًا على ابن عباس، هذا نص ما عنده، فالمرفوع عنده إنما هو من رواية شعبة عن حبيب لا عن عدي، وليس فيه زيادة: إلا من عذر وإنما تكون هذه الزيادة في حديث عدي إلّا أنها عند قاسم موقوفة، فحمل المرفوع على الموقوف في أن هذه الزيادة فيه، ونسبته ذلك إلى قاسم خطأ، نعم هي في الحديث المرفوع من رواية عدي، لكن عند غير قاسم، رواه هشيم، عن شعبة عند بقي بن مخلد وأبي القاسم ابن بنت منيع، وابن المنذر، والدارقطني. انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث قال: إن أبا محمد أعلّه بمغراء، وأبو محمد لم يعله به؛ إنما قال: ما أسلفناه عنه، وذلك لا يقتضي إعلالًا؛ بل ترجيحا لكونه ذكر له روايتين مخرجين له عن الجهالة، ولم يسبق له فيه كلام، أحال عليه.

363

باب التغليظ في التخلّف عن الجماعة 24 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار . هذا حديث خرجاه في الصحيح. زاد البخاري: والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء . وفي لفظ: إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا . وفي لفظ للإمام أحمد بن حنبل: لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار . وعند أبي داود: ثم آتي قوما ما يصلون في بيوتهم ليست بهم علّة فأحرقها عليهم . قال يزيد بن جابر: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنى أو غيرها؟ فقال: صمتا أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره ما ذكر جمعة ولا غيرها. وفي مسند السراج: آمر فتيتي إذا سمعوا الإقامة، من تخلف أن يحرقوا عليهم إنكم لو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا . وفي لفظ: أخّر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة العشاء حتى تهور الليل، وذهب ثلثه - أو نحوه - ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس عزون، وإذا هم قليل، فغضب غضبا شديدًا لا أعلم أنِّي رأيته غضب غضبا أشدّ منه، ثم قال: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أتتبع هذه الدور التي تخلَّف أهلوها عن هذه الصلاة؛ فأضرمها عليهم بالنيران . ولفظ الطوسي : ثم آتي قوما يتخلفون عن هذه الصلاة، فأحرق عليهم، يعني صلاة العشاء وصححه . وفي كتاب ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان عنه: لينتهين رجال من حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقنَّ بيوتهم . وفي كتاب ابن زنجويه: آمر رجالا في أيديهم حزم حطب لا يؤتى رجل في بيته سمع الإقامة، لم يشهد الصلاة، إلَّا أضرم عليه بيته . وفي كتاب أبي القاسم الأَوسط: آمر رجالا إذا أقيمت الصلاة أن يتخلَّفوا دور من لا يشهد الصلاة، فيضرموا عليهم بيوتهم . قال: ولو أنَّ رجلًا آذن النَّاس إلى طعام لأتوه، والصلاة ينادى بها فلا يأتوها . وقال: لم يروه، عن الأعمش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح إلا سليمان بن أبي داود. تفرد به محمد بن سليمان بن أبي داود. ورواه من حديث عاصم، عن أبي رزين، عن أبي هريرة وقال: لم يروه، عن عاصم، عن أبي رزين إلا عمرو بن قيس. تفرد به الحكم بن بشير ورواه الناس عن عاصم، عن أبي صالح، وروي عن عاصم، عن زر عن عبد الله. وفي الصغير : ثم أنظر فمن لم يشهد المسجد فأحرق عليه بيته . وأشار إلى أن علي بن بكار تفرد به، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سعيد بن أشوع، عن ابن أبي ليلى عنه، وثنا زياد بن أيوب، ثنا محمد بن عبيد ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد شك محمد الحديث. وفي كتاب الترغيب لأبي موسى المديني: تهور الليل، فذهب ثلثه - أو قرابه - ثم قال: لو أن رجلًا نادى الناس إلى عرق، أو مرماتين أتوه لذلك، وهم يتخلفون، عن هذه الصلاة الحديث. وفي مسنده: لو كان عرقًا سمينًا، أو معرقين لشهدوها . وفي مصنف عبد الرزاق بسند صحيح: أنبأنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد الأصم، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد هممت أن آمر فتياني أن يجمعوا لي حزمًا من حطب؛ ثم أنطلق فأحرق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة . ولما رواه البيهقي في الكبير، عن أبي محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري: أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار أنبأنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق قال: كذا قال: الجمعة. وكذلك روي عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، والذي تدلّ عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة. انتهى كلامه. ويزيده وضوحًا ما ذكره أبو القاسم في معجمه الأوسط: ثنا أحمد بن محمد بن صدقة، ثنا مقدم بن محمد، ثنا عمي القاسم، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود يرفعه: لقد هممت أن آمر بلالًا فيقيم الصلاة، ثم أنصرف إلى قوم سمعوا النداء فلم يجيبوا، فأحرق عليهم بيوتهم . وقال: لم يروه عن أبي حمزة إلا القاسم. تفرد به مقدم . وفي كتاب السراج: ما يرده وهو ما رواه، عن أبي يحيى وغيره، عن الأشيب، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لقوم يتخلفون، عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلَّفون، عن الجمعة بيوتهم ولما رواه الحاكم في مستدركه من حديث عمرو بن خالد الحراني: ثنا زهير عن أبي إسحاق به، قال: هكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن زهير، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا، إنما خرجاه بذكر العتمة، وسائر الصلوات .

364

25 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن عاصم عن رزين، عن ابن أم مكتوم، قال: قلت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنّي كبير ضرير شاسع الدار، وليس لي قائد يلاومني، فهل تجد لي من رخصة أن أصلِّي في بيتي؟ قال: تسمع النداء؟ قلت: نعم. قال: ما أجد لك رخصة . هذا حديث إسناده صحيح على رسم مسلم. وخرجه أبو عبد الله شاهدًا، ولم يحكم عليه بشيء، لحديث سفيان عن عبد الرحمن بن عابس، عن ابن أم مكتوم قال: قلت: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، قال: تسمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم. قال: فحي هلا . وقال: هذا حديث صحيح الإسناد إن كان ابن عابس سمع من ابن أم مكتوم، وله شاهد بإسناد صحيح، فذكر حديث أبي جعفر الرازي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شدّاد عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: لقد هممت أن آتي هؤلاء الذين يتخلفون، عن هذه الصلاة فأحرق عليهم . قال: فقلت: يا رسول الله، لقد علمت ما بي الحديث . وخرجه البيهقي في الكبير من حديث سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن عاصم عن أبي رزين أن ابن أم مكتوم سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: ورواه أبو سنان، عن عمرو بن مرّة، عن أبي رزين، عن أبي هريرة. وفي كتاب المغازي من حديث سعيد بن سليمان: ثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرّة عن أبي رزين، عن ابن أم مكتوم فذكره. ولفظ الإمام أحمد في مسنده عنه: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى المسجد، فوجد في القوم رقّة فقال: إنِّي لأهم أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان تخلّف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه . فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إنّ بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: أتسمع الإِقامة؟ قال: نعم. قال: فأتها . وعاب ابن القطان سكوت أبي محمد عنه، إذ أورده من حديث أبي رزين وابن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم، قال: وكلتا الروايتين مشكوك في اتصالهما؛ وأبو رزين أعلى ما له الرواية عن علي، ويقال: إنّه حضر صفين، وابن أم مكتوم قتل بالقادسية أيّام عمر، وانقطاع ما بينهما إن لم يكن معلومًا، لأنا لا نعرف سنه، فإن اتصال ما بينهما ليس معلومًا أيضًا، فهو مشكوك فيه، وأمّا ابن أبي ليلى فمولده لست بقين من خلافة عمر، فسنه لا يقتضي السماع. انتهى كلامه وفيه نظر في مواضع: الأول: قوله: أمّا سنه فإنّا لا نعرفه فليس بشيء، لأنّ ابن حبان وغيره نصوا على أنّه كان أكبر من أبي وائل شقيق، وشقيق ممن قيل: إنه أدرك النبي عَلَيْهِ السَلام فعلى هذا لا تنكر روايته ، عن ابن أم مكتوم . الثاني: قوله: وأعلى ما له الرواية عن علي مردود بقول ابن سعد: روى عن ابن مسعود. الثالث: قوله: إن ابن أم مكتوم قتل بالقادسية مردود بقول ابن حبان وغيره: شهد القادسية، ثم رجع إلى المدينة، فمات بها في خلافة عمر. ولفظ ابن سعد: شهد القادسية ثم رجع إلى المدينة ولم يسمع له بذكر بعد عمر. الرابع: قوله: إن سنّ ابن أبي ليلى لا يقتضي له السماع من عمر مردود بقول أبي حاتم الرازي ، وسأله ابنه : هل سمع من بلال؟ فقال: بلال خرج إلى الشَّام قديمًا في خلافة عمر، فإن كان رآه صغيرا. فهذا أبو حاتم لم ينكر سماعه من بلال المتوفى سنة عشرين، ويقال: سبع عشرة أو ثمان عشرة، ويقال: سنة إحدى وعشرين، بل جوَّزه . وفي كتاب البيهقي من حديث أبي شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن ابن أم مكتوم قلت: يا رسول اللّه إن لي قائدًا لا يلاومني في هاتين الصلاتين. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو يعلم القاعدون عنهما ما فيهما، لأتوهما ولو حبوا . ولفظ أبي القاسم في الأوسط، عن ماهان، عن البراء بن عازب أن ابن أم مكتوم أتى النبي - عليه السلام - فشكى إليه وسأله أن يرخص له في صلاة العشاء والفجر، وقال: إن بيني وبينك أشيب، فقال عليه السلام: هل تسمع الأذان؟ قال: نعم - مرة أو مرتين - فلم يرخص له في ذلك . وقال: لم يروه عن ماهان - وهو أبو صالح - إلا زهير بن الأقمر الذي روى عنه عمرو بن مرة، ولا رواه عن زهير إلا عذرة بن الحارث، تفرد به العوام بن حوشب. وفيه أيضا من حديث عدي بن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: جاء رجل ضرير إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أسمع النداء، فلعلي لا أجد قائدا، ويشق علي، أفأتخذ مسجدا في بيتي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أيبلغك النداء ؟ قال: نعم. قال: فإذا سمعت، فأجب . وقال: لم يروه عن عدي إلا زيد بن أبي أنيسة. وقال الرازي : هذا حديث منكر، وقال - البيهقي: خالفه أبو عبد الرحمن فرواه عن ابن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن مغفل . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال فأجب . وخرجه السراج في مسنده من حديث زيد بن أبي أنيسة عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال ابن أم مكتوم الأعمى للنبي، فقال: الحديث.

365

باب صلاة العشاء والفجر في جماعة 29 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الأوزاعي، ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عيسى بن طلحة حدثتني عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو يعلم الناس ما في صلاة العشاء، وصلاة الفجر، لأتوهما ولو حبواً . هذا حديث إسناده صحيح على شرط الشيخين، وإن كان ابن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو يعلم المتخلفون الحديث. قال أبي : رواه أبان وشيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى، عن عائشة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال أبو زرعة : أشبه عندي عن يحنس، وأخاف أنّ عيسى إنما صحّف فيه وأراد يحنس، قلت لأبي زرعة: إنّ مسلم بن إبراهيم روى عن أبان، عن يحيى، عن محمد، عن عيسى. قال: أخاف أن يكون غلط مسلم، ثنا أبو سلمة عن أبان، عن يحيى، عن محمد، عن يحنس، وهذا أصح من حديث مسلم. انتهى. إذا سلم له بقوله فغير ضار؛ لأنّ يحنس بن أبي موسى المدني الداخل بينهما يخرج مسلم حديثه في صحيحه فلا ضرر في دخوله وإبداله بعيسى لكونهما ثقتين، فأيا ما كان صحّ بها الحديث ، لكنّه يتعرضه علّة أخرى ؛ وهي ما ذكره أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن الأوزاعي، قال: رفع إلى يحيى بن أبي كثير صحيفة وقال: اروها عني، فينظر

366

30 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما.

367

31 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة، لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء، كتب الله له عتقًا من النّار . هذا حديث في سنده ضعف؛ لمكان ابن عياش؛ ولأن شيخه هنا ليس شاميا، ومن طريقه رواه سعيد بن منصور في سننه . قال الضياء: غير أنّ النسخة التي عندنا: الظهر. وفي كتاب العلل لأبي الحسن: من صلى في مسجدي جماعة أربعين يومًا لا تفوته الركعة الأولى من صلاة الصبح . قال أبو الحسن: وعمارة لا نعلم له سماعًا من أنس، وتابع ابن عياش محمد بن إسحاق. ورواه يحيى بن أيوب، عن عمارة، عن رجل، عن أنس. وفي الأوسط من حديث الحكم بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن نبيط بن عمر، عن أنس بلفظ: من صلى في مسجدي أربعين يوما لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار ونجاة من العذاب . وقال: لم يروه، عن أنس إلا نبيط. تفرد به ابن أبي الرجال. انتهى كلامه. وفيه نظر إن أراد أصل الحديث؛ لما ذكرناه ولما يأتي بعد، وإن أراد اللفظ فغريب . وفي كتاب المروذي : ألقيت على أبي عبد الله : يعلى عن سفيان، عن عاصم، عن أنس مرفوعا: من صلى أربعين صلاة مكتوبة يدرك التكبيرة الأولى مع الإمام كتب له براءة من الشرك وبراءة من النار فأنكره، وقال: هذا من قبل يعلى، ما أكثر ما كان يغلط على سفيان ، ولما ذكره الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن مهدي النقاش في كتاب المرفوعات من حديث إسحاق بن يزيد القرشي، عن سفيان، عن خالد بن عمير، عن أنس بلفظ: من لم تفته الركعة الأولى من صلاة الغداة أربعين ليلة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة . قال: إسحاق بن يزيد مجهول لا أدري أهو رفعه أم غيره . وزعم الدارقطني أن أبا العلاء خالد بن طهمان الكوفي رواه، عن حبيب بن أبي عميرة الإسكاف، عن أنس، واختلف، عن أبي العلاء؛ فقيل: عنه عن حبيب بن أبي ثابت، ومن قال ذلك عنه فقد وهم. كذا قاله قيس بن الربيع وعطاء بن مسلم وهما في نسب حبيب . وفي سؤالات عبد الله: سألت أبي، عن حديث حدّثناه خلف بن هشام البزار، ثنا عبيس بن ميمون، عن عون بن أبي شدّاد، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: سمعت النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - يقول: من غدا إلى صلاة الصبح أعطي ربع الإيمان الحديث، فقال: هذا حديث منكر . وفي كتاب ابن زنجويه: ثنا الخضر بن محمد حدثني هشيم أنبأنا أبو بشر حدثني أبو عمير بن أنس قال: حدثتني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلّم - أن رسول الله صلى اللَه عليه وسلم - كان يقول: ما شاهدهما منافق يعني: العشاء والفجر. وفي صحيح مسلم عن جندب يرفعه: من صلى الصبح فهو في ذمة اللَّه، فانظر يا ابن آدم لا يطالبنك اللَّه من ذمته بشيء. وفي كتاب السنن للبيهقي، عن عبد الرحمن بن حرملة أن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - قال: بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح، لا يستطيعونهما وعن ابن عمر قال: كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء والفجر أسأنا به الظن وعن عائشة قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لو يعلم الناس ما في شهود العتمة ليلة الأربعاء لأتوها ولو حبوا . رواه في الأوسط، وقال: لم يروه، عن هشام إلا زكريا بن منظور. تفرد به عتيق بن يعقوب الزبيري، وعن أبي الدرداء مرفوعًا: من استطاع منكم أن يشهد الصلاتين: العشاء والصبح ولو حبوا فليفعل . رواه أبو القاسم في الكبير من حديث رجل من النخع عنه.

368

34 - حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا النضر بن شميل، ثنا حماد، عن ثابت، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم - المغرب فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - مسرعا، قد حفزه النفس، قد حسر عن ركبتيه فقال: أبشروا، هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء، ويباهي بكم الملائكة يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى . هذا حديث إسناده صحيح على رسم الجماعة .

369

35 - حدثنا أبو كريب، ثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلّم - قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ الآية . هذا حديث ضعيف الإسناد براويه رشدين المذكور قبل، وبه رده أبو أحمد بن عدي لما ذكره في كامله . ورواه البغوي في مسنده بسند ضعيف أخرج به رشدين بن سعد منه، وخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده، عن أبي خيثمة، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن مطرف بن عبد الله أن نوفا وعبد الله بن عمرو اجتمعا، فقال نوف: أجد في التوراة: لو أن السماوات والأرض وما فيهن وضعن في كفة الميزان ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن، ولو أن السماوات والأرضين السبع وما فيهن كن في طبق من حديد، وقال عبد: لا إله إلا الله كن فيهن حتى يصير إلى اللَّه تعالى فقال ابن عمرو: أنا أحدّثك، عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلينا معه ذات ليلة المغرب، فرجع من رجع وعقب من عقب، فجاء قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء الآخرة، وقد حفزه النفس، وقد عقد تسعَا وعشرين وأشار بإصبعه السبابة إلى السماء وهو يقول: أبشروا يا معشر المسلمين، هذا ربكم فتح بابا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء الحديث. ولفظ الطبراني في الأوسط وخرجه من حديث ابن لهيعة، عن دراج، قال عليه السلام: من ألف المسجد ألفه اللَّه تعالى . وقال: لم يروه عن دراج إلّا ابن لهيعة، تفرد به عمرو بن خالد الحراني، وخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود، عن محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ابن لهيعة عن دراج به. ورواه الترمذي، عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، وقال: حديث حسن غريب. كذا قاله، والمعهود منه تصحيح هذا الإسناد؛ فإنّه لما ذكر حديث: وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ من حديث سويد عن ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن دراج، عن أبي الهيثم قال: حسن صحيح غريب . وممن يصحح هذا السند: ابن معين وابن خزيمة، وأمّا ابن حبان فإنه خرجه في صحيحه، عن عبد الله بن محمد بن سلم، ثنا حرملة بن يحيى، عن ابن وهب. وخرجه الحاكم في مستدركه، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر قرئ على ابن وهب أخبرك عمرو به، وقال: هذه ترجمة المصريين، لم يختلفوا في صحتها، وصدقوا في روايتها؛ غير أن شيخي الصحيح لم يخرّجاه، وقد سقت القول في صحته فيما بعد، ولفظ الإمام أحمد، وخرجه عن سريج أنبأنا ابن وهب، عن عمرو: فاشهدوا عليه بالإيمان . وفي الباب حديث أنس من عند البخاري: أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجهه بعد ما صلى فقال: لم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها . وفي لفظ عند البيهقي من حديث صالح المري، عن ثابت، عن أنس مرفوعَا: إنّ عمار بيوت اللَّه هم أهل اللَّه عز وجل . وحديث طارق بن شهاب يرفعه: وأما الكفارات: فإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلوات . رواه في الأوسط، وقال: لم يروه، عن أبي سعد البقال - يعني، عن قيس بن مسلم - عنه إلّا القاسم بن مالك المزني. تفرد به فروة بن أبي المغراء . وحديث أبي موسى مرفوعا من عند مسلم: والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام . وحديث علي بن أبي طالب قال صلّى اللَّه عليه وسلّم: إسباغ الوضوء على المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلا . رواه ابن زنجويه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبي العباس، عن ابن المسيب عنه. وقال الدارقطني : ورواه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل ، عن ابن المسيب، فأسنده عن أبي سعيد الخدري، وكلاهما ضعيفان . وقال البزار: هكذا رواه صفوان، عن الحارث، عن سعيد وحديث عبد اللَّه بن حبيب: حدّثني من سمع النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه . رواه ابن زنجويه بسند صحيح من حديث ابن السائب عنه . وحديث عبد الله بن عمر مرفوعا من جملة حديث طويل: فأمّا الكفّارات فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجمعات . قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن سعيد بن جبير إلّا عطاء بن دينار، ولا عن عطاء إلّا ابن لهيعة. تفرد به الوليد بن عبد الواحد التميمي، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد . وحديث المنكدر قال: أَخر النبي - صلّى الله عليه وسلّم - صلاة العشاء الآخرة هنيهة ثم خرج علينا فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: الصلاة، قال: أما إنكم لن تزالوا فيها ما انتظرتموها . رواه أبو القاسم في الصغير من حديث القاسم بن الحكم العرني، عن عبد الله بن عمرو بن مرّة، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر عنه، وقال: لم يروه عن ابن سوقة إلا عبد الله بن عمرو، تفرد به القاسم بن الحكم . وحديث خولة ابنة قهد زوج حمزة بن عبد المطلب، قال عليه السلام: ألا أنبئكم بكفارات الخطايا؟ فقلت: بلى، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . ذكره ابن المديني في كتاب الصحابة من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن الضحاك بن عبد الله القرشي، عن محمود بن لبيد عنها. وفي كتاب الجامع لمعمر عن عطاء الخراساني رفع الحديث: إن للمساجد أوتادا، جلساؤهم الملائكة يتفقدونهم فإن كانوا في حاجة أعانوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن غابوا افتقدوهم، وإن حضروا قالوا: اذكروا ذكركم الله تعالى . وحديث عقبة بن عامر الجهني قال صلى الله عليه وسلم: القاعد في المسجد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه . رواه البستي في صحيحه عن عبد الله بن سلم، ثنا حرملة. وفي لفظ: إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات . وقال الطبراني في الأوسط: لا يروى عن عقبة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن الحارث ؛ رواه عن زغبة، ثنا ابن أبي مريم أنبأنا يحيى بن أيوب عنه، وفيه نظر لما أسلفناه، ولما في كتاب الثواب لآدم، ثنا عياش، ثنا ابن وهب به . وحديث ابن مسعود يرفعه: من أتى المسجد ينتظر الصلاة، فهو في صلاة ما لم يحدث . خرجه أبو نعيم الحافظ في كتاب المساجد من حديث أبي إسحاق عن عمرو بن عبد الله الحضرمي عنه. وقال أبو حاتم في العلل: الصحيح عندي، عن عمرو قوله: وعجب ممن أدخل فيه عبد الله . وحديث سهل بن سعد يرفعه: من كان في مسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة . رواه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في مسنده، عن قتيبة، وابن حبان عن ابن الجنيد عن قتيبة عنه، حدثنا بكر بن مضر، عن عياش بن عقبة أن يحيى بن ميمون حدّثه عنه، وحديث عبد الله بن سلام يرفعه: من جلس مجلسا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة حتى يصلي . رواه مسلم. وحديث عثمان بن مظعون قال: سألت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - فقلت: إنّي أردت أن أترهب، قال: لا تفعل فإن ترهب أمتي القعود في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . ذكره أبو سعيد النقاش في كتابه وقال: لا أعرف في إسناده واحدا منهم، وحديث أبي سعيد مرفوعا: ألا أدلكم على شيء يكفر الخطايا، ويزيد في الحسنات: إسباغ الوضوء على المكاره الحديث. قال عبد الله ، عن أبيه في كتاب العلل: هذا باطل، يعني من حديث عبد اللَّه بن أبي بكر، عن ابن المسيب عنه، إنما هو من حديث ابن عقيل، وأنكره أيضا أشد الإنكار، وقال: ليس بشيء - يعني ابن عقيل . قال ابن سيده: البش: اللطف في المسألة والإقبال على الرجل، وقيل: هو أن يضحك إليه ويلقاه لقاء جميلا، والمعنيان مقتربان، رجل بش وباش، وقد بششت به وبشاشة قال: لا يعدم السائل منه وقرا وقلبه بشاشة وبشرا وروي بيت ذي الرمة: ألم تعلمي أَنا نبش إذا دنت بأهلك منا طِيّه وحلول بكسر الباء فأمّا أن يكون بششت مقولة، وإمّا أن يكون مما جاء على فعل يفعل، والبشيش كالبشاشة، قال رؤبة: وأرى الزناد مسفر البشبش وتبشش به وتبشبش مفكوك من تبشش. وقال أبو نصر: البشاشة: طلاقة الوجه. وقال يعقوب: لقيته فتبشبش بي وأصلها تبشش فأبدلوا من الشين الوسطى ياء، كما قالوا: تجفف، وقال الفراء: بش الرجل بصاحبه بشا وبشاشة: إذا ضحك إليه واستبشر به ولقيه بأحسن أخلاقه، وبشّ الرجل يبش: إذا برق، والبشاشة: النضرة. ومنه قول الشاعر: ذهبت بشاشته وأصبح واضحا حرق المفارق كالبراء الأعفر وقال آخر: ورأت بأنّ الشيب جانبه البشاشة والبشارة وقال ابن طريف، وابن نفطويه: بششت بالشيء: أقبلت عليه وضحكت إليه، وكل هذا متعذّر في حقّ الباري - عز وجل - وقد أحسن الهروي إذ قال: هذا مثل ضربه الله لتلقيه إياه ببره وإكرامه وتقريبه، وقال ابن الأعرابي: البش: فرح الصديق بالصديق، وقال ابن الأنباري: التبشبش من الله: الرضا، يقال: تبشبش فلان بفلان: إذا وانسه. وقال ابن بطال: معنى قوله: ما لم يحدث دليل على أنّ الحدث في المسجد خطيئة يحرم به استغفار الملائكة ودعاؤهم له، قيل: ومن أراد أن يحط الله عنه ذنوبه فليلازم مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من استغفارهم له. وشبه عليه السلام المنتظر للصلاة بالزائر، وقد فسّر أبو هريرة الحدث بأنه فساء أو ضراط. وذكر ابن حبيب النخعي، عن عبد الله بن أبي أوفى أنّه قال: هو حدث الإثم، وكان أبو الدرداء وعلي بن أبي طالب والنخعي وعطاء وسعيد بن جبير: يجوزون للمحدث الجلوس في المسجد، وكرهه الحسن وابن المسيب. وقال الداودي: من رواه بالتخفيف دل على جواز الحدث في المسجد، ومن رواه بالتشديد أراد الحدث بغير ذكر اللَّه تعالى. قال ابن التين: لم يذكر أحد التشديد وقد جاء حديث صححه الحاكم وظاهره يعارض الإيطان، وهو نهيه - عليه السلام - عن إيطان المساجد كما يوطنه البعير، وليس كذلك؛ لأنه محمول على تحجير مكان في المسجد من أن يصلي فيه غيره كما يفعله كثير ممن يدّعي الرئاسة، وأمَّا من صلى في المسجد دائبا أي فرجة أو مكان صلى فيه، فذاك هو المتبشبش به، والله تعالى أعلم .

370

33 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شبابة ثنا ابن أبي ذئب عن المقبري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش اللَّه إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم . هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه، عن عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عثمان بن عمر، ثنا ابن أبي ذئب وقال يريد: نظر اللَّه إليه بالرأفة والمحبة لذلك الفعل . وصححه أيضًا أبو محمد الإشبيلي، وخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، عن ابن أبي ذئب بلفظ: لا يوطن عبد المسجد للصلاة والذكر إلا تبشبش اللَّه به إذا خرج من أهله . ولفظ أبي بكر بن أبي شيبة في مسنده: ما يوطي رجل بالياء كذا رأيته في غير ما نسخة. ورواه الحاكم في مستدركه، عن عبدان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن ابن يسار وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد خالف الليث بن سعد ابنَ أبي ذئب؛ فرواه عن المقبري، عن أبي عبيدة عن سعيد بن يسار بلفظ: لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله إليه الحديث.

371

باب لزوم الجماعة وانتظار الصلاة 32 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم إذا دخل المسجد، كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه . هذا حديث اتفقا على تخريجه. وفي لفظ لمسلم: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط . وفي لفظ: لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، حتى ينصرف أو يحدث . وفي لفظ: أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة ما لم يحدث . وفي لفظ للسراج: ما لم يحدث أو يخرج من المسجد .وفي لفظ: من انتظر صلاة فهو في صلاة حتى يصليها .

372

46 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو همام الدلال ، ثنا سعيد بن السائب ، عن محمد بن عبد الله بن عياض ، عن عثمان بن أبي العاص : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم . هذا حديث إسناده صحيح ؛ لتوثيق البستي محمد بن عياض ، وباقي من في الإسناد لا يسأل عن حاله، ولفظ أبي داود : طواغيتهم .

373

47 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمرو بن عثمان ، ثنا موسى بن أعين ، ثنا محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر : وسئل ، عن الحيطان تلقى فيها العذرات ؟ فقال : إذا سقيت مرارا فصلوا فيها يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم هذا حديث إسناده صحيح ، عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي ، مذكور في ثقات ابن حبان ، ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح . وفي الباب : حديث طلق بن علي قال : خرجنا وفدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه ، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا ، فاستوهبناه من فضل طهوره ، فدعا بماء فتوضأ ، وتمضمض ، ثم صبه في إداوة ، وأمرنا إذا أتيتم أرضكم ، فاكسروا بيعتكم ، وانضحوا مكانها بهذا الماء ، واتخذوه مسجدا ، رواه النسائي من حديث ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق عنه ، وسكت عنه عبد الحق لما ذكره ، وحديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان يصلي في الموضع الذي يبول فيه الحسن ، والحسين ، ويقول : إن العبد إذا سجد سجدة ، طهر الله موضع سجوده ، رواه أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن هشام إلا بزيع أبو الخليل يعني المتكلم فيه بكلام فيه إقذاع . قوله : ثامنوني أي : قدروا ثمنه لأشتريه منكم فأبوا ، وفي كتاب ابن سعد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتراه منهما بعشرة دنانير ، دفعها عنه أبو بكر - رضي الله عنه - فيحتمل على تقدير الصحة أنه أعطاهما ذلك ثواب هبتهما إياه ، فاعتقد رائي ذلك أنه ثمنه ، وهذا هو الأليق بحاله - صلى الله عليه وسلم - ويبينه ما تقدم من قول ابن شهاب ، وأما ارتجازه - صلى الله عليه وسلم - فذكر ابن التين : أن الرجز مختلف فيه هل هو شعر أم لا ؟ ، قال : وقالوا : إنما هو كالكلام المسجع ، وهى دائرة المشتبه سمي بذلك ؛ لأنه يقع فيه ما يكون على ثلاثة أجزاء مأخوذ من البعير إذا شدت إحدى يديه فبقي على ثلاث قوائم ، ويقال : بل هو مأخوذ من قولهم : ناقة رجزاء : إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها ، أو داء . وفي الروض : يحتمل أن يكون من رجزت الحمل إذا عدلته . قال ابن حبان : وهو شيء يعدل رجز حمل ، وفي المحكم : الرجز اضطراب رجل البعير ، إذا أراد القيام ساعة ثم ينبسط . وقال أبو إسحاق : سمي بذلك ؛ لأنه تتوالى في أوله حركة ، وسكون ، وقيل : لاضطراب أجزائه ، وتقاربها ، وقيل : هو صدور بلا أعجاز ، فلما كان هذا الوزن فيه اضطراب سمي رجزا ، تشبيها بذلك . وفي الحديث : لما اجتمعت قريش في أمره - عليه السلام - وقالوا : نقول هو شاعر ، فقال بعضهم : قد عرفنا الشعر كله : مقبوضه ، ومبسوطه ، ورجزه ؛ فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر ، وقد تقدم أيضا قول الزهري في ذلك ، ولعل الملجئ له إلى ذلك ؛ هروبه من إنشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا منه ، قال : فلو كان شعرا لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم قال تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ، وما علم أن من أنشد القليل من الشعر متمثلا على جهة الندور لم يستحق اسم شاعر ، ولا يقال فيه : إنه تعلم الشعر ، ولا ينسب إليه ، ولو كان كذلك للزم أن يقال : كل الناس شعراء ؛ لأن كل فرد لا بد أن يتمثل بشعر ، أو يتكلم به من غير قصد إذ الشعر لا يكون إلا عن قصد ، والذي قاله الخليل هو الكلام الصحيح ؛ لأن المنهوك عنده ليس بشعر ، وهو الذي جرى على لسانه - عليه السلام وأما الطاغية ؛ فذكر أبو موسى المديني أنه ليس من الطواغيت يشبه أن يريد به من من طغى في الكفر ، وجاوز القدر في الشر أي عظماءهم ، ويجوز أن يريد به الأديان ، وأما من رواه الطواغيت فزعم ابن سيده أن الطاغوت : ما عبد من دون الله تعالى . وقيل : هي الأصنام . وقيل : الشيطان . وقيل : الكهنة . وقيل : مردة أهل الكتاب . وقوله تعالى : يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ قال أبو إسحاق : قيل هاهنا حيي بن أخطب ، وكعب بن الأشرف . وقوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يعني : إلى الكاهن ، أو الشيطان ، وهو يقع على الواحد ، والجميع ، والمذكر والمؤنث ، ووزنه : فعلوت ؛ لأنه من طغوت ، وإنما أجريت في التقدير على طيغوت ؛ لأن قلب الواو عن موضعها أكثر من قلب الياء في كلامهم ، نحو شجر شاك ، ولاث ، وهار، وقد يكسر على طواغيت ، وطواغ ، الأخير عن اللحياني ، وفي الجامع : العرب تسمي الكاهن ، والكاهنة : طاغوتا . وفي كتاب أبي موسى المديني : هو ما زين لهم الشيطان أن يعبدوه . وفي الصحاح : هو كل رأس في الضلال ، ومعنى قوله : سقيت : أي صب عليها الماء مرة بعد أخرى ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : صبوا عليه سجلا من ماء - والله أعلم

374

13 - باب أين يجوز بناء المساجد؟ 45 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي التياح الضبعي ، عن أنس بن مالك قال : كان موضع مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني النجار ، وكان فيه نخل ، ومقابر للمشركين ، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : ثامنوني به قالوا : لا نأخذ به ثمنا أبدا ، قال : فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبنيه ، وهم يناولونه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ألا إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة قال : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل أن يبنى المسجد حيث أدركته الصلاة . هذا حديث خرجاه في الصحيح من حديث أبي التياح مطولا : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، ونزل أعلاها في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام - عليه السلام - فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار ، فجاءوا متقلدين السيوف ، فكأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته ، وأبو بكر ردفه ، وملأ بني النجار حوله ، حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يصلي في مرابض الغنم ، وفيه فأمر بقبور المشركين ، فنشبت ثم بالخرب فسويت ، وبالنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد ، وجعلوا عضادتيه الحجارة ، وفيه : لا خير إلا خير الآخرة ، وأما قول خلف : رواه مسلم أيضا في الهجرة ، عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الصمد ، عن أبيه ، عن أبي التياح ، فيشبه أن يكون وهما ، وذلك أن مسلما ليس عنده كتاب هجرة ، وكتاب الهجرة إنما هو عند البخاري ، وكذا ذكره الطرقي ، وابن أبي أحد عشر في جمعه . ورواه الحاكم في دلائل النبوة من حديث موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد بن سلمة ، عن أبي التياح بزيادة : وكان المهاجرون ، والأنصار ينقلون اللبن ، أو التراب لبناء المسجد ، وهم يقولون : بحق الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا . فأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إن الخير خير الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة . وفي حديثه شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ينقل التراب معنا ، وقد وارى الغبار بياض إبطيه وهو يقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا فأنزلنْ سكينة علينا إن الألى لقد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا ومد بها صوته - صلى الله عليه وسلم وفي حديث حشرج بن نباتة ، عن سعيد بن جمهان ، عن سفينة قال : لما بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد جاء أبو بكر بحجر فوضعه ، ثم جاء عمر بحجر فوضعه ، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه ، فقال : هؤلاء ولاة الأمر من بعدي . وفي كتاب موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب : كان المسجد مربدا للتمر لغلامين سهل ، وسهيل ابني عمرو وفي حجر أسعد ، قال ابن شهاب : وزعموا أنه كان رجال من المسلمين يصلون في المربد قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمنه ، ويقال : عوض عليها أسعد نخلا له في بني بياضة ثوابا من مربدهما ، فقالا : بل نعطيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ويقال : بل اشتراه النبي - صلى الله عليه وسلم - منهما ، فبناه مسجدا ، فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن وهم يقولون : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر فأجابهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إن الخير خير الآخرة . قال ابن شهاب : فتمثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي ، ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمثل بشعر قط غير هذه الأبيات ، أنبأنا المشائخ المعمر بقية السلف عبد القادر بن عبد العزيز بن أيوب ، وأبو بكر عبد الله بن علي بن عمر ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن محمد - رحمهم الله تعالى - قراءة عليهم ، وأنا أسمع قال الأول : أنبأنا الصالح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الفتح ، أنبأنا القاضي صنعة الملك أبو محمد هبة الله بن يحيى بن علي بن حيدرة ، أنبأنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن رفاعة ، أنبأنا أبو الحسن الخلعي ، وقال الآخران : أنبأنا الشريف تاج الشرف بن السيد أبي القاسم عبد الرحمن بن علي الحسيني ، أنبأنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن بنان ، أنبأنا والدي ، أنبأنا أبو إسحاق الحبال ، قال هو والخلعي : أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر البزاز ، ثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الورد ، أنبأنا أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي ، ثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام ، ثنا زياد قال : قال محمد بن إسحاق : فقال أسعد بن زرارة : يا رسول الله : إني مرضيهما منه فابنه مسجدا ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد ، فأصيب أسعد ، والمسجد يبنى أصابته الذبحة ، أو الشهقة . وفي كتاب ابن سعد : جعل قبلته للقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، وباب يقال له : باب الرحمة ، والباب الذي يدخل منه ، وفي الإكليل من حديث عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن مولاه : أنه أخبره أن المسجد كان على عهده - صلى الله عليه وسلم - مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر ، وبناه على بنيانه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إني أريد أن أزيد في قبلتنا ما زدت ، فزاد ما بين المنبر إلى موضع المقصورة ، ثم غيره عثمان ، وزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى : جداره بالحجارة المنقوشة ، والقصة ، وجعل عمده حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج ، وفي حديث مالك بن مغول ، عن رجاء ، قال : كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز ، أن يكسر مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحجراته ، وكان قد اشتراها من أهلها ، وأرغبهم في ثمنها ، وأن يدخلها في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء عمر ، فقعد ناحية ، وقعدت معه ، ثم أمر بهدم الحجرات ، فما رأيت ، باكية ولا باكيا أكثر من يومئذ جزعا ، حين كسرت ، ثم بناه ، فلما أراد أن يبني البيت على القبر ، وكسر البيت الأول ، الذي كان عليه فظهرت القبور الثلاثة ، وكان الرمل الذي كان عليها قد انهار عنها ، فأراد عمر يسويها ، ثم يضعون البناء ، قال رجاء : فقلت : إن قمت قام الناس معك ، فوطئوا القبور ، فلو أمرت رجلا أنْ يصلحها ، ورجوت أن يأمرني بذلك ، فقال : يا مزاحم ، قم فأصلحها ، قال رجاء : فأكرمه الله بها . وفي حديث يزيد بن رومان قال معاوية : في منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - : فجعله ست درجات ، وحوله عن مكانه ، فكسفت الشمس يومئذ ، قال أبو عبد الله : وقد أحرق المنبر الذي أحدثه معاوية ، ورد منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكانه . وفي حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي نعيم الحافظ لما بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد جعل سقفه جريدا ، وكان إذا بسط يده لحقت السقف . وفي كتاب الروض لأبي زيد : كان مربد التيمي في حجر معاذ بن عفراء ، وعن الشفاء بنت عبد الرحمن قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمه جبريل إلى الكعبة ، ويقيم له القبلة ، وكانت من اللبن ويقال : بل من حجارة منضودة ، بعضها على بعض ، ثم إن المهدي بناه ووسعه ، وزاد فيه ، وذلك في سنة ستين ومائة ، ثم زاد فيه المأمون في سنة ثنتين وثمانين ، وأتقن بنيانه ، ثم لم يبلغنا أن أحدا غير منه شيئا ، ولا أحدث فيه عملا . وفي كتاب أخبار المدينة لأبي زيد بن شبة : أن العباس قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ألا نبني لك مقصورة ، حجابا يكلمك الناس من ورائه ، يكف عنك ضغاطهم ، وأذاهم ؟ قال : لا بل أصبر لهم فضول قدمي ، وبناني حتى يريحني الله منهم ، قال ابن شهاب : فكان أول من عمل المقصورة معاوية ، فأما التي في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم ؛ فإن عمر بن عبد العزيز ، عملها حين بنى المسجد بأمر الوليد ، وكانت حين عملها مرتفعة عن الأرض ذراعين ، فخفضها المهدي فهي على حالها إلى اليوم ، وفي لفظ : أول من أحدث المقصورة مروان في عمل معاوية بحجارة منقوشة ، وجعل فيها كوى ، وفي لفظ : أول من عمل مقصورة بلبن عثمان بن عفان ، وكانت فيها كوى ينظر الناس فيها إلى الإمام ، وإن عمر بن عبد العزيز عملها بالساج ، قال : والذي بلط حوالي المسجد بالحجارة معاوية ، أمر بذاك مروان ، وعمل له أسرابا ثلاثة تصد فيها مياه المطر ، وأراد أن يبلط بقيع الزبير ، فحال ابن الزبير بينه ، وبين ذلك ، وكان بين يدي المنبر مرمر ، تطرح فيه طنفسة لعبد الله بن حسن بن حسن ، فلما ولي حسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة ؛ غير ذلك المرمر ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري على ما هو عليه اليوم ، فلما قدم المهدي قال لمالك : إني أريد أن أعيد منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حاله التي كانت عليها ، فقال مالك : إنه من طرفاء ، وقد سمر إلى هذه العيدان ، وشد فمتى نزعته ، خفت أن ينهار ، ويهلك فلا أرى أن تغيره ، قال أبو زيد : فانصرف رأي المهدي ، عن تغييره - والله أعلم

375

41 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، ثنا عبد الله بن وهب ، عن إبراهيم بن نشيط ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من بنى مسجدا كمفحص قطاة ، أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة . هذا حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن يونس ، وعيسى بن إبراهيم الغافقي ، ثنا ابن وهب بلفظ : من حفر ماء لم يشرب منه كبد حي من جن ، ولا إنس ، ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة ، ومن بنى مسجدا كمفحص قطاة ، أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة . قال يونس : من سبع ولا طائر . وقال : كمفحص قطاة ، وقال الدارقطني في الأفراد : تفرد به ابن وهب بسنده ، وفي الباب غير ما حديث ، من ذلك : حديث أبي ذر الغفاري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من بنى لله مسجدا ، ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ، رواه أبو نعيم الحافظ ، عن محمد بن حميد ، ثنا محمد بن جرير ، ثنا الحسن بن خلف ، ثنا إسحاق الأزرق ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عنه ، وثنا أبو بكر الطلحي ، ثنا أبو حصين القاضي ، ثنا يحيى بن عبد الحميد ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، ورواه يحيى بن آدم ، عن قطبة بن عبد العزيز ، عن الأعمش مثله . وثنا محمد بن محمد بن أحمد المقرئ ، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا سلم بن جنادة ، ثنا وكيع في الدار ، عن سفيان ، عن الأعمش ، وهذا سند لعمري ظاهره الصحة ، لولا ما ذكره أبو نعيم من قوله : ثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا جعفر الفريابي ، ثنا علي بن المديني قال : قال لي يحيى بن سعيد : قال لي سفيان ، أو شعبة - : لم يسمع الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي يعني حديث : من بنى لله مسجدا ، وزعم الكرابيسي في كتاب المدلسين : أنه كان يعني الأعمش يدلس عن إبراهيم كثيرا ، وذكر البيهقي في السنن الكبير علة أخرى ؛ وهي أن الدوري حكى عن أحمد بن يونس أنه قال : قيل لابن عياش : إن الناس يخالفونك في هذا الحديث لا يرفعونه ؟ فقال أبو بكر : سمعنا هذا من الأعمش ، وهو شاب . قال البيهقي : وكذلك روي عن شريك ، وجرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش مرفوعا ، وروي عن الحكم ، عن يزيد بن شريك ، عن أبي ذر مرفوعا . ورواه أبو نعيم أيضا من حديث عيسى بن يونس ، عن الأعمش مرفوعا ، ومن حديث محمد بن عبيد ، عن أخيه يعلى عنه كذلك . وقال أبو حاتم ، وأبو زرعة : رواه عدة من أصحاب شريك فلم يرفعوه ، والصحيح عن أبي ذر من حديث شريك موقوف . قال أبو حاتم : ورواه أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، ورفعه ، ونفس الحديث موقوف ، وهو أصح . وقال ابن مهدي : هذا الحديث ليس من صحيح حديث الأعمش ، وحديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى مسجدا لله ، ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ، رواه أبو نعيم ، عن الآجري ، والحسن بن علي الوراق ، حدثنا جعفر الفريابي ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، ثنا الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي ، ثنا محمد بن طلحة الأيامي ، عن أبي معمر عنه ، وثناه أبو بكر الطلحي ، ثنا أحمد بن حماد بن سفيان ، ثنا إسحاق بن بهلول ، حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي ، عن محمد بن طلحة بن مصرف ، عن أبيه مثله ، وثنا سليمان بن أحمد ، ثنا محمد بن نوح العسكري ، ثنا وهب بن حفص الحراني ، ثنا حبيب بن فروخ ، ثنا ابن طلحة بن مصرف ، عن أبيه ، عن مرة الطيب ، عن أبي بكر به ، ثم قال : كذا قال حبيب ، عن مرة الطيب . وقال أبو حاتم الرازي في علله : هذا حديث منكر ، وحديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال رسول الله صلى الله عليْه وسلم : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة . رواه أبو الحسن الدارقطني في كتاب الغرائب والأفراد من حديث عمران بن عبيد الله البصري ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة عنه ، وزعم أن عمران تفرد به . انتهى كلامه ، وهو محتمل لأمرين : الأول : أن يريد : تفرد بهذا السند . الثاني : تفرده بالحديث جملة ، وأيا ما كان فهو مردود ؛ بما ذكره الحافظ أبو نعيم من حديث يحيى بن عبد الحميد ، ثنا شريك ، عن عمار الدهني ، عن سعيد بن جبير عنه ، وعن محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا ضرار بن صرد ، ثنا علي بن هاشم ، عن عمار بن رزيق ، عن الدهني مثله ، وعن أبي مسلم ، ثنا عمرو بن مرزوق ، ثنا شعبة قال : لقن جابر ، عن عمار الدهني بلفظ : من بنى مسجدا ، ولو كمفحص قطاة الحديث . وحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا ، يذكر الله فيه ، بنى الله له بيتا في الجنة ، رواه أيضا من حديث حجاج بن أرطاة عنه . وحديث ابن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة . رواه البزار ، عن إسحاق بن شاهين ، ثنا الحكم بن ظهير ، ثنا ابن أبي ليلى ، عن نافع عنه ، وقال : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، والحكم لين الحديث ، وقد روى عنه جماعة كثيرة ، واحتملوا حديثه . وقال أبو نعيم الحافظ : رواه عن إسحاق ، أحمد بن كعب الواسطي ، وزاد فيه : ولو كمفحص قطاة . وحديث أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا ، بنى الله له بيتا في الجنة . رواه أبو عيسى من حديث نوح بن قيس ، عن عبد الرحمن مولى قيس ، عن زياد النميري عنه ، وخرجه أبو نعيم من حديث أحمد بن علي الخزاعي ، ثنا قرة بن حبيب ، ثنا عبد الحكم عنه بلفظ : من بنى لله مسجدا في الدنيا يريد به وجه الله ، ومن حديث إبراهيم بن مهدي المصيصي ، ثنا عمر بن رديح ، عن ثابت عنه ، وفي لفظ قالوا : إذا نكثر يا رسول الله ؟ قال : الله أكثر ، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ، ثنا شريك ، عن الأعمش عنه بلفظ : كمفحص قطاة ، وقال : لم يروه عن الأعمش إلا شريك ، تفرد به إسحاق ، ومن حديث حجاج بن منهال ، عن حماد بن سلمة ، عن أبان عنه ، ومن حديث يحيى بن يمان ، عن الثوري ، عن أبي عمارة عنه بلفظ : كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة ، إلا مسجدا فإن له به قصرا في الجنة من لؤلؤة . وحديث أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى بيتا يعبد الله فيه حلالا ، بنى الله له بيتا في الجنة من الدر ، والياقوت . رواه البيهقي في شعب الإيمان تأليفه من حديث بشر بن الوليد ، وسعيد بن سليمان ، عن سليمان بن داود ، ثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عنه ، ورواه أبو القاسم في الأوسط ، من حديث محمد بن سليمان بن عبد الله الكوفي ، ثنا أبي ، عن المثنى بن الصباح ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن المحرر، عن أبيه ، وقال : لم يروه عن المحرر إلا عطاء ، تفرد به المثنى عن عطاء ، ورواه أيضا من حديث سليمان بن داود اليمامي ، ثنا ابن أبي كثير ، عن أبي سلمة عنه قال صلى الله عليه وسلم : من بنى لله بيتا يعبد الله فيه من مال حلال ، بنى الله له بيتا في الجنة من در ، وياقوت ، قال : لم يروه عن يحيى إلا سليمان ، تفرد به سعيد بن سليمان ، ولا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد . وقال أبو زرعة : هذا الحديث من حديث أبي هريرة وهم ، قال أبو محمد : قلت : ولم يشبع الجواب ولم يبين علة الحديث ، والذي عندي : أن الصحيح على ما رواه أبان العطار ، عن يحيى ، عن محمد بن عمرو ، عن أسماء بنت يزيد بن السكن ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وعن يحيى ، عن محمود بن عمرو ، عن أبي هريرة موقوف ، وسمعت أبي يقول : هو محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن - والله تعالى أعلم - ولما ذكر أبو القاسم حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا قال : لم يروه عن يحيى بن أبي كثير إلا أبان ، تفرد به موسى بن إسماعيل ، ولا يروى عن أسماء إلا بهذا الإسناد ، تفرد به المثنى ، عن عطاء . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لما أسلفناه من عنده قبل . وحديث معاذ بن جبل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا ، بنى الله له بيتا في الجنة ، رواه أبو نعيم من حديث عمر بن صبح ، ثنا عاصم بن سليمان ، عن برد ، عن مكحول ، عن الوليد بن العباس عنه ، وذكره ابن الجوزي في العلل بزيادة : ومن علق فيه قنديلا ، صلى عليه سبعون ألف ملك ، حتى يطفأ ذلك القنديل ، ومن بسط فيه حصيرا ، صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينقطع ذلك الحصير ، ومن أخرج منه قذاة كان له كفلان من الأجر ، ثم رده بعاصم ، وحديث أبي سعيد الخدري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ، رواه الطبراني في الكبير ، من حديث سهل بن تمام بن بزيع ، ثنا عبد الحكم القسملي ، عن أبي المتوكل عنه ، وحديث واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من بنى لله مسجدا يصلى فيه ، بنى الله له بيتا في الجنة أفضل منه ، رواه أيضا من حديث هشام بن عمار ، ثنا الحسن بن يحيى الخشني ، عن بشر بن حيان عنه ، وحديث عمرو بن عبسة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا دخل الجنة ، أنبأنا به المسند أبو بكر الحميري ، أنبأنا أبو الطاهر بن عبد القوي ، عن فاطمة ، أنبأتنا فاطمة ، أنبأنا ابن ريذة ، أنبأنا أبو القاسم ، ثنا محمد بن النضر الأزدي ، ثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني ، ثنا بقية ، عن بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن كثير بن مرة عنه ، ورواه النسائي ، عن عمرو بن عثمان ، عن بقية ، فوقع لنا موافقة عالية ، ولله الحمد . ولفظ ابن أبي حاتم الرازي في كتاب ثواب الأعمال : من بنى مسجدا لله ، ذكر الله فيه بني له بيت في الجنة . وحديث أبي إمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يبني أحد مسجدا لله ، إلا بنى الله له بيتا في الجنة أوسع منه ، رواه أبو نعيم من حديث صدقة بن خالد ، عن عثمان بن أبي العاتكة ، عن علي بن يزيد عنه . وحديث عائشة أنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ، قلت : يا رسول الله ، وهذه المساجد التي في طريق مكة ؟ قال : وتلك . رواه مسدد بن مسرهد في مسنده ، عن ابن داود ، عن كثير بن عبد الرحمن الطحان ، عن عطاء عنها ، وفي لفظ الطبراني من حديث المثنى بن الصباح ، عن عطاء : من بنى مسجدا لا يريد به رياء ، ولا سمعة ، وفي لفظ من حديث كثير بن عبد الله المؤذن ، عن عطاء : ولو قدر مفحص قطاة . وقال : لم يروه عن المثنى إلا محمد بن عيسى بن سميع ، تفرد به هشام بن عمار ، ولم يروه عن عطاء عنها إلا كثير بن عبد الرحمن الكوفي ، والمثنى بن الصباح ، وحديث أبي قرصافة ، سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ابنوا المساجد ، وأخرجوا القمامة منها ؛ فمن بنى لله مسجدا ، بنى الله له بيتا في الجنة . فقال رجل : يا رسول الله ، وهذه المساجد التي تبنى في الطريق ؟ . قال : نعم ، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين . وفي لفظ : ولو مفحص قطاة ، رواه أبو القاسم من حديث زياد بن يسار ، عن عزة بنت عياض ، عن جدها أبي قرصافة ، وحديث عمر بن مالك الأنصاري ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له بيتا في الجنة ، ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث نصر ، عن علي بن زيد ، عن زرارة بن أوفى عنه ، ثم قال : رواه سفيان ، عن علي فقال : عمرو بن مالك ، أو مالك بن عمرو وقال هشيم : عن ابن عمرو بن مالك وقال حماد : مالك القشيري . وقال قتادة : عن زرارة أبي بن مالك ، وهذا غير الأول . وحديث نبيط بن شريط قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من بنى لله مسجدا ، بنى الله له بيتا في الجنة ، رواه في الأوسط من حديث إسحاق بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن نبيط ، وقال : لا يروى عن نبيط إلا بهذا الإسناد ، تفرد به ولده عنه . وحديث قرة بن خالد ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس يرفعه : تذهب الأرضون كلها يوم القيامة ، إلا المساجد فإنها تنضم بعضها إلى بعض . قال أبو القاسم : لم يروه عن قرة إلا أصرم بن حوشب . وحديث أم حبيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من بنى لله بيتا ، بنى الله له بيتا في الجنة ، رواه أيضا من حديث شهر بن حوشب ، وسليمان بن قيس ، عن عنبسة بن أبي سفيان ، ومن حديث شعيب بن بيان ، ثنا أبو ظلال ، عن أنس عنها ، ذكره أبو القاسم بن مطير في معجمه الكبير . وحديث أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من بنى لله مسجدا ، بنى الله له بيتا في الجنة أوسع منه ، رواه أيضا من حديث أبان بن يزيد ، عن يحيى بن أبي كثير عنها ، وهو منقطع . ورواه أبو نعيم الحافظ فوصله من حديث موسى بن إسماعيل ، ثنا أبان ، عن يحيى ، عن محمود بن عمرو عنها . غريبه : قال ابن سيده : المسجد ، والمسجد الموضع الذي يسجد فيه ، وقد كان حكمه ألا يجيء على مفعِل ؛ لأن حق اسم المكان ، والمصدر من فعل يفعل أن يجئ على مفعَل ؛ لعلة أثبتها في المخصص ، ولكنه أحد الحروف التي شذت فجاء على مفعِل . قال سيبويه : وأما المسجد فإنهم جعلوه اسما للبيت ، ولم يأت على فعل يفعل ، كما قالوا في المدق : إنه اسم للجلمود يعني أنه ليس على الفعل ، ولو كان على الفعل ، لقيل مدق ؛ لأنه آلة ، والآلات تجيء على مفعل كمخرز ، ومكنس ، ومكسح . وفي الصحاح : المسجد والمسجد ، واحد المساجد . قال الفراء : كلما كان على فعل يفعل ، مثل دخل يدخل ؛ فالمفعل منه بالفتح اسما كان ، أو مصدرا ، ولا يقع فيه الفرق مثلا : دخل مدخلا ، وهذا مدخله ، إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين ، من ذلك المسجد ، والمطلع ، وذكر حروفا ، ثم قال : فجعلوا الكسر علامة للاسم ، وربما فتحه بعض العرب في الاسم ، وسمعنا المسجد ، والمسجد ، والمطلع ، والمطلع ، قال : والفتح في كله جائز ، وإن لم نسمعه ، وما كان في باب فعل يفعل ، مثل جلس يجلس ، فالموضع بالكسر ، والمصدر بالفتح للفرق بينهما ، تقول نزل منزلا ، بفتح الزاي تريد نزل نزولا ، وهذا منزله فتكسر ؛ لأنك تعني الدار . وفي الجامع للقزاز : المسجد - بفتح الجيم - هو موضع السجود ، والمسجد - بكسرها - هو البيت الذي يصلى فيه ، وحق الاسم ، والمصدر ، أن يكونا في مكان على يفعل مضموم العين ، وعلى يفعل بفتحها ، وإنما قالوا : مسجد بالكسر ؛ ليفرقوا بين موضع السجود ، وبين بيوت الصلاة ، ومن العرب من يفتح فيقول : مسجد في كلا الوجهين ، ويلتزم القياس ، وفي جمهرة ابن دريد ، والمساجد : الآراب ، وقد فسر قوله تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ . وقال الزجاج : كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد . والقطاة : قال ابن سيده : هو طائر معروف ، والجمع قطوات ، وقطيات ، وقد كان بالمدينة مساجد ذكرها أبو داود في كتاب المراسيل ، عن بكير بن الأشج قال : كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع أهلها ، تأذين بلال فيصلون في مساجدهم أقربها مسجد بني عمرو بن مبذول ، ومسجد بني ساعدة ، ومسجد بني عبيد ، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني رابح من بني عبد الأشهل ، ومسجد بني زريق ، ومسجد بني غفار ، ومسجد أسلم ، ومسجد جهينة ، وشك في التاسع . انتهى ، وقد وقع لنا غير ما ذكر من المساجد التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرها أبو زيد عمر بن شبة في أخبار المدينة عن رافع بن خديج : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الجرار على يمينك لازقا بالجبل . وعن أسيد بن أبي أسيد ، عن أشياخهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح ، وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حتى تصعد الجبل . وعن عمارة بن أبي اليسر قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الأسفل . وعن جابر قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد المرتفع ، ورفع يديه مدا ، وعن عمرو بن شرحبيل : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد بني خدارة . وعن عمر بن قتادة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد لهم ، في بني أمية من الأنصار ، وكان في موضع الحرتين اللتين عند مال نهيك . وعن الأعرج : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ذباب . وفي لفظ : كان ضرب قبته يوم الخندق عليه . وعن جابر بن أسامة قال : خط النبي - صلى الله عليه وسلم - مسجد جهينة ليلا . وفي لفظ : وصلى فيه . وعن سعد بن إسحاق : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد بني ساعدة ، الخارج من بيوت المدينة ، وفي مسجد بني بياضة ، ومسجد بني الحبلي ، ومسجد بني عضية . وعن العباس بن سهل : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد بني ساعدة في جوف المدينة . وعن يحيى بن سعيد قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يختلف إلى مسجد أبي فيصلي فيه غير مرة ، ولا مرتين . وقال : لولا أن يميل الناس إليه لأكثرت الصلاة فيه . وعن يحيى بن النضر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد أبي بن كعب في بني جديلة ، ومسجد بني عمرو بن مبذول ، ومسجد بني دينار ، ومسجد دار النابغة ، ومسجد بني عدي ، وجلس في كهف سلع . وعن هشام بن عروة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد بلحارث بن الخزرج ، ومسجد السنح ، وبني خطمة ، ومسجد الفضيخ ، وفي صدقة الزبير ، وفي بني محمم ، وفي بيت صرمة في بني عدي ، وفي بيت عتبان ، وعن الحارث بن سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني حارثة ، وبني ظفر ، وبني عبد الأشهل . وعن إسماعيل بن أبي حبيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد واقم . وعن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد بني معاوية ، وعن كعب بن عجرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول جمعة جمعها حين قدم المدينة في بني سالم فْي مسجد عاتكة ، وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد الخربة ، ومسجد القبلتين ، ومسجد بني حرام الذي بالقاع ، وعن محمد بن عتبة بن أبي مالك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في صدقته ، وعن يحيى بن إبراهيم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مشربة أم إبراهيم ، وعن خالد بن رباح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد راتج ، وعن زيد بن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في حائط أبي الهيثم ، وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر يوم أحد على عينين . وعن علي بن رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيت امرأة من الخضر ، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة ، وعن سلمة الخطمي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيت المقعدة عند مسجد بني وائل في مسجد العجوز . وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر ، وصلى بها ، وعن المطلب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد بني ساعدة ، وصلى في المسجد الذي عند الشيخين ، وبات فيه ، وهو الذي عند البدائع ، وعن هشام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد الشجرة بالمعرس ، وعن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالبطحاء التي بذي حليفة ، وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد الشجرة ، وعن ربيعة بن عثمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة . قال أبو غسان : قال لي غير واحد من أهل العلم : إن كل مسجد من مساجد المدينة ، ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة ، فقد صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل والناس يومئذ متوافرون ، عن المساجد التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم بناها بالحجارة المطابقة ، وعن ابن أبي حثمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في دار الشفاء على يمين من دخل الدار ، وصلى في دار بسرة بنت صفوان ، وفي دار عمرو بن أمية الضمري ، ومنزل أبي بن عمارة . قال أبو زيد : وأما المساجد التي يقال : إنه صلى فيها ، ويقال : إنه لم يصل فيها ، فهي دار سعد بن خيثمة بقباء ، ومسجد بني زريق ، ومسجد بني مازن ، ومسجد بني سالم الأكبر ، والمسجد الذي بغار أحد ، ومسجد بني حرام الأكبر ، وسقيفة بني ساعدة القصوى ، والمسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية . وذكر الأزرقي في مكة شرفها الله تعالى مساجد منها : مسجد منى ، وهو مسجد الخيف ، ومسجد مزدلفة ، ومسجد عرفة ، ومسجد المولد ، ومسجد خديجة ، ومسجد الأرقم ، ومسجد عند الردم ، ومسجد الجن ، ومسجد الشجرة ، ومسجد السرر ، ومسجد عن يمين الموقف بعرفة ، ومسجد الكبش ، ومسجد بأجياد ، ومسجد إبراهيم ، ومسجد بحراء ، ومسجد بثور ، ومسجد عند سوق الغنم ، ومسجد بذي طوى ، ومسجد بالجعرانة ، والمسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى ، ومسجد التنعيم ، والمسجد الذي عند خيمة جمانة .

376

17 - حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا خالد بن الحارث، ثنا حميد، عن أنس بن مالك قال: أرادت بنو سلمة أن تتحول من ديارهم إلى قرب المسجد، فكره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُعْروا المدينة فقال: يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه. ولفظه عند الرازي : يعروا المسجد وضعفه، وقال: الصواب المدينة .

377

16 - حدثنا أحمد بن عبدة، ثنا عباد بن عباد المهلبي، ثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي بن كعب قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة وكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فتوجعت له، فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حماراً يقيك الرمضاء، ويرفعك من الوقع، ويقيك هوام الأرض، فقال: والله ما أحب أن بيتي بطُنُب بيت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فحملت به حملًا حتى أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له، فدعاه فسأله، فذكر له مثل ذلك، وذكر أنه يرجو في أثره، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن لك ما احتسبت . هذا حديث خرجه مسلم بلفظ: إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال عليه السلام: قد جمع الله لك ذلك كله . ولفظ أبي داود والدارمي: أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع .

378

باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا 15 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي هريرة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا . هذا حديث خرجه أبو عبد الله من حديث يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب ثم قال: صحيح، رواته مدنيون، ويحيى هو الإمام في انتقاد الرجال، ولم يخرجاه إذ لم يرياه بغير هذا الإسناد. ورواه أحمد في مسنده، وشرطه معروف . وفي البخاري تعليقاً. وقال أبو هريرة: إن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قيل: يا أبا هريرة، لِمَ؟ قال: لأجل كثرة الخطا .

379

18 - حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ قال: فثبتوا . هذا حديث مسند في الاصطلاح الحديثي، وسنده صحيح . زاد عبد بن حميد في تفسيره: فقالوا: بل نثبت مكاننا وقد رواه أيضًا أبو سعيد الخدري بلفظ: شكت بنو سلمة إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: منازلكم فإنّها تكتب آثاركم أخبرنا به المسند الفقيه فتح الدين الجودري - رحمه الله - عن أبي الحسن بن أبي عبد الله بن أبي الحسن - رحمه الله - عن أبي الفضل الميهني، عن أبي الحسن علي بن أحمد المفسر أنبأنا الشريف إسماعيل بن الحسن بن محمد بن الحسين الطبري أنبأنا جدي أنبأنا عبد الله بن محمد بن الشرقي، ثنا عبد الرحمن بن بشر، ثنا عبد الرزاق أنبأنا الثوري، عن طريف بن شهاب، عن أبي نضرة عنه. وقال أبو عيسى : ورواه، عن محمد بن وزير عن إسحاق الأزرق، عن الثوري: هذا حديث حسن غريب. ورواه الكشي في تفسيره فقال: عاينت فيه ضعف طريف وأنه لم يضبط: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن طريف، عن أبيِ نضرة، عن أبي سعيد: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ قال: الخطا وآثارهم. فلو كان أبو سعيد رواه، عن النبي لما وسعه خلافه، والله أعلم . ولفظ البزار: فقال لهم النبي: أحسبه قال: منازلكم منها تكتب آثاركم . رواه عن ابن وزير كالترمذي. وفي البخاري، عن أبي موسى قال عليه السلام: أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم ممشى . وفي الأوسط، عن ابن عمر : قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن ميسرة المسجد قد عُطِّلت فقال: من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر وقال: لم يروه، عن نافع إلا ليث بن أبي سليم، ولا عن ليث إلا عبيد الله بن عمرو. وتفرد به عمرو بن عثمان. وفي كتاب الثواب لآدم، عن الحسن قال: أرادت بنو سلمة أن ينقلهم النبي. الحديث مرسل، رواه عن المبارك بن فضالة عنه، وثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، قال عليه السلام: قد كنت هممت أن أحول رجالا ممن يلي المسجد ممن لا يشهد الصلاة، ثم نظرت في ذلك إلى ديار قوم أبعد منهم ممن لا يشهد الصلاة، فرأيت الأبعد فالأبعد أعظمهم أجرا فتركتهم . وفي صحيح مسلم عن جابر قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم . وفي لفظ: قال جابر: كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: إنّ لكم بكل خطوة درجة . غريبه: الوقع، قال الهروي: هو أن يصيب الحجارة القدم فيوهنها، يقال: وقعت أوقع وقعًا. وفي المثل: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع. وفي المحكم: وقع الرجل والفرس وقعًا فهو وقع: حفي من الحجارة أو الشوك، وقد وقعه الحجر، وحافر وقيع: وقعته الحجارة، فغضت منه، وقدم موقوعة: غليظة شديدة، وطريق موقع: مذلل، ورجل موقع: قد أصابته البلايا. وفي الصحاح: الوقع بالتسكين: المكان المرتفع من الجبل. عن أبي عمرو: والوقع بالتحريك: الحجارة واحدتها: وقعة، والوقع أيضا: الحصى. وفي الجامع: حفي من مشيه على الحجارة، وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفاء. والطنب: حبل الخباء، والجمع: أطناب يقال: خباء مطنب، ورواق مطنب أي مشدود بالأطناب، قال أبو نصر: وفي المحكم: هو حبل طويل يشد به البيت والسرادق بين الأرض والطرائق، وقيل: هو الوتد، والجمع: طنبة، قال القزاز: يريد ما أحب أن يكون بيتي مشدودا قريبا من بيته، قال: والطنب: طنب الخباء وغيره: وهو الحبل يُشدّ إلى وتد. وسلمة: واحدة السلم، وهي شجر العضاه، قال أبو حنيفة: هو سلب العيدان طولا، يشبه القضبان، ليس له خشب وإن عظم، وله شوك دُقاق طوال حاد إذا أصاب رجل الإِنسان، وله برمة أي: زهرة صفراء، وكلّ شيء منها مر، وورقتها مرّة يدبغ بها. وفي السلم ضرب هذا المثل: لأعصبنكم عصب السلمة وليس في العضاه أصلب عيدانا منها، ومنه يقتطعون العصي، والغُبُط، والأوتاد، والمبارم، وهو مغزل ضخم. وقال غير أبي زياد: السلمة: أطيب العضاه ريحا. وقال أعرابي: ليس شجرة أردى من سلمة، قال: ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط، ويجمع أيضًا أسلاما، قال رؤبة: كأنما حين أطلقا من ذات أسلام عصيا شققا وقال بعض الرواة: أرض مسلوماء: إذا كانت كثيرة السلم. وفي كتاب اقتباس الأنوار: سلمة من السلام وهي الحجارة. وفي كتاب الصحاح: وسلمة بكسر اللام: اسم رجل، وبنو سلمة: بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة غيرهم. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ذكره ابن حبيب في كتابه: المؤتلف والمختلف والوزير أبو القاسم المغربي، وابن ماكولا: سلمة في الأنصار، وسلمة بن عمرو بن ذهل بن مران بن جعفي، وسلمة بن نصر بن غطفان بن قيس من جهينة، كل سلماتهم بالكسر. وفي كتاب النوادر لأبي علي هارون بن زكريا الهجري من فصائل عمير بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم: سلمة بجر اللام، مثل الذي في الأنصار، ولا يزيدون على أربعة وعشرين رجلا، وسلمة بجيلة من كهلان. ذكره أبو عبد الله الأزدي في كتاب الترقيص، عن الكلبي بكسر اللام، وسلمة في كندة وهو ابن الحارث، قال الأزدي: ذكر الباهلي أنّه سمع أبا عبيدة يقول في هذا: سلمة بكسر اللام. قال القرطبي: وهذه الأحاديث تدل على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار المسجد هل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختلف فيه، فذكر عن الحسن أنه كرهه، قال: وهو مذهبنا. وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. وقال أبو عبد الله ابن لبابة: لا يدع مسجده، وإنّما فضل الجامع في صلاة الجمعة فقط، وذكر عن ابن وهب أنه يمضي إلى الجامع وإن بعد موضعه. وروي عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى القديمة، وفعله مجاهد، وأبو وائل، ويرد هذا ما ذكره أبو القاسم من حديث عبادة بن زياد الأسدي، ثنا زهير بن معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال عليه السلام: ليصل أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد . وقال: لم يروه عن زهير إلا عبادة، وذكره أبو أحمد من حديث مجاشع بن عمرو، عن عبيد الله، وقال: كذا رواه كثير بن عبيد، وابن مصفى، عن بقية، عن مجاشع، عن عبيد الله، وغيرهما جعل بين مجاشع وعبيد الله منصور بن أبيِ الأسود، ومجاشع صالح الحديث .

380

12 - حدثنا راشد بن سعيد بن راشد الرملي، ثنا الوليد بن مسلم، عن أبي رافع إسماعيل بن رافع، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المشاؤون إلى المساجد في الظلم أولئك الخواضون في رحمة الله تعالى . هذا حديث ضعيف الإسناد، لضعف أبي رافع الأنصاري القاص المزني البصري، فإنه وإن قال فيه البخاري : ثقة مقارب الحديث . وقال عبد الله بن المبارك فيما حكاه عنه سفيان بن عبد الملك : ليس به بأس، ولكنه وإبراهيم بن عيينة يحمل، عن هذا، وعن هذا ويقول: بلغني، ونحو ذلك، وصحح الحاكم حديثه . وقال الساجي : صدوق لين في الحديث، يهم، فقد قال أبو طالب : سألت الإمام أحمد عنه، فقال: ضعيف الحديث . وفي رواية حنبل عنه هو : الإمام أحمد بن حنبل : منكر الحديث في حديثه ضعف، لم أسمع يحيى ولا عبد للرحمن حدثا عنه بشيء قط، وقال الترمذي : ضعفه بعض أهل العلم . وقال الفلاس : منكر الحديث. وفي موضع آخر: في حديثه ضعف . وقال النسائي : متروك الحديث. وفي موضع آخر: ضعيف. وفي آخر: ليس بثقة. وفي آخر: ليس بشيء، وقال ابن خراش والدارقطني : متروك. وقال يحيى بن معين في رواية عباس : ليس بشيء. وفي رواية ابن الجنيد، ومعاوية بن صالح، وإسحاق بن منصور : ضعيف . وقال ابن عدي : أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء، وذكره الفسوي في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وكنت أسمع أصحابنا يضعفونهم: إسماعيل بن رافع، وابن أبي الأخضر، وطلحة بن عمر، وليسوا بمتروكين، ولا يقوم حديثهم مقام الحجة . وقال ابن سعد : مات بالمدينة قديما، وكان كثير الحديث ضعيفا، وهو الذي روى حديث الصور . وقال علي بن الجنيد : متروك الحديث. وقال العقيلي : ليس بشيء، وقال أبو حاتم الرازي : هو منكر الحديث. وفي موضع آخر: ضعيف . وقال أبو عمر في كتاب الاستغناء: هو ضعيف عندهم جدا، منكر الحديث ليس بشيء، ولما ذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء ذكر أن أبا الحسن قال فيه: ضعيف الحديث . وقال الحربي : غيره أوثق منه . وقال الآجري : سألت أبا داود عنه، فقال: ليس بشيء، قال أبو داود: سمع من الزهري فذهبت كتبه، فكان إذا روى كتابا قال: هذا قد سمعته . وقال أبو محمد بن حزم : لا يحتج به . وقال أبو أحمد الحاكم في كتاب الكنى: ليس بالقوي عندهم . وقال محمد بن أحمد بن محمد المقدمي فيما حكاه ابن عساكر: أبو رافع ليس بالقوي . وقال أبو بكر الخطيب : كان ضعيفا . وقال البزار : لم يكن بثقة ولا حجة . وقال ابن القطان : تركه جماعة من أهل العلم .

381

8 - حدثنا أبو مروان العثماني محمد بن عثمان، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا. هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم. وفي لفظ عندهما: وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا. وفي لفظ لمسلم: صل ما أدركت واقض ما سبقك. ورواه أحمد، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة بلفظ: وما فاتكم فاقضوا. ورواه مسلم، عن ابن أبي شيبة، والناقد، وزهير، عن ابن عيينة مدرجا فيما قبله على لفظ يونس بن يزيد، عن الزهري، ولم يذكر لفظة: واقضوا. ورواه أبو داود من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة: فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم قال أبو داود: كذا قال ابن سيرين، عن أبي هريرة: وليقض وكذا قال أبو رافع عنه، وأبو ذر روى عنه: فأتمُّوا واقضوا اختلف عنه. قال الدارقطني: وهم محمد بن مصعب فيه، فرواه عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أنس. ورواه أبو ثور، عن زكريا بن عدي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، ولم يتابع عليه. ورواه خلاد بن يحيى، عن سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: وذكر الأعمش فيه وهم، ويشبه أن يكون سعد بن إبراهيم حفظه، عن أبي سلمة وعن عمر ابنه. ولفظ شعبة عند البيهقي، عن سعد، عن أبي سلمة : واقضوا ما سبقكم قال: ورواية ابنه عنه مع متابعة الزهري إياه أصح. وكذلك رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة . وقال ابن الجوزي: أكثر طرقه: فأتموا، كذا رواه الزبيري، وإبراهيم، وابن أبي ذئب، ومعمر، عن الزهري، وأما شعيب عنه ففي رواية كما سبق. وفي أخرى: فاقضوا. وكذلك رواه ابن سيرين، وأبو رافع، عن أبي هريرة. وقال ابن عيينة، عن الزهري: فاقضوا وقال محمد بن عمرو: عن أبي سلمة، وجعفر بن ربيعة، عن الأعرج: فأتموا وابن مسعود، وأبو قتادة، وأنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم قال: فأتموا. وفي كتاب التمييز لمسلم : أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة، وكذا ذكره عنه البيهقي، وفيه نظر؛ من حيث إن مسلما خرج في صحيحه: واقض ما سبقك وقد وجدنا لابن عيينة، عن الزهري متابعا على هذه اللفظة أيضا، وهو ما رواه أبو نعيم، عن عبد الله بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري ولفظه: فاقضوا. وفي مسند أبي قرة ذكر ابن جريج: أخبرت عن الزهري، عن أبي سلمة عنه بلفظ: وما فاتكم فاقضوا قال: وذكر سفيان عن سعد بن إبراهيم، حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة عنه، ولفظه: وليقض ما سبقه. ورواه ابن عيينة عند الدارمي وغيره: فأتموا فخرج بهذا من أن يغلط.

382

باب المشي إلى الصلاة 7 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه. هذا حديث رواه مسلم في صحيحه بلفظ: من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله عز وجل كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة. وعند الشيخين عنه مرفوعا: من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا كلما غدا أو راح. وفي لفظ: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقة خمسا وعشرين درجة، وذلك أنّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة. وفي آخره: والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يؤذِ فيه، ما لم يحدث فيه. وعند النسائي بسند جيد من حديث محصن بن علي الفهري، عن عوف بن الحارث عنه : ثم خرج عامدا إلى المسجد، فوجد النّاس قد صلوا كتب الله له مثل أجر من قد حضرها، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا . وفي كتاب الأحكام للحافظ أبي علي الطوسي، وحسنه: من حين يخرج أحدكم من بيته إلى مسجده، فرجل تكتب درجة وأخرى تمحو سيئة . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث أبي معشر، عن سهيل، عن أبي هريرة - يعني: هذا الحديث - فقال: هذا خطأ، ليس هو عن سهيل. وفي كتاب الثواب لآدم: حتى يدخل المسجد. وفي لفظ: فرجل تكتب حسناته ورجل تمحو سيئاته. وفي كتاب ابن زنجويه: من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار عنه مرفوعا: ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد ويؤثره على ما سواه إلّا وله عند الله نزل يعده له في الجنة كلما غدا أو راح، كما لو أنّ أحدكم زاره من يحب زيارته إلّا اجتهد له في كرامته، ومن حديث سهيل، عن أبيه عنه: إذا توضأ العبد المؤمن أو المسلم، فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة ينظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب . ومن حديث العلاء، عن أبيه: ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد.

383

9 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ألا أدلكم على ما يكفِّر الله به الخطايا، ويزيد في الحسنات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . هذا حديث في إسناده ضعف؛ للاختلاف في حال ابن عقيل . ولفظ ابن عدي في كامله: وخرجه من حديث محمد بن مصعب القرقساني عن أبي الأشهب عن أبي الصديق عنه : بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام وقال محمد : هذا ضعيف، وذكره أيضا في ترجمة عبد الحكم بن عبد الله القسملي، عن الناجي، وزعم أن عبد الحكم منكر الحديث . ولفظ أبي يعلى عنه: بالنُّور التام يوم القيامة .

384

14 - حدثنا مجزأة بن سفيان بن أسيد مولى ثابت البناني، ثنا سليمان بن داود الصائغ، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة . هذا حديث لا بأس بسنده، وذكره ابن الجوزي في علله من حديث مجزأة بن سفيان، وسليمان بن داود الصائغ قال: وهما مجهولان، وذكره آدم، عن روح، عن أبان بن أبي عياش عنه بلفظ: من مشى إلى المسجد كان له بكل خطوة عشر حسنات . وفي الباب أحاديث منها حديث بريدة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة . رواه الترمذي وقال: حديث غريب من هذا الوجه، مرفوع صحيح، وموقوف إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم. وقال الدارقطني : تفرد به إسماعيل بن سليمان الضبي الكحال، عن عبد الله بن أوس، وكذا قاله الطبراني. وقال ابن الجوزي : فيه مجاهيل وصححه الإشبيلي بسكوته عنه، واعترض عليه ابن القطان بأن في سنده عبد الله بن أوس، وهو مجهول، لا يعرف روى عنه غير الكحال، ولا يعرف له رواية عن غير بريدة لهذا الحديث خاصة، وحديث عمر بن الخطاب قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أقصروا خطاكم، واقصروا من أقدامكم، فوالذي نفسي بيده لا يتوضأ عبد فيحسن الوضوء، ثم خرج يريد ما نعت الله تعالى في كتابه إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة، ومحى عنه بكل خطوة سيئة، ورفع له بكل خطوة درجة ذكره آدم بن أبي إياس العسقلاني في كتاب الثواب من تأليفه، عن بكير بن عبد الله، عن مكحول عنه، وحديث أنس بن مالك مرفوعا: بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة . قال الطبراني في الأوسط: لم يروه، عن ثابت البناني إلا داود بن سليمان تفرد به ابنه سليمان مؤذن مسجد ثابت، وحديث حطيم الحداني قال عليه السلام: بشر المشَّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ذكره أبو موسى من حديث خالد بن يزيد الهدادي، ثنا أشعث الحداني عنه، وقال: ذكره ابن أبي علي في الحاء، وأورده غيره في الخاء المعجمة. وحديث أبي أمامة يرفعه: ليبشر المدلجون في الظلم إلى المساجد بمنابر من نور يوم القيامة يفزع الناس ولا يفزعون سأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: إنما هو سلمة القيسي عمن حدثه، عن أبي أمامة، وبعضهم يقول: عن رجال من أهل بيته، عن أبي أمامة. ورواه ابن زنجويه من حديث مسلم البجلي قال: قلت يا أبا أمامة: لقيت رجلًا فحدثني عنك أنك حدثته أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يمشي إلى صلاة جماعة إلا غفر الله له ذلك اليوم، ما مشت رجلاه وقبضت عليه يداه، واستمعت إليه أذناه، ونظرت إليه عيناه، ونطق به لسانه، وحدثته به نفسه من السوء، أأنت سمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لا أحصيه رواه ابن زنجويه، عن أبي نعيم، ثنا أبان بن عبد الله عنه، وعن أبي داود من حديث الهيثم بن حميد، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا: من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم وحديث علي يرفعه: إسباغ الوضوء على المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلا . خرجه ابن زنجويه من حديث الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي العباس، عن ابن المسيب عنه. وحديث سليمان بن أحمد الواسطي، عن الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه يرفعه: بشر المشائين في الظلم إلى المساجد . الحديث، قال ابن عدي : لم أسمع أحدا يذكره غير سليمان غير عبدان. وقال البخاري : في سليمان نظر، وحديث سليمان يرفعه: من غدا إلى صلاة الصبح أعطي ربع الإِيمان سأل عبد الله أباه عنه فقال: هذا حديث منكر. وقال الدارقطني : رواه عبيس، وهو متروك ذاهب الحديث، وحديث عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام، إلا غفر له ذنبه . رواه ابن زنجويه من حديث ابن لهيعة، عن ابن أبي حبيب، عن نافع بن جبير بن مطعم، وعبد الله بن أبي سلمة، عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي، عن حمران عنه، وحديث عقبة بن عامر : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلِّين من حين يخرج من بيته حتى يرجع . قال الحاكم عند تخريجه: صحيح على شرط مسلم. وخرجه الخلال في علله من حديث ابن لهيعة، عن أبي قبيل عنه يرفعه: هلاك أمتي في اللبن، قيل: يا رسول الله، وما اللبن؟ قال تحبون اللبن، وتدعون الجماعات والجمع، وتبدون . قال أبو قبيل: لم أسمع من عقبة إلا هذا الحديث، قال أبو عبد الرحمن: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بمثله، وحديث معاذ مرفوعا: ومن غدا إلى المسجد أو راح كان ضامنا على الله عز وجل قال الحاكم بعد تخريجه: هذا حديث رواته مصريون ثقات، ولم يخرجاه، وحديث عائشة مرفوعا: بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام رواه أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن عطاء، عن عائشة إلا الحسن بن علي الشروي، تفرد به قتادة بن الفضيل بن قتادة، وحديث سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار قال: سمعت رسول الله يقول: من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد يصلي في جماعة المسلمين لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب الله له بها حسنة، ولم يضع رجله الشمال إلا حط الله عنه بها خطيئة فليقرب أو ليبعد، وإذا صلى بصلاة الإمام انصرف وقد غفر له، قال: فإن هو أدرك بعضًا وفاته بعض كان كذلك، وإن أدرَك الصلاة، وقد صليت فأتمّ صلاته ركوعها وسجودها كان كذلك . رواه ابن زنجويه، وخرجه أبو داود من حديث معبد بن هرمز، وهو مجهول الحال لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء فيما رأيت. انتهى . رويناه في كتاب الثواب لآدم موصولًا من حديثه، عن روح، ثنا أبان بن أبي عياش عنه. ولفظه: من مشى إلى المسجد كان له بكل خطوة عشر حسنات وحديث عمر بن الخطاب قال: جاء جبريل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: بشِّر المشَّائين في الظلم إلى المساجد بنور تام يوم القيامة . ذكره عبدان من حديث علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع وهما ضعيفان، وحديث أبي الدرداء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد أتاه الله نورًا يوم القيامة . ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور من حديث زيد بن أبي أنيسة، وهو ضعيف، قال أبو القاسم في الأوسط: تفرد به زيد . انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما ذكره هو بعد . حدّثنا أبو زرعة ؛ ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن جنادة بن أبي خالد، عن مكحول، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال عليه السلام: من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد أتاه الله تعالى نورًا يوم القيامة . ومن حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا الدرداء : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من يكن المسجد بيته ضمن الله له الروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة وقال: لم يروه، عن إسماعيل إلا عمرو بن جرير. ورواه أبو نعيم في كتاب المساجد من حديث إسرائيل، عن عبد الله بن المختار، عن ابن واسع، عن ابن أبي الدرداء عنه، قال: واسم ابنه بلال، قال: وروى قتادة وإسماعيل، عن رجل، عن أبي الدرداء. وفي كتاب الثواب لآدم، ثنا أبو بكر، عن أبي حفص، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد عنه موقوفا: من لم يعد الغدو والرواح إلى المساجد في سبيل الله فقد قبل عمله . وفي العلل المتناهية: المساجد بيوت الله في الأرض. الحديث. وقال: المحفوظ مرسل، وحديث أبي أمامة الباهلي يرفعه: من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى فأجره كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين . قال أبو القاسم في الأوسط: ورواه الهيثم بن حميد، عن يحيى بن الحارث عن القاسم عنه: لم يروه عن يحيى بهذا التمام إلا الهيثم. وذكره ابن زنجويه في كتابه موقوفا بلفظ: أقسمت لكم بالله إنّ من خير أعمالكم الغدو والرواح إلى المساجد . وحديث زيد بن ثابت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقارب بين الخطا إلى المساجد وقال: إنما فعلته لتكثر خطاي . قال الرازي في علله: رواه جماعة، عن ثابت، عن أنس، عن زيد فلم يوصله أحد إلا الضحاك بن نبراس، وهو لين الحديث، وتابعه محمد بن ثابت العبدي وليس بقوي، والصحيح موقوف . انتهى. ورويناه في كتاب الثواب لآدم موصولا من حديثه، عن روح، ثنا أبان بن أبي عياش عنه، ولفظه: من مشى إلى المسجد كان له بكل خطوة عشر حسنات . قال أبو عيسى: اختلف الناس في المشي إلى المسجد، فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى حتى ذكر عن بعضهم أنه كان يهرول إلىَ الصلاة، ومنهم من كره الإسراع، وبه قال أحمد وإسحاق. قال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولىَ فلا بأس أن يسرع في المشي.

385

13 - حدثنا إبراهيم بن محمد الحلبي، ثنا يحيى بن الحارث الشيرازي، ثنا زهير بن محمد التميمي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليبشّر المشاؤون في الظلم إلى المساجد بنور تام يوم القيامة . هذا حديث إسناده صحيح . وخرجه الحاكم في مستدركه ولم يحكم عليه بشيء ولا التفات إلى قول ابن الجوزي إذ رده بزهير المخرَج حديثه عند الشيخين، وأما إبراهيم فوثقه ابن حبان ويحيى، قال الحاكم : كان ثقة، وكان عبد الله بن داود يثني عليه، والباقون فلا تسأل عنهم.

386

10 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: من سره أن يلقى الله عز وجل مسلما فليحافظ على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهنّ من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم - صلى الله عليه وسلم - سنن الهدى، ولعمري لو أنّ ذلكم صلّى في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلّا منافق معلوم النفاق، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يدخل في الصف، وما من رجل يتطهَّر فيحسن الطهور فيعمد إلى المسجد فيصلي فيه فما يخطو خطوة إلّا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة . هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف راويه أبي إسحاق إبراهيم بن مسلم العبدي الكوفي، ثم الهجري نسبة إلى هجر، ومعنى الهجرية: القرية، والقصور الملتفة، وهي قرية مأرب القديمة.كذا ذكره ابن أبي الدمية. وقال اليعقوبي: هي مدينة البحرين، وقال القالي: قال بعضهم: الهاجري نسبة إلى هجر بالألف واللام، قال الرشاطي: وليس هذا القول بمرضي، قال البكري: سميت بهجر بنت مكنف من العماليق. وقال الزجاجي في مختصر الكت اب الزاهر: وكانت بيتها. وفي كتاب البلدان للكلبي: كانت هجر من العرب المتعربة، وهي زوج محكم بن عبد الله صاحب النهر الذي بالبحرين الذي يقال له: نهر محكم. وقال الحازمي: هي قصبة بلاد البحرين بينها وبين سيرين سبعة أيام. وقال ياقوت: هجر اسم يشمل جميع نواحي البحرين كما يقال: الشّام والعراق، وهي أيضا قرية كانت قرب المدينة، وهي أيضا قرية باليمن بينها وبين عثر يوم وليلة. وفي كتاب البلدان للزمخشري: هجر من البحرين بغير ألف وتصرف ولا تصرف، والهجر أيضا: موضع بالألف واللام. وفي كتاب ابن سيده: هجر مدينة تصرف ولا تصرف، قال سيبويه: سمعنا من العرب من يقول: كجالب التمر إلى هجر يا فتى، والنسب إليه هجري على القياس، وهاجري على غير قياس، قال: وربت غارة أوضعت فيها كسح الهاجري جريم تمر وفي الصحاح: هجر اسم بلد مذكر مصروف، والنسبة إليه هاجري على غير قياس، وفيه قيل للبناء: هاجري. وقال القزاز: هو معرفة لا يدخله الألف واللام، وإياه أراد الشاعر: مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر فإنّه وإن كان الحاكم قد قال: لم ينقم عليه بحجة، وليس بالمتروك إلا أن الشيخين لم يحتجا به. وقال الأزدي : كان صدوقا، ولكنه رفاع كثير الوهم. وقال ابن عدي : وأحاديثه عامتها مستقيمة المتن، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، هو عندي ممن يكتب حديثه، وخرج الحافظ أبو بكر بن خزيمة حديثا له في صحيحه، فقد قال فيه النسائي : ضعيف . وقال يحيى بن معين : ضعيف، ليس بشيء. وفي كتاب ابن أبي خيثمة : ليس حديثه بشيء. وقال ابن المديني، عن أبيه : قال سفيان : كان الهجري يحفظ حديثين على ما هو فيه، قال: وسمعت أبي يقول: لا أُحدث عن الهجري بشيء كان رفاعا وضعفه . وقال مرة، عن ابن عيينة : كان الهجري يسوق الحديث سياقة جيدة على ما فيه . وقال الرمادي عنه أي : سفيان ابن عيينة : رأيته، وقد أقاموه في الشّمس يستخرج منه شيء وكان يلعب بالشطرنج . وقال المسندي عنه أي : سفيان ابن عيينة : كان إبراهيم ضعيفا، وقال عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عنه أي : سفيان ابن عيينة : أتيته فدفع إلي عامة كتبه فرحمت الشيخ فأصلحت له كتابه، قلت: هذا عن عبد الله، وهذا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا عن عمرو . وقال أبو حاتم الرازي : لين الحديث ليس بقوي . وقال أبو بكر الرازي : رفع أحاديث أوقفها غيره . وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم . وقال أبو موسى : ما سمعت يحيى يحدث عن سفيان عن الهجري، وكان عبد الرحمن يحدث عن سفيان عنه . وقال ابن سعد : كان ضعيفا في الحديث . وقال الحربي في علله: فيه ضعف، وأستغفر الله تعالى من ذلك . وقال علي بن الجنيد : متروك، وذكره أبو عبد الله الجعفي في كتاب الضعفاء تأليفه. وكذلك العقيلي ، وسئل عنه أحمد : يحدث عنه؟ قال: قد روى عنه شعبة . وقال البرقي في كتاب الطبقات: كان ضعيفا، ولما ذكره أبو العربي في كتاب الضعفاء قال: قال أبو الحسن : هو كوفي يكتب حديثه وفيه ضعف. وفي موضع آخر: هو ضعيف، وقال أبو داود : قال يحيى بن سعيد : كان الهجري يسوق الحديث سياقة جيّدة، وذكره يعقوب في جملة من يرغب عن الرواية عنهم، وردّ به البيهقي وأبو عمر، وابن حزم، والحافظ ضياء الدين المقدسي، وابن طاهر في التذكرة، وأبو الفرج في التحقيق، وأبو محمد الإشبيلي، وأبو الحسن بن القطان غير حديث، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سالمة من مضعف، رواها مسلم في صحيحه، عن أبي بكر، حدّثنا محمد بن بشر، ثنا زكرياء بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، وعن أبي بكر، ثنا أبو نعيم، ثنا أبو العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص بزيادة: ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سنة نبيكم، وإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علّمنا سنن الهدى، وإنّ من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذِّن فيه . وعند أبي داود: ما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته وفيه: ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم . وفي كتاب النسائي: وإني لا أحسب منكم أحدا إلّا له مسجد يصلي فيه في بيته وفيه: ولقد رأيتنا نقارب بين الخطا وفيه: ويرفع له بها درجة من غير شك والله تعالى أعلم.

387

11 - حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري، ثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم، ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك . هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف راويه أبي الحسن عطية بن سعد بن جنادة الجدلي القيسي الكوفي العوفي، وإن كان الترمذي حسّن له أحاديث . وقال ابن معين في رواية عنه: صالح، وقال ابن سعد : كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به، فقد قال فيه الإمام أحمد : ضعيف الحديث، بلغني أَنه كان يأتي الكلبي ويسأله التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد، وكان هشيم يتكلم فيه، وقال أبو زرعة : ليّن. وقال أبو حاتم : ضعيف يكتب حديثه. وقال ابن عدي : وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يعد من شيعة أهل الكوفة . وقال السعدي : كان مائلا، وضعّفه الثوري . وقال الكوفي: تابعي وليس بالقوي، ولما ذكره الأصمعي في حكاياته المجموعة عنه قال: هو من عدوان بن عمرو بن قيس غيلان بن مضر كان يتشيع، ومات زمن الحجاج، وخالف ذلك المستملي؛ فذكر أنه توفي سنة إحدى عشرة ومائة. وقال النسائي : هو ضعيف . وقال ابن حبان : سمع من الخدري أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبي، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حفظ ذلك ورواه عنه، وكنّاه أبا سعيد، فيظن أنه أراد الخدري وإنما أراد الكلبي لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب . وقال يحيى بن سعيد : هو وأبو هارون، وبشر بن حرب عندي سواء، وقال أبو خالد الأحمر: قال لي الكلبي: قال لي عطية: كنيتك أبا سعيد فأنا أقول: ثنا أبو سعيد. وقال البزار : كان يغلو في التشيع، روى عنه جلّة الناس نحو من أربعين رجلا منهم نحو ثلاثين جليل . وقال الحربي : غيره أوثق منه . وقال الساجي : ليس حديثه بحجة، كان يقدم عليا على الكل . وقال العقيلي : كان ضعيفَا . وقال ابن معين: هو ضعيف، وأما الفضل بن الموفق فهو، وإن كان الرازي قال فيه: كان شيخًا صالحا ضعيف الحديث، فقد وثقه البستي . ورواه أبو نعيم الفضل في كتاب الصلاة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: حدثني أبو سعيد الخدري فذكره موقوفًا، وذكره أبو الفرج في علله من حديث عبد الحكم السدوسي، عن أبي الصديق عنه، وضعفه بالسدوسي .

388

49 - حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا عبد الله بن يزيد ، عن يحيى بن أيوب ، عن زيد بن جبيرة ، عن داود بن الحصين ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلى في سبع مواطن : في المزبلة ، والمجزرة ، وقارعة الطريق ، والحمام ، ومعاطن الإبل ، وفوق الكعبة . هذا حديث لما رواه أبو عيسى قال : حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي ، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه ، وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث ، عن عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وحديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشبه وأصح من حديث الليث ، وعبد الله بن عمر العمري ، ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه ، قال أبو عيسى : وزيد بن جبيرة الكوفي أثبت من هذا وأقدم ، فقد سمع من ابن عمر ، وقال أبو محمد الإشبيلي : غير أبي عيسى يقول في هذا الإسناد أكثر من هذا ، وقال أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام : حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي ، وهو أشبه وأصح من حديث الليث ، وقال أبو الفرج في العلل المتناهية : هذا خبر لا يصح ، وقال أبو الخطاب بن دحية : هذا حديث باطل عندهم أنكروه على ابن جبيرة ، ولا يعرف مسندا إلا برواية يحيى بن أيوب عنه ، ولا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله ، وقال أبو زكريا الساجي : زيد بن جبيرة الأنصاري يحدث عن داود بن حصين ثقة إلا أنه أتى بمنكر في هذا الحديث يعني حديث ابن عمر ، وقال أبو جعفر العقيلي : زيد بن جبيرة منكر الحديث ، من حديثه : ما حدثناه عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة ، ثنا المقرئ ، ثنا يحيى بن أيوب ، عن زيد ، عن داود فذكره ، وثنا يحيى ، ثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - نحوه ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا الحسن بن علي ، ثنا ابن أبي مريم ، ثنا الليث بن سعد : قال : هذه نسخة رسالة من عبد الله بن نافع مولى ابن عمر إلى الليث بن سعد : أما بعد فإن نافعا كان يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه : نهى أن يصلى في سبع مواطن : مواطن الإبل ، والمجزرة ، والمزبلة ، وفي مصلى قبلته إلى مرحاض ، وقارعة الطريق ، والمقبرة ، وظهر بيت الله العتيق ، قال : ولا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل ؛ فأما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض ، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره ، وقد حدثني نافع أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مربدا لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يذهبن فيه ، ثم ابتاعته حفصة - رضي الله عنها - منهن فاتخذته دارا . وأما ما ذكرت من معاطن الإبل : فقد بلغنا أن ذلك يكره ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على راحلته ، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة فيصلي إليها وهي تبعر وتبول ، وأما ما ذكرت من الصلاة في المقبرة ؛ فإن أبي حدثني أن عبد الله بن عمر صلى على رافع بن خديج في المقبرة ، وهو إمام الناس يومئذ . وذكره أبو الفضل بن طاهر في كتاب التذكرة ورده بزيد ، وذكره أبو أحمد في كامله في باب ما أنكر على زيد بن جبيرة يعني أبا جبيرة الأنصاري القائل فيه يحيى بن معين : لا شيء . وقال أبو حاتم : منكر الحديث جدا متروكه . وقال النسائي : متروك الحديث . وفي التمييز : ليس بثقة . وقال الأزدي : متروك الحديث . وقال الدارقطني : ضعيف الحديث . وقال ابن حبان : يروي المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته . وقال أبو أحمد الحاكم : حديثه ليس بالقائم . وقال أبو عمر في الاستغناء : أجمعوا على أنه ضعيف الحديث . انتهى ، وفيه نظر ؛ لما تقدم من عند الساجي وغيره ، ولما ذكر له الحاكم حديثا في مستدركه صحح إسناده . وأما يحيى بن أيوب أبو زكريا البغدادي الزاهد المقابري ، وداود بن الحصين ، وإن كان فيهما كلام فحديثهما في الصحيح .

389

50 - حدثنا علي بن داود ، ومحمد بن أبي الحسين قالا : ثنا أبو صالح ، حدثني الليث ، عن عبد الله بن عمر ، حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة : ظاهر بيت الله ، والمقبرة ، والمزبلة ، والمجزرة ، والحمام ، وعطن الإبل ، ومحجة الطريق . هذا حديث سبق الكلام عليه ، ورده أبو علي الطوسي بعلي بن داود أيضا والله أعلم وقال البزار : لا نعلمه يروى عن ابن عمر عن عمر إلا من هذا الوجه ، ولا نعلم حدث به عن عبد الله بن عمر إلا الليث بن سعد . وفي الباب حديث عائشة وذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم كنيسة بالحبشة ، فقال : أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل ، وحديث ابن عباس قال - صلى الله عليه وسلم - : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا . وحديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، خرجاه في صحيحيهما . وحديث جندب : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس ، وهو يقول : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، وحديث أبي مرثد الغنوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها ، رواهما مسلم . وحديث ابن عمر ؛ قال - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا ، ذكره البخاري ، وقال الإسماعيلي : إن هذا الحديث يدل على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر . وفي كتاب ابن المنذر : هذا يدل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة ، وللعلماء في معنى هذا الحديث قولان : أحدهما : أنه ورد في صلاة النافلة ، وهو الظاهر . الثاني : في الفريضة ، يعني بذلك من لا يقدر على الخروج ، وفيه بعد . وفي كتاب ابن التين : تأول البخاري هذا مع الصلاة في المقابر ، وأخذ عليه ، وذلك أن جماعة أولوه على أنه - عليه السلام - ندب إلى الصلاة في البيوت ، إذ الموتى لا يصلون في قبورهم ، فقال : لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم ، وهي في القبور . وأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك ، وحديث علي - رضي الله عنه - أنه مر ببابل وهو يسير ، فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن ، فأقام ، فلما فرغ قال : إن حبيبي - عليه السلام - نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل ، فإنها ملعونة . ذكره أبو داود من حديث الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاري سعيد بن عبد الرحمن عنه ، وذكره أبو عبد الله الجعفي في صحيحه بلفظ : ويذكر عن علي أنه كره الصلاة بخسف بابل ، وذكر ابن يونس : أبا صالح هذا ، فقال : روى عن علي ، وما أظنه سمع منه ، وقال الإشبيلي : هذا حديث واه ، وزعم ابن القطان : أن فيه رجالا لا تعرف حالهم . وقال البيهقي في المعرفة : إسناده غير قوي . وقال الخطابي : إسناد هذا الحديث فيه مقال ، ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل ، وقد عارضه ما هو أصح منه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون معناه أنه نهاه أن يتخذها وطنا ، ودارا للإقامة ، فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها . ويخرج النهي فيه على الخصوص ، ألا ترى إلى قوله نهاني حبيبي ، أو يحتمل أن يكون أنذره ما يلقى من المحنة بالكوفة ، وهى من أرض بابل والله أعلم وفي السن الكبير للبيهقي : وروينا عن عبد الله بن أبي محل العامري قال : كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه ، وعن حجر بن عدي الحضرمي ، عن علي قال : ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرات . وقال أبو بكر : وهذا النهي إن ثبت مرفوعا ، ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة ، فلو صلى فيها لم يعد ؛ ، وإنما هو كما جاء [ في حديث الحجر ] ، وحديث ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم ، لا يصيبكم ما أصابهم ، أدخله البخاري في باب الصلاة ، في موضع الخسف والعذاب ، وفي كتاب البيهقي : وروينا عن ابن عمرو بن العاص أنه : كان يكره أن يصلي الرجل في الحمام ، وروينا عن ابن عباس : أنه كره أن يصلي إلى حش ، أو حمام ، أو قبر ، ورأى عمر أنسا يصلي وبين يديه قبر لا يشعر به ، فناداه : القبر القبر ، وحديث أبي سعيد مولى المهري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تتخذوا بيوتكم قبورا ، أنبأنا به المسند الجودري ، عن أبي الحسن المحمودي ، أنبأ الحافظ أبو طاهر ، أنبأنا أبو مسعود محمد بن عبد الله بن أحمد السوذرجاني ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمدان الحبال ، قال السلفي : وأنبأ أبو القاسم الفضل بن علي السكري ، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الذكواني قالا : أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم ، ثنا جدي أبو موسى ، عن عيسى بن إبراهيم ، ثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني بجميع كتاب الثواب تأليفه ، ثنا حبان ، عن محمد بن عجلان عنه ، وحديث الحسن قال : حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش ، أو حمام ، أو مقبرة ، ذكره أبو أحمد من حديث عباد بن كثير الثقفي ، عن عثمان الأعرج عنه ، ورده بضعف عباد ، وزاد ابن القطان علة أخرى ؛ وهي الجهالة بحال عثمان ، فإنها لا تعرف . وفي كتاب البزار من حديث الأشعث عنه ، عن أنس : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بين القبور ، وسنده صحيح ، قاله عبد الحق في الكبرى . وحديث أبي هريرة يرفعه : لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، رواه مسلم ، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند حديث عمر إن شاء الله تعالى . غريبه : قال ابن سيده : القبر مدفن الإنسان ، وجمعه : قبور ، والمقبرة ، والمقبرة : موضع القبور ، قال سيبويه : المقبرة ليس على الفعل ، ولكنه اسم . وفي الصحاح : وقد جاء في الشعر المقبر ، قال الشاعر : لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون ، والقبور تزيد . وهو المقبري ، والمقبري ، قال ابن بري : وقول أبي نصر : إن المقبر بفتح الباء قد جاء في الشعر ، يقضى أنه من الشاذ ، وليس كذلك ؛ بل هو قياس مطرد في اسم المكان من قبر : يقبر المقبر ، ومن خرج : يخرج المخرج ، ومن دخل : يدخل المدخل ، وهو قياس مطرد لم يشذ عنه من غير الألفاظ المعروفة ، مثل المنبت ، والمسقط ، والمطلع ، والمشرق ، والمغرب ، ونحوها . قال ابن سيده : والحمام : الديماس مشتق من الحميم مذكر ، وهو أحد ما جاء من الأسماء على : فعال ، نحو : القذاف ، والجبان ، والجمع : حمامات ، قال سيبويه : جمعوه بألف وتاء ، وإن كان مذكرا حين لم يكسر ، جعلوا ذلك عوضا من التكسير ، وفي الصحاح : الحمام مشدد ، واحد الحمامات المبنية . وفي الأوائل : أول من اتخذ له الحمام سليمان ، قالوا : أراد أن يتذكر به الآخرة ، فلما دخلها قال : أوه من عذاب الله تعالى . وأما المجزرة فزعم الجوهري : أن المجزر بكسر الزاي : موضع جزر الجزور يقال : جزرت الجزور أجزرها بالضم ، واجتزرتها إذا نحرتها ، وجلدتها . وفي الحديث عن عمر : إياكم وهذه المجازر ، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر ، قال الأصمعي : يعني ندي القوم ؛ لأن الجزور إنما يذبح عند جمع الناس . قال : المزبلة والمزبلة بالضم أيضا : موضع الزبل ، وهو السرجين ، قال أبو محمد بن حزم : ولا تحل الصلاة في حمام ، سواء في ذلك مبدأ بابه إلى منتهى جميع حدوده ، ولا على سطحه ، وسقف موقده ، وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما ، فإن سقط من بنيانه شيء يسقط عنه اسم حمام ، جازت الصلاة في أرضه حينئذ ، ولا في مقبرة لمسلم كانت أو لكافر ، فإن نبشت وأخرج ما فيها من الموتى جازت الصلاة فيها ، ولا إلى قبر ولا عليه ، ولو أنه قبر نبي ، وبهذا يقول طوائف من السلف ، روينا عن نافع بن جبير ، أنه قال : كان ينهى أن يصلى ، وسط القبور ، والحمام ، والحشان ، وعن ابن عباس قال : لا تصلين إلى حش ، ولا حمام ، ولا في مقبرة . قال أبو محمد : ولا نعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة . وعن إبراهيم قال : كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات قبلة : الحمام ، والحش ، والمقبرة ، وعن العلاء بن زياد ، عن أبيه ، وخيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا : لا تصل إلى حمام ، ولا إلى حش ، ولا وسط مقبرة . وقال أحمد : من صلى في حمام ، أو مقبرة ، أو إلى مقبرة أعاد أبدا . وعن علي : من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد ، وعن ابن عباس رفعه : لا تصلوا على قبر ، ولا إلى قبر قال ابن جريج : قلت لعطاء : أيكره أن يصلى إلى قبر ، أو وسط القبور؟! قال : نعم ، كان ينهى عن ذلك ، فإن كان بينك وبين القبر سترة ذراع فصل . وعن عمرو بن دينار نحوه ، وكان طاوس يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة . قال أبو محمد : فهؤلاء الصحابة لا نعلم لهم من الصحابة أيضا مخالفا ، وكره الصلاة على القبر ، وإلى القبر وفي المقبرة : أبو حنيفة ، والأوزاعي ، وسفيان ، ولم ير مالك بذلك بأسا . وأما الصلاة على ظهر الكعبة فسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه .

390

14 - باب المواضع التي يكره فيها الصلاة 48 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا يزيد بن هارون ، ثنا سفيان ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، وحماد بن سلمة ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام . هذا حديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد الواحد بن زياد ، ثنا عمرو ، وقال : تابعه عبد العزيز بن محمد عن عمرو ، قال : وتابع عمارة بن غزية عمرو بن يحيى على روايته عن أبيه يحيى بن عمارة ، ثم قال : هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ، ومسلم ، ولم يخرجاه ، وخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن عمران بن موسى ، ثنا أبو كامل ، ثنا عبد الواحد به ، ولما خرجه الدارمي في مسنده الذي زعم الضياء أنه صحيح ذكر آخره ، قيل لأبي محمد : تجزئ الصلاة في المقبرة ؟ قال : إذا لم يكن على القبر فنعم ، قال : والحديث أكثرهم أرسله ، وذكره ابن حزم مصححا له ، ثم قال : وقال بعض من لا يتقي عاقبة كلامه في الدين : هذا حديث أرسله الثوري ، وشك في إسناده موسى بن إسماعيل ، عن حماد فكان ماذا ؟ وهم يقولون : إن المسند كالمرسل ولا فرق ثم أي منفعة لهم في شك موسى ، ولم يشك حجاج ، وإن لم يكن فوق موسى فليس دونه أو في إرسال سفيان ، وقد أسند حماد ، وأبو طوالة ، وعبد الواحد ، وابن إسحاق ، وكلهم عدل . وفي كتاب المعرفة : قال الشافعي : وحدث هذا الحديث في كتابي في موضعين : أحدهما : منقطع ، قال أبو عبد الله : وبه نقول ومعقول أنه كما جاء الحديث ، ولو لم يبينه ؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة . وقال أبو عيسى : حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين ، منهم : من ذكره عن أبي سعيد ، ومنهم من لم يذكره ، وهذا حديث فيه اضطراب ، روى سفيان الثوري ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، ورواه حماد بن سلمة ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسندا ، ورواه محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، قال : وكان عامة روايته عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه أبا سعيد ، وكأن رواية الثوري ، عن عمرو ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصح وأثبت ، وقال في العلل : كان الدراوردي أحيانا يذكر فيه أبا سعيد وربما لم يذكره ، والصحيح : رواية الثوري وغيره ، عن عمرو ، عن أبيه مرسل ، وبنحوه ، قاله أبو علي الطوسي في أحكامه ، وفي ما قالاه نظر ؛ من حيث إن ابن ماجه ساق رواية الثوري بسنده قبل والله أعلم وقال البيهقي : حديث الثوري مرسل ، وقد روي موصولا ، وليس بشيء . انتهى كلامه ، وهو غير صواب ؛ لما قدمناه مسندا صحيحا ، وفي قول الترمذي : إن ابن إسحاق لم يسنده نظر ؛ لما تقدم من عند ابن حزم ، ولما يأتي من عند البزار ، ورواه أبو داود ، عن موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد ، وثنا مسدد ، ثنا عبد الواحد ، عن عمرو ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، قال موسى في حديثه : فيما يحسب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكره ، قال أبو الحسن بن القطان : فقد أخبر حماد في روايته أن عمرا شك في ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم ومنتهى الذين رووه مرفوعا إلى عمرو فإن الحديث حديثه ، وعليه يدور ، فسواء شك أولا ، ثم تيقن ، أو تيقن ثم شك ، فإنه لو تعين الواقع منهما أنه الشك بعد أن حدث به متيقنا للرفع ؛ لكان مختلفا فيه ، فمن يرى نسيان المحدث قادحا لا يقبله ، ومن يراه غير ضائر يقبله ، وإن قدرناه حدث به شاكا ثم تيقن ، فهاهنا يحتمل أن يقال : عثر بعد الشك على سبب من أسباب اليقين ، مثل أن يراه في مسموعاته ، أو مكتوباته فيرتفع شكه فلا نبالي ما تقدم من تشككه ، ومع هذا فلا ينبغي للمحدث أن يترك بمثل هذا في نقله ؛ فإنه إذا فعل فقد أراد منا قبول رأيه في روايته ، وهذا كله إنما يكون إذا سلم أن الدراوردي وعبد الواحد الرافعين له سمعاه منه غير مشكوك فيه ، فإنه من المحتمل أن لا يكون الأمر كذلك بأن سمعاه مشكوكا فيه كما سمعه حماد ، ولكنهما حدثا به ، ولم يذكرا ذلك اكتفاء بحسبانه ، وعلى هذا تكون علة الخبر لا شيء، فاعلم ذلك . انتهى كلامه وفيه نظر ؛ من حيث قوله عن عمرو ، والحديث حديثه ؛ لما أسلفناه صحيحا من عند الحاكم من أن عمارة بن غزية رواه عن يحيى كرواية ابنه عمرو ، ورواه البزار من حديث زياد ، ثنا أبو طوالة ، عن عمرو مرفوعا ، وقال : رواه جماعة ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ولم يقولوا عن أبي سعيد ، ورواه عبد الواحد ، وعبد الله بن عبد الرحمن ، ومحمد بن إسحاق مرفوعا ، وقد أسلفنا عن ابن حزم أن حجاجا رواه عن حماد بغير شك ، وكذلك يزيد بن هارون المذكور عند ابن ماجه ، وهو رد ؛ لما ذكره ابن القطان أيضا ، وأما تعداد الرواة الذين أسندوه عن البزار ؛ فقد أغفل ما ذكره أبو القاسم ؛ إذ رواه من حديث حجاج بن منهال ، وخارجة بن مصعب ، عن عمرو مسندا ، وأما قول أبي الخطاب بن دحية في كتابه المولد : حديث أبي سعيد يعني هذا لا يصح من طريق من الطرق ، بين ذلك أهل التعديل والتجريح ، فغير صحيح ؛ لما قدمنا تصحيحه في الترجيح الذي سلم به الحديث من التجريح .

391

الدعاء عند دخول المسجد 4 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم وأبو معاوية، عن ليث، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه، عن فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل المسجد قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك. هذا حديث لما رواه أبو عيسى، عن علي بن حجر، عن إسماعيل بلفظ: إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، قال: وقال ابن حجر: قال إسماعيل: فلقيت عبد الله بن الحسن بمكة فسألته، عن هذا الحديث فحدثني به فقال: كان إذا دخل قال: رب افتح لي باب رحمتك، وإذا خرج قال: رب افتح لي باب فضلك قال: وحديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة ابنة الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، إنّما عاشت فاطمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أشهرًا، وذكر الإسماعيلي في كتاب مسند فاطمة - رضي الله عنها - أنّ سعير بن الخمس رواه عن عبد الله بن الحسن بلفظ: إذا دخل المسجد حمد الله، وسمى وقال: الحمد لله. قال: رواه عنه أيضًا قيس بن الربيع، وعاصم بن سليمان بلفظ: إذا دخل المسجد قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رزقك. والدراوردي فأرسله عن فاطمة بنت حسين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لابنته فاطمة: إذا دخلت المسجد فقولي: بسم الله، والحمد لله،اللهم اغفر لي ذنوبي وسهّل لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت فقولي: بسم الله، والحمد لله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رزقك . قال الإسماعيلي : قال شيخنا المنيعي: رواه صالح بن موسى الطلحي، عن عبد الله بن حسن، عن أمّه فاطمة، عن أمها عن علي. ورواه روح بن القاسم، عن عبد الرحمن بن الحسن، عن أمه فاطمة مرسلا. وفي كتاب العلل، عن أحمد، قال عبد الله: حدثنا أبي بحديث حسان بن إبراهيم الكرماني، عن عاصم، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت حسين بن علي، عن أمها فاطمة الحديث، فقال أبي : ليس هذا من حديث عاصم، هذا من حديث ليث . وقال الدارقطني في كتاب العلل: وحدّثنا به ابن صاعد، ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، ثنا سعير بن الخمس، عن عبد الله بن الحسن فذكره.

392

6 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا الضحاك بن عثمان، حدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم. هذا حديث خرجه الحافظان ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. زاد البزار في آخره: وليقل: اللهم اعصمني من السوء. ولفظ الحاكم : اللهم أجرني من الشيطان وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه . وفي الباب حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليتعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم . رواه أبو داود بسند صحيح، عن إسماعيل بن بشر، ثنا ابن مهدي، عن ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم عنه . وفي كتاب الفضل بن دكين: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن ذي حدان قال: قلت لعلقمة: ما يقول الرجل إذا دخل المسجد؟ قال: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله وملائكته على محمد.

393

5 - حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وعبد الوهاب بن الضّحاك قالا: ثنا إسماعيل بن عياش ، عن عمارة بن غزية، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، عن أبي حميد الساعدي: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إنِّي أسألك من فضلك . هذا حديث إسناده ضعيف، لضعف ابن عياش ، وهو في صحيح مسلم، عن يحيى بن يحيى، ثنا سليمان، عن ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد، أو عن أبي أسيد، إلا أنه لم يقل: فليسلم، وعن حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل، ثنا عمارة فذكر فيه الشك والسلام. ورواه الدراوردي عند أبي داود، عن ربيعة، عن عبد الملك قال: سمعت أبا حميد أو أبا أسيد، ولما سئل أبو زرعة عنه قال: اختلف على ربيعة ؛ فروى بشر بن المفضل، عن عمارة بن غزية، عن أبي حميد، عن أبي أسيد، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورواه سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد، وأبي أسيد، قال أبو زرعة : عن أبي حميد، وأبي أسيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، كلاهما أصح، قال ابن أبي حاتم: لم يكن أخرج أبو زرعة من خالف بشرًا، عن عمارة، وأحسب أنه لم يكن وقع عنده، أنبأنا يونس قراءة عليه، عن ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمارة، عن ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد، وأبي أسيد، كما رواه سليمان فدلّ أنّ الخطأ من بشر بن المفضل، والله أعلم. ويشبه أن يكون الملجئ لابن ماجه أن يرويه عن إسماعيل سلامة روايته من الشك، والله أعلم.

394

بسم الله الرحمن الرحيم رب يا كريم يسر، واختم بخير باب الصلاة في أعطان الإِبل 1 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، وثنا أبو بشر بكر بن خلف، ثنا يزيد بن زريع، قالا: ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن لم تجدوا إلّا مرابض الغنم، وأعطان الإِبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : حسن صحيح . وخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا ابن زريع، وثنا إسحاق، ثنا سويد بن نصر، أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن هشام، عن ابن سيرين عنه. زاد أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أبي حيان، عن أبي زرعة عنه مرفوعا: الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها وصلّوا في مرابضها . وفي كتاب البزار: أحسنوا إليها وأميطوا عنها الأذى، فإنّها من دواب الجنة. قال البيهقي : روي عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا، وهو أصح .

395

3 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب، ثنا عبد الملك بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني قال: أخبرني أبي، عن أبيه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا يصلى في أعطان الإِبل، ويصلى في مراح الغنم . هذا حديث إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد تقدّم في كتاب الطهارة جملة من معنى هذا الحديث، وكذا حديث أنس في بنيان المسجد، وفيه: كان يصلي في مرابض الغنم في كتاب الصلاة، وحديث عقبة بن عامر يرفعه: صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل. قال أبو القاسم : لا يروى عن عقبة إلّا بهذا الإِسناد، تفرد به ابن وهب، يعني: عن عاصم بن حكيم، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبيه عنه، وحديث ابن عمرو يرفعه: لا تصلوا في أعطان الإبل وصلوا في مراح الغنم وقال: لم يروه عن هشام بن عروة - يعني: عن أبيه - إلّا يونس بن بكير . قال الشّافعي، رحمه الله: يجوز الصلاة في الموضع الذي يقع عليها اسم مراحها الذي لا بعر فيه ولا بول، وأكره له الصلاة في أعطان الإِبل، وإن لم يكن فيها قذر، فإن صلّى أجزأه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى فمر به شيطان فخنقه حتى وجد برد لسانه على يده، ولم يفسد ذلك صلاته، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعير، وهذا وإن لم يكن صلاة في موضع الإِبل فهي صلاة بقرب الإِبل، وكانت جائزة لطهارة المكان كما كره الصلاة قرب الشيطان في موضع ومر به الشيطان في حين آخر فلم تفسد صلاته، وزعم القرطبي: أنّ الصلاة كرهت في المعاطن، وهي موضع إقامتها عند الماء واستيطانها لشدة نفورها، أو لأنهم كانوا يختلفون بينها مستترين بها أو لخوف نفارها فيذهب خشوع المصلي، وزعم ابن حزم أن الصلاة في المعاطن لا تحل، فإن كان لرأس أو لرأسين فالصلاة فيه جائزة، وإنّما تحرم الصلاة إذا كان لثلاثة فصاعدا، قال ابن سيده: العطن للإبل كالوطن للناس، وقد غلب على مبركها حول الحوض، والجمع أعطان، وعطنت الإبل: تَعْطِن، وَتَعْطُن عطونا، فهي عواطن وعطون، ولا يقال: إبل عُطّان، وأعطنها: حبسها عند الماء فبركت بعد الوِرْد، قال لبيد: عافتا الماء فلم نعطنهما إنّما يعطن أصحاب العلل والاسم: العَطِنة، وأعطن القوم: عطنت إبلهم، وقوم عطَّان، وعطون، وعَطَنَةٌ: نزلوا في أعطان الإبل، وقول أبي محمد الحَذلمي: وعطّن الذبّان في قمقامها لم يفسره ثعلب وقد يجوز أن يكون عطّن: اتخذ عطنا، كقولك عشّش الطائر: إذا اتّخذ عشا. وفي الجامع: قال الخليل: العَطَن: ما حول البئر والحوض من مبارك الإبل ومناخ القوم، وقالوا: كل مبرك يكون مألفا للإبل فهو عطن، وقال بعضهم: لا تكون الأعطان إلّا على الماء. وفي غيره: المأوى والمراح.

396

2 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل المزني، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلّوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل فإنها خلقت من الشياطين . هذا حديث إسناده صحيح متصل . قال البيهقي: كذا رواه جماعة عن يونس بن عبيد. وقال يزيد بن زريع، عن يونس: كذا روي، لم يذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ورواه النسائي، عن عمرو، عن يحيى، عن أشعث، عن الحسن مرفوعا. وفي حديث ابن كريز، عن الحسن عند البيهقي مرفوعا: إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإِبل فاخرجوا منها، فإنها جنّ من جنّ خلقت، ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها؟ . ورواه أبو نعيم الفضل عن المبارك بن فضالة، عن الحسن مرفوعا. وفي مسند ابن وهب بسند منقطع: نهي أن يصلى في معاطن الإِبل. زاد: وأن يصلى في مراح البقر والغنم

397

68 - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، أنبأنا عبد الله بن وهب ، أخبرني حيوة بن شريح ، عن محمد بن عبد الرحمن الأسدي أبي الأسود ، عن أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد ، أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل : لا رد الله عليك ، فإن المساجد لم تبن لهذا . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه أيضا ، زاد الترمذي : إذا رأيتم من يبيع ، أو يبتاع في المسجد ، فقولوا : لا أربح الله تجارتك . وفي الباب : حديث جابر قال : جاء رجل ينشد ضالة له في المسجد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا وجدت . رواه النسائي ، عن محمد بن وهب ، ثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، حدثني زيد ، عن أبي الزبير عنه ، وحديث جبير بن مطعم قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنشد في المسجد الضالة ، رواه أبو نعيم من حديث سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثني أبي عنه ، وحديث ابن مسعود وسمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فغضب ، وسبه فقال رجل : ما كنت فحاشا قال : إنا كنا نؤمر بذلك ، رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عاصم ، عن أبي عثمان عنه ، وحديث أنس بن مالك : أن رجلا دخل المسجد ينشد ضالة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وجدت ، رواه أبو قرة موسى بن طارق السكسكي في سننه عن موسى بن عقبة ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عنه . يقال : نشدت الضالة : إذا طلبتها ، وأنشدتها : إذا عرفتها هذا هو الفصيح ، وحكى اللحياني في نوادره : نشدت الضالة نشدة ، ونشدة ، ونشدانا أي : طلبتها ، وأنشدتها ، ونشدتها : إذا عرفتها ، وأنشدت الضالة : أنشدها إنشادة ، إذا عرفتها ، وقال الأصمعي : في كل شيء رفعت به صوتك ، فقد أنشدت به ضالة كانت أو غيرها ، وفي المجرد لكراع : نشدت الضالة طلبتها ، وأنشدتها بالألف عرفتها لا غير ، وكذا قال أبو عبيد في الغريب المصنف ، وأنشد لأبي دؤاد : ويصيخ أحيانا كما استمع المضل لصوت ناشد . كذا ذكره ، ولم أجده في نسختي من شعر أبي دؤاد التي هي بخط ابن الطبال . قال الأصمعي : يقال في الناشد هنا أنه المعرف ، ويقال : بل الطالب ؛ لأن المضل يشتهي أن يجد مضلا مثله ليتعزى به ، وفي المحكم أنشدها : استرشد عنها ، زاد القزاز : نشدتها أنشدتها نشدا ، وأنا ناشد ، وأنشدتها إنشادا ، وأنا منشد . وأما من قال في بيت أبي دؤاد أنه المعرف ، فليس كذلك ؛ وإنما هو الطالب ، واستدل قوم على أن المنشد الطالب بقوله - صلى الله عليه وسلم - وذكر مكة شرفها الله تعالى : ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، قالوا : معناه : لا تحل لقطتها إلا لطالبها ، وهو ربها ، وهو الأفصح على ما ذكرنا ؛ لأن الطالب إنما يقال له : ناشد ، ولا يقال له : منشد يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - وسمع رجلا ينشد ضالة في المسجد : أيها الناشد غيرك الواجد : ومعنى الأول عند بعض اللغويين : أن لقطة مكة لا تحل أبدا ، فكان قوله : لا تحل لقطتها يريد البتة فلقن إلا لمنشد ، وهو يريد المعنى الأول ، ومثل هذا أن يقول الرجل : والله لا أكلمك فيقول الآخر : إن شاء الله ، فيقول ذلك ، وهو لا يريد فينفسخ يمينه ، ولكن لقن شيئا فلقنه ، ومعناه : لا يحل للملتقط منها إلا إنشادها ، وذكر بعضهم أن معناه : لا تحل حتى يعرف بها ، والأول أحسن ، وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يقال للناشد ذلك عقوبة له على مخالفته ، وعصيانه ، وفعله ما نهي عنه من ذلك ، والله وتعالى أعلم .

398

21 - باب النهي عن إنشاد الضوال في المسجد 67 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن أبي سنان سعيد بن سنان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل : من دعا إلى الجمل الأحمر ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وجدته ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، وحديث عمرو بن شعيب تقدم ذكره .

399

15 - باب ما يكره في المساجد 51 - حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي ، ثنا محمد بن حمير ، ثنا زيد بن جبيرة الأنصاري ، عن داود بن الحصين ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : خصال لا تنبغي في المسجد : لا يتخذ طريقا ، ولا يشهر فيه سلاح ، ولا ينبض فيه بقوس ، ولا ينثر فيه نبل ، ولا يمر فيه بلحم نيء ، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه من أحد ، ولا يتخذ سوقا . هذا حديث لما ذكره أبو أحمد بن عدي ، وأبو الفضل في كتاب التذكرة ضعفاه بزيد وقال أبو الفرج في العلل المتناهية : هذا خبر لا يصح ، ورواه أبو نعيم من حديث يحيى بن صالح الوحاظي ، ثنا علي بن حوشب ، عن أبي قبيل حيي ابن هانئ ، عن سالم عنه بلفظ : لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة ، ثم قال : تفرد به أبو قبيل ، عن سالم .

400

52 - حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي ، ثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيع والابتياع ، وعن تناشد الأشعار في المساجد . ثم كرر ذكره في باب إنشاد الضوال ، وهو حديث خرجه ابن خزيمة ، في صحيحه ، عن عبد الله بن سعيد ، ثنا أبو خالد ، ولفظه : عن البيع والابتياع ، وأن ينشد الضوال ، وعن تناشد الأشعار ، وعن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة يعني في المسجد . ولما رواه أبو عيسى ، عن قتيبة ، ثنا الليث ، عن ابن عجلان قال فيه : حديث حسن ، ولا التفات إلى قول ابن حزم : هذا خبر لا يصح ؛ لأنه من طريق عمرو ، عن أبيه ، عن جده ، وهي صحيفة ، أو من طريق هي أسقط منها ، زاد أحمد : وأن لا يشتري فيه ، وعند البيهقي : وعن تعريف الضالة .

401

53 - حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ، ثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا الحارث بن نبهان ، ثنا عتبة بن يقظان ، عن أبي سعيد ، عن مكحول ، عن واثلة بن الأسقع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : جنبوا مساجدنا صبيانكم ، ومجانينكم ، وشراءكم ، وبيعكم ، وخصوماتكم ، ورفع أصواتكم ، وإقامة حدودكم ، وسل سيوفكم ، واتخذوا على أبوابها المطاهر ، وجمروها في الجمع . هذا حديث معلل بأمور منها : ورواه أبو أحمد بن عدي في كامله من حديث عبد الرحمن بن هانئ ، وهو متهم بالكذب ، عن العلاء بن كثير ، وهو ضعيف ، عن مكحول ، عن واثلة ، وأبي الدرداء ، وأبي أمامة ، قالوا : سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : جنبوا مساجدكم فذكره بزيادة : واجعلوا على أبوابها المطاهر وغير ذلك ، ثم رده بالعلاء ، وكذلك أبو الفضل بن طاهر ، وأبو محمد الإشبيلي ، وأما أبو الحسن ابن القطان ، وصاحب العلل المتناهية فرداه بهما ، وأما إغفال ابن عساكر ، ومن بعده حديث ابن ماجه هذا فغير صواب ، وقد استدركناه في كتابنا المسمى بـ الإطراف بتهذيب الأطراف ، وفي الباب غير حديث ، من ذلك : حديث حكيم بن حزام قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن يستقاد في المسجد ، وأن تنشد فيه الأشعار ، وأن تقام فيه الحدود ، وخرجه أبو داود من حديث صدقه بن خالد ، عن محمد بن عبد الله الشعيثي ، عن زفر بن وثيمة عنه ، وزعم أبو محمد الإشبيلي : أنه حديث ضعيف ، وقال ابن القطان : لم يبين أبو محمد من أمره شيئا ، وعلته : الجهل بحال زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان ؛ فإنه لا يعرف بأكثر من رواية محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي عنه ، وروايته هو عن حكيم . انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث نظر في عين موضع النظر ، وذلك أن زفر لا يصلح أن يكون علة لحديث ؛ فإنه ممن سأل عثمان بن سعيد الدارمي أبا زكريا يحيى بن معين عنه ، فقال : ثقة ، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات ، وروى له الحاكم في مستدركه حديثا صحح إسناده ، وروى عن المغيرة بن شعبة ، وروى عنه أيضا محمد بن عبد الله النصري فيما ذكره أبو نعيم في كتاب المساجد ، وأظنهما واحدا ، وعلى كل حال زالت علته التي عصب بها ابن القطان رأس زفر . وأما الشعيثي الذي أبرزه أبو محمد عبد الحق ، فهو ثقة عند جماعة منهم : دحيم ، والمفضل بن غسان ، فصح على هذا إذا الحديث ، ولقائل أن يقول : ليس الأمر على ما ذكرت ، وذلك أنه حديث منقطع ، والمنقطع لا يكون صحيحا ، وبيانه عدم اتصال ما بين زفر ، وحكيم الذي أشار إليه ابن حبان بقوله : روى عن حكيم ، إن كان سمع منه ، وهذا وإن كان ظنا لا يقينا ، فإنه يخدش في الاتصال ؛ لكوننا لم نعرف مولده ليتضح سماعه منه ، أو عدمه ، ولأنا لم نره صرح بسماعه منه ، وإن لم يتهم بتدليس فغير كاف وجداننا روايته عنه مع هذا الخدش ، والله تعالى أعلم . وقد وجدنا دحيما لما ذكره نبه ، وأوضح ما استبهم علينا من حاله بقوله : لم يلق حكيما ، وأما ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر من أن وكيع بن الجراح رواه عن الشعيثي ، عن القاسم بن عبد الرحمن المزني ، عن حكيم ، وكذا قول الدارقطني : رواه عن حكيم : العباس بن عبد الكريم فغير مجد ؛ لعدم ذكر هذين في شيء من التواريخ جملة فيما أعلم . وحديث عبد الله بن مسعود : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ، رواه البزار ، وقال : ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبد الله ، وفي كتاب أبي نعيم من حديث الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبيه عنه مرفوعا : من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ، وفي المستدرك من حديث خارجة بن الصلت البرجمي قال : دخلت مع عبد الله ، فإذا القوم ركوع ، فركع فمر رجل فسلم عليه ، فقال عبد الله : صدق الله ، ورسوله إنه كان يقول : لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقا الحديث . وقال فيه : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه وبين رفعه مطولا ، وحديث مكحول رفعه إلى معاذ بن جبل ، ومعاذ رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : جنبوا مساجدكم صبيانكم ، وخصوماتكم ، وشراءكم ، وبيعكم ، وجمروها يوم جمعكم ، واجعلوا على أبوابها مطاهركم . رواه أبو نعيم في كتاب المساجد من حديث محمد بن مسلم الطائفي : عن عبد ربه بن عبد الله الشامي ، عن يحيى بن العلاء عنه ، وفي التفسير المنسوب للضحاك : من حديث برد ، عن مكحول عنه مرفوعا بلفظ : لتنهون صبيانكم ، عن اللعب في المساجد ، ويهودكم ، ونصاراكم أن يدخلوا المسجد ، أو ليمسخنكم الله قردة ، وخنازير ركعا وسجدا برد ، عن مكحول ، عن زيد بن ثابت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله ، برد عن مكحول ، قال صلى الله عليه وسلم : لا تقروا أهل الكفر بالله أن يدخلوا مساجدكم لما هم فيه من النجاسة ، برد ، عن مكحول قال - صلى الله عليه وسلم - : جنبوا مساجدكم مجانينكم ، وصبيانكم ، ورفع أصواتكم ، وبيعكم ، وشراءكم ، وسلاحكم ، وجمروها بين كل سبعة أيام ، وضعوا المطاهر بأبوابها وأفنيتها ، وحديث محمد بن مجيب ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : صليت العصر مع عثمان فرأى خياطا في ناحية المسجد ، فأمر بإخراجه ، فقيل له : يا أمير المؤمنين أنه يكنس المسجد ، ويغلق أبوابه ، ويرش أحيانا ، فقال عثمان : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : جنبوا صناعكم مساجدكم ، ذكره أبو أحمد ، وقال : هذا حديث غير محفوظ ، ورده أبو الفرج بكذب محمد بن مجيب أبي همام الثقفي البصري الصانع الدلال الراوي ، عن جعفر والثوري ، كذا ذكره ابن الجوزي في كتاب الضعفاء والمتروكين ، وفيه نظر في ثلاثة مواضع : الأول : تركيبهما بين ترجمتي الدلال ، والثقفي . الثاني : أن الثقفي إنما حدث عن جعفر بن محمد لا عن الثوري وقد حدث أبو همام ، عن الثوري ، وهشام بن سعد ، وغيرهما . الثالث : أن الضعيف الثقفي ، لا الدلال ذكرهما كذلك ابن أبي حاتم ، والمنتجيلي ، وغيرهما ، وضحنا ذلك في كتابنا الاكتفاء بتنقيح كتاب الضعفاء ، وحديث أبي هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك ، أخرجه ابن حبان في صحيحه . وحديث جابر بن عبد الله قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسل السيف في المسجد، قال عبد الحق : رواه عمر بن هارون ، عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير سمع جابرا فذكره ، وعمر ضعيف ، والصحيح حديث عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم مرسل ، قال ابن القطان : لم يعز أبو محمد حديث جابر ، ولا أعرف له الآن موقعا . انتهى ، وفيه نظر ؛ من حيث أغضي على كلام أبي محمد في عمر بأنه ضعيف ، وهو ليس بهذه المنزلة عند العلماء ، قال ابن معين : هو كذاب خبيث ، وتركه أحمد ، وابن مهدي ، والنسائي ، وقال ابن حبان : يروي عن الثقات المعضلات ، ويدعي شيوخا لم يرهم ، وقد رأينا لهذا الحديث موقعا ، وهو ما رواه الطبراني في الأوسط بسند صحيح من حديث عمرو بن دينار عنه مرفوعا : إذا دخلتم بالسهام المساجد فامسكوا بنصالها لا تجرحوا أحدا من المسلمين ، وقال : تفرد به سهل بن زنجلة ، عن وكيع يعني عن الأعمش ، عن ابن عيينة عنه ، وحديث ابن عباس : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يقتل الوالد بالولد ، ولا تقام الحدود في المساجد رواه أبو أحمد من حديث إسماعيل بن مسلم المكي ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس عنه . وقال : إسماعيل ضعيف ، وله أحاديث غير محفوظة هذا منها ، وأشار أبو نعيم إلى تفرده به عن عمرو ، ولفظه في التفسير المنسوب للضحاك : رواية جويبر عنه ، عن ابن عباس مرفوعا : نزهوا المساجد فلا تتخذوها طرقا ، ولا تمر فيه حائض ، ولا يقعد فيه جنب إلا عابري سبيل ، ولا ينثر فيه نبل ، ولا يسل فيه سيف ، ولا يضرب فيه حد ، ولا يتخذ فيه مجلس للقضاء ، ولا ينشد فيه شعر فإن أنشد فقل : فض الله فاك ، ولا يباع ، ولا يشترى ، فإن باع فيه ، أو اشترى فقل : لا أربح الله تجارتك ، ولا تنشد فيه ضالة ، فإن أنشدها فقل : لا ردها الله عليك ، ولا يزين بالقوارير ، ولا يصور بالتصاوير ، ولا ينفخ فيه بالمزامير ، ولا يضرب فيه بالدفوف فإنما شيدت بالأمانة ، ورفعت بالكرامة ، وحديث جبير بن مطعم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تقام الحدود في المساجد ، ولا تنشد فيها الأشعار ، ولا يستقاد فيها ، ولا ترفع فيها الأصوات ، رواه أبو نعيم من حديث بقية ، قال : حدثني مقاتل ، عن عمرو ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، ورواه أيضا مختصرا من حديث سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني عتبة بن مسلم ، أنه سمع نافع بن جبير بن مطعم ، يحدث عن أبيه ، قال ابن إسحاق : وحدثني أبي ، عن جبير به ، ورواه عمرو بن دينار ، عن نافع ، عن أبيه بلفظ : لا تسل السيوف ، ولا تنثر النبل في المساجد ، ولا تحلف بالله في المسجد ، ولا تمنع القائلة في المسجد مقيما ، ولا ضعيفا ، ولا تبني التصاوير ، ولا تزين بالقوارير ، فإنما بنيت بالأمانة ، وشرفت بالكرامة . وحديث ابن عباس ، وابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه نهى عن أن تتخذ المساجد طرقا ، أو تقام فيها الحدود ، أو تنشد فيها الأشعار ، أو يرفع فيها الصوت . ذكره أبو أحمد من حديث فرات بن السائب ، وهو منكر الحديث ، عن ميمون بن مهران عنهما ، وحديث أسيد بن عبد الرحمن : أن شاعرا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال : أنشدك يا رسول الله ؟ قال : لا ، قال : بلى ، فأذن لي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فاخرج من المسجد فانشد ، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوبا ، وقال : هذا بدل ما مدحت به ربك . رواه عبد الرزاق في مصنفه ، عن إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي ، عن ابن المنكدر عنه ، وحديث أنس بن مالك : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا ، فيقال لليلتين ، وأن تتخذ المساجد طرقا ، وأن يظهر موت الفجأة ، ذكره ابن بنت منيع في معجم الصحابة ، عن شريك ، ثنا العباس بن ذريح ، عن الشعبي عنه ، وسئل عنه الدارقطني فقال : رواه عبد الكبير بن المعافي ، عن شريك مرفوعا ، وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا ، وفي كتاب أبي نعيم من حديث عبد الله بن ضرار بن عمرو الملطي ، عن أبيه ، عن قتادة عنه مرفوعا : جنبوا مساجدكم صبيانكم ، ومجانينكم ، ورفع أصواتكم ، وحديث أبو موسى الأشعري : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا مر أحدكم في شيء من مساجدنا ، أو أسواقنا بنبل ، فليمسك عن نصالها بكفه لا يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء ، خرجاه في الصحيح ، وكذا حديث جابر قال : مر رجل في المسجد ، ومعه سهام فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمسك بنصالها . وحديث محمد بن عبيد الله قال : كنا عند أبي سعيد الخدري فقلب رجل نبلا ، فقال أبو سعيد : أما كان هذا يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تقليب السلاح وسله ، رواه أبو القاسم في الكبير ، عن علي بن سعيد الرازي ، ثنا إسحاق بن خلف الأعسم ، ثنا مروان بن معاوية ، ثنا أبو البلاد عنه ، ورواه أبو نعيم من حديث خالد بن إلياس ، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه بلفظ قال صلى الله عليه وسلم : طيبوا مساجدكم ، وجمروها ، فإن المساجد بيوت الله في الأرض ، ومجالس المؤمن ، وجنبوها مجانينكم ، وصبيانكم ، وخصوماتكم ، ورفع أصواتكم ، وسيأتي ذكره فيما بعد. وحديث السائب بن يزيد قال : كنت قائما في المسجد فصحبني رجل فنظرت فإذا عمر فقال : اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال : من أنتما ، أو من أين أنتما؟ قالا : من أهل الطائف ، فقال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ، رواه البخاري ، وقد وردت أحاديث تعارض هذه منها : حديث أبي واقد عند البخاري : بينما النبي في المسجد أقبل ثلاثة نفر ، فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس في الحلقة ، وكذا حديث كعب بن مالك : أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم وحديث أبي قتادة : بينا نحن جلوس في المسجد خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل أمامة على عاتقه ، وحديث بريدة : خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقبل الحسن والحسين فأخذهما فصعد بهما ، رواه أبو داود بسند صحيح . وحديث عائشة عند مسلم قالت : رأيت الحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم وهو يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ، وكذا حديث حسان ، وقوله لعمر : كنت أنشد فيه الشعر ، وفيه من هو خير منك . وحديث سهل بن سعد في التلاعن وأنهما تلاعنا في المسجد إلى غير ذلك من الأحاديث المبيحة لما حظر أولا ، فحملها بعضهم على الإباحة وألا منع ، وأن الأولى تنزيه المساجد ، وأن لا يجعل ذلك ديدنا فيها ، ودفعها بعضهم جملة ، لكونها معلولة ، وفرق ابن خزيمة في صحيحه بين إنشاد الشعر الجائز إنشاده ، وبين الممنوع من إنشاده . غريبه : أنبض القوس : مثل : أنضبها : جذب وترها لتصوت ، وأنبض بالوتر كذلك ، وأنبض الوتر أيضا : جذبه بغير سهم ، ثم أرسله عن يعقوب . قال اللحياني : الإنباض : أن يمد الوتر ثم يرسله فيسمع له صوت ، وفي المثل : لا تعجل بالإنباض قبل التوتير ، مثل في استعجال الأمر قبل بلوغ أناه ، وقال أبو حنيفة : أنبض في قوسه ، ونبض أصاتها ، وأنشد : لئن نصبت لي الروقين معترضا لأرمينك رميا غير تنبيض . أي : لا يكون ترعى تنبيضا وتنقيرا ، يعني : لا يكون توعدا بل إيقاعا ، ذكره ابن سيده ، وأنشد بعضهم شاهدا عليه قول مهلهل : انبضوا معجس القسي وأوعدنا كما توعد الفحول الفحولا . وهو بيت مصنوع ، حكاه الأخفش في أماليه ، عن الأصمعي .

402

66 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حك بزاقا في قبلة المسجد . هذا حديث خرجاه في الصحيح بلفظ : رأى في جدار القبلة مخاطا ، أو بزاقا ، أو نخامة فحكه . وفي الباب حديث أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : عرضت علي أعمال أمتي حسنها ، وسيئها ، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن رواه مسلم ، وكذا حديث عبد الله ابن الشخير : وصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فتنخع فدلكها بنعله اليسرى ، وعند النسائي : برجله اليسرى ، وحديث سعد بن أبي وقاص سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا تنخم أحدكم في المسجد ، فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه ، رواه ابن خزيمة في صحيحه . وحديث جابر بن عبد الله قال : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم وفي يده عرجون ابن طاب ، فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة ، فأقبل عليها بالعرجون ، ثم قال : أيكم يحب أن يعرض الله عنه ؟ إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله تعالى قبل وجهه ، فلا يبصقن قبل وجهه ، ولا عن يمينه ، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى ، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا ، ووضعه على فيه ، أروني عبيرا ، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله ، فجاء بخلوق في راحته فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعله على رأس العرجون ، ثم لطخ به على أثر النخامة . قال جابر : فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم ، رواه مسلم . وحديث طارق بن عبد الله المحاربي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قام الرجل إلى الصلاة ، أو إذا صلى أحدكم ، فلا يبزق أمامه ولا عن يمينه ، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغا ، أو تحت قدمه اليسرى ثم ليقل به ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وحديث أبي سهلة السائب بن خلاد ، وله صحبة : أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ : لا يصل لكم ، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه ، وأخبروه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم ، وحسبت أنه قال : إنك آذيت الله ورسوله ، رواه أبو داود بسند صحيح ، عن أحمد بن صالح ، ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن بكر بن سوادة الجذامي ، عن صالح بن خيوان عنه ، صالح هذا ، وثقة أبو حاتم ابن حبان ، وذكر أبو الحسن بن القطان : أن العجلي أيضا وثقه ، ولم أره في نسختي فالله أعلم ، وزعم ابن ماكولا في باب المختلف فيه : أن أبا صالح قال فيه ابن يونس : بالحاء المهملة ، وقاله البخاري كذلك ، ولكنه وهم ، كذا ذكره عن ابن يونس ، وليس هو بأبي عذرة هذا القول ، بل سبقه إلى ذلك الدارقطني ، ويشبه أن يكون وهما ؛ لأن ابن يونس لم يقل شيئا من ذلك ، ونص ما عنده : ذكر من اسمه صالح ، فذكر صالح بن أصرم ثم قال : صالح بن خيوان السبائي يروي عن ابن عمر ، والسائب بن خلاد ، وعقبة بن عامر ، روى عنه بكر بن سوادة ، اللهم إلا لو نقل كلام أبي داود : هو بالحاء المهملة ، ومن قاله بالخاء المنقوطة فقد أخطأ ، لكان صوابا ، وأما ابن أبي حاتم فذكره بالخاء المنقوطة ، ويشبه أن يكون سبب الخلاف في هذا ما ذكره أبو الوليد بن الفرضي قال : سعيد بن كثير بن عفير من نسبه إلى خولان قال بالخاء المعجمة ، ومن قال : السبائي فبالحاء يعني المهملة ، وأما قول عبد الحق في الكبرى : صالح لا أعلمه روى عنه إلا ابن سوادة ، فصحيح ، وأما قوله في الوسطى : صالح هذا لا يحتج به ، فيشبه أن يكون قاله من قبله ، ولا أعلم له فيه سلفا . وأما قول ابن القطان : وزعم ابن يونس أنه ليس له إلا هذا الحديث فيما علم ويأبى ذلك عليه أن البخاري قال : إنه روى أيضا عن ابن عمر ، فيشبه أن يكون وهما ؛ لأن ابن يونس لم يقل شيئا سوى ما أسلفناه قبل والله أعلم وحديث ابن عمرو بن العاص قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي بالناس صلاة الظهر فتفل في القبلة وهو يصلي ، فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الأول ، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أنزل في؟ قال : لا ، ولكنك تفلت بين يديك ، وأنت تؤم الناس فآذيت الله ورسوله ، ذكره ابن القطان من عند بقي ، ثنا هارون بن سعيد ، ثنا ابن وهب قال : حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن عنه ، وصححه . وحديث أبي سعيد قال : رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق في البواري ثم مسحه برجله ، فقيل له : لم فعلت هذا؟ قال : لأني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله ، خرجه أبو داود من حديث فرج بن فضالة عنه . قال الإشبيلي : وهو ضعيف ، وأيضا فلم يكن في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - حصر ، والصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما بصق على الأرض ، ودلكه بنعله اليسرى ، ولعل واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه ، قال ابن القطان : وبقي عليه أن ينبه على أبي سعد فإنه لا يعرف من هو ؟ ووقع في رواية ابن الأعرابي : أبو سعيد ، والصواب سعد ، وهو شامي مجهول الحال ، وتعليل الحديث به أولى من تعليله بفرج ، فإنه وإن كان ضعيفا ، فإنه معروف في أهل العلم ، أخذ الناس عنه ، وقد روى عنه شعبة ، وهو من هو ، وقال يزيد بن هارون : رأيت شعبة يسأله عن حديث من حديث ابن عياش ، وهو صدوق ، وإنما أنكروا عليه أحاديث رواها عن يحيى بن سعيد الأنصاري مقلوبة ، وقال أبو حاتم : وهو في غيره أحسن حالا ، وهو بالجملة ضعيف ، ورواه الساجي فلم يذكر البوري مؤيدا لما أوله أبو محمد فقال : ثنا محمد بن عبد الله فيما كتب إلي ، ثنا الحماني ، ثنا فرج بلفظ : رأيت واثلة بزق ، ودلك برجله . وحديث أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة ، ومن دفنه فحسنة ، رواه أبو نعيم من حديث أبي تميلة ، عن الحسين بن واقد ، ثنا أبو غالب عنه ، وذكر أبو عبيد بن سلام في غريبه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن المسجد ينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد على النار . قال ابن سيده : النخاعة : ما تفله الإنسان كالنخامة وتنخع الرجل : رمى بنخاعته ، قال : نخم الرجل نخما ونخما ، وتنخم : دفع بشيء من صدره ، أو أنفه ، واسم ذلك الشيء : النخامة ، وقال الجوهري : النخاعة بالضم : النخامة ، وفى الجامع : تنخم الرجل : إذا تنخع ، وقال عياض : النخامة من الصدر ، وهو البلغم اللزج ، وقال أبو موسى المديني : مخرجها من الخيشوم ، وقال ابن الأثير : يخرج من أصل الحلق من مخرج الخاء المعجمة ، وقيل : التي بالعين من الصدور ، والتي بالميم من الرأس ، وأما البزاق : فحكوا فيه الصاد ، والسين ، وهو لغة ردية ، قال عياض : البزاق في المسجد : ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه ، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة . واختلف العلماء في كيفية الدفن : فالجمهور على دفنها في أرض المسجد ، إن كان ممكنا ، وحكى الروياني : أن المراد إخراجها مطلقا ، ويشهد له ما أسلفناه من عند ابن خزيمة ، وغيره ، قال القرطبي : فيه دليل يعني قوله : أيحب أحدكم أن يبصق في وجهه ؟ على تحريم البصاق في القبلة ، وأن الدفن لا يكفره ، ويؤيده ما أسلفنا من الأحاديث - والله تعالى أعلم وسمعت شيخنا قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة - تغمده الله برحمته - يسأل يوما في منزله ، عن البزاق في شباك المسجد إن كان له ؟ فقال : لا يجوز ؛ لأنه يمر في هواء المسجد ، قال : اللهم إلا أن يخرج رأسه منه فلا حرج إذا - والله أعلم وفي قوله وليبصق عن يساره دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك لا يجد ما يكتب لكونه في طاعة الله تعالى ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - علل منع البصاق عن اليمين لكون الملك هناك ، وأباحه على اليسار ، ومن المعلوم أن هناك ملكا ، وأما حديث : إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع ، فضعيف لا يخدش في هذا الدليل - والله تعالى أعلم

403

20 - باب كراهية النخاعة في المسجد 63 - حدثنا محمد بن عثمان العثماني أبو مروان ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري أنهما أخبراه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحكها ، ثم قال : إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ، ولا عن يمينه ، وليبزق عن شماله ، أو تحت قدمه اليسرى . هذا حديث اتفقا على تخريجه ، زاد أبو داود من حديث أبي سعيد بعد : فحكها بحصاة ثم أقبل على الناس مغضبا فقال : أيحب أحدكم أن يبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه ، والملك عن يمينه فلا يتفل عن يمينه ، وفيه : فإن عجل به أمره فليفعل هكذا يعني : يتفل في ثوبه ، وفي لفظ البخاري من حديث أبي هريرة : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه ، فإنما يناجي الله تعالى مادام في مصلاه ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا . وفي لفظ لمسلم : ما بال أحدكم يقوم إذا يستقبل ربه فيتنخم أمامه ، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه ؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه ، فإن لم يجد فليقل هكذا يعني : فيتفل في ثوبه ، ثم مسح بعضه على بعض ، قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد ثوبه بعضه على بعض . ولفظ الكجي من حديث سليمان بن حرب ، ثنا شعبة ، عن القاسم بن مهران ، عن أبي رافع عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد فأمرني فحتتها ، وقال مرة : فقمت فحتتها ، وفي آخره : فإن لم يستطع ففي ثوبه ، وفي صحيح أبي بكر بن خزيمة : من دخل هذا المسجد فبزق فيه أو تنخم فيه ، فليحفر فيه ، فليبعد فليدفنه ، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه ثم يخرج به ، وعند أبي نعيم : ثم ليخرج به ، رواه سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن القاسم بن مهران ، عن أبي رافع عنه بلفظ : فلا يبزق عن يمينه ولا عن يساره ولا بين يديه ، ولكن تحت قدمه اليسرى ، قال أبو زرعة : ما روي بأن يبزق عن يساره أصح من هذا ، وقال ابن أبي حاتم : أخطأ فيه سليمان بن حرب ، وفي رواية الشاذكوني عند أبي نعيم : البزاق في المسجد خطيئة ، وكفارتها دفنها .

404

64 - حدثنا محمد بن طريف ، ثنا عائذ بن حبيب ، عن حميد ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة في المسجد فغضب حتى احمر وجهه ، فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها ، وجعلت مكانها خلوقا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ما أحسن هذا . هذا حديث اتفقا عليه ، وللبخاري : فقام يحكه بيده ، وقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه ، أو إن ربه بينه وبين القبلة ، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا ، وفي لفظ عندهما : فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله تحت قدمه ، وفي لفظ : البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ، وعند النسائي : بزق النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثوبه ، وحك بعضه ببعض ، وعند ابن خزيمة : عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد . وفي لفظ : التفل في المسجد ، لما ذكره الترمذي استغربه ، وفي كتاب أبي نعيم من حديث عبد الله بن ضرار بن عمرو ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن أنس يرفعه : من ابتلع ريقه إعظاما للمسجد ، ولم يمح اسما من أسماء الله تعالى ببزاق كان من ضنائن عباد الله تعالى ، وفي لفظ : النخاعة في المسجد خطيئة ، وفي لفظ : كفارتها أن تواريها ، وفي لفظ : فإن أخرجه من المسجد كتب له حسنة .

405

65 - حدثنا محمد بن رمح المصري ، ثنا الليث بن سعد ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة في قبلة المسجد ، وهو يصلي بين يدي الناس فحتها ، ثم قال حين انصرف من الصلاة : إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله قبل وجهه ، فلا يتنخمن أحد قبل وجهه في الصلاة . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ : رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه ، ثم أقبل على الناس فقال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه ؛ فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى ، ورواه جويرية بن أسماء ، ثنا نافع ، عن ابن عمر عند أبي نعيم بلفظ : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه فرأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده ، فلما قضى صلاته قال الحديث ، ففي هذا أن الحك كان وهو يصلي ، وتعلق بعضهم بأن هذا ليس عملا كثيرا يفسد الصلاة ، فأردنا أن نعرف حقيقة ذلك، فوجدنا أبا داود بين أنه كان يخطب ، وأن الراوي سمى الخطبة صلاة ، هذا إذا قلنا إنها واقعة واحدة ، ولفظه : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد ، فتغيظ على الناس ، ثم حكها ، قال : وأحسبه قال : فدعا بزعفران فلطخه به ، وقال : إن الله عز وجل قبل وجهه ، إذا صلى أحدكم فلا يبزقن بين يديه . وفي مسند الدارمي : فتغيظ على أهل المسجد ، وقال لا يتنخعن ، ثم أمر بها فحك مكانها ، وأمر بها فلطخت ، قال حماد بن زيد : لا أعلم أيوب إلا قال : بزعفران ، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث عاصم بن عمر ، عن ابن سوقة ، عن نافع عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرفعه إلا أولئك : من تنخم في قبلة المسجد بعث وهو في وجهه ، ثنا الزعفراني ، ثنا شبابة ، ثنا عاصم بن محمد ، عن ابن سوقة ، عن نافع عنه قال - صلى الله عليه وسلم - : يبعث صاحب النخاعة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه ، قال أبو بكر : الأول : عاصم بن عمر ، وهو عندي أخو عبد الله ، وعبيد الله ابني عمر بن حفص بن عاصم بن عمر . الثاني : عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فلما تدبرت فإذا عاصم بن محمد غير عاصم بن عمر على ما بينت من نسبتهما ، وقال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ابن سوقة . وعند ابن خزيمة : فجاء الرجل الذي تنخع فحكها ، ثم طلا مكانها بالزعفران ، وفي لفظ : فحكها النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده ، وعند أبي نعيم من حديث مسعود بن سعد ، عن ابن إسحاق ، عن نافع عنه : فأخذ حصاة فقام فحتها ثم قال : إذا قام أحدكم يصلي فإنما يناجي ربه ، وفي لفظ : من تنخم في قبلة المسجد جاء يوم القيامة وهي في جبينه معلقة ، وعند البيهقي : قال أبو الوليد : قلت لابن عمر : ما كان بدء هذه الزعفران في المسجد ؟ فقال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى نخامة الحديث ، وفيه : وطلي بزعفران ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا أحسن من الأول ، فصنعه الناس .

406

23 - حدّثنا محمد بن معمر، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه، عن أبي بن كعب قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعا وعشرين، أو خمسا وعشرين درجة . هذا حديث خرجه ابن حبان من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي بصير، عن أُبي بلفظ: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما الصبح، فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: أشاهد فلان؟ لنفر من المنافقين قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على الركب - يعني صلاة العشاء والصبح - وإنّ الصف الأوّل على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، فإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين، وما كثر فهو أحبّ إلى اللَّه عز وجل . وكذلك خرجه الحاكم في مستدركه، وقال: هكذا رواه الطبقة الأولى من أصحاب شعبة: يزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد، وابن مهدي، ومحمد بن جعفر، وسعيد بن عامر، ومحمد بن كثير، وعبد الله بن رجاء وأقرانهم، وكذا رواه سفيان بن سعيد عن أبي إسحاق بنحو حديث شعبة، وكذا رواه زهير بن معاوية، ورقبة بن مصقلة، وإبراهيم بن طهمان، ومطرف بن طريف، وغيرهم عن أبي إسحاق. زاد ابن عساكر في كتاب الأطراف: وأبو بكر بن عياش وجرير بن حازم. قال الحاكم: ورواه ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بصير، عن أبي، وكذا قال إسرائيل، وأبو حمزة السكري، وعبد الرحمن المسعودي، وجرير بن حازم، عن أبي إسحاق، عن أبي بصير، عن أبي، وكذا قاله أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، فاختلفوا في هذا على أبي إسحاق من أربعة أوجه، والرواية فيها عن أبي بصير وابنه عبد اللَّه كلها صحيحة، والدليل على ذلك رواية خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ العنبري، ويحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه، قال شعبة: قال أبو إسحاق: وقد سمعته منه ومن أبيه عن أبي بن كعب، وقد حكم أئمة الحديث: يحيى بن معين، وابن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهم لهذا الحديث بالصحة سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سمعت ابن معين يقول: حديث أبي إسحاق، عن أبي بصير عن أبي، هكذا يقوله زهير، وشعبة يقول: عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي بصير، عن أبيه، عن أبي . ورواه أبو إسحاق، عن شيخ لم يسمع منه غير هذا، وهو عبد اللَّه. وقد قال شعبة عن أبي إسحاق: إنّه سمع من أبيه، ومنه، وقال أبو الأحوص: عن أبي إسحاق، عن العيزار : وما أرى الحديث إلا صحيحًا، سمعت أبا بكر الفقيه، سمعت الحربي سمعت ابن المديني يقول: قد سمع أبو إسحاق من ابن أبي بصير وأبيه، ثنا أبو بكر بن إسحاق سمعت عبد اللَّه بن محمد المديني سمعت محمد بن يحيى يقول: رواية يحيى بن سعيد، وخالد بن الحارث، عن شعبة، وقول أبي الأحوص عن العيزار، كلّها محفوظة، فقد ظهر بأقاويل أئمة الحديث صحته، وأما الشيخان فلم يخرجاه لهذا الخلاف . انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لأن البيهقي ذكر عن محمد بن يحيى هذه الروايات كلّها محفوظة خلا حديث أبي الأحوص، لا أدري كيف هو . ولفظ الطبراني في الأوسط: والصف المقدم . وقال: لم يروه، عن أيوب السختياني، عن شعبة إلّا وهيب بن خالد، ولا عن وهيب بن خالد إلّا سعيد بن واصل. تفرد به محمد بن سفيان بن أبي الرزْد الأيلي. ورواه في موضع آخر من حديث ابن جريج، عن قيس، عن أبي إسحاق، أخبرني عبد اللَّه بن أبي سفيان عن أبي سفيان، كذا ذكره، وقال: لم يروه عن ابن جريج إّلا أبو قرة، وقيس هو ابن الربيع. وفي موضع آخر: لم يروه، عن خالد بن ميمون إلّا سعيد بن أبي عروبة، تفرد به عبد الأعلى وابن شوذب، عن سعيد. وفي علل أبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال: أنبأنا الدوري سمعت يحيى يقول: القول قول شعبة: هو أثبت من زهير. قال أبو بكر: ورواه عثمان بن أبي شيبة، ووكيع، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي بصير، عن أبيه.ورواه أبو إسحاق الفزاري، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن العيزار. ورواه معمر الرقي، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن أبي ضمرة، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أقام إسناده شعبة، والثوري، وإسرائيل في آخرين، وذكره الحافظ ابن عبد الواحد في الأحاديث المختارة. وذكره الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده الصحيح من حديث شعبة، وزهير، وخالد بن ميمون عن أبي إسحاق، وقال: قال ابن أبي بصير: حدثني أبي، عن أُبي، وسمعته من أُبي بن كعب، وخالف ذلك أبو عمر بن عبد البر، فقال: هذا حديث ليس بالقوي، ولا يحتج بمثله . وفي موضع آخر: وقد رويت آثار مرفوعة، منها حديث أبي، وغيره: أنّ صلاة الرجل مع الرجلين أفضل من صلاته وحده، وهي آثار كلّها ليست في القوة والثبوت والصحة كآثار هذا الباب، يعني حديث: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ . ولفظ أبي قرّة: ولو سحبا عليكم بالصفّ الأوّل. ولما ذكره أبو محمد عبد الحق في أحكامه الكبرى من عند أبي داود قال: عبد الله بن أبي بصير لا أعلم روى عنه إّلا أبو إسحاق، وهذا منه - رحمه الله تعالى - تضعيف للحديث على قاعدته؛ لأن الإِنسان إذا لم يوثق ولم يرو غير واحد عنه فهو مجهول العين والحال . ولو رأى ما أسلفناه من توثيقه، عن أبي حاتم البستي ، وقول العجلي فيه وذكره ابن خليفة . وفي الباب مع إخراج حديثه في الصحيح لما اتجه له ذكر هذا التجريح مع ما تقدّم من رواية أبي ضمرة عنه من عند الخلال، ورواية العيزار مع أن حكاية التفرد ليس هو بأبي عذرتها، قد سبق إلى ذلك غير واحد من الأعلام فذهبت عنه الجهالتان، والسلام. وفي الباب أحاديث منها: حديث ابن مسعود أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفا؛ كلها مثل صلاته خرجه أحمد في مسنده بسند جيّد . وخرجه ابن أبي شيبة في مسنده، عن محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص عنه بلفظ: تفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده بضع وعشرون درجة . ورواه السراج في مسنده من حديث همام، ثنا قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص بلفظ: تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة . وفي لفظ: تزيد خمسًا وعشرين . وخرجه في الأوسط من حديث أبي الأحوص بلفظ: لقد هممت أن آمر رجلا فيصلي الجمعة بالناس ثم أحرق على قوم يتخلفون عنها بيوتهم . وقال: لم يروه عن الرحيل بن معاوية إلا زياد البكائي، تفرد به أحمد بن عبدة الضبي . ورواه أبو نعيم عن أبي الأحوص: عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه بلفظ: خمسة وعشرين أو سبعة وعشرين . ولفظ أبي القاسم في الأوسط: بضعا وعشرين وقال: لم يروه، عن أبي حصين - يعني عن أبي الأحوص - إلّا قيس بن الربيع، ولا، عن قيس إّلا محمد بن الصلت. تفرد به أحمد بن الحجاج بن الصلت . وقال الرازي: رواه القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن وساج، عن أبي الأحوص. ورواه سعيد بن بشير، وغيره، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، وشعبة أحفظ، قال: ورواه أبان عن قتادة، عن أبي الأحوص. وحديث قباث بن أشيم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى . رواه البخاري في التاريخ، فقال: قال عبد الله بن يوسف: حدثني الوليد بن مسلم أخبرني ثور، عن يونس بن سيف، عن عبد الرحمن بن زياد عنه. وحديث أنس قال عليه السلام: الاثنان جماعة والثلاثة جماعة الحديث، ذكره أبو أحمد من حديث سعيد بن زربي وهو ضعيف . ورواه السراج، عن جعفر الصائغ، ثنا عبيد الله بن محمد بن حفص، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أنس موقوف: تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل بضعا وعشرين صلاة . ورواه الكشي، عن حجاج، ثنا حماد، عن عاصم، عن أنس مرفوعا: تفضل صلاة الجميع وثنا حجاج، ثنا حماد، عن أبان عنه مرفوعا: تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بأربع وعشرين صلاة، وهي الخامسة وحديث عائشة قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمسة وعشرين رواه النسائي بسند صحيح . ولفظ السراج: تفضل على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة روياه من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن عمار، عن القاسم عنهما. وفي لفظ: صلاة الرجل في الجميع وحديث زيد بن ثابت: قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ثابت بن عبيد قال: دخلنا على زيد وهو يصلي على حصير يسجد عليه فقال: قال عليه السلام: فضل صلاة الجماعة على صلاة الوحدة خمسا وعشرين درجة . قال: وأنبأنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس نحوه. ثم قال: فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: نعم، وإن كانوا أربعين ألفا. وحديث معاذ بن جبل، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: فضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده خمس وعشرون . رواه أبو القاسم في المعجم الكبير، عن محمد بن عبدوس السراج، ثنا محمد بن بكار، ثنا عبد الحكيم بن منصور، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه. وحديث عبد الله بن زيد مرفوعًا: ما بين الفذ والجماعة خمس وعشرون درجة . رواه أيضا من حديث موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن حزم، عن عباد بن تميم عنه، وقال: لا يروى هذا الحديث، عن ابن زيد إلا بهذا الإسناد. تفرد به محمد بن الزبرقان، يعني عن موسى. وحديث أنس بن مالك قال عليه السلام: صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة . الحديث رواه ابن زنجويه من حديث أبي الخطاب الدمشقي، عن زريق أبي عبد الله الألهاني عنه. قال ابن الأثير: إنما قال: درجة ولم يقل جزءا ولا نصيبا ولا حظًا ولا شيئًا من أمثال ذلك ؛ لأنّه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة، لأن الدرجات إلى جهة فوق. وقد اختلف العلماء في الجمع بين سبع وعشرين درجة، وبين قوله: خمس وعشرين درجة، أو جزءا أو ضعفا، فقيل: إن الدرجة أصغر من الجزء، فكان الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات كانت سبعا وعشرين درجة، وردَّ هذا بما أسلفناه في الصحيح: سبعا وعشرين درجة. وقيل: السبع متأخرة، عن الخمس فكأنّ الله تعالى أخبره بخمس، ثم زاده بعد، ورد هذا بتعذّر التاريخ، وردّ هذا القول الآخر بأن الفضائل لا تنسخ، وهذه فضيلة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يطرأ عليها نسخ. وقيل: إن صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بخمس وعشرين درجة، وصلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في بيته بسبع وعشرين درجة، وردّ بقوله: وصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفَا وقيل: إن الصلاة التي لم يكن فيها فضيلة الخطا إلى الصلاة ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس، والتي فيها ذلك تفضل بسبع، وقيل: إن ذلك يختلف باختلاف المصلين والصلاة، فمن أكملها وحافظ عليها فوق من أخل بشيء من ذلك. وقيل: إنّ الزيادة لصلاتين: العشاء والصبح لاجتماع ملائكة النهار والليل فيهما، يؤيّده حديث أبي هريرة المتقدّم: تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا، ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر . فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة واستأنف الكلام وقطعه من الجملة المتقدّمة. وقال بعضهم: لا منافاة بين الحديثين؛ لأن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين، واستدل بعض المالكية بهذه الأحاديث على أن صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة؛ لأنه لم يذكر جماعة كثيرة دون جماعة قليلة، ورد بما تقدّم في حديث قباث وغيره من أن الكثرة مطلوبة مرغّب فيها كما ذهب إليه الشافعي وابن حبيب من المالكية. وأنبأنا غير واحد من شيوخنا، عن الإِمام العلامة أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني - رحمه الله - أنه قال: يحتمل أن يكون الدرجة في الجنة، والجزء في الدنيا، واستدلّ ابن القصار لمذهبه ولأبي حنيفة بأنه لا يجوز أن يصلّي متنفّل بمفترض قال: لأنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلمنا أن للجماعة أن تجتمع على صلاة واحدة، فيجب لها التضعيف لذلك فلا يخلو أن يكون التضعيف للإِمام أو للمأموم، فإن كانت المضاعفة صلاة المأمومين فلا يصح؛ لأنهم لا إمام لهم فيها، فهم كالمنفردين، وإن كانت المضاعفة له فلا يصح، لأن حكمه حكم المنفرد، وإنّما يقع لجماعتهم إذا كانوا في صلاة واحدة، وهو معنى قوله: صلاة الجماعة، فذكر صلاة واحدة مضافة إليهم جميعا، ولم يقل صلاة الجميع، ورد بما أسلفناه من عند السراج وغيره: صلاة الجميع، وأمّا تخصيص العدد فقد استخرجه شيخنا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة فيما أذن لنا أن نرويه عنه، وإن كان العلامة أبو الفرج ابن الجوزي ذكر أنّ جماعة تكلّفت تعليل ذلك، وما جاءوا بطائل فقال: الأوّل: قصد إقامة الصلاة في جماعة. الثاني: إجابة الداعي. الثالث: ظهور الشعائر. الرابع: متابعة السنة بحضورها. الخامس: إحياء السنة بدوام إقامة السنن. السادس: زيارة بيت الله تعالى. السابع: عمارة المساجد. الثامن: نشاط المتكاسل على الجماعة. التاسع: السلام على الإخوان. العاشر: التعاون على الطاعة. الحادي عشر: إظهار تآلف القلوب. الثاني عشر: الاجتماع بأهل الخير من الملائكة وغيرهم. الثالث عشر: الاعتكاف. الرابع عشر: الاجتماع على الذكر. الخامس عشر: فراغ القلب للذكر. السادس عشر: الاهتمام بإيقاع الصلاة أوّل الوقت. السابع عشر: المسير إلى الجماعة بالمسجد. الثامن عشر: إيقاع العبادة في ذلك المكان. التاسع عشر: التحرز بالصلاة في جماعة من بطر وسهو وتسلط شيطان. العشرون: إقامة الصفوف وتسويتها في الصلاة. الحادي والعشرون: متابعة الإمام في أفعاله. الثاني والعشرون: التحرز من إساءة الظن به بترك الصلاة. الثالث والعشرون: الدعاء عند الدخول إلى المسجد وعند الخروج. الرابع والعشرون، والخامس والعشرون: سماع قراءة الإِمام والتأمين إذا جهر. السادس والعشرون: مصاحبة الملائكة - عليهم السلام - ومرافقتهم في الصلاة والتأمين. السابع والعشرون: انتظار الصلاة قبل إقامتها وذلك عبادة. قال: فيجوز أن تكون الدرجات بسبب هذه القربات. وقد ذكر ابن المنير وابن بطال مناسبات هذه أجمع - والله أعلم وأما قوله: أشاهد فلان؟ فيريد ابن أبي المنافق وأشياعه.

407

21 - حدثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن هلال بن ميمون، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته خمسَا وعشرين درجة . هذا حديث خرجه البخاري من حديث يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب عنه بلفظ: صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة . وخرجه الحافظ أبو حاتم في صحيحه، عن أبي يعلى: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، ثنا هلال بلفظ: تزيد على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة، فإن صلَّاها بأرض قي فأتمَّ وضوءها وركوعها وسجودها تكتب صلاته بخمسين درجة . ولفظ أبي داود: الصلاة في جماعة تعدل خمسَا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها، وسجودها بلغت خمسين صلاة وقال: قال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث: صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة الحديث. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث إن حديث عبد الواحد لم أر أحدا ذكره في طرق حديث أبي سعيد فيما علمت، إنما رأيته مذكورا عند البخاري: ثنا موسى، ثنا عبد الواحد ثنا الأعمش سمعت أبا صالح، سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلاة الرجل في جماعة تضعف الحديث. ورواه البزار، عن أبي كريب وعمرو بن علي ثنا أبو معاوية، ثنا هلال بن ميمون، عن عطاء بن يزيد، وقال: لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إّلا بهذا الإسناد، وهلال بن ميمون فلسطيني، روى عنه مروان، وأبو معاوية، وفيه نظر لمَا قدّمناه قبل من عند البخاري. وخرجه الحاكم عن أبي بكر الفقيه، ثنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو معاوية بلفظ أبي داود، وقال: صحيح على شرط الشيخين فقد اتفقا على الحجة بروايات هلال بن أبي هلال، ويقال: ابن أبي ميمونة، ويقال: ابن أسامة وكلّه واحد. انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث إنّ هلال بن أبي ميمونة ليس هو المذكور في متن هذا الحديث، إنّما هو ابن ميمون كما في نفس المتن. وعند أبي داود، وكنيته أبو المغيرة الرملي الفلسطيني. وقال ابن أبي حاتم: روى عن ابن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي، ويعلى بن شدّاد بن أوس، روى عنه مروان بن معاوية، وأبو معاوية، ووكيع، سمعت أبي يقول ذلك، وفرق بينه وبين أبي ميمونة المدني قال: ويقال: ابن علي، ويقال: ابن أسامة، روى عن عطاء بن يسار، وأبي ميمونة روى عنه يحيى بن أبي كثير، وزياد بن سعد ومالك وأسامة بن زيد ومحمد بن حمران، سمعت أبي يقول ذلك. وقال البخاري في تاريخه الكبير: ابن أبي ميمونة، وهو ابن علي. وقال مالك بن أنس: هو ابن أسامة إنّما سمع عطاء بن يسار، ورأى أنسا، ولما ذكر ابن ميمونة كناه أبا المغيرة ونسبه جهنيا، ورمليا، وقال: روى عن عطاء بن يزيد، روى عنه مروان. وفي كتاب الثقات لأبي حاتم البستي في الطبقة الثالثة: هلال بن ميمون أبو المغيرة الجهني ، وقد قيل: كنيته أبو علي من أهل الرملة، يروي عن عطاء بن يزيد، وابن المسيب، ويعلى، روى عنه مروان وأبو معاوية، وقال في الطبقة الثانية: هلال بن أبي ميمونة، واسم أبي ميمونة أسامة الفهري، وهو الذي يقال له: ابن علي العامري، يروي عن أنس بن مالك، وكان راوياً لعطاء بن يسار، روى عنه يحيى بن أبي كثير، وفليح، مات في آخر ولاية هشام بن عبد الملك، وكذا نقله ابن سرور، والصريفيني ومن بعدهما، وزعموا أن ابن أبي ميمونة حديثه عند الجماعة، وابن ميمون عند أبي داود وابن ماجه، فتبين لك بهذا أن المذكور في المتن ليس كما قاله الحاكم، وأنّ ابن أبي ميمونة غير ابن ميمون، وأن ابن ميمون الذي روى عن عطاء بن يزيد المذكورين في نفس الحديث، غير ابن أبي ميمونة الراوي، عن عطاء بن يسار. ويؤيّد ما قلناه ما ذكره أبو محمد الإشبيلي إثر تخريجه له من عند أبي داود: هلال بن ميمون: ضعفه أبو حاتم ، ووثقه ابن معين . ولما ذكره الحافظ ضياء الدين في أحكامه قال: قال ابن عدي : هلال بن ميمون، عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه . وقال الحافظ المنذري إثره: في إسناده هلال بن ميمون الجهني الرملي كنيته أبو المغيرة، قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : ليس بقوي، يكتب حديثه ، فإذا كان كذلك فقد تداخل على الحاكم ترجمة في أخرى؛ فلقائل أن يقول: فإذا تبينت التفرقة فما حال الحديث؟ قلنا: صحيح كما أسلفناه من عند أبي حاتم، ولأن ابن ميمون لم يتكلّم فيه بقادح ترد به روايته بل بكلام محتمل مع ما تقدّم من الثناء عليه .

408

باب فضل الصلاة في جماعة 19 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة . 20 - ومن حديث ابن المسيب عنه أخرجه أيضا: فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده خمسا وعشرين جزءًا . هذا حديث قال فيه أبو عيسى إذ رواه عن مسدّد، عن أبي معاوية: حسن صحيح . ولفظ الشيخين: صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلّا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم صل عليه، اللّهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة . وفي لفظ للسراج: بخمس وعشرين درجة . وفي لفظ: تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ . وفي لفظ: تزيد على صلاة الفذ خمسًا وعشرين درجة . وفي لفظ: بضعة وعشرين جزءا . وفي لفظ: خير من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة . وفي لفظ: صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصليها وحده . وفي كتاب ابن حزم: روى ابن عمر وأبو هريرة كلاهما عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعا وعشرين درجة وهما صحيحان . قال الدارقطني: ورواه يزيد بن زريع وعبد الأعلى وأشعث ويزيد بن هارون، عن داود، عن سعيد موقوفا. وقال الربيع عن حماد، عن داود، عن سعيد، والشعبي، ويحيى بن أبي زائدة، وشعبة، وداود بن الزبرقان عن داود بن أبي هند، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا. وكذا قاله خالد الواسطي. ورواه بشر بن المفضل، عن داود، عن الشعبي، عن أبي هريرة موقوفا. وقال حماد بن زيد: عن داود، عن سعيد والشعبي موقوفا. وقال أبو الربيع: عن حماد بن زيد، عن سعيد، والشعبي أو أحدهما موقوفا، وقال سليمان بن حرب: عن حماد، عن داود، عن سعيد موقوفا، وروى ابن سلمة من رواية التبوذكي مثل قول سليمان بن حرب. وقال حجاج بن منهال: عن حماد، عن داود، عن سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. والصحيح قول يزيد بن زريع، ومن تابعه. وفي كتاب الكشي: ثنا حجاج، ثنا حماد، عن محمد، عن أبي سلمة عنه بلفظ: صلاة الجمع تفضل على صلاة الفذ . ولفظ أبي قرة في سننه: صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده .

409

22 - حدثنا عبد الرحمن بن عمر رسته، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة . هذا حديث خرجاه في الصحيح بلفظ: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة . وقال أبو عيسى: هكذا روي عن نافع، عن مولاه: بسبع وعشرين درجة . وعامة من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قالوا: خمسا وعشرين . انتهى كلامه. وفيه نظر لما أسلفناه من حديث أبي هريرة من عند ابن حزم: سبعا وعشرين درجة ؛ ولما جاء في حديث ابن مسعود، ولما ذكره أبو نعيم: ثنا سعيد بن عبد الرحمن، ثنا محمد بن سيرين أنّ زيد بن ثابت مولاه صلى وحده فقال: قد صليت وحدي، وقد علمت أن الجماعة تفضل على صلاة المصلي وحده بسبع وعشرين درجة . وقد وجدنا نافعا رواه عن مولاه، كذا رواية الجماعة، لكنه شك. قال أبو نعيم: ثنا العمري عن نافع ولفظه: بسبعة وعشرين، أو خمسة وعشرين ووجدنا له أيضًا متابعا عند أبي القاسم؛ رواه عن محمد بن أحمد بن روح، ثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، ثنا أبو سعد الأشهلي، ثنا محمد بن عجلان، عن نعيم المجمر، عن ابن عمر يرفعه: فضل الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة . وقال: لم يروه عن ابن عجلان إلا أبو سعد محمد بن سعد.

410

19 - باب تطهير المساجد وتطييبها 59 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون ، ثنا محمد بن صالح المدني ، ثنا مسلم بن أبي مريم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة . هذا حديث إسناده صحيح ، وقد تقدم لفظه من كتاب أبي نعيم مطولا من حديث عبد الله بن محمد بن وهب ، ثنا عبد الله بن مصعب الزبيري ، ثنا عيسى بن المغيرة ، ثنا خالد بن إلياس ، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه .

411

61 - حدثنا أحمد بن سنان ، ثنا أبو معاوية ، عن خالد بن إياس ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أبي سعيد الخدري قال : أول من أسرج في المساجد تميم الداري . هذا أثر إسناده ضعيف ؛ لضعف راويه أبي الهيثم خالد بن إياس بن صخر العدوي القرشي ، ويقال : الأسلمي ، وقال مسلمة بن قاسم في كتاب الصلة : كان مدنيا روى عنه العقيلي ، وفي قوله نظر ، إن أراد أبا جعفر الحافظ ؛ لتأخره عن إدراكه ، وأظنه يريد غيره - والله تعالى أعلم - قال فيه الإمام أحمد : هو منكر الحديث ، وقال عباس عن يحيى : ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وفي كتاب ابن البرقي عنه : ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه ، وقال أبو حاتم الرازي : هو ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، قال عبد الرحمن : فقلت يكتب حديثه ؟ فقال : زحفا ، وسئل عنه أبو زرعة فقال : ليس بقوي سمعت أبا نعيم يقول : لا يسوي حديثه ، وسكت ، وذكر بعد : لا يسوي حديثه فلسين ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال ابن عدي : أحاديثه كلها غرائب أفراد عمن يحدث عنهم ، ومع ضعفه يكتب حديثه ، وقال البخاري : ليس بشيء ، وقال الساجي : منكر الحديث ، وذكره العقيلي ، وأبو العرب في كتاب الضعفاء ، وقال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي النقاش في كتاب الضعفاء تأليفه : روى عن ابن المنكدر ، وغيره أحاديث موضوعة ، وفي كتاب الصحابة للمديني من حديث محمد بن الحسن هو ابن قتيبة ، ثنا سعيد بن زياد بن فائد ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي هند قال : حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة زيتا ، وقناديل ، ومقطا ، فلما انتهى إلى المدينة ، وافق ذلك ليلة الجمعة ، فأمر غلاما يقال له : أبو البراد فقام ، فشد المقط ، وعلق القناديل ، وصب فيها الماء ، والزيت ، وجعل فيها الفتل ، وأمر أبا البراد فأسرجها ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فإذا هو يزهر ، فقال : من فعل هذا ؟ قالوا : تميم ، يا رسول الله ، قال : نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها ، فقال نوفل بن الحارث بن عبد المطلب : لي ابنة يا رسول الله تسمى أم المغيرة ، فافعل فيها ما أردت ، فأنكحه إياها على المكان .

412

62 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي ، ثنا عيسى بن يونس ، عن ثور بن يزيد ، عن زياد ، عن أخيه عثمان بن أبي سودة ، عن ميمونة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : يا رسول الله ، أفتنا في بيت المقدس ، فقال : ائتوه فصلوا فيه ، وكانت البلاد إذ ذاك حربا ، فإن لم تأتوه ، وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله . هذا حديث إسناده صحيح ، عثمان روى عنه جماعة منهم : الأوزاعي ، وزيد بن واقد الدمشقي ، وأبو سنان عيسى بن سنان القسملي ، وحماد بن واقد ، وشبيب بن شيبة ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، ورجاء بن أبي سلمة ، وعبد الله بن حبان ، وشعيب بن رزيق الطائفي ، وأخوه زياد ، قال صاحب تاريخ بيت المقدس : روى عنه : سعيد بن عبد العزيز ، ومعاوية بن صالح ، زاد ابن حبان : وزيد بن واقد ، وأهل الشام حين ذكره ، وأخاه في كتاب الثقات ، وصحح ابن البيع حديثا روياه ، وقال أبو زرعة النصري في تاريخه : حدثني هشام ، ثنا مغيرة ، عن رجاء بن أبي سلمة ، عن عطاء الخراساني قال : كان إذا ذكر ابن محيريز ، وهانئ بن كلثوم ، ورجاء بن حيوة ، وابن الديلمي ، وابن أبي سودة نقول : قد كان في هؤلاء من هو أشد اجتهادا من هانئ ، ولكنه كان يفضلهم بحسن الخلق ، وثنا محمد بن المبارك ، ثنا صدقة بن خالد ، عن زيد بن واقد قال : قال زياد بن أبي سودة : كانت أمي مولاة لعبادة بن الصامت ، وأبي مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأنبأنا هشام ، ثنا يحيى بن حمزة قال : قال الأوزاعي : عثمان قد أدرك عبادة ، وكان مولاه ، ثنا محمود بن خالد سمعت مروان بن محمد يقول : عثمان بن أبي سودة ، وزياد من أهل بيت المقدس ثقتان ثبتان ، وأنبأنا محمود بن خالد قال : سمعت أبا مسهر يقول : عثمان بن أبي سودة أسن من زياد ، وقد أدرك عثمان عبادة . ولفظ الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس ؟ قال : أرض المحشر والمنشر ، ائتوه فصلوا فيه ؛ فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره ، قالت : أرأيت إن لم نطق أن نتحمل إليه؟ قال : فليهد له زيتا يسرج فيه ، فإن من أهدى له كمن صلى فيه ، ولفظ ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط : ائتوه فصلوا فيه ، قلت : كيف ، وبيننا وبينه الروم ؟ وفي آخره قال الأوزاعي : أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن مر بني إسرائيل أن يكثروا في مساجدهم النور ، قال : فظنوا أنه إنما يراد به المصابيح فأكثروها ، وإنما يراد به العمل الصالح ، ولا التفات إلى قول عبد الحق في الوسطى ، وذكره من عند أبي داود من حديث عثمان بن أبي سودة عنها ، ليس هذا الحديث بقوي ؛ فإنه وهم من وجوه : الأول : جعله إياه ، عن عثمان ، فإن الحديث عند أبي داود الذي من عنده نقله هكذا : ثنا النفيلي ، ثنا مسكين ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن ابن أبي سودة ، عن ميمونة ، كذا ألفيته في رواية اللؤلؤي ، وابن العبد ، وابن داسة والرملي ، وكذا ذكره عنه أيضا أصحاب الأطراف . الثاني : نقضه هذا القول بغيره ، وهو أنه سماه في الأحكام الكبرى زيادا ، وكذلك لما ذكره من عند أبي داود بسنده إلى ابن أبي سودة ، قال ابن أبي سودة : هذا هو زياد أخو عثمان بن أبي سودة ، وهذا وإن كان أيضا خطأ فهو إلى الصواب أقرب ؛ لأن سعيدا إنما عهدناه يحدث عن عثمان بوساطة زياد أخيه ، كذا ذكره ابن أبي خيثمة ، وأبو علي بن السكن ، والإمام أحمد ، والطبراني وغيرهم ، وأما زياد فإن حديثه عن ميمونة لا يتصل إلا بوساطة أخيه عثمان كما جوده ابن ماجه ، وأبو علي بن السكن من حديث ثور بن يزيد ، عن زياد ، عن أخيه عثمان ، ولما عرف أبو حاتم الرازي ، وغيره زيادا وصفوه بالرواية عن أخيه ، فإن قلت : لعل الإشبيلي قد علم أنه إنما رواه عن ميمونة عثمان لا زياد ففسره به ، فالجواب أنه إنما نسب الحديث إلى أبي داود ، ولم يقع عنده إلا مبهما ، فإن كان علمه عن عثمان فليس له أن يعزوه كذلك إلى أبي داود ، ولئن أغضضنا عما قلته فأيش تعمل بتفسيره إياه بزياد بعد ، وهو تناقض ظاهر لا شك فيه - والله تعالى أعلم الثالث : قوله : ليس بقوي ، وقد بينا قوته ، وأما قول ابن القطان : هو خبر غير صحيح ؛ للجهل بحال زياد وأخيه فكذلك أيضا ، وتفْسير الأوزاعي يرد عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - : بزيت يسرج في قناديله ويزيده وضوحا ما رواه أبو نعيم الحافظ ، عن أبي بكر بن خلاد ، ثنا الحارث بن أبي أسامة ، ثنا إسحاق بن بشر الكاهلي ، ثنا مهاجر بن كثير ، عن الحكم بن مصقلة العبدي ، عن أنس بن مالك : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج .

413

60 - حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم ، وأحمد بن الأزهر ، ثنا مالك بن سعير ، أنبأنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمساجد أن تبنى في الدور وأن تطهر . وثنا رزق الله ، ثنا يعقوب الحضرمي ، ثنا زائدة ، عن هشام به مرفوعا . هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن عبد الرحمن بن بشر بلفظ : أمر ببناء المساجد في الدور ، وعن أحمد بن الأزهر بزيادة : وأن تطهر وتطيب ، فهذا ابن ماجه كما ترى أدرج لفظ أحد شيخيه ، على لفظ الآخر وأخل بلفظ أحدهما مع ذلك ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، عن الحسن بن سفيان ، ثنا أبو كريب ، ثنا الحسين بن علي ، عن زائدة ، عن هشام بلفظ : وأن تطيب وتنظف ، وذكره ابن حزم محتجا به ، وقال أبو الحسن بن القطان : لا شك في صحة رفعه ، وأبى ذلك جماعة منهم : ابن أبي حاتم ، إذ سأل أباه عنه فقال : إنما يروى عن عروة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل ، ولما رواه أبو عيسى ، عن محمد بن حاتم ، عن عامر بن صالح ، عن هشام بن عروة أتبعه : ثنا هناد ، ووكيع ، وابن أبي عمر كلهم ، عن سفيان ، عن هشام ، عن أبيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره ، وقال : هذا أصح من الأول ، قرأت على المسند بقية السلف أبي العباس أحمد الخطوي ، أنبأكم عبد اللطيف بن عبد المنعم ، عن يوسف بن المبارك قال : أنبأنا سعد الخير قراءة عليه ، وأنا أسمع في شوال سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ، أنبأنا الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد العزيز الأبهري ، أنبأنا الشيخان أبو بكر محمد بن الحاجب ، وأبو حفص عمر بن جاباري ، عن أبي سعيد القاسم بن علقمة قال سعد الخير ، وأنبأنا أيضا أبو المحاسن عبد المحسن بن عبد العزيز بن عبد السلام الأبهري ، أنبأنا أبو حفص ، أنبأنا أبو سعيد بن علقمة ، أنبأنا الحافظ أبو علي الحسن بن علي بن نصر بن منصور الطوسي ، قال : وقد روى عامر الزبيري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره مرفوعا قال : وروى وكيع ، وعبده جميعا عن هشام ، عن أبيه مرسلا . وهذا أصح من حديث الزبيري ، وقال عبد الحق : إسناده مشهور ، وإن كان قد روي مرسلا ، وهذا لعمري قول إذا حقق لم يحقق ؛ لأن هذا الحديث أسنده جماعة من أصحاب هشام ، منهم : سفيان بن سعيد الثوري من رواية علي بن الحسن بن أبي عيسى ، ثنا عبد الله بن الوليد عنه ، ويحيى بن هاشم من رواية أبي بكر بن خلاد ، عن الحارث بن أبي أسامة عنه فيما ذكره أبو نعيم الحافظ ، وقال الفضل بن دكين : ثنا سفيان ، عن هشام فذكره مرفوعا ، وزعم أبو الحسن علي بن عمر أن عبد الله ابن المبارك ، وابن عيينة ، وعبيد الله بن عروة ، ويونس ، وحبان بن علي رووه ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، والصحيح عن جميع من ذكرنا ، وعن غيرهم : عن هشام مرسلا . انتهى كلامه . ولو رأى حديث الثوري سفيان لأذعن له كل الإذعان ؛ لأنه مسند كالشمس لا مرية في صحته ولا لبس ، ولقائل أن يقول : هب أن سائر المخلوقين خالفه ، ولم يتابعه أحد له عارفة فكان ماذا ؟ أليس قوله أولى بالصواب؟ وإليه في الحفظ والإتقان المرجع والمآب ، لا سيما ، ولم يرو خلاف قوله إلا عن ابن عيينة ، وقد تقدم الخلاف عليه في ذلك ، وهذه مسألة اختلف فيها : هل الحكم للمسند ، أو المرسل؟ وهل يعتبر فيهما الأحفظ ، أو الأكثر؟ ، وهل الحكم للزائد ، أو للناقص؟ ، وهل إذا تساويا يكون علة مؤثرة أم لا؟ ، وهنا يترجح ألا خلاف في هذا الحديث ؛ لأن الذين أسندوه أكثر وأحفظ من الذين أرسلوه ؛ ولأن الزيادة من الثقة الحافظ مقبولة إجماعا - والله أعلم وقد روى أبو داود في سننه حديثا شاهدا له من حديث سمرة بن جندب ، وكتب إلى بنيه أن رسول الله : كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ، ونصلح صنعتها ، ونطهرها ، ولفظ أحمد في مسنده : وأمرنا أن ننظفها ، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي بعد حديث عروة قال : الأول أشهر إسنادا ، قال ابن القطان : يقتضي ظاهر كلامه أن حديث سمرة يلتفت إليه بحيث يفاضل بينه وبين حديث عائشة ، وهذا لا شيء ؛ لأنه إسناد مجهول البتة ، فيه جعفر بن سعد بن سمرة ، وخبيب بن سليمان بن سمرة ، وأبوه سليمان ، وما من هؤلاء من تعرف له حال ، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم ، وهو إسناد تروى به جملة أخبار ، ذكر البزار منها نحو المائة ، ولما ذكر عبد الحق حديث سمرة بهذا الإسناد فيمن نسي صلاة أو نام عنها ، قال في هؤلاء : ليسوا بأقوياء انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث إن هؤلاء ليسوا كما قال ؛ بل حالهم معروفة ، لا مجهولة ، أما جعفر ، فروى عنه جماعة منهم : سليمان بن موسى ، ومحمد بن إبراهيم بن خبيب ، وعبد الجبار بن العباس الشبامي ، وصالح بن أبي عتيقة الكاهلي ، وسليمان بن سمرة روى عنه ابنه خبيب ، وعلي بن ربيعة الوالبي ، وخبيب بن سليمان ، ذكرهم ابن حبان البستي في الثقات ، وروى أبو بكر الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير ، عن القاسم المطرز ، ثنا العلاء بن سالم ، ثنا حفص بن عمر ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي الزبير ، عن جابر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا باتخاذ المساجد في الدور ، ورواه أبو نعيم ، عن عمر بن أحمد القاضي ، ثنا العباس بن علي ، ثنا العلاء بن سالم ، فذكره ، وفي علل الدارقطني روى قران بن تمام ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن الفرافصة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه أمر ببناء المساجد في الدور ، وأن تطيب ، ولا يصح ، وقد قدمنا ذكر المساجد التي كانت في الدور .

414

16 - باب النوم في المسجد 54 - حدثنا إسحاق بن منصور ، ثنا عبد الله بن نمير ، أنبأنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم هذا حديث خرجاه في الصحيح ، وفي الباب أحاديث ، منها : حديث سهل بن سعد : جاء إلى بيت فاطمة فقال : أين ابن عمك؟ فقالت : كان بيني وبينه شيء ، فغاضبني ، فخرج فلم يقل عندي ، فقال النبي لإنسان : انظر أين هو ؟ فجاء فقال : يا رسول الله هو في المسجد راقد : فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع ، وقد سقط رداؤه عن شقه ، وأصابه تراب الحديث ، روياه أيضا . وحديث أبي هريرة قال : لقد رأيت سبعين من أهل الصفة في المسجد ما منهم رجل عليه رداء ، رواه البخاري . وحديث عائشة : ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد خيمة في المسجد يعوده من قريب ، فلم يرعهم في المسجد إلا والدم يسيل ، روياه في الصحيح ، وحديث المرأة التي كان لها حفش في المسجد ، وحديث ربط ثمامة بن أثال في المسجد ، وهما في الصحيح ، وحديث عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف أنزلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد ليكون أرق لقلوبهم ، رواه أبو داود ، وحديث عبد الله بن زيد أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مستلقيا في المسجد ، عند البخاري ، وفيه عن سعيد قال : كان عمر ، وعثمان يفعلان ذلك ، والله أعلم .

415

58 - حدثنا يحيى بن حكيم ، ثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن أنس بن سيرين ، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود ، عن أنس بن مالك قال : صنع بعض عمومتي للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما ، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إني أحب أن تأكل في بيتي ، وتصلي فيه ، قال : فأتاه وفي البيت فحل من هذه الفحول ، فأمر بناحية منه فكنس ، ورش فصلى ، وصلينا معه . قال ابن ماجه : الفحل الحصير الذي قد اسود . هذا حديث إسناده صحيح ، وقد تقدم في كتاب الطهارة صلاته - عليه السلام - في بيت أم سليم ، وفي كتاب الصلاة صلاته - صلى الله عليه وسلم - في الأماكن التي اتخذت مساجد . غريبة : الدار مؤنثة ، وإنما قال الله تعالى : وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ فذكر على معنى المثوى ، والموضع كما قال : نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا فأنث على المعنى ، وأدنى العدد : أدر ، والهمزة فيه مبدلة من واو مضمومة ، ولك ألا تهمز والكثير : ديار مثل : جبل ، وأجبل ، وجبال ، ودور أيضا مثل : أسد ، وأسد ، ذكره الجوهري ، وفي الجامع : الدور : الأرض ، والدور : القبائل ، وفي الحديث : ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد . وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ألا أنبئكم بخير دور الأنصار . والخزيرة : اللحم يقطع صغارا ، ثم يطبخ بالماء والملح ، فإذا أميت طبخا ، ذر عليه الدقيق فقصر به ، ثم أدم بأي أدام شيء ، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم ، وقيل الخزيرة : مرقة وهو أن تصفى بلالة النخالة ، ثم تطبخ ، وقيل : الخزيرة والخزير : الحساء من الدسم ، والدقيق . قال : فتدخل أيد في حناجر أقنعت لعادتها من الخزير المعرف . ذكره ابن سيده ، وفي الصحاح : الخزير ، والخزيرة : أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارا ، فإذا أنضج ذر عليه الدقيق ، وإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة . وفي غريب ابن قتيبة : وقيل : هي حساء من دقيق ودسم ، وفي البخاري ، عن النضر ، والتهذيب للأزهري ، عن أبي الهيثم : إذا كان من دقيق فهي حريرة ، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة ، وقال ابن سيده : وقيل : الحريرة هي : الدقيق الذي يطبخ بلبن . والفحل : حصير ينسج من فحال النخل يعني ذكره ، والجمع : فحول ، وزعم أبو حنيفة أن أبا عمرو الشيباني قال : لا يقال فحل إلا في ذي الروح . وكذلك قاله أبو نصر ، قال أبو حنيفة : والناس على خلاف هذا ، وقال أبو عبيد : هو الحصير المرمول من سعف النخل ، وقال شمر : قيل له ذلك ؛ لأنه مسوى من الفحل من النخيل ، فتكلم به على التجوز ، كما قالوا : يلبس الصوف والقطن ، وإنما هي ثياب تغزل منهما ، وأما منزل عتبان فكان في بني سالم بن عوف . وفي كتاب الطبراني من حديث ابن أبي أويس ، عن أبيه ، عن ابن شهاب ، عن محمود عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاه يوم السبت ، ومعه أبو بكر ، وعمر ، وفي رواية : فأتاني ، ومن شاء من أصحابه ، وأما ما ورد في بعض الطرق أنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : إني أحب أن تأتيني . وفي بعضها : بعث إليه ؛ فيحتمل أنه أرسل إليه أولا ، ثم مشى إليه بعد . وقوله : أنكرت من بصري . وفي رواية : أنا ضرير البصر . وفي رواية : أعمى . وفي رواية : أصابني في بصري بعض الشيء يحتمل أن يريد فأنكرت ، وأصابني في بصري بعض الشيء ذهاب البصر كله ، ويحتمل أنه ذهب معظمه ، وسماه عمى لقربه منه ، ومشاركته إياه في فوات بعض ما كان حاصلا في حال السلامة . وأما قوله : السيل يحول بيني ، وبين مسجد قومي حمله بعضهم على جواز الصلاة في المساجد التي حول المدينة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الطبراني ما يدفع هذا التأويل ، وإن كان الأول جائزا لكن من غير هذا الحديث يؤخذ وهو ما رواه من طريق أبي بكر بن أنس بن مالك : فلا أستطيع أن أصلي معك في مسجدك ، وفي قوله : أتخذه مصلى ، إباحة له في أن يصلي في بيته لعذره ، وفي تعيينه - عليه السلام - موضعا للصلاة إشعار بأن قوله : ولا يوطن الرجل موضعا في المسجد ، محمول على من فعل ذلك رياء وسمعة - والله أعلم

416

57 - حدثنا يحيى بن الفضل المقرئ ، ثنا أبو عامر ، ثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن تعال ، فخط لي مسجدا في داري أصلي فيه ، وذلك بعد ما عمي ، فجاء ففعل . هذا حديث إسناده صحيح ، وكأنه اختصار من الحديث الأول - والله أعلم

417

18 - باب المساجد في الدور 56 - حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن محمود بن الربيع الأنصاري ، وكان عقل مجة مجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من دلو في بئر لهم ، عن عتبان بن مالك السالمي ، وكان إمام قومه بني سالم ، وكان شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله إني قد أنكرت من بصري ، وإن السيل يأتيني فيحول بيني وبين مسجد قومي ، ويشق علي اجتيازه فإن رأيت أن تأتيني فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى فافعل قال : أفعل ، فغدا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بعد ما اشتد النهار ، فاستأذن ، فأذنت له فلم يجلس حتى قال : أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصففنا خلفه فصلى بنا ركعتين ، ثم احتبسته على خزير يصنع لهم . هذا حديث خرجاه مطولا في الصحيح ، ورواه أبو الشيخ من حديث النضر بن أنس ، عن أبيه قال : لما أصيب عتبان ، فجعله من مسند أنس .

418

17 - باب أي مسجد وضع أول؟ 55 - حدثنا علي بن ميمون الرقي ، ثنا محمد بن عبيد ، وثنا علي بن محمد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، قال : قلت : يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أي؟ قال : ثم المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما؟ قال : أربعون عاما ، ثم الأرض لك مصلى فصل حيث أدركتك الصلاة . هذا حديث خرجاه في الصحيح ، وفي صحيح ابن خزيمة : ثنا يوسف بن موسى ، ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي قال : كنت أنا وأبي نجلس في الطريق ، فيعرض علي القرآن ، وأعرض ، قال : فتمر السجدة فنسجد ، فقلت له : أيسجد في الطريق؟ قال : نعم ، سمعت أبا ذر فذكره . وفي حديث عبد الأعلى ، عن إبراهيم عند أبي نعيم الحافظ : قلت : كم بينهما؟ قال : أربعون سنة ، قلت : ثم أي؟ قال : أينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد . وقال ابن حبان في صحيحه : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن بين إسماعيل ، وداود ألف سنة ، فذكر حديث أبي ذر ، وتتبع ذلك عليه الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المسمى علل التقاسم والأنواع بقوله : ظن أبو حاتم ، وتوهم أن أول وضع البيت لما بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام . وقد روي أن آدم - عليه السلام - حج البيت ، فقالت له الملائكة : قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي سنة ، أو ما هذا معناه ، ثم إن بين إسماعيل وداود - عليهما السلام - من القرون ما لا يخفى على المميز ، وذلك أكثر من أربعين سنة ، فإن داود كان بعد موسى - عليهما السلام - ووجه الحديث أن هذين المسجدين ، وضعا قديما ثم خربا ثم بنيا - والله أعلم وزعم القرطبي أن بين إبراهيم ، وسليمان - عليهما السلام - آمادا طويلة ، قال أهل التاريخ : أكثر من ألف سنة ، قال : ويرتفع الإشكال ؛ بأن يقال : إن الآية والحديث لا يدلان على أن إبراهيم ، وسليمان ابتدآ وضعهما بل ذلك تجديدا لما كان أسسه غيرهما ، وقد روي أن أول من بنى البيت آدم عليه السلام - وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس بعده بأربعين عاما ، وبنحوه قاله ابن الجوزي في مشكله . انتهى كلامهم ، وفيه نظر ؛ من حيث إن ابن هشام في كتاب المغازي أن آدم - عليه السلام - لما بنى البيت أمره جبريل بالمسير إلى بيت المقدس وأمره بأن يبنيه فبناه ، ونسك فيه . انتهى . وقد ورد عن علي - رضي الله عنه - ما بيّن هذا الإشكال ، ويوضحه إيضاحا لا حاجة بنا معه إلى هذا التخرص ، والحسبان : أنبأنا به المسند المعمر بدر الدين يوسف بن عمر التركي - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا المسند أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم الأرتاحي قراءة عليه ، عن الحافظ أبي محمد المبارك بن علي ، أنبأنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد ، أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو ، ثنا أحمد بن حيان بن ملاعب ، ثنا عبيد الله بن موسى ، ومحمد بن سابق قالا : ثنا إسرائيل ، ثنا سماك بن حرب ، عن خالد ابن عرعرة قال : سأل رجل عليا - عليه السلام - عن : أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ، أهو أول بيت بني في الأرض؟ قال : لا كان نوح قبله ، وكان في البيوت ، وكان إبراهيم قبله ، وكان في البيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس فيه البركة ، والهدى ، ومقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا الحديث ، فهذا علي - رضي الله عنه - بين أن المراد بالوضع غير البناء ، وإذا كان هكذا فلا إشكال ، إذ مفهوم حديثه يقتضي ، وضع ذلك فيه من الله تعالى قبل أن يضع مثله في مكان المسجد الأقصى ، وسياق الآية الكريمة يدل عليه أيضا ويزيد وضوحا بما ذكر في تاريخ بيت المقدس تأليف : محمد بن عبدك الكنجي ، ومن خطه نقلت : أن أبا عمرو الشيباني ، قال : قال علي بن أبي طالب : كانت الأرض ماء ، فبعث الله ريحا فمسحت الأرض مسحا فطهرت على الأرض زبدة ، فقسمها الله أربع قطع فخلق من قطعة مكة ، ومن الثانية المدينة ، ومن الثالثة بيت المقدس ، ومن الرابعة مسجد الكوفة . وعن كعب قال : بنى سليمان بيت المقدس على أساس قديم كما بنى إبراهيم البيت على أساس قديم ، قال : والأساس لبيت المقدس أسسه سام بن نوح - عليه السلام - وأما ما رد به أيضا ، قول ابن حبان أن آدم - عليه السلام - حج البيت ، وليس فيه تصريح لكونه مبنيا يومئذ ، لا سيما على رواية من روى أنه كان إذ ذاك الوقت خشفة ، أو ياقوتة . انتهى من وجه الدلالة من هذا أن الأيام التي خلقت فيها السموات ، والموجودات كل سهم منها ألف سنة على ما رجحه ابن جرير ، واحتج له فيحتمل أن يكون خلق البيت ، قبل خلق المسجد الأقصى بهذا المقدار من سني الدنيا - والله أعلم

419

10 - حدثني محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ، نا أبي ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار الناس لما يجمعهم للصلاة ، فذكروا البوق ، فكرهه من أجل اليهود ، ثم ذكروا الناقوس ، فكرهه من أجل النصارى ، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له : عبد الله بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، فطرق الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ليلا فأمر رسول الله بلالا فأتى به ] . قال الزهري : وزاد بلال في نداء صلاة الغداة : الصلاة خير من النوم ، فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم قال عمر : يا رسول الله ، قد رأيت مثل الذي رأى ، ولكنه سبقني . هذا حديث قال فيه ابن شاهين : حديث غريب إن كان عبد الرحمن حفظه ، وقد خالفه أصحاب الزهري ؛ يونس ، وشعيب ، ومعمر ، ومحمد بن إسحاق ، وابن جريج ، فرووه عن الزهري ، عن سعيد : أن الناس كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتمعون إلى الصلاة قبل أن يؤمروا بالتأذين ، فذكر حديث ابن زيد ، وقد خرجا أصله من حديث ابن جريج ، أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ، وليس ينادي بها أحد ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اضربوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى . وقال بعضهم : بل بوقا مثل بوق اليهود . فقال عمر : أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال قم فناد بالصلاة . ولما خرجه أبو عيسى قال فيه : حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ، قال ابن منده : هذا إسناد مجمع على صحته ، وفي لفظ لأبي عوانة في صحيحه : فأذن بالصلاة . ولما خرجه ابن خزيمة في صحيحه أتبعه ، ثنا بندار بخبر غريب ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، ثنا عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : إن بلالا كان يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، حي على الصلاة ، فقال له عمر : قل في إثرها : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : قل كما أمرك عمر . ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان ، عن محمد بن يحيى ، نا بندار بلفظ : كان يقول أول ما أذن : أشهد أن لا إله إلا الله ، حي على الصلاة . وقد ورد عنه : بلفظ آخر ذكره الطبراني في الأوسط من حديث طلحة بن زيد ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أوحى الله إليه الأذان ، فنزل به فعلمه بلالا ، وقال : لا يروي هذا الحديث عن الزهري إلا يونس ، تفرد به طلحة ، تفرد به محمد بن ماهان الواسطي عنه ، وفي الباب حديث أنس بن مالك قال : كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى رجل في الطريق فنادى : الصلاة الصلاة . فاشتد ذلك على الناس فقالوا : لو اتخذنا ناقوسا ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ذاك للنصارى . فقالوا : لو اتخذنا بوقا ! فقال - صلى الله عليه وسلم - : ذاك لليهود . فقالوا : لو رفعنا نارا ! فقال - عليه السلام - : ذاك للمجوس . فأمر بلالا أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة . رواه الطبراني ، عن ابن الطهراني ، ثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري ، ثنا روح ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن خالد ، عن أبي قلابة عنه ، وأصله في الصحيحين ، وسيأتي ، وحديث أبي عمير ، عن عمومته من الأنصار المذكور قبل من كتاب أبي داود - رحمه الله تعالى - وكذا حديث معاذ بن جبل ، وحديث زفر بن الهذيل ، عن أبي حنيفة ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : أن رجلا من الأنصار مر بالنبي - صلى الله عليه وسلم وهو حزين ، فبينا هو كذلك إذ نعس ، فأتي في النوم ، فقال : على ما حزنت له . فذكر قصة الأذان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخبره : قد أخبرنا بمثل ذلك أبو بكر . فأمر بلالا أن يؤذن بمثل ذلك ، وقال الطبراني : لم يروه عن علقمة إلا أبو حنيفة ، وحديث عبيد الله بن زيد بن عبد ربه أخي عبد الله قال : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث في الأذان ، فجاءه عبد الله فقال : إني رأيت الأذان قال : فقم فألقه على بلال . فقال يا رسول الله ، إني أريتها ، وأنا كنت أريد أن أؤذن قال : أقم أنت . رواه المديني في معرفة الصحابة من حديث سهل ابن الديلمي ، نا عبد السلام بن مطهر ، نا أبو سلمة الأنصاري ، عن عبيد الله بن محمد بن زيد عنه ، وقد ورد في بدأ الأذان حديث يدل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه في الإسراء ، أنبأ به المسند المعمر الرحلة أبو التقي صالح الأشعري - رحمه الله تعالى - قراءة عليه ، وأنا أسمع أن مسند عصره أبو العباس بن عبد الدائم قراءة عليه ، أنبأ يحيى بن محمد الثقفي قراءة عليه قال : أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ ، بجميع كتاب الترغيب والترهيب ، أنبأ أبو عثمان بن حمدان ، حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن ، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن ، نا سلمة بن شبيب ، نا يونس بن موسى السامي البصري ، ثنا الحسن بن حماد الكوفي ، عن زياد بن المنذر ، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب ، قال : لما أراد الله تبارك وتعالى أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبرائيل - عليهما السلام - بدابة يقال لها : البراق فاستصعب عليه ، فقال : يا جبريل ائتني بدابة ألين من هذه ، فأتاه بدابة يقال لها : برقة ، فذهب يركبها ، فاستصعب عليه أيضا ، فقال لها جبريل : اسكني برقة فما ركبك عبد أكرم على الله من محمد - صلى الله عليه وسلم قال : فانتهت به إلى الحجاب الذي يلي الرحمن ، فخرج من وراء الحجاب ملك ، فقال - عليه السلام - لجبريل : من هذا؟ فقال جبرائيل : والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا ، وما رأيت هذا الملك منذ خلقت قبل ساعتي هذه . فقال الملك : الله أكبر . الله أكبر فسمعت من وراء الحجاب صدق عبدي : أنا أكبر ، أنا أكبر . فقال الملك : أشهد ألا إله إلا الله . فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا لا إله إلا أنا . ثم قال الملك : أشهد أن محمدا رسول الله . فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أرسلت محمدا . ثم قال الملك : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة . فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي . ثم قال الملك : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . فقيل من وراء الحجاب : لا إله إلا أنا . ثم أخذ الملك بيدي فأممت أهل السماء فيهم آدم ، ونوح . قال أبو جعفر محمد بن علي : فيومئذ أكمل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماء والأرض ، قال أبو القاسم الجوزي : هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ورواه أبو بكر البزار في مسنده ، عن محمد بن عثمان بن مخلد ، ثنا أبي ، وذكره أبو الشيخ في كتاب الأذان ، عن زياد بن المنذر فذكره ، ثم قال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن علي إلا بهذا الإسناد ، وزياد بن المنذر فيه شيعية ، وقد روى عنه مروان بن معاوية ، وغيره ، وقال أبو علي الجياني : وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ، ويشاكله من أحاديث الإسراء ، وبنحوه ذكره الحافظ أبو زيد السهيلي ، وزاد ، فبمجموعها يحصل أن معاني الصلاة كلها ، أو أكثرها قد جمعها حديث الإسراء . ورواه ابن شاهين ، عن أحمد بن محمد بن هارون ، ثنا موسى بن يسار بن عبد الرحمن ، نا يونس بن موسى ، عن الحسن بن حماد ، عن زياد ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن أبي رافع ، عن علي بلفظ : قال - عليه السلام - : يا علي إن الله تعالى علمني الصلاة ، وعلمني الأذان . فذكره بطوله ، وأشار إلى ضعفه ، قال : وثنا أحمد بن محمد بن سعيد ، ثنا يعقوب بن يوسف ، ثنا حصين ، عن منذر بن أبي طريف ، عن محمد بن بشير ، عن محمد ابن الحنفية ، عن علي قال : كان أذان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به ، لما كان في السماء حضرت الصلاة فأذن جبرائيل الحديث ، وثنا أحمد بن يونس [ ، ثنا إبراهيم الحربي ، ثنا عبيد الله بن عمر ، ثنا يونس ] بن أرقم ، ثنا سعيد بن دينار ، عن زياد بن المنذر ، حدثني العلاء ، قال : قلت لابن الحنفية : كنا نتحدث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار ففزع ، وقال : وقد عمدتم إلى أحسن دينكم ، فزعمتم أنه كان رؤيا ، هذا والله الباطل ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به انتهى إلى مكان من السماء ، وقف ، وبعث الله عز وجل ملكا ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم ، فعلمه الأذان ، وذكر باقي الحديث ، ففي هذا رد لما ذكره البزار ، وأبو القاسم ، وحديث عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما أسري بي إلى السماء الدنيا أذن جبرائيل - عليه السلام فظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت بهم . ذكره أبو حفص في كتاب الناسخ والمنسوخ عن جعفر بن محمد بن نصير ، ثنا علي بن أحمد السواق ، ثنا محمد بن حماد بن زيد الحارثي ، ثنا عائذ بن حبيب الهروي ، عن هشام ، عن أبيه عنها ، وحديث ابن عباس قال : علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان حين أسري به ، وأريه رجل من الأنصار في منامه ، ورواه أيضا عن أحمد بن محمد بن سعيد ، ثنا يعقوب بن يوسف الضبي ، ثنا أبو جنادة حصين بن المخارق ، ثنا عبد الصمد بن علي ، عن أبيه عنه ، وفي كتاب أبي الشيخ : كتب إلينا ، علي بن الحسن بن سلم الرازي ، ثنا مسروق ، ثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثني عبد العزيز بن عمران ، عن إبراهيم بن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين : عن عكرمة عنه قال : الأذان نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع فرض الصلاة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .انتهى ، وفيه إشكال ؛ لأن فرض الصلاة كان بمكة ، وسورة الجمعة مدنية إجماعا ، حكاه أبو العباس المفسر الضرير في كتاب مقامات التنزيل ، وغيره ، اللهم إلا أن يريد صلاة الجمعة لا مطلق الصلوات ؛ لأن فريضة الجمعة إنما كانت بالمدينة والله أعلم وحديث سالم ، عن أبيه قال : لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء أوحي إليه الأذان فنزل فعلمه بلالا ، رواه أيضا عن محمد بن محمود الأنباري ، ثنا محمد بن ماهان ، حدثني عمي ، نا أبي ، ثنا طلحة بن زيد ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري عنه ، وهو مردود ؛ بأن الإسراء الذي فرضت فيه الصلاة كان بمكة ، والتأذين بالمدينة إجماعا ، وحديث عبيد بن عمر الليثي قال : ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم وأصحابه - للاجتماع للصلاة ، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس ، بل أذنوا بالصلاة فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره بذلك : قد سبقك بذلك الوحي ، ذكره ابن إسحاق في سيره ، عن ابن جريج قال : قال لي عطاء : سمعت عبيدا به ، قال السهيلي : وقد عرفت رؤيا ابن زيد ، ولم تعرف رؤيا عمر - رضي الله عنه وفي مسند الحارث بن أبي أسامة : أول من أذن بالصلاة جبرائيل في السماء الدنيا ، فسمعه عمر ، وبلال فسبق عمر بلالا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم وأخبره بها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال سبقك بها عمر ، وحديث عبد الله بن الزبير قال : أخذ الأذان من أذان إبراهيم - عليه السلام - في الحج : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ، قال : فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه أبو الشيخ ، عن كتاب علي بن سلم ، نا مسروق ، نا إبراهيم بن المنذر ، نا عبد العزيز بن عمران ، عن ابن المؤمل ، عن أبي الزبير عنه ، قال السهيلي : الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ، ولم يكن بوحي ؛ فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع سماوات ، وهذا أقوى من الوحي ، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة ، وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رآه - عليه السلام فلذلك قال : أنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى ، وعلم حينئذ أن مراد الله تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض ، وقوى ذلك موافقة رؤيا عمر مع أن السكينة تنطق على لسان عمر ، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من التنويه بعده ، والرفع لذكره ، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه ، وأفخم لشأنه ، وهو معنى قوله تعالى : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ، وهو معنى ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي ، والشيخ أبو العباس القرطبي ، زاد : ويحتمل أنهم لما تفاوضوا في الأذان كان عبد الله ، وعمر غائبين فلما قدما ، وجدا المفاوضة ، فقال عبد الله ما قال ، وتلاه عمر ، ولما رأى عمر قبول الرؤيا ، وصحتها قال : ألا تنادون إلى الصلاة : فقال - صلى الله عليه وسلم - لبلال : قم . وقال عياض : ظاهر قول عمر : أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ليس على صفة الأذان الشرعي ، بل إخبار بحضور وقتها ، قال النووي : وهذا الذي قاله أبو الفضل محتمل أو متعين ، فقد صح في حديث ابن زيد أنه رأى الأذان في المنام ، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبره فجاء عمر فقال : والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى ، فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر ، فيكون الواقع الإعلام أولا ، ثم رأى ابن زيد الأذان فشرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إما بوحي ، وإما باجتهاده على مذهب الجمهور ، وليس هو عملا بمجرد المنام ، هذا ما لا شك فيه انتهى ، وفي هذا كله ذهول عن قول عمر : لقد رأيت مثل ما رأى ، ولكنه سبقني ، ويحمل قوله : ألا تناودن إلى الصلاة على الأذان الشرعي ؛ لأنه قال مثل ما رأى عبد الله ، وعبد الله رأى الأذان مفصلا ، وأخبر به كذلك ، ولأنه قد وافقهما على رؤياهما سبعة من الصحابة في تلك الليلة أيضا حكاه صاحب المبسوط ، وفي كتاب الغزالي فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر رجلا من الصحابة قد رأى كلهم مثل ذلك ، ولأنا قد قدمنا في صحيح أبي عوانة فأذن بالصلاة ؛ ولأنه لا خلاف أنهم كانوا قبل ذلك يؤذنون بها ، بقولهم : الصلاة جامعة ، ذكره ابن سعد ، عن ابن المسيب ، أو بقولهم : الصلاة الصلاة كما قدمنا ، وفي قوله : قم يا بلال حجة لمشروعية الأذان قائما ، وأنه لا يجوز الأذان قاعدا ، وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور ، فإنه جوزه ، ووافقه أبو الفرج المالكي فيما ذكره أبو الفضل ، واستضعفه النووي لوجهين : أحدهما : المراد بالنداء هنا الإعلام . الثاني : المراد قم واذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان ، قال : ومذهبنا المشهور أنه سنة فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه لكن فاتته الفضيلة ، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء ، وفي كتاب الإشراف : أجمع كل من يحفظ عنه العلم : أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائما ، وروينا عن أبي زيد الصحابي ، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذن وهو قاعد . وفي كتاب أبي الشيخ ، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر ، عن أبيه قال : حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو قائم طاهر ، وقول الصحابي : وهو من السنة يدخل في المسند ، وأما قول أبي عمير : لولا أن ابن زيد كان مريضا لأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذان ، فيرده ما ذكره الدارقطني ، قال عبد الله : أنا رأيته ، وأنا كنت أريده . قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأقم أنت . وسيأتي ذكره أيضا ، وفي كتاب المحيط : وإن أذن لنفسه فلا بأس بأن يؤذن قاعدا من غير الناس ، فإن أذن قاعدا من غير عذر مراعاة لسنة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام الناس فإن أذن قاعدا لغير عذر صح أذانه ، وفاتته الفضيلة ، وكذا لو أذن قاعدا مع قدرته على القيام صح أذانه ، فأما إذا أذن على غير وضوء فقد جوزه إبراهيم قال : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء ، ثم ينزل فيتوضأ . وعن قتادة : أنه كان لا يرى بأسا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء ، فإذا أراد أن يقيم توضأ ، وعن عبد الرحمن بن الأسود : أنه كان يؤذن على غير وضوء ، وعن الحسن : لا بأس أن يؤذن غير طاهر ، ويقيم وهو طاهر ، وعن حماد : أنه كان لا يرى بأسا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء ، وكره ذلك جماعة ، قال عطاء : الوضوء فرض وسنة ، وفي حديث الزهري قال أبو هريرة : لا يؤذن إلا متوضئ . ولما رواه الترمذي ، عن يونس ، عن الزهري مرسلا قال : هذا أصح . ورواه البيهقي من حديث الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وفي كتاب شرح الآثار للطبري عن عبد الله بن عباس قال لرجل : لا تؤذن إلا وأنت طاهر ، ورفعه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي المصنف عن مجاهد : لا أؤذن حتى أتوضأ ، واختلف في آخر الأذان ، فالصحيح ما تقدم ، وفي المصنف نا محمد بن فضيل عن يزيد عن أبي صادق أنه كان يجعل آخر أذانه - لا إله إلا الله - والله أكبر - وقال : هكذا كان آخر أذان بلال ، وكذا روى ابن علية عن ابن عون عن محمد قال : كان الأذان للنبي صلى الله عليه وسلم فذكره ، وفي آخره : لا إله إلا الله ، والله أكبر . وفي كتاب البيهقي من طريق مؤذن علي أنه إذا أذن ختمه بقوله : والله أكبر الله أكبر ، وكذا فعله أبو يوسف صاحب أبي حنيفة . وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم : ثنا إسرائيل حدثني ثوير قال : صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة ، فكان مؤذننا ، وكان يجعل آخر أذانه : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وثنا إسرائيل حدثني ثوير قال : سألت أبا جعفر عن آخر الأذان ، فقال : لا إله إلا الله ، والله أكبر وثنا زهير عن عمران بن مسلم أرسلني سيد بن غفلة إلى مؤذننا رباح فقال : قل له يختم أذانه بالله أكبر ، فإنه أذان بلال ، وعن إبراهيم قال : كان أبو محذورة يقول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وكان بلال يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله : بلال في السفر ، وأبو محذورة في الحضر ، يعني في آخر الأذان ، رواه عن عيسى بن المسيب عنه . وأما الناقوس فذكر الجواليقي في كتاب المعرب أنه ينظر فيه : أعرابي هو أم لا؟ وقال القزاز : ولا أراه عربيا محضا ، قال : وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها ، وأما قول ابن المثنى : وفي الصحاح : كانوا ينقسون ، قال وهي رواية منكرة ، لأن ظاهرها يقتضي ضربهم به ، فليس صحيحا ، لأن الذي في غير ما نسخة في الصحاح : الناقوس : الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلوات ، قال جرير : لما تذكرت بالديرين أرقني صوت الدجاج وقرع بالنواقيس والنقس : ضرب الناقوس ، وفي الحديث : كادوا ينقسون حتى رأى عبد الله بن زيد الأذان في المنام ، زاد ابن سيده في محكمه : والنقس : ضرب من النواقيس : وهو الخشبة الطويلة ، والوبيلة القصيرة ، وقول الأسود بن يعفر : وقد سبأت لفتيان ذوي كرم قبل الصباح ولما تقرع النقس يجوز أن يكون جمع ناقوس على توهم حذف الألف ، وأن يكون جمع نقس الذي هو ضرب منها ، كرهن ورهن ، وسقف وسقف ، وقد نقس الناقوس بالوبيل نقسا ، وزعم أبو زكريا يحيي بن علي الخطيب التبريزي في كتاب العروض الكبير أن عليا رضي الله عنه سمع صوت الناقوس ، فقال لمن معه من أصحابه : أتدرون ما يقول هذا الناقوس ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، وابن عمه أعلم . فقال : إن علمي من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الناقوس يقول : حقا حقا حقا حقا صدقا صدقا صدقا صدقا يا ابن الدنيا جمعا جمعا إن الدنيا قد غرتنا يا ابن الدنيا مهلا مهلا لسنا ندري ما فرطنا ما من يوم يمضي عنا إلا أوهى منا ركنا ما من يوم يمضي عنا إلا أمضى منا قرنا . قال أبو زكريا : وهذا البحر يسمى الغريب ، والمتسق ، وركض الخيل ، وقطر الميزاب . وفي رواية : إن الدنيا قد غرتنا واستهوتنا واستلهتنا يا ابن الدنيا مهلا مهلا زن ما تأتي وزنا وزنا . وعبد الله بن زيد لم أر أحدا ذكره في الشعر ، ولا ألم بذكره والله تعالى أعلم

420

4 - أبواب الأذان والسنة فيه باب بدء الأذان 9 - حدثنا أبو عبيد محمد بن عبيد بن ميمون المدني ، ثنا محمد بن سلمة الحراني ، ثنا محمد بن إسحاق ، نا محمد بن إبراهيم التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد هم بالبوق ، وأمر بالناقوس فنحت ، فأري عبد الله بن زيد في المنام قال : رأيت رجلا عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا ، فقلت له يا عبد الله : تبيع الناقوس؟ قال : ما تصنع به ؟ فقلت : أنادي به إلى الصلاة ؟ قال : أفلا أدلك على خير من ذلك ؟! قلت : وما هو؟ قال : تقول : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . فخرج عبد الله بن زيد حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما رأى ، قال : يا رسول الله ، رأيت رجلا عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا ، فقص عليه الخبر ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : إن صاحبكم قد أري رؤيا ، فاخرج مع بلال إلى المسجد ، فألقها عليه ، وليناد بلال ؛ فإنه أندى صوتا منك . قال : فخرجت مع بلال إلى المسجد فجعلت ألقيها عليه ، وهو ينادي بها ، فسمع عمر بن الخطاب بالصوت فخرج فقال : يا رسول الله ، والله لقد رأيت مثل الذي رأى . قال أبو عبيد : فأخبرني أبو بكر الحكمي أن عبد الله بن زيد الأنصاري قال في ذلك : أحمد الله ذا الجلال وذا الإكـ رام حمدا على الأذان كثيرا إذ أتاني به البشير من اللـ ـه فأكرم به لدي بشيرا في ليال والى بهن ثلاث كلما جاء زادني توقيرا . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، عن محمد بن عيسى ، ثنا سلمة يعني : ابن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، قال : وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة الحديث ، وفي آخره : فقال - صلى الله عليه وسلم - : فلله الحمد فذلك أثبت . [ قال محمد بن إسحاق : حدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، عن أبيه بهذا الحديث ] ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن إبراهيم ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، حدثني أبي عبد الله بن زيد ، قال : لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناقوس فعمل ليضرب به للناس في الجمع للصلاة ، فذكر الحديث بطوله ، بمثل حديث سلمة بن الفضل سمعت محمد بن يحيى يقول : ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا ؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد ، ثنا محمد بن يحيى في عقب حديثه ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق قال : فذكر محمد بن مسلم الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه بهذا الخبر ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه لرؤيا حق إن شاء تعالى ثم أمر بالتأذين ، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك . وفي موضع آخر قال : هذا صحيح من جهة النقل ، ومحمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه ، ومحمد بن إسحاق قد سمعه من التيمي ، وليس هو مما دلسه ابن إسحاق ، وخرج أحمد حديث سعيد عنه في مسنده ، وفيه كما ترى انقطاعان ؛ الأول : فيما بين الزهري ، وابن إسحاق . والثاني : فيما بين سعيد ، وعبد الله نص على الثاني البيهقي ، وذكر الأثرم عنه أنه قال : أنا أذهب في الأذان إلى حديث محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، وخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى ، ثنا الناقد ، ثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا أبي عن ابن إسحاق فذكره ، وفي آخره : ثم استأخر غير بعيد ثم قال : تقول إذا أقمت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا اله الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، وذكر البيهقي أن محمد بن يحيى الذهلي قال : ليس في قصة الأذان خبر أصح من هذا لأن محمدا سمع من أبيه ، وذكره أبو عيسى مختصرا بلفظه : فإنه أندى صوتا ، أو أمد منك ، فألق عليه ما قيل لك ، وليناد بذلك ، عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، ثنا أبي ، ثنا ابن إسحاق ، ثم قال : حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح ، وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد ، عن ابن إسحاق بأتم من هذا الحديث وأطول ، فذكر فيه قصة الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مرة ، وعبد الله بن زيد هو ابن عبد ربه ، ويقال : ابن عبد رب ، ولا يعرف له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان ، وفي كتاب المعرفة عنه : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : هو عندي حديث صحيح ، ولما ذكر الخطابي حديث ابن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، قال : وروي هذا الحديث ، والقصة بأسانيد مختلفة ، وهذا الإسناد أصحها ، وقال أبو علي الطوسي الحافظ ، وخرجه في أحكامه ، عن الذهلي ، ثنا يعقوب ، ثنا أبي به مطولا ، وفي آخره فكان بلال يؤذن بذلك ، ويدعو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة قال : فجاء فدعاه ذات غداة إلى صلاة الفجر فقيل له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائم قال : فصرخ بلال بأعلى صوته : الصلاة خير من النوم ، قال ابن المسيب : فأدخلت هذه الكلمة في التأذين في صلاة الفجر ، فقال : حديث عبد الله بن زيد حسن صحيح ، وذكره ابن الجارود في منتقاه ، وقال البيهقي : هذا خبر موصول ، وقال أبو محمد الإشبيلي : هو خبر صحيح ، وقال أبو الخطاب : هو خبر متواتر الطرق ، ولفظ أبي داود ، وخرجه من حديث أبي بشر ، عن أبي عمير ، عن أنس ، عن عمومة له من الأنصار قال : اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة كيف يجمع الناس لها ؟ فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة ، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك ، قال : فذكر له القنع يعني : الشبور ، فلم يعجبه ، وقال : هو من أمر اليهود ، قال : فوصف له الناقوس ، فقال : هو من أمر النصارى ، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، وهو مهتم لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأري الأذان في منامه ، قال : فغدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال : يا رسول الله ، إني لبين نائم ، ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان قال : وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما ، قال : ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ما منعك أن تخبرنا ، فقال سبقني عبد الله ، فاستحييت فقال - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال ، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله ، قال : فأذن بلال قال أبو بشر : فحدثني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله لولا أنه كان مريضا يومئذ لجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤذنا . قال ابن عبد البر : روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الله بن زيد في بدأ الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة ، وكلها يتفق على أمره عند ذلك ، والأسانيد في ذلك متواترة من وجوه صحاح ، وفي موضع آخر حسان ، ونحن نذكر أحسنها ، فذكر حديث أبي عمير هذا . قال أبو داود : [ هكذا ] رواية الزهري ، عن سعيد ، عن عبد الله قال فيها ابن إسحاق : الله أكبر مرتين ، وقال معمر ويونس عن الزهري : الله أكبر لم يثنيا ، ونا عمرو بن مرزوق ، نا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت ابن أبي ليلى قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، قال : وثنا أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين ، أو المؤمنين واحدة حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور ينادون الناس بحين الصلاة ، وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة حتى نقسوا ، أو كادوا أن ينقسوا . قال : فجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ، إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين ، فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ، ثم قام ، فقال مثلها ، إلا أنه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقولوا : لقلت : إني كنت يقظانا غير نائم فقال - صلى الله عليه وسلم - : أراك الله خيرا . وقال ابن مثنى : لقد أراك الله خيرا . وثنا ابن مثنى ، عن أبي داود ، وثنا نصر بن المهاجر ، ثنا يزيد بن هارون ، عن المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، وفيه قال نصر : فجاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار ، فقال فيه : فاستقبل القبلة فذكر التأذين ، والإقامة ، قال أبو عيسى : عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ ، وكذا قاله ابن المديني في العلل الكبير ، والبيهقي ، وتبعهم على ذلك أبو محمد الإشبيلي ، وأبو الحسن ابن القطان ، وقول عبد الرحمن ، ثنا أصحابنا ، قال المنذري : إن كان أراد الصحابة فهو قد سمع من جماعة منهم ، فيكون الحديث مسندا ، وإلا فهو مرسل ، وما دري - رحمه الله - أن الطحاوي قال في شرح الآثار : ثنا علي بن شيبة ، ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن عمرو عنه قال : حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد الأنصاري رأى الأذان في المنام فذكره ، وكذا ذكره ابن خزيمة في صحيحه ، وكذا هو في كتاب الأذان لأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الحافظ ، عن عبدان ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو ، وعن عبد الرحمن قال : ثنا أصحاب محمد أن عبد الله بن زيد به ، فصح إسناده على هذا والله تعالى أعلم ولما ذكره ابن حزم من عند ابن وضاح ، ثنا موسى بن معاوية ، ثنا وكيع قال : هذا إسناد في غاية الصحة من أسانيد الكوفيين ، وابن أبي ليلى أخذ ، عن مائة وعشرين من الصحابة ، وأدرك بلالا ، وعمر رضي الله عنهما ، وذكر عبد الرزاق في مصنفه ، عن إبراهيم بن محمد ، عن أبي جابر البياضي ، عن سعيد بن المسيب عنه : أنه بينا هو نائم إذ رأى رجلا معه خشبتان قال : فقلت له في المنام : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يشتري هذين العودين يجعلهما ناقوسا يضرب به للصلاة . قال : فالتفت إلي صاحب العودين برأسه ، وقال : أفلا أدلكم على ما هو خير من هذا ؟ فبلغه رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأمره بالتأذين . قال أبو عمر : لا أحفظ ذكر الخشبتين إلا في حديث أبي جابر ، يعني هذا ، ومرسل مالك ، عن يحيى بن سعيد قال : كأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أراد أن يتخذ خشبتين لجمع الناس للصلاة ، ولفظ أبي قرة في سننه ، وخرجه من حديث أبي جابر : يا رسول الله ، إني قطيع الصوت فقال : علم بلالا الحديث ، ولفظ الدارقطني في سننه من حديث ابن أبي ليلى ، عن معاذ : قال ابن زيد : يا رسول الله ، رأيت في المنام كأن رجلا نزل من السماء على جذم الحائط ، فأذن مثنى مثنى . وفي كتاب أبي الشيخ : فلما كان قبل الفجر غشيني النعاس ، فرأيت رجلا قام على سطح المسجد ، وأنا بين النائم واليقظان ، فجعل إصبعيه في أذنيه ، وفي المعجم الكبير لابن مطير ، من حديث ابن أبي ليلى عنه ولم يسمع منه : فجاء المسلمون سراعا ، لا يرون إلا أنه فزع ، ثم جاء عمر فقال : والله إنه قد طاف بي ما طاف به . وذكر أبو نعيم الحافظ أن محمد بن إسحاق رواه أيضا عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن محمد بن عبد الله بن زيد ، ورواه زيد بن حباب ، عن محمد بن عمرو بن سهل ، عن عبد الله بن محمد بن زيد ، عن أبيه ، أو عمه ، عن عبد الله ، ورواه إبراهيم بن المنذر ، عن عبد العزيز بن عمران ، عن شعيب بن عبادة الأنصاري ، عن ابن عبد الله بن زيد ، عن أبيه ، ولفظ العسكري في كتاب الصحابة : أمر رجالا يقومون على الآطام فيرفعون المسوح ، ويبشرون الناس بالصلاة حتى رأيت الحديث ، وذكر أبو حامد الغزالي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال : ألقه على بلال . قال عبد الله : يا رسول الله ، ائذن لي مرة واحدة فأذنت بإذنه ، فلما سمع عمر صوتي خرج يجر رداءه . زاد الفوراني : فأذنت الظهر . ولم أر له في كتب الحديث ذكرا إلا ما أسلفناه من حديث سعيد بن المسيب ، عن عبد الله فبلغه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره بالتأذين ، وهو شاهد له والله تعالى أعلم

421

بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه أكتفي . 5 - الترجيع في الأذان 11 - حدثنا محمد بن بشار ، ومحمد بن يحيى ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج قال : أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن عبد الله بن محيريز - وكان يتيما في حجر أبي محذورة بن معير حتى جهزه إلى الشام - فقلت لأبي محذورة : أي عم ، إني خارج إلى الشام ، وإني أسأل عن تأذينك ، فأخبرني أن أبا محذورة قال : خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق ، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعنا صوت المؤذن ، ونحن عنده متنكبون ، فصرخنا نحكيه ، تهزءا ، فسمع رسول الله فأرسل إلينا قومنا ، فأقعدونا بين يديه ، فقال : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ . فأشار إلي القوم كلهم ، وصدقوا ، فأرسل كلهم ، وحبسني ، وقال لي : قم فأذن . فقمت ، ولا شيء أكره إلي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به ، فقمت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال : قل : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد ألا إله إلا الله ، أشهد ألا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال لي : ارجع فمد من صوتك : أشهد ألا إله إلا الله ، أشهد ألا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، ثم دعاني حين قضيت التأذين ، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ، ثم أمرها على وجهه من بين يديه على كبده ، ثم بلغت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرة أبي محذورة ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بارك الله لك ، وبارك عليك . فقلت : يا رسول الله ، أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال : نعم ، قد أمرتك . فذهب كل شيء كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كراهية ، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، فأذنت معه بالصلاة على أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال : وأخبرني ذلك من أدرك أبا محذورة على ما أخبرني عبد الله بن محيريز .

422

12 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عفان ، حدثنا همام بن يحيى ، عن عامر الأحول ، أن مكحولا حدثه ، أن ابن محيريز حدثه ، أن أبا محذورة حدثه ، قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة فذكره . هذا الحديث خرجه مسلم مختصرا من حديث الأحول ، عن مكحول ، عن ابن محيريز فذكر : الله أكبر . في أوله مثنى مثنى ، وأبو عوانة من حديث ابن المديني ، عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، وابن منده من حديث عبيد الله بن عمر عنه ، وأما تخريج الحاكم له من جهة عبد الله بن سعيد ، عن معاذ ففيه نظر لكونه في مسلم ، قال ابن القطان : والصحيح عن عامر في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في أوله ، كذلك رواه عن عامر جماعة منهم عفان ، وسعيد بن عامر ، وحجاج ، ورواه عن هؤلاء الحسن بن علي ، ذكر ذلك أبو داود عنه ، وبذلك يصح ، فيكون الأذان تسع عشرة كلمة ، وقد قيده بذلك في نفس الحديث وقيد الإقامة بسبع عشرة كلمة ، وقد وقع في بعض روايات مسلم لهذا الحديث مربعا ، وهي التي ينبغي أن تعد فيه صحيحة ، ذكره البيهقي في كتابه . انتهى كلامه . وفيه نظر ، وذلك أنه يسقط منه هكذا رجل ، وبيانه : هو أن أبا داود إنما رواه عن الحسن بن علي ، عن عفان ، وسعيد بن عامر ، وحجاج ، عن همام ، عن عامر ، وكذا رواه أبو عيسى - وسيأتي - ورواه ابن سعد في كتاب الطبقات ، عن سعيد بن عامر ، وعفان ، عن همام بن يحيى ، عن عامر - والله أعلم - ولهذا فإن أبا عمر حكى عن ابن السكن تفرد همام بروايته ، ورواه أبو عيسى من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، قال : أخبرني أبي ، وجدي جميعا عن أبي محذورة ، وعن أبي موسى ، عن عفان ، عن همام ، عن عامر ، عن مكحول به مختصرا ، وقال : حسن صحيح ، وكذا قاله في العلل حين ذكره بكماله ، ولفظ ابن خزيمة ، وخرجه من حديث مكحول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نحوا من عشرين رجلا فأذنوا ، فأعجبه صوت أبي محذورة ، فعلمه الأذان ، وعلمه الإقامة مثنى مثنى . وعن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك مؤذن المسجد الحرام قال : حدثني أبي ، وجدي جميعا عن أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقعده فألقى عليه الأذان حرفا حرفا . قال بشر بن معاذ : قال لي إبراهيم : هو مثل أذاننا هذا . فقلت له : أعد علي قال أبو بكر بن خزيمة : عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة ، وإنما رواه عن ابن محيريز ، عن أبي محذورة . وقال الدورقي في أول الأذان : الله أكبر الله أكبر ، وباقي حديثه مثل لفظ حديث بندار ، عن أبي عاصم ، وهكذا رواه روح ، عن ابن جريج ، عن عثمان بن السائب ، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عنه ، قال في أول الأذان : الله أكبر ، الله أكبر ، لم يقله أربعا ، ورواه أبو عاصم ، وعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، وقالا في أول الأذان : الله أكبر . أربعا . قال الحافظ أبو بكر : خبر أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل ، وفي سؤالات الأثرم : قيل لأبي عبد الله : حديث أبي محذورة صحيح؟ قال : أما أنا فلا أدفعه . وذكره ابن الجارود في منتقاه ، وحكى أبو عمر ، عن الشافعي أنه يقول في أول الأذان : الله أكبر أربعا ، وزعم أن ذلك محفوظا من رواية الحفاظ الثقات في حديث ابن زيد ، وأبي محذورة ، وهذه زيادة يجب قبولها ، والعمل بها عندهم بمكة ، في آل أبي محذورة إلى زمانه ، وفي كتاب الإقناع لابن المنذر : والأذان الذي علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا محذورة ، ولم يزل عليه أهل الحرمين قديما وحديثا إلى يومنا هذا التربيع . وقال الحافظ أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام وذكره فقال : هذا حديث حسن صحيح ، وقال أحمد بن سنان : هذا الحديث أصل في هذا الباب ، فأما الإقامة فلا يختلف على واحدة واحدة إذ علمها النبي - عليه السلام - أبا محذورة ، وأمر بها بلالا ، وقد روي حديث أبي محذورة من غير وجه ، وعليه العمل بمكة ، وقال البغوي في شرح السنة : هذا حديث صحيح ، ولفظ النسائي : خرجت عاشر عشرة ، فسمعناهم يؤذنون للصلاة ، فأرسل إلينا فأذنا رجلا رجلا ، فكنت آخرهم ، زاد الكجي : وكان ذلك في الحجرة . وقد تقدم من عند أبي داود ، وابن خزيمة ما يرده - والله أعلم - ورواه أبو حاتم في صحيحه بلفظ : فكنا في بعض طريق حنين ، وفي آخره ، قال ابن جريج : وأخبرني غير واحد من أهلي خبر ابن محيريز هذا ، وفي كتاب النسائي ، وابن خزيمة قال ابن جريج : أخبرني هذا الخبر كله عثمان بن السائب ، عن أبيه ، وعن أم عبد الملك أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة ، وزعم ابن القطان أن عثمان ، وأباه ، وأمه مجهولون ، وهو مردود بما ذكرناه ، قال ابن حبان : حدثنا الفضل بن الحباب ، حدثنا مسدد ، حدثنا الحارث بن عبيد ، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت يا رسول الله ، علمني سنة الأذان .قال : فمسح مقدم رأسي ، وقال : تقول : فذكره مرجعا ، ثم قال : فإن كانت صلاة الصبح قلت : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . واعترض أبو محمد الإشبيلي على هذا الحديث بقوله : هذا يرويه الحارث بن عبيد ، عن محمد بن عبد الملك ، عن أبيه ، عن جده ، ولا يحتج بهذا الإسناد ، وقال في الكبرى : الحارث بن عبيد يضعف ، وقد روى عنه ابن مهدي ، وقال : هو من شيوخنا . وهو كلام جيد ، واعترض ابن القطان على الأول ذهولا عن الثاني ، وأصاب ؛ لأن كلامه على الوسطى لا الكبرى ، ولكنه غالبا يبين الصواب وعدمه منها ، قال : لأنه لم يبين علته قال : وهي الجهل بحال محمد بن عبد الملك ، ولا نعلم روى عنه إلا الحارث ، وهو أيضا ضعيف ، قاله ابن معين . وقال فيه أيضا : مضطرب الحديث . وكذا قاله ابن حنبل ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، ولا يحتج به . وقال عمرو بن علي : سمعت ابن مهدي يحدث عنه ، وقال : كان من شيوخنا ، وما رأيت إلا خيرا ؛ فأما عبد الملك بن أبي محذورة فقد روى عنه جماعة منهم : ابنه محمد ، والنعمان بن راشد ، وابنا ابنيه : إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك ، وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث إن الحارث خرج له مسلم في صحيحه على طريق الاحتجاج ، وقال الساجي : كان صدوقا . وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، واستشهد به البخاري في موضعين من كتابه ، وأما ما ذكره عن أحمد فقد جاء عنه خلافه ، قال أحمد بن حميد : سألت أبا عبد الله عنه فقال : لا أعرفه . قلت : يروي عن هود بن شهاب ؟ قال : لا أعرفه . قلت : روى عن هود ، عن ابن عباد ، عن أبيه ، عن جده ، مر عمر على أبيات بعرفات ؟ فقال : نعم ، هذا يروى عن عباد من غير هذا الوجه ، وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ من حديث غيره ، رواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن يزيد بن سنان ، ثنا أبو عاصم ، وأشار الطحاوي في المشكل إلى ثبوته ، ورواه أبو داود ، عن الحسن بن علي ، حدثنا أبو عاصم ، وعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني عثمان بن السائب ، أخبرني أبي ، وأم عبد الملك بن أبي محذورة ، عن أبي محذورة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو هذا الحديث - يعني حديث الحارث بن عبيد - وفيه : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، في الأول من الصبح ، قال أبو داود : ثنا النفيلي ، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة ، سمعت جدي عبد الملك يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول : ألقى علي النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان فذكره . وفيه : كان يقول في الفجر : الصلاة خير من النوم . وهو أيضا إسناد صحيح . قال : ثنا محمد بن داود ، حدثنا زياد - يعني ابن يونس - عن نافع بن عمر الجمحي ، عن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن عبد الله بن محيريز عنه ، فذكر مثل حديث ابن جريج ، عن عبد العزيز بن عبد الملك ، ومعناه . ورواه النسائي عن عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، وعبد الرحمن ، قالا : حدثنا سفيان ، عن أبي جعفر ، عن أبي سلمان ، عن أبي محذورة قال : كنت أؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر ، فأقول إذا كنت في الأذان الأول : حي على الفلاح ، الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم . ثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، وعبد الرحمن قالا : ثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه ، قال عبد الرحمن بن مهدي : وليس بأبي جعفر الفراء ، وأما ابن حزم فذكره في كتابه مصححا له ، وقال : عن أبي جعفر المؤذن ، عن أبي سليمان . كذا رأيته بالياء بعد اللام ، وكأنه تصحيف من النسخة ، وصوابه : سلمان ، واسمه همام ، وزعم المزي أن أبا جعفر هذا هو الفراء ، وأنت ترى ابن مهدي نص على أنه ليس به ، ولو كان الفراء لكان سندا صحيحا - والله أعلم ورواه أبو الشيخ ، عن إبراهيم بن محمد بن الحارث ، ومحمود بن أحمد بن الفرج ، ومحمد بن نصر قالوا : حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ، أنبأ الثوري ، وفي آخره : فدعاني - عليه السلام - فمسح يده على رأسي . حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، ثنا سلمة بن الخليل الكلاعي ، ثنا مروان ، ثنا النعمان ، عن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن ابن محيريز الشامي ، عن أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان ، وأمره أن يقول في الأذان الأول من الصبح : الصلاة خير من النوم ، مرتين . وثنا الوليد بن أبان ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن راشد ، حدثني النعمان بن راشد ، عن عبد الملك ، عن ابن محيريز ، عن أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يؤذن لأهل مكة ، وأن يدخل في أذانه في الغداة الصلاة خير من النوم . انتهى ، وفي هذا أيضا رد لما تقدم من قول البيهقي في المعرفة : حديث أبي محذورة منقطع . ولما يفهم أيضا من قول أبي الشيخ في موضع آخر : إن الحرشي سأل ابن أبي محذورة ، عن التثويب فقال كان في أذان بلال . وفي سنن الدارقطني بسند صحيح ، حدثنا أحمد بن العباس ، حدثنا عباد بن الوليد أبو بدر ، ثنا الحماني ، ثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا عبد العزيز بن رفيع ، قال : سمعت أبا محذورة يقول : كنت غلاما صيتا ، فأذنت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين الفجر ، فلما بلغت حي على الفلاح ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ألحق فيها : الصلاة خير من النوم . وقال ابن المنذر جاء الحديث ، عن أبي محذورة أنه قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أذنت الصبح فقل : الصلاة خير من النوم . وأما قول الشيخ في المهذب : لم يحك أبو محذورة الترجيع . فمردود بما قدمناه - والله أعلم وفي كتاب النسائي بسند صحيح : آخر أذان أبي محذورة لا إله إلا الله . ولما ذكره في الأوسط قال : لم يروه عن هشام إلا ابنه ، تفرد به ابن راهويه . قال ابن عبد البر : والتثويب في أذان أبي محذورة محفوظ معروف مشهور عند العلماء ، وذهب مالك ، وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين ، قال : وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة ، وفي أذان عبد الله بن زيد ، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم . ويؤيده ما أسلفناه من عند الترمذي ، وأبي داود ، وروى أبو بكر بن الجهم المالكي من طريق عمار بن سعد القرظ ، عن أبيه ، أنه سمعه يقول : إن هذا الأذان أذان بلال ، فذكره مثنى ، قال : والإقامة واحدة واحدة ، ويقول : قد قامت الصلاة واحدة . وكذا حديث أبي أمامة بن سهل قال : سمعت معاوية يقول : إذا كبر المؤذن اثنين كبر اثنين ، وإذا تشهد اثنين تشهد اثنين ، ثم التفت فقال : هكذا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند الأذان . وسيأتي له مزيد بيان - إن شاء الله تعالى - قال ابن المنذر في الإشراف : لم يختلف مالك ، والشافعي إلا في أول الأذان . وقال سفيان ، وأصحاب الرأي : الأذان على حديث عبد الله بن زيد مربعا من غير ترجيع . وقالت طائفة : الاختلاف في هذا من جهة المباح . وقال أحمد بن حنبل : إن رجع فلا بأس ، وإن لم يرجع فلا بأس . وكذلك قال إسحاق . غريبه : قوله الله أكبر . ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى أكبر ؛ فقال أهل اللغة : معناه كبير ، وقالوا : أكبر بمعنى كبير . واحتجوا بقول الفرزدق : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول . أراد دعائمه عزيزة طويلة : واحتجوا بقول الآخر : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد . أراد : لست فيها بواحد . واحتجوا بقول معن بن أوس : لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول . أراد : وإني لوجل . واحتجوا بقول الأحوص : يا بيت عاتكة الذي أتعزل حذر العدا وبه الفؤاد موكل إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل . أراد : لمائل واحتجوا بقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . قالوا : فمعناه ، وهو هين عليه ، قال ابن الأنباري في الكتاب الزاهر : قال أبو العباس : وقال النحويون - يعني الكسائي ، والفراء ، وهشاما - الله أكبر معناه : أكبر من كل شيء ، فحذفت من ؛ لأن أفعل خبر كما تقول : أبوك أفضل ، وأخوك أعقل . فمعناه : أفضل ، وأعقل من غيره ، واحتجوا بقول الشاعر : إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن سراج لنا إلا ووجهك أنور . أراد : أنور من غيره . وقال معين بن أوس : فما بلغت كف امرئ متناول بها المجد إلا حيث ما نلت أطول ولا بلغ المهدون في القول مدحة ولو صدقوا إلا الذي فيك أفضل . أراد : أفضل من قولهم . قال : وأجاز أبو العباس : الله أكبر ، الله أكبر ، واحتج بأن الأذان سمع وقفا لا إعراب فيه لقولهم : حي على الصلاة حي على الفلاح ، ولم يسمع على الصلاة والفلاح فكان الأصل فيه : الله أكبر بتسكين الراء ، فألقوا على الراء فتحة الألف من اسم الله تعالى ، وانفتحت الراء ، وسقطت الألف ، كما قال تعالى : الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .كان الأصل فيه - والله أعلم - : الم الله ، بتسكين الميم ، فألقيت فتحة الألف على الميم ، وسقطت الألف قال : وسمعت أبا العباس يقول : ( من ) تحذف في مواضع الأخبار ، ولا تحذف في مواضع الأسماء ، من قال : أخوك أفضل لم يقل : إن أفضل أخوك . وإنما حذفت في مواضع الأخبار ؛ لأن الخبر يدل على أشياء غير موجودة في اللفظ ، واعترض أبو إسحاق الزجاجي على أبي بكر بأن هذا الذي حكاه عن ثعلب غير صحيح ، واعتلاله غير مستقيم ، وذكر كلاما طويلا أغفل فيه التنبيه على البيتين الأخيرين ، وأنهما ليسا في ديوان معن ، وإنما هما ثابتان في ديوان الخنساء تمدح أخاها في غير ما نسخة ، حتى لقد استشهد العلماء بذلك في كلامهم ، قال ابن معط في كتاب البديع المنظوم تصنيفه : براعة الاستهلال : أن تبتدئ بما يدل على المقصود بالنظم أولا ، كما قالت الخنساء تطري أخاها : ولا مدحة إلا وذا المدح أجمل . وما بلغت كف امرئ البيتين ، وقوله : أشهد ألا إله إلا الله . قال أبو بكر : معناه عند أهل العربية أعلم أنه ، وأبين ألا إله إلا الله . الدليل على هذا قوله تعالى : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ وذلك أنهم لما جحدوا نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا قد تبينوا على أنفسهم الضلالة ، والكفر ، قال حسان - رضي الله عنه - : فنشهد أنك عبد المليك أرْسلت نورا بدين قيم . ومن ذلك قولهم : شهد الشاهد عند الحاكم . معناه : قد بين له ، وأعلمه الخبر الذي عنده . وقال أبو عبيدة : معناه : قضى الله تعالى . قال ابن الأنباري : وقول أبي العباس أحسن مشاكلة لكلام العرب . قال الزجاجي : ليس حقيقة الشهادة ما ذكره ، ولو كان معنى الشهادة البيان والإعلام لما أكذب تعالى المنافقين في قوله : قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ . لأن البيان ، والإعلام إنما هو باللسان لا بالقلب ، فقد قالوا بلسانهم ، وأعلموا ، فكذبهم الله تعالى ؛ لأن الشهادة في هذا الموضع إنما هي تحقق الشيء ، وتيقنه ، فكذبهم تعالى ؛ لأنهم أبطنوا خلاف ما أظهروا ، فقد تكون الشهادة على ضروب ، وأصلها تحقق الشيء ، وتيقنه من شهادة الشيء أي : حضوره ؛ لأن من شاهد شيئا فقد تيقنه علما ، فاستعملت هذه اللفظة في تحقق الأشياء ، ثم اتسع فيها بعد ذلك فاستعملت في موضعين آخرين ؛ أحدهما : الإقرار بالشيء ، والآخر البيان ، والإظهار ، فمن البيان والإظهار : ما ذكر في قوله تعالى : شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ فأما شهادة الشاهد في الحقوق فإنما هي إخبار منه عما شاهده ، وتيقنه ، وأحضر للوقوف عليه معاينة وسماعا ، وأما الإقرار فما كان يؤخذ به المشركون في صدر الإسلام ، من الدعاء إليه ، وهو أنهم كانوا يقاتلون حتى يتشهدوا فيحصن ماله ، ويحقن دمه ، وإنما كان يراد منهم الإقرار بهذا ، ألا ترى أن المنافقين كانوا على عهده - عليه السلام - يقولون هذا ، ويقرون به في الظاهر فيصير لهم حكم المسلمين ، ويبطنون خلافه ، وأما الرسول فمعناه في اللغة : الذي يتابع أخبار الذي بعثه ، أخذ من قول العرب : قد جاءت الإبل رسلا . إذا جاءت متتابعة ، قال الأعشى : يسقي ديارا لنا قد أصبحت غرضا زورا أجنف عنها القود والرسل . القود : الخيل ، والرسل : الإبل المتتابعة ، ويقال في تثنيته : رسولان ، وفي جمعه : رسل . ومن العرب من يوحده في موضع التثنية ، والجمع فيقول : الرجلان رسولك ، والرجال رسولك . قال الله تعالى : إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ وفي موضع آخر : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فالأول خرج الكلام فيه على الظاهر ؛ لأنه إخبار عن موسى وهارون - عليهما السلام - والثاني قال يونس : وأبو عبيدة : وحده لأنه في معنى الرسالة ، كأنه قال : إنا رسالة رب العالمين . واحتج يونس بقول الشاعر : فأبلغ أبا بكر رسولا سريعة فما لك يا ابن الحضرمي وما ليا . وبقول الآخر : ألا من مبلغ عني خفافا رسولا بيت أهلك منتهاها . أراد رسالة سريعة . واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول . وقال الفراء : إنما وحد لأنه اكتفى بالرسول من الرسولين ، واحتج بقول الشاعر : ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر . أراد : وخبر الرسل . فاكتفى بالواحد من الجمع ، قال أبو بكر : وفصحاء العرب - أهل الحجاز ومن والاهم - يقولون : أشهد أن محمدا رسول الله . وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينا فيقولون : أشهد عن محمدا رسول الله . قال أبو بكر : أنشد أبو العباس قال : أنشدنا الزبير بن بكار : قال الوشاة لهند عن تصارمنا ولست أنسى هوى هند وتنساني . وقال قيس بن الملوح المجنون : أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني لك اليوم من وحشية لصديق فعيناك عيناها وجيدك جيدها سوى عن عظم الساق منك دقيق . أراد : سوى أن . فأبدل من الألف عينا ، وقال أيضا : فما هجرتك النفس يا ليلى عن قلى قلته ولا عن قل منك نصيبها أتضرب ليلى عن ألم بأرضها وما ذنب ليلى عن طوى الأرض ذيبها . قال أبو بكر : وفي قولهم : أشهد أن محمدا رسول الله . ثلاثة أوجه ؛ الوجه المجتمع عليه : أن محمدا ، ويجوز : إن محمدا لرسول الله ، وإن محمدا رسول الله ، على معنى أقول : ولا يجوز أن تبدل من الألف إذا انكسرت عينا ، إنما يفعل ذلك بها إذا انفتحت ، قال أبو إسحاق الزجاجي : ليس ما ذكره في اشتقاق الرسول صحيحا ، ولو كان كذلك ما جاز لهم في أول مجيئه إليهم أن يقول : إني رسول الله إليكم ؛ لأنه لم يتابع إليهم بعد بإخبار ، ولا يدرى ما يكون بعد ، بل كان لا يقع عليه في الحال الأولى اسم رسول ، ولا تجب له حجة على تأويله هذا ، ولكان من أرسل إنسانا في حاجة واحدة إلى آخر لم ينفذه قط في غيرها لم يجز للمرسل أن يقول لصاحبه المنفذ إليه : إني رسول فلان إليك . وهذا غلط بين ، يدفعه استعمال الكافة ذلك غير منكرين له ، وإنما الرسول بمعنى المرسل المنفذ ، من أرسلت أي : أنفذت ، وبعثت ، وكذلك قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وقال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ولذلك قيل في معناه : مبعوث ، وإنما غلط أبو بكر ؛ لأنه رآه على فعول فتوهمه مما جاء على فعول للمبالغة ، ولا يكون ذلك إلا لتكرار الفعل : نحو ضروب ، وشبهه من الأسماء المبنية من الأفعال للمبالغة ، وليس كذلك ، وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل بمنزلة عمود ، وعتود ، وعجوز ، فهو وإن كان مشتقا ، فإنه يجري مجرى الأسماء المحضة في الاستعمال ، والدليل على صحة ما قلنا : قول سيبويه وجميع النحويون من البصريين والكوفيين : أزيد أتت إليه رسول؟ قالوا : برفع زيد ؛ لأن رسولا اسم لا يجري مجرى الفعل ، فكأنك قلت : أزيد أتت له عجوز؟ ولو كان من تلك الأسماء الجارية مجرى الفعل للمبالغة لنصبت وأزيدًا أتت له ضروب ؟ وأزيدا أتت له شكور ؟ وكذلك ما أشبهه ، وهذا بين واضح ، انتهى . أنشد المبرد في كامله ، وحبيب في حماسته الوسطى لبعضهم : وما هجرتك النفس يا مي أنها قلتك ولا أن قل منك نصيبها ولكنهم يا أملح الناس أولعوا بقول إذا ما جئت هذا حبيبها . وعزاهما الشنتمري لنصيب ، قال : ويقال : هما لمعاذ . وأما قوله : ( حي على الصلاة ) . فذكر الفراء أن حي في كلام العرب معناها : هلم وأقبل ، وفتحت الياء من حي لسكونها ، وسكون الياء التي قبلها ، كما قالوا : ليت ، ولعل . قال أبو بكر : ومنه قول ابن مسعود : إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر . معناه : أقبلوا على ذكر عمر . وفيه ست لغات : حي هلا بالتنوين ، الثاني : فتح اللام بغير تنوين ، الثالث : تسكين الهاء ، وفتح اللام بغير تنوين ، الرابع : فتح الهاء ، وسكون اللام ، الخامس : حي هلن ، السادس : حي هلين على عمر ، قال الزجاجي : أما الوجه الخامس : بالنون فهو الأول بعينه ؛ لأن التنوين ، والنون سواء . وأما الفلاح فذكر جماعة من أهل اللغة معناه : هلموا إلى الفوز ، قال أبو بكر : وقالوا : يقال : قد أفلح الرجل إذا فاز ، وأصاب خيرا ، من ذلك الحديث الذي يروى : استفلحي برأيك . أي : فوزي برأيك . قال لبيد : اعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل . وقال تعالى : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقال آخرون ( حي على الفلاح ) معناه : هلموا إلى البقاء أي : أقبلوا إلى سبب البقاء في الجنة ، قالوا : والفلح ، والفلاح عند العرب البقاء ، أنشدنا أبو العباس : لكل هم من الهموم سعة والمسي والصبح لا فلاح معه . وقال لبيد : لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح . وقال عبيد : أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف وقد يخدع الأريب . فهذا من الفوز ، وقال أصحاب البقاء : معنى قوله : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . يعني : الباقون في الجنة ، والفلح والفلاح عند العرب : السحور . انتهى كلامه ، ولم يتبع عليه الزجاجي شيئا ، ومما ينبغي أن يتبع عليه أمور : الأول : إطلاقه أن الفلاح البقاء ، وأهل اللغة يقيدونه بالبقاء في النعيم ، والخير ، قاله ابن سيده ، وقال : وفي التنزيل : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . أي : نالوا البقاء الدائم في الخير .قال : والفلاح : الفوز بما يغبط به ، وفيه صلاح الحال ، الثاني : قوله من ذلك الحديث الذي يروى إلى آخره ، وليس هو بحديث ، إنما هو من ألفاظ الطلاق في أيام الجاهلية . قاله ابن سيده ، والنجيرمي ، وأما قول الهروي في الغريبين : وفي حديث ابن مسعود : إذا قال الرجل لامرأته : استفلحي برأيك . فليس حديثا مرفوعا للنبي - صلى الله عليه وسلم بل هو أثر هذا هو الاصطلاح ، وأيضا فيجوز أن يكون قاله حاكيا عن العرب في الجاهلية ؛ إذ ليست هذه اللفظة موضوعة للكناية عن الطلاق إجماعا . الثالث : ولئن سلمنا له قوله ، فليست هذه اللفظة بالحاء ، وإن كان غيره سبقه إلى ذلك ، فإنما هي بالجيم ، كذا ذكره الزمخشري في الأساس ، وأما قوله : أنشدنا أبو العباس فذكر البيت ، وفيه لا فلاح معه ، فليس كذا أنشده أبو العباس بن محمد بن يزيد ، وأحمد بن يحيى فيما رأيت من أماليه ، إنما فيهما : ( لا بقاء معه ) ، وكذا أنشده أبو الفرج ، وأبو علي القالي ، وغيرهما ، وذكر الحافظ أبو القاسم الجوزي فيما رويناه عنه في كتاب الترغيب والترهيب : إن قول المؤذن الله أكبر أي : الله أعظم ، وعمله أوجب ، فاشتغلوا بعمله ، واتركوا غيره ، وقوله : أشهد ألا إله إلا الله أي : أشهد أنه واحد لا شريك له ، ومعناه : إن الله يأمركم بأمر فاتبعوه فإنه لا ينفعكم أحد إلا الله ، ولا ينجيكم أحد من عذابه إن لم تؤدوا أمره ، وقوله : أشهد أن محمدا رسول الله أي : أشهد أن محمدا أرسله إليكم لتؤمنوا به ، وتصدقوه ، ومعناه : قد أمركم بالصلاة والجماعة فاتبعوا ما أمركم به ، وقوله : حي على الصلاة أي : أسرعوا إلى أداء الصلاة ، ومعناه : حان وقت الصلاة فلا تؤخروها عن وقتها ، وقوله : حي على الفلاح أي : أسرعوا إلى النجاة ، والسعادة ، ومعناه : إن الله تعالى جعل الصلاة سببا لنجاتكم وسعادتكم لتنجوا من عذاب الله تعالى قال ، وقوله : الله أكبر أي : الله أعظم ، وأجل ، وعمله أوجب فلا تؤخروا عمله ، وقوله : لا إله إلا الله أي : اعلموا أنه واحد لا شريك له ، ومعناه : أخلصوا ، وابتغوا بصلاتكم وجه الله تعالى .

423

35 - حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد ، حدثني معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال : حدثني أبي محمد بن عبيد الله ، عن أبيه عبيد الله ، عن أبي رافع قال : رأيت بلالا يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى ، ويقيم واحدة . هذا حديث سبق التنبيه على ضعفه في كتاب الطهارة ، وقد وردت أحاديث تعارض ما أسلفناه ، من ذلك : حديث أبي محذورة من عند ابن خزيمة ، وعلمه يعني النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة مثنى مثنى : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . رواه عن يعقوب الدورقي ، ثنا روح ، ثنا ابن جريج ، أنبأنا عثمان بن السائب ، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عنه ، وثناه محمد بن رافع ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا ابن جريج ، حدثني عثمان ، عن أبيه السائب ، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة ، وحدثنا يزيد بن سنان ، ثنا أبو عاصم ، ثنا ابن جريج ، حدثني عثمان بن السائب ، أخبرني أبي ، وأم عبد الملك بن أبي محذورة ، عن أبي محذورة ، وهذا حديث الدورقي ، وقال في آخره : وقال يزيد بن سنان : الإقامة كذكر الدورقي سواء ، وقال ابن رافع : وإذا أقمت فقلها مرتين ، وقد تقدم عند ابن ماجه عنه صحيحا أيضا ، والإقامة سبع عشرة كلمة ، وخرجه ابن الجارود بنحوه ، وفي كتاب الترمذي ، وقال فيه : حسن صحيح : الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة ، وكذا هو في صحيح البستي ، وقد تقدم طرف منه مفصلا قبل - والله أعلم - وحديث عبد الله بن زيد الأنصاري قال : لما رأى الأذان أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : علمه بلالا ، فقام بلال ، فأذن مثنى مثنى ، وقعد قعدة . قال ابن خزيمة في صحيحه ، وأما ما روى العراقيون عن ابن زيد في تثنية الإقامة فغير ثابت من جهة النقل ، وقد خلطوا في أسانيدهم التي رووها ، فرواه الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد ثنا سلم بن جنادة ، ثنا وكيع عنه ، ورواه ابن أبي ليلى ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن زيد . ورواه المسعودي ، عن عمرو ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ . وكذا رواه أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن عمرو ، ورواه حصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى مرسلا ، لم يقل : عن ابن زيد ، ولا عن معاذ ، ولا ذكر أحدا من الصحابة . وكذا رواه شعبة ، عن عمرو ، عن ابن أبي ليلى ، وسمعت محمد بن يحيى يقول : ابن أبي ليلى لم يدرك عبد الله بن زيد . قال أبو بكر : فهذا خبر العراقيين الذي احتجوا به عن ابن زيد في تثنية الأذان والإقامة ، وفي أسانيدهم من التخليط ما بينت ، وابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ ، ولا من ابن زيد ، فغير جائز أن نحتج بخبر غير ثابت على أخبار ثابتة . انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأول : حديث ابن أبي ليلى الذي سقته أنت بلفظ : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم متصل صحيح ، إذ من المعلوم في الاصطلاح الحديثي ، أن جهالة اسم الصحابي الذي شهد له التابعي المشهور بها لا يضر إجماعا ، ولهذا قال ابن حزم : وهذا إسناد في غاية الصحة . الثاني : ما ذكره من التخليط غير ضائر ، إذ الاختلاف الضار لا بد أن يكون عن ضعيف ، ومتى لم يكن كذلك فغلط الغالط ، ورواية الضعيف لا تكون سببا لضعف رواية الحافظ ، ولا تناقض بين قوله ثنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم أو أصحابنا ، وكذلك لا يعارضه أن يرسله مرة ، أو يذكره عن معاذ مرة ، لا سيما وذلك لم يتأت هنا إلا من الآخذين عنه ، لا منه . الثالث : مجيئه صحيحا من غير رواية ابن أبي ليلى ، وهو ما ذكره البيهقي في الخلافيات من حديث أبي العميس قال : سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد يحدث عن أبيه ، عن جده : أنه رأى الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مثنى مثنى ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : علمهن بلالا ومحمد أبوه صحح حديثه ابن خزيمة ، وكذا سماعه من أبيه فيما أسلفناه ، وفي صحيح أبي عوانة الإسفرائيني من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن زيد ، قال : سمعت أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى ، وأما ما ذكره البيهقي من أن عبد الله بن زيد استشهد يوم أحد ، فالروايات عنه كلها واهية فغير صواب لأمرين : الأول : تناقضه هو في هذا بقوله : ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان أصح من هذا ، يعني خبر محمد بن عبد الله بن زيد ، قال : لأن محمدا سمع من أبيه ، ومحمد لم يذكره في الصحابة أحد فيما علمت . الثاني : قوله : إنه استشهد بأحد ، واستدل على ذلك برواية إبراهيم بن حمزة ، ثنا عبد العزيز ، عن عبيد الله بن عمر قال : دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز فقالت : أنا ابنة عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان ، وشهد بدرا ، وقتل يوم أحد ، فقال عمر : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا قال الحاكم : فهذه الرواية الصحيحة تصرح بأن أحدا من هؤلاء لم يلق عبد الله بن زيد انتهى كلام الحاكم ، وفيه نظر من وجوه : الأول : قوله : هذه الرواية الصحيحة ، وليست كذلك ؛ لانقطاع ما بين عبيد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ؛ لكونه ليس في طبقة من يشافه عمر بالرواية ، ولا رأيت من نص عليه . الثاني : ذهوله هو عن هذه الحكاية الصحيحة على زعمه فلم يذكر عبد الله بن زيد في المستشهدين بأحد في سائر الروايات التي ساقها في كتاب الإكليل و المستدرك . الثالث : إجماع الرواة على أنه كان في الفتح معه راية بني الحارث حتى قال ابن سعد وابن عقبة والأموي وأبو معشر ، وغيرهم : وشهد أحدا ، والخندق ، والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر ابن سعد ، عن ابنه محمد بن عبد الله : أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة ، وهو ابن أربع وستين سنة ، وصلى عليه عثمان بن عفان . الرابع : المحفوظ والذي عليه المؤرخون أن عمر بن عبد العزيز قال : هذا لما وفد عليه عاصم بن عمر بن قتادة الفقيه ، فسأله عمر عن نسبه ؟ فقال : أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أيما رد . وقد جاء ذلك أيضا في طرق عن بلال أنه أذن كذلك . من ذلك : رواية البكائي ، عن إدريس الأودي ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، رواها الدارقطني بسند صحيح ، عن محمد بن مخلد ، ثنا إبراهيم بن محمد من أصله العتيق ، ثنا إبراهيم بن دينار قال : وثنا ابن مخلد ، ثنا أبو عون محمد بن عمرو بن عون ، ومحمد بن عيسى الواسطيان قالا : ثنا زكريا بن يحيى ، قال : ثنا وغيره ، وقال في الأوسط : لم يروه عن إدريس إلا زياد ، وروى معمر ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود مثل ذلك . وكذلك رواه النخعي قال البيهقي : هما منقطعان ، وروى سويد بن غفلة : أن بلالا كان يثني الأذان والإقامة . قال الحاكم : سويد بن غفلة لم يدرك بلالا ، وإقامته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، فإرسال الخبر بذلك ظاهر . انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث إن الطحاوي لما ذكره في شرحه صرح بقول سويد : سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى ، ويقيم مثنى . وفي الأسرار لأبي زيد الدبوسي : رأيته يؤذن ببطحاء مكة ، فعلى هذا يكون متصلا ؛ لأنه دخل المدينة كبيرا مسلما ، يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم ، فبالضرورة سمع أذان بلال ؛ لأن المشهور أن بلالا رحل إلى الشام في خلافة أبي بكر كما قدمناه ، وقيل في أيام عمر ، وأيا ما كان فقد سمع بلالا يؤذن بذلك يوم الوفاة ، وقبل الاجتماع على أبي بكر حتى لا يقول قائل لعل أبا بكر ، أو غيره أمره بذلك ، وفي الخلافيات من حديث الحجاج بن أرطاة ، عن حماد عن إبراهيم ، عن ثوبان قال : كان يؤذن يعني بلالا مثنى مثنى ، ويقيم مثنى مثنى ، قال البيهقي : وهذا لا يثبت من أوجه : أحدها : أن إبراهيم لم يلق ثوبان . الثاني : . الثالث : الحجاج ضعيف ، وروى أبو جحيفة ما يعضده قال : أذن بلال للنبي صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى ، وأقام مثل ذلك . ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء ، ورده بزياد البكائي فقط ، وزياد لا يصلح أن يكون علة لحديث لا سيما وله فيه غير متابع ، وموقوف علي بن أبي طالب أنه قال : الأذان مثنى مثنى ، وإنه سمع مؤذنه يقيم مرة فقال : اجعلها مثنى . ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن هشيم ، عن عبد الرحمن بن يحيى ، عن الهجنع بن قيس عنه ، وعن أبي هريرة قال : كان بلال إذا أراد أن يقيم ، قال : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمك الله . رواه في الأوسط من حديث كامل أبي العلاء ، عن أبي صالح عنه ، وقال : لم يروه عن كامل إلا عبد الله بن محمد بن المغيرة عنه ، وعن وكيع ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع : أن سلمة كان يثني الإقامة . وثنا عفان نا عبد الواحد بن زياد ، ثنا حجاج بن أرطأة ، ثنا أبو إسحاق : كان أصحاب علي ، وأصحاب عبد الله يشفعون الأذان والإقامة . وفي كتاب الطحاوي ، من حديث فطر بن خليفة ، عن مجاهد : في الإقامة مرة مرة ، إنما هو شيء استخفه الأمراء ، وفي لفظ : قلت لمجاهد : الأمراء يقيمون مرة مرة ، قال : إنما ذلك شيء استخفه الأمراء ، الإقامة مرتان . وفي الأسرار لأبي زيد : أول من أفرد الإقامة معاوية . وعن عون بن أبي جحيفة نحوه ، وفي الخلافيات من جهة حماد ، عن إبراهيم : أول من نقص التكبير في الصلاة ، وخطب قبل الصلاة في العيدين ، وجلس على المنبر ، ونقص الإقامة معاوية بن أبي سفيان . قال الحاكم : هذا دليل على إفراد الإقامة فإنه قال : نقض - بالضاد المعجمة - ونقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لما رواه يحيى بن أبي طالب ، فتبين أن النقص هناك بالصاد المهملة ، الذي هو ضد الزيادة ، فقال : ثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم : كان أذان بلال ، وإقامته مثنى مثنى حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة . وأما قوله عن معاوية : إنه أول من قدم الخطبة على الصلاة فمردود بما في الصحيح أن مروان بن الحكم فعل ذلك ، اللهم إلا أن يحمل ما في الصحيح على أن معاوية أمر مروان بفعل ذلك إذ يبعد في العادة استقلال مروان بذلك من غير مراجعة إمامه ، وحديث ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أفرد الإقامة فليس مني . ذكره الجوزقاني في كتابه ، وقال : هذا حديث باطل ، وفي إسناده من المجهولين غير واحد . اختلف الناس في إفراد الإقامة وتثنيتها ، فحكى البيهقي ، عن الشافعي أنه قال : سمعت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يقيم فيقول : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . قال الشافعي : وحسبتني سمعته يحكي الإقامة خبرا كما يحكي الأذان . قال البيهقي : وروينا عن عبد الله بن الزبير الحميدي ، عن إبراهيم بن عبد العزيز قال : أدركت جدي ، وأبي ، وأهلي يقيمون فيقولون ، فذكر هذه الإقامة . ثناه أبو سعيد الإسفرائيني ، ثنا أبو بحر البربهاري ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا الحميدي فذكره ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ ، ثنا أبو زرعة : أن محمد بن المسيب بن إسحاق أخبرهم ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، بخسروجرد ، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، أخبرني إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، أخبرني جدي عبد الملك مثله ففي بقاء أبي محذورة وأولاده على إفراد الإقامة ، دلالة ظاهرة على وهم وقع فيما روي في حديث أبي محذورة من تثنية الإقامة ، وأن الحديث في تثنية كلمة التكبير ، وكلمة الإقامة فقط ، فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها . وفي رواية حجاج بن محمد ، وعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، يعني ما أسلفناه من حديثه ، عن عثمان بن السائب ، أخبرني أبي ، وأم عبد الملك ، عن أبي محذورة قال : وعلمني الإقامة مرتين ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . ما يدل على ذلك ، وإن كانت محفوظة في جميع كلماتها ، ففيما ذكرنا دلالة على أن الأمر صار بعد ذلك إلى إفراد الإقامة ، ولولا ذلك لم يقروا عليه في حرم الله عز وجل ، ثم إن أولاد سعد القرظ في حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا على ذلك . قال الشافعي : فإن جاز أن يكون ذلك غلطا من جماعتهم والناس بحضرتهم ، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا جاز له أن يسألنا عن عرفة ، وعن منى ثم يخالفنا ، ولو خالفنا في المواقيت كان أجوز له في خلافنا من هذا الأمر الظاهر المعمول به . وفي السنن الكبير عن ابن خزيمة : الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة من جنس الاختلاف المباح إذ قد صح كلا الأمرين ، فأما تثنية الأذان ، والإقامة فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الأمر بهما ، قال البيهقي : وفي صحة التثنية في كلمات الإقامة سوى التكبير ، وكلمتي الإقامة نظر ، وفي اختلاف الروايات ما يوهم أن يكون الأمر بالتثنية عائدا إلى كلمتي الإقامة ، وفي دوام أبي محذورة وأولاده ، وسعد وأولاده ، ما يوجب ضعف رواية من روى تثنيتهما ، أو يقتضي أن الأمر صار إلى ما بقي عليه هو وأولاده في الحرمين إلى أن وقع التغيير في أيام المصريين . وزعم الحازمي أنهم قالوا : حديث خالد الحذاء ظاهر في النسخ ؛ لأن بلالا أمر بالإفراد أول ما شرع الأذان ، وأما حديث أبي محذورة فكان عام حنين ، وبين الوقعتين مدة مديدة ، وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم ، فرأوا أن الإقامة فرادى ، وإلى هذا المذهب ، ذهب ابن المسيب ، وعروة ، والزهري ، ومالك ، وأهل الحجاز ، والشافعي ، وأصحابه ، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، والأوزاعي ، وأهل الشام ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، وأحمد بن حنبل ، ومن تبعهم من العراقيين ، ويحيى بن يحيى ، وابن راهويه ، ومن تبعهم من الخراسانيين ، وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس ، وقالوا : أما حديث أبي محذورة فالجواب عنه من وجوه منها : أن من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا ، وأقوم قاعدة في جميع جهات الترجيحات على ما قررناه في مقدمة الكتاب ، وغير مخفي على من الحديث من صناعته ، أن حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس في جهة واحدة في الترجيح فضلا عن الجهات كلها . ومنها : أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة ، ولو قدرنا أنها محفوظة وأن الحديث ثابت ، كانت منسوخة بدليل ما ذكره الأثرم ، قيل لأبي عبد الله : أليس حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال : أليس قد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأقر بلالا على أذان ابن زيد؟! . وفي لفظ : ولكن أذان بلال هو آخر الأذانين انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث إنه قال : من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا ، وأقوم إلى آخره ؛ لأنه ليس من شرط الناسخ ما ذكر ، بل يكفي أن يكون صحيحا متأخرا معارضا غير ممكن للجمع بينه وبين معارضه ، فلو فرضناهما متساويين في الصحة ، ووجد ما ذكرناه من الشروط ثبت النسخ ، وأما أن يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا يسلم ، نعم . لو كان دونه في الصحة لكان فيه نظر ، وهذا الذي ذكرته هو الذي مشى عليه هو في كتابه ، من ذلك ما ذكره منسوخا من عند البخاري : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال : نعم . بحديث حسنه هو ، إلى غير ذلك من الأحاديث ، وكذا فعله ابن شاهين ، وقبله الأثرم ، وتبعهم على ذلك الخرقي - والله تعالى أعلم - وأما قوله : فحملها بعض الرواة على جميع كلماتها فهو ظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا ، وإنما يقوي احتماله إذا نظر إلى لفظ عام أو مطلق في ألفاظ الإقامة كرواية من روى : مثنى ، مثنى ، وأما ما فيها من الروايات حكاية ألفاظ الإقامة لفظة لفظة فتبعه هذا الظن ، قال أبو عمرو : كقول أبي حنيفة يقول الثوري ، والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن ، وجماعة التابعين والفقهاء بالعراق متوارث عندهم بالعمل قرنا بعد قرن ، وقال الأثرم عن أحمد : من أقام مثنى مثنى لم أعنفه ، وليس به بأس ، وكذلك قاله إسحاق الحنظلي ، وداود ، وأبو محمد بن حزم قالوا : لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع ذلك ، وعمل به أصحابه - رضي الله عنهم - ومن هذا الباب إذا كان مسافرا : هل له الاقتصار على الإقامة أم لا ؟ فروى عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان لا يؤذن في شيء من الصلوات في السفر ، ولا يقيم إلا الصبح ، فإنه كان يؤذن ويقيم . خرجه أبو عبد الله من حديث نعيم بن حماد ، عن عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع عنه ، وقال : صحيح الإسناد . فقد احتج مسلم بعبد العزيز ، ومحمد بنعيم ، وهو المشهور ، من فعل ابن عمر ، وفي سنن البيهقي الكبير : عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر أؤذن في السفر؟ قال : لمن يؤذن ؟ للفأر ؟! قال الشيخ : هذا الذي ذهب إليه ابن عمر يحتمل لولا حديث أبي سعيد في الأذان بالبادية . انتهى ، وكذا حديث مالك بن الحويرث مثله ، وأما الأذان والإقامة للمرأة ، فروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس ، عن ليث ، عن عطاء ، عن عائشة : أنها كانت تؤذن ، وتقيم ، وتؤم النساء. ومن حديث عبد الله بن داود الخريبي ، حدثنا الوليد بن جميع ، عن ليلى بنت مالك ، وعبد الرحمن بن خالد الأنصاري ، عن أم ورقة الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها ، وأمر أن يؤذن لها وتقام ، وتؤم أهل دارها في الفرائض . قال أبو عبد الله : قد احتج مسلم بالوليد بن الجميع ، وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثا مسندا غير هذا ، ورواه ابن الجارود في منتقاه ، ولما ذكره الحافظ ضياء الدين رجح صحته ، وقال أبو موسى في كتاب الصحابة : وروي الحديث عن عبد العزيز ، عن الوليد ، عن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أم ورقة : أنها استأذنت ، ورواه وكيع ، عن الوليد ، عن جدته ، وعبد الرحمن ، عن أم ورقة ، ورواه جماعة عن الوليد ، عن جدته ، لم يذكروا عبد الرحمن . قال البيهقي : وفي حديث ابن ثوبان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كنا نصلي بغير إقامة . قال أبو بكر : وهذا إن صح مع حديث ليث ، فلا يتنافيان لجواز فعلها هذا مرة ، وذاك أخرى ، ويذكر عن جابر أنه قيل له : أتقيم المرأة ؟ قال : نعم . ومن حديث نافع ، عن ابن عمر : ليس على النساء أذان ولا إقامة ، ولا جمعة ، ولا اغتسال جمعة . قال البيهقي : . وروينا في الأذان والإقامة ، عن أنس بن مالك موقوفا ، ومرفوعا ، ورفعه ضعيف ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب ، والنخعي ، وابن سيرين .

424

9 - باب إفراد الإقامة 32 - حدثنا عبد الله بن الجراح ، أنبأنا المعتمر بن سليمان ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك قال : التمسوا شيئا يؤذنون به ، علما للصلاة فأمر بلال أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة . 33 - أنبأ نصر بن علي ، ثنا عمر بن علي ، عن خالد به . هذا حديث خرجاه في صحيحهما ، زاد البخاري : قال إسماعيل : فذكرت لأيوب فقال : إلا الإقامة ، وعاب الإسماعيلي ذلك عليه ، إذ ذكر هذه اللفظة من قول أيوب ، وقال : وترك حديث سماك بن عطية ، وهو متصل بقوله : ويوتر الإقامة إلا الإقامة ، وهو ما صححه ، عن حماد ، عن سماك ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، وفي صحيح ابن منده هذه اللفظة من قول أيوب هكذا رواه ابن المديني ، عن ابن علية ، فأدرجهما سليمان ، عن حماد ، ورواه غير واحد ، عن حماد ، ولم يذكروا هذه اللفظة ، وفي مسند السراج ، عن محمد بن رافع ، وإسحاق بن إبراهيم ، والحسن بن أبي الربيع ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي قلابة ، عن أنس قال : كان بلال يثني الأذان ، ويوتر الإقامة إلا قوله : قد قامت الصلاة ، فإذا أقام قال : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة . وفي سنن البيهقي من حديث هارون بن سليمان الأصبهاني ، عن ابن مهدي ، عن أبان بن يزيد ، عن قتادة ، عن أنس : أن بلالا كان أذانه مثنى مثنى ، وإقامته مرة مرة . ورواه عبد الملك الجدي ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أمر بلال ، وهو خطأ ، إنما هو شعبة ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، قاله أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه في العلل ، وأما اعتراض بعض العلماء بأن هذا الحديث غير مرفوع قال : ويحتمل أن يكون الآمر غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فمردود من وجوه : الأول : أكثر أهل العلم من المحدثين ، والأصوليين على أن قول الصحابي : أمرنا بكذا ، ونهينا عن كذا مسند مرفوع ؛ لأن الظاهر ينصرف إلى من له الأمر والنهي ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم سواء أضافه إلى زمنه - عليه السلام أو لم يضفه ، لا سيما وقد قال في نفس الحديث عند البيهقي : ذكروا الصلاة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أوقدوا نارا ، أو اضربوا ناقوسا ، فأمر بلال ، فهذا نص في الباب بأن الآمر النبي - صلى الله عليه وسلم لا غيره والله أعلم وفي لفظ : حتى أتاه ابن زيد بالرؤيا : أمر بلالا أن يؤذن مثنى مثنى ، ويقيم فرادى فرادى . رواه من حديث العباس بن الوليد ، عن محمد بن شعيب بن شابور ، حدثنا حميد بن عبيد بن هلال ، عن أنس . الثاني : لو رجح قول من خالف ما أسلفناه بقوله : قد رأينا جماعة من الصحابة قالوا ذلك ، وفتشنا عنه ، فوجدنا الآمر غير النبي - صلى الله عليه وسلم - أجيب بأنه لو سلمنا لكم ما قلتم ، فإن هذا لا يتأتى في هذا مطلقا ؛ لأن بلالا - رضي الله عنه - لم يؤذن لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة واحدة لعمر ، وهذا هو المشهور ، فصح أن الأمر له هو النبي - صلى الله عليه وسلم الثالث : ولئن سلمنا أن الآمر هنا يحتمل أن يكون غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجاب بأنا وجدناه صحيحا مسندا يتبين فيه من الآمر : أنبأنا به الإمام المسند المعمر عبد الله بن شبل ، أنبأنا الإمام المسند أبو محمد شاكر الله ، أنبأنا الإمام عبد العزيز بن باقا ، أنبأنا أبو زرعة ، أنبأنا أبو محمد بن أحمد ، أنبأنا القاضي أحمد بن حسين ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق ، أنبأنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب ، أنبأنا قتيبة بن سعيد ، حدثني عبد الوهاب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة وخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن محمد بن عبد الله بن الجنيد ، حدثنا قتيبة ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة فذكره ، وخرجه أبو قرة موسى بن طارق السكسكي في سننه : ذكر سفيان ، عن خالد الحذاء ، وخرجه أبو عبد الله في مستدركه ، عن أبي العباس ، حدثنا العباس بن محمد ، حدثنا يحيى بن معين ، أنبأنا عبد الوهاب الثقفي ، فذكره ، ثم قال : هذا حديث أسنده إمام أهل الحديث ومزكي الرواة بلا مدافعة ، وقد تابعه عليه الثقة المأمون قتيبة بن سعيد ، وهو صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه بهذه السياقة ، ورواه البيهقي في الخلافيات ، عن علي بن علي بن فهر ، عن الحسن ، عن رشيق ، عن أحمد بن داود الحراني ، عن العباس بن الوليد النرسي ، عن وهيب بن خالد ، عن أيوب ، وفي آخره : وكان أيوب يفرد الإقامة ، ورواه أبو الشيخ ، عن أبي يعلى ، حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا عبد الوهاب به ، وأنبأ أبو يعلى ، حدثنا الآملي ، حدثنا مخلد بن محمد ، حدثنا كثير بن سفيان ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا به ، قال : ورواه سلمة ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، ورواه عثمان بن صالح المصري ، عن ابن لهيعة ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أنس به ، وزعم أبو زرعة حين سؤاله ، عن هذا السند : هذا حديث منكر ، ذكره ابن أبي حاتم عنه ، وذكره أيضا من حديث محمد بن منصور الجواز ، عن عبد الملك الجدي ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، وذكر عن أبيه أنه خطأ ، وإنما هو شعبة ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، ورواه البيهقي في السنن الكبير من حديث يعلى بن عبيد ، عن محمد بن إسحاق ، عن أيوب ، ورواه الدارقطني ، عن عمر بن أحمد المروزي ، حدثنا محمد بن الليث الغزال ، ثنا عبدان ، ثنا خارجة ، عن أيوب به ، ومن حديث الحسن بن حماد بن كسيب ، ثنا ابن علية ، عن خالد به ، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط مطولا ، قال : لم يروه بهذا التمام ، عن خالد الحذاء إلا روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، تفرد به محمد بن يحيى القطعي ، ووجدنا له أيضا غير شاهد يؤكد صحته ، فمن ذلك : حديث ابن عمر قال : إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين ، والإقامة مرة مرة ، غير أنه يقول : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، فإذا سمعت بذلك توضأنا ، ثم خرجنا . خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، عن بندار ، ثنا ابن جعفر ، ثنا شعبة قال : سمعت أبا جعفر يحدث ، عن مسلم بن المثنى عنه ، قال شعبة : لم أسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد . وخرجه ابن حبان في صحيحه ، وسكت عنه عبد الحق مصححا له ، ولفظ أبي عوانة في صحيحه كان الأذان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين ، والإقامة مرة . وقال الحافظ الجوزقاني : هذا حديث صحيح ، وأبو جعفر محمد بن مهران المؤذن كوفي ثقة ، وأبو المثنى ثقة ، وخرجه أبو عوانة أيضا من حديث عيسى بن يونس ، عن عبيد الله ، عن نافع عنه ، ولفظه : الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مرة . وحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه رواه البيهقي في الكبير من حديث ابن المبارك ، عن يونس أنبأ الزهري أخبرني سعيد عنه بلفظ : حي على الصلاة حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر . وفي لفظ : قد قامت الصلاة ، وحديث أبي محذورة مثله ذكره أيضا ، وحديث سلمة بن الأكوع قال : كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثنى ، والإقامة مفردة . ذكره ابن أبي حاتم في علله ، وحديث أبي جحيفة : كان الأذان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى ، والإقامة مرة واحدة . رواه البيهقي من حديث أبي إسحاق ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه . وحديث أبي هريرة قال : أمر أبو محذورة أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة . ورواه الدارقطني من حديث عبد الصمد بن الفضل ، حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومي ، حدثنا كامل بن العلاء ، عن أبي صالح عنه ، وسيأتي عند ابن ماجه أيضا حديثان شاهدان له أيضا والله أعلم وفي البيهقي بسند صحيح عن مكحول ، والزهري أنهما قالا : مضت السنة أن الأذان مثنى ، والإقامة واحدة إلا قوله : قد قامت الصلاة فإنها مرتين ، قال : وروي نحوه عن الحسن .

425

34 - حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده : إن أذان بلال كان مثنى مثنى ، وإقامته مفردة . هذا حديث سبق الكلام على صحة إسناده في باب السنة في الأذان ، زاد أبو أحمد : وقد قامت الصلاة مرة واحدة .

426

31 - حدثنا محمد بن يحيى ، والحسن بن علي الخلال قالا : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أذن ثنتي عشرة سنة ، وجبت له الجنة ، وكتب له بتأذينه كل يوم ستون حسنة ، وبكل إقامة ثلاثون حسنة . هذا حديث خرجه الحاكم من حديث عبد الله بن صالح ، وقال : هذا صحيح على شرط البخاري ، وله شاهد من حديث عبد الله بن لهيعة ، وقد استشهد به مسلم ، حدثناه محمد بن صالح بن هانئ ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن مهران ، حدثنا أبو الطاهر ، وأبو الربيع ، حدثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن نافع به ، وعليه فيه مأخذان : الأول : أبو صالح عبد الله بن صالح ، ليس من شرط البخاري في الأصول ، إنما روى عنه في الشواهد ، والمتابعات ، قال بعقب حديث في الركوة : وزاد عبد الله : حدثني الليث ، قاله غير واحد منهم : ابن سرور ، وكذا يحيى بن أيوب فيما ذكره الكلاباذي ، ومن عادة الحاكم إذا كان الرجل عندهما بهذه المثابة نبه عليه ليسوغ لنفسه مقصده ، ويتأتى له فيه ما اعتمده ، وهاهنا أغفله ، فطولب بما أهمله . الثاني : يخدش في صحته مطلقا انقطاعه ، ورواه يحيى بن المتوكل ، عن ابن جريج عمن حدثه ، عن نافع ، قال البخاري فيما ذكره البيهقي : وهذا أشبه . وقال البزار : وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه إلا ابن صالح ، عن يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وقال ابن عدي : لا أعلم أحدا رواه عن ابن جريج غير يحيى ، ولا عنه إلا أبو صالح . ورواه حمزة الجزري - وهو كذاب - عن نافع ، عن ابن عمر بلفظ : من أذن سبع سنين احتسابا كتبت له براءة من النار . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عنه قال : هذا منكر جدا ، وذكره أبو الفرج من طريق محمد بن الفضل ، ورده بأنه اختلط ، ورواه قيس بن الربيع عند الطبراني في الأوسط : بلفظ آخر ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير عنه يرفعه : المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط في دمه ، يتمنى على الله ما يشتهي بين الأذان والإقامة . وقال : لم يروه عن سالم إلا قيس ، تفرد به إبراهيم بن رستم ، وفي كتاب أبي الشيخ زيادة من حديث قيس ، عن سالم الأفطس ، عن مجاهد عنه مرفوعا : وإذا مات لم يدود في قبره . قال ابن الجوزي : وروي عن ابن عمر مرفوعا ، ومرسلا ، ولا يصح مسندا ، وفي كتاب ابن زنجويه ، عن أبي معشر قال : بلغني أنه : من أذن سبع سنين عتق من النار . وفي الباب غير ما حديث ، من ذلك : حديث أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أذن خمس صلوات إيمانا ، واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، أنبأنا به المسند المعمر بقية المشايخ أبو زكريا يحيى بن يوسف المقدسي - رحمه الله تعالى - عن العلامة بهاء الدين الشافعي ، عن الحافظ أبي طاهر - رحمهما الله - قالا : أنبأنا أبو رجاء بندار بن محمد بن أحمد بن جعفر الخلقاني - قراءة عليه - بأصبهان من أصل سماعه ، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن أبي علي الهمداني - قراءة عليه - أنبأنا أبو محمد عبد الله بن جعفر الأصبهاني الحافظ ، ثنا عبد الله بن سندة ، ثنا إسماعيل بن يزيد ، ثنا إبراهيم بن رستم ، ثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عنه ، وقال البيهقي في الكبير : لا أعرفه إلا من حديث ابن رستم ، عن حماد . وفي الفضائل لابن شاهين عنه مرفوعا من حديث موسى الطويل : من أذن سنة بنية صادقة ما يطلب عليها أجرا دعي يوم القيامة ، فيوقف على باب الجنة ، وقيل له : اشفع لمن شئت زاد الحافظ أبو أحمد حميد بن مخلد بن زنجويه في كتاب فضائل الأعمال من حديث سلام بن سلم ، حدثنا سليمان بن عامر ، عن أبي معاذ ، عن أبي عثمان عنه : ويكتب له عند أذانه أربعون ومائة حسنة ، وعند الإقامة عشرون ومائة حسنة . وعن محمد بن الحنفية : المؤذن المحتسب كشاهر سيفه في سبيل الله تعالى . وعن الحسن : أول من يكسى من كسوة الجنة : المؤذنون المحتسبون . ولفظ عبد الله بن سعيد عنه عند أبي الشيخ : للإمام والمؤذن مثل أجر من صلى معهما . وحديث ابن عباس مرفوعا : من أذن تسع سنين غفر له ما تقدم من ذنبه قال الدارقطني في الأفراد : غريب من حديث الشعبي عنه ، ما كتبته إلا عن يعقوب بن عبد الرحمن ، عن روح بن الفرج البزار ، عن علي بن الحسن بن شقيق ، عن أبي حمزة ، عن جابر عنه ، والمحفوظ : عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، وقيل : عن جابر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي حمزة ، عن جابر بلفظ : سبع سنين . وقال ليث بن أبي سليم : بلغني أن المؤذن من حين أذانه إلى إقامته كالشهيد المتشحط في دمه . وحديث كثير بن مرة الحضرمي ، وهو مذكور في كتاب الصحابة لأبي موسى المديني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يبعث هذا - يعني بلالا - يوم القيامة على ناقة من نوق الجنة ، ينادي على ظهرها بالأذان محضا - أو قال حقا - فإذا سمعت الأنبياء ، عليهم السلام ، وأممها : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله .نظروا كلهم إلى بلال ، فقالوا : ونحن نشهد على ذلك . قبل ذلك ممن قبل منه قبل ذلك ، ورد على من رد ، فإذا وافى بلال الجنة استقبل بحلة فلبسها ، وأول من يكسى من حلل الجنة بعد النبيين ، والشهداء بلال ، وصالح المؤذنين . وحديث ثوبان : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من حافظ على النداء بالأذان سنة أوجب الجنة ذكره أبو بكر البيهقي في الشعب من حديث أبي معاوية ، عن أبي قيس السكوني الدمشقي ، عن عبادة بن نسي ، عن أبي مريم السكوني عنه ، وحديث بلال ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : يا بلال ليس عمل أفضل من عملك إلا الجهاد رواه أيضا من حديث الحفصي رجل من الأنصار ، عن أبيه ، عن جده عنه ، وحديث أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة قالا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ثلاثة يوم القيامة على كثب من مسك أسود ، لا يهولهم فزع ، ولا ينالهم حساب ، حتى يفرغ مما بين الناس فذكره قال : ورجل أذن ، ودعا إلى الله - عز وجل - ابتغاء وجه الله تعالى ، ذكره الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد الجوزي في كتاب الترغيب والترهيب من طريق أبي عمر زاذان الكندي عنهما ، وذكره البيهقي في الشعب من حديث عبد الواحد بن غياث ، حدثنا الفضل بن ميمون السلمي ، ثنا منصور بن زاذان عن أبي عمر : أنه سمعهما ، وفي كتاب ابن زنجويه ، ثنا محمد بن عبيد ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن النبي - عليه السلام - قال : ثلاثة على كثبان المسك : رجل قرأ كتاب الله فأم قوما ، وهم به راضون ، ورجل دعا إلى هذه الصلوات الخمس في الليل والنهار ولا يريد بها إلا وجه الله تعالى ، والدار الآخرة الحديث ، وفي حديث ابن عمر عند الترمذي واستغربه مرفوعا : ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة ، الحديث وحديث أنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يد الله - تبارك وتعالى - على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه ، وإنه ليغفر له مد صوته أين بلغ ، ذكره أبو أحمد بن عدي من حديث عمر بن حفص العبدي ، وهو متروك الحديث ، عن ثابت عنه ، ورواه أبو الشيخ من حديث العمي بزيادة : فإذا فرغ ، قال الرب تعالى : صدقت عبدي ، وشهدت شهادة الحق فأبشر ، ولفظ أبي الفرج في علله : يحشر المؤذنون على نوق من نوق الجنة ، يخاف الناس ، ولا يخافون ، ويحزن الناس ، ولا يحزنون . ورده بداود بن الزبرقان ، وموسى بن إبراهيم المروزي ، وحديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنها لحوم محرمة على النار - لحوم المؤذنين ودماؤهم وما من رجل يؤذن تسع سنين يصدق في ذلك بنيته إلا عتق من النار ، ذكره أبو الشيخ من طريق هارون بن المغيرة ، عن الرصافي ، عن زياد بن كليب عنه ، وفي كتاب البيهقي بسند صحيح ، عن عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخلِّيفى لأذنت . وفي لفظ : قدمنا على عمر فقال : من مؤذنوكم؟ فقلنا : عبيدنا ، وموالينا ، فقال بيده : هكذا يقلبها : عبيدنا ، وموالينا إن ذلكم بكم لنقص شديد . وفي كتاب الفضل بن دكين ، ثنا إسرائيل ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل عنه : لولا إني أخاف أن يكون سنة : ما تركت الأذان . وفي كتاب ابن زنجويه ، ثنا يعلى بن عبيد ، ثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي ، عن أبي معشر قال : إن عمر بن الخطاب قال : لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أحج ، ولا أعتمر إلا حجة الإسلام ، ولو كانت الملائكة نزولا ما غلبهم أحد على الأذان . وفي حديث الوصافي عند أبي الشيخ : ما باليت ألا أنتصب لقيام نهار ، وأكمل أمري ، وسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم اغفر للمؤذنين ، فقلت : تركتنا يا رسول الله ، ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف ؟ قال : كلا يا عمر ، إنه يأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم الحديث ، قال : وقالت عائشة : ولهم هذه الآية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قالت : فهو المؤذن ، إذا قال : حي على الصلاة ، فقد دعا إلى الله تعالى ، فإذا صلى فقد عمل صالحا ، وإذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله فهو من المسلمين . وفي كتاب أبي نعيم : حدثنا الوصافي ، حدثنا محمد بن نافع ، قالت عائشة : نزلت هذه الآية في المؤذنين . وحديث أبي موسى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يبعث الله الأيام على هيئتها ، ويبعث يوم الجمعة زاهرا منيرا ، وأهل الجنة محفوفون بها كالعروس تهدى إلى بيت زوجها ، تضيء لهم ، يمشون في ضوئها ، ألوانهم كالثلج ، ورائحتهم تسطع كالمسك ، يخوضون في الكافور ، لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون . ذكره ابن حبان في كتاب الأذان من حديث الهيثم بن حميد ، عن حفص بن غيلان ، عن طاووس عنه ، وخرجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس في فوائده بسند صحيح ، وحديث جابر بن عبد الله ، قيل : يا رسول الله من أول الناس دخولا الجنة؟ قال : الأنبياء ، ثم الشهداء ، ثم مؤذنو الكعبة ، ثم مؤذنو بيت المقدس ، ثم مؤذنو مسجدي هذا ، ثم سائر المؤذنين على قدر أعمالهم . رواه أبو الشيخ من حديث الحسن الحلواني ، ثنا عبد الصمد ، ثنا عبد الله بن ذكوان ، عن ابن المنكدر عنه ، وحديث أبي بن كعب : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ من لؤلؤ ، ترابها المسك ، قلت : لمن هذا يا جبريل؟ قال : للمؤذنين ، والأئمة من أمتك يا محمد . رواه أيضا من حديث ، ورواه أيضا من حديث إسحاق بن عمر بن سليط ، عن محمد بن عيسى العبدي ، ثنا محمد بن العلاء الأيلي ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن أنس عنه ، وقال الرازي في علله : هذا حديث منكر ، الطويل وهو متهم بالكذب ، عن عباد بن كثير ، عن أبي الزبير عنه مرفوعا : إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يوم القيامة ، يلبي الملبي ، ويؤذن المؤذن ، ويغفر للمؤذن مد صوته ، ويشهد له كل شيء سمع صوته من شجرة ، أو مدرة ، أو رطب ، أو يابس ، ويكتب للمؤذن بكل إنسان صلى معه في ذلك المجلس مثل حسناتهم ، ولا ينقص من حسناتهم شيء ، ويعطيه الله ما بين الأذان والإقامة كل شيء يسأل ربه ، إما أن يعجل له في دنياهم ، ويصرف عنه السوء ، أو يدخر له في الآخرة ، وهو فيما بين الأذان والإقامة كالمتشحط في دمه في سبيل الله عز وجل ، ويكتب له بكل يوم يؤذن فيه مثل أجر خمسين ومائة شهيد الحديث بطوله ، قال أبو الفرج : الحمل فيه على محمد بن عيسى العبدي المنفرد به ، عن ابن المنكدر ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لما أسلفناه من عدم تفرده به ، وفي كتاب الطبراني الأوسط : إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم ، يلبي الملبي ، ويؤذن المؤذن . وقال : لم يروه عن أبي الزبير إلا أبو بكر الهذلي ، ولا عن أبي بكر إلا أبو الوليد الضبي العباس بن بكار ، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد ، وحديث البراء بن عازب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة . ورواه أيضا من حديث يزيد بن هارون ، عن أبي أمية شيخ من أهل البصرة ، حدثنا القاسم بن عوف الشيباني عنه ، وخرجه النسائي من حديث أبي إسحاق عنه بلفظ : الملائكة يصلون على الصف المقدم ، والمؤذن يغفر له مد صوته ، ويصدقه من سمعه من رطب ، ويابس ، وله مثل أجر من صلى معه . وفي مسند السراج : من صلى خلفه . وحديث أبي هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يحشر المؤذنون أطول الناس أعناقا لقولهم : لا إله إلا الله رواه السراج من حديث عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال : ثنا محمد بن عمار المؤذن عنه ، وفي حديث صالح بن مسمار عند أبي الشيخ ، عن مسلم بن إبراهيم ، ثنا فرقد بن الحجاج البصري ، ثنا عقبة عنه : يجيء المؤذنون أطول الناس أعناقا ، يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة . وخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث منصور ، عن عباد بن محمد بن أنيس عنه مرفوعا : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ، ثم قال : العرب تصف باذل الشيء الكثير بطول اليد ، وسائل الشيء الكبير بطول النطق كما قال - عليه السلام - : أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا . وكانت سودة أول نسائه لحقت به ، وكانت أكثرهن صدقة ، فقوله : أطول ، أي : من أطول الناس ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ لأن الذي في الصحيح : أنها زينب بنت جحش ، وقد قال هو في كتاب الصحابة : إن سودة توفيت سنة خمس وخمسين ، وإن زينب توفيت سنة عشرين بالمدينة ، فهذا تناقض ظاهر - والله أعلم - ويحتمل أن يكون هذا تصحيفا على الكاتب ، وقد استظهرت بنسخة أخرى ، ويؤيده ما ذكره الحافظ النيسابوري في كتاب شرف المصطفى الكبير من أن سودة هي صاحبة القصة أيضا - والله أعلم - وحديث عقبة بن عامر يرفعه : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة رواه أبو القاسم في الكبير من حديث ابن لهيعة ، عن ابن أبي حبيب ، عن أبي الخير عنه ، وحديث زيد بن أرقم يرفعه : نعم المرء بلال سيد المؤذنين يوم القيامة ، والمؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة . رواه أبو القاسم الطبراني في الأوسط من حديث قتادة ، عن القاسم بن عوف الشيباني عنه ، وقال : لم يروه عن قتادة إلا حسام بن مصك . وفي كتاب ابن زنجويه من حديث عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطول الناس أعناقا يوم القيامة المؤذنون ، ولا يدودون في قبورهم ، وحديث بلال أنه قال : يا رسول الله الناس يتجرون ، ويبيعون معايشهم ، ويمكثون في بيوتهم ، ولا أستطيع أن أفعل ذلك ، فقال : ألا ترضى يا بلال أن المؤذنين أطول الناس أعناقا ؟ . رواه البيهقي في الشعب من حديث محمد بن الوليد بن عامر ، ثنا أبو عمران محمد بن أبي سفيان الثقفي أن قبيصة بن ذؤيب حدثه عن بلال ، وحديث ابن الزبير قال : وددت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطانا النداء قلت : لم ذلك؟ قال : إنهم أطول أهل الجنة أعناقا يوم القيامة . قال في الأوسط : لم يروه عن هشام ، عن أبيه إلا عبد الله بن محمد بن يحيى ، تفرد به إبراهيم بن المنذر ، ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد ، وحديث أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أقسمت لبررت ، إن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر ، يعني المؤذنين ، وإنهم ليعرفون يوم القيامة بطول أعناقهم رواه أبو القاسم في الأوسط ، عن عبيد الله بن عبد الله بن جحش ، حدثنا جنادة بن مروان الأزدي الحمصي ، حدثنا ابن النعمان عنه ، وحديث عطاء أبي عبد الله قال - عليه السلام - : المؤذن فيما بين أذانه وإقامته كالمتشحط في دمه في سبيل الله عز وجل ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث أبي كامل ، عن أيوب بن واقد ، حدثنا عبد الله بن عطاء ، عن أبيه ، فذكره ، وحديث أبي الوقاص صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : سهام المؤذنين عند الله عز وجل يوم القيامة كسهام المجاهدين ، وهم فيما بين الأذان والإقامة كالمتشحط في دمه في سبيل الله الحديث ، رواه أيضا من حديث عتاب بن عبد الحميد ، عن مطر ، عن الحسن عنه ، وحديث الضحاك بن مزاحم ، عن الحارث ، عن علي قال : ندمت أن لا أكون طلبت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنجعل الحسن والحسين مؤذنين . قال الطبراني : لم يروه عنه إلا عامر بن إبراهيم . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا . خرجاه في الصحيح ، وعن عقبة بن عامر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية بجبل ، يؤذن للصلاة ويصلي ، فيقول الله - عز وجل - : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة ، يخاف مني ، قد غفرت لعبدي ، وأدخلته الجنة . خرجه أبو داود بسند صحيح ، عن هارون بن معروف ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة حي بن يؤمن حدثه ، عن عقبة به ، وعن ابن أبي أوفي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر ، والأظلة لذكر الله عز وجل . ذكره ابن شاهين من حديث إبراهيم السكسكي عنه ، وقال : هو حديث غريب صحيح ، وعن سلمان : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان الرجل بأرض قي فحانت الصلاة فليتوضأ ، فإن لم يجد ماء فليتيمم ، فإذا قام صلى معه ملكاه ، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه . ذكره عبد الرزاق ، عن همام في كتاب الصلاة عن ابن التيمي ، عن أبيه ، عن أبي عثمان النهدي عنه ، وذكره في الشعب من حديث عبد الوهاب بن عطاء ، ثنا سليمان التيمي عن النهدي به ، وعن أبي برزة الأسلمي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من عبد أذن في الأرض فتبقى شجرة ، ولا مدرة ، ولا تراب ، ولا شيء إلا استجلاه البكاء لقلة ذاكر الله في ذلك المكان . ذكره الإمام أبو بشر إسماعيل بن عبد الله سمويه الأصبهاني في فوائده ، وعن ابن عمر قال - صلى الله عليه وسلم - : تفتح أبواب السماء لخمس : الأذان ، وقراءة القرآن الحديث ، ذكره في الأوسط . وقال : لم يروه عن عبد العزيز بن رفيع إلا حفص بن سليمان ، تفرد به عمرو بن عون ، وعن أنس : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن في قرية أمنها الله تعالى من عذاب ذلك اليوم ، أنبأنا به المسند المعمر تقي الدين محمد بن عبد الحميد قراءة عليه ، وأنا أسمع ، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي العز ، أنبأتنا فاطمة بنت سعد الخير ، أنبأتنا فاطمة الجوزدانية ، أنبأنا ابن ريذة ، أنبأنا أبو القاسم ، ثنا صالح بن شعيب أبو شعيب الزاهد ، ثنا بكر بن محمد القرشي ، ثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمارة بن سعد المؤذن ، عن صفوان بن سليم عنه ، وقال في الأوسط : لم يروه عن صفوان إلا عبد الرحمن بن سعد ، تفرد به بكر ، ورواه أيضا من حديث ثابت عنه بلفظ : يد الله فوق رأس المؤذن ، وإنه ليغفر له أين بلغ . وقال : لم يروه عن ثابت إلا عمر بن حفص ، وعن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي النداء أقبل ، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى . خرجاه في الصحيح ، ولفظ أبي القاسم في الأوسط : إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان فإن الشيطان إلخ ، وقال : لم يروه عن سهيل إلا عدي بن الفضل ، تفرد به أبو عامر العقدي . وعن جابر قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء . قال سليمان : فسألته عن الروحاء ؟ فقال : هي من المدينة ستة وثلاثون ميلا ، رواه مسلم . وعن زيد بن خالد : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة . وفي رواية : يؤذن بالصلاة . رواه أبو داود بسند صحيح ، عن قتيبة ، عن الدراوردي ، عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنه ، وعن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان . رواه النسائي بسند صحيح ، عن سويد ، عن ابن المبارك ، عن زائدة ، عن السائب بن حبيش ، وهو ممن وثقة العجلي ، وغيره ، عن معدان بن أبي طلحة عنه ، وعن ابن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يغفر للمؤذن مد صوته ، ويشهد له كل رطب ويابس يسمع صوته . رواه أحمد في مسنده ، ورواه السراج بسند صحيح ، عن محمد بن عقيل ، حدثنا حفص بن عبد الله ، حدثنا ابن طهمان ، عن الأعمش ، عن مجاهد عنه موقوفا ، وبهذا الإسناد مرفوعا : الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة ، واغفر للمؤذنين . وفي شعب البيهقي من حديث سفيان ، عن أبي اليقظان ، عن زاذان عنه مرفوعا : ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة : إمام قوم يبتغي به وجه الله تعالى ، وهم به راضون ، ورجل أذن خمس ساعات يبتغى به وجه الله تعالى الحديث . ومرسل صفوان بن سليم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبني خطمة من الأنصار يا بني خطمة ، اجعلوا مؤذنكم أفضلكم في أنفسكم رواه البيهقي في الكبير من حديث بحر بن نصر ، عن ابن وهب ، أنبأنا حيوة ، عن بكر بن عمرو عنه ، وعن معقل بن يسار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله تعالى لا يأذن لشيء من أهل الأرض إلا الأذان للمؤذنين ، والصوت الحسن بالقرآن . ذكره الخطيب في تاريخه ، ورده بسلام الطويل ، وزيد العمي ، وفي البيهقي من حديث أبي عبيد القاسم ، حدثنا ابن شبرمة قال : تشاح الناس في الأذان بالقادسية ، فاختصموا إلى سعد ، فأقرع بينهم . وفي كتاب الطبراني : لما رجعوا من فتح القادسية ، وقد حانت الظهر ، وأصيب المؤذن ، فتشاح الناس في الأذان ، حتى كادوا يجتلدون بالسيوف . وعن عائشة في قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قالت : هم المؤذنون . ذكره الكجي في سننه من حديث النعمان بن عبد السلام : أنبأنا عبيد الله الوصافي ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير عنهما ، وعن جرير بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقول : الله أكبر . فقال : على الفطرة . فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . فقال : خرجت من النار . وكان يغير عند صلاة الفجر ، فيستمع ، فإن سمع أذانا ، وإلا أغار . رواه أيضا من حديث الحجاج ، عن رجل ، عن زاذان عنه ، ومن هذا الباب الدعاء بين الأذان والإقامة . روي عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة . رواه أبو عيسى ، وحسنه ، وفي كتاب ابن زنجويه : إذا أذن الأذان فتحت أبواب السماء ، واستجيب الدعاء . وفي حديث الرقاشي عنه مرفوعا : إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء ، وأبواب الجنة ، واستجيب الدعاء . ولما ذكر ابن عدي هذه الرواية ضعفها بيزيد ، وذكره أيضا في ترجمة سلام أبي المنذر ، وهو ضعيف ، عن ثابت ، عن أنس . وأورده في ترجمة الفضل بن مختار ، عن حميد عنه ، وقال : لم يتابع عليه ، وأورده في ترجمة أسيد الجمال ، عن ابن المبارك ، عن سليمان التيمي ، عن قتادة عنه ، وقال : لم يروه عن ابن المبارك غير أسيد ، وروى سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء ، وقل ما يرد على داع دعوته عند حضور النداء ، والصف في سبيل الله تعالى . رواه أبو داود من حديث موسى بن يعقوب الزمعي ، عن رزق - أو زريق - بن سعيد بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم عنه ، قال البيهقي : رفعه الزمعي ، ووقفه مالك بن أنس الإمام ، وفي حديث ليث ، عن ابن سابط ، قال : تفتح أبواب السماء لخمس : لقراءة القرآن ، ونزول الغيث ، والتقاء الزحف ، وعند الدعاء ، والأذان . وفي حديث طلحة ، عن عطاء قال : كان أبو هريرة يقول : إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى ، وعند نزول الغيث ، وعند إقامة الصلاة المكتوبة فاغتنموا الدعاء . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : المؤذنون أطول الناس أعناقا . فذكر ابن أبي داود أن أباه قال : ليس أن أعناقهم تطول ، وذلك أن الناس يعطشون يوم القيامة ، وإذا عطش الإنسان انطوت عنقه ، والمؤذنون لا يعطشون فأعناقهم قائمة . وفي محكم ابن سيده ، قال ثعلب : هو قولهم : له عنق في الخير . أي : سابقة ، وقيل : يغفر له مد صوته ، وقيل : يزادون على الناس ، وفي كتاب الهروي قال ابن الأعرابي : معناه أكثر الناس أعمالا ، وقال غيره : هو من طول الأعناق ؛ لأن الناس في الكرب يومئذ ، وهم في الروح مشرئبون لأن يؤذن لهم في دخول الجنة ، وقيل : إنهم يكونون رؤوسا يومئذ ، والعرب تصف السادة بطول الأعناق ، قال الشاعر : يشبهون ملوكا في تجلتهم وطول أنضية الأعناق واللمم . قال : ورواه بعضهم : إعناقا . أي : إسراعا إلى الجنة ، كذا ذكره أيضا الخطابي ، وقال القاضي أبو الفضل اليحصبي : هو على وجهه ، وأن الناس في غرق العرق ، وهم ناجون منه . انتهى ، يؤيد هذا ما أسلفناه في الحديث أن ذلك سيماهم ، وقول ابن الزبير : هم أطول الناس أعناقا في الجنة . ولعل هذا هو الأرجح ؛ لكونه هو الظاهر ، مع معاضدة الحديث ، وقال المازري : يقال هو إشارة إلى قرب المنزلة من كرامة الله تعالى . وفي المشكل معناه : أن الناس يرون ثواب أعمالهم فتتطاول إلى ذلك أعناقهم ، ويتفاضلون في ذلك ، فيكون المؤذنون أطولهم أعناقا ؛ لكثرة ما يرجونه من الثواب . وزعم ابن رشد : أن الأحسن في تأويل ذلك على المجاز ؛ بمعنى أنهم آمنون ، مشهورون بذلك يوم القيامة عند الناس لشهرة عملهم في الدنيا ، كما يقول في وقت يستريب الناس منه بالخوف على أنفسهم بمطالبة طالب لهم ليس يأمن على نفسه ، منه فلان مشى بين الناس طويل العنق ، ويندرج في هذا ما ينبغي أن يكون المؤذن عليه ، ففي حديث الزهري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤذن إلا متوضئ . وعنه قال : قال أبو هريرة : لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ . رواهما الترمذي ، وقال : هذا أصح من الأول ، وحديث أبي هريرة لم يرفعه ابن وهب ، والزهري لم يسمع من أبي هريرة ، وعن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه : قال : حق ، وسنة ألا يؤذن إلا وهو قائم ، ولا يؤذن إلا وهو طاهر . ذكره البيهقي ، ورده بالانقطاع فيما بين عبد الجبار ، وأبيه ، وعن ابن عباس قال : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذن يطرب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الأذان سهل سمح ، فإن كان أذانك سمحا سهلا وإلا فلا تؤذن . رواه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي يحيى الكعبي ، عن ابن جريح ، عن عطاء عنه ، وإسحاق هذا قال فيه ابن حبان : لا يحل الاحتجاج به ، هو الذي روى عن ابن جريج ، فذكر هذا الحديث ، وفي حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يؤذن لكم من يدغم الهاء . قال الدارقطني : هذا حديث منكر ، وإنما مر الأعمش برجل يؤذن ، ويدغم الهاء فقال ، وعلي بن جميل - يعني الذي رفعه - ضعيف ، وروى مجاشع ، عن هارون بن محمد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤذن لكم إلا فصيح . ذكره أبو أحمد بن عدي ، وقال : هارون لا يعرف . وفي حديث جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون الإمام مؤذنا . ذكره ابن عدي من حديث إسماعيل بن عمرو البجلي ، ورده به ، وقال : لم يتابع إسماعيل عليه ، ورواه أبو الشيخ بسند آخر ، ترجمته : ذكر خبر روي في نهي أن يكون المؤذن إماما إن صح ذلك : ثنا ابن الطهراني ، ثنا أبو أنس كثير بن محمد التميمي ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الجعفي ، حدثنا يعلى ، عن محمد بن سوقة ، عن ابن المنكدر ، عن جابر به ، وذكر أبو أحمد أيضا من حديث زيد العمي ، عن قتادة ، عن أنس يرفعه : يكره للمؤذن أن يكون إماما . ويعارضه حديث عبد الله بن الأرقم وقد ذكرنا من صححه وفيه زيادة ذكرها به الإمام أبو بكر جعفر ابن محمد بن الحسن الفريابي في كتاب الصلاة تأليفه : وكان يؤذن لأصحابه ، ثم يؤم بهم الحديث ، وفي حديث ثوير عند أبي نعيم الفضل : كان ابن عمر مؤذننا وإمامنا وعن سويد بن غفلة : لو استطعت أن أكون مؤذن الحي لفعلت ، وعن عمر مثله ، وعن مصعب بن سعد : من السنة أن تكون إمام مؤذنا ، فإن قال قائل : قد نرى ما ذكرت من الترغيب في الأذان ، فهل بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بنفسه قط ، ليجتمع له بذلك الفضيلتان ؟ قلنا : نعم ، روى أبو عيسى الترمذي من حديث عمر بن الرماح قاضي بلخ عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة ثنا أبي قال ثنا أبي يعلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في سفر ، وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم ، السماء من فوقهم ، والبلة من أسفلهم ، وقال : هذا حديث غريب ، تفرد به ابن الرماح ، وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم ، قال أبو الحسن بن القطان غائبا على أبي محمد سكوته : الغرابة لا تقضي له بصحة ولا ضعف ولا حسن ، إذ الغرابة تكون في الأنواع الثلاثة ، وهذا يرويه ابن الرماح ، وهو ثقة عن عمرو ، ولا تعرف حاله ، وكذلك أبوه عثمان ، وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي أنه حديث ضعيف ، وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي انتهى كلامه ، وفيه نظر ، أما قول أبي الحسن : الغرابة تكون في الأنواع الثلاثة فغير صواب ، إذ الحسن من شرط صفته ألا يكون غريبا وأن يروى نحوه من وجه آخر ، ولا يورد قول الترمذي في كتابه : حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، لأن الغرابة في ذاك بالنسبة إلى الرواة ، لا إلى المتن وأما قول السهيلي : إن هذا الحديث من رواية أبي هريرة عند الترمذي فغير صواب ، لأن الترمذي لم يروه في جميع ما رأيته من نسخة إلا عن يعلى ، وكذا حكاه عنه أصحاب الأطراف والأحكام كما بينته لك ، وكذا هو في مسند أحمد ، والطبراني ، وأحمد بن منيع ، وابن ابنته عبد الله ، وتاريخ الخطيب ، والناسخ والمنسوخ لأبي بكر الأثرم ، ومسند العدني ، وسنن الدارقطني وغيرهم ، وعندهم : فقام المؤذن ، فأذن . قال السهيلي : ففرع الناس بهذا الحديث إلى أنه أذن بنفسه ، والمفصل يقضي على المجمل ، وقد كنت في سنة أربع عشرة وسبعمائة أفردت للكلام على هذا الحديث جزءا ، سميته القدح المعلى في الكلام على حديث يعلى. وفي مراسيل الحسن عند البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا ، فأذن على راحلته وعن نافع كان ابن عمر ربما أذن على راحلته ، وفي حديث أبي طلحة : أن ابن عمر كان يؤذن على راحلته ، والله أعلم .

427

28 - حدثنا محمد بن بشار ، وإسحاق بن منصور قالا : حدثنا أبو عامر ، حدثنا سفيان ، عن طلحة بن يحيى ، عن عيسى بن طلحة قال : سمعت معاوية بن أبي سفيان ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث عبدة بن سليمان ، وسفيان ، عن طلحة .

428

27 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا شبابة ، حدثنا شعبة ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبي يحيى ، عن أبي هريرة قال : سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤذن يغفر له مد صوته ، ويستغفر له كل رطب ، ويابس ، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنة ، ويكفر عنه ما بينهما . هذا حديث قال فيه المنذري - رحمه الله تعالى - : أبو يحيى ولم ينسب فيعرف حاله . وما درى أن حاله معروفة ، وأنه منسوب مسمى ، وأنه حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن بندار ، عن عبد الرحمن ، عن شعبة ، وقال : يريد ما بين الصلاتين . وخرجه البستي في صحيحه أيضا عن أبي خليفة ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ثم قال : أبو يحيى هذا اسمه سمعان مولى أسلم من أهل المدينة ، والد أنيس ، ومحمد بن أبي يحيى من جلة التابعين ، وموسى بن أبي عثمان من سادات أهل الكوفة ، وعبادهم ، واسم أبيه : عمران ، ولفظ ابن حنبل : مدى صوته ، ويصدقه كل رطب ، ويابس سمعه ، وللشاهد عليه خمس وعشرون درجة ، ورواه البيهقي في السنن الكبير من حديث عمرو بن عبد الغفار ، حدثنا الأعمش ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة به ، قال : ورواه حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا أيضا ، ولفظهما : ويشهد له كل رطب ، ويابس سمعه ، وفي كتاب أبي الشيخ من حديث أبي العنبس ، عن أبيه : كل مدرة ، وصخرة سمعت صوته .

429

8 - فضل الأذان ، وثواب المؤذنين 26 - حدثنا محمد بن الصباح ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه - وكان أبوه في حجر أبي سعيد - قال : قال أبو سعيد : إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يسمعه جن ، ولا إنس ، ولا شجر ، ولا حجر إلا شهد له . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، عن عبد الجبار بن العلاء ، ثنا سفيان قال : حدثني عبد الله به . وفي لفظ : وكانت أمه عند أبي سعيد ، وفيه : شجر ، ولا مدر . وخرجه البخاري في صحيحه من حديث مالك بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بزيادة : إني أراك تحب الغنم ، والبادية . وقال : ولا إنس ، ولا شيء . ولما رواه الشافعي - رضي الله عنه - عن سفيان قال إثرها : ويشبه أن يكون مالك أصاب اسم الرجل . قال البيهقي : وهو كما قال الشافعي - رحمه الله تعالى - وذكر الدارقطني أن مالكا لم يختلف عليه في اسمه ، وكذا هو في كتاب النسائي ، ومسند الشافعي ، وأحمد ، والأوسط ، وأحمد بن منيع ، وغيرهم ، ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة ، عن عبد العزيز الماجشون كرواية مالك سواء ، وفي كتاب أبي الشيخ من حديث القطان ، عن مالك كرواية سفيان ، فإن صح كان ردا لما قاله الدارقطني - والله أعلم ويوضحه قول ابن سعد عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة : روى عن أبي سعيد ، وأدركه مالك ، وروى أيضا عن ابنيه محمد ، وعبد الرحمن بني عبد الله ، وروى البزار حديث سفيان بسند آخر فقال : حدثنا إسحاق بن بهلول ، ومحمد بن مسكين ، قالا : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا ابن عيينة ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يغفر للمؤذن مد صوته ، ويصدقه ما سمعه من رطب ، ويابس . وقال : لا نعلم أحدا أسنده عن ابن عيينة إلا سعيد بن منصور ، ولم يتابع عليه .

430

30 - حدثنا أبو كريب ، حدثنا مختار بن غسان ، حدثنا حفص بن عمر الأزرق البرجمي ، عن جابر عن عكرمة ، وحدثنا روح بن الفرج ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا أبو حمزة ، عن جابر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أذن محتسبا سبع سنين كتب له براءة من النار . هذا حديث قال فيه أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام : غريب . انتهى ، وإسناده ضعيف لمكان جابر الجعفي المذكور قبل ، ورواه أبو تميلة ، عن أبي حمزة : فأبدل عكرمة مجاهدا ، فيما ذكره أبو عيسى ، وقال : هو غريب ، وضعفه بجابر أيضا .

431

29 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حسين بن عيسى - أخو سليم القاري - عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليؤذن لكم خياركم ، وليؤمكم قراؤكم . هذا حديث إسناده صحيح على شرط الحافظين ابن خزيمة ، والبستي لذكر ابن حبان حسينا ، والحكم في كتاب الثقات ، ولرواية ابن خزيمة عنهما في صحيحه ، ولئن كان فقد قيل فيه : هو حديث رواه الحسين الحنفي ، وهو منكر الحديث فيما ذكره عبد الحق ، وأما البخاري فقال : حسين مجهول ، وحديثه : يؤمكم أقرؤكم منكر ، وأنه مما تفرد به الحسين ، عن الحكم فيما ذكره الدارقطني معترضا . وأما قول أبي أحمد في الكامل : لعل البلاء فيه من الحكم ؛ لأنه ضعيف ، ليس من الحسين الحنفي ، ففيه نظر ؛ لأن الحكم لا يقاس بالحسين ، فبالحري ألا يفضل عليه ؛ لأنه ممن قال فيه أبو حاتم : ليس بالقوي ، يروي عن الحكم أحاديث منكرة ، وقال أبو زرعة : منكر الحديث ، وقال ابن عدي نفسه : له حديث قليل ، وغاية حديثه غرائب ، وفي بعض حديثه مناكير ، وأما الحكم فإن ابن عيينة قال : سألت يوسف بن يعقوب : كيف كان الحكم بن أبان؟ فقال : ذاك سيدنا . وقال ابن معين : هو ثقة . وقال أبو زرعة : صالح الحديث . وقال العجلي : ثقة صاحب سنة ، كان إذا هدأت العيون ، وقف في البحر إلى ركبتيه ، يذكر الله تعالى حتى يصبح ، يذكر مع حيتان البحر ، ودوابه . وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وقال : ربما أخطأ وإنما وقعت المناكير في روايته من رواية ابنه إبراهيم بن الحكم عنه ، وإبراهيم ضعيف . وقال ابن عيينة : أتيت عدن . فقلت : إما أن يكون القوم علماء كلهم ، وإما أن يكونوا كلهم جهالا ، فلم أر مثل الحكم بن أبان ، فقد ظهر لك فرق ما بين الرجلين من غير تعصب ، ولا مين ، وأن الحكم بن أبان ، خير من حسين بزمان ، ورواه ابن عدي بلفظ : قال - صلى الله عليه وسلم - : لا يؤذن غلام حتى يحتلم ، وليؤذن لكم خياركم من حديث إبراهيم بن أبي يحيى ، عن داود ، عن عكرمة .

432

6 - باب السنة في الأذان 13 - حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه ، وقال له : إنه أرفع لصوتك . هذا حديث أشار إليه البخاري في صحيحه بقوله : ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه ، ولما ذكر الإشبيلي حديثا بهذا الإسناد من عند أبي أحمد أتبعه بقوله : حديث أبي داود ، والترمذي أصح ، يعني : اللذين في معنى ذلك الحديث ، وهو حديث الاستدارة في الأذان ، وسيأتي إن شاء الله تعالى : قال أبو الحسن : فإن كان هذا الكلام منه تضعيفا - وهو الظن - فاعلم أن علته هي أن عبد الرحمن المذكور ، وأباه ، وجده كلهم لا تعرف له حال . الثاني : عمار بن سعد ، ذكره ابن منده في كتاب الصحابة ، وزعم أن له رواية ، وأبى ذلك أبو نعيم بقوله : إذ ذكره في كتاب الصحابة له رؤية فيما ذكره بعض المتأخرين ، وأخرج له هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعد ، حدثنا أبو عمرو بن حمدان ، ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا هشام بن عمار ، ثنا عبد الرحمن ، حدثني أبي ، عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان إذا خرج إلى العيد سلك على دار سعد بن أبي وقاص ، ثم على أصحاب الفساطيط ، قال الحافظ : وجده هو : سعد ، وليس لعمار صحبة ، ولا رواية ، إلا عن أبيه سعد ، وحدث به عن ابن كاسب مجودا غير واحد ، منه ما ثنا سليمان ، ثنا علي بن سعيد ، ثنا يعقوب بن كاسب ، ثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد ، عن عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد ، وعن عمار ، وعمر بن سعد ابني حفص بن عمر بن سعد ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن سعد القرظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المطر. انتهى ، ولقائل أن يقول الذي قاله ابن منده لا يدفعه ما ذكره أبو نعيم لأنا عهدنا الصحابة المشهورين بالصحبة رووا عن التابعين ، وهذا فلم يقل ابن منده له صحبة ، إنما قال : له رؤية ، وبينهما فرق معلوم ، وإن كانت اسم الصحبة شاملة لهما فيما ذكره أبو عمر وغيره ، فيجوز أن يروي حديثا واحدا مرفوعا عن النبي - عليه السلام - وآخر عن التابعين ، لا سيما والحديث المستشهد به على صحبته ليس هو المستشهد به على نفيها - والله أعلم - ولئن سلمنا لأبي نعيم قوله : ألا صحبة له ، وأنه في عداد التابعين الذين ينظر في حالهم ، فنظرنا في ذلك فوجدنا الحافظ أبا حاتم البستي ذكره في كتاب الثقات ، ووصفه برواية ابنه سعد عنه ، وزاد ابن سرور : عمر بن حفص أيضا ، وزاد ابن أبي حاتم : عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن زيد بن الخطاب ، وزاد البخاري في الكبير : محمد بن عمار بن حفص ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة على شرط البستي ، رواها أبو الشيخ عن محمد بن عبد الله بن رستة ، وابن أبي عاصم قالا : حدثنا ابن كاسب ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد ، عن عبد الله بن محمد ، وعمر ، وعمار ابني حفص ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن بلال : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إذا أذنت فاجعل إصبعيك في أذنيك فإنه أرفع لصوتك . وعمر بن حفص بن عمر بن سعد القرظ ، وثقه وأباه ابن حبان ، وذكر البيهقي في كتاب المعرفة حديثا لعمر بن حفص وحسنه ، ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث هشام بن عمار ، ثنا عبد الرحمن بن سعد ، حدثني أبي ، عن جده بلفظ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يدخل إصبعيه في أذنيه ، قال : فإنه أرفع لصوتك . وإن بلالا كان يؤذن مثنى مثنى . وتشهده مضعف ، وإقامته مفردة ، وقد قامت الصلاة مرة واحدة ، وأنه كان يؤذن للجمعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الفيء مثل الشراك . وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى العيد سلك على دار سعد بن أبي وقاص ، ثم على أصحاب الفساطيط ، ثم يبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ثم يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة ، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة ، ثم خطب على الناس ، ثم انصرف من الطريق الآخر ؛ من طريق بني زريق ، وذبح أضحيته عند طرف الزقاق بيده بشفرة ، ثم يخرج إلى دار عمار بن ياسر ، ودار أبي هريرة إلى البلاط ، وكان - عليه السلام - يذهب ماشيا ، ويرجع ماشيا . وكان - عليه السلام - يكبر بين أضعاف الخطبة ، ويكثر التكبير بين أضعاف الخطبة ، ويكثر التكبير في خطبة العيدين ، وكان - عليه السلام - إذا خطب في الحرب خطب على قوس ، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا ، ووجدنا للحديث شاهدا صحيحا رواه أبو عبد الله في مستدركه من حديث أحمد بن حنبل ، ثنا عبد الرزاق ، عن سفيان ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : رأيت بلالا يؤذن ، ويدور ، ويتبع فاه هاهنا ، وهاهنا ، وأصبعيه في أذنيه ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبة حمراء من أدم الحديث . قال : وهو صحيح على شرطهما جميعا ، وهما سنتان مسنونتان ، وقال الترمذي : وخرجه من حديث سفيان ، عن عون : هذا حديث حسن صحيح ، وعليه العمل عند أهل العلم ، يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان ، وقال بعض أهل العلم ، وفي الإقامة أيضا يدخل إصبعيه في أذنيه ، وهو قول الأوزاعي ، وقال ابن خزيمة : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا هشيم ، عن حجاج ، عن عون ، عن أبيه قال : رأيت بلالا يؤذن ، وقد جعل إصبعيه في أذنيه . ثم قال : باب إدخال الإصبعين في الأذنين عند الأذان : إن صح الخبر فإن هذه اللفظة لست أحفظها إلا عن حجاج بن أرطأة ، ولست أفهم ؛ أسمع الحجاج هذا الخبر من عون أم لا ؟! فأنا أشك في صحة هذا الخبر لهذه العلة ، ورواه أبو عوانة الإسفرائيني ، عن عمر بن شبة ، حدثنا عمر بن علي بن مقدم ، عن الحجاج بن أرطأة ، عن عون ، وكذا أخرجه أبو بكر البزار في مسنده من حديث أبي معاوية ، عن حجاج ، ورواه الطوسي من حديث الدورقي ، حدثنا هشيم ، عن حجاج بن أرطأة ، عن عون ، وقال : فقال : حديث أبي جحيفة حسن صحيح ، انتهى ، وليس هذا منه تصحيحا لحديث حجاج ، إنما أراد تصحيح حديث أبي جحيفة في نفس الأمر ، وكذلك هو صحيح الأصل . 14 - وخرجه ابن ماجه ، عن أيوب ، عن محمد ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن حجاج ، وقال البيهقي في الكبير : الاستدارة ليست في حديث أبي جحيفة من الطرق الصحيحة ، وسفيان الثوري إنما روى الاستدارة في هذا الحديث عن رجل ، عن عون ، ونحن نتوهمه سمعه من الحجاج ، عن عون ، والحجاج غير محتج به ، ورواه عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عون مدرجا ، وعبد الرزاق وهم في إدراجه ، ثم من جهة عبد الله بن محمد بن الوليد ، عن سفيان ، حدثني عون ، عن أبيه ، فذكره من غير ذكر الاستدارة ، ثم قال عقبه : وبالإسناد ، وحدثنا سفيان ، حدثني من سمعه من عون : أنه كان يدور ، ويضع يديه في أذنيه . قال العدني : يعني : بلالا . قال البيهقي : وهذه رواية ابن أرطأة ، عن عون قال ، وقد روينا من حديث قيس بن الربيع ، عن عون : الاستدارة ، ووضع الإصبعين في الأذنين ، ورواه حماد بن سلمة ، عن عون مرسلا ، لم يذكر أباه ، انتهى ، ولقائل أن يقول : أما التعليل بأنها ليست في الطرق الصحيحة فليس صحيحا لما أسلفناه من عند الحاكم ، والترمذي ، وغيرهما ، ولأن أبا نعيم رواه في مستخرجه ، عن أبي أحمد ، حدثنا المطرز ، حدثنا بندار ، ويعقوب ، حدثنا ابن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن عون ، فذكر استدارته ، وجعل الإصبعين في أذنيه ، ورواه أبو عوانة في صحيحه ، عن يوسف القاضي ، عن محمد بن أبي بكر ، حدثنا مؤمل ، عن سفيان ، عن عون به ، وفي هذا رد لما قاله البيهقي أيضا : وهم عبد الرزاق في إدراجه ؛ لمتابعة مؤمل ، وابن مهدي ، لو كان اعترض معترض بما رواه أبو عوانة أيضا ، حدثنا أبو أمية ، حدثنا القواريري ، عن ابن مهدي ، فلم يذكر هذه الزيادة . قلنا له : بندار لا يقاس بغيره ، لا سيما ، وقد تابعه يعقوب كما قدمناه ، وقد وجدنا لسفيان متابعا من طريق حسنة عند الطبراني ، رواها عن الحسن بن العباس الرازي ، عن محمد بن نوح الرازي ، عن زياد بن عبد الله ، عن إدريس الأودي ، عن عون ، عن أبيه ، فذكره ، ورواه أبو الشيخ أيضا عن الصوفي ، ثنا علي بن الجعد ، ثنا حماد بن سلمة ح ، وحدثنا أبو يعلى ، حدثنا إبراهيم بن الحجاج ، حدثنا كامل ، حدثنا حماد ح ، وحدثنا ابن ناجية ، حدثنا الربيع بن تغلب ، حدثنا هشيم جميعا عن عون به ، وشاهدا لجعل الإصبعين في الأذنين ، رواه أبو الشيخ عن محمد بن عمرو بن شهاب حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل بن عمرو ، حدثنا المفضل بن صدقة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عبد الله بن زيد ، فذكر حديثا رويناه ، وفيه : وجعل إصبعيه في أذنيه ، ونادى ، وقد روي ذلك أيضا في حديث أبي محذورة ، قاله ابن المنذر في كتاب الإشراف ، زاد صاحب الغاية في شرح الهداية : إنه ضم أصابعه في الأربع ، وجعلها على أذنيه ، وفي سنن الدارقطني من حديث كامل بن العلاء ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : أمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه . ففي هذا كما ترى رد لما قاله ابن خزيمة : لا يحفظ هذه اللفظة إلا عن حجاج ، ولما يزعمه الشافعيون ، وغيرهم أن الاستدارة لا تجوز ، وفي مصنف ابن أبي شيبة ، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين قال : إذا أذن المؤذن استقبل القبلة ، ووضع إصبعيه في أذنيه . وثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن ابن سيرين أنه كان إذا أذن استقبل القبلة ، وأرسل يديه ، فإذا بلغ : حي على الصلاة ، والفلاح أدخل إصبعيه في أذنيه ، وفي كتاب البيهقي : وروينا عن ابن سيرين : أن بلالا جعل إصبعيه في أذنيه في بعض أذانه ، وفي الإقامة ، وفي المستدرك عن ابن المبارك أنه كان إذا رأى المؤذن لا يدخل إصبعيه في أذنيه يصيح به ، وفي كتاب أبي نعيم الفضل : حدثنا سفيان عن أبي سنان ، عن سهل أبي أسد قال : من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك ، وحدثنا حسن بن صالح ، عن أبي سعد قال : رأيت سويد بن غفلة يدخل إصبعيه في أذنيه ، حدثنا حبان ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : قلت : أضع إصبعي في أذني إذا أذنت ؟ قال : نعم كلها ، أو أحدهما يجزيك ، وحدثنا مندل ، عن جعفر بن أبي المغيرة قال : كان سعيد بن جبير إذا أذن جعل إصبعيه في أذنيه ؟ قال : نعم ، وفي كتاب الإشراف : وبه قال الحسن ، وأحمد ، وإسحاق ، والنعمان ، ومحمد بن الحسن ، وقال مالك : ذلك واسع .

433

. 15 - حدثنا محمد بن المصفى الحمصي ، حدثنا بقية ، عن مروان بن سالم ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين : صلاتهم ، وصيامهم " . هذا حديث في إسناده مروان بن سالم ، وهو ضعيف ، متروك الحديث ماله عند أحد من الأئمة ، وفي كتاب المعرفة من حديث ابن المديني : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن يونس ، عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم ، وحاجتهم ، أو حاجاتهم " . وفي السنن للبيهقي : عن أبي محذورة ، قال - عليه السلام - : " أمناء المسلمين على صلاتهم ، وسجودهم المؤذنون " في سنده يحيى بن عبد الحميد ، وفيه كلام ، وفي صحيح أبي حاتم البستي من حديث نافع بن سليمان ، عن محمد بن أبي صالح ، عن أبيه أنه سمع عائشة تقول : قال - عليه السلام - : " الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن " ثم قال : سمع هذا الخبر أبو صالح ، من عائشة على حسب ما ذكرناه ، وسمعه من أبي هريرة مرفوعا ، فمرة حدث به ، عن عائشة ، وأخرى عن أبي هريرة ، وتارة وقفه عليها ولم يرفعه ، فأما الأعمش فإنه سمعه من أبي صالح ، عن أبي هريرة موقوفا ، وسمعه من سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وقد وهم من أدخل بين سهيل ، وأبيه فيه الأعمش ؛ لأن الأعمش سمعه من سهيل لا أن سهيلا سمعه من الأعمش ، كذا حكم بصحة هذين الحديثين ، وقد خالفه في ذلك غير واحد منهم : أبو عيسى ، بقوله : رواه الثوري ، وحفص بن غياث ، وغير واحد ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وروى أسباط ، عن الأعمش قال : حدثت ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وروى نافع بن سليمان ، عن محمد بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث ، وسمعت أبا زرعة يقول : حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح ، عن عائشة ، وسمعت محمدا يقول : حديث أبي صالح ، عن عائشة أصح ، وقال ابن المديني : لم يثبت حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، ولا حديث أبي صالح ، عن عائشة في هذا ، انتهى . السبب الموجب لضعف حديث " ، وحتى قال أحمد مما حكاه عنه الميموني : الأعمش ، عن أبي صالح منقطع ، وهذا ينبغي أن يؤول على حديث خاص سئل عنه أحمد : فيوضح ذلك قول عباس ، عن ابن معين : قال سفيان الثوري لم يسمع هذا الحديث الأعمش من أبي صالح ، وفي كتاب أبي داود : حدثنا أحمد ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا الأعمش ، عن رجل ، عن أبي صالح ، وحدثنا الحسن بن علي ، حدثنا ابن نمير ، عن الأعمش قال : نبئت عن أبي صالح ، ولا أراني إلا قد سمعته منه ، وذكر البلخي ، عن محمد بن الصباح أنه لم يسمعه من أبي صالح ، ولما ذكر ابن حبان في " صحيحه " خبر الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد : " يجاء بالموت كأنه كبش أملح " قال تنكبناه لأنه ليس بمتصل ، قال شجاع بن الوليد ، عن الأعمش : سمعتهم يذكرون عن أبي صالح ، فهذا كما ترى مدلس صرح بالانقطاع ، ودخول الواسطة ، فلا يقبل خبره إجماعا إلا على رأي من يرى قول ابن حبان سمع مثبت مقدم على من نفى ، وقال البيهقي : لم يسمعه من أبي صالح يقينا ، إنما سمعه من رجل عنه ، وقد رواه عن أبي صالح أيضا ، محمد بن جحادة ورواه أحمد في مسنده ، عن قتيبة ، عن الدراوردي ، عن سهيل ، عن أبيه به ، وهو إسناد على شرط مسلم ، ولا يعله ما رواه الطبراني ، عن فضيل بن محمد الملطي ، عن موسى بن داود الضبي ، عن زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة به ؛ لضعف هذا الإسناد . وأما سبب تضعيف حديث عائشة ؛ فلأن ، عن نافع ، عن محمد بن أبي صالح فذكر الحديث ، قال والأعمش رواه عن أبي صالح ، عن أبي هريرة فذكره قلت : فأيهما أصح ؟ قال : حديث الأعمش ، ونافع ليس بقوي . قلت : فمحمد هو أخو عباد وسهيل ؟ قال : كذا يروونه ، وذكر ابن عدي ، عن ابن معين أنه قال : محمد هذا لا أعرفه . قال أبو أحمد : هذا الذي قال ابن معين : لا أعرفه ، فإن كان صاحب حديث " الإمام ضامن " فإنه يرويه ، عن أبيه ، عن عائشة ، فإن علل معلل هذا الحديث فإنه لا يصح ؛ لأن أهل مصر رووه ، عن محمد ، عن أبيه ، عن عائشة ، ورواه سهيل ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، فالذي يصححه يقول : قد اتفق محمد ، وسهيل جميعا عن أبيهما ، وقال سهيل ، عن أبي هريرة : وهو الصحيح ، وقال محمد ، عن عائشة : ومن جعل محمدا أخا لسهيل فقد وهم ، وليس في ولد أبي صالح من اسمه محمد ، إنما هم : سهيل ، وعباد ، وعبد الله ، ويحيى ، وصالح ، ليس فيهم محمد - والله أعلم - ولقائل أن يقول : هذه شهادة على النفي فلا تقبل ، فيحتاج إلى ترجيح من خارج فنظرنا فإذا نحن قد وجدنا راويا عن محمد غير نافع ، وهو : ، حدثنيه ابن أبي مريم ، حدثنا موسى بن يعقوب ، حدثنا عباد بن أبي صالح ، وكذا ذكره الحافظ أبو بكر بن مردويه في كتاب " أسماء أولاد المحدثين " تأليفه ، ونسبه مدنيا ، ولما ذكره الفسوي في " تاريخه " عرفه بــ ( أخو سهيل ، وعباد ) ، قرأت على المسند المعمر شرف الدين أبي زكريا المقدسي - رحمه الله - عن العلامة بهاء الدين المقرئ ، عن الحافظ أبي طاهر البغوي قال : أنبأنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار في صفر سنة ست وثمانين وأربعمائة ، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي قراءة عليه ، أنبأنا أبو بكر محمد بن عدي بن علي بن عدي بن زحر ، حدثنا أبو عبيد الآجري في شهر جمادى الأول به خمس وعشرين ، حدثنا أبو داود بجميع كتاب " الإخوة الذين يروى عنهم الحديث " ، فذكر جماعة ، ثم قال : سهيل بن أبي صالح ، وصالح بن أبي صالح ، ومحمد بن أبي صالح ، وعباد ، ويقال : عبد الله بن أبي صالح ، وكذا ذكره الحافظ عبد الغني بن سعيد في كتاب " كنى الآباء والأجداد الغالبة على الأسماء " . وأبو زرعة الدمشقي في كتاب " الإخوة " من تأليفه ذكره كذلك ، فيتبين لك بمجموع ما سلف صحة هذين الحديثين ، وألا علة قادحة فيهما - والله تعالى أعلم - وحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعا : " الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن " الحديث ذكره ابن عدي في" الكامل " من حديث الكديمي ، عن أزهر ، عن ابن عون ، عن نافع عنه ، وحديث أنس بن مالك مرفوعا : " الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن " ذكره أيضا من حديث بقية ، عن ثور بن يزيد ، عن أبان عنه ، وقال : لم يجود إسناده غير ابن مصفى ، عن بقية ، عن ثور ، ورأيت غير ابن مصفى رواه عن بقية عمن حدثه ، عن أنس ، ومرسل الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن " الحديث ذكره البيهقي من حديث ابن أبي عدي ، أنبأنا يونس عنه ، وفي لفظ : " المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم ، وحاجتهم " ، وقال " حاجاتهم " قال : وقد روي ذلك ، عن يونس ، عن الحسن ، عن جابر ، وليس بمحفوظ ، وروي في ذلك ، عن أبي أمامة ، بمعنى ما رواه ، وهو حديث ابن المديني ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا أبو غالب : سمعت أبا أمامة فذكره بزيادة " والأذان أحب إلي من الإمامة " . وحديث أبي محذورة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمناء الناس على صلاتهم ، وسحورهم المؤذنون " رواه أيضا من حديث الحماني ، عن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن أبيه ، عن جده ، عنه وحديث ابن عمر يرفعه : " من أم قوما فليتق الله ، وليعلم أنه ضامن مسئول لما ضمن ، فإن أحسن كان له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، وما كان من نقص فهو عليه " . قال أبو القاسم في" الأوسط " : لم يروه عن أبي الجوزاء إلا أبو الفضل يحيى ، ولا عنه إلا المعارك بن عباد ، تفرد به يوسف بن الحجاج ، وحديث جابر يرفعه : " الإمام ضامن فما صنع فاصنعوا " ذكره أيضا ، وقال : لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد ، تفرد به الحميدي ، يعني عن موسى بن شيبة من ولد كعب بن مالك ، عن محمد بن كليب عنه .

434

18 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي ، عن أبي إسرائيل ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن بلال قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أثوب في الفجر ، ونهاني أن أثوب في العشاء . هذا حديث قال فيه البزار : لا نعلمه رواه عن الحكم إلا أبو إسرائيل ، وقال البيهقي في المعرفة : حديث بلال منقطع ورواه البزار بسند لا بأس به يصلح أن يكون شاهدا لحديث أبي إسرائيل بل هو أمتن منه ، لسلامته من الانقطاع ، ومن ابن عمارة ، عن علي بن حرب الموصلي ، حدثنا أبو مسعود عبد الرحمن بن الحسن الزجاج ، حدثنا أبو سعد ، عن ابن أبي ليلى ، عن بلال ، وقال : هذا الحديث لا نعلمه رواه عن أبي سعد إلا أبو مسعود يعني الراوي عنه يحيى بن آدم ، ويحيى بن عبد الحميد الحماني ، وعبد الله بن عمر بن أبان ، وأبو هاشم محمد بن علي ، وإسحاق بن عبد الواحد ، ومحمد بن عبد الله بن عمار ، وابن راهويه ، ومحمد بن أسباط ، وغيرهم ، وفيما ذكره أبو زكريا غير يزيد عن محمد بن إياس بن القاسم الأزدي في طبقات أهل الموصل ، ولما ذكره الخالديان في تاريخهما أحسنا عليه الثناء ، وقول أبي حاتم الرازي فيه : يكتب حديثه ، ولا يحتج به ليس تصريحا بضعفه الثاني : انقطاع ما بين عبد الرحمن ، وبلال ، نص على ذلك ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، وإليه أشار أيضا البزار في مسنده ، وقال البيهقي : هذا حديث مرسل ، ابن أبي ليلى لم يلق بلالا ، وأتبعه برواية يحيى بن جعفر ، عن علي بن عاصم ، أنبأنا عطاء بن السائب عن ابن أبي ليلى ، عن بلال ، وفي سؤالات مهنأ سألت يحيى ، وأبا خثيمة فقلت : حدثنا أحمد ، حدثنا علي بن عاصم فذكره فقالا : ليس بصحيح ، وقالا : ما روى هذا ثقة . فقلت : قال لي أحمد : هذا من السماع أعادها مرتين علي مصححا ، وسألت أحمد عنه فقال : منكر ، وفي سؤالات الميموني ، حدثنا أحمد أبو قطن قال : ذكر لشعبة الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن بلال الحديث فقال شعبة : لا والله ما ذكر أن ابن أبي ليلى ، ولا ذكر إسنادا ضعيفا قال : أظن شعبة لست أراه رواه ، عن عمران بن مسلم . 19 - وأما حديث سعيد بن المسيب ، عن بلال المذكور عند ابن ماجه بعد فمنقطع فيما بين سعيد وبينه ، وقد وقع لهذا الحديث شواهد غير ما أسلفناه ، من ذلك : ما أنبأنا به المسند المعمر أبو زكريا يحيى بن يوسف المقديسي - رحمه الله - أنبأكم العلامة بهاء الدين المصري ، عن الحافظ البغوي ، أنبأنا أبو رجاء الحلقاني ، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي علي أنبأنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ، حدثنا ابن صبيح ، حدثنا عبيد الله بن سعد ، حدثنا عمي ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، قال : ذكر الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن زيد قال : جاء بلال ذات غداة إلى صلاة الفجر ، فقيل له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نام فصرخ بأعلى صوته : الصلاة خير من النوم قال سعيد : فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر ، قال أبو الشيخ : وحدثنا عبدان ، حدثنا محمد بن موسى الحرشي ، عن أبي خلف الخزاز عن يحيى البكاء قال : قال ابن عمر : جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤذنه بصلاة الصبح ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أغفى ، فجاء بلال فقال : الصلاة خير من النوم فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اجعله في أذانك إذا أذنت لصلاة الصبح . وحدثنا إبراهيم بن علي الهاشمي ، حدثنا الزبير بن بكار ، حدثنا عبد الله بن نافع ، عن معمر بن عبد الرحمن مولى قسيط ، عن ابن قسيط ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمر بلالا أن يجعل في أذانه في الصبح الصلاة خير من النوم ، وفي لفظ : مروا أبا بكر يصلي بالناس يعني في مرض موته - صلى الله عليه وسلم - ولما خرجه الطبراني في الأوسط من حديث مروان بن ثوبان قاضي حمص ، حدثنا النعمان بن المنذر ، عن الزهري ، عن سعيد عنه ، قال : لم يروه عن الزهري ، إلا النعمان ، تفرد به مروان ، قال أبو الشيخ : وحدثنا عامر بن إبراهيم بن عامر ، حدثنا عمي ، عن جدي ، حدثنا عمرو بن صالح ، حدثنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما ، فقال : الصلاة خير من النوم فأقرت في صلاة الصبح . وفي كتاب الصحيح لابن خزيمة من حديث أبي أسامة ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك قال : من السنة إذا أذن المؤذن في أذان الفجر قال : الصلاة خير من النوم ، ولما ذكره البيهقي في الكبير قال : هذا إسناد صحيح ، ولفظ الدارقطني : خير من النوم مرتين . وفي كتاب أبي نعيم الفضل بن دكين ، حدثنا جعفر ، عن أشعث ، عن الحسن ، وهشام ، عن أبيه قال : جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليؤذنه بالصلاة ، فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم فتركت في صلاة الفجر . وحدثنا قيس ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : كان بلال يثوب في الفجر . وحدثنا شريك ، عن عمران بن مسلم ، عن سويد به ، وفي سنن البيهقي الكبير من حديث نعيم بن النحام : فنادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الصلاة خير من النوم . وفي سنن أبي الحسن البغدادي : حدثنا ابن مخلد حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني حدثنا وكيع عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر ، ووكيع عن سفيان عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال لمؤذنه : إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر ، فقل : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، قال أبو نعيم : حدثنا كيسان مولى هشام القردوسي قال : سمعت محمد بن سيرين يقول : الصلاة خير من النوم في آذان الفجر ، قال أبو نعيم : وسمعت سفيان يقول في أذان الفجر بعد الفلاح : الصلاة خير من النوم وحدثنا سفيان عمن سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : ما أحدثوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة . انتهى ، ولئن صح هذا عن ابن أبي ليلى أشكل على الحديث الأول ؛ لأنه هنا سماه بدعة ، وهناك رواه حديثا ، وهما لا يجتمعان ، اللهم إلا أن يريد بالتثوب ما ذكره أبو علي الطوسي ، عن إسحاق بن راهويه : التثويب شيء أحدثه الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة : قد قامت الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح . قال ابن المنذر : وهو قول النعمان ، وقال محمد بن الحسن : كان التثويب الأول بعد الأذان : الصلاة خير من النوم ، فأحدث الناس هذا التثويب ، وهو اختيار علماء الكوفة ، وهو حسن ، ويوضحه ما ذكره أبو نعيم ، حدثنا إسرائيل ، عن حكيم بن جبير ، عن عمران بن أبي الجعد قال : سمع الأسود مؤذنا يقول : الصلاة خير من النوم . بعدما أحث فقال : ويحك لا تزيدن في أذان الله شيئا . قال : إني سمعت الناس يقولون . قال : فلا تقول . وفي قول ابن المنذر : وهو قول النعمان . نظر لما حكاه قاض خان ، عن ابن شجاع عنه : التثويب الأول في نفس الأذان ، وهو : الصلاة خير من النوم ، مرتين ، والثاني فيما بين الأذان والإقامة ، وفي المحيط : محله في أذان الفجر بعد الفلاح ، قال الطحاوي : وهو قول الثلاثة . وفي المحلى : وقال الحسن بن حي : يثوب في العتمة ، ولا نقول به ؛ لأنه لم يأت مسند . انتهى ، وقد قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ، وفي كتاب أبي الشيخ من حديث الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن بلال ، قال - صلى الله عليه وسلم - : لا تثويب في شيء من الصلوات إلا الفجر . وفي حديث يعقوب بن حميد ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن ، عن عبد الله بن محمد بن عمار ، وعمار ، وعمر ابني حفص بن عمر بن سعد ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن بلال : أنه كان ينادي بالصبح فيقول : حي على خير العمل . فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل مكانها : الصلاة خير من النوم ، وترك : حي على خير العمل . قال البيهقي : وهذا اللفظ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما علم بلالا ، وأبا محذورة ، ونحن نكره الزيادة فيه . وقال ابن حزم : وقد صح عن ابن عمر ، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أنهم كانوا يقولون في أذانهم : حي على خير العمل . ولا نقول به ؛ لأنه لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهى . الشارع - صلى الله عليه وسلم - بين في نفس الحديث نسخه ، فلا حاجة بنا إلى النظر في صحته ، ولا ضعفه والله أعلم وفي كتاب البيهقي : كان علي بن الحسين يقول ذلك في آذانه ، ويقول : هو الأذان الأول ، وزعم الشيرازي في مهذبه أن الشافعي في الجديد كره التثويب قال : لأن أبا محذورة لم يحكه . انتهى ، وهو مردود بما قدمناه صحيحا من حديث أبي محذورة.

435

17 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا حفص بن غياث ، عن أشعث ، عن الحسن ، عن عثمان بن أبي العاص قال : كان آخر ما عهد إلي رسول الله ألا أتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا . هذا حديث قال فيه الترمذي : حسن . وخرجه الحاكم من جهة حماد بن سلمة ، عن الجريري ، عن أبي العلاء ، عن مطرف بن عبد الله عنه أنه قال : يا رسول الله ، اجعلني إمام قومي . قال : أنت إمامهم ، واقتد بأضعفهم ، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا . ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، ولما خرج مسلم حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن المسيب ، عن عثمان : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة الحديث ، وسكت عنه الإشبيلي مصححا له ، وثبته ابن المنذر ، ولفظ فضيل بن عياض ، عن أشعث بن سوار ، عن أبي الشيخ : آخر ما عهد إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قال : صل بأصحابك صلاة أضعفهم ، فإن فيهم الضعيف ، والكبير ، وذا الحاجة الحديث ، ولما ذكره الحميدي ، وابن أبي عمر العدني في مسنديهما عن فضيل لم ينسباه ، ولما صححه ابن حزم نسب أشعث إلى حمران ، وكأنه أشبه لضعف الأول ، وثقة هذا ، قال أبو الشيخ : حدثنا البغوي ، حدثنا شيبان ، حدثنا سلام بن مسكين ، عن يحيى البكاء قال : سمعت رجلا قال لابن عمر : إني لأحبك في الله . فقال له ابن عمر : إني لأبغضك في الله . فقال : سبحان الله ! أحبك في الله ، وتبغضني قال : نعم إنك تسأل على أذانك أجرا . زاد أبو نعيم ، وكان مؤذنا من مؤذني الكعبة ، وفي كتاب الصحابة لأبي نعيم من طريق العمي ، عن الحسن قال : حدثني خمسون صحابيا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الإقامة ، والأذان بأجر قال ابن حزم : وروينا عن وكيع ، عن المسعودي ، عن القاسم أن ابن مسعود قال : أربع لا يؤخذ عليهن أجر : القرآن ، والأذان ، والقضاء ، والمقاسم ، وقد جاء في حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أجر المعلمين ، والمؤذنين ، والأئمة حرام . وفي حديث ابن عمر : نهى - صلى الله عليه وسلم - عن التعليم ، والأذان بالأجرة ، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله ، والملائكة والناس أجمعين ، ولكنهما غير صحيحين حتى إن ابن الجوزي بالغ حتى ذكرهما في كتاب الموضوعات ، قال أبو محمد بن حزم : قال تعالى : لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ . وقال - صلى الله عليه وسلم - : إن دماءكم ، وأموالكم عليكم حرام فحرم تعالى أكل الأموال إلا بتجارة فكل مال حرام إلا ما أباحه نص ، أو إجماع مستيقن ، فلو لم يأت النهي ، عن أخذ الأجر على الأذان لكان حراما بهذه الجملة ، ولا يعرف لابن عمر في هذه القصة مخالف ، قال أكثر العلماء : وجاز أن يعطى على سبيل البر ، وهو قول أبي حنيفة ، وغيره ، وقال مالك : لا بأس بذلك قال ابن المنذر ، وقال الأوزاعي : ذلك مكروه ، ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال . وقال الشافعي : لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي - صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر : وبقول أبي حنيفة أقول . وقال الخطابي : أخذ الأجرة على الأذان مكروه في مذاهب أكثر العلماء ، ومنع منه ابن راهويه ، وقال الحسن : أخشى ألا تكون صلاته خالصة لله تعالى ، وفي مشكل أبي جعفر الطحاوي : قد قال قائل في هذا الحديث يعني حديث عثمان ما يدل على جواز أخذ الأجر على الأذان ، فكان جوابنا : أنه قد رأينا الأجرة ، قد تكون بالإجارات المعقودات قبل وجوب التي يستلزم المستأجر ، والأجير ، وقد تكون على المثوبات ، والتنويلات عليها لفاعلها ، وقد جاء القرآن العزيز بالمعنيين جميعا فقال في الإجارات المعقودات قبله : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ .والائتمار لا يكون إلا عند الاختلاف فيما تعقد الإجارات عليه ، وأما ما جاء بالأجر فيما سوى ذلك فقوله عز وجل : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ . وقوله تعالى : قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ . فكان ذلك على المثوبات على الأفعال لا على عقود إجارات كانت قبلها فكان قوله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان ما قد ذكرناه عنه في هذا الحديث قد يكون على الأجر الذي يجعل ثوابا ، وتنويلا ، كما يفعل الناس بمن يفعل الأفعال التي يحمدونه عليها من التأذين في مساجدهم ، وعمرانها ، واللزوم لها فينيلونهم على ذلك ما ينال أمثالهم ليدوموا على ذلك ، وتكون قوة لهم عليه لا بإجارات متقدمات على ذلك فيكون ذلك محمودا من فاعله ، ويكون من لا يقبل ذلك من المفعول ذلك بهم لعلمهم بالسبب الذي قصد من أجله بذلك إليهم أفضل من فعله ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان - رضي الله عنه - أن يتخذ مؤذنا أفضل المؤذنين ، وأعلاهم رتبة في الثواب على الأذان ، وترك التعوض عليه شيئا من الدنيا ، والقياس أيضا يمنع من استحقاق الأجر بالإجارات على الأذان ، وذلك أنا وجدنا الإجارات يملك بها المستأجر المنافع التي بذل الأجرة عليها للأجير ملكا تبين به منه ، وكان الأذان ، وما أشبهه من هذه الأشياء غير مقدور على ذلك فيها فكان القياس على ذلك ألا يجوز الإجارات عليها - والله أعلم - وتتبع ذلك عليه أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد بقوله : هذا الذي قاله الطحاوي قياس غير صحيح ؛ إذ ليس من شرط صحة الإجارة ، وجوازها أن يملك المستأجر منافع الأجير التي استأجره عليها أصل ذلك إجماعهم على جواز الاستئجار على بناء المسجد ، والإجارة على الأذان جائزة بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم ، ولم يخص أذانا من غيره

436

16 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة قال : كان بلال لا يؤخر الأذان ، عن الوقت ، وربما أخر الإقامة شيئا . هذا حديث لما رواه أبو عيسى في جامعه ، عن أحمد بن منيع ، عن سريج بن النعمان ، عن حماد بن سلمة ، عن سماك فيما ذكره ابن عساكر ، والمزي ، ولم أره في المكان الذي أشار إليه لم يتبعه كلاما ، وهو سند صحيح على رسم مسلم ، ولفظه في المستدرك ، وخرجه من حديث إسرائيل ، عن سماك : كان بلال يؤذن ثم يمهل ، فإذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج أقام . وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه إنما ذكر مسلم حديث زهير ، عن سماك : كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس ، ولا يقيم حتى يخرج ، فإذا خرج أقام متى يراه . ولفظ أبي الشيخ ، ورواه من حديث شريك : كان بلال يؤذن للظهر إذا دحضت الشمس ، وربما أخر الإقامة ، ولا يؤخر الأذان عن الوقت ، وشاهده : حديث علي بن أبي طالب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في المسجد حين تقام الصلاة ، فإذا رآهم قليلا جلس ثم صلى ، وإذا رآهم جماعة صلى . خرجه الحاكم من حديث داود بن رشيد ، عن الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع بن جبير ، عن مسعود - يعني ابن الحكم الزرقي - عنه وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وفي كتاب البيهقي من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز ، وأبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر مرسلا ، وإسناده جيد ، وحديث جابر بن عبد الله : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال : إذا أذنت فترسل في أذانك ، وإذا أقمت فاحدر ، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله ، والشارب من شربه ، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته والباقون شيوخ البصرة : وهذه سنة غريبة ، لا أعرف لها إسنادا غير هذا ، ولم يخرجاه ، وقال أبو عيسى : حديث جابر هذا لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، من حديث عبد المنعم ، وهو إسناد مجهول ، وبمثله قاله أبو علي الطوسي في أحكامه ، وقال البغوي : هذا حديث ضعيف الإسناد ، وهو في أدب الأذان حسن ، وقال البيهقي في الكبير : في إسناده نظر . انتهى ، وفي كلام الحاكم نظر في موضعين : الأول : قوله : ليس في إسناده مطعون فيه وأما ، وأما ، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط خرج فيه ، عن عبد المنعم بن نعيم الرياحي قال : حدثنا يحيى . فإن صحت هذه اللفظة يكون سمعه منه ، وعنه - والله أعلم الثاني : استغرابه هذه السنة ، وقد رواها علي بن أبي طالب عند الدارقطني من طريق عمرو بن شمر قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نرتل الأذان ، ونحدر الإقامة . ولما ذكره في الأوسط قال : لم يرو هذا الحديث ، عن عمرو بن شمر إلا أبو معاوية ، ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد ، وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم ، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز ، عن أبيه ، عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس قال : جاءنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : إذا أذنت فترسل ، وإذا أقمت فاحدر . رواه الثوري ، وشعبة ، عن مرحوم ، وحدثنا ابن أبي زرعة ، عن ابن أبي جعفر ، عن ابن عمر : أنه كان يرتل في أذانه ، ويجزم الإقامة . وحدثنا مسعر ، عن ابن أبي بكر بن حفص ، قال : كان ابن عمر يجزم الإقامة . وحديث عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أقام المؤذن ، وهو يأكل لم يقم حتى يفرغ من طعامه . رواه أبو القاسم في الأوسط ، عن أحمد بن محمد بن صدقة ، حدثنا أحمد بن سليمان الرهاوي ، حدثنا معاوية بن هشام ، حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن أبيه عنها ، وقال : لم يروه عن سفيان إلا معاوية . وحديث أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا بلال اجعل بين أذانك ، وإقامتك نفسا ، قدر ما يفرغ الآكل من طعامه على مهل ، ويقضي المعتصر حاجته في مهل وقال البيهقي : وقد روي عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وليس بمحفوظ ، وفي زيادات عبد الله في المسند أخبرنا حفص بن عمر الربالي ، حدثنا محمد بن راشد الضرير ، حدثنا معارك بن عباد ، عن يحيى الباهلي ، عن ابن بنت أبي الجوزاء ، عن أبي بن كعب ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبلال : اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يقضي المعتصر حاجته ، ويفرغ الآكل من طعامه . وحديث سلمان : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال : اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا حتى يقضي المتوضئ حاجته في مهل ، أو يفرغ الآكل من طعامه في مهل . ذكره أبو الشيخ من حديث المعارك بن عباد ، عن يحيى بن أبي الفضل ، أحسبه عن سلمان ، وفي السنن الكبير للبيهقي من حديث أبي النضر نحوه ، وحكم عليه بأن سنده جيد .

437

20 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يعلى بن عبيد ، ثنا الإفريقي ، عن زياد بن نعيم ، عن زياد بن الحارث الصدائي قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأمرني فأذنت ، فأراد بلال أن يقيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخا صداء أذن ، ومن أذن فهو يقيم . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : إنما نعرفه من حديث الإفريقي ، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه القطان وغيره ، وقال أحمد : لا أكتب حديثه . ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ، ويقول : هو مقارب الحديث . وبنحوه ذكره أبو علي الطوسي في أحكامه ، ولما ذكر أبو حاتم بن حبان زيادا في كتاب الصحابة وصفه بالتابعية ، ثم قال : إلا أن الإفريقي في إسناد خبره . وقال الحافظ أبو العرب في كتاب الطبقات : إن سفيان الثوري قال : لم يرفع هذا الحديث أحد غير ابن زياد ، ورده أبو محمد الإشبيلي في الكبرى بابن أنعم ، وفي الوسطى وذكره عبد الرازق ، عن زياد ، وفيه : فأذنت على راحلتي ، قال : وفيه أيضا الإفريقي ، ولما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار قال : هذا حديث تفرد به الإفريقي ، وليس بحجة عندهم ، وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعد الكوفي في كتاب التفرد : إن أهل مصر تفردوا به ، وكذا ذكره أبو داود في كتاب التفرد ، وقال الخزرجي في كتابه تقريب المدارك ، وذكره : في إسناده الإفريقي ، وهو ضعيف ، متفق على ضعفه ، وأشار البيهقي في المعرفة إلى عدم ثبوته ، وقال أبو محمد بن حزم : وجائز أن يقيم غير الذي أذن لأنه لم يأت عن ذلك نهي يصح ، والأثر المروي : من أذن يقيم . إنما جاء من طريق الإفريقي ، وهو هالك . انتهى ، أما من زعم أنه حديث تفرد به الإفريقي ، فيشبه أن يكون وهما ، وكذا من قال : تفرد به أهل مصر ؛ لما ذكره الحافظ أبو منصور ، ومحمد بن سعد بن محمد بن سعد الباوردي في كتاب الصحابة - تأليفه - حدثني إبراهيم بن ميمون بن إبراهيم ، ثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا محمد بن عيسى بن جابر الرشيدي قال : وحديث في كتاب أبي بخط يده ، عن عبد الله بن سليمان ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكر بن سوادة ، عن زياد بن نعيم الحضرمي ، عن زياد الصدائي ، فذكره مطولا ، ولما ذكره العسكري في كتاب الصحابة : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا علي بن عبيد العسكري ، حدثنا أيوب بن سليمان ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن عبد الغفار بن ميسرة ، عن رجل ، عن زياد الصدائي ، فذكره مختصرا : إنما يقيم من أذن . وفي قول ابن حبان : إلا أن في إسناد خبره - يعني خبر صحبته الإفريقي - نظر لما أسلفناه . ولما ذكره أيضا الحافظ أبو نعيم في كتاب الصحابة : حدثنا محمد بن علي بن حبيش ، حدثنا محمد بن القاسم بن هاشم ، حدثنا أبي ، حدثنا قريش بن عطاء ، حدثنا سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن جده ، عن زياد بن الحارث الصدائي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من طلب العلم تكفل الله برزقه . [ ولأن بقي بن مخلد ذكر له حديثا آخر ٍ] ، وأما قول ابن الحصار ، وهو يعني الإفريقي : متفق على ضعفه . ففيه نظر ؛ لما أسلفناه قبل من تقوية البخاري أمره ، ومن السبب الموجب للكلام فيه ، وبيان فساده ، وأنه صادق فيما ادعاه من روايته ، عن مسلم بن يسار ، وقال أبو الحسن بن القطان : ومن الناس من يوثقه ، ويربأ به عن حضيض رد الرواية . وقال الخليلي في الإرشاد : منهم من يضعفه ، ومنهم من يلينه . وذكر الحافظ أبو عمر المنتجيلي في تاريخه : أن ابن معين قال : لا بأس به . وذكر محمد بن أحمد بن تميم في كتاب طبقات أهل إفريقية : أن سحنون وثقه ، وكذلك قاله أحمد بن صالح العجلي الحافظ في تاريخه ، وزاد : وينكر على من تكلم فيه . وأما قول الحازمي : هذا حديث حسن - يعني حديث الصدائي هذا - فعمدته تخريج أبي داود له من غير أن يتبعه كلاما ، وخرجه الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن قديد في كتاب الصحابة مطولا ، وفيه : تفجر الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم وقال المقدسي : هو خبر مشهور ، وفي الباب غير ما حديث ، خلافا لقول أبي عيسى : وفي الباب حديث ابن عمر . يعني بذلك ما رواه أبو الشيخ ، عن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن علي العمري ، حدثنا معلى بن مهدي ، حدثنا سعيد بن راشد ، عن عطاء ، عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يقيم من يؤذن . قال مهنأ : سألت أبا عبد الله عنه فقال : ليس بصحيح . قلت : لم ؟ قال : من سعيد بن راشد . وضعف حديثه ، وفي كتاب العلل للخلال : أن ابن معين قال : سعيد السماك الذي يروي : من أذن فهو يقيم ليس بشيء . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث قال : هذا حديث منكر ، وسعيد متروك الحديث . وبنحوه قاله ابن عدي في كامله ، وقال البيهقي في الكبير : تفرد به سعيد ، وهو ضعيف . وقال في موضع آخر - وذكر حديث الصدائي - : وله شاهد من حديث ابن عمر ، وفي إسناده ضعف ، وحديث عبد الله بن عباس قال : - صلى الله عليه وسلم - : من أذن فهو الذي يقيم . رواه أبو أحمد في كامله من حديث محمد بن الفضل بن عطية ، عن مقاتل بن حيان ، عن عطاء عنه ، وقال : هذا من هذه الطريق يرويه محمد بن الفضل ، وهو متروك الحديث . وحديث حيان بن بح ذكر أبو سعيد بن يونس في تاريخه أنه مثل حديث زياد بن الحارث . قال البيهقي : وله شاهد بسند صحيح ، عن عبد العزيز بن رفيع قال : رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن إنسان قبله ، فأذن ثم أقام . وقد ورد حديث يعارض هذا ، ذكره أبو داود في سننه ، عن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا حماد بن خالد ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن محمد بن عبد الله ، عن عمه عبد الله بن زيد ، فذكر حديث رؤيا الأذان ، وفيه قال عبد الله : أنا رأيته ، وأنا كنت أريده قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فأقم أنت . وحدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا ابن مهدي ، نا محمد بن عمرو ، سمعت عبد الله بن محمد شيخ من أهل المدينة قال : كان جدي عبد الله بن زيد بهذا الخبر ، قال : فأقام جدي . قال ابن عبد البر : هذا أحسن إسنادا من حديث الإفريقي ، ومن جهة النظر ليست الإقامة مضمنة بالأذان ، فجائز أن يتولاها غير متولي الأذان ، وقد أسلفنا حديث عبيد الله بن زيد أخي عبد الله ، أول من عند أبي موسى ، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال : في إسناده ومتنه اختلاف ، وإنه كان في أول ما شرع الأذان ، وحديث الصدائي بعده . وقال في الكبير : إن البخاري قال : فيه نظر ، قال : وكان أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه يضعف هذا الحديث . قال البيهقي : ولو صح هذا ، وحديث الصدائي كان الحكم لحديث الصدائي ؛ لكونه بعد هذا - والله أعلم - وقال الحازمي : هذا حديث حسن ، وفي إسناده مقال ، وحديث الصدائي أقوم إسنادا منه ، وقال أبو محمد عبد الحق : إقامة عبد الله بن زيد ليست تجيء من وجه قوي فيما أعلم ، قال أبو الحسن بن القطان : علة هذا الخبر ضعف محمد بن عمرو الواقفي ، وإنه لا يساوي شيئا ، وعبد الله بن محمد الذي اضطرب فيه ، فقيل : محمد بن عبد الله ، وكلاهما لا تعرف حاله ، انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : عبد الله بن محمد غير مجهول لرواية أبي العميس عتبة بن عبد الله ، ومحمد بن سيرين ، ومحمد بن عمرو الأنصاري عنه ، ولذكر ابن حبان له في كتاب الثقات ، الثاني : تفسيره محمد بن عمرو الراوي عنه بالواقفي ، وهو بصري ، وزعم غير واحد منهم : ابن سرور بأن الراوي لهذا الحديث شيخ مدني ، فدل أنه غير الواقفي . الثالث : إعراضه عن علة في هذا الحديث قادحة ، وهي انقطاع ما بين عبد الله بن محمد ، وبين جده فإن ابن حبان ، وأبا حاتم الرازي ، وصفاه بالرواية ، عن أبيه ، عن جده ، ولم يتعرض أحد لسماعه من جده فيما أعلم فصار الحديث لهذا منقطعا ، وذكره أبو الشيخ من حديث محمد بن عبيد الله ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : أول من أذن في الإسلام بلال ، وأول من أقام عبد الله بن زيد الحديث . وأما قول الحازمي فتناقضه ظاهر - والله أعلم - وفي حديث شريك ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : قال - صلى الله عليه وسلم - : المؤذن أملك بالأذان ، والإمام أملك بالإقامة . وبنحوه حديث المعارك بن عباد ، عن يحيى بن أبي الفضل ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عمر ، ذكرها أبو الشيخ ، وقال البيهقي : حديث أبي هريرة ليس بمحفوظ . وفيهما ترجيح لحديث عبد الله بن زيد ، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم . وفي حديث ابن مسعود عنده : قال - صلى الله عليه وسلم - : لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال ، عن سحوره ، فإنه يؤذن - أو ينادي - ليرجع قائمكم ، ولينبه نائمكم . وفي حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم . ولم يكن بينهما إلا قدر ما يرقى هذا ، وينزل هذا . وفي حديث أنيسة بنت خبيب : قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا ، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ، ولا تشربوا . فإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال : أمهل حتى أفرغ من سحوري . قال الإمام أبو بكر : هذا خبر اختلف فيه خبيب بن عبد الرحمن ، رواه شعبة عنه ، عن عمته أنيسة ، فقال : إن ابن أم مكتوم ، أو بلالا ينادي بليل فخبر أنيسة قد اختلفوا فيه في هذه اللفظة ، ولكن قد روى الدراوردي ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة مثل خبر منصور بن زاذان في هذه اللفظة : إن ابن أم مكتوم ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال . وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر . وروى شبيها بهذا المعنى أبو إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة قال : قلت لها : أي ساعة توترين ؟ قالت : ما أوتر حتى يؤذنوا ، وما يؤذنون حتى يطلع الفجر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا ، فإذا أذن بلال فارفعوا أيديكم ، فإن بلالا لا يؤذن حتى يصبح . قال : ولكن خبر أبي إسحاق فيه نظر ؛ لأني لا أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من الأسود ، فأما خبر هشام بن عروة فصحيح من جهة النقل ، وليس هذا الخبر يضاد خبر سالم ، عن ابن عمر ، وخبر القاسم ، عن عائشة ؛ إذ جائز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان جعل الأذان بالليل نوبتين بين بلال ، وبين ابن أم مكتوم ، فأمر بلالا أن يؤذن أولا بالليل ، فإذا نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار ، فإذا جاءت نوبة عمرو بدأ ابن أم مكتوم فأذن بليل ، فإذا نزل صعد بلال بعده بالنهار ، وكان مقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن بلال يؤذن بليل . في الوقت الذي كانت النوبة لبلال في الأذان بالليل ، وكانت مقالته - صلى الله عليه وسلم - : إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل . في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم الناس في كلا الوقتين أن أذان الأول منهما هو أذان بليل لا نهار ، وأن أذان الثاني بالنهار لا بالليل ، فأما خبر الأسود ، عن عائشة : وما يؤذنون حتى يطلع الفجر . فإن له معنيين أحدهما : لا يؤذن جميعهم حتى يطلع الفجر ، لا أنه لا يؤذن أحد منهم ، ألا تراه قد قال في الخبر : إذا أذن عمرو فكلوا واشربوا . ولو كان عمرو لا يؤذن حتى يطلع الفجر لكان الأكل والشرب على الصائم بعد أذان عمرو محرمين ، والمعنى الثاني : أن تكون عائشة أرادت حتى يطلع الفجر الأول ، فيؤذن الثاني منهم بعد طلوع الفجر الأول لا قبله ، وهو الوقت الذي يحل فيه الطعام والشراب - والله أعلم وفي كتاب البيهقي ، عن أبي عبد الله ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال : فإن صح رواية أنيسة فقد يجوز أن يكون الأذان نوبا بينهما ، وهذا جائز صحيح ، فإن لم يصح فقد صح خبر ابن عمر ، وابن مسعود ، وسمرة ، وعائشة : أن بلالا كان يؤذن بليل . وصحح ابن حبان الحديثين ، وقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل الأذان بينهما نوبا . إلى آخره ، واستدرك ذلك عليه الحافظ ضياء الدين في كتاب علله بأن ابن خزيمة شيخه إنما قال : هذا من باب الجواز لا النقل ، ولقائل أن يقول : لعل ابن حبان ظفر في هذا بنقل لم يظفر به غيره ، فلا يحسن الإيراد عليه - والله أعلم - اللهم إلا لو عزا ذلك لابن خزيمة لحسن ، وسيأتي هذا - إن شاء الله تعالى - بمزيد بيان في كتاب الصوم ، وقد ذهب أبو حنيفة أنه لا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها ، وتعاد في الوقت مستدلا بحديث حماد بن سلمة من عند أبي داود ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع فينادي : ألا إن العبد نام . فرجع فنادى : إن العبد نام . قال أبو داود : ولم يروه عن أيوب إلا حماد . وذكر أبو حاتم الرازي أنه خطأ ، وذكر المروذي أنه قال : في الدنيا أحد روى هذا الحديث . وكان يذكر غلط حماد هذا ، ويفضحه والصحيح : أيوب ، عن ابن سيرين ، وحميد بن هلال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال هذا الكلام ، وذكر الترمذي ، عن علي ابن المديني أنه قال : حديث حماد بن سلمة - يعني هذا - غير محفوظ ، وأخطأ فيه . انتهى ، وبيان خطئه من ، وجوه : الأول : رواية أبي داود ، عن أيوب بن منصور ، حدثنا شعيب بن حرب ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، أنبأنا نافع ، عن مؤذن لعمر يقال له : مسروح : أنه أذن قبل الصبح فأمره عمر ، فذكره ، قال الترمذي : وهذا لا يصح ؛ لأنه منقطع فيما بين نافع ، وعمر ، قال أبو داود : ورواه حماد بن زيد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع - أو غيره - أن مؤذنا لعمر ، ورواه الدراوردي ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان لعمر مؤذن يقال له : مسعود ، وهذا أصح من ذلك . الثاني : المعارضة التي أشار إليها أبو عيسى بقوله : الصحيح رواية عبيد الله ، وغير واحد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، والزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن بلالا يؤذن بليل قال : ولو كان حديث حماد بن سلمة صحيحا لم يكن لهذا الحديث معنى ، إذ قال - صلى الله عليه وسلم - : إن بلالا يؤذن بليل . وإنما أمرهم فيما يستقبل فقال : إن بلالا يؤذن بليل ، ولو أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل : إن بلالا يؤذن بليل ، وذكره أبو حاتم الرازي بنحوه ، وقال الأثرم :فأما حديث حماد فإنه خطأ معروف من خطئه ، وإنما أصل الحديث ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن مؤذنا لعمر أذن بليل ، وفي الخلافيات : ، وأما مسلم فإنه اجتهد ، وأخرج من أحاديثه : عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره ، وما سوى حديثه ، عن غير ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثا أخرجها في الشواهد ، وإذا كان الأمر على هذا فالاحتياط لمن راقب الله تعالى ألا يحتج بما يجد في حديثه ما يخالف الثقات ، وهذا من جملتها . انتهى ، وقد روى الدارقطني في سننه ما يصلح أن يكون شاهدا لحديث حماد ، وفيه ضعف من حديث أبي يوسف القاضي ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس : أن بلالا أذن قبل الفجر ، فذكره ، قال أبو الحسن : أرسله غير أبي يوسف ، عن سعيد ، عن قتادة ، والمرسل أصح ، وما رواه محمد بن القاسم الأسدي ، حدثنا الربيع عن صبيح ، عن الحسن ، عن أنس قال : أذن بلال فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد ، وقال محمد بن القاسم : ضعيف جدا ، وما رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن امرأة من بني النجار قالت : كان بيتي من أطول بيت حول المسجد ، فكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر ، فإذا رآه تمطى ثم قال : اللهم إني أحمدك . قال ابن القطان إثره : الصحيح الذي لا اختلاف فيه : إن بلالا يؤذن بليل ، وصحح ابن القطان هذا الحديث ، قال : ولا تعارض بينهما إلا بتقدير أن يكون قوله : إن بلالا يؤذن بليل في سائر العام . وليس كذلك ، إنما كان في وقتين ، يؤيده في الحديث : فكلوا ، واشربوا . والذي يقال في هذا الخبر : إنه حسن ، وما رواه الدبري عند الدارقطني ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب قال : أذن بلال مرة بليل ثم ما رواه عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل الفجر فغضب النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ، قال أبو الحسن : وهم فيه عامر بن مدرك ، عن عبد العزيز ، والصواب : عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز ، عن نافع ، عن مؤذن عمر عن عمر من قوله ، وما رواه من جهة حميد بن هلال مرسلا بسند صحيح أن بلالا أذن ليلة بسواد ، قال البيهقي في الخلافيات : رواه إسماعيل بن مسلم ، عن حميد ، عن أبي قتادة ، وحميد لم يلق أبا قتادة فهو مرسل بكل حال ، وما رواه أبو داود من حديث جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تؤذن حتى يستبين الفجر رواه الثوري ، عن جعفر ، ومن جهته أخرجه ابن منده ، ورواه سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، عن جعفر ، واعترض الأثرم : بأن إسناده مجهول ومنقطع ، يعني أن شدادا لم يدرك بلالا فيما قاله أبو داود ، وما رواه البيهقي من طريق الحسن بن عمارة ، عن طلحة بن مصرف ، عن سويد بن غفلة ، عن بلال قال : أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا أؤذن حتى يطلع الفجر . قال : وابن عمارة متروك ، وما رواه هارون ، عن حجاج ، عن عطاء ، عن أبي محذورة : أنه كان لا يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يطلع الفجر ، قال الأثرم : حديث ضعيف ، وما رواه البيهقي من جهة أبي بكر النيسابوري : حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن بلالا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما حملك على ذلك ؟ قال : استيقظت ، وظننت أن الفجر طلع . ولما ذكر أبو حاتم هذا في علله لم يقل إثره إلا ابن أبي محذورة شيخ ، وما رواه الطحاوي من حديث محمد بن بشر ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس يرفعه : لا يغرنكم أذان بلال ، فإن في بصره شيئا ، قال الطحاوي : فأخبر في هذا الإسناد أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر ، وليس في الحقيقة بفجر ، قال : وقد روينا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن بلالا يؤذن بليل وقد روي عن السلف ما يوافق هذا والله أعلم

438

24 - حدثنا محمد بن رمح ، أنبأنا الليث بن سعد ، عن الحكيم بن عبد الله بن قيس ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن سعد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد ألا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا غفر الله له ذنبه . وقال الترمذي : صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد ، عن الحكيم . وفي ذلك نظر ؛ لأن الطحاوي رواه عن روح بن الفرج ، عن سعيد بن كثير بن عفير ، عن يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن الحكيم به ، وزاد من قال : حين يسمع المؤذن يتشهد . وبنحوه ذكره أبو حاتم الرازي في كتاب العلل ، وأما تخريج الحاكم له في كتابه فلا يصلح لكونه في مسلم كما بيناه ، ولفظ ابن خزيمة : من سمع المؤذن يتشهد فالتفت في وجهه ، فقال : أشهد ألا إله إلا الله . وفي آخره غفر له ما تقدم من ذنبه .

439

7 - باب ما يقال إذا أذن المؤذن 21 - حدثنا أبو إسحاق الشافعي إبراهيم بن محمد بن العباس ، حدثنا عبد الله بن رجاء المكي ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن المؤذن فقولوا مثل قوله . هذا حديث قال فيه الآجري : سمعت أبا داود يقول : سئل أحمد بن صالح عنه ؟ فقال : الحديث حديث عطاء ، عن أبي سعيد ، ولما ذكره الترمذي قال : ورواه مالك ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد الآتي بعده أصح ، وقال البزار : هو الصواب ، وزعم أبو أحمد بن عدي أن ابن إسحاق لم يضبط ، وقال ابن عساكر : رواه غير عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن عطاء ، وهو المحفوظ ، ولما سئل أبو حاتم عنه قال : قد اتفق ثقتان على عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، وهو أشبه ، وقال أبو علي الطوسي : روى عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري هذا الحديث ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ورواية مالك أصح يعنون بذلك عصب الجناية برأس ابن إسحاق المعروف بعباد القرشي العامري مولى بني عامر بن ثور المدني ، ويقال : الثقفي نزيل البصرة الراوي عنه جماعة منهم : ابن علية ، وبشر بن المفضل ، ويزيد بن زريع ، وحماد بن سلمة ، وخالد الطحان ، ومسلم بن خالد ، وابن طهمان ، وهو وإن كان أحمد بن حنبل قد قال فيه : يروي عن أبي الزناد أحاديث منكرة ، ليس به بأس ، قال أبو طالب : فقلت له : إن يحيى بن سعيد قال : سألت عنه بالمدينة فلم يحمدوه فسكت . وقال العجلي : يكتب حديثه ، وليس بالقوي . وفي كتاب العقيلي : كان القطان لا يستمرئه ، وقال ابن عدي : في حديثه بعض ما ينكر ، ولا يتابع عليه ، والأكثر منه صحاح ، وهو صالح الحديث ، فقد قال فيه ابن سعد : هو أثبت من عبد الرحمن أبي شيبة في الحديث ، وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله : عبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال : أما ما كتبنا من حديثه فصحيح ، وفي رواية الميموني عنه : صالح ، وفي رواية ابن زنجويه : مقبول . وفي كتاب العقيلي : ليس به بأس ، وفي كتاب الألقاب للشيرازي ، قال أبو عبد الله محمد بن حفص بن عمرو الفارسي : عباد حسن الحديث ، وقال البخاري : هو مقارب الحديث ، وقال يزيد بن زريع : ما جاء من المدينة أحفظ منه ، وقال يحيى بن معين : هو ثقة ، صالح الحديث ، وقال يعقوب بن سفيان : ليس به بأس . وقال ابن خزيمة : لا بأس به . وخرج أبو الحسين حديثه في صحيحه على سبيل الاحتجاج نص على ذلك عبد الغني والصريفيني ، وعين ذلك في الطب ، واللالكائي ، والحبال خلافا لقول الحاكم لم يحتجا ولا واحد منهما به ، ثم خرج حديثه ، وصححه ، وقال في المدخل : خرجا له في الشواهد ، وهو شيء لم أره لغيره ، وقال الساجي : هو مدني صدوق ، وذكره البستي في كتاب الثقات ، وقال : كان متقيا جدا ، وقال أبو الفرج البغدادي : رواياته لا بأس بها ، وصحح له أبو عيسى غير ما حديث ، ثم إنا أردنا أن نعرف السبب الموجب لعدم حمد أهل المدينة له فوجدناه متهما بالقدر من غير دعاء إليه ، قال علي بن المديني فيما حكاه اللالكائي : سمعت ابن عيينة يسأل عن عباد بن إسحاق فقال : كان قدريا فنفاه أهل المدينة ، فحدثنا هاهنا مقتل الوليد فلم نجالسه ، وقالوا : إنه قد سمع الحديث فلما وقفنا على السبب ، وجدناه غير مؤثر في العدالة لاسيما مع ما ذكرناه ، ولأنه لم يرم بقادح ، ولا معضل ، وإن عابه من تكلم فيه جاء عنه خلاف ذلك ، إما في رواية أخرى ، أو في نفس الكلام ، وإنه ممن يحتمل التفرد لحفظه ، وإتقانه ، وقد وجدنا لحديثه شاهدا ذكره البستي في صحيحه من حديث بكير بن الأشج ، عن علي بن خالد الذهلي ، عن النضر بن سفيان الدؤلي سمع أبا هريرة يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بلال ينادي ، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال مثل هذا يقينا دخل الجنة . وخرجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه هكذا ، وفي كتاب الدعاء للطبراني من حديث ابن أبي فديك ، عن هارون ، عن الأعرج عنه قال - صلى الله عليه وسلم - : من الجفاء أن تسمع المؤذن ، ولا تقول مثل ما يقوله . وفي كتاب أبي الشيخ ، عن إبراهيم بن محمد بن الحسن ، عن أحمد بن الوليد ، عن ابن أبي فديك ، عن هارون بن هارون التيمي ، عن الأعرج عنه مرفوعا : أربع من الجفاء : أن يبول الرجل قائما ، أو يكثر مسح جبينه قبل أن يفرغ من صلاته ، أو يسمع المؤذن يؤذن فلا يقول مثل ما يقول ، أو يصلي بسبيل من يقطع صلاته يعني الطريق ، ومن حديث محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا عصام بن خالد ، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة قال : كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان أحدهما لا يكاد يفارقه ، ولا يعرف له كثير عمل ، وكان الآخر لا يكاد يرى ، ولا يعرف له كثير عمل فيه ، وأما الآخر فمات فقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : هل علمتم أن الله تعالى أدخل فلانا الجنة ؟ قال : فعجب القوم ، فإنه كان لا يكاد يرى فقام بعضهم إلى امرأته ، فسألها عن عمله ؟ فقالت : ما كان في ليل ، ولا نهار يسمع المؤذن يقول : أشهد ألا إله إلا الله إلا قال مثل قوله ثم قال : أقر بها ، وأكفر من أبى ، وإذا قال : أشهد أن محمدا رسول الله قال مثل هذا فقال الرجل : بهذا دخل الجنة . وفي كتاب الفضائل لابن زنجويه من حديث الإفريقي ، عن سلامان الشعباني ، عن أبي عثمان الأصبحي عنه أنه قال : للمؤذن على من حضر معه الصلاة بأذانه عشرون ومائة حسنة ، فإن أقام فأربعون ومائتا حسنة إلا من قال مثل ما يقول .

440

22 - حدثنا شجاع بن مخلد أبو الفضل ، حدثنا هشيم ، أنبأنا أبو بشر ، عن أبي مليح بن أسامة ، عن عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان ، حدثتني عمتي أم حبيبة : أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا كان عندها في يومها وليلتها ، فسمع المؤذن يؤذن قال كما يقول المؤذن . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ : كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت، وقال فيه أبو عبد الله بن البيع : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح ، وفي كلامه نظر من حيث إن عبد الله بن عتبة لم يخرجا له ، ولا واحد منهما ، ولا نعرف له راويا غير أبي المليح ، ورواه النسائي ، وابن أبي شيبة في مسنده من حديث أبي المليح عنها بغير واسطة ، والأول هو الصواب ، وفي مسند السراج : كما يقول المؤذن ، ثم يسكت . وفي كتاب أبي الشيخ بن حيان : حتى يفرغ المؤذن

441

23 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب ، حدثنا زيد بن الحباب ، عن مالك بن أنس ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم من حديث مالك ، وفي كتاب الذخيرة : أن المغيرة بن سقلاب رواه عن مالك ، فزاد في إسناده سعيد بن المسيب ، مقرونا بعطاء ، قال ابن عدي : وذكر سعيد في هذا الإسناد غريب ، لا أعلم يرويه عن مالك غير مغيرة ، وهو ضعيف ، وفي التمهيد : ورواه مسدد ، عن يحيى القطان ، عن مالك ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أبو عمر : وذلك خطأ من كل من رواه بهذا الإسناد عن مسدد ، أو غيره . وفي كتاب الأطراف لأبي العباس أحمد بن محمد بن عيسى الداني الحافظ : ورواه عمرو بن مرزوق ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أنس ، وذلك وهم . وذكر الدارقطني في كتاب الموطآت : إن لفظ عبد الرزاق ، عن مالك : فقولوا مثل ما يقول المنادي . وقال ابن مهدي ، وابن المبارك : كما يقول المؤذن . وقال عثمان بن عمر : مثل ما يقول المنادي . وقال محمد بن مصعب : من سمع المؤذن ، أو المنادي فليقل مثل ما قال . وأغفل - رحمه الله - لفظ ابن ماجه من طريق زيد بن حباب ، ولفظ خالد بن مخلد القطواني عند الطوسي : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول . وخرجه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في مسنده من حديث عثمان بن عمر ، وابن مهدي ، ويحيى بن سعيد ، وروح بن عبادة ، عن مالك بلفظ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول . ورأيت حاشية بخط بعض الفضلاء على كتاب التقصي ، عن ابن وضاح : ذكر المؤذن هنا ليس من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم

442

25 - حدثنا محمد بن يحيى ، والعباس بن الوليد الدمشقي ، ومحمد بن أبي الحسين ، قالوا : حدثنا علي بن عياش الألهاني ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة ، والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه بلفظ : حلت له شفاعتي . وقال الترمذي فيه : حسن غريب من حديث ابن المنكدر ، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب . وقال أبو القاسم في الصغير : لم يروه عن ابن المنكدر إلا شعيب ، تفرد به علي بن عياش ، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد . وفيه نظر من حيث إنه ذكره من حديث ابن لهيعة ، عن أبي الزبير عنه في كتاب الأوسط ، وقال : لم يروه عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة ، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد ، ولفظ أحمد في مسنده : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، صل على محمد ، وارض عني رضا لا تسخط بعده ، من قاله استجاب الله له . ولفظه في كتاب الألقاب للشيرازي : أسألك أن تعطي محمدا الوسيلة ، وأن تبعثه المقام المحمود الذي وعدته . وفي الباب غير ما حديث من ذلك حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا قال المؤذن : أشهد ألا إله إلا الله . قال : أشهد ألا إله إلا الله . وإذا قال : أشهد أن محمدا رسول الله . قال : وأنا ، ثم يسكت رواه أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفرائيني في صحيحه ، عن الربيع بن سليمان ، عن الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن طلحة بن يحيى ، عن عيسى بن طلحة ، وهو عمه عنه ، قال : وحدثنا محمد بن عبد الحكم ، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد ، عن حيوة ، عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عيسى بن طلحة ، عن معاوية : أن المنادي نادى بالصلاة فقال : الله أكبر ، الله أكبر . فقال معاوية : الله أكبر ، الله أكبر . فقال المنادي : أشهد ألا إله إلا الله . فقال معاوية : وأنا . فقال المؤذن : أشهد أن محمدا رسول الله فقال معاوية : وأنا ، هكذا سمعت أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا سمع المنادي . وفي كتاب الطحاوي من حديث هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عيسى به ، زاد : حتى بلغ : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم قال يحيى : وحدثني رجل أن معاوية لما قال ذلك قال : هكذا سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول . وفي كتاب الإسماعيلي الصحيح ، وخرجه من حديث ابن ماجه ، عن الحسن بن حماد ، ويعقوب ، عن ابن علية ، عن هشام فلما قال : حي على الصلاة . قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم قال : هكذا سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول . وكذا هو في كتاب النسائي ، عن محمود بن خالد ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى من غير ذكر واسطة ، وكذا خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، عن يعقوب الدورقي ، حدثنا ابن علية ، عن هشام ، وحدثنا عبد الجبار بن العلاء ، حدثنا حرملة يعني : ابن عبد العزيز ، حدثني أبي ، عن محمد بن يوسف مولى عثمان ، عن معاوية مرفوعا ، وحدثنا بندار ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا محمد بن عمر ، وحدثني أبي ، عن جدي : كنت عند معاوية فذكره مرفوعا ، وخرجه البخاري في صحيحه إثر حديث أبي سعيد ، عن معاذ بن فضالة ، حدثنا هشام ، عن يحيى ، عن محمد ، حدثني عيسى ، سمع معاوية يوما فقال مثل قوله إلى قوله : وأشهد أن محمدا رسول الله . قال : وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا هشام ، عن يحيى مثله ، قال يحيى : وحدثني بعض إخواننا قال : لما قال : حي على الصلاة . قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . وقال : هكذا سمعنا نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول . انتهى . ورواه عن معاوية جماعة منهم غير من قدمنا ذكرهم : بينوا رفع هذه اللفظة منهم : ابن هبيرة : أنه كان يكلم معاوية ، وأذن المؤذن فأمره أن ينصت ، ثم كبر كما كبر ، ثم قال المؤذن : أشهد ألا إله إلا الله . فقال ، ونحن نشهد ألا إله إلا الله فقال المؤذن : أشهد أن محمدا رسول الله فقال : ونحن نشهد أن محمدا رسول الله . فقال ابن هبيرة : فقلت له : أشيء رأيته ، أم سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : بل سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه الطبراني في معجمه عن عمارة بن وثيمة المصري ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ، حدثنا عمرو بن الحارث ، عن عبد الله بن سالم ، عن الزبيدي ، حدثنا الحسن بن جابر عنه . وعلقمة بن وقاص قال : إني عند معاوية فذكره مرفوعا ، رواه النسائي ، عن مجاهد بن موسى ، وإبراهيم بن الحسن ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن يحيى : أن عيسى بن عمر أخبره ، عن عبد الله بن علقمة عنه ، وقال ابن عساكر : ورواه عبد الرحمن بن داود المكي ، عن عمرو بن يحيى ، عن عبد الله بن علقمة فلم يذكر عيسى ، وأورد له سندا من طريق ابن جوصا عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب قال : وحدثني أيضا يعني : داود بن عبد الرحمن الحديث ، وفي علل أبي الحسن : ورواه عمرو بن علقمة ، عن أبيه ، وابن يساف . قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه إسماعيل بن عياش ، عن عمارة بن غزية عنه ، أنه سمع معاوية : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول . فقال : أنكرت هذا الحديث إذا كان عمارة ، عن ابن يساف ، ولا أدري من ابن يساف هذا ؟ فتفكرت فيه ، فإذا إسماعيل بن جعفر قد روى هذا الحديث ، عن عمارة بن غزية ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، وهو ابن يساف ، عن حفص بن عاصم بن عمر ، عن أبيه ، عن جده عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا سمعتم المؤذن . قال أبي : أما ابن يساف أرى أنه خبيب بن عبد الرحمن بن يساف ، نسبه إلى جده ، لم يسمع خبيب من معاوية شيئا ، فيحتمل أن يكون قد دخل لأبي عياش حديث في حديث ، ومحمد بن إبراهيم قال : سمعت معاوية فذكره ، قال أبو حاتم في العلل : سقط رجل ، ومحمد التيمي لم يسمع من معاوية ، وأبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف سمع معاوية ، وهو جالس على المنبر أذن المؤذن فذكره مطولا ، ثم قال : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنبر حين أذن يقول : ما سمعتم من مقالتي ، ذكره البخاري في صحيحه ، ونهشل التميمي سمع معاوية فذكره بكماله مرفوعا ، رواه ابن مطير ، عن أبي غسان أحمد بن سهل الأهوازي ، حدثنا خالد بن يوسف السمتي ، حدثنا أبي ، عن أبي سنان عنه ، ومحمود بن علي القرظي ، رواه أيضا من حديث ابن لهيعة عنه ، وقال : لم يروه عن محمود إلا ابن لهيعة ، وأبو صالح ، فذكره مرفوعا ، رواه أيضا عن علي بن عبد العزيز ، عن حجاج بن منهال ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة ، وعن محمد بن يحيى ، عن موسى بن إسماعيل ، عن أبان بن يزيد ، عن عاصم عنه ، ورواه أبو الشيخ ، عن ابن منيع ، عن أبي عائشة ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم به وإسناده صحيح ، وفيما أسلفنا رد لقول أبي عمر حديث معاوية مضطرب ، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قال المؤذن الله أكبر ، الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : أشهد ألا إله إلا الله قال أشهد ألا إله إلا الله ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي عل الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال: لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله ، دخل الجنة رواه مسلم ، زاد أبو نعيم في مستخرجه وقال ذلك صادقا من قلبه دخل الجنة . قال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه ، بهذا الإسناد : وقال الأثرم في كتاب : الناسخ والمنسوخ الكبير : هذا من الأحاديث الجياد ، وهو أخص من حديث أبي سعيد وقد زاد عليهما وزيادة الثقة مقبولة . انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث إنه في صحيح مسلم ، لا ذكر له عند البخاري ، ويزيد ذلك وضوحا قوله هو في كتاب الاستدراك : وأخرج مسلم حديث إسماعيل بن جعفر فذكره ، وهذا هو الصواب ، والله أعلم . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة ، حلت عليه الشفاعة رواه أبو الشيخ ولفظ السراج في مسنده يا رسول الله إن المؤذنين قد فضلونا ، قال قل كما يقولون، ثم سل تعطه رواه في الأوسط من حديث عمر مولى غفرة عن الحبلي عنه ، وقال : لم يروه عن عمر إلا رشدين ، ولفظه : إن المؤذنين يفضلوننا ، قال قولوا كما يقول المؤذن ، فإذا فرغتم ، فسلوا تعطوا ، وحديث أم سلمة قالت : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب اللهم إن هذا إقبال ليلك ، وإدبار نهارك ، وأصوات دعاتك فاغفر لي خرجه أبو عيسى ، وقال : حديث غريب ، إنما نعرفه من هذا الوجه ، يعني من حديث محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن حفصة بنت أبي كثير عن أبيها أبي كثير ، قال : وحفصة لا نعرفها ولا أباها انتهى كلامه ، وفيه نظر لأن الطحاوي رواه من حديث حفصة عن أمها بالميم ورواه الحاكم من حديث القاسم عن أبي كثير مولى أم سلمة عنها ، وقال فيه : صحيح ، ولم يخرجاه ، والقاسم بن معن بن عبد الله بن مسعود من أشراف الكوفيين وثقاتهم ممن يجمع حديثه ، ولم أكتبه إلا عن شيخنا أبي عبد الله ، قال البيهقي في الكبير : كذا في كتابي عن الحاكم ، وقال غيره : عن القاسم بن معن ، حدثنا المسعودي . وحديث أبي أمامة ، أو عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن بلالا أخذ في الإقامة فلما قال : قد قامت الصلاة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أقامها الله وأدامها . وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان ، رواه أبو داود من حديث رجل من أهل الشام ، عن شهر عنه ، قال البيهقي في الكبير : وهذا إن صح كان شاهدا لما استحبه الشافعي من قوله : اللهم أقمها ، وأدمها ، واجعلنا من صالح أهلها عملا ، وهذا منه - رحمه الله - ذهول عما رواه أبو الشيخ ، عن عبد الرحمن بن الحسن ، حدثنا هارون بن إسحاق ، حدثنا وكيع ، عن محمد بن ثابت ، عن رجل من أهل الشام ، عن أبي أمامة وفي كتاب الدعاء للطبراني من حديث الوليد بن مسلم ، عن عفير بن معدان ، عن سليم بن عامر عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من نزل به كرب ، أو شدة فليتحين المنادي فإذا كبر كبر ، وإذا تشهد تشهد ، وإذا قال : حي على الصلاة قال : حي على الصلاة ، وإذا قال : حي على الفلاح ، قال : حي على الفلاح ، ثم ليقل : اللهم رب هذه الدعوة الصادقة ، والحق المستجاب ، له دعوة الحق ، وكلمة التقوى ، أحينا عليها ، وأمتنا عليها ، وابعثنا عليها ، واجعلنا من خيار أهلها محيا ومماتا ، ثم يسأل الله تعالى حاجته ، ولما خرجه الحاكم في مستدركه صحح إسناده مع ثبوت عفير فيه ، وحديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن قال : وأنا ، وأنا خرجه أبو عبد الله من حديث حفص بن غياث ، عن هشام ، عن أبيه عنها ، وقال : سنده صحيح ، وزعم أبو الحسن في علله : أن الخريبي رواه عن هشام ، عن أبيه مرسلا ، وهو الصحيح ، وفي الاستذكار : وأنا أشهد ، وأنا أشهد . وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن هشام إلا حفص ، وعلي بن مسهر ، تفرد به عن حفص : سهل بن عثمان ، وحديث أبي عيسى الأسواري قال : كان ابن عمر إذا سمع الأذان قال : اللهم رب هذه الدعوة المستجابة ، المستجاب لها ، دعوة الحق وكلمة الحق ، وكلمة التقوى ، توفني عليها ، وأحيني عليها ، واجعلني من صالح أهلها عملا يوم القيامة . رواه البيهقي من حديث عبد الوهاب بن عطاء ، أنبأنا شعبة ، عن عاصم الأحول عنه ، وقال الدارقطني : ورواه محبوب عن الجهم الكوفي ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : والصحيح موقوف ، وأبو عيسى مذكور فيمن لا يعرف اسمه ، قال أبو عمر في كتاب الاستغناء عن أحمد : لا أعلم أحدا روى عنه غير قتادة ، انتهى ، وقد أسلفنا حديث عاصم عنه أيضا ، وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذن فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، قال : الله أكبر ، الله أكبر ، فإذا قال : أشهد ألا إله إلا الله ، قال : أشهد ألا إله إلا الله ، وإذا قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم يسكت ، ذكره أبو بكر الأثرم من حديث الحكم بن ظهير ، عن عاصم ، عن زر عنه ، ثم قال : حديث الحكم واهٍ ، وذكره الطحاوي مستدلا به على عدم وجوب الإجابة بلفظ : لما قال المؤذن : الله أكبر . قال - صلى الله عليه وسلم - : على الفطرة . فلما قال : أشهد ألا إله إلا الله . قال : حرم من النار . الحديث ، وحديث أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن قال كما يقول ، وكان يقول إذا بلغ : حي على الفلاح قال : لا حول ولا قوة إلا بالله رواه أبو الشيخ من حديث حفص بن عمار ، عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن عنه ، وخرجه مسلم بلفظ : فسمع رجلا يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : على الفطرة . ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله . فقال : خرجت من النار . فنظروا فإذا هو راعي معزى . وفي كتاب الترمذي من حديث زيد العمي ، عن معاوية بن قرة عنه مرفوعا : الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة . قالوا : فما نقول ؟ قال : سلو الله العافية في الدنيا ، والآخرة . وحسنه ، ورواه النسائي من حديث بريد بن أبي مريم ، عن أنس ، ورواه أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين ، عن إسحاق بن محمد ، حدثنا أبو مسعود ، حدثنا الفريابي ، حدثنا الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن بريد عنه ، يرفعه إذا قال : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة أعط محمدا سؤله ، نالته شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم . وفي شعب الإيمان للبيهقي ، أنبأنا عبد الله بن يوسف ، سمعت عبد الله بن محمد بن أحمد بن روزبة ، سمعت أبا جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن برية الهاشمي ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن يوسف ، قال : كان لي صديق بمصر ، وكان مخلطا فمات فأريته في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي . قلت : مع ما أعلم ؟ قال : مع ما تعلم . قلت : بأي شيء ؟ قال : كنت إذا سمعت المؤذن قلت كما يقول فغفر لي ، لو قلت في آخر الأذان : لا إله إلا الله الملك الحق المبين ما حاسبتك . وحديث أبي الدرداء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع النداء قال : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك ، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة . قال أبو الدرداء : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال هذا عند النداء جعله الله تعالى في شفاعتي يوم القيامة . رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث محمد بن أبي السري ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن صدقة بن عبد الله ، عن سليمان بن أبي كريمة ، عن أبي قرة عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن حمزة السلولي قال : سمعت أبا الدرداء به ، وقال : لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد ، تفرد به عمرو بن أبي سلمة ، وحديث ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع الأذان قال : اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها ، دعوة الحق ، وكلمة التقوى ، أعني عليها ، وتوفني عليها ، واجعلني من صالح أهلها عملا . ذكره ابن الجوزي في علله ، وقال : الصحيح موقوف ، وحديث المغيرة بن شعبة : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من قال حين يؤذن المؤذن مثل قوله غفر له . رواه أيضا من حديث سليمان بن داود ، حدثنا أبو محمد الحسن البجلي ، عن عبد الله بن أبي المجالد ، عن مجاهد ، عن وراد عنه ، وحديث عبد الله بن سلام قال : بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا في الوادي يقول : أشهد ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أشهد ، لا يشهد بها أحد إلا برئ من النفاق . رواه أيضا من حديث أحمد بن عبد المؤمن المصري ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، أن يحيى بن عبد الرحمن حدثه عن عون بن عبد الله ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، ورواه النسائي في كتاب اليوم والليلة ، عن عمرو بن منصور ، أنبأنا أصبغ ، أخبرني ابن وهب بلفظ : إلا برئ من الشرك . وحديث أبي رافع : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ : حي على الصلاة ، حي على الفلاح قال : لا حول ولا قوة إلا بالله رواه النسائي في اليوم والليلة عن علي بن حجر ، عن شريك ، وأحمد بن سليمان ، عن أبي نعيم ، عن شريك ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن علي بن حسين عنه ، وقال : خالفه سفيان ؛ فرواه عن عاصم ، عن ابن عبد الله بن الحارث ، عن أبيه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع المؤذن ، نحوه ، قال ابن عساكر : ورواه عمرو بن العباس ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث ، عن أبيه ، وكذلك قال محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان ، وقال وكيع ، عن سفيان عبيد الله بن عبد الله بن الحارث ، وكذلك رواه أحمد بن عبد الله المنجوفي ، عن ابن مهدي ، وحديث عبد الله بن ربيعة : أن رسول صلى الله عليه وسلم سمع صوت رجل يؤذن في سفر فقال : الله أكبر ، الله أكبر . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، الله أكبر . فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . قال : أشهد ألا إله إلا الله . فقال : أشهد أن محمدا رسول الله . قال : أشهد أن محمدا رسول الله . رواه النسائي بإسناد صحيح ، عن إسحاق بن منصور ، عن ابن مهدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى عنه ، وحديث معاذ بن أنس قال رسول صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذن يثوب بالصلاة فقولوا كما يقول . رواه أبو الشيخ من حديث رشدين ، عن زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ ، عن أبيه ، ومن حديث ابن لهيعة ، عن زبان بلفظ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول . ولما ذكره أبو أحمد في كامله رده برشدين ، وحديث عبد الله بن الحارث تقدم في حديث أبي رافع ، وحديث ابن عباس أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من سمع النداء فقال : أشهد ألا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أبلغه الدرجة ، والوسيلة عندك ، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة إلا وجبت له الشفاعة . رواه أبو الشيخ من حديث إسحاق بن كيسان ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير عنه ، وحديث صفوان بن عسال قال : بينا نحن نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا نحن بصوت يقول : الله أكبر ، الله أكبر فقال - عليه السلام - : على الفطرة فقال : أشهد ألا إله إلا الله . فقال : برئ من الشرك . قال : أشهد أن محمدا رسول الله . قال : خرج من النار . قال : حي على الصلاة . قال : إنه لراعي غنم ، أو مبتدئ بأهله قال : فابتدره القوم فإذا هو رجل مبتدئ بأهله . ورواه أيضا من حديث يزيد بن أبي زياد ، عن زر عنه ، ومرسل عمر بن سعد : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هبط من مدراج اليمن بين مكة والمدينة ، فعرس ، وأذن بلال ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال مثل ما قال بلال من نفسه : حرم الله عليه النار . رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة ، عن عمر بن ذر ، عن أبي بكر بن حفص عنه ، وموقوف عثمان : أنه كان إذا قال المؤذن : حي على الفلاح قال : مرحبا بالقائلين عدلا ، وبالصلاة مرحبا وأهلا . رواه أحمد بن منيع في مسنده من حديث عبد الرحمن بن إسحاق ، وفيه كلام ، عن عبد الله القرشي ، عن عبد الله بن عكيم عنه ، وموقوف بلال المؤذن : أنه قدم الشام ، فكان إذا أتى المسجد ، فجلس فيه ، فسمع المؤذن قال لمن حوله : ليس هذا المؤذن بأحق بهؤلاء الكلمات منكم ، فقولوا مثل ما يقول . رواه الطبراني في كتاب الدعاء من حديث بقية ، عن محمد بن زياد الألهاني ، عن بعض المشيخة عنه ، ومرسل حفص بن عاصم : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يؤذن للمغرب فقال - صلى الله عليه وسلم - مثل ما قال : فانتهى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال : قد قامت الصلاة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : انزلوا فصلوا المغرب بإقامة ذلك العبد الأسود . رواه البيهقي في الكبير من حديث عمارة بن غزية ، عن حبيب بن عبد الرحمن عنه ، وخبر زريب بن برثملا مع نضلة ، وأذن بحلوان في سفح جبل ، فقال : الله أكبر ، الله أكبر . فأجابه مجيب من الجبل : كبرت يا نضلة كبيرا . قال : أشهد ألا إله إلا الله . قال : كلمة الإخلاص . قال : أشهد أن محمدا رسول الله . قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حي على الصلاة . قال : البقاء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : حي على الفلاح . قال : كلمة مقبولة . قال : الله أكبر ، الله أكبر . قال : كبرت كبيرا. قال : لا إله إلا الله . قال : كلمة حق حرمت بها على النار . فذكر حديثا طويلا ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب هواتف الجنان من حديث ابن لهيعة ، عن مالك بن الأزهر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال الخطيب : وذكره في تاريخه من حديث عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي ، أنبأنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، تابع أبو موسى إبراهيم بن رجاء الراسبي على روايته ، عن مالك ، وليس بثابت من حديثه ، وقال الدارقطني في الغرائب من حديث مالك : هذا الحديث لا يثبت عن مالك ، ولا عن نافع ، وحديث عمرو بن العاص ، ذكره ابن قدامه في كتاب المغني ، وحديث عبد الرحمن بن عمرو ، ذكره الطوسي في كتاب الأحكام ، وأخبرني والدي - رحمه الله تعالى - أنه قال : لما سافر الملك الظاهر قاصدا قيسارية كنت في صحبته ، فعبرت إلى بيت المقدس زائرا ، فرأيت بها سادنا يسمى أبا إسحاق إبراهيم بن علي الحنبلي الواسطي يقول : بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال حين يسمع الأذان : مرحبا بالقائلين عدلا ، وبالصلاة أهلا وسهلا . بعد الله وجهه عن النار يوم القيامة . قوله : فقولوا . ذكر ابن قدامة أن ذلك مستحب لا أعلم فيه خلافا بين أهل العلم ، وفي قوله نظر ؛ لما قاله أبو جعفر الطحاوي من أن الناس اختلفوا : هل هو واجب ، أو مندوب ؟ قال : الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مندوب ، خالف ذلك صاحب المحيط ، و البدائع ، فأوجباه ، ومثله في المفيد ، و التحفة ، والغنية ، وزعم شمس الأئمة السرخسي في الذخيرة أن بعضهم قال : إن الإجابة بالقدم لا باللسان ، وهو المشي إلى المسجد حتى لو كان حاضرا في المسجد ، فسمع الأذان فليس عليه إجابة ، فإن قال مثل ما يقول نال الثواب ، وإن لم يقل فلا إثم عليه ، ولا يكره له ذلك . وفي الذخيرة فإذا قال : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ما شاء الله كان . وفي المحيط يقول : مكان قوله حي على الصلاة ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ومكان الفلاح ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وعند قوله : الصلاة خير من النوم صدقت ، وبررت . وفي كتاب ابن حزم : يقول السامع كما يقول المؤذن ، سواء من أول الأذان إلى آخره ، وسواء أكان في صلاة فرض أو نافلة ، حاشا قوله حي على الصلاة ، والفلاح فإنه لا يقولهما في الصلاة ، فإذا أتم الصلاة فليقلهما ، وإن قال مكانهما : لا حول ولا قوة فحسن . وفي كتاب الغاية شرح الهداية : يستحب الإجابة لكل من سمعه من متطهر ، ومحدث ، وجنب ، وحائض ، وكبير ، وصغير ، وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة ، من أسباب المنع ، إلا أن يكون في الخلاء ، أو جماع ، أو غيرهما ، قال الماوردي : فإن كان في صلاة لم يوافقه ، سواء أكان نفلا أو فرضا ، فلو فعله ففيه قولان للشافعي : أظهرهما يكره ؛ لأنه إعراض عن الصلاة ، ولكن لا تبطل ، لأنه ذكْر ، فلو قال : الحيعلة ، أو التثويب ، بطلت إن كان عالما ؛ لأنه كلام آدمي ، وعن مالك ثلاثة أقوال : يجيب لعموم الحديث ، لا يجيب لأن في الصلاة شغلا ، يقول التكبير ، والتشهد في النافلة لا الفريضة ، وفي كتاب الطحاوي : المنع من ذلك فيهما ، وكذا قاله أحمد فيما حكاه ابن قدامة قال : وإن قال الحيعلة بطلت الصلاة . قال صاحب المحيط : لا ينبغي للسامع أن يتكلم في حال الأذان والإقامة ، ولا يشتغل بقراءة القرآن ، وفي المرغيناني : لا يقطع إن كان في المسجد ، ويقطع فيما سواه ، ولا يرد السلام ، وفي المحيط : يرد سرا ، وكذا جواب العطاس ، قال الطحاوي : واختلفوا : هل يقول ذلك عند سماع كل مؤذن ، أو يجيب أول مؤذن فقط ؟ واختلف قول مالك هل يتابع المؤذن ، أو يقوله مسرعا قبل فراغه من التأذين . وأما الوسيلة فهي القربة ، قال أبو عبيد : يقال : توسلت إليه ، أي تقربت ، وفي الصحاح : أنها منزلة في الجنة ، وقيل : هي الشفاعة يوم القيامة ، وقيل : هي القرب من الله تعالى ، وقوله حلت له الشفاعة قال عياض : معناه غشيته ، وقيل : حلت عليه . وقيل بمعنى : وجبت له قال تعالى : فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي . وقيل : حلت له بمعنى عليه ، قال : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ، يعني : على الأذقان .

443

10 - باب إذا أذن وأنت في المسجد فلا تخرج 36 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو الأحوص ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن أبي الشعثاء قال : كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد ، فقال أبو هريرة : أما هذا فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن مهاجر ، وفيه كلام يقتضي أن نذكر له متابعا ، وهو رواية له أيضا عن ابن أبي عمر حدثنا سفيان ، عن عمر بن سعيد ، عن أشعث ، عن أبيه به ، وقال فيه أبو عيسى : حسن صحيح . ورواه أبو عبد الرحمن ، عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن جعفر بن عون ، عن أبي عميس ، عن أبي صخرة جامع بن شداد ، عن أبي الشعثاء ، وزعم بعض العلماء أنه موقوف ، وخالف ذلك ابن عبد البر فقال : هو مسند عندهم ، لا يختلفون في هذا ، وذلك أنهما مسندان مرفوعان يعني هذا ، وقول أبي هريرة : ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ، ورسوله . انتهى كلامه . وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعا ، من غير ما طريق بسند جيد من ذلك : ما رواه أبو الشيخ - رحمه الله - عن نوح بن منصور ، ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا شريك ، عن أشعث بن سليم ، عن أبيه : أنه رأى رجلا خارجا من المسجد ، وقد نودي بالأذان فقال : عصى هذا أبا القاسم أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نودي بالأذان ، أن لا نخرج من المسجد . وثنا ابن أبي حاتم ، ثنا أحمد بن محمد الأطرابلسي ، ثنا موسى بن داود ، ثنا شريك ، عن أشعث ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنه قال : إذا أقيمت الصلاة ، وأحدكم في المسجد ، فلا يخرج حتى يصلي ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بذلك . وثنا يوسف بن محمد المؤذن ، ثنا محمد بن الحارث المخزومي ، ثنا أبو مصعب ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، حدثني أبي ، وصفوان بن سليم ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يسمع النداء في مسجدي هذا أحد ، ثم يخرج إلا لحاجة ثم لا يرجع إلا منافق . وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه موصولا عن أبي هريرة ، عن صفوان ، وأبي حازم إلا ابن أبي حازم ، تفرد به أبو مصعب ، وقال أبو الشيخ : وثنا عبد الله بن أحمد بن سعيد الجصاص ، ثنا نهشل بن كثير النهشلي بصري ثقة ، ثنا ابن أبي فديك ، عن ابن حرملة ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يخرج من المسجد بعد النداء إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة ، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة . وثنا الوليد بن أبان قرئ على يحيى بن عبدك ، وأنا حاضر ، ثنا أحمد بن أبي يزيد القطان بالري ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

444

37 - حدثنا حرملة بن يحيى ، أنبأنا ابن وهب ، أنبأنا عبد الجبار ابن عمر ، عن ابن أبي فروة ، عن محمد بن يوسف مولى عثمان بن عفان ، عن عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أدركه الأذان في المسجد ، ثم خرج ، لم يخرج لحاجة ، وهو لا يريد الرجعة فهو منافق . هذا حديث إسناده معلل بأمرين : الأول : ضعف أبي سليمان إسحاق بنْ عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة ، ويقال : الأسود بن عمرو بن رياش ، ويقال : كيسان القرشي الأموي المدني ، أخي إسماعيل ، وصالح ، وعبد الأعلى ، وعبد الحكم ، وعمار ، ويونس ، فإن أبا عيسى قال : تركه بعض أهل العلم ، منهم أحمد بن حنبل ، وقال الجوزجاني : سمعت أحمد يقول : لا تحل الرواية عنه . فقلت : يا أبا عبد الله لا تحل ؟ قال : عندي ، وفي رواية : ما هو بأهل أن يحمل عنه ، ولا يروى عنه . وقال أيضا : لا أكتب حديث أربعة ، منهم : إسحاق ، وفي الإرشاد للخليلي وذكره : ضعفوه جدا ، وتكلم فيه مالك ، والشافعي ، وتركاه ، وقال الزهري له يوما : يا أبا إسحاق تجيء بأحاديث ليست لها أزمة ولا خطم ، إذا حدثت فأسند . وقال مسلم في الكنى : مدني ضعيف الحديث ، وفي كتاب الكنى لأبي بشر : ليس بذاك . وقال محمد بن عبد الله بن عمار : هو ضعيف ذاهب . وقال أبو حاتم : متروك ، ذاهب الحديث . وقال أبو بكر بن خزيمة : لا أحتج بحديثه . وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : هو كذاب . وذكره أبو القاسم البلخي في كتاب الضعفاء . وقال ابن طاهر : ضعفه غير واحد . وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب التحقيق : هالك ، وبنحوه قاله أبو بكر في الخلافيات . وقال أبو حاتم ، والفلاس ، والنسائي ، وابن الجنيد ، والدارقطني : متروك . زاد النسائي : ولا يكتب حديثه . وذكره أيضا في الطبقة العاشرة من أصحاب نافع المتروك حديثهم . وقال البخاري : تركوه . وقال أبو زرعة : ذاهب الحديث متروك الحديث . وقال يحيى : ليس بشي ، ولا يكتب حديثه ، وفي رواية ليس بشيء كذاب ، وفي رواية ليس بثقة . وسئل سعدويه عن حديث يعلى بن ثابت ، عن الوازع بن نافع ، فقال : لا يروى الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مثل الوازع وسئل عن حديث إسحاق بن أبي فروة ، فقال : شر مما قال في الوازع . وقال ابن المديني : هو منكر الحديث . وقال أبو غسان : جاءني علي فكتب عني ، عن عبد السلام أحاديث ابن أبي فروة ، فقلت : أيش تصنع بها ؟ قال : أعرفها لا تقلب ، وفي رواية قال علي : لم يدخل ذلك في كتبه ابن أبي فروة فيما ذكره ابن عساكر في تاريخه ، وقال ابن سعد : كان لين الحديث ويروي أحاديث منكرة ، ولا يحتجون بحديثه ، وكان يرى رأي الخوارج . وقال الساجي : ضعيف الحديث ليس بحجة ، وذكر البرقي في كتاب الطبقات : بأن من ترك حديثه ، واتهم في روايته : إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، وذكره أبو العرب فقال : هو ممن ترك حديثه . قال أبو العرب : وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : سمعت محمد بن عاصم ، وكان من أهل الصدق قال : قدمت المدينة ، ومالك بن أنس حي ، فلم أر أهل المدينة يشكون أن إسحاق بن أبي فروة متهم على الدين ، وفي تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي : وآل أبي فروة كل من حدث عنه ثقة إلا إسحاق ، فلا يكتب حديثه . وقال الحافظ أبو بكر البزار في سننه : كان ضعيفا ، وقال في مسنده : متروك الحديث . الثاني : عبد الجبار بن عمر أبو عمر الأيلي الأموي القرشي ؛ وإن وثقه ابن سعد فقد قال فيه أبو زرعة : واهي الحديث . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه ، فقال : منكر الحديث ، ضعيف الحديث ، ليس محله الكذب ، وسمعت أبا زرعة يقول : هو ضعيف الحديث ليس بقوي ، وقرأ علينا حديثه . وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، ولا يكتب وقال مرة : ضعيف ، وكذلك قاله السعدي ، والنسائي في كتاب الضعفاء ، وقال في كتاب الكنى ليس بثقة ، وقال البخاري : ليس بالقوي عندهم ؛ عنده مناكير . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه يخالف فيه ، والضعف بين على رواياته . وقال الحربي في كتاب العلل : عبد الجبار بن عمر رجل من أهل أيلة ، سنه قريب من سن يزيد بن أبي سمية شيخه ، وإنما روى عنه لفضله ، وعبد الجبار رجل يتفقه ، وغيره أثبت منه . وقال الآجري : سألت أبا داود عنه ؟ فقال : ضعيف ، وذكره يعقوب في باب من يرغب عن الرواية عنهم . وقال الساجي : هو ضعيف . وقال العقيلي : ليس بالقوي عندهم ، عنده مناكير . وقال أبو سعيد بن يونس : منكر الحديث . وفي كتاب الكنى لأبي أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم ، وقد روينا في كتاب الصلاة للفضل ما يشد هذا عن مسعر ، عن ابن عون ، عن شريح رجل من همدان ، عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه أنه قال : إذا كنت في المسجد ، فنودي بالأذان فلا تخرج . قال : وحدثني سفْيان ، عن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من سمع المنادي فخرج فهو منافق ، إلا رجل خرج في حاجة ، ثم رجع . وثنا سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : إذا سمعت الإقامة ، فلا تخرج . وفي كتاب أبي علي الطوسي ، عن إبراهيم : تخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة ، قال أبو علي : وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه ، والذي عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذرٍ ، أو يكون على غير وضوء . وقال ابن حزم : ومن كان في المسجد ، فاندفع المؤذن في الأذان لم يحل له الخروج من المسجد إلا لضرورة - والله أعلم

445

65 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، ثنا نهيك بن يريم الأوزاعي ، ثنا مغيث بن سمي قال : صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس ، فلما سلم أقبلت على ابن عمر ، فقلت : ما هذه الصلاة ؟ قال : هذه صلاتنا ، كانت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأبي بكر ، وعمر ، فلما طعن عمر ، أسفر بها عثمان ، رضي الله تعالى عنهم . هذا حديث إسناده صحيح ، مغيث بن سمي أبو أيوب الشامي روى عنه جماعة ، منهم : عطاء بن أبي رباح ، وأبو بكر عمرو بن سعيد الأوزاعي ، وزيد بن واقد ، ومحمد بن يزيد الرحبي ، والحضرمي بن لاحق ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر أدرك الناس ألفا من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما ذكره هو عن نفسه ، وقال الوليد : عن الأوزاعي ، عن نهيك بن يريم : لا بأس به عن مغيث بن سمي ، وهؤلاء رجال الشام ليس فيهم إلا ثقة ، وقال ابن معين : كان صاحب كتب كأبي الجلد ، ووهب بن منبه ، وقال الآجري : سألت أبا داود عنه ؟ فقال : دمشقي ثقة ، وذكره البستي في كتاب الثقات وخرج حديثه في صحيحه ، وكذا فعله

446

64 - حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي ، ثنا أبي ، عن الأعمش ، عن إبراهيم عن عبد الله ، والأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ، قال : تشهده ملائكة الليل والنهار . هذا حديث لما رواه الترمذي عن عبيد ، عن أبيه ، عن الأعمش ، وعن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، عن الأعمش ، قال : وزاد ابن مسهر : وعن أبي سعيد ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وخرجه الحاكم من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد مرفوعا ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وفي تفسير ابن أبي حاتم من جهة ابن إسحاق قال : وذكر الزهري ، عن سلمان الأغر ، عن أبي هريرة يرفعه ، قال : يجتمع ملائكة الليل ، وملائكة النهار في صلاة الصبح ، فإذا فرغ الإمام صعدت ملائكة الليل ، وأقامت ملائكة النهار ، وروي أيضا من جهة ابن جريج ، عن عطاء ، قال : تشهده الملائكة والجن ، وروى ابن المنذر بسنده إلى أبي عبيدة أنّ عبد الله كان يقول : تتداول الحرسان من ملائكة اللّه : حارس الليل ، وحارس النهار عند طلوع الفجر : واقرءوا إن شئتم : و وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا ابن المقرئ ، ثنا مروان ، ثنا جوبير ، عن الضحاك في هذه الآية قال : تشهده ملائكة الليل ، وملائكة النهار الذين يشهدون أعمال بني آدم

447

66 - حدثنا محمد بن الصباح ، أنبأ سفيان بن عيينة ، عن ابن عجلان سمع عاصم بن عمر بن قتادة ، وجده بدري يخبر عن محمود بن الربيع ، عن رافع بن خديج أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أصبحوا بالصبح ، فإنه أعظم للأجر ، أو لأجركم . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : إذا رواه من حديث ابن إسحاق عن عاصم : حسن صحيح ، وذكره البستي في صحيحه ، وقال أبو علي الطوسي : يقال : هو حديث حسن صحيح ، وقال البغوي : هو حديث حسن ، ولفظ أبي داود : أسفروا بالصبح ، وصححه الفارسي ، وقال : محمود هو ابن الربيع بن لبيد ، وهذا مردود إجماعا ؛ لأنّ ابن الربيع غير ابن لبيد ، وقال مهنأ : قلت لأبي عبد الله : حدثوني عن محمد بن بكار ، عن حفص بن عمر ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسفروا بالفجر ، فإنه أعظم للأجر ، فقال ليس بصحيح ، إنما هو عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر ، عن رافع بن خديج ، وقال أبو محمد الأزدي : هذا حديث يدور بهذا الإسناد فيما أعلم على عاصم ، وهو ثقة عند أبي زرعة ، وابن معين ، وقد ضعّفه غيرهما ، وقد روي بإسناد آخر إلى رافع ، وحديث عاصم أصح ، وروي عن غير رافع ، وحديث رافع من طريق عاصم أحسن ، قال ابن القطان : أمّا قوله : وضعفه غيرهما فأمر لم أعرفه ، بل هو ثقة كما ذكر عن ابن معين ، وأبي زرعة ، وكذلك قال النسائي وغيره : ولا أعرف أحدا ضعفه ، ولا ذكره في جملة الضعفاء ، وقد ترك أن يبين أنه من رواية ابن إسحاق ، وأن يورده من رواية ابن عجلان بدلا منه من عند أبي داود ، وليس هو معنيه في قوله : وقد روي بإسناد آخر إلى رافع ، وإنما يعني بذلك إسنادا آخر ليس من طريق عاصم ، وأما طريق عاصم هذا فصحيح ، ولم يصححه بقوله : ( أصح ) ، وإنما هو عنده حسن ، فاعلمه انتهى ، وممن وثقه أيضا : الشيخان بتخريج حديثه ، وابن سعد بقوله : كان ثقة ، كثير الحديث ، عالما ، وقال البزار : هو ثقة مشهور ، وذكره البستي في كتاب الثقات ، وقد جمع سفيان بين ابن عجلان وابن إسحاق في كتاب الطبراني الكبير ، رواه عن إبراهيم بن نائلة ، ثنا محمد بن المغيرة ، ثنا النعمان ، ثنا سفيان ، عن محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عجلان به ، ورواه عن عاصم أيضا عبد الحميد بن جعفر ، قال الطبراني : نا محمد بن عبدوس بن كامل ، نا إبراهيم بن راشد الأدمي ، ثنا معلى بن عبد الرحمن ، عن عبد الحميد به ، قال : وثنا أبو معن ثابت بن نعيم الهوجي ، ثنا آدم بن أبي إياس ، نا شعبة ، عن أبي داود ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد به ، زاد في الأوسط : لم يروه عن شعبة إلا آدم وبقية ، إلا أن بقية رواه عن شعبة ، عن داود البصري ، وقد قيل : إنه داود بن أبي هند ، ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن هشام بن سعد حدثني زيد بن أسلم ، عن محمود به ، ورواه النسائي فيما ذكره بعضهم عن آدم ، ولم أر هذا ، والذي رأيت أنه قال في الكنى : أبو داود أيوب بن سعيد ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، قاله محمد بن يحيى ، عن آدم ، وفي السنن : ثنا الجوزجاني ، نا ابن أبي مريم ، ثنا أبو غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رجال من الأنصار أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الحديث ، وهو مما وقع لنا عاليا بدرجتين من كتاب الطبراني لروايته له عن إسحاق بن إبراهيم القطان ، عن سعيد بن أبي مريم ، ورواه ابن عدي في الكامل من جهة رفاعة بن هرير بن عبد الرحمن بن رافع ، عن أبيه ، عن جدّه ، وقال : لا يعرف رفاعة هذا إلا برواية محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عنه ، وقال البخاري : فيه نظر ، وقال عبد الرحمن : سألت أبي عن حديث رواه أبو نعيم ، عن إبراهيم بن مجمع ، عن هرير يعني هذا بزيادة : قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم ، فقال أبي : ثنا هارون بن معروف وغيره عن أبي إسماعيل إبراهيم بن سليمان المؤدب عن هرير ، وهو أشبه ، وقال في موضع آخر : سمعت أبي ، وذكر حديث إبراهيم بن سليمان المؤدب عن هرير ، فقال : روى أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث عن أبي نعيم ، عن ابن مجمع ، وسمعنا كتاب إبراهيم بن إسماعيل كله عن أبي نعيم ، فلم يكن لهذا فيه ذكر ، وقد حدثنا غير واحد عن المؤدب ، قلت لأبي : الخطأ من أبي نعيم ، أو من أبي بكر ؟ قال : أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر ، فعلى هذا الأولى أن الخطأ من أبي نعيم ، أراد أبا إسماعيل المؤدب ، فغلط في نسبته إلى ابن مجمع ، وفيما أوردناه ردّ لما قاله الإشبيلي ، وقد روي بإسناد آخر إلى رافع ، ولتقرير أبي الحسن ، ذلك ، ويشبه أن يكون مستند الإشبيلي في تضعيف عاصم ما قيل : كلّ عاصم في حفظه شيء ، ولئّن كان إيّاه فغير نافع له ؛ لأن العمومات لا يستدل بها ، لأنا رأينا من أطلق كابن معين ، وغيره عاد ، فوثّق الذي عمم فيه القول ، والله تعالى أعلم ، وفي الباب حديث بلال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أسفروا بالفجر ، فإنه أعظم للأجر . رواه البزار في مسنده من طريق أيوب بن سيار القائل فيه ابن معين : ليس بشيء عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، عن أبي بكر عنه ، ورواه الطبراني في مسنده وبلفظ : يا بلال أصبحوا بالصبح ، فإنه خير لكم ، وحديث عبد الله بن مسعود قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أسفروا بصلاة الصبح ، فإنه أعظم للأجر . رواه أبو القاسم من حديث الثوري ، وعن شعبة ، عن زبيد ، عن مرة عنه ، وحديث جابر بن عبد الله قال : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤخر الفجر كاسمها ، رواه الطحاوي من طريق يزيد بن سنان ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن ابن عقيل عنه ، وحديث أبي طريف الهذلي : أنه كان يشاهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو محاصر أهل الطائف ، فكان يصلي صلاة الفجر لو أن إنسانا رمى بنبله أبصر مواقع نبله ، ذكره أيضا من حديث ذكره زكريا بن إسحاق ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة ، كذا ذكره ، ويشبه أن يكون وهما ، لما رواه العسكري في معرفة الصحابة ، عن ابن أبي داود ، ثنا محمود بن آدم ، ثنا بشر بن السري ، نا زكريا بلفظ : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بنا صلاة المغرب . وكذا قال أبو عمر : حديثه في صلاة المغرب ، والله أعلم ، وحديث زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسفروا بصلاة الصبح يغفر لكم ، أخرجه الهروي في معجمه ، ولفظه في الموضوعات : من نور بالفجر نور الله قلبه وقبره وقبلت صلاته . ورده بابي داود النخعي ، وفي كتاب النسائي : سئل عليه السلام عن وقت صلاة الصبح فأمر بلالا حين طلع الفجر فأقام الصلاة ، ثم أسفر الغد حتى أسفر كذا في م ، ثم قال : أين السائل عن وقت صلاة الغداة ؟ ما بين هاتين ، أو هذين وقت . وحديث علي قال : صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر يوما بغلس ، وكان ربما يغلس ويسفر الحديث بطوله ، وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه ، فقال : راويه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي ، وهو ضعيف الحديث جدا ، وكتاب أبي جعفر من طريق علي بن ربيعة قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : يا قنبر أسفر أسفر ، ومن حديث شجاع بن الوليد ، عن داود الأودي ، عن أبيه يزيد قال : كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ، ونحن نتوقى الشّمس مخافة أن تكون قد طلعت ، وفي كتاب أبي نعيم ، نا سعيد بن عبيد الطائي ، عن علي بن ربيعة سمعت عليا يقول : يا ابن التياح : أسفر أسفر بالفجر . وثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن نافع بن جبير بن مطعم قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى أن صلّ الفجر إذا نوّر النور . قال : وكان عمر بن مسلم يقول : كان سويد قال : كان علي يسفر حتى تكاد الشمس تطلع . وكان سويد بن غفلة يسفر بالفجر إسفارا شديدا ، وقال وقاء بن إياس : سمعت سعيد بن جبير يقول لمؤذّنه : نور نور ، ونا سفيان ، عن شيخ قال : كان الربيع بن خيثم يقول لمؤذنه : نور نور ، قال أبو نعيم : ورأيت سفيان يسفر بصلاة الغداة ، ومن حديث زهير بن حرب ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن زيد بن وهب قال : صلى بنا عمر صلاة الصبح ، فقرأ بسورة بني إسرائيل والكهف ، حتى جعلت أنظر إلى جدار المسجد هل طلعت الشمس ؟ . ومن حديث عبد الرحمن بن زيد قال : كنا مع عبد الله بن مسعود ، فكان يسفر بصلاة الصبح . ومن حديث جبير بن نفير قال : صلى بنا معاوية بن أبي سفيان الصبح بغلس . فقال أبو الدرداء : أسفروا بهذه الصلاة ، فإنه أفقه لكم إنّما تريدون أن تخلوا بحوائجكم ، وثنا ابن خزيمة ، عن القعنبي ، عن عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : ما اجتمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على شيء ما اجتمعوا على التنوير ، وحديث أبي شعبة الطحان جار الأعمش ، عن أبي الربيع الحنظلي قال : كنت مع ابن عمر فقلت : يا أبا عبد الرحمن إني أصلي معك الصبح ، ثم ألتفت ، فلا أرى وجه جليسي ، ثم أحيانا تسفر قال : كذلك رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصليها ، وحديث صفوان بن المعطل لما شكته زوجته إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه ما يصلي الصبح حتى تطلع الشمس ، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذا استيقظت فصل وهو مخرج في الصحيح ، وسيأتي ، وحديث معاذ قال : بعثني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن ، فقال : إذا كان الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق القوم ، ولا تملّهم ، وإذا كان الصيف فأسفروا بالفجر ، فإن الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا . رواه البغوي في شرحه من حديث يوسف بن أسباط ، عن المنهال بن جراح ، عن عبادة ، عن ابن غنم عنه ، وفي كتاب الضعفاء لابن حبان : وروى سعيد بن أوس أبو زيد الأنصاري ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة يرفعه : يا بلال أسفر بالصبح فإنه أعظم للأجر ، ثم قال : وليس هذا من حديث ابن عون ، ولا ابن سيرين ، وإنما هذا المتن من حديث رافع فقط ، وسعيد يروي عن ابن عون ما ليس من حديثه انتهى كلامه ، وفيه نظر لما أسلفناه ، والله تعالى أعلم ، وحديث أبي الدرداء يرفعه : أسفروا بالفجر تفقهوا . ذكره الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد في مسند أبي الدرداء جمعه عن أبي زرعة ، نا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، نا محمد بن شعيب سمعت سعيد بن سنان يحدّث عن أبي الزاهرية به عنه ، وتقدّم حديث ابن لبيد ، عن رجال من الأنصار ، وحديث ابن عباس ، وحديث أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي سلمة عنه ، وقال : لم يروه عن عبد العزيز إلا حفص بن سليمان ، تفرد به عمرو بن عون ، وسيأتي أيضا حديث أبي برزة الأسلمي . غريبه : قوله : بغلس ، يعني : اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل ، وفي الصحاح : هو ظلمة آخر الليل ، قال الأخطل : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا وقوله : أسفر ، قال أبو عمرو : يعني أضاء ، قال ابن خالويه : وكذلك جشر وابتسم ، وانفجر عمود الصبح وضحك ، وهذه غير مستعملة ، وحكى القزاز ، وابن عديس في كتاب الصواب : سفر بغير ألف ، وحكاه أيضا ابن القطاع بقوله : سفر الصبح وأسفر ، وأبى الأصمعي إلا سفر قاله ابن درستويه ، كل ذلك راجع إلى أصل واحد ، وهو السفر ، يقال : سفرت البيت : إذا كشفْته ، أو كنسته سفرا ، وسفرت الريح السحاب ، وسفرت النّار الظلمة ، وفي الصحاح : معنى : أسفروا بالفجر أي : صلوها مسفرين ، ويقال : طولوها إلى الإسفار ، وأسفر وجهه حسنا ، أي : أشرق ، والإسفار الانحسار ، وحكى ابن القوطية : سفرت الشمس : طلعت والمرأة سفور كشفت وجهها ، وأسفر الشيء : أضاء ، والقوم صاروا في أسفار الصبح ، زاد ابن طريف : وأسفر الليل انقضى وانكشفت ظلمته ، قال بعض الخوارج : إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع وفي الأساس في فصل الحقيقة : وخرجوا في السفر في بياض الفجر ، ورح بنا نسفر ببياض قبل الليل، وبقي عليك سفر من نهار ، وفي المجاز : وجه مسفر ، مشرق سرورا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ وفي الفصيح : وقد سفرت المرأة ، إذا ألقت خمارها عن وجهها ، والرجل عمامته ، وهي سافر وأسفر وجهها إذا أضاء ، وكذلك الصبح ، وفي الغريبين قيل : للكاتب سافر ؛ لأنه يبين الشيء ويوضحه ، ومنه إسفار الصبح ، وفي الكتاب المغيث لأبي موسى : أسفر الصبح انكشف ، ومنه الحديث : أسفروا بالصبح . قال الخطابي : يحتمل أنّه حين أمروا بالتغليس بالفجر كانوا يصلونها عند الفجر الأول رغبة في الأجر ، فقيل أسفروا بها أي : أخروها إلى ما بعد الفجر الثاني ، فإنه أعظم للأجر ، قال أبو موسى : ويدلّ على صحة قول الخطابي حديث هرير بن عبد الرحمن بن رافع ، عن جدّه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لبلال : نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم . ويدل عليه أيضا فعله صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يغلس بها إلا يوما واحدا على ما روي ، فلو كان الإسفار أفضل لما كان يختار التغليس عليه ، قاله الخطابي : فإن قيل : فإن صلاتهم قبل الوقت لا تجزئهم أصلا ، قيل : كذلك هو ، إلا أنّهم لا يفوتهم ثوابهم : كالحاكم إذا اجتهد فأخطأ كان له أجر ، وإن أخطأ . وقيل : إنّ الأمر بالإسفار إنّما جاء في الليالي المقمرة التي لا يبيّن فيها جيدا ؛ فأمروا بزيادة تبيّن فيه ، قاله أبو حاتم بن حبان . والله عزّ وجلّ أعلم . وقد اختلف العلماء في وقت الفجر المختار ، فذهب أبو حنيفة، وسفيان بن سعيد ، وأكثر العراقيين : إلى أنّ الإسفار أفضل ، قالوا : وهو قوة الضوء ، قال في المحيط : إذا كانت السماء مصبحة فالإسفار أفضل إلا للحاج بمزدلفة ، فهناك التغليس أفضل ، وفي المبسوط : الإسفار بالفجر أفضل من التغليس سوى الأوقات كلّها ، قال الطحاوي : إن كان من عزمه التطويل شرع بالتغليس ليخرج في الإسفار ، قال : وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه ، قال : وحديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس ، وقال الدبوسي : لا يدع التأخّر لمن ينام في بيته بعد الفجر ، بل يحضر المسجد لأوّل الوقت ، ثم ينتظر الصلاة ليكون له ثواب المصلي بانتظارها ، ويكف عن الكلام بالكينونة في المسجد ، ثم يصلي لآخر الوقت ، ولو صلى لأوّل الوقت قبل ما يمكنه المكث والمقام إلى طلوع الشّمس ، بل ينتشر بعد الفراغ لحديث الدنيا ، وذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والليث ، والأوزاعي ، وأبو ثور ، وداود ، ومالك في الصحيح عنه : إلى أنّ التغليس أفضل ، قال ابن المنذر : وقد روينا عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وأبي موسى ، وابن الزبير ، وابن عمر ، وأبي هريرة أخبارا تدل على أنّ التغليس بالصلاة أفضل من تأخيرها . انتهى . وقد ذكرنا عن علي ما يخالف هذا ، وكذلك عن عمر بن الخطاب ، وأما آخر وقتها ، فمذهب الجمهور : أنه طلوع الشمس ، قال القرطبي : وهو المشهور من مذهب مالك ، قال : وعلى هذا لا يكون لها عنده وقت ضرورة ، ولا يؤثم تارك الصلاة إلى ذلك الوقت متعمدا ، وروى ابن القاسم ، وابن عبد الحكم عنه أنّ آخر وقتها الإسفار الأعلى ، فعلى هذا يكون ما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار ، ويؤثم من أخرّها إلى ذلك الوقت ، وعن أبي سعيد الإصطخري : من صلاها بعد الإسفار الشديد كان قاضيا لا مؤديا ، وإن لم تطلع الشمس ، وفي الإشراف أجمع أهل العلم على أنّ مصلي الصبح بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه مصليها في وقتها ، وقال في الإقناع : أوّل وقت صلاة الصبح : طلوع الفجر الثاني المعترض المستطير ، وآخر وقتها لغير المعذور : الإسفار . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث جعله في الأوّل وقتا مطلقا لغير المعذور ، وللمعذور ، وفي الثاني قيده بالمعذور وجعله إجماعا ، وقد ذكرنا قبل أن لا إجماع ، والله تعالى أعلم . ومن هذا القبيل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنّ للصلاة أولا وآخرا ، وإن أوّل وقت الظهر حين تزول الشّمس ، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر ، وإن أوّل وقت العصر حين يدخل وقتها ، وإن آخر وقتها حين تصفر الشّمس ، وإن أوّل وقت المغرب حين تغرب الشّمس ، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق ، وإن أوّل وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق ، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل ، وإن أوّل وقت الفجر حين يطلع الفجر ، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس رواه الترمذي ، عن هناد ، عن ابن فضيل ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وقال : سمعت محمدا يقول : حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل ، عن الأعمش ، وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل . ثنا هناد ، ثنا أبو أسامة ، عن أبي إسحاق الفزاري ، عن الأعمش ، عن مجاهد قال : كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا ، فذكر نحو حديث محمد بن فضيل ، وحكى عن الأعمش نحوه بمعناه ، وقال في العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : وهم ابن فضيل في حديثه ، والصحيح هو حديث الأعمش ، وكذا قال أبو حاتم لما سأله ابنه عنه : هذا خطأ ، وهم فيه ابن فضيل يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش ، عن مجاهد قوله ، وقال الدارقطني : هذا لا يصح مسندا ، وهم في سنده ابن فضيل ، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلا وهو أصح من قول ابن فضيل ، وقال أبو علي الطوسي في أحكامه : يقال : حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث ابن فضيل . انتهى . ومحمد بن فضيل ممن خرج حديثه في الصحيحين ، فإذا رفع حديثا قبلت زيادته ، لا سيّما مع عدم المخالفة ، ولهذا ، فإن ابن حزم لم يلتفت إلى توهيمه بغير مستند ، بل صححه واستدل به ، وقال ابن القطّان : لا يبعد أن يكون عند الأعمش في هذا عن مجاهد ، أو غيره مثل الحديث المرفوع ، والله أعلم ، وله شاهد في كتاب الدارقطني من حديث إبراهيم بن الفضل ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال عليه السلام : إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأوّل ما هو خير له من أهله وماله . قال ابن الحصار : رجاله كلهم ثقات ، وحديث ابن مسعود ، سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة في أول وقتها . رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن بندار ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا مالك بن مغول ، عن الوليد بن العيزار ، عن أبي عمرو الشيباني عنه ، وابن حبان في صحيحه ، عن عمر بن محمد الهمداني ، والحسن بن سفيان قالا : ثنا بندار ، وقال : الصلاة في أول وقتها . تفرّد بها عثمان بن عمر وحدثنيه محمد بن أحمد بن زيد ، ثنا الحسن بن مكرم ، ثنا عثمان بن عمر بإسناده مثله ، ولما ذكره ابن حزم صححه واستدّل به ، ولما خرجه الحاكم في مستدركه عن أبي عمرو بن السماك ، ثنا الحسن بن مكرم ، وثنا علي بن عيسى ، ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق ، ثنا الحسن بن مكرم ، ثنا عثمان بن عمر به، قال : هذا حديث يعرف بهذا اللفظ لمحمد بن بشار بندار ، عن عثمان ، وبندار من الحفاظ المتقنين الأثبات ، ثناه علي بن عيسى في آخرين ، قالوا : ثنا أبو بكر بن إسحاق ، ثنا بندار ، فذكره قال : فقد صحّت هذه اللفظة باتفاق المتقنين بندار ، وابن مكرم على روايتهما عن عثمان ، وهو صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وله شواهد في هذا الباب منها : ما ثناه أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني ، ثنا محمد بن الحسين بن مكرم ، ثنا حجاج بن الشّاعر ، ثنا علي بن حفص المدائني ، ثنا شعبة ، عن الوليد بن العيزار ، سمعت أبا عمرو ، أنبأ صاحب هذه الدار وأشار إلى دار ابن مسعود قال : سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة في أول وقتها . ثم قال : قد روى هذا الحديث جماعة ، عن شعبة ، ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج ، عن عليّ بن حفص ، وحجاج حافظ ثقة ، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدائني ، وفي كتاب السنن للدارقطني من حديث حماد بن زيد ، عن الحجاج ، عن سليمان ، وذكر أبو عمرو الشيباني أنه قال : حدثني صاحب هذه الدار بلفظ : الصلاة لميقاتها الأول . قال الحاكم : ومنها ، ثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب ، ثنا الحسن بن علي بن شبيب عن محمد بن مثنى ، نا ابن جعفر ، نا شعبة ، أخبرني عبيد المكتب ، سمعت أبا عمرو الشيباني يحدّث عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكره ، الرجل هو : ابن مسعود لإجماع الرواة فيه على أبي عمرو الشيباني . ومنها ما أنبأ أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي ، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح السهمي بمصر ، ثنا علي بن معبد ، ثنا يعقوب بن الوليد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال - صلى الله عليه وسلم - : خير الأعمال الصلاة في أول وقتها . يعقوب بن الوليد هذا : شيخ من أهل المدينة سكن بغداد ، وليس من شرط هذا الكتاب ، إلا أن له شاهدا عن عبد الله . حدثني أبو عمرو محمد بن أحمد بن إسحاق العدل النحوي ، ثنا محمد بن علي بن الحسين الرقي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن صدقة العامري في كندة في مجلس الأشج ، ثنا محمد بن حمير الحمصي ، عن عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر بمثله ، ومنها ما ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا الدوري ، ثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ، ثنا عبد اللّه بن عمر العمري ، عن القاسم بن غنام ، عن جدّته الدنيا ، عن جدّته أم فروة ، وكانت ممن بايع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكانت من المهاجرات الأول ، أنها سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسئل عن أفضل الأعمال ، فقال : الصلاة لأوّل وقتها . هذا حديث رواه الليث بن سعد ، والمعتمر بن سليمان ، وقزعة بن سويد ، ومحمد بن بشر العبدي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن القاسم بن غنام ، أما حديث الليث ، فحدثناه أبو بكر بن داود بن سليمان الزاهد ، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسن المعافري بمصر ، ثنا علي بن عبد الرحمن علان ، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق ، ثنا الليث به ، سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب ، سمعت الدوري ، سمعت يحيى بن معين يقول : قد روى عبد الله بن عمر عن القاسم بن غنام ، ولم يرو عنه أخوه عبيد الله ، وقال أبو عيسى : وحديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله العمري ، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث ، واضطربوا في هذا الحديث ، وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا قزعة بن سويد ، وفيه نظر لما أسلفناه ، ولما في سنن أبي داود ، ثنا الخزاعي ، والقعنبي عنه ، وأما قول الحاكم : وعلي بن حفص ممن احتج به مسلم ، وكذا قاله في المدخل ، ففيه دلالة على تفرده به دون البخاري ، وليس كذلك ، بل قد احتجا به جميعا فيما ذكره الباجي ، وابن سرور ، وأبو إسحاق الصريفيني ، وأبو إسحاق الحبال ، ومن خطهما نقلته ، وحديث ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام : الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الآخر عفو الله . رواه أبو عيسى من حديث . قال ابن عدي : كذا كان ابن حميد يقول : عن عبيد الله قال : والصواب ما نبأ به ابن صاعد ، وابن أسباط على أنه باطل بهذا الإسناد ، سواء قيل فيه عبد الله ، أو عبيد الله ، ويعقوب هذا عامة ما يرويه من هذا الطراز ، فليست بمحفوظة ، وهو بيّن الأمر في الضعف ، وحديث جرير بن عبد الله قال عليه الصلاة والسلام : أوّل الوقت رضوان الله ، وآخر الوقت عفو الله . رواه أبو الحسن في سننه من حديث الحسين بن حميد بن الربيع وهو متهم بالكذب ، وحديث أبي الدرداء قال صلى الله عليه وسلم : إن تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من صفة الإيمان . رواه ابن وهب في مسنده ، عن الليث ، عن عمر بن شيبة المدني ، عن رجل حدُّثه عن أبي الدرداء به ، وحديث علي مرفوعا : أوّل الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله . ذكره أبو بكر في خبر المدينة من حديث موسى بن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه عنه ، وحديث أنس يرفعه أوّل الوقت رضوان الله ، وآخر الوقت عفو الله . ذكره ابن عدي في الكامل ، وزعم : أنّ بقية تفرد به ، قال : وهو من الأحاديث التي يحدّث بها بقية عن المجهولين ، زاد أبو الفرج في العلل المتناهية ، وفيه مع ذلك عبد الله مولى عثمان ، وعبد العزيز وهما لا يعرفان ، ولفظ الطبراني في الأوسط : من صلى الصلاة لوقتها تقول : حفظك الله كما حفظتني ، ومن صلاها لغير وقتها قالت : ضيعك الله كما ضيعتني . رواه من حديث عباد بن كثير ، عن أبي عبيدة يعني حميد الطويل عنه ، وقال : لم يروه عن حميد إلا عبّاد تفرد به عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون العنسي ، ولفظ إسماعيل بن زياد في مسنده ، عن أبان بن أنس مرفوعا : فضل الوقت الأول من الصلاة على الآخر كفضل الآخرة على الدنيا . وحديث أبي محذورة قال صلى الله عليه وسلم : أول الوقت رضوان الله ، وأوسطه رحمة الله ، وآخره عفو الله ذكره ابن عدي من حديث إبراهيم بن زكريا ، وهو يحدّث عن الثقات بالبواطيل ، والحمل في هذا الحديث عليه ، عن إبراهيم بن محمد بن أبي محذورة ، عن أبيه ، عن جدّه ، وفي كتاب الميموني سمعت أبا عبد الله يقول : لا أعرف شيئا يثبت في أوقات الصلاة : أولها كذا وأوسطها كذا ، يعني مغفرة ورضوانا ، فقال له رجل : ما يروى أول الوقت كذا ، وأوسطها كذا رضوان ومغفرة ، فقال له أبو عبد الله : من يروي هذا ؟ ليس هذا يثبت ، وحديث عياض بن زيد العبدي سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا أيها الناس عليكم بذكر ربكم عز وجل وصلوا صلاتكم في أوّل وقتكم ، فإن الله تعالى يضاعف لكم . رواه أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث سليمان بن داود المنقري ، ثنا عثمان بن عمر ، عن النهاس القيسي ، عن أبي الشيخ الهنائي ، عن رجل من عبد القيس اسمه عياض ، فذكره ، ويلتحق به أيضا ما خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الفجر فجران : فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام . رواه عن محمد بن علي بن محرز ، نبأ أبو أحمد الزبيري ، نا سفيان عنه ، وقال : في هذا الخبر دلالة على أنّ صلاة الفرض لا تجوز قبل دخول وقتها بقوله : فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة يريد صلاة الصبح ، وفجر تحرم فيه الصلاة يريد صلاة الصبح ، ولم يرد أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة بعد طلوع الفجر الأوّل ، وقوله ويحل فيه الطعام يريد الصيام ، وحديث طلق بن علي أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ليس الفجر بالمستطيل في الأفق ، ولكنه المعترض الأحمر ، حسنه أبو عيسى الترمذي ، وحديث قيلة بنت مخرمة قالت : قدمت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي بالنّاس الغداة ، وقد أقيمت حين شقّ الفجر والنجوم شابكة في السماء والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل . الحديث بطوله ذكره أبو عيسى ، عن عبد بن حميد ، عن عفان بن مسلم ، عن عبد الله بن حسان أنّ جدته صفية ، ودحية حدّثتاه عنها ، وقال : لا يعرف إلا من حديث ابن حسان ، ومرسل محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الفجر فجران فأمّا الذي يكون في الأفق كذنب السرطان ، فلا يحل الصلاة ، ولا يحرم الطعام ، وأما الذي يذهب مستطيلا في الأفق ، فإنه يحل الصلاة ويحرّم الطعام ، وعن عبادة بن الصامت ، وشداد بن أوس من حديث مكحول عنها فيما ذكره أبو الحسن البغدادي في سننه : الفجر فجران المستطيل والمعترض، فإذا انصدع المعترض حلّت الصلاة ، وقد عبّر عنه الشاعر بقوله فيما أنشده الثقفي : وحاكم من أعدل الحكام من بني سام وأخي حام إذا تبدى فجر عن ابتسام فرق بين الحلّال والحرام . وقال آخر ، وعبّر عن الفجر الصادق والكاذب : قد سمي اثنان بنو شروان ووصفا بالعدل في الزمان والليل ما زال له فجران وإنما الصادق منه الثاني

448

باب وقت صلاة الفجر 63 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان نساء المؤمنات يصلين مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الصبح ، ثم يرجعن إلى أهلهن ، فلا يعرفهن أحد - تعني من الغلس . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم

449

62 - حدثنا محمد بن رمح المصري ، أنا الليث بن سعد ، عن ابن شهاب أنّه كان قاعدا على مياثر عمر بن عبد العزيز في إمارته على المدينة ، ومعه عروة بن الزبير ، فأخرّ عمر العصر شيئا ، فقال له عروة : أمّا إن جبريل نزل ، فصلى أمام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال له عمر : اعلم ما تقول يا عروة ، قال : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبا مسعود يقول : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : نزل جبريل فأمّني فصلّيت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليِت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، يحسب بأصابعه خمس صلوات . هذا حديث خرجه الشيِخان في صحيحيهما : بلفظ أن عمر أخّر الصلاة يوما ، فدخل عليه عروة فأخبره أنّ المغيرة بن شعبة أخرّ الصلاة يوما وهو بالعراق ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا يا مغيرة ؟ أليس قد علمت إنّ جبريل نزل ، فصلّى ، فصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم صلى ، فصلّى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكر خمسا ، ثم قال : بهذا أمرت ، فقال عمر لعروة : اعلم ما تحدّث به ، أوإنّ جبريل هو أقام لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مواقيت الصلاة ؟ قال عروة : كذلك كان بشير ابن أبي مسعود يحدّث عن أبيه ، وفي لفظ لمسلم : أنّ عمر أَخَّرَ الصلاة لم يقل العصر ، وفي حديث ابن ماجه تصريح بأن ابن شهاب شهد قصة عروة مع عمر ، وبسماع عروة من بشير ، وعندهما : ليس كذلك لقول ابن شهاب : إن عمر أخر ، فدخل عليه عروة ، فقال : كذلك كان بشير يحدّث عن أبيه ، قال أبو عمر : وحديث ابن شهاب هذا متصل عند أهل العلم مسند صحيح ؛ لأنّ مجالسة بعض المذكورين فيه لبعض معلومة مشهورة ، وإن كان ظاهر مساقه في رواية مالك يدلّ على الانقطاع ، وممن ذكر مشاهدة ابن شهاب للقصة عند عمر مع عروة في هذا الحديث من أصحاب ابن شهاب : معمر ، والليث ، وشعيب بن أبي حمزة ، وابن جريج ، وذكر عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري قال : كنّا مع عمر ، فذكره بلفظ : إن جبرائيل نزل فصلى ، فصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلى النّاس معه ، وفيه : إن الصلاة التي أخرها المغيرة هي العصر أيضا ، وفيه : إن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الخمس في أوقاتهن مرّة واحدة لا مرتين ، فقال له عمر : انظر ما تقول يا عروة ، أوإنّ جبريل هو سنّ وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا . وفي لفظ للحاكم من حديث أسامة بن زيد ، عن ابن شهاب ، عن عروة قال : سمعت بشيرا يحدّث عن أبيه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة ، ثم يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ، وهي على ستة أميال قبل غروب الشمس ، ثم قال : قد اتفقا على حديث بشير في آخر حديث الزهري ، عن عروة بغير هذا اللفظ ، وفي كتاب الحازمي ، وذكر هذه الزيادة : هذا إسناد رواته كلهم ثقات ، والزيادة من الثقة مقبولة ، وفي مصنف أبي داود من حديث أسامة ، عن الزهري بسنده ، عن أبي مسعود سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : نزل جبرائيل عليه السلام ، فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه ، ثم صليت معه ، يحسب بأصابعه خمس صلوات ، فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الظهر حين تزول الشمس ، وربما أخّرها حين يشتد الحر ، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة ، فينصرف الرجل من الصلاة ، فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس ، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس ، ويصلي العشاء حين يسود الأفق ، وربما أخرّ حتى يجتمع النّاس ، وصلى الصبح مرة بغلس ، ثم صلى مرّة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، لم يعد أن يسفر . ثم قال : روى هذا الحديث عن الزهري : معمر ، ومالك ، وابن عيينة ، وشعيب ، والليث بن سعد ، وغيرهم لم يذكروا الوقت ، الذي صلى فيه ، ولم يفسروه . قال الخزرجي : وهذا إسناد حسن ، ولما خرجه أبو القاسم في الأوسط قال : لم يرو هذا الحديث عن أسامة إلا يزيد بن أبي حبيب ، تفرد به الليث ، ولم يحد أحد ممن روى هذا الحديث عن الزهري المواقيت إلا أسامة ، ولما خرجه ابن خزيمة في صحيحه قال : هذه الزيادة لم يقلها أحد غير أسامة بن زيد ، وفي هذا الخبر كالدلالة على أنّ الشفق البياض لا الحمرة ؛ لأن في الخبر ، ويصلي العشاء حين يسود الأفق ، وإنما يكون ذلك بعد ذهاب البياض الذي يكون بعد سقوط الحمرة ، والواجب في النظر إذا لم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّ الشفق : الحمرة ، وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّ أوّل وقت العشاء : إذا غاب الشفق أن لا يصلي العشاء حتى يذهب بياض الأفق ؛ لأنّ ما كان معدوما فهو معدوم حتى يعلم كونه بيقين ، وذكر الخطيب في كتاب الفصل : أنّ أسامة وهم فيه ؛ لأنّ قصة المواقيت ليست من حديث أبي مسعود ، ولما ذكر الدارقطني رواية أسامة هذا قال : أدرجه في حديث أبي مسعود ، وخالفه يونس ، وابن أخي الزهري ، فروياه عن الزهري قال : بلغنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مواقيت الصلاة بغير إسناد ، وقال : وحديثهما أولى بالصواب ، ورواه هشام عن أبيه في رواية حماد ، وأبي حمزة عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يسمه ، ورواه حبيب بن أبي مرزوق ، وأبو بكر بن حزم ، عن عروة ، عن أبي مسعود ، إلا أن أبا بكر قال فيه ، عن عروة : حدثني أبو مسعود ، أو بشير بن أبي مسعود ، وكلاهما قد صحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ووهم في هذا القول ، والصواب قول الزهري ، عن عروة ، عن بشير ، ورواه أبو بكر بن حزم ، عن أبي مسعود ، وردّه بالانقطاع ، قال أبو عمر : ورواية أبي بكر بن حزم فيها الصلاة لوقتين ، وروي ذلك من طريق علي بن عبد العزيز ، قال أحمد بن يونس : نا أيوب بن عتبة ، نا أبو بكر ، وأما قول ابن خزيمة : لم يثبت أنّ الشفق الحمرة ، فكأنه يشير إلى ما ذكره الدارقطني في سننه عن عبادة ، وشداد بن أوس ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وكلها ضعيفة ، وأما قوله : ( أو بشير بن أبي مسعود حديث ، وكلاهما قد صحب ) يشبه أن يكون أخذه من كتاب ابن حبان ، فإنه لما ذكر حديث عروة قال : عن بشير : قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره ، وفي الباب : حديث أناس من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أن جبرائيل أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين زاغت الشمس عن رأسه ، قال : قم فصل الظهر أربعا ، ثم أتاه حين كان ظلّ كلّ شيء مثله ، فقال : قم فصل العصر أربعا ، ثم أتاه حين غابت [الشمس ، فقال : قم ، فصل المغرب ثلاثا ، ثم أتاه حين غاب ] الشفق ، فقال : قم ، فصل ، فقام ، فصلى العشاء أربع ركعات ، ثم أتاه حين برق الفجر ، فقال : قم ، فصل ، فقام ، فصلى الفجر ركعتين ، ثم تركه حتى إذا كان الغد أتاه حين كان الظل مثله فقام ، فصلى الظهر أربعا ، ثم أتاه حين كان ظِلّه مثليه ، فقال : قم ، فصل ، فقام ، فصلى أربعا ، ثم أتاه حين غابت الشمس ، فقال : قم ، فصل ، فصلى المغرب ثلاثا ، ثم تركه حين أظلم ، ثم أتاه ، فقال : قم ، فصل ، فقام ، فصلى العشاء أربعا ، ثم أتاه حين أسفر ، فقال : قم ، فصل الفجر ركعتين ، ثم قال : ما بين هذه الصلوات وقت ذكره الدارقطني في كتاب العلل ، عن علي بن الفضل البلخي ، أنبأ محمد بن عامر قراءة عليه حدثكم معاذ ، عن زفر ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عنهم ، وحديث ثابت بن معدان أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أتاني جبريل مرتين ، فصلى الظهر حين مالت الشمس قيد الشراك ، فذكره ابن قتيبة في كتاب غريب أصناف الأحكام وما يتعلّق بها من الحلال والحرام ، وحديث جابر بن عبد الله قال : جاء جبرائيل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين مالت الشمس ، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاء به للعصر ، فقال : قم يا محمد ، فصل العصر ، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس سواء ، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه ، فقال : قم فصل العشاء ، فقام فصلاها ، ثم جاءه حين سطع الفجر بالصبح ، فقال : قم يا محمد ، فصل ، فقام ، فصلى الصبح ، ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله ، فقال : قم يا محمد فصل الظهر ، ثم جاء حين كان فيء الرجل مثليه ، فقال : قم يا محمد ، فصل ، فصلى العصر ، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه ، فقال : قم فصل ، فصلى المغرب ، ثم جاءه العشاء حين ذهب ثلث الليل ، فقال : قم فصل ، فصلّى العشاء ، ثم جاءه الصبح حين أسفر جدا ، فقال : قم ، فصل ، فصلى الصبح ، ثم قال ما بين هذين وقت كلّه . رواه ابن خزيمة والبستي في صحيحيهما ، وفي كتاب الترمذي : وحديث جابر ذلك قد رواه عطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، وأبو الزبير عن جابر نحو حديث وهب بن كيسان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث حسن صحيح غريب ، وقال محمد : أصح شيء في المواقيت حديث جابر ، وصححه أبو عبد الرحمن النسائي أيضا فيما ذكره ابن الحصار ، ولما ذكره الطوسي في أحكامه من حديث الدوري ، عن إبراهيم بن شماس ، ثنا ابن المبارك ، عن حسين بن علي حدثني وهب بن كيسان به قال : قال الدوري : أكثر أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن شماس ، ولما ذكره أبو عمر قال : هو حديث متصل حسن ، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي سكت عنه مصححا له ، وقال ابن القطّان : هو يجب أن يكون مرسلا ؛ لأن جابرًا لم يذكر من حدّثه بذلك ، وهو لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء ، لماّ علم من أنه أنصاري إنّما صحب بالمدينة ، وابن عباس ، وأبو هريرة اللذان رويا أيضا قصة إمامة جبريل ، فليس يلزم في حديثهما من الإرسال ما في رواية جابر ؛ لأنهما قالا : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك وقصه عليهما ، وذكره الطبراني في الأوسط من حديث عطاء بلفظ : سأل رجل النبي عليه السلام عن وقت الصلاة ، فلما زالت الشمس أذّن بلال الظهر الحديث ، وقال : لم يروه عن المطعم بن المقدام - يعني عن عطاء - إلا رباح بن الوليد تفرّد به مروان بن محمد ، وذكره في موضع آخر عن عبد الله بن الحسن ، ثنا محمد بن العلاء الهمداني ، ثنا زيد بن حباب ، ثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، قال : حدثني حسين بن بشير بن سلام ، عن أبيه قال : دخلت أنا ومحمد بن علي على جابر فقلت : صلِ بنا كما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، فقال : كان يصلي الظهر الحديث ، قال : ثم صلى من الغد الظهر فذكره مطولا ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح مشهور من حديث ابن المبارك ، والشيخان لم يخرجاه ولعّله حديث الحسن بن علي الأصفر ، وقد رواه عبد الرحمن بن أبي الموال وغيره ، وله شاهدان مثل ألفاظه عن جابر ، فذكر حديث برد بن سنان ، عن عطاء بن أبي رباح ، وحديث عبد الكريم عن أبي الزبير ، وحديث ابن عباس أن جبريل أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى به الصلوات وقتين إلا المغرب ، قال أبو عبد الله إثر تخريجه من حديث أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، ومحمد بن عمرو ، عن حكيم بن حكيم ، عن نافع بن جبير عنه : هذا حديث صحيح الإسناد ، رواه الثوري ، وعبد العزيز الدراوردي ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، وهو من أشراف قريش المقبولين في الرواية ، وحكيم بن حكيم هو ابن عباد بن حنيف ، وكلاهما مدنيان ، ولما خرجه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن ابن الحارث قال : أخبرني ابن عباس قال : حديث ابن عباس حسن صحيح ، وخرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، وابن الجارود في منتقاه ، وقال البغوي في شرحه : هذا حديث حسن ، وابن حبان البستي ، ولما خرجه الطوسي في أحكامه حسنه ، وكذلك ابن عبد البر ، زاد : هو متصل ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبيس بن مرحوم ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن ابن عجلان ، عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أمني جبريل ، وذكرت لهما قصة المواقيت ، فقال أبو زرعة : وهم عبيس في هذا الحديث ، وقال أبي : أخشى أن يكون وهم فيه عبيس ، فقلت لهما : فما علّته ؟ قالا : رواه عدة من الحفاظ ، عن حاتم ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، عن حكيم بن حكيم ، عن نافع ، عن ابن عباس ، قالا : وهذا هو الصحيح ، وسمعت أبي يقول مرّة أخرى : أخشى أن يكون هذا الحديث هذا الإسناد موضوعا ، وأما تصحيح الترمذي حديث ابن أبي الزناد ، ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من ضعفه الذي سلم منه إسناد حديث الحاكم فمن بعده ، وقال الدارقطني في الأفراد : تفرد به السدي عن عثمان بن الأسود ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن حكيم ، عن نافع وهو مردود بما أسلفناه ، وما رواه ابن إسحاق ، عن عتبة بن مسلم مولى بني تيم ، عن نافع بن جبير ، وكان نافع كثير الرواية عن ابن عمر قال : لما فرضت الصلاة الحديث ، وزعم بعض العلماء من المتأخرين أنه منقطع قال : الاحتمال أن يكون نافع وصف بكثرة الرواية عن ابن عباس ؛ لأنه رواه هنا عنه ، وقد استوفينا ذكر ذلك في كتابنا المسمى بالزهر الباسم ، وبينا أنه متصل ، والله تعالى أعلم ، وحديث أبي موسى ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أتاه سائل ، فسأله عن مواقيت الصلاة ؟ ، فلم يرد عليه شيئا ، قال : فأقام الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا ، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس ، والقائل يقول : قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم ، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم أخرّ الفجر من الغد حتى انصرف منها ، والقائل يقول : قد طلعت الشمس ، أو كادت ، ثم أخّر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس ، ثم أخّر العصر حتى انصرف منها ، والقائل يقول : قد احمرت الشّمس ، ثم أخرّ المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ، ثم أخرّ العشاء حتى كان ثلث الليل الأوّل ، ثم أصبح فدعا السائل ، فقال : الوقت بين هذين ، خرجه مسلم في صحيحه ، وقال الترمذي عن البخاري : هو حديث حسن وعند أبي داود : وصلى العصر ، وقد اصفرت الشمس ، أو قال : أمسى ، وحديث أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ، فصلى له صلاة الصبح حين طلع الفجر ، ثم صلى له الظهر حين زاغت الشمس ، ثم صلى له العصر حين رأى الظل مثله ، ثم صلى له المغرب حين غربت الشمس ، وحل فطر الصائم ، ثم صلى العشاء حين ذهب شفق اللّيل ، ثم جاءه الغد ، فصلى له الصبح ، فأسفر بها قليلا ، ثم صلّى له الظهر حين كان الظلّ مثله ، ثم صلى له العصر حين كان الظل مثليه ، ثم صلى له المغرب بوقت واحد حين غربت الشمس ، وحلّ فطر الصائم ، ثم صلى له العشاء حين ذهب ساعة من الليل ، ثم قال : الصلاة ما بين صلاتك أمس ، وصلاتك اليوم ، رواه النسائي بإسناد صحيح ، ولما خرجه الحاكم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وقد قدمت له شاهدين ، ووجدت له شاهدا آخر صحيحا على شرط مسلم ، رواه أبو الموجه عن يوسف بن عيسى ، نا الفضل بن موسى ، نا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة به ، وحكى الترمذي ، عن البخاري : أنّه حديث حسن ، ورويناه في مسند السراج من حديث عبد اللّه بن حمزة الزبيري ، ثنا عبد الله بن نافع ، عن عمر بن عبد الرحمن بن أسيد ، عن محمد بن عمار ، عنه ، بزيادة : ثم صلّى بي الصبح حين أسفر ، ثم قال : هذه صلاة النبيين من قبلك يا محمد ، فالزم ، ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث الأعمش ، عن أبي صالح عنه ، وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل : ثم انصرف بالفجر حين ما أرى من السماء نجما ، ونسب عمر بن عبد الرحمن ، فقال ابن زيد بن الخطاب : وحديث أنس بن مالك : أنّ رجلا أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن وقت صلاة الغداة ، وفيه : ما بين هذين وقت ، رواه السراج في مسنده بسند صحيح ، وفي مراسيل أبي داود ، عن الحسن في صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خلف جبرائيل وصلاة الناس خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسر في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء وجهر في الصبح والأوليين من المغرب والأوليين من العشاء ، ووصله الدارقطني من حديث أنس : أنّ جبريل أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين زالت الشمس ، فأمره أن يؤذّن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم ، وذكر الإسرار في صلاة العصر ، قال الإشبيلي : والمرسل أصح ، قال أبو الحسن في كتاب الوهم والإيهام : لم يبيّن لحديث أنس علّة ، وهو حديث يرويه ، ويرويه عنه أبو حمزة إدريس بن يونس بن يناق الفراء ، ولا تعرف أيضا حاله ، وحديث عبد الله بن ثعلبة الأنصاري ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صلى الفجر يوما فغلس بها ، ثم صلاها إثرها بعد ، فأسفر بها ، ثم قال : ما بينهما وقت ، ذكره في الأوسط من حديث الزهري حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن ثعلبة ، وقال : لم يروه عن الزهري إلا عبد الرحمن بن نمر اليحصبي ، تفرد به الوليد بن مسلم ، وحديث مجمع بن جارية : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن مواقيت الصلاة فقدم وأخر ، وقال : بينهما وقت ، رواه الدارقطني عن ابن مخلد ، قال : ثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، ثنا أبو يعلى محمد بن الصلت التوزي ، نا الوليد بن مسلم ، ثنا ابن نمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن ثعلبة ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عمّه مجمع به ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وعبيد اللّه هذا هو ابن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير العذري ، وحديث ابن عمر ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أتاني جبريل عليه السلام حين طلع الفجر ، وذكر الحديث ، وقال في وقت المغرب : ثم أتاني حين سقط القرص ، فقال : قم ، فصل ، فصليت المغرب ثلاث ركعات ، وذكر الحديث بطوله ، رواه الدارقطني في كتاب السنن من طريق ضعيفة ، عن ابن صاعد ، والحسين بن إسماعيل ، وأبي شيبة قالوا : ثنا حميد بن الربيع ، ثنا محبوب بن الجهم بن واقد مولى حذيفة بن اليمان ، نا عبيد الله بن عمر ، عن نافع عنه به ، وأنا ابن الصواف ، ثنا الحسين بن فهر بن حماد البزار ، ثنا الحسن بن حماد سجادة ، ثنا ابن علية ، عن ابن إسحاق ، عن عتبة بن مسلم ، عن نافع عنه ، قال : لما فرضت الصلاة نزل جبريل عليه السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى به الظهر ، وذكر المواقيت ، وقال : فصلى به المغرب حين غابت الشّمس ، وقال في اليوم الثاني : فصلى به المغرب حين غابت الشمس ، وحديث أبي سعيد الخدري ذكره أبو عمر في التمهيد وحسنه ، وحديث عمرو بن حزم ذكره أبو علي الطوسي ، وحديث البراء بن عازب ذكره أبو القاسم في الأوسط ، عن أحمد الحلواني ، نا الحسن بن إدريس ، نا عبد الصمد بن عبد العزيز الداراني ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن ابن أبي ليلى ، عن حفصة بنت عبيد ، عن عمّها البراء قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فسأله عن وقت الصلاة ، فلم يرد عليه شيئا ، فأمر بلالا ، فأقام الصلاة بغلس ، حتى إذا كان من الغد أخرها حتى أصبح جدا ، ثم أمره فأقام الصلاة فصلى ، ثم قال أين السائل عن الوقت ؟ صلّ ما بينهما ، وقال : لا يروى هذا الحديث عن البراء إلا بهذا الإسناد تفرد به ابن أبي ليلى ، وحديث أبي بكر ابن حفص قال نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن الله تبارك وتعالى بعث إلي جبرائيل عليه السلام يعلمني مواقيت الصلاة ، فذكر مثل حديث ابن عباس ، إلا أنه قال في الفجر في اليوم الثاني : فلما أضاء الفجر وعرف الناس بعضهم بعضا ، أمرني بصلاة الفجر ، ثم قال : يا نبي الله وقت الصلاة بين هذين ، ذكره الفضل بن دكين في كتاب الصلاة ، عن أبان ، عن عبيد الله البجلي عنه ، وحديث الحسن - يعني : ابن علي - أنّ رجلا سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مواقيت الصلاة فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بغلس ، حتى إذا كان من الغد أسفر جدا ، فقال : أين السائل ، عن الصلاة ، ما بين هذين صلاة ، رواه أيضا عن أبي الأشهب عنه ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، ذكره أبو عمر بن عبد البر ، وحديث أبي مسعود : إن جبريل أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين دلكت الشمس ، يعني : زالت ، ثم ذكر المواقيت ، وقال : ثم أتاه جبرائيل حين غابت الشّمس ، فقال : قم ، فصل ، وقال : ثم أتاه من الغد حيث غابت الشمس وقتا واحدا ، فقال : قم ، فصل ، فصلى ، ذكره أبو الحسن في سننه ، عن عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا أحمد بن علي الخزاز ، ثنا سعيد بن سليمان بن سعدويه ، ثنا أيوب بن عتبة ، ثنا ابن عمرو بن حزم ، عن عروة بن الزبير ، عن ابن أبي مسعود ، عن أبيه ، إن شاء الله تعالى به ، وقد تقدم كلام ابن عبد البر فيه قبل ، وحديث بشر بن معاذ قال : صليت أنا وأبي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولي عشر سنين ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إمامنا ، وكان جبرائيل إمام النبي - عليه السلام والنبي - عليه السلام - ينظر إلى خيال جبرائيل عليه السلام ، شبه ظل سحابة إذا تحرّك الخيال ركع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث جابر بن عبد الله العقيلي عنه ، وقال : لا يعرف إلا من هذا الوجه من رواية أهل بلخ ، ولم يكن عند بشر غير هذا . غريبه : الوقت معروف ، والميقات : الوقت المعروف للفعل والموضع ، يقال : هذا ميقات أهل الشام : الموضع الذي يحرمون منه ، وتقول : وقته فهو موقوت : إذا بين للفعل وقتا ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا . أي : مفروضا في الأوقات ، والتوقيت : تحديد الأوقات ، تقول : وقته ليوم كذا مثل أجلته ، وقرئ وإذا الرسل وقتت ، ووقتت مخففة ، وأقتت لغة مثل وجوه وأجوه ، والموقت مفعل من الوقت ، قال العجاج : والجامع الناس ليوم الموقت ، قاله أبو نصر ، زاد في الأساس : شيء موقت : محدد ، والهلال ميقات الشهر ، والآخرة ميقات الخلق ، وفي الجامع : الوقت اسم واقع على الساعة من الزمان ، والحين ، والجمع : أوقات ، وأنكر ابن التين على أبي عبد الله البخاري قوله : وقته عليهم ، بأن قال : رويناه عنه بالتشديد ، وإنما هو بالتخفيف ، ويدل على صحته قوله تعالى مَوْقُوتًا إذ لو كان مشددا لكان موقتا . وأمّا الشفق : فهو الحمرة التي ترى في السماء بعد غيوب الشّمس ، وهما شفقان : أحدهما الحمرة ، والآخر البياض الذي يرى في المغرب ، فآخر وقت العشاء الآخرة وقت مغيبه ، قال تعالى : فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ، وقد ذكر بعض أهل اللغة : أن الشفق إنّما هو الحمرة واحتج بالاشتقاق ؛ لأنّ العرب تقول : ثوب مشفق ، إذا صبغ بالحمرة ، قاله الفراء ، وفي الصحاح : الشفق : بقية ضوء الشّمس وحمرتها في أوّل الليل إلى قريب من العتمة ، وقال الخليل : الشفق : الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة ، وزعم أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى : أنّ الحمرة هو قول أكثر أهل اللغة ، وفقهاء الحجاز ، والبياض قول أهل العراق ، وحكى مثله عن مالك ، والأوّل هو المشهور من قوله ، وقال بعض أهل اللغة : الشفق يطلق عليهما جميعا ، وقال بعضهم : الحمرة غير القانية ، والبياض غير الناصع ، الاسم يتناولهما ، ونفى الخلاف في الحكم بماذا يتعلّق الأول ، أو بالثاني ؟ ، وفي كتاب التلخيص لأبي هلال : والشفق حمرة وبياض ليس بمحكم ، قال أبو عمر بن عبد البر : لا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أنّ الصلاة إنما فرضت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء ، ولكنهم اختلفوا في هيئتها حين فرضت ، فروي عن عائشة : أنّها فرضت ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر ، فأكملت أربعا ، وأقرت صلاة السفر على ركعتين ، ومن رواة حديثها هذا من يقول : زيد فيها بالمدينة ، وأقرت صلاة السفر على ركعتين ، وهو أصح من حديث القشيري وغيره ، وأصح من حديث ابن عباس انتهى . وقال : وروي عن سلمان وغيره ما يوافق روايتها من ذلك حديث : فرضت الصلاة ركعتين ، فصلاها عليه السلام بمكة حتى قدم المدينة ، وصلاها بالمدينة كم شاء الله تعالى ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ، وتركت صلاة السفر على حالها ، ذكره في الأوسط ، عن محمد بن أحمد بن أبي خيثمة قال : دفع إلي جعفر بن عياش كتابه فكتبت منه : ثنا عمرو بن عبد الغفار ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان عنه ، وقال : لم يروه عن عاصم إلا عمرو ، ولا يروى عن سلمان إلا بهذا الإسناد ، وفي المعجم الكبير : ثنا علي بن المبارك ، ثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني سليمان بن بلال ، عن سعد بن سعيد ، قال : سمعت السائب بن يزيد يقول : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر ، وأقرت صلاة السفر ، وقال أبو عمر : وبذلك قال الشعبي ، وميمون بن مهران ، والحسن في رواية ، ومحمد بن إسحاق ، وروي عن ابن عباس : أنها فرضت في الحضر أربعا ، وفي السّفر ركعتين ، فيما ذكره في الأوسط من طريق ابن أرطأة ، عن يحيى بن عبيد أبي عمر البهراني عنه ، وقال : لم يروه عن يحيى إلا الحجاج ، ولا عن حجاج إلا عمران القطان ، تفرد به محمد بن بلال ، قال أبو عمر : كذلك قال نافع بن جبير ، وكان أحد علماء قريش بالنسب وأيام العرب والفقه ، وهو راوية حديث ابن عباس في إمامة جبريل : أنها فرضت أول ما فرضت أربعا إلا المغرب والصبح ، وكذلك قال الحسن بن أبي الحسن في رواية : وهو قول ابن جريج ، وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث القشيري وغيره ما يوافق ذلك ، وهو قوله : إن الله تعالى وضع على المسافر الصوم وشطر الصلاة ، ووضع لا يكون إلا عن تمام قبله ، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عمر قال : فرضت الصلاة في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين . قال : وسنده حسن ، ولم يختلفوا أنّ جبريل - عليه السلام - هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها وهيئتها ، ثنا ابن سفيان ، ثنا قاسم بن أصبغ ، ثنا أحمد بن زهير ، ثنا هدبة بن خالد ، عن همام ، عن قتادة ، قال : فحدثنا الحسن أنه ذكر له : أنه لما كان عند صلاة الظهر نودي إنّ الصلاة جامعة ففزع الناس فاجتمعوا إلى نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى بهم الظهر أربع ركعات يؤم جبرائيل محمدا ، ويؤم محمد الناس يقتدي محمد صلى الله عليه وسلم بجبريل ، ويقتدي الناس بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لا يسمعهم فيهن قراءة ، ثم سلّم جبريل على محمّد صلى الله عليه وسلم ، وسلم محمد صلى الله عليه وسلم على النّاس ، فلما سقطت الشّمس ، نودي إنّ الصلاة جامعة ، ففزع النّاس واجتمعوا إلى نبيّهم صلى الله عليه وسلم ، فصلّى بهم العصر أربع ركعات لا يسمعهم فيهن قراءة ، وهي أخفت ، يؤم جبريل محمدا عليه السلام ، ويؤم محمد صلى الله عليه وسلم الناس ، يقتدي محمد صلى الله عليه وسلم بجبريل ، ويقتدي النّاس بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم سلّم جبريل على محمد ، وسلّم محمد صلى الله عليه وسلم على النّاس ، فلما غابت الشمس نودي : الصلاة جامعة الحديث ، وقد تقدّمت الإشارة إليه ، قال : ففي هذا أنّ جبريل لم يصل الصلوات الخمس بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا مرة واحدة ، وهو وإن كان مرسلا ، فإنه حديث حسن مهذب ، وبه احتج من زعم : أن جبريل عليه السلام صلى في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء مرة واحدة للصلوات كلها ، على هذا ظاهر حديث مالك في ذلك ، واحتجوا أيضا بما ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قال نافع بن جبير وغيره : لما أصبح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الليلة التي أسري به فيها لم يرعه إلا جبريل بمنزله عليه السلام حين زاغت الشّمس ، ولذلك سميت الأولى ، فأمر ، فصيح بأصحابه : الصلاة جامعة ، فاجتمعوا فصلى جبريل بالنبي عليه السلام وصلّى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنّاس ، وطوّل الركعتين الأوليين ، ثم قصّر الباقيتين الحديث ، وفي كتاب الطبراني من حديث ياسين الزيّات ، عن أشعث ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد قالا : أوّل صلاة فرضت على النبي الظّهر ، وفي الدلائل للبيهقي ، عن علي : أوّل صلاة ركعناها العصر ، وهو معارض لما تقدّم لو صح إسناده ، قال أبو عمر : قوله : الصلاة جامعة ؛ لأنه لم يكن يومئذ أذان ، وإنما كان الأذان بالمدينة بعد الهجرة بعام ، أو نحوه ، فقال من ذكرنا قوله حديث نافع بن جبير هذا مثل حديث الحسن ، وهو ظاهر حديث مالك ، والجواب عن ذلك ما تقدّم ذكرنا له من الآثار الصحاح المتصلة في إمامة جبريل لوقتين ، وفيها زيادة يجب قبولها ، والعمل بها لنقل العدل لها ، وليس تقصير من قصر [عن حفظ ذلك وإتقانه ، والإتيان به بحجة ، وإنما الحجة في شهادة من شهد ، لا في قول من قصر عن حفظ ذلك] ، وأجمل ، واختصر ، على أنّ هذه الآثار منقطعة ؛ وإنما ذكرناها لما وصفنا ؛ لأن فيها أنّ الصلاة فرضت في الحضر أربعا ، لا ركعتين ، على خلاف ما زعمت عائشة ، وقال بذلك جماعة ، وردوا حديث عائشة ، وإن كان إسناده صحيحا ، بضروب من الاعتلال ، ويجاب أنا لا حاجة لنا إلى أصل الفرض إلا من طريق القصر ، ولا وجه لقول من قال : إنّ حديثهما يعارضه القرآن ، وهو قوله تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ . وقد أجمع العلماء أنه لا يكون قصّر من ركعتين في شيء في السّفر في الأمن ؛ لأن حديث عائشة قد أوضح أنّ الصلاة زيد فيها في الحضر ، ومعلوم أنّ الفرض فيها كان بمكة شرفها الله تعالى ، وعظّمها ، وأنّ الزيادة كانت بالمدينة ، وأنّ سورة النساء متأخرة ، فلم يكن القصر مباحا إلا بعد تمام الفرض ، وذلك يعود إلى معنى واحد في أنّ القّصر إنّما ورد بعد تمام الصلاة أربعا ، ولا حاجة بنا إلى أصل الفرض اليوم ؛ لأنّ الإجماع منعقد بأنّ صلاة الحضر ثابت أربعا ، وبالله التوفيق ، انتهى . وقد ذكر أبو زيد السهيلي رحمه الله تعالى لحديث عائشة وجها حسنا ، وهو قوله : وذكر الحربي أنّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشّمس ، وصلاة قبل طلوعها : قال تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ، وقال يحيى بن سلام مثله ، فعلى هذا : يحتمل قولها زيد في صلاة الحضر ، أي زيد فيها حتى أكملت خمسا ، فتكون الزيادة في الركعات ، وفي عدد الصلوات ، ويكون قولها : فرضت الصلاة ركعتين أي قبل الإسراء ، وقد قال بهذا طائفة من السلف منهم : ابن عباس انتهى ، وبمثله ذكره ابن الجوزي في كتاب الوفا بفضائل المصطفى صلى الله عليه وسلم ، عن محمد بن أحمد بن البراء ، ومقاتل بن سليمان ، وأما قول أبي بشر الدولابي في تاريخه : وروي عن عائشة ، وأكثر الفقهاء : أنّ الصلاة نزلت بتمامها فمحمول على إتمام العدد ، لا الركعات ، والله تعالى أعلم ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ما بين هذين وقت أراد به تعليم الأعرابي بأن الصلاة تجوز في آخر الوقت لمن نسي ، أو كان له عذرٌ ، أو خشي منه عليه السلام أن يظنّ أنّ الصلاة في آخر الوقت لا تجزئ ، وزعم الأصيلي أنه قال : لم يصح عند مالك حديث الوقتين ، وإنما قال بالوقتين بعمل أهل المدينة ، وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قال : حديث الوقتين لم يخرّجه البخاري ، وسأله الترمذي لِم لم تخرجه ، وقد رواه قتيبة عن مالك ؟ ! . فقال البخاري : انفرد به قتيبة ، قال أبو الحسن : أراد البخاري أن قتيبة غريب رحّال ، يذكر عن الليث شيئا لم يذكره غيره ، وأهل مصر أقعد بمالك ، وأعلم بحديثه ، ولم يوجد عندهم ، فاستراب منه ، وإلا فقتيبة ثقة حافظ ، وذكر غيره أنّ مثل هذا لا يرد به خبره ، لثقته انتهى ، وقد بينا حديث الوقتين مصححا قبل ، والله تعالى أعلم .

450

باب مواقيت الصلاة 61 - حدثنا محمد بن الصباح ، وأحمد بن سنان قالا : ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، أنبأ سفيان ح ، وثنا علي بن ميمون الرقي ، ثنا مخلد بن يزيد ، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن وقت الصلاة ؟ فقال : صل معنا هذين اليومين ، فلما زالت الشّمس أمر بلالا ، فأذّن ، ثم أمره ، فأقام الظهر ، ثم أمره ، فأقام العصر ، والشمس مرتفعة بيضاء نقية ، ثم أمره ، فأقام المغرب حين غابت الشّمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم أمره ، فأقام الفجر حين طلع الفجر ، فلما كان من اليوم الثاني أمره ، فأذن الظّهر ، فأبرد بها ، فأنعم أن يبرد بها ، ثم صلّى العصر والشّمس مرتفعة أخّرها فوق الذي كان ، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل ، وصلى الفجر ، فأسفر بها ، ثم قال : أين السائل عن وقت الصلاة ، فقال الرجل : أنا يا رسول الله قال : وقت صلاتكم بين ما رأيتم . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وبنحوه قاله الطوسي في أحكامه ، ويشبه أن تكون الغرابة جاءته من جهة تفرد علقمة عن سفيان به وهو الذي حكاه أبو عيسى في كتاب العلل عن البخاري : حديث بريدة حسن ، ولم يعرفه إلا من حديث سفيان ، وقال البزار : لا نعلم روى هذا الحديث عن شعبة إلا حرمي ، ولا عن الثوري إلا إسحاق بن يوسف ، ففي هذا دلالة على أنّ شعبة رواه أيضا ، وسيأتي متابعة الجراح لهما ، ولما خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه قال : لم أجد في كتابي عن الزعفراني المغرب في اليوم الثاني ، ثنا بندار ، ثنا حرمي بن عمارة ، ثنا شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المواقيت لم يزدنا بندار على هذا ، قال بندار : فذكرته لأبي داود ، فقال : صاحب هذا الحديث ينبغي أن يكبر عليه ، قال بندار : فمحوته من كتابي . قال أبو بكر : ينبغي أن يكبر على أبي داود حيث غلط ، وأن يضرب بندار عشرة حيث محا هذا الحديث من كتابه ؛ لأنه صحيح على ما رواه الثوري أيضا ، عن علقمة ، ثنا عن حرمي محمد بن يحيى ، ثنا علي بن عبد الله ، ثنا حرمي بن عمارة ، عن شعبة بالحديث بتمامه ، وقال البزار : ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط من طريق الجراح بن الضحاك ، عن علقمة بن مرثد قال له ولأحاديث قبله : لم يرو هذه الأحاديث عن الجراح إلا علي بن أبي بكر تفرّد به نوح بن أنس .

451

2 - باب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء ، وعن الحديث بعدها 4 - حدثنا محمد بن بشار يعني ، فذكر حديث أبي برزة المتقدم الذكر في الصحيح قال : 5 - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو نعيم ، وثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو عامر قالا : ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : ما نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل العشاء ، ولا سمر بعدها . هذا حديث إسناده صحيح ، عبد الله بن عبد الرحمن قال فيه ابن معين : صالح ، ووثقه ابن حبان ، وخرج مسلم حديثه في المتابعات ، وخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن الحسن بن سفيان ، عن حميد بن مسعدة ، عن جعفر بن سليمان ، عن هشام ، عن أبيه قال : سمعتني عائشة ، وأنا أتكلم بعد العشاء فقالت : يا عروة ألا تريح كاتبيك ؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ينام قبلها ، ولا يتحدث بعدها . وخرجه ابن وهب في مسنده بسند صحيح ، عن مخرمة بن بكير ، عن بكير عنها : سئل - عليه السلام عن الإنسان يرقد عن العشاء قبل أن يصلي قال : لا نامت عينه لا نامت عينه ، لا نامت عينه ، وفي فوائد الإمام إسماعيل بن عبد الله سمويه : ثنا عبد الله بن الزبير ، ثنا ابن وهب ، عن معاوية ، عن أبي عبد الله عنها مرفوعا : لا سمر إلا لثلاثة : مصل ، أو مسافر ، أو عروس ، ويشبه أن يكون اللفظ الذي ساقه ابن ماجه لفظ بندار لا لفظ أبي نعيم ؛ لأن أبا نعيم ذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة تأليفه بهذا الإسناد ، ولفظه : ما نام قبل العشاء ، والله أعلم .

452

6 - حدثنا عبد الله بن سعيد ، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب ، وعلي بن المنذر قالوا : ثنا محمد بن فضيل ثنا عطاء بن السائب ، عن شقيق ، عن عبد الله ، قال : جدب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السمر بعد العشاء . هذا حديث خرجه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى ، ثنا هدبة ، ثنا همام ، عن عطاء ، وذكره ابن خزيمة في صحيحه أيضا عن إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، ثنا محمد بن فضيل ، ح ، وثنا يوسف بن موسى ، ثنا جرير كلاهما عن عطاء به ، قال : وسمعت محمد بن معمر يقول : قال عبد الصمد يعني بالجدب الزجر ، وذكره الطوسي في باب الرخصة في السمر بعد العشاء ، ويشبه أن يكون وهما ، وفي كتاب الكجي من حديث خيثمة ، عن رجل ، عن ابن مسعود قال - صلى الله عليه وسلم - : لا سمر إلا لمصل ، أو مسافر . ولفظ ابن أبي حاتم في كتاب العلل : نهى عن السمر ، والحديث بعد العشاء . وفي الباب حديث أبي هريرة رفعه أنه كره النوم قبل العتمة ، رواه السراج في مسنده بسند صحيح ، عن أبي الأحوص محمد بن الهيثم ، ثنا نعيم بن حماد ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب عنه ، ومرسل مجاهد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا نامت عين رجل نام قبل أن يصلي العشاء ، رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة ، عن إسماعيل بن عبد الملك البصري عنه ،[ وحديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نهى عن النوم قبلها ، والحديث بعدها ، رواه أبو الطاهر محمد بن عبد الله الذهلي في الثالث والعشرين من انتقاء الدارقطني عليه ، عن محمد بن عبدوس ، عن حجاج بن يوسف ، وإبراهيم بن سعيد ، عن أبي أحمد الزبيري ، عن أبي سعيد بن عوذ ، عن مجاهد عنه ] ، وحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء ، ذكره ابن بطال قال : وكان ابن عمر يسب الذي ينام قبل العشاء ، وفي كتاب أبي نعيم الفضل : ثنا أبو عاصم الثقفي ، حدثني يزيد الفقير قال : جاء رجل إلى ابن عمر فقال : إني أقوم فإذا انصرفت من المغرب ، عمدت إلى أهلي فنمت حتى أقوم إلى صلاة العشاء ، فقال : لا . قال : يا أبا عبد الرحمن ، أوكل رجلا يكون في المسجد ، فإذا أذن المؤذن جاء فأعلمني فتوضأت ثم شهدت الصلاة قال : ويلك تأمرني أن آمرك أن تنام قبل أن تصلي فلا . ثنا عيسى بن قرطاس ، سمعت مجاهدا يقول مثل ذلك ، وزاد فيه : إذا كنت لا بد فصله قبل أن تنام ، وثنا مسعر قال : سألت يزيد الفقير : أسمعت ابن عمر كره النوم قبل العشاء؟ قال : نعم ، قال ابن بطال : وكتب عمر بن الخطاب : لا ينام أحد قبل أن يصليها ، فمن نام فلا نامت عينه ، وكره ذلك أبو هريرة ، وابن عباس ، وعطاء ، وإبراهيم ، ومجاهد ، وطاوس ، ومالك ، والكوفيون ، وحكى الترمذي ، عن ابن المبارك أكثر الأحاديث على الكراهة ، وسيأتي ما يخالفه لا سيما قول أبي عيسى بعد قليل ، وأكثر أهل الحديث على الرخصة ، قال أبو جعفر الطحاوي : إنما كره النوم قبلها لمن خشي عليه فوات وقتها ، وفوات الجماعة ، وأما من وكل بنفسه من يوقظه لوقتها فمباح له النوم ، واحتجوا بفعل ابن عمر ، وأنه كان يرقد قبلها وأبو موسى ، وعبيدة ، فدل أن النهي قبلها ليس بنهي تحريم لفعل الصحابة ، لكن الأخذ بظاهر الحديث أنجى وأحوط ، وقال الليث : قول عمر : فمن رقد بعد المغرب فلا نامت عينه ، إن ذلك بعد ثلث الليل الأول ، قال أبو جعفر : تحمل الكراهة على أنها بعد دخول وقت العشاء ، والإباحة قبل دخول وقتها انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لما أسلفناه عن ابن عمر من منعه النوم وإن وكل من يوقظه ، ولو احتج بحديث عائشة قالت : أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء ، حتى ناداه عمر : الصلاة ، نام النساء ، والصبيان . وبحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة ، فأخرها حتى رقدنا في المسجد ، ثم استيقظا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظا ، فخرج علينا - عليه السلام وفيه : وكان ابن عمر لا يبالي قدمها أم أخرها إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها ، وقد كان يرقد قبلها . وبحديث ابن عباس قال : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء ، حتى رقد الناس ، واستيقظوا ، ورقدوا ، واستيقظوا الحديث ذكر ذلك البخاري ، وبحديث أنس بن مالك قال : كان الصحابة ينتظرون الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيضعون جنوبهم . ذكره الطبري ، ثم يقومون فمنهم من يتوضأ ، ومنهم من لا يتوضأ فيصلون . وقد تقدم ذكره في كتاب الطهارة ، وبحديث أبي بكر الحنفي ، عن سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن جده ، عن علي : أنه كان يتعشى ثم يلتف في ثيابه ، فينام قبل أن يصلي العشاء . سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال : هو عبد الله بن عبد الله الرازي عن جدته أسيلة ، قال أبو نعيم : نا إسرائيل عن حجاج ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن جدته ، قال : وكانت تحت رجل من الصحابة أنه كان ينام قبل العشاء ، فإذا قام كان أنشط له . ثنا إسرائيل عن حجاج قال : قلت لعطاء : إن ناسا يقولون : من نام قبل العشاء فلا نامت عينه ، قال : بئس ما قالوا ، ثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أصحاب عبد الله أنهم كانوا ينامون قبل العشاء . نا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه كان ينام فيما بين المغرب والعشاء يعني في رمضان لكان أصرح في الدلالة ، والله تعالى أعلم . وقد ورد في جواز السمر بعد العشاء أحاديث ، منها : حديث أم سلمة قالت : استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فقال : سبحان الله ، ماذا أنزل الليلة من الفتن ؟ وماذا فتح من الخزائن ؟ أيقظوا صواحب الحجر ، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة . وحديث ابن عمر قال : صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قام ، فقال : أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد . وحديث ابن عباس قال : بت في بيت خالتي ميمونة رضي الله تعالى عنها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم جاء إلى منزله ، فصلى أربع ركعات ، ثم قال : نام الغليم أو كلمة شبهها ، ثم قام فقمت عن يساره ، فجعلني عن يمينه فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ذكرها البخاري . واعترض الحافظ الإسماعيلي على إدخال محمد هذا في باب السمر ، قال : لأنه ليس فيه ذكر قول ولا حديث إلا قوله : نام الغليم فإذا كان أراد مبيت ابن عباس وسهره عنده ليحفظ ما يفعله صلى الله عليه وسلم فذلك سهر ، لا سمر ، والسمر لا يكون إلا عن تحديث ، انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث قوله ليس فيه ذكر ولا حديث ، لما ذكر البخاري في موضع آخر من طريق كريب عنه ، قال : فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ، ثم رقد فيحتمل أنه أراد هذا ، والله تعالى أعلم . فإنه ربما ذكر في بعض الأبواب حديثا مختصرا ولم يذكر اللفظة التي بوب لأجلها ، ويكون مراده أصل الحديث ، وإن لم يكن على شرطه فهذا بطريق الأولى ، والله تعالى أعلم. وحديث عمر رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين ، ذكره ابن خزيمة في صحيحه ، ثم ، قال : خبر عبد الله بن عمرو من هذا الجنس ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بني إسرائيل حتي يصبح ما يقوم فيها إلا عظم الصلاة ، ولفظ البزار : لعظم صلاة . قال ابن خزيمة : وحديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله . قال الشيخ الحافظ أبو بكر رحمه الله تعالى : فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كان يحدثهم بعد العشاء عن بني إسرائيل ليتعظوا بما قد نالهم من العقوبة في الدنيا مع ما أعد الله لهم من العقاب في الآخرة لما عصوا رسلهم ، ولم يؤمنوا ، فجائز للمرء أن يحدث كل ما يعل أن السامع ينتفع به من أمر دينه بعد العشاء ، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يسمر بعد العشاء في الأمر من أمور المسلمين ، مما يرجع إلى منفعتهم عاجلا وآجلا ، دنيا ودينا ، وكان يحدث أصحابه عن بني إسرائيل لينتفعوا بحديثه ، فدل فعله - صلى الله عليه وسلم - على أن كراهية الحديث بعد العشاء بما لا ينفعه فيه دينا ودنيا ، ويخطر ببالي أن كراهته - صلى الله عليه وسلم - بالاشتغال بالسمر ؛ لأن ذلك يثبط عن قيام الليل ، لأنه إذا اشتغل أول الليل بالسمر ثقل عليه النوم آخر الليل فلم يستيقظ ، وإن استيقظ لم ينشط للقيام ، وحديث أوس بن حذيفة قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتينا ويحدثنا - يعني بعد العشاء - وكان أكثر حديثه تشكية قريش . ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل ، وزعم أن أباه قال : حديث أبي برزة أصح منه . وروى ابن بطال بسند يبلغ به أبا موسى قال : أتيت عمر أكلمه في حاجة بعد العشاء فقال : هذه الساعة؟ قلت له : شيء من الفقه . قال : نعم ، فكلمته ، ثم ذهبت لأقوم ، فقال : اجلس . فقلت الصلاة ! فقال : إنا في صلاة . فلم نزل جلوسا حتى طلع الفجر . وفي صحيح مسلم عنه قال : كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فكان يتناوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم ، قال أبو موسى ، فوافقنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وأصحابي ، وله بعض الشغل في أمره ، حتى أعتم بالصلاة ، حتى ابْهارَّ الليل ، ثم خرج فصلى بهم ، فلما قضى صلاته ، قال لمن حضره : على رسلكم ، أعلمكم ، وأبشروا أن من نعمة الله تعالى عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم ، أو قال : ما صلى هذه الصلاة الساعة غيركم . وحديث أنس بن مالك : أخر النبي - عليه السلام - العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل ، ثم جاء فصلى لنا ثم خطبنا ، فقال : إلا إن الناس قد صلوا وناموا ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ذكره البخاري ، وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : أن أباه تعشى عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم لبث حتى صليت العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله ، فقالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك ، قال : أوَما عشيتيهم ؟! قالت : أبوا حتى تجيء ، فاختبأت ، فقال : يا غنثر فجدع ، وسب ، وقال : كلوا لا هنيئا ، فوالله لا أطعمه أبدا الحديث بطوله .

453

2 - حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ، وحرملة بن يحيى المصريان قالا : ثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها . هذا حديث خرجه مسلم - رحمه الله تعالى - بزيادة : والسجدة إنما هي الركعة .

454

1 - باب وقت الصلاة في العذر والضرورة 1 - حدثنا محمد بن الصباح ، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، أخبرني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، وعن بسر بن سعيد ، عن الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها . هذا حديث خرجه الشيخان في صحيحهما .

455

3 - حدثنا جميل بن الحسن ، أنبأ عبد الأعلى ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يعني فذكر نحوه . هذا قطعة من الحديث الأول ، يدل على ذلك : أن أبا العباس الطرقي ذكرهما في ترجمة واحدة ، وأما البخاري ففرق بينهما كما فعل ابن ماجه ، وزعم ابن عساكر : أن ابن ماجه خرجه عن جميل ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وهشام بن عمار ، عن سفيان ، عن الزهري به ، وأقره على ذلك المزي ، ويشبه أن يكون وهما ، فإن ابن ماجه ليس فيه إلا ما رأيت ، واستظهرت بنسخة أخرى والله تعالى أعلم ولفظ البخاري : من أدرك من الصبح ركعة . وفي لفظ لمسلم : من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة كلها . ولفظ النسائي : فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته . وفي لفظ لأبي داود : إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر . وفي مسند السراج من حديث أبي غسان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار : من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس ، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس ، فلم يفته العصر ، ومن صلى سجدة واحدة من الصبح قبل طلوع الشمس ، ثم صلى ما بقي بعد طلوع الشمس لم يفته الصبح . وفي لفظ : من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس ، وركعة بعد ما تطلع فقد أدرك . وفي لفظ : من صلى ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليتم صلاته . وفي لفظ : من أدرك ركعة من الجمعة فليصل معها أخرى . وفي لفظ : من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس ، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر . وفي لفظ : من أدرك قبل طلوع الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة ، ومن أدرك قبل غروب الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة ، وفي حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة : من أدرك ركعة ، أو ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها نا يوسف بن موسى ، نا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ( موقوف ) قال : من أدرك ركعتين . هكذا قال : من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة . وعند ابن أبي عمر من حديث إسماعيل بن عياش ، عن زيد بن أسلم ، عن الأعرج : من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس ، وصلى الأخرى بعد طلوع الشمس فقد أدرك ، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس ، وصلى أخرى بعدما غربت الشمس فقد أدرك . ولفظه في المنتقى : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها . وفي كتاب ابن خزيمة من حديث معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، عن أبي هريرة : من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس ، أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك . وخرجه أيضا من حديث سهيل ، عن أبيه ، وفي لفظ للنسائي : من أدرك من صلاة العصر ركعة فقد أدركها . وفي لفظ : من أدرك من الجمعة ، أو من غيرها فقد تمت صلاته . وفي لفظ : إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإن أدرك أول السجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس [ فليتم صلاته ، ولفظ أحمد وخرجه في مسنده : من أدرك منكم أول ركعة من صلاة العصر ] قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته . ولفظ الدارقطني : من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها . وروى سليمان بن بلال ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها إلا أنه يقضي ما فاته . وفي كتاب ابن عدي من حديث نوح بن أبي مريم ، عن الزهري : من أدرك الإمام جالسا قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة ، وفضلها . ورواه بكر بن بكار ، عن ياسين الزيات ، عن الزهري ، عن سعيد ، وأبي سلمة عنه يرفعه : من أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى ، فإن أدركهم جلوسا صلى الظهر أربعا ، وفي رواية قال - عليه السلام - من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى ، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا ، أو قال الظهر . وفي لفظ لعلي بن ظبيان : ومن نام عن صلاة فليصلها إذا ذكرها . ولفظ يحيى بن حميد البصري ، عن قرة بن عبد الرحمن ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة عنه : من أدرك ركعة من الصلاة ، فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه . ثم قال : وهذا زاد في متنه : قبل أن يقيم صلبه ، وهذه الزيادة يقولها يحيى ، ولا أعرف له غيره ، وروى يزيد بن عياض ، وهو متروك ، عن أبي حازم ، عن ابن المسيب : من أدرك سجدة فقد أدرك الركعة . وفي حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن أبيه ، عن الزهري ، ومكحول ، عن أبي سلمة عنه فقد أدرك الفضيلة ، ويتم ما بقي ، قال : وابن ثوبان ضعيف ، وفي الاستذكار : وروى عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أبي سلمة عنه مرفوعا : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل . وهذا لا أعلم أحدا قاله عن مالك غيره ، وروى عمار بن مطر ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أبي سلمة عنه كذلك : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ووقتها ، وهذا أيضا لم يقله ، عن مالك غيره ، وهو مجهول لا يحتج به ، وروى نافع بن يزيد ، عن يزيد بن الهاد ، عن عبد الوهاب بن أبي بكر ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة عنه مرفوعا : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها . وهذا أيضا لم يقله أحد عن ابن شهاب غيره ، وليس ممن يحتج به على أصحاب ابن شهاب ، وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن ابن شهاب فلم يذكر في الإسناد عبد الوهاب ، ولا جاء بهذه اللفظة أعني قوله : وفضلها ولما ذكر الإشبيلي هذا في الأحكام الكبرى وثق راويه عن نافع ، وهو النضر بن عبد الجبار ، وفي المشكل للطحاوي : وأكثر الرواة لا يذكرون هذه اللفظة ، وهو الأظهر ، وفي سنن الكجي : من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها . وفي مسند البزار من حديث أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن الزهري ، عن سعيد ، وأبي سلمة عنه قال : من أدرك ركعة من الصلاة [ فقد أدرك الصلاة ] كلها إلا أنه يقضي ما فاته . وفي حديث هشام بن سعد الذي قرأته على المسند المعمر عبد الله بن علي بن شبل - رحمه الله - أخبركم الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمران الأنصاري قراءة عليه ، عن أبي جعفر محمد بن أحمد الصيدلاني ، أنبأ أبو منصور محمود بن إسماعيل الصيرفي قراءة عليه ، وأنا حاضر ، أنبأ أبو بكر محمد بن عبد الله بن شاذان ، أنبأ أبو بكر عبد الله بن محمد بن فورك ، أنبأ أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد السلام التيمي ، أنبأ الإمام أبو نعيم الفضل بن دكين بجميع كتاب الصلاة ، عن هشام بن سعد ، نا زيد بن أسلم قال : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أدرك ركعتين قبل أن تغرب الشمس ، وركعتين بعدما غابت الشمس فلم يفته العصر . قال أبو نعيم : نا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته . وفي المستدرك على شرط الشيخين : من صلى ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليتم صلاته ثم هشام ، ثم همام ، وقال في موضع آخر : سألت أبي ، عن حديث رواه عبثر ، وجرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس الحديث ، لا يرفعه ، قال أبي : ورواه شعيب بن خالد ، ومحمد بن عياش العامري ، وعمرو بن أبي قيس ، وسفيان الثوري من رواية النعمان بن عبد السلام عنه فقالوا كلهم : عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أبي : والصحيح عندي موقوف ، وفي موضع آخر رواه الثوري ، وجرير بن عبد الحميد ، وأبو بكر بن عياش ، عن الأعمش فوقفوه ، وفي الباب حديث عمر بن الخطاب ، وأبي سعيد الخدري المذكورين عند البخاري ، وحديث رواه أبو داود ، عن ابن معاذ ، ثنا أبو عوانة ، عن يعلى بن عطاء ، عن معبد بن هرمز عن سعيد بن المسيب قال : حضر رجلا من الأنصار الموت فقال : إني محدثكم حديثا ما أحدثكموه إلا احتسابا ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : فذكر حديثا فيه : فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا ، وبقي بعض ، صلى ما أدرك ، وأتم ما بقي . قال عبد الحق في الكبرى : معبد لا أعلم روى عنه إلا يعلى بن عطاء ، وحديث جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة ، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة . ذكره - عن عطاء عنه ، وحديث عبد الله بن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها . ذكره أيضا في ترجمة يعيش بن الجهم ، عن عبد الله بن نمير ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع عنه ، وقال : هذا بهذا لا أعلمه إلا من هذا الوجه ، والحديث غير محفوظ ، وذكره في باب إبراهيم بن عطية الثقفي الواسطي ، عن يحيى بن سعيد ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، وقال : وهذا عن يحيى ، عن الزهري غير محفوظ ، وإنما يعرف من حديث بقية ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : ، وقال في باب بقية : خولف بقية في سنده ، ومتنه ، فأما الإسناد فقوله : عن سالم ، وإنما هو : عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، والمتن فقوله : من صلى الجمعة . والثقات رووه عنه فلم يذكروا الجمعة ، ولما سئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث ، قال : هذا حديث منكر ، ورواه النسائي بسند صحيح ، إلى سالم قال - عليه السلام - : من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدرك إلا أنه يقضي ما فاته . وزعم ابن الأثير : في شرح المسند أن النسائي رواه ، عن ابن عمر مرفوعا ، ويشبه أن يكون وهما ، قال الشافعي : إذا أدرك المصلي من وقت الصلاة ركعة أتم ما بقي منها ، وإن خرج الوقت ، وإليه ذهب مالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وكان أبو ثور يقول : إنما ذلك لمن نام ، أو سها ، ولو تعمد ذلك أحد كان مخطئا مذموما بتفريطه ، وقد روي ذلك ، عن الشافعي ، وقال أبو حنيفة : يصح ذلك في العصر دون الصبح ، وأما حد الركعة التي يكون بها مدركا ؛ فعند أبي حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق : إذا أدرك الإمام راكعا فكبر ، وركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك ، وهو قول علي ، وابن مسعود ، وزيد ، وابن عمر ، إلا أشهب فإنه قال : لا يكون مدركا إلا أن يحرم قبل ركوع الإمام ، وقبل تمكن يديه من ركبتيه ، وإن أدركه راكعا فاتته الركعة ، ولا يعتد بها سواء كبر قبل أن يرفع رأسه أم لا ، وهو قول أبي هريرة ، وقال الليث بن سعيد : إذا جاء والناس ركوع أجْزأه ، وإن لم يدرك الركوع ، إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه ، ويركع بعد ذلك كيف ما أمكنه ، ويتبع الإمام ، ويعتد بالركعة ، وقال الشعبي : إذا انتهيت إلى الصف المؤخر ، ولم يرفعوا رؤوسهم ، أو بقي واحد منهم لم يرفع رأسه ، وقد رفع الإمام رأسه فقد أدركت ؛ لأن بعضهم أئمة بعض ، وذكر ابن بزيزة أن ابن أبي ليلى ، والثوري ، وزفر قالوا : إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه ، فقد أدرك الصلاة ، وليركع قبل أن يرفع الإمام رأسه ، وقال قتادة ، وحميد : إذا وضع يديه على ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك ، وإن رفع الإمام رأسه قبل أن يضع يديه عل ركبتيه فإنه لا يعتد بها ، وقال ابن سيرين : إذا أدركت تكبيرة تدخل بها في الصلاة ، وتكبيرة للركوع فقد أدركت تلك الركعة ، وتأول أبو حنيفة هذا الحديث على من صار أهلا للوجوب كالصبي إذا بلغ وشبهه ، أو أنه منسوخ بالنهي عن الصلاة في هذين الوضعين ، قال : لأن النهي أبدا يطرأ على الأصل الثابت ، [ قال أبو حنيفة في المشكل : ومن الحجة لأهل العراق الذين يوجبون بإدراك تكبيرة الإحرام ما فوق ذلك من الوقت ما روي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن المسلم إذا توضأ ثم عمد إلى المسجد قال : فإن أدرك الجماعة غفر له ما تقدم من ذنبه ، وإن أدرك منها بعضها ، وسبق ببعض فقضى ما فاته فأحسن ركوعه ، وسجوده ، كان كذلك ، فإن جاء والقوم قعود كان كذلك . وهذا الذي ذكرناه هو وجه النصفة في هذا الباب ، وإذا لم يعلم المتأخر من الحديث فيجعل ناسخا للآخر كان الأولى أن يجعل هذا الحديث الذي احتج به العراقيون ناسخا للحديث الآخر ، لأن فيه زيادة فضل فلا يصح أن يكون هو المنسوخ ؛ لأن الله تعالى إذا تفضل على عباده بثواب يبنيه على عمل يعملونه لم ينسخه بقطع ذلك الثواب عنهم ، ولا ينقصهم منه إلا بذنب يستحقونه كما قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ والله تعالى أعلم - ] ، قال أبو محمد بن حزم : هذا الحديث متأخر عن خبر النهي ؛ لأن أبا هريرة متأخر الصحبة ، وأخبار النهي رواها عمر بن الخطاب ، وعمرو بن عبسة ، وإسلامهما قديم ، انتهى كلامه . وفيه نظر ، من حيث إن الغالب ورود النهي على الإباحة ، وأيضا تقدم إسلام هذين ، وتأخر إسلام أبي هريرة لا يثبت نسخا لاحتمال أن يكون قال ذلك - صلى الله عليه وسلم - قبل موته بشهر أو شبهه ، فلما تعذر التاريخ طلبنا شيئا يستأنس به في أحد الجانبين فوجدنا عمر بن الخطاب ، وإن كان قديم الصحبة فإنه صحبه إلى وفاته ، فيحتمل أن يكون سمعه بأخرة ، وعمرو بن عبسة كذلك في قدم الإسلام ، لكنه سار إلى بلاد قومه قبل فرض الصلاة ، فكان يقول : أنا ربع الإسلام ، ثم قدم قبل فتح مكة ، فتبين أن رواية النهي كانت بعد صحبته ثانيا ، فإذا كان كذلك كان متأخرا عن إسلام أبي هريرة يقينا ، ثم إن جماعة من السلف قالوا به منهم : كعب بن عجرة ، ونام ابن له عن الفجر حتى طلعت الشمس ، قال : فقمت أصلي فدعاني كعب فأجلسني حتى ارتفعت الشمس ، وابيضت ثم قال : قم فصل ، ذكره أبو محمد بن حزم من جهة الثوري ، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عنه ، وأبو بكرة نفيع بن الحارث ، فيما حكاه ابن المنذر ، وأما قوله : وأحاديث النهي رواها هذان فغير صحيح ؛ لأن جماعة غيرهم رووها ، يأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في الموضع اللائق بهذا الكتاب .

456

باب من نام عن الصلاة أو نسيها 88 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا حجاج ، ثنا قتادة ، عن أنس بن مالك قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغفل عن الصلاة ، أو يرقد عنها ، قال : يصليها إذا ذكرها ، ثم علاه درجة من طريق غير صحيحة ، فقال : 89 - ثنا جبارة بن المغلس ، ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم ، زاد الشيخان : لا كفارة لها إلا ذلك ، أقم الصلاة لذكري ، وفي لفظ لمسلم : إذا رقد أحدكم عن الصلاة ، أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها . فإن الله تعالى يقول : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ، ولفظ أبي داود للذكرى ، وفي لفظ للنسائي أو يغفل عنها ، قال: كفارتها أن يصليها إذا ذكرها . وفي حديث محمد بن جعفر بن الحسن بن المستفاض أبي الحسن الفريابي زيادة: أو إذا استيقظ ، رواها عن محمد بن أحمد بن الجنيد ، ثنا عبد الله يعني ابن يزيد المقرئ، نا أبو عوانة ، وأبو جزي نصر بن طريف وحمّاد بن سلمة وهمّام بن يحيى في آخرين ، عن قتادة : إذا ذكرها ، أو إذا استيقظ ، أنبأ بذلك المسند المعمر أمين الدين أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد بن محمد قراءة عليه ، وأنا أسمع ، أنبأ الإِمام أبو خالد ، أنبأ القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل ، أنبأ أبو الحسن علي بن المسلم السلمي ، ثنا أبو نصر الحسين بن محمد ابن أحمد بن الحسين بن طلاب ، أنبأ أبو الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغساني عنه ، وزعم بعض من يتكلم في العلل من المتأخرين : أن قتادة مدلس ، ولم يصرح هنا بالسماع ، وذلك غير مقبول منه إلا إذا صرح ، قال : ولا التفات إلى قول من قال : إذا كانت العنعنة من مدلس في الصحيح قبلت لاحتمال اتصالها من طريق أخرى ، ويجاب عن ذلك بأنه قد صرح بسماعه إياه من طريق صحيحة ذكرها الإِسماعيلي في صحيحه عن محمد بن عمران ، وأبي عبد الله الصوفي ، ثنا علي بن الجعد ، أخبرني همام ، عن قتادة ، عن أنس ، وقال الصوفي : سمعت أنسا ، وفي البخاري معناه ، وقال حبان : نا همام ، نا قتادة ، ثنا أنس نحوه ، وقال الحافظ أبو العباس الطرقي : إيراد الآية عن قتادة فيما ذكره هدبة عنه ، وفي حديث الشعبي عنه قال : من يكلؤنا الليلة ، فقلت : أنا ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ونام الناس ونمت ، فلم أستيقظ إلا بحر الشمس ، فقال عليه السلام : يا أيها الناس إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد يقبضها الله إذا شاء ويرسلها إذا شاء فاقضوا حوائجكم على رسلكم ، فقضينا حوائجنا على رسلنا وتوضأنا وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ركعتي الفجر قبل الصلاة ، ثم صلى بنا ، أنبأ به المسند شرف الدين يحيى بن المقدسي قراءة عليه ، عن الإِمام بهاء الدين الشافعي ، أنبأ شهدة قراءة عليها ، أنبأ أبو منصور بن هريسة ، أنبأ البرقاني ، أنبأ الإِسماعيلي ، أنبأ محمد بن الحسن النخاس ، ثنا عمر بن محمد بن الحسن ، أنبأ أبي ، ثنا عتبة عنه ، فذكره .

457

91 - حدثنا أحمد بن عبدة ، أنبأ حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة قال : ذكروا تفريطهم في النوم ، فقال : ناموا حتى طلعت الشمس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط في اليقظة ، فإذا نسي أحدكم صلاة ، أو نام عنها ، فليصلها إذا ذكرها ولوقتها من الغد . قال عبد الله بن رباح : فسمعني عمران بن الحصين أحدث بالحديث ، فقال : يا فتى انظر كيف تحدث ، فإني شاهد للحديث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فما أنكر من حديثه شيئا . هذا حديث خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن هارون بن إسحاق ، نا ابن فضيل ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، وعن محمد بن أبي صفوان الثقفي ، نا بهز يعني ابن أسد ، نا حماد بن سلمة ، أنبأ ثابت البناني به، ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ ، ثنا سليمان يعني ابن المغيرة ، نا ثابت بلفظ : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله تعالى غدًا فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد قال أبو قتادة : فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى ابهار الليل ، وأنا إلى جنبه ، قال : فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فمال على راحلته فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ، قال ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته ، قال : فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ، قال : ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر ، مال ميلة هي أشد من الميلتين حتى كاد ينجفل فأتيته فدعمته فرفع رأسه قال : من هذا؟ قلت أبو قتادة . قال : متى كان هذا مسيرك مني قال : قلت : ما زال هذا مسيري منذ الليلة قال : حفظك الله بما حفظت نبيك ، ثم قال : هل ترانا نخفى على الناس ، ثم قال : هل ترى من أحد؟ قلت : هذا راكب ، ثم قلت : هذا راكب آخر حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب - قال : فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطريق فوضع رأسه ، ثم قال : احفظوا علينا صلاتنا ، فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره . قال : فقمنا فزعين ، ثم قال : اركبوا فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل ، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء ، ثم قال لأبي قتادة : احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ ، ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم ، وقال : وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبنا معه . قال : فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا . قال : أما لكم في أسوة ، ثم قال : إنه ليس في النوم تفريط ، إنّما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها ، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها ، ثم قال ما ترون الناس صنعوا . قال : ثم قال : أصبح الناس فقدوا نبيّهم . فقال أبو بكر ، وعمر : رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدكم لم يكن ليخلفكم ، وقال الناس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديكم ، فإن يطيعوا أبا بكر ، وعمر يرشدوا . قال : فانتهينا إلى النّاس حتى امتدّ النهار وحمي كلّ شيء وهم يقولون : يا رسول الله هلكنا عطشَا . فقال لا هلك عليكم . ثم قال : أطلقوا لي غمري . قال : ودعا بالميضأة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب ، وأبو قتادة يسقيهم ، فلم يعد أن رأى الناس ماء الميضأة تكابوا عليه ، فقال عليه السلام : أحسنوا الملء كلكم سيروى قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري ، وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ثم صبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : اشرب فقلت لا حتى تشرب يا رسول الله قال : إن ساقي القوم آخرهم . قال : فشربت وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وأتى الناس الماء جامين روآءَ قال عبد الله : إني لأحدّث هذا الحديث في مسجد الجامع إذ قال عمران بن حصين : انظر أيّها الفتى كيف تحدّث ، فإني أحد الركب تلك الليلة . قال : فقلت فأنت أعلم بالحديث قال : ممن أنت؟ قلت : من الأنصار قال : حدّث فأنت أعلم بحديثكم، قال : فحدّثت القوم ، فقال عمران : لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أنّ أحدَا حفظه كما حفظته ، وخرج البخاري قطعة منه في كتاب التوحيد ، عن ابن سلام ، ثنا هشيم ، عن حصين ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، وعمران بن ميسرة ، ثنا محمد بن فضيل ، ثنا حصين بلفظ : ( فقال بعض القوم : لو عرست بنا يا رسول الله؟ قال أخاف أن تناموا عن الصلاة ، فقال بلال : أنا أوقظكم فاضطجعوا وأسند هو ظهره لراحلته فغلبته عيناه فنام فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس ، فقال : يا بلال أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط قال : إنّ الله قبض أرواحكم حين شاء ورّدها عليكم حين شاء ، قم يا بلال فأذّن بالناس بالصلاة ، فتوضأ ، فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى . وفي سنن الكجي ، فقال عمران : أي بني احفظ ، فإني شاهد القوم ، وفي لفظ لأبي داود : ثنا علي بن نصر ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا الأسود بن شيبان ، ثنا خالد بن سمير قال : قدم علينا عبد الله بن رباح، فحدثنا قال: ثنا أبو قتادة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء بهذه القصة يعني حديث حماد ، عن ثابت قال : فلم يوقظنا إلا الشَّمس طالعة ، فقمنا وهلين لصلاتنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( رويدَا رويدَا ) حتى إذا تعالت الشمس قال : من كان منكم يركع ركعتي الفجر فليركعهما ، فقام من كان يركعهما ومن لم يكن يركعهما فركعهما ، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادى بالصلاة فنودي بها ، فصلى بنا ، فلما انصرف قال : ( ألا إنا نحمد الله أنا لم نكن في شيء من أمر الدنيا شغلنا عن صلاتنا ، ولكن أرواحنا كانت بيد الله تبارك وتعالى ، فأرسلها متى شاء فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صبحا فليقض معها مثلها . ثنا عمرو بن عوف ، ثنا خالد ، عن حصين ، عن ابن أبي قتادة ، عن أبيه في هذا الخبر ، قال : فقال : إن الله قبض أرواحكم حيث شاء ، وردها حيث شاء، قم فأذّن بالصلاة فقاموا وتطهروا حتى إذا ارتفعت الشَمس قام فصلى بالناس ، ثنا هناد ، ثنا عبثر ، عن حصين ، عن عبد اللّه ابن أبي قتادة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال : فتوضأ حين ارتفعت الشمس فصلى بهم . ثنا العباس العنبري ، ثنا سليمان بن داود ، نا سليمان يعني ابن المغيرة ، عن ثابت ، عن ابن رباح ، عن أبي قتادة قال عليه السلام : ليس في النوم تفريط إنَما التفريط في اليقظة ، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى ، وفي حديث يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن ابن رباح زيادة: فقلت : نعم ميضأة فيها شيء من ماء ، فقال : فأتني بها فأتيته بها ، فقال مسوا منها فتوضأ القوم ، وبقي في الميضأة جرعة ، وفيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما تقولون إن كان أمر دنياكم فشأنكم ، وإن كان أمر دينكم فإلي ، وفيه: فإذا كان ذلك فصلوها من الغد لوقتها ، وفيه: وبقي من الميضأة نحو ممَا كان فيها وهم يومئذ ثلاثمائة ، قال حماد : وثنا حميد ، عن بكر بن عبد الله، عن ابن رباح ، عن أبي قتادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وزاد فيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه ، وإذا عرس قرب الصباح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده . أنبأ بذلك الإِمام العلامة المسند شمس الدين محمد بن الحسن بن علي بن محمد الشافعي - رحمه الله - قراءة عليه ، وأنا أسمع ، ثنا المسند أبو الكرم لاحق بن عبد المنعم قراءة عليه ، عن أبي محمد المبارك بن الطباخ ، أنبأ الشيخ السديد أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد قراءة عليه ، أنبأ جدي الإِمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قراءة عليه ، أنبأ عليَ بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد ، أنبأ أبو جعفر محمد بن عمرو بن البحتري الرزاز ؛ ثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ، ثنا يزيد بن هارون ، فذكره ، وفي مسند السراج : إذا عرس بليل توسد لبنة ، وإذا عرس عند الصبح نصب ساعده نصبا وعمد بها الأرض ، ووضع رأسه على كفه . ولما أخرجه أبو عبد الله في مستدركه ، قال : صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه ، وفيه نظر ؛ لأن ابن سلمة ليس على شرط البخاري ، وفي الباب حديث عمران بن حصين المخرج في الصحيحين قال : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأدلجنا ليلتنا حتى إذا كان في وجه الصبح عرسنا ، فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس . قال : فكان أول من استيقظ منا أبو بكر ، وكنّا لا نوقظ النبي عليه السلام من منامه إذا نام حتى يستيقظ ، ثم استيقظ عمر فقام عند نبي الله صلى الله عليه وسلم فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رفع رأسه فرأى الشمس قد بزغت . قال : ارتحلوا ، فسار بنا حتى ابيضت الشمس ، فنزل فصلَى الغداة ، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا ، فلما انصرف قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما منعك أن تصلي معنا ، قال : يا نبي الله أصابتني جنابة فأمره بالتيمم فصلى ، ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء ، فذكر قصة المرأة التي معها مزادتان ، وفي المستدرك من حديث الحسن عنه : نمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، فأمر المؤذن فأذن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أقام المؤذَن فصلى الفجر . وقال صحيح على ما قدمنا ذكره من صحة سماع الحسن من عمران ، وإعادته الركعتين ، ولم يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح ، فذكر حديث جدَ يحيى بن سعيد حين صلى ركعتي الفجر بعد الصلاة وإقراره عليه السلام على ذلك ، وفي لفظ للدارقطني من حديث الحسن : فصلى ركعتي الفجر حتى إذا أمكنتنا الصلاة صلينا ، وفي لفظ لأحمد : سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كان في آخر الليل عرسنا ، فلم نستيقظ حتى أيقظتنا الشمس فجعل الرجل يقوم دهشا إلى طهوره . قال : فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكنوا ، ثم ارتحلوا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ، ثم أمر بلالا فأذّن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أقام فصلينا ، فقالوا يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد ؟ قال : أينهاكم ربكم تبارك وتعالى عن الربا ويقبله منكم ، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن محمد بن يحيى ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ هشام عن الحسن عنه بزيادة : إنّما التفريط في اليقظة ، وفي هذا دليل لما قاله البخاري فيما حكاه عنه الترمذي لا يتابع ابن رباح على هذا يعني قوله فليقض معها مثلها ، لأنّ عمران كان حاضرا ، ولم يذكرها ، وقال ابن رباح ، عن أبي قتادة في إعادة الصلاة ، وفي تاريخ البخاري الصغير : لا يتابع ابن رباح في قوله ولوقتها من الغد ، قال : وخالف فيه سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، فقال : ليس التفريط لمن لم يصل حتى يجيء وقت صلاة أخرى ، ولا يصح هذا الخبر عند أهل البصرة ، ورواه حميد ومبارك ، عن بكر ، عن ابن رباح ، عن أبي قتادة : ليس في النوم تفريط ، كما قدمناه من عند ابن ماجه ، وإن كان ابن عساكر ومن بعده أغفلاه فغير صواب ، وزعم البيهقي في المعرفة : أن هذه اللفظة تفرد بها الأسود بن شيبان ، عن خالد بن سمير ، عن ابن رباح ، قال : ولم يتابعه على هذه الرواية ثقة ، والصواب حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن ابن رباح يعني المتقدم ، فحمله خالد : على الوهم ، وقد صرّح في حديث عمران بذلك ، وفي حديث ابن رباح وسوقه له عند عمران دلالة على كون القصتين واحدة ، والله أعلم ، وقال أبو عمر : وقول خالد في هذا : جيش الأمراء وهم عند الجميع ؛ لأنه كان في مؤتة ، وهي سرية لم يشهدها النبي - صلى الله عليه وسلم وقال ابن حزم : وقد خالف خالداً من هو أحفظ منه ، وحديث عقبة بن عامر قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فاسترقد لما كان منها على ليلة ، فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح ، فقال : ألم أقل لك يا بلال ، وفي آخره : فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ، ثم صلى ، ثم سار بقية يومه وليلته ، فأصبح بتبوك ، رواه البيهقي في الدلائل من حديث عبد اللّه بن مصعب ابن منظور ، عن أبيه عنه ، وحديث ابن مسعود قال : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية ليلا ، فنزلنا دهاسا من الأرض ، فقال : من يكلؤنا ؟ قال بلال : أنا . قال : إذا ننام قال : لا ، فنام حتى طلعت الشمس ، فاستيقظ فلان وفلان منهم عمر . فقال : اهضبوا . فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : افعلوا كما كنتم تفعلون ، فلما فعلوا . قال : هكذا فافعلوا لمن نام ، أو نسي . رواه أبو داود بسند صحيح ، عن ابن مثنى ، عن ابن جعفر ، عن جامع بن شدَاد قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة قال : سمعت ابن مسعود به ، وخرجه الكجي ، عن عمرو بن مرزوق أنبأ المسعودي ، عن جامع بلفظ : لما رجع من الحديبية قال : من يحرسنا ؟ فقال عبد الله : أنا ، قال إنك تنام مرتين ، أو ثلاثة . قال : بت فحرست حتى كان في وجه الصبح فأدركني ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقمت الحديث ، وحديث عمرو بن أمية الضمري قال : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، فنام عن الصبح حتى طلعت الشمس فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فقال : تنحوا عن هذا المكان ، قال : ثم أمر بلالًا فأذن ، ثم توضؤوا وصلوا ركعتي الفجر ، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم صلاة الصبح . خرجه أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الله بن يزيد ، عن حيوة بن شريح ، عن عياش بن عباس أن كليب بن صبح حدثه أن الزبرقان حدّثه ، عن عمّه عمرو ، فذكره ، قال : حدثنا إبراهيم بن الحسن ، ثنا حجاج يعني ابن محمد ، نا حريز ، وثنا عبيد بن أبي الوزير ثنا مبشر الحلبي ثنا حريز بن عثمان حدثني يزيد بن صليح ، عن ذي مخبر ، وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر قال : فتوضأ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وضوءا لم يَلِت منه التراب ، ثم أمر بلالًا فأذّن ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فركع ركعتين غير عجّل ، ثم قال لبلال أقم الصلاة ، ثم صلى وهو غير عجل . قال : عن حجاج ، عن يزيد بن صليح حدثني ذو مخبر رجل من الحبشة قال ابن عساكر ، والصريفيني: وهو الصواب عند أبي حاتم البستي رحمه الله تعالى ، ولفظ الطبراني في الأوسط : كنا مع النبي في سرية فتقدم الناس ، فقال : هل لكم أن نهجع هجعة ، فقالوا: نعم . فقال : من يكلؤنا الليلة قال ذو مخبر : أنا ، فأعطاه خطام ناقته ، وقال : لا تكن لكع قال : فانطلقت غير بعيد فأرسلتها مع ناقتي يرعيان فغلبتني عيني ، فما أيقظني ألا حر الشمس على وجهي ، فنظرت يمينا وشمالاً فزعًا ، وإذا أنا بالراحلتين غير بعيد فأخذتهما ، ثم جئت أدنى القوم فأيقظته ، ثم سألته أصليتم ؟ فقال : لا ، وأيقظ الناس بعضهم بعضاً حتى استيقظ النبي عليه السلام . رواه عن أبي زرعة ، ثنا علي بن عياش الحمصي ، ثنا حريز به ، وحديث ابن عباس قال : أدلج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ثم عرس ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس ، أو بعضها ، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس فصلى ، وقد تقدم في ذكر الصلاة الوسطى ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبيدة ابن حميد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن تميم بن سلمة ، عن مسروق ، عن ابن عباس قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأعرس من الليل فرقد ، فلم يستيقظ إلا بالشمس ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن ، ثم صلى الركعتين . فقالا : هذا خطأ أخطأ فيه عبيدة ، ورواه جماعة ، فقالوا: عن تميم بن سلمة ، عن مسروق مرسل فقط ، قلت لهما : الوهم ممن هو ؟ قالا : من عبيدة ، وحديث سمرة بن جندب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام أحدنا عن الصلاة ، أو نسيها حتى يذهب حينها الذي تصلى فيه أن يصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة ، رواه أبو بكر البزار من حديث يوسف بن خالد السمتي ، وهو ذاهب الحديث ، عن جعفر بن سعد بن سمرة ، عن خبيب بن سليمان بن سمرة ، عن أبيه ، عن جده ، ومرسل عمرو بن علي الثقفي قال : لما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الغداة ، استيقظ ، فقال : لنغيظن الشيطان كما أغاظنا فصلى يومئذ بسورة المائدة في صلاة الفجر . وحديث أبي مريم مالك بن ربيعة السلولي قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنزلنا منزلا فناموا عن الصلاة حتى طلعت الشمس ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بلالاً فأذن وتوضؤوا وصلوا الركعتين ، ثم أقام بلال ، فصلى بنا النبي - صلى اللّه عليه وسلم ثم حدثنا بما هو كائن إلى يوم القيامة ، حفظه من حفظه ، ونسيه من نسيه . رواه الطبراني في الكبير ، عن طالب بن قرة الأذني ، نبأ محمد بن عيسى الطبّاع ثنا أبو الأحوص ، عن عطاء بن السائب ، عن يزيد بن أبي مريم ، عن أبيه به ، ونبأ محمد بن إسحاق بن إبراهيم ، ثنا به أبي ، وثنا الحسن بن إسحاق التستري ، نبأ عثمان بن أبي شيبة قالا : ثنا جرير ، عن عطاء به ، وحديث جبير بن مطعم : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان في سفر ، فقال : من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الفجر ، فقال بلال : أنا ، فاستقبل مطلع الشمس فضرب على آذانهم حتى أيقظهم حرّ الشمس ، ثم قاموا فقادوا ركابهم ، ثم توضؤوا وأذّن بلال ، ثم صلوا ركعتي الفجر ، ثم صلوا الفجر . رواه أيضا عن علي بن عبد العزيز ، ثنا حجاج بن منهال ، وابن عائشة ، ونبأ عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا هدبة بن خالد قالوا : ثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه به ، وحديث أبي جحيفة السوائي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره الذي ناموا فيه أو طلعت الشمس . فقال : إنكم كنتم أمواتا ، فرد الله تعالى إليكم أرواحكم ، فمن نام عن صلاة فليصلها إذا استيقظ ، ومن نسي صلاة فليصلها إذا ذكر . رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن الفضل بن دكين ، عن عبد الجبار، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه به ، ومرسل زيد بن أسلم قال : عرَس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بطريق مكة ، ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس الحديث رواه مالك في الموطأ ومرسل عطاء بن أبي رباح : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نام ليلة التعريس واستيقظ صلى ركعتين في معرسه ، ثم ساروا . رواه ابن أبي شيبة ، وفي كتاب عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني سعد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار : أنّ التعريس كان في غزوة تبوك وأنّ النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أمر بلالاً فأذّن في مضجعه ذلك بالأول ، ثم مشوا قليلاً ، ثم أقاموا فصلوا الصبح ، وحديث بلال قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فنام حتى طلعت الشمس فأمر بلالاً فأذن ، ثم توضأ فصلوا ركعتين ، ثم صلوا الغداة . رواه الدارقطني في سننه عن الحسين بن إسماعيل ، ثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم ، نا عبد الصمد بن النعمان ، نا أبو جعفر الرازي ، ثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم ، نا عبد الصمد بن النعمان ، نا أبو جعفر الرازي ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب عنه ، وفيه انقطاع بينهما ، بين بلال ، وسعيد ، والله تعالى أعلم ، وحديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي ينسى الصلاة قال : يصلي إذا ذكر خرجه في الأوسط ، عن موسى بن هارون ، نا إسحاق بن راهويه ، أنبأ معاذ بن هشام ، حدثني أبي ، عن عامر الأحول ، عن الحسن عنه ، وقال : لم يروه عن عامر إّلا هشام تفرد به معاذ ، وحديث ميمونة بنت سعد أنها قالت : يا رسول الله أفتنا عن رجل نسي الصلاة حتى طلعت الشمس ، أو غربت ، ما كفارتها؟ قال : إذا ذكرها فليصلها وليحسن صلاته وليتوضأ وليحسن وضوءه فذلك كفارة . رواه أبو القاسم من حديث عبد الحميد بن يزيد ، عن آمنة بنت عمر بن عبد العزيز عنها . غريبه : التعريس : النزول في المعهد أي حين كان من ليل ، أو نهار ، وقال زهير : وعرسوا ساعة في كثب أسمنة ومنهم بالقسوميات معترك ويروى : ضحوا قليلا قفا كثبان أسنمة والمعرس : الذي يسير نهاره ، ويعرس أي : ينزل أول الليل ، وقيل : التعريس النزول في آخر الليل ، وعرّس المسافر : نزل في وجه السحر ذكره ابن سيّده ، زاد في الصحاح : وأعرسوا لغة فيه قليلة والموضع : معرس ومعرس ، والقفل ، يقال : قفل الجند من الغزو إلى أوطانهم قفلاً وقفولًا ، وهذا وقت القفل ، ورأيت القفل أي : القفال . كما يقال القفل للقاعدين عن الغزو وأقلفهم الأمير ذكره في باب الحقيقة من كتاب الأساس ، وفي الجامع : يقفلون ويقفلون فهم قفال جمع : قافل ، ولا يكون القافل إلا الراجع إلى منزله ، ووطنه وقول امرئ القيس : نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفال إّنما يريد نظرت إلى نارها تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان وذلك آخر الليل ، فإذا كانت النار تشب في هذا الوقت دلّ على كثرتها في أوّل الليل ، وسموا القافلة من ذلك ، لأنهم يرجعون إلى أوطأنهم ، ولا يسمون عند الذهاب قافلة ، وإنما ذلك اسم عند الرجوع على ما ذكرنا ، وفي شرح الفصيح لابن هشام ، فإن كانت خارجة فهي الصائبة سميت بذلك على وجه القفال ، وفي الاصطلاح : قفلوا هم قفولًا وقفلاً ، وحكى مكي ، عن الخليل : قفلت الجند بغير ألف ، قال أبو عمر بن عبد البر : في هذه الأخبار ما يدلّ أن نومه كان مرة واحدة ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي : ثلاث مرات ، وقال القاضي أبو الفضل : حديث أبي قتادة غير حديث أبي هريرة ، وكذلك حديث عمران ، ومن الدليل على أنّ ذلك وقع مرتين ؛ لأنه قد روي أنّ ذلك كان زمن الحديبية ، وفي رواية بطريق مكة ، والحديبية كانت في السنة السادسة ، وإسلام عمران ، وأبي هريرة الراوي حديث قفوله من خيبر كان في السنة السابعة بعد الحديبية ، وهما كانا حاضرين الواقعة ، ولو احتج محتج لترجيح قول من زاد على الثلاث لو قال به قائل لكان مصيباً . لأنّ في حديث أبي هريرة حين قفل من غزوة حنين بالحاء المهملة كذا نص عليه الأصيلي ، وغلط من قاله بالمعجمة ، وحديث أبي قتادة قال أبو الوليد الباجي : يدلّ أنه كان زمن خيبر ، وصرح في حديث ابن مسعود بأنه كان بالحديبية ، وحديث عقبة ، وعطاء مصرّح بتبوك ، وحديث ذي مخبر مصرح بأنه في سرية مبهمة ، وكذلك اختلاف أسماء الكالئين ، والمستيقظين قرأت على المسند بقية المشايخ أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد القوي الأنصاري - رحمه الله تعالى - أخبرنا شيخ الإِسلام مفتي المسلمين أبو الحسن علي بن القدوة أبي العباس أحمد بن علي ، أنبأ أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير ، عن أبي عبد اللّه محمد بن أبي محمد عبد الله التميمي ، أنبأ القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض سماعًا ، قال : فإن قلت فما تقول في نومه صلى الله عليه وسلم يوم الوادي وقد قال : إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي فاعلم أنّ للعلماء عن ذلك أجوبة : منها : أنّ المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقات ، وقد يندر منه غير ذلك ، كما ندر من غيره بخلاف عادته ، ويصحح هذا التأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث نفسه : إن الله قبض أرواحنا ، وقول بلال فيه : ما ألقيت علي نومة مثلها قط ، ولكن مثل هذا إنّما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم ، وتأسيس سنة ، وإظهار شرع ، وكما قال في الحديث الآخر : لوَ شاء الله لأيقظنا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم. الثاني: أنّ قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه ؛ لما روي : أنه كان محروساً ، وأنه كان ينام حتى ينفخ ، وحتى يسمع خطيطه ، ثم يصلي ، ولا يتوضأ ، وحديث ابن عباس المذكور فيه وضوؤه عند قيامه من نومه مع أهله ، فلا يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرّد النوم ، إذ لعل ذلك لملامسته الأهل ، أو لحدث آخر ، فكيف وفي آخر الحديث نفسه : ثم نام حتى سمعت خطيطه ، ثم أقيمت الصلاة فصلَى ، ولم يتوضأ ، وقيل لا ينام قلبه من أجل الوحي ، وأنه يوحى إليه في النوم ، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس ، وليس هذا من فعل القلب ، وقد قال - عليه السلام - : إن الله قبض أرواحنا ، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ، فإن قيل : فلولا عادته من استغراق النوم ؛ لما قال لبلال : اكلأ لنا الصبح ، فقيل الجواب : إنه كان من شأنه - عليه السلام - التغليس بالصبح ، ومراعاة أوَل الفجر لا تصح ممن نامت عينه ، إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة فوكل بلالاً بمراعاة أوّله ؛ ليعلمه بذلك كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته ، وزعم بعضهم أن قوله - عليه السلام - : ارتحلوا ، وأخَر الصلاة ، معارض بقوله فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ، ويجاب بأنَ الارتحال إَنما كان بسبب الشيطان الذي كان بذاك الوادي ، وهذا من المغيبات التي لا يطلع عليها إلا الأنبياء - عليهم السلام وقيل إن الأمر بالارتحال منسوخ بقوله : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي كذا قاله ابن حزم ، وهو قول غير صحيح ؟ لأن الآية مكيّة فكيف يتجه النسخ بها هنا ، والنسخ لا يصح قبل وروده ، وتعلَق الحنفيون به على أن الصلاة لا تقضى عند طلوع الشمس ، وأجيب بأجوبة أحدها: قوله : فلم يوقظهم إلا حر الشمس ، وهذا وقت مسوغ للصلاة إجماعًا . الثاني : إنما كان ارتحالهم لأجل الشيطان ، أو لأجل الغفلة كما أسلفناه كما نهى - عليه السلام - عن الوضوء من بئر ثمود ، وكنهيه عن الصلاة بأرض بابل . الثالث : روى عطاء بن أبي رباح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ركع ركعتين في معرسه ، ثم سار وبنحوه ذكره ذو مخبر فيما أسلفناه ، والوقت الجائز فيه صلاة النافلة تجوز فيه الفريضة إجماعًا ، وقال ابن حزم : واستشكل بعضهم قوله: فليقض معها مثلها وليصلها من الغد لوقتها ، أو فليصلها إذا ذكرها ، ومن الغد للوقت ، وأنهم قالوا : يا رسول الله ، أنقضيها لميقاتها من الغد ونصلي كذا ، وكذا صلاة؟ قال : لا . وليس كذلك ، بل هو صحيح متفق المعنى ، وإنما يشكل من هذه الألفاظ قوله : مثلها ، وإذا تؤمل ، فلا إشكال فيه ؟ لأن الضمير في لغة العرب راجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل فالضمير في معها راجع إلى الغداة لا للصلاة ، أي : فليقض مع الغداة مثل هذه الصلاة التي يصلي بلا زيادة عليها ، أي : فليؤد ما عليه من الصلاة مثل ما يفعل كل يوم ، فتتفق الألفاظ كلها على معنى واحد . انتهى ، قال ابن عبد البر : قد اختلف العلماء في النفس والروح هل هما شيء واحد ، أو شيئان ؟ لأنه قد جاء في الحديث : إن الله قبض أرواحنا ، وفي حديث سعيد قال بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ، فقال جماعة من العلماء : هما شيء واحد ، ومن حجتهم قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الآية ، وذكر نفر عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير في هذه الآية أنهما قالا : تقبض أرواح الأموات إذا ماتوا ، وأرواح الأحياء إذا ناموا يتعارف ما شاء الله أن يتعارف ، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مُسمى، نفس الآية كما ترى ، فقالا بقبض الأرواح ، وقد جاءت بلفظ الأنفس ، وقال آخرون : النفس غير الروح ، واحتجوا بأن النفس مخاطبة منهية مأمورة ، واستدلوا بقوله تعالى : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ وقوله : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا قالوا : والروح لا تخاطب ، ولا تؤمر ، ولم ينه في شيء من القرآن ، وتأولوا قول بلال: أخذ بنفسي ، أي أخذ بنفسي من النوم ما أخذ بنفسك في تفسير سنيد ، عن ابن جريج في قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ قال : في جوف الإنسان روح ونفس وبينهما في الجوف مثل شعاع الشمس، فإذا توفى الله تعالى النفس كانت الروح في جوف الإِنسان ، فإذا أمسك اللّه نفسه أخرج الروح من جوفه ، وإن لم يمته أرسل نفسه إليه فرجعت إلى مكانها قبل أن يستيقظ ، قال ابن جريج : وأخبرت عن ابن عباس نحو هذا الخبر ، وقال وهب : إنّ أنفس الآدميين كأنفس الدواب التي تشتهي وتدعو إلى الشر ، ومسكن النفس البطن ، إلا أن الإنسان فُضِّل بالروح ، ومسكنه الدماغ ، فإذا انحدر الروح إلى النّفس ، والَتقيا نامّ الإنسان ، فإذا استيقظ رجع الروح إلى مكانه ، ويعتبر ذلك بأنك إذا كنت نائَماً ، فاستيقظت ، كان كلّ شيء يبدو إلى رأسك ، وعن عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك : النفس جسد مجسد كخلق الإنسان ، والروح كالماء الجاري واحتج بقوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ قَال : ألا ترى أنّ النّائم قد توفى الله نفسه وروحه صاعد ونازل وأنفاسه قيام ، والنفس تسرح في كل واد ، وترى ما تراه من الرؤيا ، فإذا أذن اللّه في ردها إلى الجسد عادت واستيقظ بعودتها جميع أعضاء الجسد وحرّك السمع والبصر وغيرهما من الأعضاء ، قال : والنفس غير الروح ، والروح كالماء الجاري في الجنان ، فإذا أراد الله إفساد ذلك البستان منع منه الماء الجاري فيه فماتت حياته، كذلك الإنسان ، قال أبو عمر ، والله أعلم بالصحيح ، وما ذكرناه من الحجج فليس بحَجة واضحة ، ولا هو مما يقطع بصحته ، لأنه ليس فيه خبر صحيح يقطع العذر ، ويوجب الحجة ، ولا هو مما يدرك بقياس ، ولا استنباط ، بل العقول تعجز عن علم ذلك ، وقد تضع العرب النفس موضع الروح ، والروح موضع النفس ، فيقولون : خرجت نفسه وفاضت نفسه ، وخرجت روحه ، إما لأنهما شيء واحد ، أو لأنهما شيئان متصلان لا يقوم أحدهما دون الآخر ، وقد يسمون الجسد نفساً ، ويسمون الدم نفساً، ويسمون الدم جسداً ، قال النابغة : وما أريق على الأنصاب من جسد يريد من دم . وقال ذو الرمة ، فجعل الجسد نفسًا : يا قابض الأرواح من نفس إذا احتضرت وغافر الذنب زحزحني عن النار وقال آخر : تسيل على حدّ الظبات نفوسنا وليست على غير السيوف تسيل ويقال للنفس نسمة قال - عليه السلام - إنّما نسمة المؤمن طائر يعني روحه ، وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب معرفة الروح ، والنفس ، تأليفه: إنّ بعضهم قال : أرواح الخلق كلّها مخلوقة ، وهو مذهب أهل الجماعة والأثر ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : الأرواح جنود مجندة ، وقال بعضهم : الأرواح أمر من أمره تعالى أخفى الله حقيقتها وعلمها عن الخلق ، واحتجوا بقوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وقال بعضهم الأرواح نور من نور الله تعالى ، وحياة من حياته ، واحتجوا بقول النبي - عليه الصلاة والسلام - : إن الله خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم نورًا من نوره ، ثم اختلفوا في الأرواح هل تموت بموت الأبدان والأنفس أو لا تموت ؟ فقالت طائفة : الأرواح لا تموت ، ولا تبلى واحتجوا بقوله عليه السلام : أرواح الشهداء في أجواف طير خضر . وقال بعضهم : الأرواح تموت ، ولا تبلى وتبلى الأبدان ، واحتجوا بحديث الصور ، وقالت جماعة : الأرواح على صور الخلق لها أيد وأرجل وأعين وسمع ، وقال بعضهم : الأرواح تعذب كما تعذب الأجسام ، واحتجوا بقوله تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ وقالت طائفة : تعذب الأرواح والأبدان جميعًا ، وكذلك تنعم ، وقالت طائفة : تبعث الأرواح ؟ لأنها من حكم السماء ، ولا تبعث الأبدان لأنها من حكم الأرض ، وهذا كلام مستحيل ، وقال بعضهم : تبعث الأرواح ويخلق الله لها أجساماً من الجنة ، وهو مثل الذي قبله ، وقالت طائفة : للمؤمن ثلاثة أرواح ، وللكافر والمنافق روح واحدة ، وقال بعضهم : للصديقين خمسة أرواح ، وقال بعضهم : الروح روحانية خلقت من الملكوت ، فإذا صفَّت رجعت إلى الملكوت ، وقال بعضهم : الروح روحان روح اللاهوتية ، وروح الناسوتية ، وقال بعضهم : الأرواح نورية وروحانية ملكوتية إذا كانت صافية ، وقال بعضهم : الروح لاهوتية ، والنفس أرضية طينية نارية ، وقال بعضهم : الأرواح تتناسخ ، وتنتقل من جسم إلى جسم ، وهذا شر الأقاويل وأبعدها من الأثر ، وقالت طائفة : وهم أهل الأثر : الروح غير النفس ، وقوام النفس بالروح ، ولا عدو أعدى لابن آدم من نفسه ، لأنها لا تريد إلا الدنيا ، والروح عكسها ، وقد جعل الهوى والشيطان تبعا للنفس ، والهوى والملك مع العقل والروح ، وذكر ابن الحباب في كتاب معرفة الروح عن ابن عباس مرفوعا : واستغربه أن للبهائم ، والكفار ثلاثة أرواح : روح الشهوة ، وروح القوة ، وروح البدن ، والمؤمن يزيد عليهم بروح الإِيمان . قال ابن المنذر : من نام عن صلاة ، أو نسيها ، صلاها متى استيقظ ، أو ذكر ، روي ذلك عن علي وروي معنى ذلك عن غير واحدة من الصحابة ، وبه قال النخعي ، وأبو العالية ، والشعبي ، والحكم ، وحماد ، ومالك ، والأوزاعي ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور - رضي الله عنهم أجمعين قال القرطبي : في الحديث دليل على وجوب القضاء على النائم كثرت الصلاة ، أو قلت ، وهذا مذهب العلماء كافة ، وقد حكي خلاف شاذ عن بعضهم فيمن زاد على خمس صلوات أنه لا يلزم قضاء ، وأما من تركها عامداً ، فالجمهور وجوب القضاء ، وفيه خلاف عن داود وأبي عبد الرحمن الأشعري ، وقال النووي : وهو قول شذ به بعض أهل الظاهر ، وفي كلامه نظر ؛ لأن داود فمن بعده قالوا به . الثاني : أن أبا محمد بن حزم ذكر أنه أيضا قول عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وسلمان ، وعبد الله بن مسعود ، والقاسم بن محمد ، وبديل العقيلي ، ومحمد بن سيرين ، ومطرف بن عبد الله ، وعمر بن عبد العزيز ، وغيرهم فأيّ شذوذ مع هؤلاء ؟ ، وفي صحيح ابن خزيمة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة تلك الصلاة التي قد نيم عنها ، أو نسيها من الغد لوقتها بعد قضائها عند الاستيقاظ ، أو عند ذكرها أمر فضيلة لا أمر عزيمة ، وفريضة إذ النبي - عليه السلام - قد أعلم أنّ كفارة نسيان الصلاة ، أو النوم عنها أن يصليها النائم عند الاستيقاظ ، وأمر النسيان إذا ذكرها ، وأعلم أن لا كفارة لها إّلا ذلك ، وأما الحديث الذي ذكره الجوزقاني من طريق أبي عاصم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة قالت : دخل شاب من أهل الطائف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني أضعت صلاتي فما حيلتي ؟ قال : من صلى ليلة الجمعة ثمان ركعات ، قرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة ، وخمس وعشرين مرة قل هو الله أحد، فإذا سلمت صل على النبي الأمي ألف مرة ، فإن الله يجعل ذلك كفارة لصلاتك ، ولو تركت صلاة مائتي سنة وغفر الله لك الذنوب كلها ، الحديث بطوله فحديث باطل نص عليه في الموضوعات وهو مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم : لا كفارة إّلا ذلك ، ولحديث جابر بن عبد الله : أن رجلًا قال يا رسول الله : إني تركت صلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقض ما تركت ، فقال كيف أقضي ؟ قال : صل مع كل صلاة صلاة مثلها ، قال يا رسول الله قبل أم بعد ؟ قال : بل قبل . هذا حديث غريب لم نكتبه إلا بهذا الإِسناد يعني قوله : ثنا أحمد بن نصر ، ثنا عبيد الله بن أبي عبد الله بن منده ، أنبأ أبو الميمون محمد بن عبد الله بن أحمد بن مطرف المديني نزيل عسقلان ، ثنا أبو ذهل عبد الله بن محمد الغازي بعسقلان ، أبنا أبو محمد سلم بن عبد الله الزاهد بعسقلان ، أنبأ القاسم بن معين ، ثنا ابن المسيب ، ثنا عطاء بن أبي رباح ، فذكره ، وذكر الدبوسي عن محمد بن الحسن في الأصل أن النبي - عليه السلام - أذَّن للفجر وأقام ليلة التعريس قال : ومن روى خلافه يحمل على أنّ الراوي لم يحضر الأذان ، وروى أبو يوسف بسنده أن النبي - عليه السلام - أذّن وأقام لقضاء ما فاته يوم ، وفي حديث مالك بن الحويرث أنه قال له ولصاحب له : إذا سافرتما فأذنا وأقيما ، والمسافر مستغن عن إعلام الناس ودعائهم في موضع لا قوم به ، والله تعالى أعلم ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .

458

90 - حدثنا حرملة بن يحيى ، نا عبد الله بن وهب ، ثنا يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس ، وقال لبلال : اكْلأ لنا الليل فصلى بلال ما قدر له ، ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، فلم تقارب الفجر ، استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر ، فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته ، فلم يستيقظ بلال ، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظَا ، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أي بلال ؟ فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بابي أًنت ، وأمي يا رسول الله ، قال : اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئَا ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن اللّه تعالى قال : أقم الصلاة لذكري ، قال : وكان ابن شهاب يقرؤها للذكرى . هذا حديث خرجه مسلم ، بزيادة: ليأخذ كل واحد منكم برأس راحلته ، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، ففعلنا ، ثم دعا بالماء فتوضأ ، ثم سجد سجدتين ، ثم أقيمت الصلاة فصلى بهم الغداة ؛ وفي لفظ لأبي داود ، عن موسى بن إسماعيل ، ثنا أبان ، نا معمر ، عن الزهري في هذا الخبر قال : فقال - صلى الله عليه وسلم - : تحولوا من مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة قال : فأمر بلالا فأذّن فأقام وصلى . قال أبو داود : رواه مالك ، وابن عيينة ، والأوزاعي ، وعبد الرزاق ، عن معمر ، وابن إسحاق لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري هذا ، ولم يسنده منهم أحد إَلا الأوزاعي وأبان العطار ، عن معمر ، وزاد في رواية أبي الطيب الأشناني : ثنا مؤمل ، ثنا الوليد ، عن الأوزاعي ، يعني عن الزهري به ، ولما رواه أبو عيسى ، عن محمود بن غيلان ، عن النضر بن شميل ، عن صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري بلفظ : فأقام الصلاة ، ثم صلى على صلاته للوقت ، ثم مكث ، ثم قال : أقم الصلاة لذكري . قال: هذا حديث غير محفوظ رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري ، عن سعيد أنَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكروا فيه عن أبي هريرة ، وذكر أبو الحسن في علله أنَ الأوزاعي رواه مرفوعا من رواية هشام بن خالد ، عن الوليد بن مسلم عنه ، وكذلك ابن عيينة في رواية عبد الجبار بن العلاء عنه ، عن الزهري ، ومالك الإِمام فيما رواه القدامي ، وابن أخي ابن وهب ، عن عمه عنه، قال : والمحفوظ هو المرسل وبنحوه ذكره في غرائب مالك ، والله أعلم ، وأما قول أبي داود: لم يسنده أحد منهم يعني المسمين إلا الأوزاعي وأبان فمردود بقول أبي عمر: وقد وصله محمد بن إسحاق ، وفي قول الدارقطني : وابن أخي ابن وهب ، عن عمه إشعار أنه منفرد بذلك ، وهو إن كان حديثه في صحيح البخاري ، فقد تكلم فيه غير واحد بكلام فيه إقذاع ، فقد قدمنا إسناده من حديث حرملة عنه ، وخرجه مسلم من حديث أحمد بن صالح عنه أيضًا ، فهذا كما ترى غير واحد من الثقات وصله فترجح لذلك قول مسلم ، والله تعالى أعلم ، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق لا بأس به ، يشهد لمن وصله لا ذكر فيها للزهري ، ولا لسعيد ، أنبأ بها المسند المعمر محمد بن محمد بن أبي بكر رحمه الله تعالى قراءة عليه ، أنبأ سيدة بنت الماراني قراءة عليها ، عن الإِمام أبي سعد بن الصفار وزينب ابنة عبد الرحمن الشعرية ، أنبأ وجيه بن طاهر قراءة عليه ، أنبأ الأستاذ أبو القاسم القشيري قراءة عليه ، ثنا أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف ، أنبأ أبو العباس محمد ابن إسحاق ابن مهران السراج ، أنبأ حفص بن عبد اللّه أبو عمر الحلواني ، نا مروان ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : عرسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته ، فإن هذا مكان حضر فيه الشيطان ، فسار غير بعيد ، ثم نزل ، قال أبو العباس : وثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثني أبي ، ثنا يزيد به ، وزاد قال : فسرنا ساعة ، ثم دعا بماء فتوضأ ، ثم ركع ركعتين ، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة ، وفي كتاب المعرفة للبيهقي : فوقتها إذا ذكرها ، وضعف هذه الزيادة بحفص بن العطاف ، وابن أبي العطاف يشبه أن يكون غير المذكور عند السراج ؛ لأني لم أر أحدا نسبه كما نسبه هو ، ولا جمع بين النسبتين ، والله أعلم

459

70 - وحدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب العبدي ، عن خباب قال : شكونا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرّ الرمضاء ، فلم يشكنا . هذا حديث إسناده صحيح ، ولكنه خطأ نصّ على ذلك ابن أبي حاتم إذ سأل أبا زرعة عنه ، فقال : أخطأ فيه وكيع إنّما هو على ما رواه شعبة، وسفيان ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب ، يعني بذلك : ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث زهير ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب ، وفي آخره قال زهير : قلت لأبي إسحاق أفي الظهر ، قال : نعم . قلت : أفي تعجيلها قال : نعم ، ورواه ابن عيينة ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن أبي معمر ، عن خباب فأخطأ فيه ، وقال أبو حاتم الرازي : ليس لهذا أصل ما ندري كيف أخطأ وما أراد ، وقال أبو زرعة : إنّما أراد سفيان حديث الأعمش ، عن عمارة ، عن أبي معمر ، عن خباب أنّه قيل له : كيف كنتم تعرفون قراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قال : باضطراب لحيته . قال عبد الرحمن : قلت لأبي زرعة : عنده الحديثان جميعا ؟ قال : أحدهما ، والآخر خطأ ، قال عبد الرحمن : ورواه شريك كرواية الأعمش قال أبي : الصحيح ما روى سفيان، وشعبة ، وأما ابن عيينة فوهم ، والصحيح من حديث الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة . انتهى كلامه . وفيه نظر لما ذكره عن أبي زرعة قبل . وفي كتاب الغرائب لأبي الحسن قال ابن صاعد : لم يرو هذا الإسناد غير ابن عيينة ، قال الدارقطني : وهو غريب من حديث الأعمش ، عن عمارة تفرد به ابن عيينة وهو غريب من حديث سفْيان ، ورواه مسروق أيضا عن خباب ، هو حديث تفرد به عيسى بن أبي حرب ، عن يحيى بن أبي بكير ، عن شعبة ، عن حصين والأعمش ، عن أبي الضحى عنه ، وفي كتاب ابن المنذر الكبير ، ثنا عبد الله بن أحمد ، ثنا خلاد بن يحيى ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، ثنا ابن وهب عنه بلفظ : فما أشكانا ، فقال : إذا زالت الشمس فصلوا ، وهي زيادة صحيحة ، خلاد حديثه في صحيح البخاري ، ويونس شارك أباه في عدة من شيوخه ، وقد صرح هنا بالتحديث فلعلّه حفظ ما نسيه أبوه ، كذا ذكره أبو الحسن بن القطان وقد وقع لنا ذكر هذه الزيادة من حديث أبي إسحاق نفسه ، فلا حاجة إلى غيره ، قال الحافظ العلامة أبو منصور محمد بن سعد الباوردي في كتاب الصحابة تأليفه : ثنا محمد بن أيوب ، أخبرني عبد السلام بن عاصم ، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي ، ثنا أبو جعفر ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب قال : شكونا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرمضاء ، فلم يشكنا ، وقال : إذا زالت فصلُّوا ، وفي كتاب الكجي : الرمضاء في صلاة الهجير ، فلم يشكنا ، ورواه أبو القاسم في الأوسط ، عن أحمد بن زهير ، ثنا محمد بن معمر البحراني ، ثنا أبو بكر الحنفي ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن سعيد به ، وقال : لم يقل أحد ممن روى هذا الحديث عن أبي إسحاق ، وإذا زالت الشمس فصلوا الظهر إلا يونس تفرد به أبو بكر واسمه عبد الكبير بن المجيد . انتهى ، فتبين بهذا صحة هذه اللفظة ، وأن أبا إسحاق رواها عنه اثنان ، وأن ابنه أخذها عنه ، وعن شيخه ، والله أعلم ، وفي الباب حديث جابر بن عبد الله قال : كنت أصلي الظهر مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدّة الحر . رواه أبو داود بإسناد صحيح ، عن أحمد ومسدّد ، ثنا عباد عن محمد بن عمرو ، عن سعيد بن الحارث به ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، عن جعفر بن أحمد ، ثنا الفلاس ، ثنا عبد الوهاب الثقفي ، نا محمد بن عمرو بزيادة فيجعلها في كفّه هذه ، ثم كفه هذه، فإذا بردت سجد عليها . وقال أبو عبد الله بن حنبل : رواه محمد بن بشر ، ثنا محمد بن عمرو ، حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن جابر وأخطأ فيه ، وجوده محمد بن بكار ، فقال : أنبأ عباد بن عباد ، نا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري ، عن جابر ، وخالف ذلك الدارقطني بقوله : رواه جماعة عن محمد بن عمرو ، عن سعيد بن الحارث ، وقال ابن بشر : سعيد بن أبي سعيد نسبه إلى جدّه أبي سعيد بن المعلى، وكلهم أتى بالصواب ، وأما قول ابن عساكر : أراه عباد بن العوام فينظر وأقره على ذلك المزي فغير جيد لما سلف ، ولفظ أبي القاسم في الأوسط : ورواه من حديث محمّد بن المنكدر عنه : شكونا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرّ الرمضاء ، فلم يشكنا ، وقال : لم يروه عن ابن المنكدر إلا بلهط بن عبّاد ، ولا عن بلهط إلا عبد المجيد بن عبد العزيز تفرد به محمد بن أبي عمر ، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد ، ولا أسند بلهط غير هذا الحديث ، وحديث عبد الله بن مسعود قال : كانت قدر صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام ، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام . رواه النسائي ، وقال أبو محمد الإشبيلي : في إسناده عبيدة بن حميد الحذاء ، ولا يحتج به وبعض ذلك في الكبير وأحسن الثناء عليه النسائي بقوله : قال أحمد بن صالح ، وقال يحيى : ليس به بأس وهو الصواب ؛ لأنه ممن قال فيه ابن المديني : ما رأيت أصح حديثا ، ولا رجاّلا منه ، وفي موضع آخر : أحاديثه صحاح ، وقال أحمد : ما أحسن حديثه وأحسن الثناء عليه جدا ورفع قدره وصحة حديثه ، قال أحمد : ما أدري ما للناس وله ، قال : وكان قليل السقط ، وأما التصحيف ، فلا نجد عنده ، وقال الساجي : صدوق ، وقال ابن سعد : كان ثقة صالح الحديث ، وذكره ابن حبان في الثقات وخرج الشيخان حديثه على طريق الاحتجاج في كتابيهما ، وكذلك ابن خزيمة ، وابن حبان والحاكم ، وصحح حديثه فأي حجة أعظم من هؤلاء ، ولم ينبه ابن القطان على هذا وهو لازم له ، وحديث أم سلمة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد تعجيلا للظهر منكم ، وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه . رواه أبو عيسى ، عن علي بن حجر ، أنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة عنها ، وقال : روي هذا الحديث عن ابن علية ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة عنها نحوه ، وثنا بشر بن معاذ البصري ، نا إسماعيل ، عن ابن جريج بهذا الإِسناد نحوه وهذا أصح ، وحديث حكيم بن جبير ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ما رأيت أحدا أشدّ تعجيلا للظهر من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا من أبي بكر ، ولا من عمر . رواه أيضا ، وقال : حسن ، وقال ابن المديني : قال يحيى بن سعيد : قد تكلم شعبة في حكيم من أجل حديثه الذي رواه عن ابن مسعود ، عن النبي عليه السلام : من سأل الناس وله ما يغنيه . قال يحيى : وروى له سفيان، وزائدة ، ولم ير يحيى بحديثه بأسا ، قال محمد : وقد روي عن حكيم ، عن سعيد بن جبير ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تعجيل الظهر ، وفي كتاب العلل قال محمد : وهو حديث فيه اضطراب ، ولفظ الطوسي : ما استثنت أبا بكر ، ولا عمر . وقال هذا حديث حسن ، وفي كتاب أبي نعيم قالت : ما صلى أحد يعني الظهر إلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم من استعجاله لها ، وحديث زيد بن ثابت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الظهر بالهاجرة . ذكره الطبراني في الكبير ، وسيأتي في الصلاة الوسطى ، وحديث أنس بن مالك : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر . خرجه البخاري ، وفي لفظ آخر : كنا إذا صلينا خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالظهائر جلسنا على ثيابنا اتقاء الحر ، وفي لفظ : كنا نصلّي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شدّة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه ، وفي كتاب الكجي : كان يصلي الظهر في الشتاء ما ندري ما مضى من النهار أكثر أم ما بقي ، قال أبو عمر : موسى أبو العلاء راويه عن أنس كان يصلي عند الزوال ، والزوال في الصيف إذا مالت الشمس عن كبد السماء نحو المغرب وصار الظل نحو المشرق ، وأما الشتاء، فإذا وقفت الشمس فذاك حين انتصف النهار ، فإذا رجع الظل نحو المشرق فهو أوّل الزوال ، والشمس تقف في الشتاء إذا قصر النهار فانتهى ، أو قارب ذلك على تسعة أقدام إذا طال النهار ، ثم ترجع ويرجع الظل نحو المشرق ، فإذا كان ذلك فهو أوّل الزوال في الشتاء ، وحديث عمر موقوفا : إذا اشتد الحرّ والزحام ، فلم يقدر أن يسجد على الأرض ، فليسجد على ظهر الرجال . قال ابن أبي حاتم ، عن أبيه : هذا خطأ يعني رواية الحجاج ، عن الأعمش ، عن المسيب بن رافع عن سليمان بن مسهر ، عن خرشة بن الحر عنه ، قال : والصحيح حديث الحسن بن الربيع ، نا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن المسيب ، عن زيد بن وهب عنه ، والله تعالى أعلم . غريبه قوله : دحضت الشمس يعني تدحض دحضا ودحوضا : زالت عن وسط السماء ، قاله ابن سيده ، وأبو نصر ، وابن القوطية وتلميذه ابن طريف ، وابن فارس في مجمله ، وابن قتيبة في غريبه ، وأبو عبيد بن سلام ، والسرقسطي ، والفارابي ، وابن دريد ، وصاحب مجمع الرغائب ، والخطابي ، وأبو هلال في تلخيصه ، والسكري في كتاب النقائض ، والقزاز ، زاد يعني : حين تزول ، وجعلها تدحض ؛ لأنها لا تزال ترتفع من لدن تطلع إلى أن تصير في كبد السماء ، ثم تنحط عن الكبد للزوال ، فكأنها تزلق ، فلا تزال في انحطاط حتى تغرب ، وأبو عبيد الهروي ، وزاد فكأنها زلفت ، ومنه قول معاوية لعبد الله بن عمرو ، وقال له : سمعت النبي يقول : تقتل عمّارا الفئة الباغية . لا تزال تأتينا بهنة تدحض بها في بولك ، ويروى بالصاد أي تفحص برجلك فيه ، ولم يبيّنوا أحقيقة ذلك أم مجاز ؟ سوى الزمخشري ، فإنه زعم أن ذلك من المجاز لا من الحقيقة . قوله حر الرمضاء ، فالرمض : شدّة وقع الشّمس على الرّمل وغيره فالأرض رمضاء ، وقال القزاز : هو حر الحجارة من شدّة حرّ الشمس ، ورمض يومنا يرمض رمضا : إذا اشتد حره ، ويقولون عودوا ، فقد أرمضونا ، أي قيلوا بنا ، فقد اشتد حرنا وأرض رمضة الحجارة أي : شديدة حر الحجارة : قال غيلان : معرور يا رمض الرضراض يركضه والشمس حيرى لها في الجو تدويم . وفي كتاب الهروي : الرمضاء شدّة الحر ، وفي الحقيقة من كتاب الأساس : الرمضاء هي الحجارة التي اشتدّ عليها وقع الشمس فحميت وقد رمضت رمضا ، وأرض رمضة فيما حكاه الزاهد عن أستاذه الرمضاء : الرمل إذا استحرت عليه الشمس ، ومنه سمي شهر رمضان لموافقته حين سمي ذلك الزمان ، وأما الهجير ، فذكر القزاز : أنّ الهجير والهجيرة والهجر والهاجرة نصف النهار ، وأهجر القوم : إذا دخلوا في الهاجرة ، قال الشاعر في الهجر : راح القطين بهجر بعدما ابتكروا فما تواصله سلمى وما تذر وهجروا إذا ساروا في الهاجرة ، قال لبيد في التهجير : وتهجير قذاف بأجرام نفسه على الهول لاحته الهموم الأباعد زاد الجوهري نصف النهار إذا اشتد الحر ، قال ذو الرمة : وبيداء مقفار يكاد ارتكاضها بآلّ الضحى والهجر بالطرف يمصح يقول منه هجر النهار ، قال امرؤ القيس : فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا ويقال أتينا أهلها مهجرين : كما يقال مؤصلين أي : في وقت الهاجرة ، والأصيل ، وفي الحقيقة : من الأساس ، وتهجروا : ساروا في الهاجرة . وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لو يعلم الناس ما في التهجير فمراده - والله تعالى أعلم - التبكير إلى كل صلاة ، وروى النضر بن شميل ، عن الخليل أنه قال : التهجير إلى الجمعة : التبكير لغة حجازية ذكره الهروي .

460

68 - حدّثنا محمد بن بشّار ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن عوف بن أبي جميلة ، عن سيار بن سلامة ، عن أبي برزة نضلة الأسلمي قال : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي صلاة الهجير التي تدعونها الظهر إذا دحضت الشّمس . هذا حديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم ، ولفظ البخاري ، عن سيار قال : دخلت أنا وأبي على أبي برزة ، فقال له أبي : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ؟ فقال : كان يصلي الهجير التي تدعوها الأولى حين تدحض الشمس ، ويصلي العصر ، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب ، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة ، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة ، وفي كتاب الإِسماعيلي ، عن أبي المنهال قال : لما كان زمن أخرج ابن زياد ، ووثب مروان بالشام انطلق بي أبي إلى أبي برزة ، وانطلقت معه، فإذا هو قاعد في ظل علو له من قصب في يوم شديد الحر ، فذكره ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه عثمان بن عثمان الغطفاني ، عن خالد الحذاء ، عن المغيرة بن أبي برزة عن أبي برزة نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النوم قبل العشاء الحديث ، وروى عبد الوهاب الثقفي ، عن خالد ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة الحديث ، فقال : حديث عبد الوهاب أشبه ، ولا أعلم أحدا روى عن المغيرة عن أبي برزة إلا علي بن جدعان . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لما ذكره هو في كتاب الجرح والتعديل من أنّ المغيرة روى عنه أيضا حماد بن سلمة ، وكذا قاله أيضا أبو حاتم البستي في كتاب الثقات ، والبخاري في تاريخه ، ولما ذكر أبو الحسن في علله حديث المغيرة بن أبي برزة قال : الصواب عن أبي المنهال ، وحديث المغيرة عن أبيه إنما هو أسلم سالمها الله ، وقال البزار حديث خالد عن المغيرة أحسب وهم فيه عثمان ، والصواب خالد ، عن أبي المنهال ، وحديث عثمان الغطفاني ذكره الإِسماعيلي في صحيحه ، أنبأ الحسن بن سفيان ، ثنا ابن مثنى حدثني عثمان سمعت خالدا به .

461

باب وقت صلاة الظهر 67 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا يحيى بن سعيدِ ، عن شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس . هذا حديث خرجه مسلم ( رحمه الله تعالى ) في صحيحه ، وخرجه أبو داود بلفظ : إن بلالا كان يؤذّن الظهر إذا دحضت الشمس . والنسائي بزيادة : وكان يقرأ بنحو من الليل إذا يغشى ، وزعم ابن عساكر : أنّ أبا داود خرجه بهذه الزيادة ، وأقرّه المزي على ذلك ، وليس كما زعما ، فإن لفظ أبي داود كما سقته لك في الروايات كلها ، والله تعالى أعلم .

462

69 - حدثنا أبو كريب ، ثنا معاوية بن هشام ، عن سفيان ، عن زيد بن جبير ، عن خشف بن مالك ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : شكونا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حر الرمضاء ، فلم يشكنا . هذا حديث سأل الترمذي محمدا عنه ، فقال : الصحيح هو عن ابن مسعود موقوف ، وفي علل أبي الحسن اختلف على الثوري فرواه عن معاوية مرفوعا ، ووهم فيه معاوية ، وإنما روى الثوري ، عن زيد بن جبير ، عن خشف قال : كنا نصلي مع ابن مسعود الظهر والجنادب تنقز من شدة الحر . غير مرفوع ، وليس لخشف إلا هذان الحديثان يعني هذا ، وحديث جعل دية الخطأ أخماسا ،

463

باب ميقات الصلاة في الغيم 87 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، ومحمد بن الصباح ، قالا : ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهاجر ، عن بريدة الأسلمي قال : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة . فقال : بكروا بالصلاة في اليوم الغيم ، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله . هذا حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن مسلم بن إبراهيم ، ثنا هشام ، ثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر الحديث ، وكذا قاله النسائي ، عن عبيد الله ابن سعيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن هشام ، وأحمد ، عن يحيى بن سعيد ، والإسماعيلي ، عن ابن ناجية ، عن الفلاس ، وعن القاسم بن زكريا ، عن ابن مثنى ، كَلاهما عن يحيى ، وعن المنيعي ، وابن ناجية ، عن أبي الأشعث ، عن يزيد بن زريع ، وقال يحيى ، وابن أبي عدي ويزيد : ثنا هشام ، عن يحيى ، وأبو مسلم الكجي ، عن مسلم بن إبراهيم ، نا هشام به ، وابن خزيمة ، عن أحمد بن عبدة ، نا أبو داود ، نا هشام ، وثنا الحسين من حريث أبو عمار ، ثنا النضر بن شميل ، عن هشام ، فذكره ، قال ابن عساكر : كذا قال الأوزاعي ، عن أبي المهاجر - يعني : أنّ المحفوظ في هذا أبو المهلب كذا نصّ عليه غير واحد من الأئمة حتى قال البستي : وهم الأوزاعي في صحيفته عن يحيى ، فقال: عن أبي المهاجر ، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة الجرمي ، وذكر الحافظ ضياء الدين المقدسي أنّ ابن حبان وهم أيضا في هذا ، وقال : والصواب : أبو المليح ، عن بريدة والله أعلم قال المهلب بن أبي صفرة : معنى هذا: من فاتته فوات مضيع لها ، متهاون بفضل وقتها مع قدرته على أدائها فحبط عمله في الصلاة خاصة ، أي : لا يحصل له أجر المصلي في وقتها ، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة ، وقال غيره : معناه تركها جاحداً ، فإذا فعل ذلك فقد كفر وحبط عمله ، ورد : بأن ذلك يقال في سائر الصلوات ، فلا مزية لها إذَا ، وقال ابن بزيزة : هذا على وجه التغليظ ، وقال ابن التين : معناه : كاد أن يحبط ، والترك المشار إليه محمول على التأخير ، ويجوز أن يراد به : لا يصليها مطلقَا تهاونًا بها ، والله أعلم .

464

85 - حدثنا محمد بن المثنى ، نا خالد بن الحارث ، ثنا حميد قال : سئل أنس بن مالك : هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما ؟ قال : نعم ، أخر ليلة صلاة العشاء إلى قريب من شطر الليل ، فلما صلى أقبل علينا بوجهه ، فقال : إنَ الناس قد صلوا وناموا ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ، قال أنس : كأني أنظر إلى بياض خاتمه صلى الله عليه وسلم . هذا حديث خرَجاه في الصحيح ، ولفظ أبي القاسم في الأوسط ، وخرجه من حديث إبراهيم بن ذي حماية ، عن حميد : فلما فرغ خطبنا ، فقال : إن الناس قد صلوا ورقدوا وأنتم في صلاة ما انتظرتم الصلاة ، ثم قال : لم يروه عن إبراهيم إَلا الجراح بن مليح . تفرد به محمد بن عبيدة

465

86 - حدثنا عمران بن موسى الليثي ، ثنا عبد الوارث بن سعيد ، ثنا داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، ثم لم يخرج حتى ذهب شطر الليل ، فخرج فصلَى بهم ، ثم قال : إن الناس قد صلوا وناموا وأنتم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ، ولولا الضعيف والسقيم لأحببت أن أؤخر هذه الصلاة إلى شطر الليل . هذا حديث خرجه أبو داود عن مسدد ، نا بشر بن المفضل ، ثنا داود بلفظ : ( صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة ، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل ، فقال : خذوا مقاعدكم فأخذنا مقاعدنا ، فقال الحديث ، ولفظ ابن خزيمة في صحيحه - وخرجه من حديث بندار - ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ح ، ثنا عمران بن موسى ، نا عبد الوارث ، نا داود ح ، وثنا إسحاق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، نا عبد الأعلى ، عن داود : ( خذوا مقاعدكم ، فإن الناس قد أخذوا مضاجعهم ، فإنكم لن تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها ، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل . هذا حديث بندار . وفي الباب حديث أم أنس الأنصارية ، وليست بأم أنس بن مالك ، قلت : يا رسول الله إن عيني تغلبني عن عشاء الآخرة ، فقال - عليه السلام - : عجليها يا أم أنس إذا ملأ الليل بطن كل واد ، فقد جاء وقت الصلاة فصلي ، ولا إثم عليك . ذكره أبو موسى في معرفة الصحابة ، وحديث النعمان بن بشير أنه قال : ( أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة ، صلاة العشاء الآخرة كان رسول الله يصليها لسقوط القمر لثالثة . رواه الحاكم من حديث هشيم ، عن أبي بشر ، عن حبيب بن سالم عنه ، ثم قال : تابعه رقبة ، عن أبي بشر هكذا ، زاد الدارقطني: وسفيان بن حسين ، قال الحاكم : وهو إسناد صحيح ، وخالفهما شعبة ، وأبو عوانة ، فقالا : عن أبي بشر عن بشير بن ثابت ، عن حبيب بن سالم ، ولما ذكر الترمذي حديث أبي عوانة أتبعه : نا محمد بن أبان ، نا ابن مهدي ، عن أبي عوانة بهذا الإِسناد نحوه ، وحديث أبي عوانة أصح من حديث هشيم ؛ لأنّ يزيد بن هارون روى عن شعبة ، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة ، وفي كتاب الطوسي : ثنا محمد بن يحيى الذهلي ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ شعبة ، عن أبي بشر ، عن بشير ، عن حبيب عنه بلفظ : كان يصليها بمقدار ما يغيب القمر الليلة الرابعة . قال يزيد : فقلت له : إن هشيمًا يقول لليلة الثالثة فشك شعبة ، فقال : رابعة ، أو ثالثة ، وهذا حديث حسن ، وصحح أبو محمد الإشبيلي حديث أبي عوانة في أحكامه الكبرى ، وقال مهنأ : قال لي أحمد: يجتر شعبة يرد على هشيم ، فسألت أحمد : من أخطأ في الحديث ؟ قال : شعبة حين يقول ليلة رابعة ، وقال أحمد أيضا فيما ذكره الخلال في علله : فتضعضع لها شعبة ، ولما سئل أبو زرعة عنه قال : حديث بشير بن ثابت أصح، قال ابن أبي حاتم في علله ، وفق أبو زرعة لما قال ، وحكم لمسدد بما أتى عن أبي عوانة بزيادة رجل في الإسناد ، وزعم بعضهم : أنه معارض لما ذكره ابن أبي حاتم في موضع آخر : سمَعت أبي وذكر حديثا : ثنا المقدمي ، عن يحيى بن سعيد القطان ، ثنا سفيان ، عن أبي يعفور ، عن أبيه ، عن النعمان بن بشير ، أنه كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ، ثم لا يلبث إلا يسيرا حتى يصلي العشاء ، قال لي : أخطأ فيه المقدمي ليس فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو : كنا نصلي مع النعمان بن بشير . والله أعلم . وحديث جابر بن عبد الله ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، وأصحابه ينتظرونه لصلاة العشاء ، فقال : نام النّاس ورقدوا وأنتم تنتظرون الصلاة أما إنَّكم في صلاة منذ انتظرتموها ، ولولا ضعف الضعيف وكبر الكبير لأخّرت هذه الصلاة إلى شطر الّليل ، قال أبو زرعة : وسأله ابن أبي حاتم عنه ، فقال : هذا حديث وهم فيه أبو معاوية - يعني : إذ رواه عن داود ، عن أبي نضرة ، عن جابر - قلت : لم يبين ما هو والذي عندي أن الصحيح ما رواه وهيب وخالد الواسطي ، عن داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وحديث عبد الله بن عمر قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل ، أو بعده ، فلا ندري أشيء شغله في أهله ، أو غير ذلك ، فقال حين خرج : إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ، ولولا أن أثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى رواه مسلم ، وروى البخاري نحوه ، وليس فيه : لصليت بهم هذه الساعة ، وفي معجم ابن جميع : أخّر صلاة العشاء حين نام النائم واستيقظ وتهجد المتهّجد ، ثم خرج فأقيمت الصلاة فصلاها ، وقال : لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هذا الوقت وهذا الحين . ولفظ أبي القاسم في الأوسط : حتى صلى المصلي ، واستيقظ المستيقظ ونام القائمون وتهجد المتهجدون ، وحديث ابن عباس قال : ( أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء ، حتى رقد الناس واستيقظوا ، ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه فقال : ( الصلاة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه يقطر رأسه ماء واضعَا يده على رأسه ، فقال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا. رواه أيضا ، وحديث عائشة قالت : ( أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر : الصلاة ، نام النساء والصبيان ، فخرج ، فقال : ما ينتظرها من أهل الإِسلام أحد غيركم . ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة قال : ( وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثْلث الليل الأول . رواه البخاري وهذا لفظه ، وفي لفظ له : أعتم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نام أهل المسجد ، ثم خرج ، فصلى ، فقال : إنه لوقتها لولا أن أشقْ على أمتي ، ولم يذكر مسلم: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول . وروى النسائي الحديث ، وعنده بعد قوله بالمدينة ، ثم قال : صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل ، وفي لفظ : أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى ذهب عامة الليل حتى نام أهل المسجد ، ثم خرج فصلى ، ثم قال : إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ، وفي الأوسط من حديث محمد بن عمرو ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها قالت : سئل - عليه السلام - عن وقت العشاء قال : إذا ملأ الليل بطن كل واد ، وقال : لم يروه عن محمد بن عمرو إّلا جعفر بن سليمان الضبعي . وحديث جابر بن سمرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر عشاء الآخرة . رواه مسلم ، وفي مسند مسدد : كان - عليه السلام - يصلي الصلوات نحوَا من صلاتكم ، وكان يؤخر صلاة العتمة بعد صلاتكم شيئا ، وكان يخفف الصلاة ، وفي لفظ : كان - عليه السلام - يؤخر صلاة العشاء الآخرة ، وحديث علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ، ولأخّرت العشاء إلى ثلث الليل الأوّل . رواه أبو جعفر في تهذيب الآثار بسند صحيح ، عن أحمد بن منصور ، نا يعقوب بن إبراهيم ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني عمي عبد الرحمن بن يسار ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه عنه ولما رواه البزار من حديث ابن إسحاق ، قال : وهذا الحديث قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، ولا نعلمه روي عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلّا من هذا الوجه بهذا الإِسناد ، قال الطبري : وروى شعبة ، عن قتادة ، عن أبي أيوب ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وقت العشاء إلى نصف الليل ، وفي كتاب النسائي : أنبأ عمرو بن علي ، ثنا أبو داود ، نا شعبة ، عن قتادة ، سمعت أبا أيوب الأزدي يحدّث عن ابن عمرو ، فذكره مطولا ، وفيه قال شعبة : كان قتادة يرفعه أحيانا ، وأحيانا لا يرفعه . وحديث معاذ : قال أبقينا النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العتمة ، فتأخر حتى ظن الظان أنه ليس بخارج ، والقائل منا يقول: صلّى ، فإنا لكذلك حتى خرج النبي - عليه السلام فقالوا له كما قالوا ، فقال : أعتموا بهذه الصلاة ، فإنكم قد فضّلتم بها على سائر الأمم ، ولم تصلها أمة قبلكم . رواه أبو داود من حديث حريز ، عن راشد بن سعد ، عن عاصم بن حميد السكوني عنه وسكت عنه الإشبيلي مصححًا له ، وعاب ذلك عليه ابن القطان ، وزعم : ، وتقدّم حديث أبي برزة: كان لا يبالي بعض تأخيرها ، قال : يعني العشاء إلى نصف الليل ، وحديث محمد بن سوقة ، عن محمد بن المنكدر ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه خرج ذات ليلة ، وقد أخّر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنية ، أو ساعة ، والناس ينتظرونه في المسجد ، فقال : ما تنتظرون؟ الحديث . رواه أبو القاسم في الأوسط ، وقال : لم يروه عن محمد بن سوقة إلّا عبد اللّه بن عمرو بن مرة . تفرد به القاسم بن الحكم العرني ، وحديث زيد بن خالد الجهني . ذكره الترمذي - رحمه الله تعالى واختلف العلماء في وقت العشاء المستحب ، وغيره ، فروي عن عمر بن الخطاب ، وأبي هريرة : أن آخر وقتها إلى ثلث الليل كأنه يعني الفاضل ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب مالك لغير أصحاب الضرورات ، واستحب لمساجد الجماعات ألا يعجلوها في أوّل وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس ، وذهب أبو حنيفة : إلى أنّ آخر وقتها ما لم يطلع الفجر الثاني ، قال ابن رشد : وهو قول داود أخذًا بحديث أبي قتادة إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى ، قالوا : وهو عام ومتأخَر عن حديث إمامة جبرائيل ، فهو ناسخ ولو لم يكن ناسخًا لحصل التعارض ، قال في المبسوط : وهو إجماع لم يخالف فيه غير الإصطخري ؛ فإنه قال : آخر وقتها إلى الثلث ، وفي النصف يخرج الوقت وتكون الصلاة بعده قضاء ، وقال ابن حبيب : آخر وقتها النصف الأوَل ، ومشهور مذهب مالك : أنه آخَر الثلث الأول ، وفي رواية ابن وهب عنه كمذهب أبي حنيفة وهو المروي عن ابن عباس ، وذهب النخعي إلى أنه آخَر الربع الأوَل ، وأنكر القرطبي أن يكون له مستندا في ذلك ، وفي كتاب الإشراف لأبي بكر : وكان النخعي يقول : آخر وقتها إلى نصف الليل ، وبه قال الثوري ، وابن المبارك ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي ، وأبو ثور ، قال : واختلفوا في التعجيل بها ، فروينا عن ابن عباس أنه قال : تأخيرها أفضل ويقرأ : وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ، وعن ابن مسعود : أنه كان يؤخر العشاء ، وهو قول ابن جبير ، وعمر في رواية ، وعمر بن عبد العزيز ، وبه قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وقال قائلون : تعجيلها أفضل استدلالا بالأخبار التي فيها تعجيل الصلاة في أوائل وقتها ، وممن قال بذلك : عمر بن الخطاب ، ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة عنه قال : وثنا الوصافي ، عن حسين بن عطية قال : دخلت أنا وابن عمر المسجد حين تعشى ، فقال : ما منعه أن يأمر مؤذنه أن يقيم الصلاة ؟ قلت : الساعة الآن ؟ قال : نعم . كان إذا تعشى صلى . وثنا سفيان ، عن ثور ، عن مكحول قال : كان عبادة بن الصامت وشدَاد بن أوس إذا غابت الحمرة ببيت المقدس صلَيا العشاء والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

466

باب وقت صلاة العشاء 84 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن أشق على أمّتي لأمرتهم بتأخير العشاء ، وفي حديث سعيد بن أبي سعيد عنه قال صلى الله عليه وسلم : لولا أن أشق على أمتي لأخّرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل ، أو نصف الليل . هذا حديث قال فيه أبو عيسى ، وأبو علي الطوسي : حسن صحيح، وخرجاه من حديث سعيد عنه ، ولفظ ابن حبان في صحيحه : لأخّرت العشاء إلى ثلث الليل ، ولفظ أحمد بن حنبل : لأخرت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأوّل ، ورجّحه ابن أبي حاتم بقوله : سمعت أبي ، وذكر حديثا رواه مروان الفزاري ، عن محمد بن عبد الرحمن بن مهران ، عن سعيد المقبري ، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا أن يثقل على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل . قال أبي : إنَما هو عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ومع ذلك ففي كتاب أبي جعفر الطبري المسمى بالتهذيب ما يشعر بانقطاع حديث سعيد وأنه لم يأخذه عن أبي هريرة ، إنَما أخذه عن عطاء عنه ، وأنه رواه بسند صحيح عن أحمد بن منصور ، ثنا يعقوب بن إبراهيم ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن أشقَ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ، ولأخَّرت العشاء إلى ثلث الليل الأول ، فإذا مضى ثلث الليل الأول هبط الرب جل ثناؤه إلى سماء الدنيا ، فلم يزل هنالك حتى يطلع الفجر يقول : ألا قائل ، ألا سائل يعطى؟ ألا داع يستجاب له ؟ ألا سقيم يستشفي فيشفى ؟ ألا مذنب يستغفر فيغفر له؟ . وخرج ابن حبان في صحيحه قطعة منه ، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث إسحاق بن أبي فروة ، عن صفوان بن سليم ، عن حميد بن عبد الرحمن عنه ، وقال : لم يروه عن صفوان إلا إسحاق

467

باب وقت صلاة المغرب 81 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا الأوزاعي ، ثنا أبو النجاشي قال : سمعت رافع بن خديج يقول : كنا نصلي المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنه لينظر إلى مواقع نبله . هذا حديث خرجاه في الصحيح .

468

83 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا إبراهيم بن موسى ، نا عباد بن العوام ، عن عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم . هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن أبي زرعة ، نا إبراهيم بن موسى ، نا عباد بن العوام ، عن محمد بن إبراهيم به ، ويشبه أن يكون تصحيفًا من الكاتب ، وصوابه عمر بن إبراهيم كما في كتاب ابن ماجه وغيره ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإِسناد ، لما أخرجه من حديث أبي بكر بن إسحاق ، ثنا الحسن بن علي بن زياد ، أنبأ إبراهيم بن موسى ، أنبأ عباد ، عن عمر بن إبراهيم ، ومعمر ، عن قتادة ، وقال الترمذي : قد روي عنه مرفوعا وهو أصحّ ، ولما سأل مهنأ أبا عبد الله عن هذا الحديث قال : هذا حديث منكر ، وإبراهيم بن موسى من أهل الري لم يزد شيئا في تعليله ، وهو إذا حقق لم يحقق لأمرين : الأوّل : أنه متن معروف بهذا اللفظ رواه جماعة من الصحابة . الثاني : إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الرازي أبو إسحاق الفراء الصغير لا يصلح أن يكون علّة ، ولا يسأل عن حاله فإنه ممّن خرّج الشيخان حديثه في صحيحيهما على سبيل الاحتجاج ، وكان أحمد نفسه ينكر على من يقول له الصغير ، ويقول : هو كبير في العلم والجلالة ، وقال أبو زرعة : هو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة وأصحّ حديثا منه . لا يحدّث إّلا من كتابه لا أعلم أني كتبت عنه خمسين حديثا من حفظه ، وكتب عنه مائة ألف حديث ، وهو أتقن وأحفظ من صفوان بن صالح ، وقال أبو حاتم : من الثقات وهو أتقن من أبي جعفر الجمال ، وقال الخليلي : ومن الجهابذة الحفاظ الكبار العلماء الذين كانوا بالريّ ويقرنون بأحمد ويحيى ، وأقرانهما: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الفراء ارتحل إلى العراق واليمن والشّام أثنى عليه أحمد بن حنبل ، ولما ذكره أبو عبد الله في تاريخه قال : ثقة مأمون ، ووثَّقه النسائي وغيره ، وقد أوضح ابن ماجه أمر هذا الحديث بقوله : سمعت محمد بن يحيى يقول : اضطرب النّاس في هذا الحديث ببغداد ، فذهبت أنا وأبو بكر الأعين إلى العوام بن عبّاد بن العوام ، فأخرج إلينا أصل أبيه ، فإذا الحديث فيه ، وليس لقائل أن يقول : لعلّ أحمد إنما أعله بكون عمر بن إبراهيم قال فيه أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ، ولا يحتج به ، وقال أبو أحمد بن عديّ : يروي عن قتادة أشياء لا يوافق عليها ، وقال ابن حبان حين ذكره في كتاب الثقات : يخطئ ويخالف ، لأنه ممن قال فيه هو نفسه : ثقة لا أعلم إلا خيراً ، وقال يحيى بن معين : ثقة ، وقال مرة : صالح ، وقال عبد الصمد بن عبد الوارث : ثقة ، وفوق الثقة ، وقال الدارقطني : لا يترك ، ولأنا أسلفنا متابعًا له وهو معمر ، فلا حاجة لنا إلى النظر في حاله لو كان ضعيفاً ، وأما ما وقع في أصل ابن ماجه: عمرو بن إبراهيم ، وكذا هو في مسند الدارمي فغير صحيح والصواب عمر ، والله أعلم ، وفي الباب غير ما حديث ، من ذلك حديث أنس بن مالك قال : كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نرمي فيرى أحدنا موضع نبله . رواه أبو داود بإسناد صحيح ، عن داود بن شبيب ، عن حماد عن ثابت عنه ، ولفظ ابن وهب في مسنده ، عن عمرو بن الحارث ، ويونس ، وابن سمعان ، عن ابن شهاب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب . وزعم بعضهم : أنه معارض بما رواه ابن البيع في تاريخ نيسابور ، عن أبي الطيب محمد بن عبد اللّه بن المبارك ، ثنا أحمد بن معاذ السلمي ، نا إسماعيل بن الفضل قاضي جرجان ، ثنا يحيى ، عن عقبة بن أبي العيزار ، عن محمد بن جحادة عنه بلفظ : ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب قط حتى يفطر . وليس كذلك ، لأنه محمول على شرب الماء ، أو أكل تمرة وذلك لا يكون مؤخرًا للصلاة بحال ، وحديث مرثد بن عبد الله قال : قدم علينا أبو أيوب غازيًا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر ، فأخر المغرب ، فقام إليه أبو أيوب ، فقال : ما هذه الصلاة يا عقبة قال : شُغلنا ، قال : أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال أمتي بخير ، أو قال على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم . رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه من حديث ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب عنه ، وفي لفظ : أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال أمتي بخير ولما خرج الحاكم هذا اللفظ قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وقال ابن أبي حاتم : سئل أبو زرعة ، فقال : خولف ابن إسحاق في هذا: فرواه حيوة ، وابن لهيعة ، عن يزيد ، عن أسلم أبي عمران التجيبي ، عن أبي أيوب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم . قال أبو زرعة : حديث حيوة أصح ، وحديث كعب بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب ، ثم يرجع الناس إلى أهليهم بني سلمة وهم يبصرون موقع النبل حين يرمى بها . ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث موسى بن أعين ، عن إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه ، وقال : لم يروه عن إسحاق إّلا ابن أعين ، ورواه في موضع آخر من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن الزهري ، وقال : لم يروه عن يحيى إّلا عمر بن حبيب القاضي تفرّد به أبو زائدة زكريا بن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أحمد بن عثمان الأودي ، نا بكر بن عبد الرحمن ، نا عيسى بن المختار ، عن إسماعيل بن أمية ، عن الزهري ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه سأل أباه عنه ، فقال : هذا خطأ إّنما يروى عن الزهري ، عن ابن كعب أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل ، وحديث أبي طريف قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حاصر الطائف ، فكان يصلي بنا صلاة البصر حتى لو أنّ رجلاً رمى بسهم لرأى موضع نبله . قال الميموني : رواه أحمد ، عن أزهر بن القاسم الراسبي ، ثنا زكريا بن إسحاق ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي شميلة قال أحمد ، وقال غيره : ابن سميرة ، عن أبي طريف به ، قال أحمد : صلاة البصر صلاة المغرب ، وقال مهنأ: قلت لأحمد : حدثوني عن عبد الأعلى ، عن زكريا بن إسحاق ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة ، فقال أحمد : ما علمت أحدًا قال شميرة ، وبلغني عن بشر بن السري أنه قال : سميرة وكفاك به . يعني : بشر ، أرسله عن عبد الأعلى ، فقال : قد لقيناه وبشر بن السري أثبت منه ، وحديث جابر بن عبد الله قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، ثم نأتي بني سلمة ونحن نبصر مواقع النبل . رواه أحمد ، وفي كتاب الدارقطني من حديث حاتم بن عباد ، ثنا طلحة بن زيد ، ثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه بلفظ : كان عليه السلام لا يلهيه عن صلاة المغرب طعام ، ولا غيره . نا محمد بن القاسم بن زكريا ، ثنا أبو كريب ، نا محمد بن ميمون الزعفراني ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : ذكرت لجابر تأخير المغرب من أجل عشائه ، فقال : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليؤخر صلاة لطعام ، ولا غيره . وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يروه عن جعفر إلا محمد ابن ميمون ، وفيما أسلفناه ردّ عليه ، وقال ابن شاهين : هذا حديث غريب ، ومحمد هذا أبو حمزة السكري ، وحديث السائب بن يزيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم . رواه الدارقطني أيضًا عن هارون بن معروف ، أنبأ ابن وهب ، حدثني عبد اللّه بن الأسود القرشي أنّ يزيد بن خصيفة حدّثه عنه ، وحديث رجل من الصحابة من أسلم أنهم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب ، ثم يرجعون إلى أهليهم أقصى المدينة ، ثم يرمون فيبصرون مواقع نبلهم . رواه النسائي بإسناد صحيح عن ابن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، عن أبي بشر قال : سمعت حسان بن بلال يعني : الموثق ، عند ابن المديني وغيره فذكر عنه ، وحديث زيد بن خالد الجهني قال : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، ثم ينصرف حتى يأتي السوق ، وإنه ليرى مواقع نبله . رواه الطبراني في معجمه الكبير من حديث صالح مولى التوءمة عنه ، وحديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال أمتي بخير ، أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم . رواه أبو داود ، كذا قاله المجد في أحكامه ويشبه أن يكون وهما ؛ لأن أبا داود لم يرو حديث عقبة منفردا ولعله استنبطه من حديث أبي أيوب ، وقوله : أما سمعت النبي عليه السلام ، فقال : نعم ، وقد تقدم ، وحديث أم حبيبة بنت أبي سفيان بنحوه ذكره أبو علي الطوسي الحافظ ( رحمه الله تعالى ) ، وهذه الأحاديث تدلّ على استحباب تعجيل صلاة المغرب ، ولا خلاف بين العلماء في ذلك إلا ما حكي عن الشيعة ، وهو شيء لا يلتفت إليه ، ولا أصل له إلا ما لعله يكون مأخوذا من حديث معاذ المخرج عند ابن حبان أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب ، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة . ومن حديث أبي بصرة المذكور قبل من عند مسلم ، وذكر العصر ، ثم قال : ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ، والشاهد النجم ، وهذان الحديثان يدلان على الجواز لا على الفضيلة ، ولا خلاف في ذلك ، وأما حديث عبد العزيز بن رفيع المذكور في مراسيل أبي داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عجلوا بصلاة النهار في يوم الغيم وأخروا المغرب . فمراده ، والله أعلم استبانة غيبوبة الشّمس حتى يتمكَّن الوقت لا نهايته ، ولهذا قال البغوي : أصح الأقوال : أنّ لها وقتين ، وآخر وقتها : إلى آخر غيبوبة الشّفق ، ومذهب أبي حنيفة : أنّ وقتها ممتد إلى أن يغيب الشفق ، احتجاجا بحديث عبد الله بن عمرو ، والمغرب ما لم يسقط ثور الشّفق ، وفي رواية: نور ، وبحديث أبي هريرة : وأول وقت المغرب حين تغيب الشمس وآخرها حين يغيب الشفق . وبحديث الأعرابي الذي أمره النبي عليه السلام بالصلاة معه يومين ، وأنه صلى المغرب في اليوم الثاني حين كاد الشفق يغيب ، إلى غير ذلك من الأحاديث ، قال الدارقطني : اعتبرت الأحاديث في المواقيت عن ذكر للمغرب الوقت الواحد ، فبإمامة جبرائيل عليه السلام ، وأبو موسى وبريدة وغيرهما يحكون الوقتين فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وقوله : فصار متأخرا فيجب الأخذ به ، وفي كتاب الإقناع لابن المنذر : آخر وقتها أن يغيب الشّفق ، لقوله عليه السلام : لا تفوت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى ، وقال في الإشراف : اختلفوا في وقت المغرب ، فكان مالك ، والأوزاعي ، والشافعي يقولون : لا وقت للمغرب إّلا وقتا واحدا إذا غابت الشمس ، وفيه: قول يأتي، وهو أنّ وقت المغرب إلى أن يغيب الشّفق، هذا قول الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي ، وقد روينا عن طاوس أنه قال : لا يفوت المغرب والعشاء حتى الفجر ، وروينا عن عطاء أنه قال : لا يفوت المغرب والعشاء حتى النّهار ، والله أعلم ، وأما الرافضة فمذهبهم : تأخيرها حتى تشتبك النجوم قاله الشعبي وقال : وهي نزعة يهودية .

469

82 - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع : أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب إذا توارت بالحجاب . هذا حديث خرجاه أيضًا ، ولفظ الطوسي في أحكامه وصححه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب ساعة تغيب الشمس إذا غاب حاجبها

470

80 - حدّثنا حفص بن عمرو، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، وثنا يحيى بن حكيم ، ثنا يزيد بن هارون قالا : ثنا محمد بن طلحة ، عن زبيد ، عن مرة ، عن عبد الله ، قال : حبس المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى غابت الشمس ، فقال : حبسونا عن الصلاة الوسطى، ملأ اللّه قبورهم وبيوتهم نارًا . هذا حديث خرجه مسلم - رحمه الله - في صحيحه ، ولفظ أبي داود الطيالسي والسراج في مسنده عن محمد بن طلحة ، عن زبيد ، قال عليه السلام : صلاة الوسطى صلاة العصر ، وقال الترمذي لما خرجه : حسن صحيح ، وفي الباب أحاديث منها حديث أبي يونس مولى عائشة قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ، وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذني حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى . قال : فلما بلغتها آذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للّه قانتين . قالت عائشة : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرجه مسلم ، وفي كتاب المصاحف لابن أبي داود ، عن أحمد بن حباب ، نا مكي ، نا ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن قبيصة بن ذؤيب قال: في مصحف عائشة : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ، وفي كتاب ابن حزم روينا من طريق ابن مهدي ، عن أبي سهل محمد بن عمرو الأنصاري ، عن القاسم عنها ، فذكره بغير واو ، وقال أبو محمد : فهذه أصح رواية عن عائشة ، وأبو سهل ثقة ، وفي هذا ردّ لما قاله أبو عمر: لم يختلف في حديث عائشة في ثبوت الواو ، وعلى تقدير صحته يجاب عنه بأشياء ، منها : أنه من أفراد مسلم ، وحديث علي متفق عليه . الثاني : أن من أثبت الواو امرأة ويسقطها جماعة كثيرة . الثالث : موافقة مذهبها لسقوط الواو . الرابع : مخالفة الواو للتلاوة ، وحديث علي موافق . الخامس : حديث علي يمكن فيه الجمع ، وحديثها لا يمكن فيه الجمع إلا بترك غيره . السادس : معارضة روايتها برواية زيد الآتي بعد . السابع : أن تكون الواو زائدة كما زيدت عند بعضهم في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ . وفي قوله : وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ . وفي قوله : وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ . وفي قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وفي قوله : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً . وقال الأخفش في قوله تعالى : حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا . إنّ الأبواب فتحت ، ومنه قول حندج : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل وزعم بعض محققي النحاة : أنّ العطف هنا من باب التخصيص والتفضيل والتنويه كقوله تعالى : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ . وكقوله : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ . وكقوله تّعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . فإن قيل قد حصل التخصيص فَيَ العطف ، وهو قوله تعالى : وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى فوجب أن يكون العطف الثاني ، وهو قوله تعالى : وصلاة العصر مغايرا له فيجاب بأِنّ العطف الأوّل كما قلتم ، والثَّاني : للتأكيد ، والبيان لما اختلف اللفظان كما تقول : جاءني زيد الكريم والعاقل ، فتعطف إحدى الصفتين على الأخرى ، والله تعالى أعلم ، وفي كتاب مسلم من حديث شقيق بن عقبة ، عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ، فقرأناها ما شاء الله ، ثم نسخها اللّه ، فنزلت : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فقال رجل كان جالسا عند شقيق له : هي إذًا صلاة العصر ، فقال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله ، والله أعلم قال مسلَم : ورواه الأشجعي ، عن الثوري ، عن الأسود بن قيس ، عن شقيق ، عن البراء قال : قرأناها مع النبي صلى الله عليه وسلم زمانا بمثل حديث فضيل بن مرزوق . يعني المذكور ، وفي المزكيات ، نا ابن عبدوس ، نا عثمان بن سعيد ، نا إبراهيم بن أبي الليث ، نا الأشجعي ولفظه : قرأناها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أيامًا : حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ، ثم قرأنا : حافظوا على الصلوات وصلاة الوسطى ، فلا أدري أهي هي أم لا . قال الشيخ المجد : وهو دليل على كونها العصر لأنه خصها ونص عليها في الأمر بالمحافظة ، ثم جاء الناسخ في التلاوة متيقّنا ، وهو في المعنى مشكوك فيه فيستصحبّ التيقّن السابق ، وهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم أمر فواتها تخصيصًا ، وحديث الحسن ، عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصلاة الوسطى: صلاة العصر . رواه أبو عيسى ، وقال: قال محمد : قال علي بن المدينْي : حديث الحسن عن سمرة صحيح ، وقد سمع منه ، قال الترمذي : وحديث سمرة في الصلاة الوسطى حديث حسن، كذا رأيته في عدة من نسخه ، وحكى الشيخ المجد عنه أنه قال : حسن صحيح ، والله أعلم ، ولفظ الإِمام أحمد في مسنده : صلاة الوسطى صلاة العصر ، وفي لفظ له أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صلاة الوسطى ؟ قال : هي العصر ، وفي آخر أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وسمّاها لنا أنها هي صلاة العصر . ولفظ أبي نعيم في كتاب الصحابة أنه قال في : صلاة الوسطى هي صلاة العصر ، ويشده ما خرجه الحاكم في كتابه ، عن أحمد بن زياد ، ثنا عبد الله بن أيوب ، ثنا مروان بن جعفر ، عن محمد بن إبراهيم بن خبيب ، عن جعفر بن سعيد ، عن خبيب بن سليمان ، عن أبيه سليمان بن سمرة ، عن سمرة ، قال : وهذه وصية سمرة إلى بنيه ، فذكرها إلى أن قال: أما بعد : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا ، فذكر أموراً منها : وأمرنا أن نحافظ على الصلوات كلّهن ، وأوصى بالصلاة الوسطى ، ونبأنا أنها صلاة العصر ، ثم قال : هذه وصية حسنة جامعة من سمرة إلى بنيه ، رواها بعضهم عن بعض ، واعترض أبو الحسن بن القطّان على هذا الإِسناد بجهالة رواته ، وقد بيّنا في غير موضع أنّ الأمر ليس كما قال وأنهم معروفون ، وأما احتجاج الترمذي على سماع الحسن بن سمرة بحديث قريش بن أنس ، عن حبيب بن الشهيد قال : قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممّن سمع حديث العقيقة ، فقال : من سمرة وهو وإن كان في صحيح البخاري ، فقد خالفه في ذلك البرديجي ، فذكر في كتاب المراسيل من تأليفه : الحسن عن سمرة ليس بصحاح إلا من كتاب ، ولا نحفظ عن الحسن ، عن سمرة حديثا يقول فيه سمعت سمرة إلا حديثاً واحدًا وهو حديث العقيقة ، ولم يثبت ، رواه قريش بن أنس ، ولم يروه غيره وهو وهم . انتهى كلامه ، وفيه نظر : من حيث إنّ أبا حرّة رواه عن الحسن كذلك ذكره أبو القاسم في الكبير عن أسلم بن سهل ، ثنا طلق بن محمد بن السكن ، ثنا حفص بن عمر النجار عنه ، وحديث حفصة أم المؤمنين - رضي اللّه عنها - ذكره أبو عمر في التمهيد بسند صحيح ، وقال في الاستذكار : اختلف في رفعه ، وفي ثبوت الواو فيه : أنها أمرت كاتبها بكتب مصحف، فإذا بلغ هذه الآية يستأذنها ، فلما بلغها أمرته بكتب : حافظوا على الصلاة الوسطى وصلاة العصر ، ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ثم قال : ورواه هشام ، عن جعفر بن إياس ، عن رجل حدّثه عن سالم عنها ، ولم يثبت الواو وقال : والصلاة الوسطى صلاة العصر ، وحديث أبي بصرة الغفاري قال : صلى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بالمخمص . وقال : إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها ، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين . أنبأ به الإِمام العلامة القدوة موسى بن علي بن يوسف القطبي الحنفي رحمه اللّه تعالى قراءة عليه ، وأنا أسمع ، أنا مسند وقته عبد اللطيف بن القبيطي ، عن أبي الحسن الجمال ، أنا أبو الحسن بن أحمد ، أنبأ الحافظ أحمد بن عبد اللّه ، ثنا أبو بكر بن خلاد ، ثنا الحارث بن أبي أسامة ، ثنا قتيبة ، نا ليث ، عن خير بن نعيم ، عن ابن هبيرة ، عن أبي تميم الجيشاني عنه ، ورواه مسلم في صحيحه عن قتيبة على الموافقة كما رويناه ، ورواه أيضا عن زهير ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن خير ، فنزل ثلاث درجات ، فكأني من طريق زهير سمعته من أبي عبد الله الفراوي رحمه الله تعالى ، وبين وفاته ومولدي مائة وتسع وخمسون سنة ولله الحمد على ذلك ، وإذا رويته بالإجازة فكأني سمعت من عبد الغافر الفارسي وبين وفاتيهما اثنتان وثمانون سنة ، وحديث حذيفة بن اليمان المذكور عند الطبري في ذكر الصلاة الوسطى بسند صحيح عن عبيد الله بن عمرو ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عدي بن ثابت ، عن زر عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق : شغلونا عن صلاة العصر ، ولم يصلها يومئذ حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ، وقلوبهم ناراً . وحديث ابن عباس المذكور عند أبي القاسم بن مطير ، عن محمد بن عبد الله الحضرمي ، نا محمد بن عمران بن أبي ليلى ، نا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم عن مقسم ، وسعيد بن جبير عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً ، زاد في الأوسط اللهم من شغلنا عن الصلاة الوسطى ، وكان قد نظر فإذا صلاة العصر قد أمسى ، فصلى بها ، فلما فرغ قال الحديث ، ثم رواه عن أحمد بن عمرو القطراني ، نا عبد الواحد بن غياث ، نا أبو عوانة ، عن هلال بن خباب ، عن عكرمة عنه ، ورواه ابن حزم مصححَا له موقوفا على ابن عباس : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر . بلا واو ، وفي رواية لأحمد قال : قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدوا ، فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها ، فلما رأى ذلك قال : اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى املأ بيوتهم نارَا وقبورهم نارَا . وفي تفسير الطبري ، نا علي بن مسلم الطوسي ، ثنا عباد بن العوام ، عن هلال بن خباب ، عن عكرمة عنه قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة له فحبسه المشركون عن صلاة العصر ، حتى مسى بها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم نارا كما حبسونا عن الصلاة الوسطى . وفي لفظ ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس . وفي كتاب المصاحف لابن أبي داود ، عن أبي إسحاق : سمع هبيرة بن يريم سمع ابن عباس قراءة هذا الحرف : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ، وفي كتاب ابن حزم من هذه الطريق بغير واو ، ثم قال : كذا قاله وكيع ، وحديث ابن عمر المذكور عند أبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني ، عن إبراهيم بن عامر بن إبراهيم ، نا أبي ، نا يعقوب القمي ، عن عنبسة بن سعيد الرازي ، عن ابن أبي ليلى، وليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الموتور أهله وماله من وتر صلاة الوسطى في جماعة ، وهي صلاة العصر . وفي تفسير أبي جعفر ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، نا أبي وشعيب بن الليث ، عن الليث عن يزيد بن الهاد ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أنه كان يرى لصلاة العصر فضيلة للذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، ويرى أنها الصلاة الوسطى ، وكذا قاله ابن شهاب عنه ، وقد تقدّم طرف منه قبل ، وسيأتي عنه خلافه ، وحديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة الوسطى صلاة العصر . ذكره ابن خزيمة في صحيحه ، وأبو جعفر عن أحمد بن منيع ، نا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سليمان التيمي ، عن أبي صالح عنه ، وحديث أبي هاشم بن عتبة رواه ، الطبري عن المثنى ، نا سليمان بن أحمد الواسطي ، ثنا الوليد بن مسلم ، أخبرني صدقة بن خالد ، نا خالد بن دهقان ، عن خالد سبلان ، عن كهيل بن حرملة ، قال سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى ؟ فقال : اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ، ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، فقال : أنا أعلم لكم ذلك ، فقام ، فاستأذن على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فدخل عليه ، ثم خرج إلينا ، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر ، ولما ذكر أبو موسى في كتاب الصحابة أبا هاشم هذا ، قال : عن عبدان ، له حديثان حسنان ، وواحد منكر . انتهى ، ويشبه أن يكون الحديث المنكر قوله : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على شاربه . وقال : لا تأخذه حتى تلقاني ، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم من سرية ، فكان يقول: لا آخذه حتى ألقاه ، والله تعالى أعلم ، وحديث أم حبيبة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس . قال أبو جعفر : ثنا به ابن المثنى ، عن ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي الضحى ، عن شتير بن شكل عنها ، وحديث رجل من الصحابة قال : أرسلني أبو بكر ، وعمر وأنا غلام صغير إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسأله عن الصلاة الوسطى ؟ فأخذ إصبعي الصغيرة ، فقال : ( هذا الفجر، وقبض التي تليها ، فقال : هذه الظهر ، ثم قبض الإِبهام ، فقال : هذه المغرب ، ثم قبض التي تليها ، فقال : هذه العشاء ، ثم قال : أي أصابعك بقيت ؟ فقلت : الوسطى ، فقال : أي الصلاة بقيت ؟ قلت : العصر، قال: هي العصر . رواه أبو جعفر ، عن أحمد بن إسحاق ، ثنا أبو أحمد ، نا عبد السلام مولى أبي نصير ، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال : كنت جالسًا عند عبد العزيز بن مروان ، فقال : يا فلان اذهب إلى فلان ، فقل له : أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى ، فقال رجل جالس: أرسلني ، فذكره ، وحديث أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة الوسطى صلاة العصر . قال أبو جعفر : حدثني محمد بن عوف الطائي ، ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي ، حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد عنه ، وحديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب يكتب لها مصحفًا : إذا كتبت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فاكتبها العصر . أنبأ به العلامة أبو محمد النصري ، أنبأ الإمام شمس الدين أبو بكر محمد بن إبراهيم ، قال : ثنا داود بن ملاعب ، أنبأ القاضي أبو الفضل محمد بن عمر الأرموي ، أنبأ أبو جعفر بن المسلمة ، أنبأ أبو عمرو عثمان الآدمي ، ثنا الإِمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا سعد بن الصلت ، ثنا عمرو بن ميمون بن مهران الجزري ، عن أبيه ، قال : قالت أم سلمة ، فذكره ، وذكره ابن حزم من طريق وكيع ، عن داود بن قيس ، عن عبد الله بن رافع ، عن أم سلمة بغير واو ، وفي كتاب المصاحف ذكره أيضًا بلفظ حديث عائشة وحفصة ، عن عبد الله بن رافع أيضا ، وحديث أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : شغلونا عن صلاة العصر التي غفل عنها سليمان بن داود عليهما السلام حتى توارت بالحجاب، أشعل اللّه قلوبهم وبيوتهم وقبورهم نارا ، وفي لفظ قال عليه السلام : من ضيع وقت العصر فكأنما وتر أهله وماله ، وفي لفظ : فقد برئت منه الذمّة ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسيره ، أنبأ أبان ، عن أنس به ، وفي تفسير النقاش : عندما اختلفوا يعني الصحابة في شيء ما اختلفوا في الصلاة الوسطى ، وشبّك بين أصابعه ، وفي كتاب ابن حزم من طريق إسماعيل بن إسحاق ، عن محمد بن أبي بكر ، عن محبوب أبي جعفر ، عن الحذاء ، عن أبي قلابة في قراءة أبي بن كعب : صلاة الوسطى صلاة العصر . قال : وليست هذه الرواية بدون تلك يعني فيها الواو ، فقد اختلف على أبي بن كعب أيضا ، ومرسل الحسن قال : قال صلى الله عليه وسلم : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى . وهي العصر ، رواه أبو جعفر ، عن يعقوب بن إبراهيم ، ثنا ابن علية ، عن يونس عنه ، ومرسل الربيع ، قال : ذكر لنا أنّ المشركين شغلوهم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى غابت الشّمس ، فقال عليه السلام : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس ، قال أبو جعفر : حدثت عن عمّار بن الحسن ، ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، فذكره ، وبه قال أبو هريرة ، وابن عمر بن الخطاب ، وعائشة ، وعلي بن أبي طالب ، وأم سلمة ، وابن عباس ، وأبي بن كعب ، وروي أيضا عن أبي أيوب الأنصاري ، ويونس ، والحسن ابن أبي الحسن ، وقتادة ، والزهري ، وعبيدة السلماني ، وهو قول سفيان الثوري ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، والشافعي ، وأصحابهم ، فيما حكاه ابن عبد البر ، وعبد الله ابن عباس على اختلاف عنه ، وداود ، وجميع أصحابهم ، وهو قول إسحاق بن راهويه ومشهور أهل الحديث ، قال ابن حزم : ولا يصح عن علي ، ولا عن عائشة غير هذا أصلا ، زاد ابن المنذر : وزيد بن ثابت ، وأبي سعيد الخدري ، والضحاك ابن مزاحم، والسائب بن يزيد ، ذكره المحاملي في أماليه ، وابن مسعود ، وابن عمرو ، وسمرة ، والنخعي ، هبيرة بن يريم، وزر بن حبيش ، ومحمد بن سيرين ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن السائب الكلبي، ومقاتل وتلا : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . ذكره الطبري والثعلبي ، قال أبو الحسن الماوردي : وهو مذهب جمهور التابعين ، وقال أبو عمر، والبغوي : وهو قول أكثر أهل الأثر ، وفي كتاب ابن عطية : وعلى هذا القول جمهور الناس ، والله أعلم ، وقال الطبري : والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار من أنها العصر ، ومنهم من قال : هي صلاة الظهر جانحاً إلى حديث زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشدّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، وقال: إنّ قبلها صلاتين وبعدها صلاتين . رواه أبو داود من حديث شعبة ، عن عمرو بن أبي حكيم ، سمعت الزبرقان يحدّث عن عروة عنه ، وقال البيهقي في المعرفة : إسناده مختلف فيه ، وأبى ذلك ابن حزم فصحّح إسناده ، ورواه أبو جعفر ، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، نا عبد الصمد ، نا شعبة ، عن عمر بن سليمان ، عن عبد الرحمن بن أبان ، عن أبيه ، عن زيد في حديث رفعه قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر ، وأما قول الترمذي : إنّ في الباب يعني العصر حديث زيد بن ثابت ، ثم قال : وقال زيد بن ثابت ، وعائشة : هي الظهر فيشبه أن يكون وهما ؟ لأنّ حديثه وفتياه أنها الظهر فقط ، ولم أرَ له غير ذلك ، والله تعالى أعلم ، وحديث أسامة بن زيد: روى الزبرقان بن عمرو بن أمية : أن رهطا من قريش من بينهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون ، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي الظهر ، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه ، فقال : هي الظهر ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير ، ولا يكون وراءه إلا الصف والصفّان والنّاس في قائلتهم ، وفي تجارتهم ، فأنزل الله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لينتهيّن رجال ، أو لأحرّقن بيوتهم رواه أحمد ، والزبرقان لم يلق أسامة ، وحديث عبد الله بن عمر ، قال الطبري : ثنا ابن البرقي ، ثنا ابن أبي مريم ، أنبأ نافع بن يزيد، حدثني الوليد بن أبي الوليد أن مسلم بن أبي مريم حدّثه أنّ نفرا من قريش أرسلوا إلى عبد اللّه بن عمر يسألونه عن الصلاة الوسطى ، فقال له : هي التي على إثر الضحى ، فقالوا له : ارجع فسله ، فما زادنا إّلا عياء بها ، فمر بهم عبد الرحمن بن أفلح مولى عبد الله بن عمر ، فأرسلوه إليه أيضا ، فقال : هي التي توجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة ، وزاد في الأوسط من حديث الوليد ، عن عبد الرحمن بن أفلح : أنّ نفرا من الصحابة أرسلوني إلى ابن عمر ، فذكره ، وقال : لا يروى عن ابن أفلح ، عن ابن عمر إّلا بهذا الإِسناد ، تفرد به موسى بن ربيعة الجمحي ، وحديث أبي بن كعب المستنبط رفعه ، وكذا الذي قبله ذكره ابن حزم ، فقال : ثنا ابن بشار ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا أبو عامر ، عن عبد الرحمن بن قيس ، عن ابن أبي رافع ، عن أبيه ، وكان مولى لحفصة ، قال : استكتبتني حفصة مصحفَا ، وقالت : إذا أتيت على هذه الآية فأعلمني حتى أمليها عليك كما أقرأنيها صلى الله عليه وسلم ، فلما أتيت على هذه الآية أتيتها ، فقالت : اكتب: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ، فلقيت أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، فقلت : يا أبا المنذر إنّ حفصة قالت : كذا وكذا ، قال : هو كما قالت : أو ليس أشغل ما يكون عند صلاة الظهر في نواضحنا وغنمنا ، وبه قال أبو سعيد الخدري ، وابن عمر على اختلاف عنهما فيما حكاه الطبري ، وزيد بن ثابت في قول ، قال ابن عبد البرّ : وهو أصح ما روي عنه في ذلك ، وبنحوه ذكره ابن حزم ، زاد ابن المنذر: وعائشة في قول ، وعبد الله بن شدّاد ، وأسامة بن زيد ، وعروة بن الزبير ، ويروى عن أبي حنيفة أيضَا . ومنهم من قال: هي صلاة المغرب، رواه أبو جعفر من حديث إسحاق بن أبي فروة ، عن رجل ، عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال : الصلاة الوسطى صلاة المغرب . ألا ترى أنها ليست بأقلها ، ولا أكثرها ، ولا تقصر في السفر ، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ، ولم يعجلها ، قال أبو جعفر : وجه قوله إنه يريد التوسّط الذي هو يكون صفة للشيء الذي يكون عدلا بين الأمرين كالرجل المعتدل القامة ، ومنهم من قال : هي صلاة الغداة، رواه النسائي من حديث جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : أدلج النبي - صلى الله عليه وسلم ثم عرّس ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس ، أو بعضها ، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس فصلى ، وهي صلاة الوسطى ، وفي حديث صالح أبي الخليل ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس أنه قال : صلاة الوسطى صلاة الفجر ، وعن أبي رجاء قال : صليت مع ابن عباس الغداة في مسجد البصرة فقنت بنا قبل الركوع ، وقال : هذه الصلاة الوسطى قال اللّه تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ، وفي لفظ : صلى بنا ابن عباس الفجر ، فلما فرغ قال : إن الله قال في كتابه : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى فهذه الصلاة الوسطى ، وبمثله رواه أبو العالية عنه ، وطريق خلاس بن عمرو صحيحة ذكرها أبو جعفر ، وعن أبي العالية أيضا بطريق صحيحة قال : صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة زمن عمر صلاة الغداة ، فقلت لرجل من الصحابة إلى جنبي ما الصلاة الوسطى ، قال : هذه الصلاة ، قال أبو جعفر : حدثت عن عمار بن الحسن ، ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، أنه صلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ، فلما أن فرغوا قال لهم : أيتهن الصلاة الوسطى ؟ قالوا التي صليتها قبل ، ثنا ابن بشار بن عثمة، نا سعيد بن بشير ، ثنا قتادة ، عن جابر بن عبد اللّه قال : الصلاة الوسطى صلاة الصبح ، ثنا مجاهد بن موسى ، ثنا يزيد بن هارون ، أنبأ عبد الملك بن أبي سليمان قال : كان عطاء يرى أنها صلاة الغداة ، وبمثله قاله عكرمة، ومجاهد بن جبر ، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد، والربيع بن أنس ، قال أبو جعفر: وعلتهم أنّ اللّه تعالى قال إثر ذكر الوسطى : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ بمعنى : قوموا لله فيها قانتين . قالوا : فلا صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس فيها قنوت سوى صلاة الصبح ، وبه قال عمر وابنه ، وأبو موسى، ومعاذ فيما ذكره البغوي ، وعلي بن أبي طالب ، قال أبو عمر : ولم يصح عنه وصح عن ابن عباس ، قال الشّافعي : وإلى هذا نذهب ، قال مالك : وذلك رأيي ، قال أبو عمر : وتبعه أصحابه ومنهم من قال: هي إحدى الصلوات الخمس ، ولا نعرفها بعينها ، روي ذلك عن ابن عمر من طريق صحيحة ، قال نافع : سأل ابن عمر رجل عن الصلاة الوسطى فقال : هي فيهن فحافظوا عليهن كلهن ، وبنحوه قاله الربيع بن خثيم ، وزيد بن ثابت في رواية ، وقال سعيد بن المسيب : كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيها مختلفين ، يعني : في الصلاة الوسطى وشبّك بين أصابعه ، وبنحوه قاله شريح، ونافع ، وقال النقاش : قالت طائفة : هي الخمس ، ولم يبيّن أي صلاة هي ، قال أبو عمر : وكل واحدة من الخمس وسطى لأنّ قبل كلّ واحدة صلاتين وبعدها صلاتين ، كما قال زيد بن ثابت : والمحافظة على جميعهن واجب ، ومنهم من قال هي الخمس إذ هي الوسطى من الدين ، كما قال عليه السلام بني الإِسلام على خمس . قالوا : فهي الوسطى من الخمس روي ذلك عن معاذ ، وعبد الرحمن بن غنم فيما ذكره النقاش ، وفي كتاب الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل : قيل ذلك لأنها وسط الإِسلام أي خياره ، وكذلك قال عمر، وفي كتاب التفسير لابن أبي حاتم : ثنا أبو سعيد الأشج ، ثنا المحاربي ، وابن فضيل ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق أنه قال : الوسطى هي المحافظة على وقتها يعني الصلوات ، وقال مقاتل بن حيان : مواقيتها ، ووضوؤها وتلاوة القرآن فيها ، والتكبير والركوع والسجود والتشهد ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك ، فقد أتمها وحافظ عليها ، أنبأ به محمد بن الفضل ، نا محمد بن علي بن شقيق ، أنبأ محمد بن مزاحم ، عن بكير بن معروف عنه به ، وذكر أبو الليث في تفسيره عن ابن عباس نحوه ، وقال المازري : هي صلاة عشاء الآخرة ، وذهب البغوي في شرح السنة : إلى أنّ السلف لم ينقل عنهم ، ولا عن أحد منهم هذا القول ، وقال : وقد ذكره بعض المتأخرين ، وسيأتي قول أبي الدرداء به ، وناهيك به سلفًا ، وذهب آخرون : إلى أنها الجمعة خاصة ، حكاه أبو الحسن الماوردي وغيره لما اختصت به دون غيرها ، قال أبو الحسن فيما ذكره في المحكم . لأنها أفضل الصلوات ، ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ ، إلا أن يقوله برواية مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : إنها الجمعة يوم الجمعة ، وفي سائر الأيام الظهر ، حكاه أبو جعفر محمد بن مقسم في تفسيره ، قال : وقيل : هي صلاتان العشاء والصبح ، وعزاه لأبي الدرداء لقوله : لو يعلمون ما في العتمة والصبح . وذهب الإِمام أبو بكر المالكي الأبهري إلى أنها صلاة العصر والصبح ، وقيل : إنها الجماعة في جميع الصلوات حكاه الماوردي ، وأما العلامة أبو الحسن علي بن محمد السخاوي فاختار أنها الوتر ، وقيل : إنها صلاة الضحى ، قال الحافظ أبو محمد الدمياطي : ذاكرت فيها أحد شيوخي الفضلاء ، فقال : أظنني وقفت على قول من ذهب إلى ذلك ، ثم تردّد فيه ، وقيل : إنها صلاة العيدين ، حكاه لنا من وقف عليه في بعض الشروح المطولة ، وذهب آخرون إلى أنها صلاة عيد الفطر، حكاه المشار إليه أيضا، وقوله صلى الله عليه وسلم وتر أهله وماله يعني نقص ، قال ابن الأنباري : يقال: وترته أي : نقصته ، وقيل : إنّ الوتر أصله الجناية التي يجنيها الرجل على من قتله حميمه وأخذه ماله فشبه ما يلحق هذا الذي تفوته العصر بما يلحق الموتور من قتل حميمه أو أخذ ماله ، وزعم جار اللّه في أساسه : أن ذلك من باب المجاز ، وقال الداودي : معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله ، فيتوجّه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة ، وقيل : معناه فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف كما يلحق من ذهب أهله وماله ، وقال أبو عمر : معناه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يصير بها وتراً ، قال الشيخ محيي الدين : ورواه بعضهم مفتوح اللام معناه وتر في أهله وماله ، وفسّره مالك بمعنى فقد أهله وماله . وأما الوسطى فهي الخيار ، قال الزمخشري : ومن المجاز هو وسط في قومه ، ووسيط فيهم وقد وسط وساطة ، وقوم وسط ، وأوساط : خيار : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا . قال زهير : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وهو من واسطة قومه ، وهو أوسط قومهم حسبًا واكتريت من أعرابي ، فقال : أعطني من وسطانيته أراد من خيار الدنانير .

471

باب المحافظة على صلاة العصر 78 - حدثنا أحمد بن عبدة ، أنبأ حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى . هذا حديث خرجاه في الصحيح بلفظ : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا ، أو قال قبورهم ، وبطونهم ، وفي لفظ آخر : كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ، وفي لفظ مسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء ، وفي حديث زاذان عن علي : أوّل صلاة ركعنا فيها العصر . فقلت يا رسول الله : ما هذا ؟ قال : بهذا أمرت قال الطبراني : لم يروه عن أبي الجحاف ، عن أبي عبد الرحيم الزمن عنه إلا سليمان بن قرم تفرد به حسين بن محمد المروزي ، ولفظ عبد اللّه بن أحمد فيما ، زاده في المسند ، عن أبي إسحاق الترمذي : ثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبيدة ، عن علي قال : كنا نراها الفجر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هي صلاة العصر يعني الصلاة الوسطى . ورواه السراج في مسنده ، عن هناد ، وغيره نا وكيع ، عن سفيان بلفظ : أن زراً قال لعبيدة : سل عليَا عن الصلاة الوسطى ، فقال : كنّا نراها الصبح ، حتى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب : شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر الحديث ، ورواه الدارقطني ، عن أبي يحيى محمد بن سعيد بن غالب العطار ، أنبأ محمد بن كثير الكوفي ، ثنا الأجلح بن عبد الله عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : أربع حفظتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الصلاة الوسطى هي العصر ، وأنّ الحج الأًكبر يوم النحر ، وأنّ أدبار السجود الركعتان بعد المغرب ، وأنّ إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر . وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه شعبة ، عن قتادة ، عن أبي حسان ، عن عبيدة ، عن رجل عن علي ، قال أبي : الصحيح حديث شعبة ، وحماد لم يضبط

472

79 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إٍن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله . هذا حديث خرجاه في الصحيح ، زاد الكجي في سننه بعد وماله : وهو قاعد ، رواه من جهة حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، وأغفل الحافظ المنذري كونه مخرجًا عند النسائي من حديث سفيان آنفاً ، ورواه الوليد ، عن الأوزاعي ، عن نافع ، عن ابن عمر قال عليه السلام : من فاتته صلاة العصر وفواتها أن تدخل الشمس صفرة فكأنما وتر أهله وماله . قاله أبو حاتم في كتاب العلل : التفسير من قبل نافع .

473

باب الإِبراد في الظهر في شدّة الحرّ 71 - حدثنا هشام بن عمار ، ثنا مالك بن أنس ، نا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ، وفي لفظ : فأبردوا بالظهر . هذا حديث مخرج في كتب الأئمة الستة ، وفي لفظ للشيخين زيادة : واشتكت النّار إلى ربهّا ، فقالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا ، فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر ، وأشدّ ما تجدون من الزمهرير ، وفي لفظ لأبي داود والترمذي بالصلاة ، وفي حديث عون بن عبد الله بن عتبة عنه : نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة نصف النهار . قال في الأوسط : لم يروه عن عون إلا المقبري ، ولا عن المقبري إلا يزيد بن أبي حبيب تفرد به ابن لهيعة .

474

72 - حدثنا أبو كريب ، نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبردوا بالظهر ؛ فإن شدّة الحر من فيح جهنم . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه من حديث الأعمش ، وفي كتاب الميموني ، عن أحمد ، عن يحيى بن سعيد عنه ولفظه : فوح جهنم . قال أحمد : ما أعرف أحدا قال : فوح غير الأعمش .

475

75 - حدثنا عبد الرحمن بن عمر ، ثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أبردوا بالظهر . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه ، وفي الباب حديث عائشة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أبردوا بالظهر في الحر . ذكره أبو بكر بن خزيمة ، عن القاسم بن محمد بن عبّاد بن عباد المهلبي ، ثنا عبد الله - يعني : ابن داود الخريبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عنها ، وفي كتاب الكجي ، ثنا مسدد ، ثنا ابن داود ، ثنا هشام ، عن أبيه قال : أظُنّه عن عائشة ، فذكره ، وحديث أبي ذر قال : كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذّن للظهر ، فقال صلى الله عليه وسلم : أبرد ، ثم أراد أن يؤذّن ، فقال له : أبرد حتى رأينا فيء التلول . وفي رواية : حتى ساوى الفيء التلول ، فقال عليه السلام : إن شدّة الحرّ من فيح جهنم ، فإذا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصلاة . خرّجاه في الصحيح ، قال البيهقي : كذا قاله جماعة فأراد أن يؤذن ، ورواه غندر ، عن شعبة : أذّن للنبي عليه السلام الظهر ، فقال له : أبرد ، قال : وفي هذا كالدلالة على أنّ الأمر بالإبراد كان بعد التأذين ، وحديث أنس بن مالك : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة خرجه البخاري وقد تقدم قبل ولفظ أحمد بن حنبل من حديث موسى أبي العلاء عنه ، وفي لفظ بصلاة الجمعة : كان عليه السلام يصلي صلاة الظهر في أيام الشتاء وما يدري ما ذهب من النهار أكثر أم ما بقي منه ، وحديث عمرو بن عبسة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أبردوا بصلاة الظهر ، فإن شّدة الحرّ من فيح جهنم ذكره الطبراني في الكبير من حديث عبادة بن أوفى عنه ، وحديث رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه يعني نحو حديث أبي سعيد المتقدّم ، ذكره الميموني عن أحمد ، فقال : روى غندر عن شعبة ، عن الحجاج بن الحجاج الأسلمي عنه قال أحمد : قد سمعته من غندر وأحسبه غلط ، قال مهنأ : قلت لأحمد : أوكان غندر يغلط ؟ قال : أليس هو من النّاس؟! قال أحمد : كان الحجاج أبوه من الصحابة ، وقال الدارقطني غلط غندر في أنه لم يذكر في الإِسناد والد الحجاج ، ورواه يحيى القطّان ومعاذ وخالد بن الحارث وغيرهم ، عن شعبة ، عن الحجاج ، عن أبيه ، عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرآه عبد الله بن مسعود ، وحديث القاسم بن صفوان بن مخرمة الزهري ، عن أبيه قال صلى الله عليه وسلم : إذا اشتد الحر فأبردوا بصلاة الظهر ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم . رواه ابن أبي شيبة في مسنده ، عن مروان بن معاوية ، عن بشير بن سليمان عنه ، وهو إسناد صحيح ؛ لذكر القاسم في ثقات ابن حبان ، ولفظ أبي نعيم في كتاب الصلاة : من فور جهنم ، وحديث ابن عباس يرفعه : الحمى من فيح جهنم الحديث ذكره البخاري ، وحديث عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ذكره أبو نعيم في كتاب الصلاة من حديث محمد بن الحسن ، عن أسامة بن زيد بن أسلم ، عن زيد بن أسلم عن أبيه عنه مرفوعا ذكره أبو عيسى ، وقال : لا يصح ، وبنحوه قاله الطوسي ، وفي كتاب أبي نعيم بسند صحيح أن عمر كتب بذلك إلى أبي موسى يعني : موقوفا ، وحديث أبي موسى قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أبردوا بالظهر ، فإن الذي تجدون من فيح جهنم . رواه أبو عبد الرحمن بسند صحيح من حديث إبراهيم النخعي ، عن يزيد بن أوس المذكور في ثقات التابعين لابن حبان ، عن ثابت بن قيس عنه ، وحديث أبي الدرداء ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإِيمان . ذكره ابن وهب في مسنده ، عن الليث ، عن عمر بن شيبة المدني عن رجل حدثه عنه ، وحديث عبد الرحمن بن علقمة قال : قدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد ثقيف ، وفيه فجلس يحدثهم ويحدثونه فشغلوه عن صلاة الظهر ما صلاّها إلا مع العصر ذكره أبو نعيم في كتاب الصلاة في باب الإِبراد بالظهر من حديث أبي بكر بن عياش ، ثنا يحيى بن هانئ ، ثنا أبو حذيفة ، عن عبد الملك بن محمد بن بشير عنه ، وقال أبو نعيم الحافظ في معرفة الصحابة : عبد الرحمن بن علقمة الثقفي كوفي ، ويقال : ابن أبي علقمة أحد من وفد من ثقيف على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حديثه عند عبد الملك بن محمد بن بشير ولفظه : يسألهم ويسألونه حتى لم يصل الظهر إّلا مع العصر رواه أبو بكر بن أبي شيبة ، وأحمد بن يونس ، وأبو عبيد ، ومحمد بن سعيد بن الأصبهاني في آخرين كلّهم عن أبي بكر بن عياش ، ورواه بعض المتأخرين فوهم في ثلاثة مواضع في هذا الحديث : ذكر في الترجمة عبد الرحمن بن علقمة روى عنه عبد الله بن محمد بن بشير ، وقال : رواه ابن عياش ، عن يحيى بن هانئ ، عن حذيفة ، وإنما هو أبو حذيفة ، وذكر في الحديث يحيى بن هانئ ، عن أبي حويضة أصاب ، ولا في أبي حذيفة ، ولا في عبد الله بن محمد بن بشير ، وذكر بعقبه رواه عمير بن عمران ، عن الحارث بن عتبة ، عن أبي حذيفة عبد الله بن محمد ، عن عبد الله بن محمد العجلي ، عن عبد الرحمن بن علقمة ، وفي كتاب رافع الارتياب للخطيب عبد الرحمن بن أبي علقمة وهو عبد الرحمن بن علقمة ذكره غير واحد في الصحابة ، وفي كتاب أبي إسحاق الصريفيني ، عبد الرحمن بن علقمة ، ويقال : ابن علقمة أبو علقمة روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثين أحدهما : أن وفد ثقيف قدموا عليه ، وفي سماعه منه نظر ، وقال أبو حاتم : تابعي ليست له صحبة أدخله يونس بن حبيب في المسند ، وقال : لا تصح صحبته ، ولا يعرف أما ما حكاه عن أبي حاتم ، فلم أره في كتابه ، ونصه عبد الرحمن بن علقمة الثقفي روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أن وفد ثقيف قدموا عليه ومعهم هدية روى عنه عبد الملك بن محمد بن بشير ، وقال في حرف العين : من أئمة التابعين عبد الرحمن ابن علقمة الثقفي ، ويقال : ابن أبي علقمة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وروى عن ابن مسعود ، وعبد الرحمن بن أبي عقيل ، روى عنه جامع بن شدّاد أبو صخرة وعون بن أبي جحيفة ، وأبو حذيفة قلت : أدخله يونس بن حبيب في مسند الوحدان فأخبرت أبي بذلك ، فقال : هو تابعي ليست له صحبة . انتهى ، وكأن هذا هو الذي تمسك أبو إسحاق به ، وهو كما ترى ليس رجلا واحدا ، بل هما رجلان لا مرية في ذلك ، ولكن البخاري جمع ذلك كله في ترجمة واحدة ، وكذلك العسكري ، وأما قوله : وقال غيره يريد أبا عمر ، وأبو عمر ذكره في موضعين ليس فيهما ما قاله ، الأول : وقد ذكر قوم عبد الرحمن بن علقمة في الصحابة ، ولا تصح له صحبة ، الثاني : وفي سماعه منه نظر . قال أبو بكر بن المنذر في كتاب الإجماع : أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر زوال الشمس ، ودلّت السنة على أنّ آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس ، وقال في كتاب الإِشراف : واختلفوا في آخر وقت الظهر ، فقالت طائفة : إذا صار ظل كلّ شيء مثله بعد الزوال وجاوز ذلك ، فقد خرج وقت الظهر ، هذا قول مالك ، والشافعي، والثوري ، وأبي ثور ، وقال يعقوب ، ومحمد : وقت الظهر من حين زوال الشمس إلى أن يكون الظل قامة ، وقال عطاء : لا يفوتك الظهر حتى تدخل الشمس الصفرة ، وقال طاوس : لا يفوت الظهر والعصر حتى يدخل الليل ، وقال قائل : إذا صار الظل قامتين فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر ، وكذلك قال أبو حنيفة ، قال أبو بكر : وبالقول الأوّل أقول ، واختلفوا في التعجيل بالظهر في حال الحرّ فروينا عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن يصلي الظهر حين تزيغ الشمس وتزول ، وصلى ابن مسعود حين زالت الشمس ، وروينا عن ابن عباس أنه قال : الظهر كاسمها تصلى بالظهير ، وقال مالك : يصلي إذا كان الظهر ذراعا ، وفيه قول ثان : وهو استحباب تأخير الظهر في شدّة الحر ، هذا قول أحمد ، وإسحاق ، وقال أصحاب الرأي : في الصيف يجب أن يبرد بها ، وفيه قول ثالث : قاله الشّافعي : قال تعجيل الحاضر الظهر في شدّة الحر، فإذا اشتدّ الحر أبرد إمام الجماعة التي تنتاب من البعد حتى يبرد ، فأمّا من صلّى في بيته ، وفي جماعة بفناء بيته فيصليها في أوّل وقتها قال أبو بكر : خبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على العموم ، فلا سبيل إلى أن يستثنى من ذلك شيء ، وفي كتاب ابن بزيزة : وكره مالك أن يصلي الظهر في أول الوقت ، وكان يقول : هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء ، وخالف ذلك أبو الفرج فنقل عن مالك : أنّ أوّل الوقت أفضل في كلّ صلاة إلا الظهر في شدّة الحر ، واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث ، وحديث خباب ، فقال بعضهم : الإِبراد رخصة والتقديم أفضل ، وقال جماعة : حديث خباب منسوخ بأحاديث الإبراد ، وحمل آخرون حديث خباب على أنهم أرادوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد ، ذكر ذلك الأثرم ، وأبو جعفر الطحاوي ، وقال أبو عمر في قول خباب : فلم يشكنا يعني لم يحوجنا إلى الشكوى ، وقيل : معناه ما أزال شكوانا ذكره ابن بزيزة ، انتهى ، وفيما قدّمناه بيان للمعنى من نفس الشّارع ، فلا حاجة للتخرص ، وذكر ابن الأنباري أنّ يونس ، وأكثر النحويين زعم أنّ جهنم أعجمية لا تجر للتعريف والعجمة ، وقيل : إنّه عربي ، ولم يجر للتأنيث والتعريف ، وكان رؤبة يقول ركية جهنام : بعيدة القعر ، قال الأعشى : دعوت خليلي مسحلا ودعوا له جهنام جدعا للهجين المذمم فترك صرفه يدل على أنه أعجمي معرب ، وقال ابن عباس فيما ذكره ابن بزيزة : خلق الله تعالى النّار على أربعة أقسام : فنار تأكل وتشرب ، وهي التي خلقت منها الملائكة ، ونار لا تأكل ، ولا تشرب ، وهي التي في الحجارة ، ويقال : هي التي رفعت لموسى عليه السلام ليلة المناجاة ، ونار تشرب ، ولا تأكل ، وهي نار الدنيا ، ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم ، ولا تشرب دموعهم ، ولا دماءهم ، ولا أقياحهم ، بل يسيل ذلك إلى عين الخبال فيشرب ذلك أهل النار ، ونار تشرب ، ولا تأكل ، وهي النّار التي في البحر وقيل : النّار التي خلقت منها الشمس .

476

73 - حدثنا محمد بن رمح ، نا الليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد ابن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر ؛ فإن شدّة الحر من فيح جهنم . 74 - حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، ثنا إسحاق بن يوسف ، عن شريك ، عن بيان ، عن قيس بن أبي حازم ، عن المغيرة بن شعبة قال : كنا نصلي مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الظهر بالهاجرة ، فقال لنا أبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم . هذا حديث قال فيه البيهقي : قال أبو عيسى فيما بلغني عنه : سألت محمدا عن هذا الحديث فعدّه محفوظا ، وقال الميموني : ذاكروا أبا عبد الله بأسانيد حديث المغيرة ، فقال : أسانيد جياد ، ثم قال : خباب يقول : فلم يشكنا ، والمغيرة كما ترى يروي القصتين جميعا ، وفي كتاب العلل للخلال : وكان آخر الأمرين من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإبراد ، ولما خرجه البستي في صحيحه قال : تفرّد به إسحاق الأزرق ، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث قال : رواه أبو عوانة ، عن طارق ، عن قيس قال : سمعت عمر بن الخطاب قوله : أبردوا بالصلاة قال أبي : أخاف أن يكون هذا الحديث يدفع ذاك قلت : فأيهما أثبت ؟ قال : كأنه هذا يعني حديث عمر ، ولو كان عند قيس ، عن المغيرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدّث عن عمر موقوفا . انتهى ، ولقائل أن يقول - على طريقة الفقهاء - يحتمل أن يكون قيس روى المسند والموقوف جميعا ، أو تذكر المرفوع بعد رواية الموقوف ، ويعضده ما ذكره هو في موضع آخر سمعت أبي يقول : سألت يحيى بن معين فقلت له : ثنا أحمد بن حنبل ، بحديث إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن بيان ، فذكر حديث المغيرة ، وذكرته للحسن بن شاذان الواسطي فحدّثنا به ، وثنا أيضا عن إسحاق ، عن شريك ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله ، فقال يحيى : ليس له أصل ، أنا نظرت في كتاب إسحاق ، فليس فيه هذا ، قلت لأبي : فما قولك في حديث عمارة ، عن أبي زرعة الذي أنكره يحيى ؟ قال : هو عندي صحيح ، وثنا أحمد بن حنبل بالحديثين جميعا ، عن إسحاق الأزرق ، قلت لأبي : فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق ، فلم يجده ؟ قال : كيف نظر في كتبه كلّها إنما نظر في بعض ، وربما كان في موضع آخر .

477

8 - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، وثنا يعقوب بن حميد ، ثنا ابن أبي حازم ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم . زاد ابن حرملة فإنما هي العشاء : وإنما يقولون : العتمة لإعتامهم بالإبل . هذا حديث إسناده صحيح ، ولفظ الطبراني في الأوسط ، وخرجه من حديث محمد بن أبان ، نا عمار بن خالد ، نا علي بن غراب ، عن ابن عجلان : لا يغلبنكم أهل البادية على اسم صلاتكم ، سماها الله العشاء ، ويسمونها العتمة . وفي الباب : حديث ابن بريدة ، عن عبد الله المزني يعني : ابن المغفل : أن رسول الله قال : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ، وتقول الأعراب : هي العشاء . ذكره البخاري ، وفي كتاب الإسماعيلي ، وذكره من حديث أبي مسعود ، أنبأ عبد الصمد ، ثنا أبي ، عن حسين المعلم عنه ، حديث أبي مسعود يدل على أنه في صلاة العشاء الآخرة ، وكذلك روي عن ابن عمر في العشاء الآخرة ، قال المهلب : إنما كره ذلك ؛ لأن التسمية من الله ورسوله ، قال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا . وقال تعالى : وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قال القرطبي : فكأنه إرشاد إلى ما هو الأولى ، وليس على جهة التحريم ، ولا على أن تسميتها بالعتمة لا تجوز ؛ لما ثبت أنه - عليه السلام - أطلق عليها ذلك ، يعني قوله : ولو يعلمون ما في العتمة والصبح . وغير ذلك من الأحاديث . قال البخاري : والاختيار أن يقول : العشاء ، وقد ورد تسميتها بذلك في آثار عنه - صلى الله عليه وسلم - في غير ما حديث صحيح ، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر ، وابن عباس ، وعمر بن الخطاب ، وعائشة ، وأبو موسى الأشعري ، وغيرهم ، وقال : وكانت الأعراب تحلب عند شدة الظلمة حلبة ، وتسميها العتمة ، فصار مشتركا بين خسيس ؛ وهى الحلبة ، ورئيس ؛ وهي الصلاة فنهى عن ذلك ليرتفع الاشتراك ، وحيث أمن الاشتراك جاز الإطلاق ، وزعم بعض العلماء : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء ، أو استعمل لفظة العتمة ؛ لأنه أشهر عندهم ، ولأنهم إنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب . وفي المحكم : عتمت الإبل تعتِم ، وتعتُم ، وأعتمت ، واستعتمت حلبت عشاء، وهو من الإبطاء ، والتأخر ، قال أبو محمد الحذلمي : فيها ضوى ، قد رد من إعتامها . والعتمة : ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق ، وأعتم القوم ، وعتموا : ساروا في ذلك الوقت ، أو أوردوا ، أو أصدروا ، أو عملوا أي عمل كان . وقيل : العتمة وقت صلاة العشاء الآخرة . سميت بذلك لاستعتامهم نعمها ، والعتمة : بقية الليل ، تفيق به تلك الساعة ، وعتمة الليل : ظلامه ، وقوله : طيف ألم بذي سلم يسر عتم بين الخيم . يجوز أن يكون على حذف الهاء ، كقولهم : هو أبو عذرها ، وقوله : ألا ليت شعري هل تنظَّر خالد عيادي على الهجران أم هو يائس ؟ . وقد يكون من البطء ، أي : يسري بطيئا ، وقد عتم الليل ، يعتم ، عتما ، وأعتم : أظلم ، وعتمة الإبل : رجوعها من المرعى بعدما تمسي ، وقيل : ما قمر أربع ؟ فقيل : عتمة ربع ، أي قدر ما يحتبس في عشائه ، وقول الأعشى : نجوم الشتاء العاتمات الغوامضا يعني : بالعاتمات التي تظلم من الغبرة التي في السماء ، وذلك في الجدب ؛ لأن نجوم الشتاء أشد إضاءة لنقاء السماء ، والله تعالى أعلم .

478

3 - باب النهي أن يقال : صلاة العتمة 7 - حدثنا هشام بن عمار ، ومحمد بن الصباح ، ثنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، عن ابن عمر ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ؛ فإنها العشاء ، وإنهم يعتمون بالإبل . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ، وفي لفظ : فإنها في كتاب الله العشاء ، وإنها تعتم بحلاب الإبل وفي كتاب النسائي : على اسم صلاتكم هذه فإنهم يعتمون على الإبل . وفي رواية سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر . فذكره. ولفظ ابن خزيمة : إنهم يعتمون على الإبل ، إنها صلاة العشاء .

479

باب وقت صلاة العصر 76 - حدثنا محمد بن رمح ، أنبأ الليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك أنه أخبره أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية ، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة . هذا حديث خرجاه في الصحيح ، وفي رواية لهما إلى قباء ، وفي رواية البخاري وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال ، أو نحوه ، وفي لفظ أنّ أبا أمامة قال : صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ، ثم دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر ، وقال : هذه صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي كنّا نصلي معه ، وفي لفظ لمسلم : تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا . وفي لفظ : صلى لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العصر ، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة ، فقال يا رسول الله : إنّا نريد أن ننحر جزورا لنا ونحب أن تحضرها ، فانطلق وانطلقنا معه ، فوجدنا الجزور لم تنحر ، فنحرت ، ثم قطعت ، ثم طبخ منها ، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس . وفي لفظ لأحمد من طريق أبي الأبيض عنه أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة قال أبو القاسم : لم يروه عن الأعمش إلا عبد العزيز بن عبيد الله ، ولا عن عبد العزيز إّلا إسماعيل بن عياش تفرد به سليمان بن عبد الرحمن ، وفي لفظ لابن خزيمة : إن صلاة المنافق ينتظر حتى إذا اصفرت الشمس ، وكانت بين قرني الشيطان نقرها أربعا ، وفي لفظ للدارقطني : فآتي عشيرتي وهم جلوس فأقول ما يجلسكم صلوا ، فقد صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفي لفظ وهم في ناحية المدينة جلوس ما صلوا ، في لفظ الحاكم : صحيح إسناده كان أبعد رجلين من الأنصار من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دارا : أبو لبابة ، وأبو عبس بن جبر ومسكنه في بني حارثة ، فكانا يصليان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العصر ، ثم يأتيان قومهما وما صلوا ؛ لتعجيله عليه السلام بها ، وفي لفظ للدارقطني : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نصلي العصر ويسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس ، وفي لفظ للسراج في مسنده : يسير الراكب إلى قباء ، وفي كتاب أبي نعيم الفضل موقوفا : إذا صليتم العصر ، ثم سرت ستة أميال حتى أتى غروب الشمس فذلك وقتها ولفظ الطبراني في الأوسط : عن يحيى بن سعيد ، قال قلت لأنس : متى كنتم تصلون العصر مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : والشمس بيضاء نقية ، وقال لم يروه عن يحيى إلا عبد الله بن ميمون القداح .

480

77 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العصر والشمس في حجرتي لم يظهر الفيء بعد . هذا حديث روياه أيضا ، وفي الباب حديث رافع بن خديج عندهما ، وإن كان الجوزقاني حسنه فغير صواب من فعله قال : كنا نصلي العصر مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم ننحر الجزور فيقسم عشرة قسم ، ثم يطبخ فنأكل نضيجا قبل مغيب الشمس ، وحديث بريدة قال صلى الله عليه وسلم : بكروا لصلاة العصر في يوم غيم ؛ فإنه من ترك صلاة العصر حبط عمله رواه البخاري ، وحديث عبد الله بن عمرو يرفعه : ووقت العصر ما لم تغرب الشمس رواه أبو الوليد الطيالسي ، هشام بن عبد الملك ، ثنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أبي أيوب المراغي المخرج حديثه عند الشيخين عنه ، وحديث أبي أروى الدوسي قال : كنت أصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العصر بالمدينة ، ثم أمشي إلى ذي الحليفة فآتيهم قبل أن تغيب الشمس ذكره العسكري في كتاب الصحابة ، عن محمد بن هارون الحضرمي ، ثنا عمرو بن علي ، ثنا معلى بن أسد ، نا وهيب ، عن أبي واقد الليثي قال : حدثني أبو أروى به ، وقال : أبو أروى لا يعرف اسمه ، وذكر بعضهم أنّ اسمه ربيعة ، ويقال : عبيد بن الحارث . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ لأنّ أبا أروى المسمى ربيعة بن الحارث هاشمي جدّه عبد المطلب بن هاشم ، مات قديما في خلافة عمر سنة ثلاث عشرة نصّ على ذلك ابن سعد وغيره وحديث جابر ذكره أبو القاسم في معجمه الكبير ، وحديث أبي مسعود تقدّم ذكره ، وكذلك حديث أبي برزة ، قال ابن المنذر : واختلفوا في أوّل وقت العصر ؛ فكان مالك، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور يقولون : أوّل وقت العصر إذا صار ظلّ كلّ شيء مثله ، واختلفوا بعد ، فقال بعضهم : آخر وقت الظهر أوّل وقت العصر ، فلو أنّ رجلين صلى أحدهما الظهر والآخر العصر حين صار ظل كل شيء مثله لكانا مصليين في وقتهما ، قائل هذا إسحاق ، وذكر عن ابن المبارك ، وأما الشافعي ، فكان يقول : أوّل وقت العصر إذا جاوز ظل كلّ شيء مثله ، متى ما كان وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر ، وقد حكي عن ربيعة قول ثالث ، وهو أنّ وقت الظهر في السفر والحضر : إذا زالت الشمس ، وفيه قول رابع : وهو أنّ وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال ، ومن صلى قبل ذلك لم يجزه ، هذا قول النعمان ، وفي ذلك أخبار ثابتة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انتهى كلامه ، وفيه نظر في قوله ، هذا قول النعمان يعني : وحده وأغفل كونه مرويا عن الإِمام أحمد أيضا فيما ذكره أصحابه ، وأما الأحاديث التي استدل بها أبو حنيفة فكثيرة ، من ذلك حديث رافع بن خديج أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان يأمر بتأخير هذه الصلاة ، ذكره الدارقطني في سننه ، عن أبي بكر النيسابوري ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا أبو عاصم ، وثنا الحسين بن إسماعيل ، وأحمد بن علي بن العلاء ، ثنا أبو الأشعث ، ثنا أبو عاصم ، ثنا عبد الواحد بن نافع قال : دخلت مسجد المدينة فأذّن مؤذن بالعصر قال : وشيخ جالس فلامه ، وقال : إنّ أبي أخبرني ، فذكره ، قال : فسألت عنه ، فقالوا : هذا . النظر الرابع : قوله : ولا يصح عن أحد من الصحابة مردود ؛ لما ذكره الحاكم ، ثنا محمد بن أحمد بالويه ، ثنا محمد بن شاذان الجوهري ، ثنا المعلى بن منصور ، ثنا عبد الرحيم بن سليمان ، ثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن العباس بن ذريح ، عن زياد بن عبد الله النخعي قال : كنّا جلوساً مع علي - رضي الله عنه - في المسجد الأعظم فجاء المؤذن والكوفة يومئذ أخصاص ، فقال : الصلاة يا أمير المؤمنين للعصر ، فقال : اجلس فجلس ، ثم عاد ، فقال ذلك ، فقال علي : هذا الكلب يعلمنا بالسنة فقام علي فصلى بنا العصر ، ثم انصرفنا ، فرجعنا إلى المكان الذي كنا فيه جلوسا فجثونا للركب لنزول الشمس بالمغرب نتراءاها ، هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه بعد احتجاجهما برواته ، انتهى كلامه ، وفيه نظر من حيث إن زيادا ، وابن ذريح المنفرد عنه بالرواية والمعلى لم يحتجا ، ولا أحدهما بواحد منهم ومع ذلك فهم ثقات ، فلو قال : صحيح الإسناد وسكت لكان صواباً ، وفي مسند ابن أبي شيبة أنّ عليَا كان يؤخر العَصر ، وما أسلفناه من عند أبي عيسى أنا علي بن حجر ، أنبأ ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد تعجيلا للظهر منكم وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه . وما في الصحيح : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، وفيه يقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ، وهو يدل على فعل العصر آخر الوقت حتى تعرج الملائكة وهم يصلون ، ومفهوم حديث بريدة المتقدّم : بكروا بالصلاة في يوم الغيم ، عدم التبكير في الصحو ، وهذا المفهوم حجّة عند الشّافعي - رحمه الله تعالى - وبما ذكره عبد الرزاق ، وإن كان منقطعَا ، فإنه لا بأس بالحجة به عند أبي حنيفة ، قال سليمان بن موسى : نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلوا صلاة العصر بقدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة ستة أميال وبما في صحيح مسلم ، عن عمارة بن رؤيبة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم : لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني : الفجر والعصر ، وبما سلف من حديث ابن عمرو وغيره، وكلها صحاح ، وما روي مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا العصر إلى اشتباك النجوم قال ابن حزم : لم يسند إلا من طريق ، وقد ذكره هو صحيحا عن الحسن ، وابن سيرين ، وأبي قلابة أنهم كانوا يمسون بالعصر ، ومن حديث ابن شبرمة قال محمد بن الحنفية : إنّما سميت بالعصر لتعصر ، ومن حديث مصعب بن محمد ، عن رجل قال : أخر طاوس العصر جدًا ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّما سميت العصر ، ومن حديث وكيع ، ثنا إسرائيل ، وعلي بن صالح ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : كان عبد الله يؤخر العصر ، قال ابن المنذر : وروي ذلك عن أبي هريرة ، وابن شبرمة ، وذكر أبو جعفر الطحاوي أنّ الصحابة أجمعت على ذلك ، واستدلّ أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار لأبي حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم : مثلكم ومثل الأمم من قبلكم كمثل رجل استأجر قوما ، وفيه : ثم قال : من يعمل لي من العصر إلى المغرب بقيراطين ، فعملتم أنتم فكنتم أقلّ عملا ، وأكثر أجرًا فضرب قصر المدّة لقلّة العمل مثلًا قال : فجاء من هذا لأن مدّة العصر أقصر ، وإنما تكون أقصر إذا كان الجواب كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، وبما رواه أبو داود ، عن محمد بن عبد الرحمن العنبري ، عن إبراهيم بن أبي الوزير ، عن محمد بن يزيد اليمامي ، عن يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية ، وأما آخر وقت العصر ، فقال أكثر العلماء : غروب الشمس ، وقال الحسن بن زياد : تغير الشمس إلى الصفرة ، في ما قال الإصطخري : إذا صار ظلّ كل شيء مثله خرج وقت العصر ، وزعم الثوري أنّ العصر خمسة أوقات : فضيلة ، واختيار ، وجواز بلا كراهة ، وجواز مع كراهة ، ووقت عذر ، وفي المرغيناني والتأخير إلى تغير القرص مكروه ، والفعل فيه ليس بمكروه ، وأما الفيء فما كان بالعشي ، وأما الظلّ فهو للشجرة وغيرها بالغداة قال الشّاعر ، يعني حميد بن ثور الهلالي : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق وقال يعقوب : الفيء ما نسخ الشمس ، وذكر أبو علي القالي : أنا أبو بكر بن حبيب السهمي كان فصيحا فبينا هو قاعد في ظل قصر ، أو في غدوة قال رجل : ما أطيب هذا الفيء ، فقال أبو بكر : ليس هذا بفيء إنّما الفيء بالعشي ، وبنحوه قاله ابن دريد في الجمهرة ، زاد لأن الفيء ما نسخ الشمس ، وقال ثعلب وسترت ، وعن أبي عبيدة ، قال رؤبة بن الحجاج : كل ما كانت عليه الشّمس فزالت فهو فيء وظل ، وما لم تكن عليه شمس فهو ظل ، قال اللبلي : أمّا الحكاية عن رؤبة فقدر على أنّ كل ما طلعت عليه الشمس ، ثم زالت عنه يسُمّى ظلا ، وفيئا ، ويسمى الظل قبل نصف النهار على هذا فيئا . لأن الشمس تطلع عليه ، ثم تزول عنه وما لم تطلع عليه الشمس نحو ظل الليل وظل الشجر وما تحت سقف ظل ، فليس بفيء لأنّ الشمس لا تطلع عليه ومن هذا ظل الجنة . لأنه ظل لا تطلع عليه الشمس ، وقد جعله بعضهم فيئا غير أنه قيّده بالظّل ، قال النابغة الجعدي يصف حال أهل الجنة : فسلام الإله يغدو عليهم وفيء الفردوس ذاتّ الظلال والمفيؤة والمفيوءة والمفيئة موضع الفيء ، قال ابن سيده في المخصص والجمع : أفياء ، وفيوء ، وأنشد : لعمري لأنّت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل وقال ابن قتيبة : والفيء لا يكون إلا بعد الزوال ، ولا يقال لما كان قبله فيء ، وإنما سُمّي بالعشي فيئا لأنه ظلّ فاء عن جانب إلى جانب أي رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق ، والفيء هو الرجوع ، قال اللّه تبارك وتعالى : حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وفي شرح أدب الكتاب لأبي جعفر أحمد بن داود الساعي عن كيسان : المعروف أنّ الفيء والظل واحد ، وأما العصر فيراد به الغدو والعشي سميت الصلاة بذلك ، قال القزاز : لأنها تصلى في أحدهما وهو آخر النهار وهم يقولون : صلاة العصر والعصر محركَا ، وأما العصر الذي هو الدهر فمثلث عَصر وعُصر عِصر ، ومن العصر الذي هو العشي قول الشاعر : آنست نبأة وأفزعها القناص عصرَا وقد دنا الإمساء والعرب تسمي الليل والنهار عصرين قال الشّاعر : وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم وفي الصحاح قال الكسائي يقال : جاء فلان عصرَا أي : بطيئَا ، حكاه عنه أبو عبيد رحمه الله تعالى .

481

باب إقامة الصلاة والسنة فيها باب افتتاح الصلاة 36 - حدثني علي بن محمد الطنافسي، ثنا أبو أسامة حدثني عبد الحميد بن جعفر، ثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي يقول: كان رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم - إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: اللَّه أكبر. هذا حديث خرجه ابن ماجه في مواضع من كتاب الصلاة أتمها عن ابن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الحميد بن جعفر، ثنا محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب رسول الله - صلّى اللَّه عليه وسلّم - أحدهم أبو قتادة بن ربعي قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلّم - كان - عليه السلام - إذا قام في الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى يحاذي بها منكبيه ثم قال: الله أكبر، وإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، ورفع يديه اعتدل، فإذا قام من الثنتين كبّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة . ثنا ابن بشار ثنا أبو عامر، ثنا فليح، ثنا عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد الساعدي وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم. قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه، إن النبي عليه السلام قام فكبّر، ورفع يديه، ثم رفع حين كبر للركوع، ثم قام فرفع يديه واستوى، حتى رجع كل عظم إلى موضعه . وخرجه أبو حاتم البستي في صحيحه من رواية عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد مطولَا. ورواه ابن خزيمة أيضا من حديث سهل بن سعد وأبي حميد وأبي أسيد الساعدي، ومن حديث عبد الحميد، وفيه: فيهم أبو قتادة. وذكر ابن عساكر في كتاب كريب المقبري : حدّثني الشيخ أبو عبد الله طرخان ابن ماضي المقرئ الفقيه أنه رأى النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - في المنام، وسأله عن حديث أبي حميد في كيفية الصلاة، فقال: صدق أبو حميد، وأثنى عليه. ورواه أبو داود من حديث عبد الحميد بلفظ: قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - قالوا: فلم؟ فواللُّه ما كنت بأكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: كان إذا قام إلى الصلاة، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر حتى يقر كلّ عظم في موضعه معتدلا، ثم يقرأ: ثم يكبّر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلا ثم يقول: اللَّه أكبر، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ثم يسجد ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبّر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متورّكَا على شقّه الأيسر، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي - صلّى اللَّه عليه وسلّم وفي حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو العامري: فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه، ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده، وقال: وإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة. وفي حديث ليث عن يزيد: فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة . وفي حديث عباس بن سهل: ثم رفع رأسه - يعني من الركوع - فقال: سمع اللَّه لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد، ورفع يديه ثم قال: اللَّه أكبر، فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه، وهو ساجد ثم كبّر فجلس فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبّر فسجد ثم كبّر، فقام ولم يتورك، قال: ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هوى أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة ثم ركع الركعتين الأخريين، ولم يذكر التورك في التشهد . وفي لفظ: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليه ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحا يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كلّ عظم في موضعه حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله - يعني اليسرى - فأقبل بصدر اليمنى على قبلته، فوضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفّه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بإصبعه . قال أبو داود: روى هذا الحديث عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل فلم يذكر التورك، وذكر حديث فليح، وذكر الحسن بن الحر نحو جلسة حديث فليح وعتبة قال: وإذا سجد فرَج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه . وزعم الدارقطني في كتاب الأفراد والغرائب أنّ زهير بن معاوية تفرد به عن الحسن، ولم أره إلّا عند أبي بدر شجاع بن الوليد عنه. وقال أبو بكر البزار في كتاب السنن من تأليفه: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن زهير عن الحسن إلا شجاع بن الوليد، وهو في صحيح البخاري من حديث الليث، عن خالد بن سعيد، عن محمد بن عمرو بن عطاء ح، وحدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد عن محمد بن عمرو أنه كان جالسًا مع نفر من الصحابة فذكرنا صلاة رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فقال أبو حميد بلفظ: رأيته إذا كبّر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كلّ فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته الحديث. قال: وقال أبو صالح عن الليث: فقار ظهره، وقال ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب عن ابن أبي حبيب أن محمد بن عمرو بن حلحلة قال: كلّ فقار . ولما ذكر ابن حبان في صحيحه حديث سهل بن سعد، عن أحمد بن يحيى، ثنا ابن بشار، عن العقدي ثنا فليح بلفظ: ثم عاد من الركعة الأخيرة، وكبر كذلك، ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام كبر، ثم ركع الركعتين الأخريين، فلمّا سلّم، سلم على يمينه: سلام عليكم ورحمة الله، سلم عن يساره: سلام عليكم ورحمة الله قال: سمع هذا الخبر محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد، وسمع من عباس بن سهل، عن أبيه، قال: فالطريقان جميعًا محفوظان، ومتناهما متباينان، وقد يتوهّم غير المتبحر في صناعة الحديث أنّ خبر أبي حميد معلول وليس كذلك، وعاب ابن القطان على أبي محمد إيراده حديث محمد بن عمرو في عشرة من الصحابة فيهم أبو قتادة. قال: وهذا يجب فيه التثبّت، فإن أبا قتادة توفي زمن علي بن أبي طالب، وهو صلى عليه، وكان ممن قتل معه، وسنُّ محمد بن عمرو مقصرة عن إدراك ذلك، وقد قيل في وفاة أبي قتادة غير ذلك: من أنه توفي سنة أربع وخمسين، وليس ذلك بصحيح، بل الصحيح ما ذكرناه، وقتل علي سنة أربعين. وقد ذكر هذا الذي قلناه الطحاوي ، قال: والذي رواه محمد بن عمرو غير معروف ولا متصل؛ لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل؛ لأنه قتل مع علي فأين سن محمد من هذا . ويزيد هذا المعنى تأكيدا أن عطاف بن خالد روى هذا الحديث فقال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء قال: حدثني رجل أنه وجد عشرة من الصحابة جلوسا فذكر نحو حديث أبي عاصم، وعطاف بن خالد أبو صفوان القرشي مدني ليس بدون عبد الحميد، وإن كان البخاري حكى أن مالكًا لم يحمده، فإن ذلك لا يضره إذ لم يكن من مالك بأمر مفسر يجب لأجله ترك روايته . وقد اعترض مالكًا في ذلك الطبري بما ذكرناه من عدم تفسيره، وبأمر آخر لا نراه صوابًا؛ وهو أن قال: وحتى لو كان مالك قد فسّر لم يجب أن نترك بتجريحه رواية عطاف حتى يكون معه مجرح آخر. قال: وإنّما لم نر هذا صوابا لوجهين: أحدهما: أنّ هذا المذهب ليس بصحيح؛ بل إذا جرح واحد بما هو جرحة قبل. الثاني: هو أن غير مالك قد وجد عنه أيضا مثل ما ذهب إليه مالك، وهو ابن مهدي ؛ فإنّه ذهب إليه فلم يرضه، وغير هذين يوثقه . وقول أبي حاتم فيه: ليس بذاك يعني: ليس بأعلى ما يكون . قال ابن القطان : ولعلّه أحسن حالا من عبد الحميد بن جعفر وهو قد بيّن أنّ بين ابن عمرو وبين أولئك الصحابة رجلًا، وقد تقدم عدم تعاصر ابن عمرو وأبي قتادة، وجاءت رواية عطاف عاضدة لما قد صحّ وفرغ منه. وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك الدار ، عن محمد بن عمرو، عن عياش أو عباس بن سهل، وعيسى حاله مجهولة . انتهى كلامه. وفيه نظر من وجوه: الأول: ليست حال عيسى مجهولة، وإن كان ابن المديني قال: لم يرو عنه إلا ابن إسحاق فهو مجهول . وقال البيهقي في المعرفة: ليس مشهورا، وقد اختلف في اسمه فقيل: عيسى بن عبد اللَّه، وقيل: ابن عبد الرحيم، وقيل: عبد الله بن عيسى فغير صواب؛ لأنه ممن روى عنه ابن لهيعة والحسن بن الحرّ، ووثقه ابن حبان وخرّج حديثه في صحيحه . الثاني: تصحيحه وفاة أبي قتادة زمن علي، وتضعيف غيره وليس هو بأبي عذرة ذلك؛ لتقدّم أبي عمر به في موضع. وقال في كتاب الاستغناء بمعرفة الكنى: مات سنة أربع وخمسين، ويقال في خلافة علي جعله قولًا مرجّحًا، وهو الصواب لما ذكره البخاري من أنّ مروان بن الحكم لما كان على المدينة أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي - صلّى الله عليه وسلّم - وأصحابه، الحديث ذكره في تاريخه الكبير تعليقا. وقال في الأوسط: وذكره في فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين. حدثني إبراهيم بن حمزة، ثنا موسى بن شيبة من ولد كعب بن مالك عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك أن مروان الحديث. وثنا أحمد بن أبيِ بكر، عن موسى بن شيبة، بن عمرو بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أمه، عن جدّته خالدة بنت عبد اللَّه بن أنيس أنَّ أباها توفي بعد أبي قتادة بنصف شهر. انتهى. مروان إنّما كان على المدينة في أيام معاوية بعد قتل علي بدهر، وإلى هذا القول مال يحيى بن بكير: فقال: توفي سنة أربع وخمسين، وكذا قال أيضَا خليفة بن خياط المعروف بشباب في تاريخه الكبير، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وابن نمير، والباوردي، في كتاب الصحابة تأليفه، وابن حبان والحاكم أبو أحمد، وأبو عبد الله ابن منده، وأبو عيسى الترمذي، وأبو جعفر الطبري في مذيله، وأحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب. وقال ابن سعد في الطبقات الكبير: أنبأنا محمد بن عمر، حدثني يحيى بن عبد اللَّه بن أبي قتادة قال: توفي أبو قتادة بالمدينة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنة. قال محمد بن عمر: ولم أر بين ولد أبي قتادة وأهل البلد عندنا اختلافًا أنّ أبا قتادة توفي بالمدينة، وروى أهل الكوفة: أنّه توفي بالكوفة، وصلّى عليه علي، واللَّه أعلم. وجزم أبو القاسم بن منيع بصحة هذه الرواية ووهى غيرها، وكذا قاله أيضًا عبد الغني بن سرور المقدسي . قال البيهقي في المعرفة، واستشهاد أبي جعفر على انقطاع الحديث بوفاة أبي قتادة قبله خطأ، فإنّه إنّما رواه موسى بن عبد اللَّه بن يزيد أن عليًا صلى على أبي قتادة وكان بدريًا. ورواه أيضًا الشعبي منقطعًا، وهو غلط لإجماع أهل التواريخ على أنَّه بقي إلى سنة أربع وخمسين، وقيل: بعدها، والذي يدلّ على هذا أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن وعبد اللَّه بن أبي قتادة وعمرو بن سليم الزرقي وعبد الله بن رباح الأنصاري سمعوا من أبي قتادة، وإنّما حملوا العلم بعد أيّام علي، ولم يثبت لهم عن أحد ممن توفي أيام علي سماع. وروينا عن ابن عقيل أنَّ معاوية لما قدم المدينة في خلافته تلقته الأنصار وتخلّف أبو قتادة، وروينا من طريق صحيحة أنَّ أم كلثوم ابنة علي امرأة عمر بن الخطاب لماَّ توفيت هي وأمها، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس يومئذ أبو هريرة وأبو قتادة وابن عباس . وعلى تقدير صحَّة دعوى أبي جعفر، فالحجة قائمة بروايته، عن أبي حميد التي لا شك فيها، وقد وافق ابن حلحلة عبد الحميد. ومذهب الشّافعي متابعة السنة إذا ثبتت، وقد قال في حديث أبي حميد: وبهذا نقول، وقال ابن حزم في محلاه: من زعم أنّ أبا قتادة توفي زمن علي وهم، وإنّ ذلك قول الرافضة، والقصاص، ومن لا يعتمد عليه. الثالث: ما ذكر من انقطاع ما بين محمد بن عمرو وأبي قتادة مردود بما أسلفناه، وبتصريحه هو بسماعه منه عند أبي حاتم بن حبان في صحيحه الذي زعم أنه لا يخرج فيه إلّا حديثا متصلا، إذ رواه عن محمد بن إسحاق مولى ثقيف، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، ثنا أبو عاصم، ثنا عبد الحميد، ثنا محمد بن عمرو قال: سمعت أبا حميد في عشرة من أصحاب النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أحدهم: أبو قتادة، وثنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتستر، وكان أسود من رأيت، ثنا ابن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا عبد الحميد بن جعفر فذكره، ثم قال: عبد الحميد هذا أحد الثقات المتقنين قد سبرت أخباره فلم أره تفرد بحديث منكر لم يشارك فيه، وقد وافق فليحا وعيسى بن عبد اللَّه، عن محمد بن عمرو عبد الحميد في هذا الحديث، وعند الحافظ ابن خزيمة في صحيحه، عن بندار ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الحميد، حدّثني محمد بن عمرو، عن أبي حميد الساعدي قال: سمعته في عشرة من الصحابة أحدهم أبو قتادة قال: كان عليه السلام إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخَّر رجله اليسرى، وقعد على شقّه متوركا، ثم سلّم . وفي خبر أبي عاصم: أخّر رجله اليسرى وجلس على شقّه الأيسر متورّكا . وقال البزار : ثنا يحيى بن حكيم، ثنا القطان، ثنا عبد الحميد، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي حميد قال: سمعته يقول: وهو في عشرة من الصحابة أحدهم أبو قتادة فذكره، قال: وثنا محمد بن مثنى، ثنا أبو عامر، ثنا فليح، ثنا العباس، عن أبي حميد في عشرة من الصحابة فذكره بنحوه ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي حميد بأحسن من هذين الإسنادين، وخرّجه الدارمي في مسنده، عن أبي عاصم . وقد خرج البخاري في تاريخه بسماعه من أبي قتادة وغيره. وقال البيهقي: ما ذكره الطحاوي من عدم سماعه منه ليس كذلك . ولما ذكره ابن سرور: جزم بسماعه منه ولم يعهد من محمد تدليس، ولو صحَّ عنه لدفع بتصريحه بالسّماع على لسان ثقة، ولم أر أحدا أنكر سماعه منه إلا الطحاوي بما استدلّ به، وقد بينا عدم صوابه. الرابع: الإسناد الموصل إلى عطاف لم يذكره حتى يعرف صحة الطريق إليه أو عدمها، ولا أعرف موضعه الآن إلّا قول البيهقي: وأمّا إدخال من أدخل بين محمد وأبي حميد رجلا فإنّه لا يوهنه ؛ لأنّ الذي فعل ذلك رجلان أحدهما: عطاف، وكان مالك لا يحمده، والثاني: عيسى بن عبد الله، فروى عن الحسن بن الحر، عن عيسى، عن محمد بن عمرو عن عياش - أو عباس - بن سهل، عن أبي حميد. انتهى كلامه، وليس فيه ما يتعرّف به طريقهما على أنّ ما أسلفناه من عند أبي داود يرد هذا، والله أعلم. الخامس: قوله: وغير مالك وابن مهدي يوثقّه غير صواب؛ لقول أبي حاتم ابن حبان فيه: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به إلّا فيما يوافق الثقات. وفي مكان آخر: كان منكر الحديث، روى عن نافع، عن ابن عمر ما ليس من حديثهما . وقال البزار : حدّث عن نافع بأحاديث لم يتابع عليها، ولما ذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء : حكى عن ابن عبد الرحيم أنه قال: عطاف بن خالد ليس بالقوي . السادس: قوله: إنّ مالكًا لم يجرحه بجرح مفسّر مردود؛ بما ذكره الحافظ ابن تميم مؤرّخ القيروان عن عباس بن محمد، حدثني من سمع عمر بن سليمان يحدّث عن عبد اللَّه بن أحمد بن شبويه قال: سمعت مطرف بن عبد الله يقول: سمعت مالكًا يقول: ويكتب عن مثل عطاف، لقد أدركت في هذا البلد سبعين شيخًا كلّهم خير من عطاف ما كتبت عنهم، وإنما يكتب العلم عن قوم جرى فيهم العلم مثل عبيد الله بن عمر . وقال عبد الملك بن عبد الرحمن الحزامي : قيل لمالك :حدّث عطاف، قال: أو قد فعل؟ ليس هو من إبل القباب . وقال محمد بن سليمان عن مطرف قال: قال مالك : عطاف يحدّث؟ قلت: نعم، قال: فأعظم ذلك إعظاما شديدا . السابع: قوله في عطاف: ولعلّه أحسن حالا من عبد الحميد غير صحيح؛ لأنّ عبد الحميد خرج حديثه الشيخان في صحيحيهما على سبيل الاحتجاج، وعطاف لم يخرّج له أحد اشترط صحة فيما رأيت واللَّه تعالى أعلم . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث عبد الحميد هذا، قال: أصله صحيح، ورواية العباس بن سهل عن أبي حميد مرسلة.

482

37 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب، حدثني جعفر بن سليمان الضبعي حدثني علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يستفتح صلاته يقول: سبحانك اللّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك . هذا حديث رواه أبو عيسى بلفظ: كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبّر، ثم يقول، وفي آخره: الله أكبر كبيرًا، ثم يقول: أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم قال: قد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي . وقال أحمد : لا يصح هذا الحديث، وكذا ذكره السعدي عن أحمد وفيه نظر؛ لأنه مخرّج في مسنده، وهو لا يخرج غير صحيح عنده كما أسلفناه من كلام أبي موسى، فقال: حدّثنا ابن آتش، عن جعفر بزيادة: ويقول: لا إله إلا اللَّه ثلاثًا، ويقول: الله أكبر ثلاثًا، ويقول: أعوذ بالله السميع العليم ؛ ولأنّ ابنه عبد اللَّه والمروذي لما سألاه عن هذا الحديث أجاب بغير ما ذكره لفظًا، ومعنى الترمذي، يتبيّن ذلك بإيراد كلاميهما. قال عبد اللَّه بن أحمد : سألت أبي عن حديث أبي سعيد حديث علي بن علي، فلم يحمد أبي إسناده . قال عبد اللَّه: لم يروه عنه إلا جعفر بن سليمان . وفي سؤالات المروذي: سألت أبا عبد اللّه عن استفتاح الصلاة، فقال: نذهب فيه إلى حديث عمر، وقد روي فيه من وجوه ليست بذاك: حديث حارثة، وحديث أبي سعيد حديث علي بن علي، وذكر له حديث جبير بن مطعم، فقال: ما أدفع من هذا شيئًا، وسأل حرب الكرماني أحمد عن علي بن علي؟ فقال: لم يكن به بأس ، وينظر في كلام الترمذي أيضًا في قوله: إنّ يحيى بن سعيد كان يتكلّم في علي، فإني لم أره عند غيره، وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة ووكيع والنسائي ومحمد بن عمار ، وأثنى عليه شعبة وأبو داود وأبو نعيم وعفّان . وقال ابن خزيمة : لا نعلم في هذا خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن إسناد نعلمه روي في هذا خبر أبي المتوكل عن أبي سعيد، ثم ذكره بلفظ: كبر ثلاثا ولا إله إلا الله ثلاثا، قال: ولم نسمع عالماً في الدنيا في قديم الدهر، وحديثه استعمله على وجهه، ولا حكى لنا عمن لم يشاهده . وقال أبو علي الطوسي الحافظ: حديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب. ورواه الدارقطني في سننه بما بيّن أنّ علّته ليست من علي بن علي إنما هي الانقطاع، فقال: حدّثنا إسماعيل بن يونس بن ياسين ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا علي بن علي الرفاعي: قال: ثنا إسحاق وكان يشبه بالنبي - صلى اللَّه عليه وسلم - عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد به، كذا هو في نسختي التي هي بخط المبارك بن كامل الخفاف الحافظ، وأصل سماعه واستظهرت بنسختين صحيحتين فقط، والمعروف أنّ عليًا هو المشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم فلعلّ إسحاق بن أبي إسرائيل هو القائل في علي ذلك، ولكنها في هذه الأصول: ثنا إسحاق كما بينته لك، واللَّه أعلم. وذكر أبو داود علّة ثانية إثر تخريجه إيّاه بزيادة قوله بعد: ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلّا الله ثلاثا. وفي آخره: ثم نقرأ، يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن، والوهم من جعفر. وقال أبو محمد الإشبيلي : هذا أشهر حديث في هذا الباب على أنهم يرسلونه عن علي، عن أبي المتوكل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال أبو الحسن بن القطان : هذا خطأ من القول ولا يعرف هكذا، وإنّما هو إمَّا مسند عن أبي سعيد، وإمَّا مرسل كما قاله أبو داود، وإما عن أبي المتوكل فلا أعلمه . وقال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولا رواه عن أبي المتوكل إلّا علي بن علي، وهو بصري ليس به بأس، روى عنه غير واحد . ولما ذكره ابن طاهر في كتاب التذكرة رده بأنّ عليا كان ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات ، ويشبه أن يكون مراد أحمد في قوله: لا يصح يعني الزيادة التي فيه يدلّ عليه قول الترمذي: وأمّا أكثر أهل العلم فقالوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك .

483

38 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد ثنا محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: كان رسول اللّه - صلى اللَّه عليه وسلم - إذا كبر سكت بين التكبيرة والقراءة قال: فقلت: بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كالثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد . هذا حديث اتفقا على تخريجه، وفي كتاب الميموني عن أحمد، وسأله عن حديث أبي هريرة في الاستفتاح، قال: هذا إسناد جيد، وما أحسن حديث أبي هريرة في الاستفتاح إلّا أنّ عليا يحكي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستفتاح شيئا حسنا بإسناد حسن .

484

39 - حدّثنا علي بن محمد وعبد اللَّه بن عمران ثنا أبو معاوية، ثنا حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة: أن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك . هذا حديث قال فيه الإمام أحمد وسأله عنه أبو طالب : حارثة هو : حارثة بن أبي الرجال ضعيف ليس بشيء . وقال الشافعي: إنّ أول ما نبدأ بقوله وفعله ما كان في كتاب الله تعالى وسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: قد رويت هذا القول عن النبي من حديث بعض أهل مدينتكم، قلنا له ولبعض من حضره: أحافظ من رويت عنه هذا القول، ويحتج بحديثه؟ فقال عامّة من حضره: لا، ليس بحافظ، قال: فقلت: كيف يجوز أن يعارض برواية من لا يحفظ ولا يقبل حديث مثله على الانفراد برواية من يحفظ ويثبت حديثه. قال البيهقي في المعرفة: إنما أراد أبو عبد اللَّه حديث حارثة، عن عائشة . وقال الحافظ أبو علي الطوسي في أحكامه وأبو عيسى: لا نعرفه من حديث عائشة إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلّم فيه من قبل حفظه . انتهى كلاميهما، وفيه نظر؛ لما ذكره أبو الحسن، ثنا ابن صاعد، ثنا أبو الأزهر، ثنا سهل ابن عامر أبو عامر البجلي، ثنا مالك بن مغول، عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد ابن عمير على عائشة، فسألناها عن افتتاح صلاة النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - فذكره. وقال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلّا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وفيه أيضًا نظر؛ لما تقدّم من عند ابن ماجه، ولما ذكره أبو داود عن حسين بن عيسى، ثنا طلق بن غنام، ثنا عبد السلام بن حرب، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة به، ثم قال: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام لم يروه إلا طلق، وقد روى قصة الصلاة جماعة عن بديل لم يذكروا فيه شيئَا من هذا، كذا هو في رواية اللؤلؤي وابن العبد، وابن داسة: جماعة غير واحد. وذكر الدارقطني عنه زيادة: وليس هذا الحديث بقوي . وقال البيهقي في المعرفة: ليس بمحفوظ، وخالف ذلك الحاكم، فقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح الإسناد فذكر حديث حارثة وقال: إن لم يكن مالك يرضاه، فقد رضيه أقرانه من الأئمة، ولا أحفظ في قوله: سبحانك اللّهم وبحمدك أصح من هذين الحديثين . وقال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي : رواته ما علمت فيهم مجروحًا والثقة تقبل زيادته وما ينفرد به. انتهى كلامهما. وفيه نظر؛ لخفاء علّته الحقيقية عليهما، وهي انقطاع ما بين أبي الجوزاء أوس بن عبد الله وعائشة، فإنّه لم يسمع منها شيئَا، نص على ذلك أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب التمهيد والإنصاف، وسيأتي لذلك زيادة بعد . وفي كتاب الكشي عن حجاج، ثنا همام، عن أبان بن أبي عياش، ثنا أبو الجوزاء بلفظ: وأدخل في الصلاة قال: اللَّه أكبر، قال: ونحن نقول: الله أكبر، سبحانك اللّهم وبحمدك، فذكره، وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت وعليك توكلت، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، قال: اللّهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض. فذكر حديثا طويلا نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وفي كتاب أبي الحسن: ثنا محمد بن عمرو بن البختري، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن حارثة بزيادة: ورفع يديه حذو منكبيه، ثم قال الحديث. وفي الباب غير ما حديث من ذلك: حديث جابر بن عبد الله أنّ رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلم: كان إذا استفتح الصلّاة كبر ثم قال: إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق وأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلّا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلّا أنت . رواه أبو عبد الرحمن بإسناد صحيح، عن عمرو بن عثمان، ثنا شريح بن يزيد الحضرمي - يعني الموثق عند ابن حبان - أخبرني شعيب، حدّثني ابن المنكدر عنه، ثم قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حمصي رجع إلى المدينة ثم إلى مكة . وفي السنن للبيهقي: ورواه عبد اللَّه بن عامر الأسلمي : وهو ضعيف عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب كذا قاله. وفي كتاب ابن عدي : رواه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ليس بشيء عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، وكذا ذكره أبو الفضل بن طاهر في كتاب التذكرة تأليفه، ولعلّه أشبه مما قاله البيهقي . وفي كتاب الدارقطني من حديث يزيد بن عبد ربه عن شريح: ومحياي ومماتي وقال: وأنا أوّل المسلمين . قال شعيب: قال لي ابن المنكدر وغيره من فقهاء أهل المدينة: إن قلت أنت هذا فقل: وأنا من المسلمين. وحديث أبي أمامة قال: كان النبي - صلّى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث مرّات ثم قال: لا إله إلا اللَّه ثلاث مرات وسبحان الله وبحمده ثلاث مرات ثم قال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه . رواه أحمد في مسنده من حديث يعلى بن عطاء عن رجل. وفي رواية: عن شيخ من أهل دمشق أنه سمع أبا أمامة. ورواه أبو نعيم، عن شريك، عن يعلى، حدثني شيخ بالمزابلة عنه. وحديث أنس : كان رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه ثم يقول: سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك . رواه الدارقطني بإسناد صحيح، عن ابن صاعد، ثنا الحسين بن علي بن الأسود العجلي، ثنا محمد بن الصلت، ثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد عنه. وقال ابن الجوزي : رجال إسناده كلّهم ثقات، وكذلك قاله الشيخ موفق الدين بن قدامة، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عنه قال: هذا حديث كذب لا أصل له ومحمد بن الصلت لا بأس به، كتبت عنه . وحديث عمر بن الخطاب : كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - إذا كبّر للصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك، فإذا تعوذ قال: أعوذ بالله من همز الشيطان ونفخه ونفثه . رواه الدارقطني، عن عثمان بن جعفر بن محمد الأحول، ثنا محمد بن نصر المروزي، ثنا عبد اللّه بن شبيب، ثنا إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن شيبة، عن أبيه، عن نافع، والمحفوظ، عن عمر من قوله: يعني المخرج عند مسلم من حديث عبدة عنه وهو منقطع؛ لأنّ عبدة لم يسمع من عمر فيما قاله أبو علي الجياني. وقال الحاكم : صح عن عمر، وقد أسند، ولا يصح. وقال الدارقطني : كذلك رواه إبراهيم، عن علقمة، والأسود عن عمر. وكذلك رواه يحيى بن أيوب، عن عمرو بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله، وهو الصواب، كذا هو في سننه . وفي العلل ذكر أنّ إسماعيل بن عياش رواه، عن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود عن عمر مرفوعًا، ولقائل أن يقول: الذي رفعه ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة؛ لأنه ممن خرج حديثه أبو عبد اللَّه البخاري في صحيحه فيما ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، ويؤيده قول المروذي: سألت أبا عبد اللَّه عن استفتاح الصلاة، فقال: نذهب فيه إلى حديث عمر، فهذا ترجيح من أحمد له، إذ الحديث عرفًا لا ينطلق غالبا إلّا على مرفوع. ورواية ابن عياش عن شيخه، وليس مدنيا فصلح أن يكون شاهدا واللَّه أعلم، ويؤيده ما ذكره في الأوسط: حدّثنا أحمد بن داود، ثنا ثوبان بن سعيد بن عروة البصري، ثنا علي بن عابس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - يعلمنا إذا استفتحنا الصلاة أن نقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك . وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك، وكان عمر يعلمنا ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله: لم يروه عن أبي إسحاق إلّا علي بن عابس، ولا يروى عن عمر إلّا بهذا السند، ولا يعترض بما ذكره الشّافعي، وقال: من خالفنا افتتح بسبحانك اللّهم وبحمدك . ورواه عن بعض الصحابة، وأصل ما نذهب نحن إليه: ما كان في كتاب اللّه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه واللَّه أعلم لم يبلغه رفعه، ولا رفع هذه اللفظة إلّا على لسان ضعيف، ولو بلغه ما تقدّم لم يقل هذا، والله تعالى أعلم، وكذا قول البيهقي في الكبير: وأصحّ ما روي فيه الأثر الموقوف على عمر سمّاه أثرا، وقول ابن خزيمة صحّ عن عمر لا عن النبي عليه السلام، وحديث خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن جده : أن رسول الله - صلى اللَّه عليه وسلم - كان يقول لنا: إذا صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبين خطيئتي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك أن يصدّ عني وجهك يوم القيامة، اللهم نقّني من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس، اللّهم أحيني مسلمًا وأمتني مسلمًا . ذكره البزار في مسنده، وقد سبق توثيق خبيب وأبيه. وقال الإشبيلي: الصحيح في هذا فعل النبي - صلّى الله عليه وسلم - لا أمره، قال أبو الحسن : لم يبيّن أبو محمد علّة هذا الحديث، وهي الجهل بحال خبيب وأبيه، وضعف خبيب عنده، وحديث أنس المذكور عند مسلم: أيضًا أن رجلًا جاء إلى الصلاة، وقد حفزه النّفس، فقال: اللَّه أكبر، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبا مباركًا فيه، فلما قضى النبي - صلّى الله عليه وسلم - صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فإنه لم يقل بأسا فقال الرجل: أنا، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيّهم يرفعها . وهو غير حديث رفاعة المذكور عند البخاري؛ لأن ذاك إنّما قال هذا لما رفع رأسه من الركوع، وفيه: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول . وحديث ابن مسعود : كان عليه السلام يستفتح الصلاة بسبحانك اللهم وبحمدك . ذكره البيهقي من حديث ليث عن أبي عبيدة عنه، وقال: ليس بالقوي ، وذكره في الأوسط من حديث خصيف عن أبي عبيدة، وقال: لم يروه عن خصيف إلّا عتاب بن بشير، تفرد به يوسف بن يونس الأفطس . وحديث محمد بن مسلمة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا قام إلى الصلاة قال: اللَّه أكبر، وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض إلى آخر الآية. قال أبو حاتم: هذا من حديث إسحاق بن أبي فروة ذكره في العلل. وحديث حذيفة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يصلي من الليل فكبّر، فقال: الله أكبر ذا الملك والملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة . رواه الكجي في سننه من حديث رجل من عبس عنه، وذكره أبو نعيم في كتاب الصلاة بسند صحيح على شرط البخاري، عن إبراهيم، عن العلاء بن المسيب، عن طلحة بن يزيد الأنصاري، عن حذيفة : وحديث ابن عمر المذكور في مسند السراج بسند صحيح قال حذيفة : كنا نصلي مع النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - فجاء رجل، فدخل في الصلاة فقال: اللَّه أكبر كبيرا والحمد للَّه كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، فلما قضى النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - الصلاة قال: من صاحب كلام كذا وكذا فقال الرجل: أنا، فقال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماوات . قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - يقول ذلك . زاد أبو نعيم في كتاب الصلاة بسند صحيح على رسم البستي عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الهيثم بن حنش عنه موقوفَا: اللهم اجعلك أحب شيء إلي، وأخشى شيء عندي . ولما ذكر الحاكم في العلوم من حديث ابن عمر من طريق المنذر بن عبد اللَّه الحزامي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار عنه قال: لهذا الحديث علّة صحيحة، والمنذر أخذ طريق المجرّة فيه، وذكر حديثا عن مالك أبي غسان، عن عبد العزيز ثنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي قال: وهذا مخرّج في مسلم ومرسل عطاء قال: كان رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك . رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن أبي الأحوص، عن الحسن بن عبد الملك عنه، ومرسل محمد بن المنكدر قال: كان عليه السلام إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك، لا حول ولا قوة إلّا بك، إنِّي وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين . رواه أيضًا عن عبد الله بن عامر عنه. ومرسل موسى بن أبي عائشة قال: كان عليه السلام إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر ذا الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة . رواه عن حسن بن صالح عنه، وحديث الحكم بن عمير قال: كان رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم - يعلمنا: إذا قمتم إلى الصلاة فكبّروا، وارفعوا أيديكم لا تجاوزا آذانكم، وقولوا: سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك . ذكره الباوردي في كتاب الصحابة من حديث يحيى بن يعلى الأسلمي، عن موسى بن أبي حبيب عنه، يحيى وثقه ابن معين ، وموسى روى عنه جماعة ، وحديث عنبس البلوي أنه صلى، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، عملت سوءا، وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم، فقال عليه السلام: ما خرج آخرها من فيك، حتى نظرت إلى اثني عشر ملكًا يبتدرونها . ذكره أبو موسى في الصحابة من حديث يزيد بن محمد بن يزيد حدثني أبي، عن أبيه، عن الأوزاعي، حدّثني حماد بن أبي سليمان أنّ الحسن حدّثه حدثني ابن لأبي ثعلبة: أنّ أباه أخبره به، وحديث أبي سعيد الآتي بعد: كان النبي - صلّى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك الحديث. وحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل نائي ونحن في الصلاة، فدخل في الصف، فقال: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فرفع المسلمون رؤوسهم واستنكروا الرجل، وقالوا: من هذا الذي رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال: من هذا العالي الصوت؟ فقيل: هو هذا، فقال: والله لقد رأيت كلامه يصعد في السماء حتى فتح بابًا منها فدخل أظنّه فيها . رواه أبو نعيم أيضًا بسند صحيح على رسم ابن حبان، عن عبيد الله بن إياد بن لقيط، ثنا إياد عن عبد الله بن سعيد عنه، وموقوف أبيِ بكر الصديق، قال ابن أبي شيبة: حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان قال: بلغني عن أبي بكر أنه كان يستفتح بـ سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك . وبنحوه ذكره سعيد بن منصور في سننه وموقوف عمر، ذكره الدارقطني بسند صحيح: أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: فذكره وفي آخره يسمعنا ذلك . وقال الضحاك في تفسير قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال: حين تقوم إلى الصلاة، فتقول: سبحانك اللّهم وبحمدك إلى آخره. قال أبو عيسى: وعليه العمل عند أهل العلم من التابعين وغيرهم. وقال عبد الله عن أبيه أحمد: الذي تعلمنا حديث عمر، وقال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الشيخ المجدّ: هذا اختيار الجمهور. وكان أبو يوسف يجمع بين قوله: سبحانك اللّهم وبحمدك، وبين قوله: وجّهت وجهي وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي حامد الشافعيين، واستحب الشّافعي حديث علي الآتي بعد. وفي كتاب القواعد لابن رشد: ذهب قوم إلى أنّ التوجيه مستحب لا واجب. قال البغوي في أحاديث الاستفتاح: بأيها استفتح حصل له سنة الاستفتاح، قال: والأفضل عند الشافعي حديث علي، فإن كان إماما لم يزد عليه. وفي المصنف، عن ابن مسعود: أحب الكلام إلى اللَّه تعالى ما قاله أبونا حين اقترب: سبحانك الله وبحمدك إلى آخره. وفي لفظ: أحب الكلام إلى اللَّه أن يقول الرجل ذلك وفيه زيادة: ربّ إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت . وقوله: إسكاتة زنة إفعالة من السكوت. قال ابن التين: معناه سكوت يقتضي بعده كلامًا، أو قراءة مع قصر المدة وهي مكروهة عند مالك؛ لأن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - لما علّم الأعرابي قال: كبّر ثم اقرأ، ثم اركع . وقال أنس: كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله. وذكر القاضي بن العربي، عن مالك أنّه كان يقول كلمات عمر بعد التكبير، ومعنى قوله: بالماء والثلج والبرد أنها أمثال، ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنّما أراد التأكيد في التطهير. ويستدلّ به لمن ذهب إلى المنع من الماء المستعمل؛ لأنه يقول: إنّ منزلة الخطايا المغسولة بالماء بمنزلة الأوضار الحالة في الماء، والمغسولات المانعة من التطهير، ذكره الخطابي. وفي حديث أبي حميد : رد لما قاله ابن حزم من أنه لم يرد لفظ: اللَّه أكبر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني صحيحة؛ لأنه قد صحح هذا الإسناد فيلزمه العمل به، وفيه أيضًا دلالة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام . قال ابن المنذر: وهو إجماع، ونقل العبدري، عن الزيدية أنه لا ترفع ولا يعتد بخلافهم، ونقل المتولي عن بعض العلماء وجوبه. وفي فتاوى القفال عن أبي الحسن أحمد بن سيار المروزي مثله، وقال ابن حزم بفرضيته ونقل إيجابه عن الأوزاعي، وفي القواعد: ومنهم من أوجبه عند الاستفتاح. وعند الركوع، وعند الارتفاع، ومنهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين، وعند السجود، بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع فيها. قال الطحاوي: يرفع ناشرا أصابعه مستقبلًا بباطن كفيه القبلة مستدلًا بما رواه الطبراني في الأوسط من حديث محمد بن حرب، ثنا عمير بن عمران، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر يرفعه: إذا استفتح أحدكم، فليرفع يديه، وليستقبل بباطنهما القبلة فإنّ اللَّه تعالى أمامه . وفي المحيط: ولا يفرج بين الأصابع تفريجا، وفي الحاوي للماوردي: يجعل بطن كلّ كف إلى الأخرى، وعن سحنون: ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض. وقال القابسي: يقيمهما منحنيتين شيئًا يسيرًا. وفي المهذب: يستحب تفريق الأصابع، ونقله المحاملي عن أصحابهم مطلقا. وقال الغزالي: لا يتكلف ضما ولا تفريقا بل يتركهما على هيئتهما. وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا. وقال ابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه ويضم بعضها إلى بعض. وفي كتاب الذخيرة: يرفع ثم يكبّر. قال في المبسوط: عليه أكثر مشائخنا، وقال خواهر زاده: يرفع مقارنا للتكبير، وبه قال أحمد، وهو المشهور من مذهب مالك. وقال النووي: الصحيح أن يكون ابتداء الرفع من ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه، وهو المنصوص، وقيل: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين، وقيل: يرفع بلا تكبير ثم يكبّر ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير، وهذا مصحح عند البغوي، وقيل: يبتدئ بهما معًا، وينتهي التكبير مع انتهاء الإرسال، وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء، وهذا مصحح عند الرافعي. وزعم ابن بطال أن رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: حكمته أن يراه الأصم فيعلم دخوله في الصلاة، والتكبير أن يسمعه الأعمى، فيعلم بالدخول في الصلاة، وقيل: انقياد، وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بالكلية إلى الصلاة، ويكبّر مرة واحدة. وقالت الرافضة: ثلاًثا، واختلف في المكان الذي يصلى فيه برفع يديه. فذكر ابن عبد البر أن الآثار اختلفت عن النبي - صلّى الله عليه وسلم - وعن أصحابه في كيفية الرفع، فروي عنه الرفع مدًا فوق الأذنين مع الرأس، وروي أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه، وروي أنه كان يرفعهما حذو منكبيه، وروي أنه كان يرفعهما إلى صدره، وكلها آثار محفوظة مشهورة، وفي هذا دلالة على التوسعة . وقال صاحب المحيط: حذا أذنه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتيهما، وبرؤوس أصابعه فروع أذنيه. وقال الشافعي في الأم، والإمام أحمد، ومالك، وإسحاق: حذو منكبيه. وقال النواوي: يريد تحاذي راحتاه منكبيه، وهكذا قاله المتولي والبغوي وغيرهما، وأمّا قول الغزالي: فيه ثلاثة أقوال، فلا يعرف لغيره، ونقل إمام الحرمين قولين آخرين: الأول: يرفع يديه حذو المنكبين. والثاني: حذو الأذنين وفيه غرابة. وقال ابن قدامة: هو مخيّر في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه. وفي كتاب أبي داود بسند ضعيف، عن طاوس : كان يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه، وقال: رأيت ابن عباس يصنعه ولا أعلم إلا أنّه قال: كان عليه السلام يصنعه . قوله: ولا يقنع، أي: لا يرفع رأسه حتى يكون أعلا من ظهره، وقد أقنعته يقنعه إقناعًا، ومنه قوله تعالى: مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ أي: رافعي رؤوسهم. وقال نفطويه: يقال: أقنع برأسه إذا نصبه لا يلتفت يمينا ولا شمالًا، وجعل طرفه موازيا لما بين يديه، وقوله: يفتخ بالخاء المعجمة، أي: ينصبها، ويغمز موضع المفاصل منها، ويثنيها إلى باطن الرجل فيوجهها نحو القبلة. وقال الأصمعي: أصل الفتخ اللين، ومنه قيل العقارب: فتخاء لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها. وقال أبو العباس: فتخ أصابعه أي ثناها، وقوله: هصر ظهره، أي: ثناه وعطفه للركوع، وأصل الهصر: أن يأخذ برأس العود فيثنيه لليد ويعطفه. وقوله: صافح بخده، أي: غير مبرز صفحة خدّه ولا مائل في أحد الشقين.

485

باب ما يقال عند التشهد، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 136 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال . هذا حديث روياه في صحيحيهما، ولفظ البخاري: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو: اللهمَ إني أعوذ بك من عذاب القبر إلى آخره .

486

137 - حدثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرجل: ما تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ! فقال: حولها ندندن وخرجه أيضًا في الدعوات بنحوه. هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه عن يوسف بن موسى بلفظه، وزاد الدندنة: الكلام الذي لا يفهم، وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي الباب أحاديث لا تحصى كثرة؛ منها: حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وحديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم . وفي لفظ: ما صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة بعد أن أنزلت عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلّا يقول فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي خرجاهما في صحيحيهما. وحديث ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات خرجه مسلم. وحديث عائشة، وقال لها فروة بن نوفل: حدثيني بشيء كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به في صلاته، فقالت: كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل رواه النسائي، وهو في مسلم من غير ذكر: الصلاة . وحديث محجن بن الأدرع قال: دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد وهو يقول: اللهم إني أسألك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال: فقال: قد غفر له ثلاثا . رواه ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الصمد عن أبيه عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن حنظلة بن علي عنه، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، وقال أبو القاسم ابن عساكر في كتاب الأطراف: رواه مالك بن مغول، عن ابن بريدة، عن أبيه . وحديث شداد بن أوس: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأستغفرك لما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم رواه أحمد في مسنده عن رجل من بني حنظلة قال: صحبت شدادا فذكره، ولفظ النسائي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في صلاته: رواه بإسقاط الحنظلي. وحديث عمار بن ياسر: وصلى صلاة، فأوجز فيها فأنكروا ذلك، فقال: ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلى، قال: أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، ومن فتنة مضلّة، اللهم زينا بزينة الإِيمان، واجعلنا هداة مهتدين رواه النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن أبيه عنه، وحديث ثوبان الآتي بعد من عند ابن ماجه. وحديث أبي طلحة قال: جاءت أم سليم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي، قال: تسبحي الله عشرًا، واحمديه عشرًا وكبّريه عشرا، ثم سليه حاجتك يقل: نعم خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وقال الحاكم وخرجه من حديث أنس أن أم سليم به: صحيح على شرط مسلم، وحديث عبيد بن القعقاع قال: رمق رجل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي فجعل يقول في صلاته: اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني رواه الإِمام أحمد في مسنده، أما الحديث الأول فقال بوجوبه ابن حزم وغيره، وفيه إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق أجمعين، وقد أسلفنا بطلان قول من زعم أن المعتزلة خالفت في ذلك، وقوله: من فتنة المحيا والممات أي الحياة والموت، ويحتمل زمان ذلك، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار والمساءلة في القبر، فكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل الثبات فيهما، وأراد أن يقتدي به أمته؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معافى من جميع ذلك. وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون تعوذ من ذلك لأمته، وزعم أبو الخطاب ابن دحية رحمه الله تعالى أن المسيح الدجال مشتق من الكذب، وقيل: من طلي البعير بالقطران، سمي بذلك لتغطيته الحق، وقيل: لضربه نواحي الأرض، وقيل: لوطئه جميع البلاد إلا ما خصّ بالحديث، وقيل: لأنه يغير الناس بشره، وقيل: لأنه يحرق، وقيل: لأنه يموه، وقيل: مأخوذ من ماء الذهب الذي يطلى به الشيء، فيحسن ظاهره بخلاف باطنه، وقيل: الدجال فريد السيف، وسمي مسيحا لأنه ممسوح العين، وقيل: لجولانه في الأرض، قال: ومنهم من يقرأه بكسر الميم وتثقيل السين، وحكى الأزهري: مِسِّيح بالتّشديد على وزن فِعِّيل وعن أبي عمرو: منهم من قاله بالخاء المعجمة وذلك كله عند أهل العلم خطأ، وقيل عنه: مسيحا: لا عين له ولا حاجب، قيل: سمي الدجال مسيحا شبه بالدرهم الأطلس الذي لا نقش عليه، والله تعالى أعلم، وقد ذهب أبو حنيفة وأحمد - رحمهما الله تعالى - إلى أنّه لا يجوز أن يدعو في الصلاة، إلا بالأدعية المأثورة لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن وبالقياس على ردّ السلام وتشميت العاطس، ويردّه ما في سنن النسائي وغيره مما أسلفناه مرفوعا ثم ليدعو لنفسه بما بدا له، وهذا هو مذهب الشافعي ومالك والثوري وأبي ثور، وإسحاق، رحمهم الله تعالى.

487

139 - حدثنا علي بن محمد، ثنا عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حلّق بالإِبهام والوسطى، ويرفع التي تليهما يدعو بها في التشهد . هذا حديث خرجه ابن حبان في صحيحه، وكذا ابن خزيمة بإسناده مطولًا، وقد تقدّم بعضه

488

140 - حدثنا محمد بن يحيى، والحسن بن علي، وإسحاق بن منصور، ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فيدعو بها واليسرى على ركبته باسطها عليها . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وعند أحمد من حديث كثير بن زيد وفيه ضعف ، عن نافع عنه: أنه كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه، وأتبعها بصره، وقال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هي أشد على الشيطان من الحديد يعني: السبابة . وعند البخاري: السنة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى فقيل له: إنك تفعل ذلك - يعني: التربع - فقال: إن رجلي لا تحملاني . وعند النسائي بسند صحيح قال: وأشار - يعني: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأصبعه اليمنى التي تلي الإبهام في القبلة ورمى ببصره إليها أو نحوها . وفي الأوسط: نصب يديه على رَكبتيه ثم يرفع أصبعه السبابة، وباقي أصابعه على يمينه مقبوضة كما هي وقال: لم يروه عن عبيد الله بن عمر، عن ابن دينار إلّا هشام بن يوسف. وفي الباب: حديث عبد الله بن الزبير: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى رواه مسلم، زاد ابن خزيمة: لا يجاوز بصره إشارته وعند النسائي: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا جلس في الثنتين، أو في الأربع يضع يديه على ركبتيه ثم أشار بأصبعه . وعند أحمد: لم يجاوز بصره وعند أبي داود: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها وفي لفظ: أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو كذلك ويتحامل بيده اليسرى على فخذه اليسرى وعند أبي نعيم الحافظ: ثم أشار بأصبعه يدعو ربه ويسأله، فإذا سلّم قال: لا إله إلا الله وحده الحديث، وحديث خفاف بن إيماء بن رحضة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا صلى نصب أصبعه السبابة يوحّد بها ربه تعالى رواه الإمام أحمد من حديث رجل مجهول عنه . وحديث أبي قتادة من عنده أيضًا قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا جلس في الصلاة وضع يده على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه . وحديث أبي حميد المذكور قبل من ابن خزيمة بلفظ: ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها، وقال: لم يقل يحركها غير زائدة، وحديث أبي هريرة : نظر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل يشير بإصبعيه فقال: أحد أحد قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين إلا مخلد بن حسين، تفرد به مسلم الجرمي. وحديث ابن عباس: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: هكذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مدًا رواه أبو داود مرفوعا، وموقوفا، قال الخطابي: في هذا إثبات الإشارة بالسبابة، وكان بعض أهل العراق لا يرى ذلك، وفيه إثبات التحليق بالإبهام والوسطى، وكان بعض أهل المدينة لا يرى ذاك، وقال: يقبض أصابعه الثلاث ويشير بالسبابة، وكان بعضهم يرى أن يحلِّق فيضع أنمله الوسطى بين عقدي الإبهام، وإنّما السنة أن يحلِّق برؤوس الأنامل من الإبهام والوسطى حتى يكون كالحلقة المستديرة، لا يفصل بين جوانبها شيء، انتهى، قد تقدَّم من عند مسلم خلاف ما ذكره، وهو معتمد أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.

489

باب الإِشارة في التشهد 138 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن عصام بن قدامة، عن مالك بن نمير الخزاعي، عن أبيه قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واضعا يده اليمنى على فخذه اليمنى في الصلاة، ويشير بإصبعه . هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه بلفظ: رافعا أصبعه قد حناها شيئا وابن خزيمة أيضا ولفظه: واضعًا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، رافعا أصبعه السبابة قد حناها شيئًا وهو يدعو وعاب القطان على أبي محمد سكوته عنه، وقال: ما مثله صحيح، فإنه لا يروي عن نمير إلا ابنه مالك، ومالك لا تعرف له حال ولا نعلم روى عنه غير عصام بن قدامة، ولا نعرف لنمير هذا إلا هذا الحديث ولا عرفت صحبته من قول غيره.

490

142 - حدثنا محمود بن غيلان، ثنا بشر بن السري عن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزبير، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن عامر بن سعد، عن أبيه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يسلم عن يمينه وعن يساره . هذا حديث خرجه مسلم بزيادة: حتى أرى بياض خدّه زاد ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما لما خرجاه: قال الزهري: لم أسمع هذا من حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال إسماعيل بن محمد: أكل حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعته؟ قال: لا، قال: فالثلثين؟ قال: لا، قال: فالنصف؟ قال: لا، قال: فهو من النصف الذي لم تسمع. وعند الدارقطني : يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده، وعن يساره حتى يرى بياض خده وقال: هذا إسناد صحيح، وقال أبو عمر في الاستذكار: رواه الدراوردي عن مصعب عن إسماعيل بن محمد : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة وقد أخطأ فيه إذ رواه على غير ما رواه الناس، وهو وهم عند أهل العلم بالحديث وغلط .

491

143 - حدثنا عليّ بن محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر عن عمار بن ياسر قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسلم عن يمينه، وعن يساره حتى يرى بياض خدَّه: السلام عليكم ورحمة الله . هذا حديث إسناده صحيح، وقال الترمذي في كتاب العلل الكبير: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: الصحيح: عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، عن عمار فعله قلت له: فحديث أبي بكر بن عياش هذا؟ قال: كان ذاك البائس يحيى الحماني يروي هذا عن أبي بكر بن عياش، انتهى، وابن ماجه عنده: يحيى بن آدم عن ابن عياش، والدارقطني، والطبراني: محمد بن أبان الواسطي، وسعيد بن سليمان، والترمذي: فضالة بن المفضل عنه، والله تعالى أعلم، وكان في الأصل المنقول منه: صلة عن عمار، فكشط وجعل حذيفة اتباعا لما ذكره ابن عساكر ومن بعده، وكأنه غير جيّد، وذلك أنّ الدارقطني ذكر هذا الحديث بعينه كما أسلفناه من حديث فضالة في مسند عمار، ولم يذكر حديث حذيفة، وكذا فعله الترمذي، والطوسي لما عدّوا رواة حديث الباب ذكرا عمارًا ولم يذكرا حذيفة، والله أعلم، وقد سبق ذكره عن البخاري، وممن نصّ عليه أيضًا أبو محمد بن حزم وأبو عمر في الاستذكار وغيرهما، وممن ذكره أيضًا في مسند عمار الطبراني في معجمه، وابن منيع وغيرهما ممن لا يحصى كثرة.

492

باب التسليم 141 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عمر بن عبيد، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم عن يمينه، وعن شماله حتى يُرى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله . هذا حديث خرجه أبو علي الطوسي، والترمذي وقالا: حسن صحيح، والعمل عليه، وهو قول سفيان بن سعيد، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عمر بن عبيد، وفي مسلم من حديث أبي معمر: أنّ أميرًا كان بمكة يسلم تسليمتين، فقال ابن مسعود: أنّى علقها إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعله . وفي الأوسط من حديث الدالاني عن الحكم، عن أبي معمر عنه: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسلم عن يمينه، وعن يساره حتى يرى بياض خديه وقال: لم يروه عن الحكم إلا الدالاني، تفرد به عبد السلام بن حرب. وفي سنن الدارقطني من حديث زهير عن أبي إسحاق: ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك، وعند أبي قرة يقول: السلام عليكم من كلا الجانبين، وكان ابن مسعود يفعل ذلك.

493

144 - حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي موسى قال: صلى بنا علي يوم الجمل صلاة ذكرنا صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإما أن نكون نسيناها، وإما أن نكون تركناها؛ يسلم عن يمينه وعن شماله . هذا حديث إسناده صحيح، وفي الباب: حديث أشعث بن شعبة، عن المنهال بن خليفة عن الأزرق بن قيس قال: صلى بنا أبو رمثة فقال: شهدت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ثم سلم عن يمينه، وعن يساره حتى رأينا وضح خديه، ذكره أبو القاسم في الأوسط، وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي رمثة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أشعث . وحديث وائل بن حجر قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته رواه أبو داود بسند صحيح . وحديث واثلة بن الأسقع: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى خداه وحديث سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم إذا فرغ من صلاته عن يمينه وعن يساره رواهما الشافعي من حديث إبراهيم بن محمد، وعنده أيضًا: أنبأ الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني، عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع قال مرة: عن ابن عمر، ومرة: عن عبد الله بن زيد: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم عن يمينه وعن يساره . ولما ذكر أبو عمر حديث واسع عن ابن عمر في الاستذكار قال: هذا إسناد مدني صحيح، وحديث جابر بن سمرة مرفوعا من عند مسلم مطولا، وفيه: إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذيه، ثم يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله . وحديث البراء بن عازب ذكره وكيع عن حريث، عن الشعبي عنه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم تسليمتين رواه الدارقطني عن ابن أبي داود: ثنا عمرو بن علي، ثنا عبد الله بن داود، عن حريث وفيه كلام شديد . وحديث أبي مالك الأشعري وقال: لأصلين بكم صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكره ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله، قال الطبراني : لم يروه عن قرة بن خالد - يعني: عن بديل بن ميسرة - عن شهر بن حوشب عنه إلا عبد الأعلى، انفرد به عياش الرقام .

494

129 - حدثنا الحسن بن زياد، ثنا المعتمر، وثنا يحيى بن حكيم، ثنا محمد بن بكر قالا: ثنا أيمن بن نابل، ثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن: باسم الله وبالله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار . ذا حديث قال فيه الحاكم لما خرجه في مستدركه: صحيح على شرط البخاري ومسلم ؛ لأن أيمن احتج به محمد وقال حمزة الكناني في رواية سنن النسائي: قوله: عن جابر خطأ، والصواب: أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاوس عن ابن عباس، هكذا رواه عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير مثل ما روى الليث، وقال الترمذي في الجامع، وأبو علي الطوسي في الأحكام: حديث أيمن غير محفوظ، وقال الشيرازي في المهذب: ذكر التسمية غير صحيح عند أصحاب الحديث، وكذا قاله البغوي في شرح السنة، وقال أبو القاسم ابن عساكر : رأيت بخط النسائي : لا نعلم أحدًا تابع أيمن على هذا الحديث، وخالفه الليث بن سعد، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وقال أبو الحسن الدارقطني : أيمن خالف الناس لو لم يكن إلا حديث التشهد ، وقال أبو الوليد الباجي في كتاب الجرح والتعديل: غمزه غير يحيى لحديثه عن أبي الزبير في التشهد ، ولما ذكره الإشبيلي لم يعبه إلّا بتدليس أبي الزبير، وبكونه لم يبيّن سماعه من جابر فيه ، وقال الشَّافعي : وقد روي عن ابن مسعود وجابر وأبي موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد أحاديث كلَّها يخالف بعضها بعضًا، واختلافها إنما هو اختلاف في زيادة حرف أو نقصه، وإنما أخذنا بهذا؛ لأنا رأيناه أجمعها وهو أحبها إلينا؛ لأنّه أكملها، زاد في كتاب اختلاف الحديث: واحتمل أن يكون كلَّها ثابتة، وأن يكون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم الجماعة والمنفردين التشهد فيحفظه أحدهم على لفظ، ويحفظه الآخر على لفظ يخالفه، لا يختلفان في معنى أنه أريد به تعظيم الله تعالى، وذكر أبو الفضل بن طاهر في كتابه أطراف الغرائب أنّ أبا عاصم رواه عن عزرة بن ثابت - أو ابن جريج - عن أبي الزبير عن جابر، وقال: حديث غريب، تفرد به حميد بن الربيع عن أبي عاصم . انتهى. وقد وجدنا لحديث أيمن في التسمية متابعا من حديث علي الآتي بعد، وموقوف عمر، وحديث عائشة، وفي الباب: حديث رواه أمية بن خالد، ثنا شعبة عن خالد الحذاء قال: أنا علمت ابن سيرين التشهد، حدثته عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذ بتشهدي، وترك تشهده . قال الطبراني في الأوسط: لم يروه إلّا أمية، ولا رواه عن أمية إلا أمية بن بسطام، وموسى بن محمد بن حيان، وإبراهيم بن هاشم، وفي المصنف: ثنا ابن علية، عن خالد، عن أبي المتوكل: سألنا أبا سعيد عن التشهد فقال: التحيات لله مثل حديث ابن مسعود لم يذكر: وبركاته، وفي آخره: قال أبو سعيد: كنا لا نكتب شيئا سوى القرآن والتشهد. وحديث أبي الحسن علي بن أبي طالب : التحيات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات والزاكيات والناعمات السابغات الطاهرات لله، قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن عبد الله بن عطاء، يعني عن البهزي قال: سألت الحسين عن تشهد علي فقال: هو تشهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكره إلا عمرو بن هاشم. وفي البيهقي من طريق سعدان بن نصر، ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي أنه كان إذا تشهد قال: بسم الله، قال البيهقي: وروي عن وكيع والأعمش عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي مثله، وزاد: وبالله، وفي الأوسط من حديث عامر بن إبراهيم قال: تفرد به عن نهشل بن سعيد الترمذي عن الضحاك بن مزاحم، عن الحارث عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا صلاة لمن لا تشهد له . وفي الاستذكار : روي عن علي تشهد هو أكمل هذه الروايات كلها، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: روى أبو عوانة عن الحكم عن عاصم، عن علي : إذا قعد المصلي قدر التشهد، فقد تمت صلاته قال أبي : هذا حديث منكر لا أعلم روى الحكم عن عاصم شيئا، وقد أنكر شعبة على أبي عوانة روايته عن الحكم فقال: لم يكن ذلك الذي لقيه الحكم، قال أبي: ولا يشبه هذا الحديث حديث الحكم. وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علمه: التحيات الصلوات الطيبات المباركات لله السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله . قال أبو القاسم في الأوسط: لا يروى عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر إلّا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة وفي الموطأ عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري: أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال أبو عمر في الاستذكار: لما علم مالك أنّ التشهد لا يكون إلا توقيفا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختار تشهد عمر؛ لأنه كان يعلّمه الناس وهو على المنبر من غير نكير من أحد من الصحابة، وكانوا متوافرين في زمانه، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال: ليس كما وصفت، وفي تسليمهم له ذلك مع اختلاف رواياتهم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دليل على الإِباحة والتوسعة فيما جاء عنه في ذلك - صلى الله عليه وسلم مع أنه أمر متقارب كلّه قريب المعنى، بعضه من بعض، إنما فيه كلمة زائدة في ذلك المعنى أو ناقصة، وقال السفاقسي: هو خبر يجري مجرى التواتر؛ لأن الصحابة أقروه عليه، ولو كان غيره يجري مجراه لقال له الصحابة: ضيقت واسعا، وقال ابن حزم: اختار مالك تشهد عمر الموقوف، وقد خالف عمر فيه ابنه وفي سنن البيهقي من حديث الدراوردي عن هشام، عن أبيه أن عمر كان يعلم الناس التشهد في الصلاة وهو يخطب على المنبر فيقول: إذا تشهد أحدكم فليقل: بسم الله خير الأسماء، التحيات الزاكيات فذكره، وفيه: قال عمر: ابدؤوا بأنفسكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا على عباد الله الصالحين، قال البيهقي: ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري وهشام، عن عبد الرحمن بن عبد عن عمر، وذكر فيه التسمية: بسم الله خير الأسماء، وزاد وقدم وأخر ورواه مالك ومعمر ويونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب لم يذكروا فيه التسمية وقدموا كلمتي التسليم على كلمتي الشهادة، زاد معمر: وكان الزهري يأخذ به ويقول: علمه الناس على المنبر والصحابة متوافرون ولا ينكرونه، قال معمر: وأنا آخذ به، وذكر الحاكم التسمية فيه من رواية القعنبي عن الدراوردي عن هشام، عن أبيه، وقال: صحيح على شرط مسلم، وإنما ذكرته لأن له شاهدا على ما شرطنا في الشواهد، ورواه في المصنف عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام به، وثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي أنه كان يقول إذا تشهد: بسم الله خير الأسماء اسم الله، وحديث عائشة: بسم الله، التحيات لله، الصلوات لله، الزاكيات لله الحديث، قال البيهقي : والرواية الصحيحة عن عبد الرحمن بن القاسم، ويحيى ابن سعيد عن القاسم عن عائشة، ليس فيها ذكر التسمية إلّا ما انفرد بها محمد بن إسحاق، يعني عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، قال البيهقي : وروي عن محمد بن صالح بن دينار عن القاسم بن محمد مرفوعا بلفظ: هذا تشهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التحيات لله إلى آخره . وفي آخره: قال محمد بن صالح: قلت: بسم الله، فقال القاسم: بسم الله كل ساعة والصحيح موقوف، وكذا قاله الدارقطني أيضا، ورواه مالك موقوفا فيه: وحده لا شريك له وحديث سمرة بن جندب من عند أبي داود بسند صحيح على شرط ابن حبان قال: أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدؤوا قبل السلام فقولوا: التحيات الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلموا على اليمين ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم . وفي المصنف: ثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنهما - كان يعلمهم التشهد على المنبر، كما يُعلم الصبيان في الكتاب: التحيات لله والصلوات والطيبات الحديث. وحدثنا ابن عمر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد: التحيات لله الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته قال ابن عمر: وزدت فيها: وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله قال ابن عمر: زدت فيها: وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رواه أبو داود بسند صحيح عن نصر بن علي، عن أبيه عن شعبة، عن أبي بشر قال: قال سمعت مجاهدا فذكره، وذكره مالك موقوفا في الموطأ عن نافع عنه، ولفظه: بسم الله، التحيات لله، الصلوات لله، الزاكيات الله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمدا رسول الله، فإذا أراد أن يسلم قال: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم . وفي المصنف: ثنا هشيم، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب، عن ابن عمر : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلم المكتب الوالدان ورواه أبو القاسم من حديث قتادة عنه - يعني: مرفوعا - وقال: لم يروه عن قتادة إلّا أبان بن يزيد، وقد تفرد به سهل بن بكار، ولما رواه الدارقطني، عن ابن أبي داود، ثنا نصر قال: هذا إسناد صحيح، وقد تابعه على رفعه ابن أبي عدي عن شعبة ووقفه غيرهما، ومن حديث : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا التشهد: التحيات، الطيبات، الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي العلل الكبير للترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: روى شعبة عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر، وروى سيف عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، وهو المحفوظ عندي، قلت: كأنه يروى عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويروى عن ابن عمر عن أبي بكر، قال: يحتمل هذا، وهذا، قال محمد: وعبد الرحمن بن إسحاق الذي روى عن وأوقفه ابن أبي عدي. انتهى. وقد تقدّم من عند الدارقطني أن ابن أبي عدي رفعه، فالله أعلم، وحديث أبي هريرة مرفوعًا ؛ كحديث ابن مسعود ذكره ابن بطال في شرح البخاري. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد والثوري، وإسحاق وأبو ثور وابن المبارك فيما حكاه ابن الأثير في شرح المسند، وداود وأصحابه إلى تشهد ابن مسعود، واستدلّ لهم أيضا بأن حديث ابن عباس الذي اعتمده الشافعي قد وقف، كما تقدَّم وبأنه مضطرب، وذلك أنّ الشافعي وأحمد روياه منكر السلام . ورواه أحمد في موضع آخر من مسنده بتعريفه، وعندهما: وأنَّ محمدًا، لم يذكرا: وأشهد، وفي ابن ماجه: وأشهد كما تقدّم، وعند النسائي كمسلم إلا أنه منكر السلام، وقال: وأن محمدًا عبده ورسوله، وفي رواية عند مسلم وأن محمدًا رسول الله وهو عنده معرف السلام في المكانين، وهو مذهب الشافعي بتنكيره، ويرجح تشهد ابن مسعود على حديث ابن عباس بأمور: منها: الأول: أنّه في الكتب الستة وذاك في مسلم. الثاني: أن جماعة من الصحابة وافقوه على روايته. الثالث: حديث أبي بكر كحديث ابن مسعود: وعلمه أبو بكر للناس على المنبر كتعليم الصبيان . الرابع: حديث ابن مسعود ليس فيه اضطراب ولا وقف. الخامس: أن أكثر العلماء والمحدثين قالوا به، واختاروه حتى قال الخطابي: والعجب من الشَافعي كيف اعتمد حديث ابن عباس وترك حديث عبد الله بن مسعود . والسادس: أنّه بواو العطف في مقامين، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون ثناء مستقلا بفائدته، وإذا سقطت واو العطف كان ما عدا اللفظ الأول صفة له، فيكون جملة واحدة في الثناء، والأوّل أبلغ فكان أقوى وأولى، يدلّ على صحة هذا قوله في الجامع: لو قال: والله والرحمن والرحيم كانت أيمانا ثلاثة، ولو قال: والله الرحمن الرحيم كانت يمينا واحدة، يلزمه به كفارة واحدة. السابع: أن السلام فيه معرف في الموضعين، وهو يفيد الاستغراق والعموم. الثامن: فيه زيادة أمره أن يعلّم الناس، والأمر للوجوب، وإذا لم يجب ففيه زيادة استحباب وتأكيد، وليس ذلك في حديث ابن عباس. التاسع: أخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كف ابن مسعود بين كفيه، ففيه زيادة استيثاق واهتمام. العاشر: تشديد ابن مسعود على أصحابه حين أخذ عليهم فيه، وفي المبسوط: عن خصيف قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، فقلت: كثر الاختلاف في التشهد، فماذا تأمرني؟ قال: بتشهد ابن مسعود . وقال الخطابي: فيه إيجاب التشهد، وإليه ذهب الشافعي خلافًا لأبي حنيفة ومالك؛ لأن الأمر للوجوب، روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: من لم يتشهد فلا صلاة له، وبه قال الحسن بن أبي الحسن، وقال الزهري وقتادة وحماد: إن ترك التشهد حتى انصرف مضت صلاته، وقال أصحاب الرأي: التشهد والصلاة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستحب، والقعود قدر التشهد واجب. غريبه: التحيات جمع تحية، وهي السلامة من جميع الآفات، وقيل: البقاء الدائم، وقيل: العظمة، وفي المحكم: التحية: السلام. وقال الخطابي: روي عن أنس في تفسيرها: هي أسماء الله: السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، الأحد، الصمد، قال: التحيات لله تعالى بهذه الأسماء، وهي الطيبات لا يحيا بها غيره. وقال ابن الأثير: قيل: التحيات: كلمات مخصوصة كانت العرب تحيي بها الملوك كقولهم: أبيت اللعن، وأنعم صباحا، وعم ظلاما، وكقول العجم: ذه هزار سال أي: تعيش عشرة آلاف سنة، وكلها لا يصلح شيء منها للثناء على الله فتركت واستعمل معنى التعظيم، فقيل: قولوا: التحيات للّه، أي: الثناء، والعظمة، والتمجيد كما يستحقه ويجب له، وقوله: لله اللام في لله لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن. وقال القرطبي: فيه تنبيه على أن الإخلاص في العبادات والأعمال لا يفعل إلا لله تعالى، ويجوز أن يراد به الاعتراف بأن ملك ذلك كله لله تعالى، وقوله: والصلوات، قيل: أراد الصلوات الخمس، وقيل: النوافل، قال ابن الأثير: والأول أقوى، وقال الأزهري: العبادات، وفي المنافع: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية، وقوله: السلام علينا، أراد الحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة وغيرهم. وقوله: الصالحين: جمع صالح، قال الزجاج: وهو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، قال القرطبي: فيه تنبيه على أنّ الدعاء يصل من الأحياء إلى الأموات، وعن الحربي: معنى السلام على النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله عليك، وتأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات، وسلمت من المكاره والمذام والآفات، وإذا قلنا: اللهم سلم على محمد، إنما نريد: اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص.

495

باب ما جاء في التشهد 126 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، ثنا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود ح، وثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا الأعمش، ثنا شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا صلينا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبرائيل وميكائيل وعلى فلان وفلان، يعنون الملائكة عليهم الصلاة والسلام، فسمعنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن الله هو السلام، فإذا جلستم فقولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله هذا حديث خرجه الأئمة الستة. وفي المنتقى لابن الجارود: السلام على إسرافيل وفي المصنف: ما كنا نكتب على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الحديث إلّا التشهد والاستخارة، وقال الترمذي : هو أصح حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الخطابي : أصح الروايات وأشهرها رجالا تشهد ابن مسعود، وقال ابن المنذر والطوسي : قد روي حديث ابن مسعود من غير وجه وهو أصح حديث روي في التشهد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقال ابن عبد البر : بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم؛ لثبوت نقله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال علي ابن المديني : لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن عبد الله، وأهل البصرة عن أبي موسى، وبنحوه قاله ابن طاهر . وقال النووي : أشدّها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود، ثم حديث ابن عباس، وعند البخاري: ثم ليتخيّر من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به وعند مسلم: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا ذات يوم: إن الله هو السلام . وفي الأوسط للطبراني: ثنا إبراهيم بن أحمد الوكيعي، ثنا أبي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب، عن أبيه قال: كان ابن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال الرجل: وحده لا شريك له، فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمناه وقال: لم يروه عن العلاء إلا المفضل، تفرد به يحيى بن آدم . وفي مسند البزار: أنّ عبد الله كان يعلم رجلا التشهد: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال الرجل: وأن محمدا عبده ورسوله، فأعادها عبد الله عليه مرات كلّ ذلك يقول: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال عبد الله: هكذا عُلِّمنا وهذا الحديث إنما أدخلته المسند؛ لأنه قال: هكذا عُلِّمنا. وعند الطبراني من حديث أبي حمزة عن إبراهيم عن علقمة عنه : كان النبيِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا التشهد، ويقول: تعلموا، فإنه لا صلاة إلا بتشهد وقال: لم يروه عن أبي حمزة إلا صغدي بن سنان، وعند أبي داود من حديث أبي الأحوص عنه: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قْد علم، وعن أبي وائل عنه من عند الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وله شاهد من حديث ابن جريج عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل : وكان يعلمنا - يعني: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلمات ولم يكن يعلمناهن، كما يعلمنا التشهد: اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، قابلين لها وأتمها علينا . ومن حديث زهير ثنا الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عند أبي داود: أن عبد الله أخذ بيده، وأنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ بيد عبد الله، فعلمه التشهد فذكر مثل حديث الأعمش المذكور، وفيه: إذا قلت هذا، أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد . قال الدارقطني : رواه زهير بن معاوية عن ابن الحرّ، فزاد في آخره كلامًا - يعني: هذا - وأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام عبد الله، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه؛ لأن ابن ثوبان رواه عن الحسن كذلك وجعل آخره من قول عبد الله، ولاتفاق حسين الجعفي وابن عجلان ومحمد بن أبان في روايتهم عن الحسن على ترك ذكره في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وغيره عن عبد الله على ذلك. وقال البيهقي : ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهم من قول ابن مسعود أدرج في الحديث، وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك كان قبل أن ينزل التسليم، وقال الخطيب في كتابه الفصل للوصل المدرج في النقل: قوله: إذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك إلى آخره، ليس من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنّما هو قول ابن مسعود، أدرج في الحديث، وقد بينه شبابة بن سوار في رواية عن زهير بن معاوية، وفصل كلام ابن مسعود من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وكذلك رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحرّ مُفصلًا مبينًا، وقال الخطابي: قد اختلفوا في هذا الكلام هل هو من كلام ابن مسعود أو من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن صح رفعه ففيه دلالة على أنّ الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد غير واجبة، وقوله: قد قضيت صلاتك يريد معظم الصلاة من القرآن، والذكر والرفع والخفض، وإنّما بقي عليه الخروج منها بالسلام فكنى عن التسليم بالقيام إذ كان القيام إنّما يقع عقيبه، ولا يجوز أن يقوم بغير تسليم؛ لأنه يبطل صلاته لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم وقال الإشبيلي : الصحيح في هذه الزيادة أنها من قول عبد الله، وعند النسائي بسند جيد عن عبد الله قال: قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قولوا في كل جلسة: التحيات . وفي مسند البزار من حديث محبوب بن الحسن عن عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا صلاة إلا بتشهد ثم قال: لا نعلمه يروى من حديث أبي حمزة عن إبراهيم إلا من هذا الوجه بهذا السند، وفي الأوسط : لم يروه عن ميمون إلا صغدي بن سنان، كذا قالاه، وفيه نظر؛ لما أسلفناه من عندهما . وفي مشكل الطحاوي: لم يقل أحد من رواة هذا الحديث عن عبد الله: فلما فرض التشهد قال لنا غير ابن عيينة، قال أبو جعفر: يحتمل أن يراد بالفرض هنا العطية من الله، قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ وفي حديث أبي معمر عن عبد الله: كنا نقول والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيننا: السلام عليك أيها النبي، فلما قبض قلنا: السلام على النبي، قال أبو جعفر: وإنما جاء الغلط في هذا ممن دون أبي معمر؛ لأنه جليل المقدار، وذكر المديني في كتاب الترغيب والترهيب عن سعد بن إسحاق بن كعب قال: كان الصحابة يقولون إذا سلموا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا السلام عليّ وأنا حي، فإذا مت فقولوا: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته . وفي مسند أحمد من حديث أبي عبيدة عن أبيه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علمه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس . وزعم بعض الحنفية أن هذا الحديث بزيادة: إن شئت أن تقوم، رواه أبو داود الطيالسي، وموسى بن داود الضبي، وهاشم بن القاسم، ويحيى بن أبي بكير، ويحيى ابن يحيى النيسابوري وغيرهم متصلا، ورواية من رواه منفصلًا، لا تقطع بكونه مدرجًا لاحتمال أن يكون نسيه ثم ذكره فسمعه هؤلاء متصلًا، وهذا منفصلًا أو أفتى به؛ إذ عادة ابن مسعود الفُتيا والله أعلم. وفي التمهيد: وفي أكثر طرق عبد الله: ورحمة الله وبركاته وأنكر ذلك الطحاوي، وفي مسنده أبي قرة بسند صحيح: فإذا قالها أصابت كل ملك مقرب، وكل نبي مرسل، وكل عبد صالح . وفي سنن الدارقطني بسند فيه عبد الوهاب بن مجاهد ، وهو ضعيف ، فذكر التشهد وفيه: اللهم صل على محمد، وعلى آل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل علينا معهم، اللهم بارك على محمد وعلى أهل بيته كما باركت على آل إيراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك علينا معهم صلوات الله وصلوات المؤمنين على محمد النبي الأمي السلام عليك، ورحمة الله وبركاته قال: وكان مجاهد يقول: إذا سلم فبلغ: وعلى عباد الله الصالحين، فقد سلّم على أهل السماء وأهل الأرض وفي صحيح ابن خزيمة: ثم يسلم وينصرف وفي لفظ: علمني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التشهد في وسط الصلاة، وفي آخرها، فإن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم . ومن حديث أبي عبيدة، عن أبيه من عند الترمذي، وقال: حسن: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف قال: قلنا حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم وعنده أيضًا عن عبد الله قال عليه السلام: من السنة أن يخفي التشهد وقال: حسن غريب، وخرج الحاكم في المستدرك من حديث ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله قال: من السنة أن يخفي التشهد وقال: صحيح على شرط مسلم، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وزاد: عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في التشهد: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا . وفي النسائي من حديث الإفريقي، فيه كلام عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا جلس - يعني الرجل - في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته وفي أبي داود: تمت، وفي البيهقي من حديث عاصم، عن علي مثله، وزعم أبو حاتم الرازي أنه حديث منكر، قال: ولا أعلم روى الحكم عن عاصم شيئا .

496

127 - حدثنا محمد بن رمح أنبأ الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاوس، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وفي النسائي: سلام عليك، سلام علينا بغير ألف ولام، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب، وقال الطحاوي : رواه ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفا، والذي رفعه أبو الزبير وحده، ولا يكافئ الأعمش، ولا منصورا، ولا المغيرة وشبههم ممن روى حديث ابن مسعود، ولا قتادة في حديث أبي موسى، ولا أبا بشر في حديث ابن عمر، وفي المصنف: عن معاذ، عن حبيب بن الشهيد عن محمد عنه بزيادة: البركات.

497

128 - حدثنا جميل بن الحسن، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، ح وثنا عبد الرحمن بن عمر، ثنا ابن أبي عدي، ثنا سعيد وهشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، وهذا حديث عبد الرحمن، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبنا، وبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: إذا صليتم فكان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سبع كلمات هن تحية الصلاة . ذا حديث خرجه مسلم مطولا بصفة الصلاة، وعند النسائي: وحده لا شريك له

498

41 - حدّثنا علي بن المنذر، ثنا ابن فضيل، ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: اللهم إنّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه . قال: همزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن يوسف بن عيسى المروزي، ثنا ابن فضيل، ولما رواه البيهقي قال: قال عطاء: فهمزه: الموتة إلى آخره، ولما رواه الحاكم عن عبد اللَّه بن محمد بن موسى، ثنا محمد بن أيوب أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن فضيل قال: هذا حديث صحيح الإسناد، فقد استشهد البخاري بعطاء وكذا قاله في المدخل: روى هشيم عنه، عن سعيد بن جبير في أول ذكر الحوض، والذي يقوله الكلاباذي أنّ البخاري ذكره مقرونا. وقال ابن سرور: روى له محمد ومسلم في المتابعات. وفي كتاب أبي داود من حديث حميد الأعرج: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وذكرت حديث الإفك قالت: فجلس النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - وكشف وجهه وقال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ الآية ثم قال: هذا حديث منكر، قد روى هذا الحديث، عن الزهري جماعة لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة من كلام حميد . وفي كتاب البيهقي من حديث ابن أبي يحيى: أنّ أبا هريرة أمّ الناس، فرفع صوته: ربنا إنّا نعوذ بك من الشيطان الرجيم في المكتوبة إذا فرغ من أمّ القرآن. قال الشافعي: في روايتنا عن أبي سعيد: وكان ابن عمر يتعوّذ في نفسه، وأيهما فعل أجزأه، وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح قبل أمّ القرآن، وبذلك أقول. وأحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به أجزأه، قال: ويقوله في أول ركعة. وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل أمّ القرآن فحسن، ولا آمر به في شيء من الصلاة أمري به في أوّل ركعة. قال البيهقي: وروينا عن الحسن، وعطاء وإبراهيم: يقوله في أول ركعة. وعن ابن سيرين أنه كان يستعيذ في كل ركعة. زاد ابن حزم: لا نعلم لهؤلاء التابعين مخالفًا، وأبو حنيفة يستحبها في أوّل ركعة فقط. وقال مهنأ عن أحمد: ثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي قال: ليس على من خلف الإمام استعاذة، فقال أحمد: لا نعرف هذا عن الشعبي، ولم يسمعه هشيم من ابن أبي ليلى. وأما الموتة - بلا همز - فزعم ثعلب أنها ضرب من الجنون. وفي الكتاب الواعي: هي شيء يأخذ الإنسان شبه السبات وليس يمحق صاحبه. وقال القزاز: الموتة والموتان: الجنون. وقال اللحياني في نوادره: هي الفشي. زاد ابن سيده: لأنه يحدث عنه سكوت كالموت.وقال أبو نصر: ضرب من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد له كمال عقله كالنائم والسكران، واللَّه أعلم. ولما ذكر البزار حديث ابن عباس بمثل حديث جبير من طريق رشدين، قال: أما همزه: فالذي يوسوسه في الصلاة، وأمّا نفثه فالشعر، وأمّا نفخه فالذي يلقنه من الشبه يعني في الصلاة، ليقطع عليه صلاته، أو على الإنسان صلاته، قال عبد اللطيف بن يوسف: معنى أعوذ بالله: ألجأ إلى اللَّه وألتزم بالله، وأصل عاذ: لزم والتجأ، ومنه قيل للحم الذي يلزق بالعظم ويلزمه: عوذ، وهو جمع عائذ مثل صائم وصوم، وقيل معناه: طلبت الإعاذة. ذكره في كتابه تفسير الفاتحة.

499

باب الاستعاذة في الصلاة 40 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: رأيت رسول الله - صلى اللَّه عليه وسلم - حين دخل في الصلاة قال: اللَّه أكبر كبيرًا ثلاثا، الحمد للَّه كثيرًا، سبحان اللَّه بكرة وأصيلًا ثلاث مرات، اللّهم إنّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه . قال عمرو: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر . هذا حديث خرجه أبو داود، عن ابن جبير بلفظ قال عمرو: لا أدري أي صلاة هي. وفي رواية مسعر، عن عمرو عن رجل، عن نافع بن جبير، عن أبيه، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في التطوع نحوه، كذا هو في رواية اللؤلؤي وابن داسة وابن العبد، وذكره ابن عساكر في كتاب الإشراف في ترجمة محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وليس الحديث عند غير من ذكرناه إنما هو عند أبي داود وابن ماجه، وليس فيهما إلّا ما ذكر آنفا، وكذا ذكره أحمد في مسنده كذا: رواه عن يحيى بن سعيد، عن مسعر، حدثني عمرو، عن رجل، عن نافع، عن أبيه وعن وكيع، ثنا مسعر، عن عمرو، عن رجل من عنزة، عن نافع بن جبير فذكره، ولما ذكره البزار في كتاب السنن تأليفه، عن ابن مثنى وعمرو بن علي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير، وثنا علي بن المنذر، ثنا محمد بن فضيل، ثنا حصين، عن عمرو، عن عباد بن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير بن مطعم، قال: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه، عن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - إلّا جبير بن مطعم. ولا نعلم له طريقا إلّا هذا الطريق. وقد اختلفوا في اسم العنزي الذي رواه، عن نافع فقال شعبة: عن عمرو عن عاصم. وقال ابن فضيل: عن حصين، عن عمرو، عن عباد بن عاصم، وقال زائدة: عن حصين عن عمرو عن عمار بن عاصم، والرجل ليس بمعروف، وإنما ذكرناه ؛ لأنه لا يروي هذا الكلام غيره، عن نافع بن جبير، عن أبيه، ولا عن غيره يروى أيضًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البغوي: ثنا يزيد أنبأنا شعبة، عن عمرو، عن عاصم، عن نافع بن جبير به، وثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمار بن عاصم، عن نافع، عن أبيه، قال: سمعت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - حين افتتح صلاة الصبح قال الحديث، وكذا ذكره البيهقي وأبو القاسم الطبراني وغيرهم، ولو قدرنا أن واحدا من الأئمة ذكره في ترجمة محمد لما كان مخلصًا له؛ لأنه لا يذكر شيئًا من خارج إلّا أن يكون مستدركًا فيبيّنه، والله أعلم. وذكره أبو محمد في كتابه المحلى مصححًا له من حديث نافع عن أبيه، وذكره أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه، عن عمر بن محمد الهمداني، ثنا ابن بشار ثنا ابن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير، وفرق في كتاب الثقات بين عاصم بن عمير العنزي الراوي عن أنس، والراوي عنه محمد بن أبي إسماعيل وعمرو بن مرّة، وبين عاصم العنزي المذكور في الطبقة الثانية الراوي، عن نافع بن جبير، فقال عاصم العنزي عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه: كان النبي - صلّى الله عليه وسلّم - إذا دخل في الصلاة قال: الله أكبر . قال شعبة: عن عمرو عن عاصم العنزي. وقال مسعر: عن عمرو، عن رجل من بني عنزة. وقال ابن إدريس: عن حصين عن عمرو، عن عباد بن عاصم، عن نافع، وقال عباد بن العوام: عن حصين، عن عمرو، عن عامر بن عاصم، عن نافع، وهو عند ابن عياش: عن عبد الله بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، عن عبد الرحمن بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه بطوله. وفي نسخة: وهو عندي عياش عن عبد العزيز بن عبيد اللّه بن حمزة بن صهيب. وخرجه ابن الجارود في منتقاه. وقال ابن خزيمة : وقد روي عن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا افتتح الصلاة الحديث. إلا أنهم قد اختلفوا في إسناد خبر جبير، وعاصم العنزي، وعباد بن عاصم مجهولان، لا يدرى من هما، ولا نعلم الصحيح ما روى حصين أو شعبة . وقال الحاكم : وذكره من حديث وهب عن نافع، حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه

500

146 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني، ثنا زهير بن محمد عن هشام، عن أبيه عن عائشة: أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه . هذا حديث قال فيه الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، وقد روى وهيب بن خالد عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة: أنها كانت تسلم تسليمة واحدة وذكر ابن خزيمة في صحيحه حديث عائشة المرفوع بزيادة: يميل إلى الشق الأيمن قليلا والموقوف بزيادة: لا تلتفت عن يمينها، ولا عن شمالها وذكر من حديث وهيب أيضا عن هشام، عن أبيه: كان يسلم واحدة: السلام وقال الترمذي : حديث عائشة لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه. وقال أحمد بن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع عندهم ليس هو هذا الذي يروي عنه أهل العراق، كأنه رجل آخر، قلبوا اسمه، وأصح الروايات عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسليمتين في الصلاة، وعليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ورأى قوم من الصحابة وغيرهم تسليمة واحدة في المكتوبة، قال الشافعي: إن شاء سلّم تسليمة واحدة، وإن شاء سلم تسليمتين، وبنحوه ذكره أبو علي الطوسي في أحكامه. وقال ابن حزم : أما تسليمة واحدة فلا يصح فيها شيء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن الأخبار في ذلك إنّما هي من طريق محمد بن الفرج ، عن محمد بن يونس ، وكلاهما مجهول أو مرسل من طريق الحسن أو من طريق . وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبيه: هذا حديث منكر، إنّما هو عن عائشة موقوف . وقال أبو عمر ابن عبد البر : حديث عائشة لم يرفعه إلّا زهير بن محمد وحده، وزهير ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتج به ، وذكر ليحيى بن معين هذا الحديث، فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان، لا حجة فيهما ، وأقرّه على هذا أبو محمد وأبو الحسن وابن المواق، وكأنه غير جيّد في موضعين: الأول: قوله: لم يرفعه غير زهير لما ذكر الحافظ ضياء الدين المقدسي في باب من روى تسليمة: عن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أوتر بتسع لم يقعد إلا في الثامنة فيحمد الله ويكبّره ثم ينهض، ولا يسلّم، ثم يصلي التاسعة فيجلس، فيذكر الله عز وجل ويدعو ويسلم تسليمة يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فلما كبر وضعف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي السابعة ثم يسلم تسليمة . ورواه الإِمام أحمد والنسائي وهذا لفظه، زاد أحمد: ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا ورواه النسائي عن إسماعيل بن مسعود: ثنا خالد، ثنا شعبة، ثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام عنها. الثاني: قوله: وهو ضعيف عند الجميع، كثير الخطأ، لا يحتج به، ليس كذلك لما ذكره الحاكم في تاريخ بلده: قال عيسى بن يونس: ثنا زهير بن محمد وكان ثقة، وقال العجلي : لا بأس به ، وذكره ابن حبان ، وابن شاهِين في الثقات ، وقال عثمان بن سعيد الدارمي ، وصالح بن محمد : ثقة صدوق ، وقال يحيى بن معين : ثقة ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وقال موسى بن هارون : أرجو أنه صدوق .

501

147 - حدثنا محمد بن الحارث المصري، ثنا يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة بن الأكوع قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى فسلم مرة واحدة . هذا حديث إسناده صحيح، وإن كان يحيى بن راشد المازني البصري البراء ، وفي نسخة: البكاء قد مس، فقد قال فيه البخاري في تاريخه الكبير: ثقة ، وقال أحمد بن صالح العجلي : ثقة، صاحب حديث ، وذكره البستي في الثقات ، وخرج الحاكم حديثه - في مستدركه ، وقال الدارقطني : صويلح، يعتبر به . وفي الباب: حديث أنس بن مالك : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم تسليمة واحدة يعني: في الصلاة المكتوبة، رواه الحاكم في تاريخ بلده من جهة أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا يونس بن محمد، ثنا جرير بن حازم عن أيوب عنه، وقال أبو عمر في الاستذكار: حديث أنس لم يأت إلّا من طريق أيوب، عن أنس، ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا، انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما رواه أبو القاسم في الأوسط بسند صحيح متصل على رسم البخاري من حديث عبد الله ابن عبد الوهاب الحجبي : ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس، وقال: لم يرفع هذا الحديث، عن حميد إلا عبد الوهاب، تفرد به الحجبي . وحديث الحسن عن سمرة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه ذكره أبو أحمد الجرجاني، وردّه بروح بن عطاء بن أبي ميمونة، ورواه أيضًا الكجي في سننه عن الشاذكوني عن روح، عن أبيه عنه، وقال مهنأ: سألت أبا عبد الله عن التسليم في الصلاة واحدة فقلت: أتعرف فيه شيئا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: حديث حدثني به سليمان بن داود الهاشمي، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم واحدة قلت: أكان هذا عند يعقوب عن أبيه؟ قال: لا، قال أبو عمر: قد روي من مرسل الحسين: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة ذكره وكيع عن الربيع عنه، وروي عن عثمان وعلي وابن عمر وابن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وشقيق بن سلمة، ويحيى بن وثاب، وعمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، والحسن، وأبي العالية، وسويد بن غفلة، وأبي رجاء، وقيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة، وقد اختلف عن أكثرهم، فروي عنه التسليمتان كما روينا الواحدة، والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر، ومثله يصح به الاحتجاج بالعمل في كلّ بلد، وكذلك العمل بالكوفة مستفيض عندهم بالتسليمتين كما روينا أيضًا، وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: السلام ليس بفرض، قالوا: ويخرج من الصلاة بما شاء من الكلام وغيره، وهو قول النخعي، وقال مالك، والليث، والحسن ابن صالح، والشافعي: السلام فرض، وتركه يفسد الصلاة، إلا أن ابن حي أوجب التسليمتين معًا، وقال الطحاوي: لم يجد هذا القول عن غيره.

502

باب من يسلم تسليمة واحدة 145 - حدثنا أبو مصعب المديني أحمد بن أبي بكر، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جدّه: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف عبد المهيمن المذكور قبل، وعند الدارقطني: عن يمينه لا يزيد عليها .

503

باب رد السلام على الإمام 148 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا أبو بكر الهذلي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا سلم الإِمام فردوا عليه ثم قال: ثنا عبدة بن عبد الله، ثنا علي بن القاسم أنبأ همام عن قتادة بلفظ: أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض . هذا حديث في سنده الأول ضعيفان: الأول: ابن عياش المذكور قبل. والثاني: أبو بكر الهذلي سلمى بن عبد الله بن سلمى، وسيأتي ذكره أيضا. والإسناد الثاني فيه وهم، وهو قوله: علي بن القاسم كذا هو في أصول ابن ماجه، وهو رجل لم يوجد في شيء من التواريخ فيما رأيت، وصوابه الذي ذكره البزار في مسنده: ثنا عمرو بن علي، ثنا عبد الأعلى بن القاسم، ثنا همام فذكره بلفظ: وأن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة وكذا ذكره الشاشي، وابن منيع والعدني وغيرهم، فعلى هذا يكون السند صحيحا على ما ذكره ابن القطان وغيره، لولا ما قيل في سماع الحسن من سمرة، فإن ابن سعد، وابن معين، والنسائي، وبهزا، ويحيى بن سعيد القطان، وابن حبان، والبرديجي، والإِدريسي في تاريخ سمرقند قالوا: لم يسمع منه شيئا، ومنهم من قال: إلا حديث العقيقة، وأمّا ابن المديني وغيره: فأثبتوا سماعه منه، فعلى هذا القول يكون حديثه هذا صحيح الإِسناد، متصلا، والله تعالى أعلم، وكذلك اعتمده ابن خزيمة حيث خرجه في صحيحه من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن عنه. وعند أبي داود بسند صحيح من حديث سليمان بن سمرة عن أبيه مرفوعا: ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم .

504

44 - حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد اللَّه بن حاتم، أنبأنا هشيم، أنبأنا الحجاج بن أبي زينب السلمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: مرّ بي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا واضع يدي اليسرى على اليمنى، فأخذ بيدي اليمنى فوضعها على اليسرى . هذا حديث قال أبو عمر في الاستذكار: هو حديث ثابت، وذكره الأثرم محتجا به، ولما خرجه النسائي قال: غير هشيم أرسل هذا الحديث . وقال مهنأ : سألت أحمد عن الحجاج بن أبي زينب ، فقال: منكر الحديث، يحدّث عن أبي عثمان أن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - مر بابن مسعود فذكره، قلت : وهذا منكر؟! قال: نعم . ولما ذكره العقيلي قال: لا يتابع على هذا . وقال الساجي : وذكره في كتاب الضعفاء، وحدّث عن أبي عثمان النهدي حديثا لا يتابع عليه، كذا ذكره عنه ابن حزم، والذي هو ثابت في كتابه، عن أحمد أخشى أن يكون ضعيف الحديث، وذكر هذا الحديث، ثم قال: روى عنه الثوري. وفي العلل لابن عدي: وقد روى محمد بن الحسن الواسطي عنه، عن أبي سفيان، عن جابر: مر رسول الله - صلّى اللَّه عليه وسلّم - برجل قد وضع شماله على يمينه مثله . وكلام الفسوي يفهم منه التفرد وليس جيدا؛ لأن أبا الحسن رواه عن ابن صاعد، ثنا عمار بن خالد، ثنا محمد بن يزيد الواسطي عن الحجاج، عن أبي عثمان عن ابن مسعود موصولا . قال ابن القطان عائبا على أبي محمد تضعيفه إيَّاه بأنَّ الحجاج ممن خرج له مسلم معتمدا روايته ، وقال أبو أحمد بعد تصفح رواياته: أرجو أنّه لا بأس به . وأمّا قول أبي محمد فيه: ليس بقوي، فهو كلام النسائي وقد علم معنى النسائي في ذلك أنه ليس بأقوى ما يكون، فلا شك أن الثقات متفاوتون وروى عن أحمد أنه قال: أخشى أن يكون ضعيف الحديث، وهذا أيضا ليس بتضعيف . وأما قول العقيلي فيعني به أن الحديث مرسل. وأمّا حديث جابر، فلم يقل أبو محمد إثره شيئا يعتمد فيه حين ذكره، ومحمد بن الحسن الواسطي أحد الثقات ، روى هذا الحديث عنه ابن معين. قال أبو أحمد ثنا ابن صاعد الفضل بن سهل، ثنا ابن معين فذكره. وقال الدارقطني: ثنا أحمد بن محمد بن جعفر، ثنا مضر بن محمد، ثنا ابن معين به، فالحديث إذن صحيح أو حسن من الطريقين جميعًا، أعني طريق أبي عثمان عن ابن مسعود، وطريق أبي سفيان، عن جابر فاعلمه. انتهى كلامه وفيه نظر لما أسلفناه من عند أحمد في حجاج . وقال ابن عدي فيما حكاه ابن الجوزي : ضعيف ، وقال ابن المديني : شيخ من أهل واسط ضعيف، ورواه غير أبي عثمان، عن ابن مسعود . قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد، ثنا علي بن مسلم، ثنا إسماعيل بن أبان الوراق، حدثني مندل، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود: أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - كان يأخذ شماله بيمينه في الصلاة . وأما قول أبي القاسم في الأوسط، وذكر حديث جابر : لم يروه عن أبي سفيان إلا الحجاج، ولا عن الحجاج إلا محمد بن الحسن. تفرد به وهب بن بقية، ورواه هشيم عن الحجاج، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، فيشبه أن يكون وهمًا لمتابعة ابن معين وهبا كما تقدّم . وفي الباب: حديث الحارث بن عضيف - أو غضيف بن الحارث وله صحبة قال: ما نسيت من الأشياء، فلم أنس أني رأيت رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم - واضعا يمينه على شماله في الصلاة . ذكره الحافظ أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد القاضي في كتاب الصحابة الذين نزلوا حمص الشام. وقال الخلال في علله: عن عصمة، ثنا حنبل، ثنا أبو عبد الله، ثنا عبد الرحمن، ثنا معاوية - يعني: ابن صالح - عن يونس بن سيف عنه قال: وقال أبو عبد الله: هذا إسناد شامي . قال الدارقطني: يعني أحمد بهذا أنه لم يرض إسناده؛ لأن الحارث لا يعرف إلّا بهذا الحديث، ولا نعلم يونس بن سيف سمع منه أو لا. وفي تاريخ البخاري ما يدل على أنّه ليس بصحابي، فإنه قال: غضيف بن الحارث أبو أسماء السكوني. قال عيسى بن يونس: عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن غضيف الثمالي، ويقال: بقية الثمالي. وقال ابن صالح، عن معاوية عن أزهر بن سعد: سأل عبد الملك غضيفا، وقال إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم أنه سأل عبد الملك غضيف بن الحارث الثمالي. وقال معن: عن معاوية عن يونس بن سيف، عن غضيف أو الحارث بن غضيف السكوني، وقال عبد الوارث: عن برد بن سنان عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث سمع عمر وعائشة. وقال الثوري ومعتمر عن برد، عن عبادة بن نسي، عن غضيف عن أبي عبيدة، وقال بشار: عن الوليد بن عبد الرحمن، عن عياض بن غضيف، عن أبي عبيدة. وقال الزبيدي: عن سليم بن عامر عمن سمع غضيف بن الحارث عن أبي عبيدة، وفرق أبو عمر في الاستيعاب بين غضيف بن الحارث ، وبين غطيف الكندي، وبين غضيف بن الحارث الثمالي، وزعم أن الاضطراب في الأول والذي بعده كثير جدا، ومع ذلك فقد زعم في الاستذكار أن حديثه ثابت، ويشبه أن يكون مستنده قول أبي حاتم وأبي زرعة، فإنهما ذكرا أنّ له صحبة، وأبى ذلك غيرهما، فإن ابن سعد لما ذكره في التابعين وصفه بالثقة . وقال العجلي : هو تابعي ثقة . وقال عبد الرحمن بن خراش : لا بأس به ، وقال الدارقطني : ثقة من أهل الشام ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وقال أبو إسحاق الصريفيني : أدرك زمان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - ويختلف في صحبته . روى عن عمر وبلال وأبي ذر وأبي الدرداء وعائشة وأبي حمصية المزني،روى عنه ابنه عبد الرحمن، وعبادة ومكحول وابن سيف. وحديث عبد اللَّه بن عمر أنه مر برجل في صلاته قد وضع يده اليسرى في الصلاة على يمينه، فقال له: إن رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلّم - قال: لا تفعل فعل قوم قد عذبوا . رواه أبو القاسم في معجمه، وقال: لم يروه عن ابن عجلان - يعني: عن نافع - إلّا إبراهيم بن إسماعيل، تفرد به فضالة بن يعقوب . وفي موضع آخر مرفوعًا: إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة . رواه من حديث يحيى بن سعيد بن سالم القداح، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رواد، عن أبيه، عن نافع عنه. وقال: لا يروى عن ابن عمر إلّا من هذا الوجه. وقال في الصغير: لم يروه عن نافع إلّا ابن أبي رواد، ولا عنه إلّا ابنه. تفرد به القداح، وحديث أبي إسحاق عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وسمَّاه في موضع آخر: القيل، كأنه لقبه، قال: رأيت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - ضرب بيده على شماله في الصلاة قال أبو القاسم : لم يروه عن أبي إسحاق إلا يوسف بن أبي إسحاق، ولا عن يوسف إلا إبراهيم بن يوسف - تفرد به شريح بن مسلمة - وحديث عائشة قالت: ثلاثة من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة . رواه الدارقطني من حديث شجاع بن مخلد، ثنا هشيم، عن منصور أنبأنا محمد بن أبان الأنصاري عنها. وحديث أبي هريرة، قال عليه السلام: أمرنا معاشر الأنبياء أن نعجِّل الإفطار، ونؤخر سحورنا، ونضرب بأيماننا على شمائلنا في الصلاة . رواه من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عنه، ومن حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن سيار بن الحكم عن أبي وائل عنه بلفظ: وضع الكف على الكف في الصلاة من السنة . ومن هذه الطريق ذكره أبو داود في رواية ابن العبد، وقال: روي حديث علي عن سعيد بن جبير: فوق السرة . وقال أبو مجلز: تحت السرة، وروي عن أبي هريرة وليس بالقوي . وحديث ابن عباس يرفعه: إنَّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر السحور، ونعجل الإفطار، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا . رواه ابن السكن، ثنا عبد الحميد بن محمد، ثنا مخلد بن يزيد، ثنا طلحة عن عطاء عنه. ورواه البيهقي من طريق عبد المجيد بن أبي رواد عن أبيه عن نافع عنه، وقال: تفرد به عبد المجيد، عن عطاء عن ابن عباس، ومرة عن أبي هريرة. ورواه الطبراني في الأوسط بسند صحيح، عن أحمد بن طاهر بن حرملة، ثنا حرملة ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث سمعت عطاء به، وقال: لم يروه عن عمرو إلّا ابن وهب، تفرد به حرملة. ورواه في الكبير من حديث ابن عيينة عن عمرو، عن طاوس عنه. وحديث أبي حميد الساعدي عند ابن حزم، ووصف صلاة النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - فرفع يديه إلى وجهه، ووضع يمينه على شماله. وحديث علي قال: إن من السنة في الصلاة وضع اليمين على الشمال تحت السرة وقال البيهقي : لم يثبت إسناده، تفرد به . ورواه أبو داود من رواية ابن العبد عنه بلفظ: السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة . وفي كتاب ثواب القرآن لأبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظهير، عن علي: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة . زاد الدارقطني: تحت الصدر. وفي الاستذكار: أن عليا كان إذا قام إلى الصلاة وضع يمينه على رسغه، فلا يزال كذلك حتى يركع أو يصلح ثوبه أو يحك جسده. ورواه البخاري في تاريخه من حديث غزوان بن جرير عن أبيه. وعند البيهقي من حديث عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر، وعن علي: عقبة بن صهبان، قاله ابن الجحدري، وابن ظبيان قاله ابن سلمة، وفي تفسير الجوزي أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل: ضع اليمين على الشمال عند النحر في الصلاة. وحديث أنس: من أخلاق النبوة وضع اليمين على الشمال تحت السرة. ذكره ابن حزم، ثم قال: وحديث وائل، وابن مسعود، وعلي، وعائشة، وأنس، وسهل راجع في أقل أحواله إلى فعل الصحابة إن لم يكن مسندا، وفيه نظر إن أراد جملة الأحاديث التي عددها، وإن أراد بعضها فيمكن. وحديث العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن الزبير يقول: صف القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة، رواه أبو داود. وحديث أبي الدرداء: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة، ذكره الطبراني في الكبير من حديث إبراهيم بن أبي معاوية، عن أبيه، عن الأعمش، عن مجاهد، عن مورق، عنه، ومن حديث سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن علي بن أبي العالية، عن مورق، عن أبي الدرداء رفعه: ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة. وموقوف أبي بكر المذكور عنده أيضا من حديثه، عن يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي زياد مولى ابن دراج قال: ما رأيت، فنسيت، فإني لم أنس أن أبا بكر كان إذا أقام الصلاة قال: هكذا، ووضع اليمنى على اليسرى. وفي سؤالات مهنأ : قلت لأحمد : ثنا خالد بن خداش، ثنا مهدي بن ميمون، عن عبيد الله بن العيزار قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، وكان مهيبا، فرأى رجلا يصلي قد وضع إحدى يديه على الأخرى، فضرب يده، فقال: إنما رآه قد وضع إحدى يديه على الأخرى، وجعلهما عند صدره ؛ لأن ذلك شبه التكفير، وسألته عن ابن العيزار؟ فقال: بخ بخ بصري ثقة ، وحديث طرفة والد تميم، قال أبو موسى المديني أورده سهل بن سعد عند البخاري: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم وعند البيهقي: ينمي ذلك، أو كلمة تشبهها. وقال العلامة أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في كتابه أطراف الموطأ: هذا حديث معلول ؛لأنه ظن وحسبان. وفي تقريب المدارك لابن الحصار: هذا يدخل في المسند وإن بقي في النفس منه شيء فيستند مما تقدم. وذكر الدارقطني في أحاديث الموطأ أن لفظ ابن مهدي، عن مالك: إذا صلوا، وقال ابن وهب: لا أعلمه إلا أنه قال: ينمى ذلك، يعني: يرفع. وقال يوسف: قال مالك: يرفع ذلك، وقال معن وروح: قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم وفي الغرائب: وكذا قاله سويد بن سعيد، وفي هذا رد لما قاله أبو عمر، وقول أبي حازم: ينمي ذلك يعني يرفعه، لقول أبي حازم ذلك والله أعلم. وفي كتاب الصلاة للخفاف، عن عمرو بن زرارة، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل: أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة . قال ابن حزم: وروينا فعل ذلك عن أبي مجلز والنخعي وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون وابن سيرين وأيوب السختياني وحماد بن سلمة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأصحابنا، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، والطبري، وداود. وقال ابن الجوزي: هو مستحب عندنا، ولمالك روايتان: إحداهما كقولنا. والثانية: أنه غير مستحب، إنما هو مباح. وفي المدونة: يكره فعله في الفرض، ولا بأس به في النافلة إذا طال القيام، وقال أبو عمر: رواية ابن القاسم عنه إرسال اليدين، وهو قول الليث، قال ابن بطال: ورأى ذلك ابن الزبير وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير. قال أبو عمر: وروى ابن نافع وعبد الملك ومطرف، عن مالك: توضع اليمنى على اليسرى في الفريضة. قال أبو عمر: وهو قول المدنيين، وأشهب، وابن وهب، وابن عبد الحكم. وقال الأوزاعي: من شاء فعله، ومن شاء تركه، وهو قول عطاء. وقال ابن القصار: وجه الكراهة أنّه عمل في الصلاة، وربما شغل صاحبه، وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي فلم يأمره بذلك. وقيل: خشية أن يظهر بجوارحه من الخشوع ما لم يضمره، قال ابن بطال: وربما دخله ضرب من الرياء. وأمّا كيفية الوضع، فذكر أبو موسى الحنفي: يضع كفه اليمنى على كفه اليسرى، وقيل: ذراعه الأيسر، والأصح: وضعها على المفصل. وفي الإسبيجابي: قال أبو يوسف: يقبض بيده اليمنى رسغ اليسرى. وقال محمد: كذلك، ويكون الرسغ وسط الكف. وقال ابن قدامة: يضعها على كوعه وما يقاربه. وقال القفال: يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض رسغها وساعدها، وهو مخيّر بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد، وأما حين وضعهما، ففي المحيط: كما فرغ من التكبير. وعند محمد: بعد الثناء. وقال أبو القاسم الصفار: يرسل إلى أن يفرغ من الثناء والتسبيح، واختيار الطحاوي: يضعهما كما يفرغ من التكبير، وفي صلاة الجنازة والقنوت قال: يضعهما تحت سرته، وبه قال أحمد، وعنه: فوق السرة، وعنه: هو مخير. وفي الحاوي للماوردي والوسيط: تحت الصدر. قال النووي: فوق السرة، هذا هو الصحيح المنصوص، وعن أبي إسحاق: تحت السرة والمذهب الأول. وفي كتاب أبي عيسى والطوسي، وقبلهما البخاري، وابن دريد في كتاب الاشتقاق الكبير، والشيرازي في الألقاب، وأبو عبيد الله المرزباني، وابن حبان في كتاب الصحابة، وخليفة في كتاب الطبقات، واسم هلب: يزيد بن قنافة الطائي، كذا قالوه. وقال العسكري وابن عبد البرّ في أحد قوليه، وابن عساكر وابن حزم في الجمهرة، والطبري في المذيل: يزيد بن عدي بن قنافة بن عدي بن عبد شمس بن عدي بن أخزم، قال: وقيل: قناف، وزعم بعضهم أن اسمه سلامة بن يزيد، ذكر الكلبي: أن ابنه سلامة بن يزيد هو الهلب، وهو الذي وفد على النبي - صلّى الله عليه وسلّم - ومسح برأسه، والأوّل أصح، وكان وفد وهو أقرع فمسح النبي - صلّى الله عليه وسلّم - رأسه فنبتت شعره، فسمّي الهلب، كذا رواه الرواة، وزعم أهل اللغة أنه الهلب. قال الكلبي في الجامع لأنساب العرب: وفيه قال الشاعر: كان وما في رأسه تارة فأصبح الأقرع وافي الشكير وفيه يقول عويج بن ضريس النبهاني: أنا عويج ومعي سيف الهلب أنا الذي أشجع من معدي كرب وكما سمّاه الكلبي سمّاه ابن سعد لم يذكر غيره، والوزير أبو القاسم في كتاب أدب الخواص، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم. زاد الوزير: والتشديد فيه واقع على الباء.

505

باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة 42 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: كان النبي - صلّى الله عليه وسلّم - يؤمّنا فيأخذ شماله بيمينه . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم، ورأى بعضهم وضعها فوق السرة، ورأى بعضهم وضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم. وفي كتاب أبي علي الطوسي : رأيت النبي - صلّى الله عليه وسلّم - ينصرف عن عقبه عن يمينه وعن يساره، ويضع يده اليمنى على اليسرى . قال: ويقال: حديث هلب حسن صحيح. وذكر ابن حبان في صحيحه، عن أبي خليفة: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، أنبأني سماك، فذكر قصة الانصراف فقط المذكورة عند ابن ماجه بعد هذا: وقال البغوي في شرح السنة: هو حديث حسن . وقال الحافظ الصريفيني : هو حديث صحيح، وقال ابن عبد البر : وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة فيها آثار ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منها: حديث هلب. وفي موضع آخر: هو حديث صحيح وفي مسند الإمام أحمد: يضع هذه على صدره ووصف يحيى بن سعيد اليمنى على اليسرى فوق المفصل. وفي كتاب العسكري: يضع إحدى يديه على الأخرى يعني: في الصلاة. وفي رواية عن قبيصة: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبض بيمينه على يساره في الصلاة وينصرف مرة عن يمينه، ومرة عن شماله وهذه اللفظة عند الطبراني مرفوعة. وفي رواية: فرأيته حين وضع إحدى يديه على الأخرى اليمنى على الشمال وعند البغوي: يأخذ إحدى يديه بالأخرى في الصلاة . قال أبو حاتم الرازي : ومن قال في هذا الحديث يسلم عن يمينه وعن يساره فغير صواب ؛ إنّما هو ينفتل .

506

43 - حدثنا علي بن محمد، ثنا عبد الله بن إدريس، وثنا بشر بن معاذ الضرير، ثنا بشر بن المفضل قالا: ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يصلي فيأخذ شماله بيمينه . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه بلفظ: رأى النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - رفع يديه حين دخل في الصلاة وصفهما حيال أذنيه، ثم التحف ثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما، ثم كبّر فركع فلما قال: ( سمع الله لمن حمده ) رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه. وعند أبي داود: وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه وقال: روى هذا الحديث همام عن ابن جحادة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود، وعنده: ثم وضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرِّك أيديهم تحت الثياب وسيأتي الكلام مع أبي داود، إن شاء اللَّه تعالى. وفي صحيح ابن خزيمة: ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكها وفي رواية: ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره . وفي رواية: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد . وعند البيهقي: والرسغ في الساعد . وفي رواية: قبض بيمينه على شماله ووثق رواته. وعند البزار: ثم وضع يمينه على يساره عند صدره من حديث محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل ، عن أمه، ومحمد ضعيف، وأمه مجهولة فيما ذكره ابن القطان . وعند البيهقي : وروينا في بعض طرق حديث عاصم، عن أبيه، عن وائل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم وضعهما على صدره . وهذه متابعة لمحمد صحيحة، واللَّه أعلم .

507

125 - حدثنا أبو كريب ثنا إسماعيل بن صبيح عن كامل أبي العلاء قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت يحدّث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول بين السجدتين في صلاة الليل: رب اغفر لي وارحمني واجبرني، وارزقني، وارفعني . هذا حديث قال فيه الترمذي وأبو علي الطوسي : غريب، وهكذا روي عن علي، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، يرون هذا جائزًا في المكتوبة والتطوع، وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلا. انتهى. إسماعيل وثقه ابن حبان ، وكامل وثقه ابن معين وغيره ، وقال البزار : مشهور من أهل الكوفة، روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه ؛ فلهذا سكت عنه الإشبيلي سكوت مصحح له . وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكامل ممن يجمع حديثه .

508

باب ما يقول بين السجدتين 124 - حدثنا علي بن محمد، ثنا حفص بن غياث، ثنا العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرّة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة ح، وثنا علي بن محمد، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة، عن حذيفة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي . هذا حديث إسناده صحيح، وله أصل في صحيح ابن خزيمة عن مؤمل بن هشام، وسلم بن جنادة قالا: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن سعد، عن المستورد، عن صلة، عن حذيفة قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة، قال ابن خزيمة: وذكر الحديث.

509

باب لا يخص الإِمام نفسه بالدعاء 149 - حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد، ثنا حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن عن ثوبان قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يؤم عبد فيخصّ نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم . هذا حديث سبق ذكره في كتاب الطهارة، وقال الترمذي : هو حديث حسن، وقد روي هذا عن معاوية بن صالح، عن السفر بن نسير عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وروي عن يزيد عن أبي هريرة، وحديثه عن أبي حي أجود إسنادا وأشهر، والله تعالى أعلم.

510

باب ما يقال بعد التسليم 150 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، وثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإِكرام . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن تفسير الحديث: لا يجلس بعد التسليم إلا قدر ما يقول: أنت السلام ومنك السلام يعني: في مقعده حتى ينحرف، قال: لا أدري ؛ وفي الأوسط عنها: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سلم من الصلاة قال: اللهم الحديث، وقال: لم يروه عن المقدام بن شريح يعني عن أبيه عنها إلا قيس بن الربيع، تفرد به يحيى بن إسحاق السيلحيني. وفي موضع آخر من حديث فليت عن جسرة بنت دجاجة عنها: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في دبر كل صلاة: اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل أعذني من حرِّ النار، وعذاب القبر وقال: لم يروه عن إسماعيل بن أبي خالد عن فليت إلا الصباح بن محارب، تفرد به الحسين بن عيسى بن ميسرة الرازي.

511

151 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شبابة، ثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة، عن مولى لأم سلمة عن أم سلمة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا . هذا حديث خرجه النسائي من جهة موسى عن مولى لأم سلمة، وذكره عبد الله في كتاب العلل عن أبيه: ثنا وكيع ثنا سفيان عن موسى، وفي مسند أحمد عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما شكت له فاطمة الرحى قال: إذا صليت الصبح فقولي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات بعد صلاة الصبح، وعشر مرات بعد صلاة المغرب، فإن كلّ واحدة منهن تكتب عشر حسنات، وتحط عشر سيئات، وكل واحدة منهن كعتق رقبة من ولد إسماعيل، ولا يحل لذنب كسب ذلك اليوم أن يدركه إلّا أن يكون الشرك، وهو حرسك ما بين أن تقوليه غدوة إلى أن تقوليه عشية من كل شيطان ومن كل سوء .

512

152 - حدثنا أبو كريب، ثنا إسماعيل ابن علية ومحمد بن فضيل، وأبو يحيى التيمي، وابن الأجلح، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله في دبر كل صلاة عشرا، ويكبر عشرًا، ويحمده عشرًا، فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعقدها بيده، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أوى إلى فراشه سبح وحمد، وكبَّر مائة فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم ألفين وخمسمائة سيئة؟ قالوا: وكيف لا يحصيهما؟ قال: يأتي أحدكم الشيطان وهو في الصلاة فيقول: اذكر كذا وكذا حتى ينفك العبد لا يعقل، ويأتيه وهو في مضجعه فلا يزال ينومه حتى ينام . هذا حديث قال فيه الترمذي والطوسي : حسن صحيح، وزعم النووي - رحمه الله تعالى - في كتاب الأذكار أن أيوب السختياني أشار إلى صحته، وخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا جرير وابن علية عن عطاء به. وقال الحاكم: رواه الأعمش عن عطاء بن السائب، وأغفل أبو القاسم ابن عساكر، ومن بعده من أصحاب الأطراف عزوه إلى ابن ماجه، إنما عزوه إلى أبي داود والنسائي والترمذي، وهو في جميع أصول ابن ماجه كما سبق، والله تعالى أعلم.

513

153 - حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، ثنا سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وربما قال سفيان: قلت يا رسول الله ذهب أهل الأموال والدثور بالأجر، يقولون كما نقول وينفقون ولا ننفق، قال: ألا أخبركم بأمر إذا فعلتموه أدركتم من قبلكم وفُتم من بعدكم؟ تحمدون الله في دبر كل صلاة، وتسبحون، وتكبرون ثلاثا وثلاثين وثلاثا وثلاثين وأربعا وثلاثين قال سفيان: لا أدري أيتهن أربع. هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وسيأتي له أصل في الصحيحين، وعند الترمذي، وقال: حسن غريب: من قال دبر صلاة الفجر وهو ثاني رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كلّه في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولا ينبغي للذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله وخرجه في الأوسط من حديث أبي هريرة عن أبي ذر

514

154 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب، ثنا الأوزاعي حدثني شداد أبو عمار، ثنا أبو أسماء الرحبي، حدثني ثوبان أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاث مرات، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، زاد ابن خزيمة في صحيحه: قال عمرو بن هاشم البيروتي عن الأوزاعي: يقال هذا الدعاء قبل السلام، قال ابن خزيمة: فإن كان عمرو بن هاشم ومحمد بن ميمون لم يغلطا في هذه اللفظة، أعني قوله: قبل السلام، فإن هذا الباب يردّ إلى الاستغفار قبل السلام، ولفظه: كان إذا أراد أن ينصرف من صلاته . وفي الباب: حديث محمد بن حمير حدثني محمد بن زياد الألهاني قال: سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قرأ آية الكرسي وقل هو الله أحد دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت قال الطبراني في المعجم الكبير : تفرد به ابن حمير، يعني: المخرج حديثه في صحيح البخاري، وكذا قاله الدارقطني في العاشر من فوائده، وفي قولهما نظر، وذلك أن ابن السني رواه من حديث إسماعيل بن عياش، عن داود بن إبراهيم الذهلي عن أبي أمامة، وعند أبي نعيم الحافظ زيادة: وكان الربّ الذي يتولى قبض روحه، وكان بمنزلة من قاتل عن أنبياء الله حتى يستشهد . وحديث المغيرة بن شعبة مرفوعا: من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة ما بينه وبين أن يدخل الجنة إلا أن يموت ذكره أبو نعيم الحافظ في كتاب الحلية، وقال: غريب من حديث محمد بن كعب القرظي عن المغيرة، تفرد به هاشم بن هاشم عن عمر عن محمد، ما كتبناه عاليا إلّا من حديث مكي . وحديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآيتين من آل عمران قال الله تعالى: فبي حلفت لا يقرأهن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلّا جعلت الجنة مثواه رويناه في جزء ابن عبدكويه، عن محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، ثنا محمد بن أبي الأزهر، ثنا الحارث بن عمير، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه عنه. ورواه الحاكم في تاريخ بلده من حديث نهشل بن سعيد، عن أبي حية عن عليّ، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث حسن بن حسن، عن أبيه عن جدّه بمعناه. وحديث أنس بن مالك وجابر أنهما قالا: قال رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أوحى اللّه تبارك وتعالى إلى موسى صلى الله عليه وسلم: من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته أجر المتقين وأعمال الصديقين رواه الثعلبي من حديث محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن أبي مالك، عن الحوشبي عنهما. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنحوه، رواه أيضَا من حديث ابن لهيعة عن أبيِ قبيل عنه. وحديث جابر بن عبد الله قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثلاث من جاء بهن مع الإِيمان دخل من أيِّ أبواب الجنة شاء، وزوِّج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله، وأدَّى دينا خفيًا، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: قل هو الله أحد، فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: أو إحداهن رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث عمر بن نبهان وفيه كلام . وعند أبي نعيم الحافظ من حديث العرزمي عن أبي يزيد مولى جابر عنه: من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة أعطي قلوب الشاكرين، وأعمال الصديقين، وبسط الله عليه يمينه برحمته، ولم يمنعه من دخول الجنة إلّا الموت . وحديث عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة وقال الترمذي : حديث حسن غريب، وخرجه ابن حبان في صحيحه، وكذلك ابن خزيمة بلفظ: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقرؤوا المعوذات في دبر كل صلاة والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم . وفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي الكبير: قلت لأحمد بن صالح : فإنّ سفيان الثوري يحدث عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قراءة: قل أعوذ برب الفلق، قال: ليس هذا من حديث معاوية عن عبد الرحمن، إنّما روى هذا معاوية عن العلاء بن الحارث، عن القاسم، عن عقبة، قال أبو زرعة : وهاتان الروايتان عندي صحيحتان، لهما جميعا أصل بالشام عن جبير بن نفير عن عقبة، وعن القاسم عن عقبة . وحديث أبي موسى الأشعري قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى الصبح رفع صوته حتى يسمع أصحابه يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة ثلاث مرات، اللهم أصلح لي دنياي الذي جعلت فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي، اللهم أعوذ برضاك من سخطك، اللهم أعوذ بعفوك من نقمتك، اللهم إني أعوذ بك منك، ثلاث مرات في كلها، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ ذكره أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن أبي بردة - يعني: عن أبيه - إلا إسحاق بن يحيى بن طلحة، تفرد به يزيد ابن عياض - وحديث زيد بن ثابت قال: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين تسبيحة، ونحمد ثلاثا وثلاثين تحميدة، ونكبّر أربعًا وثلاثين تكبيرة قال: فرأى في المنام، فقال: أمرتم بثلاث وثلاثين تسبيحة، وثلاث وثلاثين تحميدة، وأربع وثلاثين تكبيرة، قال: نعم، قال: فلو جعلتم فيها التهليل، فجعلتموها خمسًا وعشرين، فذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قد رأيتم فافعلوا، أو نحو ذلك . وخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد وابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان، وحديث ابن عمر بمثله رواه النسائي. وحديث أبي بكرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه كان يقول في دبر الصلاة: اللهم إنِّي أعوذ بك من الفقر، ومن عذاب القبر خرجه أيضًا، وقال: صحيح على شرط مسلم. وحديث ابن مسعود: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سلم في الصلاة لا يجلس إلّا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإِكرام خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وحديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ولهَ الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلّا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، يقول: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يهلل بهن دبر كل صلاة رواه مسلم. وعند ابن خزيمة: إذا سلم في دبر الصلاة يقول: لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن الحديث. وحديث أبي أيوب قال: ما صليت وراء نبيكم إلا سمعته حين ينصرف يقول: اللهم اغفر لي خطاياي وذنوبي كلها، اللهم انعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت قال الطبراني في الأوسط : لا يروى عن أبي أيوب إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن الصلت يعني عمر بن مسكين، عن نافع، عن ابن عمر عنه، وحديث أبي هريرة من عند الشيخين قال: جاء الفقراء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون قال: ألا أحدثكم بشيء إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين الحديث. وعند البخاري: تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا وتحمدون عشرًا وتكبرون عشرًا وعند مسلم: من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فذلك تسعة وتسعون ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر . وحديث ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد خرجاه أيضًا. وحديث سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر رواه البخاري. وفي اليوم والليلة للنسائي: ما يمنع أحدكم أن يسبح دبر كل صلاة عشرًا ويكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، فذلك في خمس صلوات خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان . وحديث كعب بن عجرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة رواه مسلم. وحديث علي بن أبي طالب : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من صلاته قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم وأنت المؤخرّ، لا إله إلّا أنت وقال أبو صالح: لا إله إلا أنت رواه ابن خزيمة هكذا، وقال الترمذي : حسن صحيح، وقد أسلفنا من عند مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقوله بين التشهد والتسليم. وحديث زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصًا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب، الله أكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله أكبر الأَكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الأكبر خرجه أبو داود، وفي سنده: ، وقال الدارقطني : تفرد به معتمر بن سليمان عن داود عن أبي مسلم البجلي، عن زيد. وحديث ابن عباس قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو: رب أعنّي، ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني، ويسر هداي إلي، وانصرني على من بغى علي، اللهم اجعلني لك شاكرا ذاكرا لك راهبًا لك مطواعًا إليك مخبتا أو منيبًا، ربّ تقبَل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدّد لساني، واسلل سخيمة قلبي رواه أبو داود وخرجه في باب ما يقول الرجل إذا سلم، والترمذي، وقال: حسن صحيح، وفي لفظ عنده، وقال فيه: حسن غريب: جاء الفقراء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يا رسول الله إن الأغنياء يصلون كما نصلي فذكر الحديث وفيه قال: فقولوا: سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر أربعا وثلاثين، ولا إله إلا الله عشرًا . وحديث معاذ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ بيده وقال: يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك رواه ابن خزيمة، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي كتاب عمل يوم وليلة لأبي نعيم: من قال حين ينصرف من صلاة الغداة قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، أعطي بهن سبع خصال، وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكن له عدل عشر نسمات، وكن له عصمة من الشيطان، وحرزا من المكروه، ولم يلحقه في يومه ذلك ذنب إلا الشرك بالله، ومن قالهن حين ينصرف من صلاة المغرب أعطي مثل ذلك ليلته . وفي لفظ: من قال بعد الفجر ثلاث مرات، وبعد العصر ثلاث مرات: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو، وأتوب إليه، كفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر . وحديث أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات رواه الترمذي، وقال: حسن. وعند أبي نعيم الحافظ من حديث القاسم عنه قال: ما دنوت من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دبر صلاة مكتوبة، ولا تطوع إلا سمعته يقول: اللهم اغفر لي خطاياي كلها، اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت . وفي معجم الطبراني: من قال في دبر صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير مائة مرّة قبل أن يثني رجله كان يومئذ أفضل أهل الأرض، إلا من قال مثل ما قال أو زاد على ما قال وقال: لم يروه عن أبي غالب يعني عنه إلّا آدم بن الحكم، ولا رواه عن آدم إلا عبد الصمد بن عبد الوارث. وحديث صهيب: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول إذا انصرف من صلاته: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد خرجه ابن خزيمة، وعند أبي نعيم الحافظ في كتاب عمل يوم وليلة: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحرك شفتيه بشيء إذا صلى الغداة، فقلنا: يا رسول الله نراك تحرّك شفتيك بعد صلاة الغداة، وكنت لا تفعله فقال: أقول: اللهم بك أحاول، وبك أطاول، وبك أقاتل . وحديث أبي بكرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم. وحديث أبي الدرداء قيل: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدنيا والآخرة فذكر مثل حديث أبي هريرة، قال البخاري: رواه جرير عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح عنه. وفي الأوسط من حديث ابن أبي عبلة عنه قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال بعد صلاة الصبح، وهو ثاني رجله قبل أن يتكلَّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كن له في يومه ذلك حرزا من الشيطان ومن كل مكروه وقال: لم يروه عن إبراهيم بن أبي عبلة إلّا هانئ بن عبد الرحمن ورديح بن عطية، تفرد به موسى بن محمد البلقاوي. وحديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير مرة يقول في إثر صلاته عند انصرافه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن هشيم، عن أبي هارون عنه. وعند أبي نعيم الحافظ: لا يجلس بعد أن ينصرف من الصلاة إلا قدر ما يقول: الحديث. وحديث مسلم بن الحارث قال: أسر لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا انصرفت من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرني من النّار سبع مرات، فإنك إذا فعلت ذلك ثم مت من ليلتك كتب لك جوار من النار، وإذا صليت الصبح، فقل كذلك، فإنك إن مت من يومك كتب لك جوار منها رواه أبو نعيم الحافظ من حديث هشام بن حسان عن الحارث بن مسلم عن أبيه مسلم. وحديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى الصبح قال: مرحبًا بالنهار الجديد، واليوم السعيد، وبالكرام الكاتبين، يحصون أعمالنا، ويكتبون كلامنا، اكتبا: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك، وحملة عرشك، وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك بأني أشهد أنّك الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأشهد أن كلّ معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل، لا إله إلا الله، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير الحديث بطوله، رواه أبو نعيم الحافظ من حديث طريف بن سليمان ، وفيه كلام ، ومن حديث زيد العمي: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قضى صلاته مسح جبهته بيده اليمنى، ثم يقول: بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الغم والحزن ومن حديث أبي الزهراء خادم أنس عنه: من قال حين ينصرف من صلاته: سبحان الله العظيم وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاث مرات قام مغفورا له ومن حديث أبي المحجل عن ابن أخي أنس عنه قال: كان مقامي بين كتفي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان إذا سلم قال: اللهم اجعل خير عمري آخره، اللهم اجعل خواتيم عملي رضوانك، اللهم اجعل خير أيّامي يوم ألقاك قال: وكان مقامي بين كتفي أبي بكر وعمر، فكانا إذا سلما قالاهن، ومن حديث أبان بن أبي عياش عنه عند أبي القاسم في الأوسط: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو في دبر الصلوات: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، اللهم إني أعوذ بك من أولئك الأربع وفي موضع آخر: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قضى صلاته وسلَّم مسح جبهته اليمنى ثم يقول: بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الغم والحزن وقال: لم يروه عن معاوية بن قرة، عن أنس إلا زيد العمي تفرد به سلام الطويل. وحديث مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن ابن زمل قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى الصبح وهو ثاني رجله قال: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله، إن الله كان توابا، سبعين مرة، ثم يقول: سبعين بسبعمائة . وحديث سعيد بن راشد عن الحسن بن ذكوان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من استغفر الله في دبر كلّ صلاة ثلاث مرات، فقال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وإن كان فرّ من الزحف . وحديث إسرائيل عن أبي سنان، عن أبي الأحوص، عن أبي مسعود قال: قَال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثا غفرت ذنوبه، وإن كان فر من الزحف ذكرها أبو نعيم الحافظ، وفي لفظ عند غيره: من قال بعد كل صلاة . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: خصلتان لا يحافظ عليهما عبد في يومه وليلته إلا أدخله الله الجنة، وهما يسيران، وقليل من يحافظ عليهما، قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قال: تسبيح العبد في دبر كل صلاة عشرًا ويحمد عشرًا، ويهلل عشرًا الحديث، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عنه، وقال: لم يروه عن زياد بن سعد، عن أبان، عن عطاء إلا زمعة، تفرد به أبو قرة موسى بن طارق . وحديث عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى أقبل علينا بوجهه كالقمر ليلة البدر ويقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والهرم، والذل، والصغار، والفواحش ما ظهر منها وما بطن رواه أبو نعيم بسند صحيح من حديث يحيى بن عمر الفراء، أنبأ أبو الأحوص عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة عنه. وحديث ابن عمر : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لقبيصة، فذكر حديثا فيه: ويقول حين يصلي الفجر: سبحان الله العظيم وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاث مرات، يدفع الله عنك أربع: ثلاثا عظاما من البرص، والجنون، والعمى، والجذام، والفالج الحديث رواه أيضًا بسند فيه زافر بن سليمان وهو ضعيف . غريبه: الدثور: جمع دثر، وهو المال الكثير لا يثنى ولا يجمع، وقيل بكسر الدال والباء الموحدة، والدثر يعني بفتح الدال، وهو المال الكثير الذي لا يحصى كثرة، يقال: مال دثر، ومالان دثر وأموال دثر، هذا الأعرف، وقد كسر على دثور، وحكى أبو عمر المطرز أن الدثر بالثاء يثنى ويجمع، وزعم ابن قرقول: أنه وقع في رواية المروذي أهل الدور، وهو تصحيف.

515

46 - حدثنا محمد بن الصباح أنبأنا سفيان، عن أيوب عن قتادة، وثنا جبارة بن المغلس، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس: كان رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلّم - وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد للَّه رب العالمين . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم، وفي لفظ عند الشيخين: صليت خلف النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها . ولفظ البخاري: كانوا يفتتحون الصلاة قال الإسماعيلي: إنما هو القراءة، والقراءة تسمى صلاة، قال تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ولفظ ابن حبان: أنَّ النبي - صلّى الله عليه وسلّم - وأبا بكر وعمر لم يكونوا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وكانوا يجهرون بالحمد لله رب العالمين . وعند النسائي من حديث منصور بن زاذان عن أنس : فلم يسمعنا قراءة: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما، وفي لفظ من حديث شعبة، وشيبان عن قتادة وهي عند ابن خزيمة وعن شعبة عن ثابت، عن أنس، وإن كان ابن عبد البر قال: لا يصح لشعبة عن ثابت، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه : هذا خطأ أخطأ فيه الأعمش، إنما هو شعبة عن قتادة، عن أنس، كذا هو المعروف. وقال أبو عيسى في كتاب العلل الكبير: هذا وهم، والأصح شعبة عن قتادة، عن أنس.وفي لفظ: فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ: فافتتحوا بالحمد، وعند البيهقي: لا يقرؤون يعني: لا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال: كذا قال أبو نعامة عن أنس - وهو ثقة - رواه غيره، فقال: لا يجهرون. قال: وقوله: كانوا يستفتحون القراءة بالحمد أولى، فقد رواه أصحاب قتادة عنه بهذا، منهم: حميد الطويل، وأيوب، والدستوائي، وابن أبي عروبة، وأبان العطار، وحماد بن سلمة. قال الدارقطني: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس، وكذا قاله الخطيب في كتاب الجهر بها، قال: ووضح بأنّ ما عداه من ذكر التسمية غير ثابت . وعند الطبراني: ثنا عبد اللَّه بن وهيب الغزي، ثنا محمد بن أبي السري، ثنا معتمر، عن أبيه، عن الحسن، وهو عند ابن خزيمة من حديث عمران القصير، عن أنس : أنّ النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - كان يسر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم وأبو بكر وعمر، رضي اللَّه عنهما وقال الحافظ ضياء الدين : رواه أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن الأرزناني قال: الراوي عنه الثقة المأمون، عن عبد الله بن وهيب بإسناده مثله . وفي سنن أبي قرة، عن سفيان، عن أبان بن أبي عياش عنه: كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - وأبو بكر وعمر يستفتحون بالحمد قلت لأنس: بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: خلفها. وفي كتاب الصلاة لأبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الخفاف النيسابوري الحافظ بسند صحيح عن يعقوب بن إبراهيم، ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن قتادة بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم . وفي لفظ: يفتتحون القراءة في الصلاة بالحمد للَّه . وفي الأوسط للطبراني من حديث إبراهيم التيمي، عن أنس : صليت خلف النبي - صلّى الله عليه وسلّم - حتى قبض، وخلف أبي بكر وعمر حتى قبضا، فما سمعت أحدا منهم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وكانوا يفتتحون بالحمد . وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا العوام بن حوشب، تفرد به عبد اللَّه بن حراش . وفي قول البيهقي: ( وسعيد بن أبي عروبة )، نظر؛ لما رواه ابن خزيمة من حديث ابن إدريس: سمعت ابن أبي عروبة عن قتادة: أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان . وفي الأوسط من حديث مالك بن دينار، عن أنس: فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله، وكانوا يقرءون: مالك يوم الدين وقال: لم يروه عن مالك إلا أبو إسحاق الحميسي خازم، ومن حديث عائذ بن شريح عنه: فلم يجهروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم . قال أبو عمر: وسئل عن ذلك؟ قال: كبرت ونسيت. وعند الدارقطني بإسناد صححه عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنسا : أكان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يفتتح القراءة في الصلاة ببسم الله أو بالحمد للّه؟ فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد . قال أبو عمر: الذي عندي أن من حفظ حجة على من سأله في حال نسيانه - واللَّه الموفق قال الخطيب : هذا الحديث صحيح الإسناد، ثبت الرجال، لا علة فيه، ولا مطعن عليه،وقال ابن طاهر المقدسي في كتابه تصحيح التعليل: هو إسناد صحيح متصل، لكن هذه الزيادة في متنه منكرة موضوعة، وقد تبع الدارقطني في تصحيحه غير واحد؛ وذلك أنّ أبا مسلمة رواه عن أنس: أكان النبي - صلّى الله عليه وسلّم - يصلي في نعله؟ فقال: نعم لم يجاوز هذا اللفظ. كذا رواه غير واحد من الأئمة، فدل أنّ رواية العباس عن غسان غير ثابتة، وأن الثقات رووه عن غسان كرواية الأئمة والعباس لا يجوز قبول المروي منه إنّما تقبل عند أهل الفن من الثقة المجمع عليه. وفي البخاري: سئل أنس عن قراءة النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - فقال: كانت مدا ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم ويمد الرحمن ويمد الرحيم . وعند مسلم عنه: بينا رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم - ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسِّما فقلنا: ما أضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: نزلت علي سورة آنفا فقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ . ومن حديث شريك عند الحاكم، وقال: رواته عن آخرهم ثقات، عن أنس : سمعت رسول اللَّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم . ومن حديث محمد بن المتوكل بن أبي السري، وقال: رواته ثقات، قال: صليت خلف المعتمر من الصلوات ما لا أحصيها الصبح والمغرب؛ فكان يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وعزا ذلك لأبيه، وأبوه لأنس، وقال أنس : ما آلو أن أقتدي بصلاة النبي - صلّى الله عليه وسلم - ومن حديث عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الطائي، ثنا إبراهيم التيمي ، وهو منكر الحديث ، عن المعتمر بنحوه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم . ومن حديث أبي جابر سيف بن عمرو: ثنا محمد بن أبي السري، ثنا إسماعيل بن أبي أويس عنه، ثنا مالك، عن حميد عنه: صليت خلف النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكانوا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم . قال الحاكم: إنما ذكرت هذا الحديث شاهدا. وفي هذه الأخبار التي ذكرتها معارضة لحديث قتادة الذي يرويه أئمتنا عنه. وقد بقي في الباب عن أميري المؤمنين - علي وعثمان - وطلحة بن عبيد اللَّه، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر والحكم الثمالي، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب، وبريدة الأسلمي، وعائشة، كلها مخرجة عندي لكني تركتها إيثارا للتخفيف، واختصرت منها ما يليق بهذا الباب، وكذلك قد ذكرت في الباب من جهر بالبسملة من الصحابة والتابعين وأتباعهم - رضي اللَّه عنهم وفي كتاب الخطيب من حديث إسماعيل المكي ، عن قتادة، عن أنس: سمعت النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم . وفي هذا ردّ لما قاله الحاكم، وإن كان المكي ضعيفا فليس مطرحا بالجملة . قال الخطيب: ثبت أن أنسا لم يسمع ذلك من النبي صلى اللَّه عليه وسلم، والتيمي لم ينص على سماعه ذلك فيه كما قاله المكي؛ بل أطلق، فيحتمل أن يكون قد سمعه أنس من بعض الصحابة فرواه عنه رواية مرسلة، ومرسل الصحابة حجة.

516

باب افتتاح القراءة 45 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يفتتح القراءة بالحمد للَّه رب العالمين . هذا حديث خرجه مسلم بلفظ: استفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك فذكر حديثًا مطولًا. وقال أبو عمر في كتاب الإنصاف: هو حديث انفرد به بديل ، عن أبي الجوزاء، ليس له إسناد غيره، وهما ثقتان لا يختلف فيهما إلا أنهم يقولون: إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال، وكذا قاله في التمهيد . انتهى . أما سماعه منها فممكن جائز لكونهما كانا في عصر واحد. وقد روى البخاري في تاريخه عن مسدد، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية إلا سألتهما عنها . قال البخاري : في إسناده نظر . وفي كتاب الصلاة لأبي بكر الفريابي: ثنا مزاحم بن سعيد أنبأنا ابن المبارك، ثنا ابن طهمان، ثنا بديل عن أبي الجوزاء قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة أسألها عن صلاة النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فقالت: كان يفتتح الحديث. وفي هذا تأييد لمن يقول بالمعاصرة ولمن يقول بالانقطاع. ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث عبد الرحمن بن بديل، عن أبيه وقال: لم يروه عن عبد الرحمن إلّا أبو داود الطيالسي .

517

47 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي وبكر بن خلف وعقبة بن مكرم قالوا: حدثنا صفوان بن عيسى، ثنا بشر بن رافع عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة - أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين. هذا حديث قال فيه أبو عمر في كتاب الإنصاف: بشر بن رافع عندهم منكر الحديث قد اتفقوا على إنكار حديثه، وطرح ما رواه وترك الاحتجاج به، ولا يختلف علماء أهل الحديث في ذلك، والذين يروون عن بشر: حاتم بن إسماعيل وعبد الرزاق وصفوان بن عيسى، ولو صح حديثه احتمل من التأويل أنه كان يفتتح بها دون غيرها من السور ولم يقل دون البسملة؛ لأن البسملة في أوّل كل سورة مثبتة في المصحف . ورواه عبد الواحد بن زياد - يعني: من عند مسلم - وهو منقطع، فإنّ مسلما قال في أوّله: حدثت عن يحيى بن حسان ويونس بن محمد المؤدب وغيرهما قالوا: أنبأنا عبد الواحد به، ووصله البزار فقال: ثنا محمد بن مسكين اليمامي، عن يحيى بن حسان، وقال أبو نعيم: ثنا أبو بكر الطلحي ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا ابن عسكر ثنا يحيى بن حسان ثنا عبد الواحد، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا نهض في الثانية استفتح القراءة بالحمد لله، ولم يسكت قال أبو عمر: وهذه رواية يغني ظاهرها عن الكلام فيها. انتهى كلامه وفيه نظر في مواضع: الأوّل: قوله: ولا يختلف علماء أهل الحديث في ذلك ليس جيدا؛ لأنه ممن قال فيه أبو زكريا يحيى بن معين فيما رواه عباس : لا بأس به . وقال أبو أحمد بن عدي : لا بأس بأخباره، ولم أجد له حديثًا منكرًا . وقال أبو بكر البزار : ليّن الحديث، وقد احتمل حديثه وخرج له الحاكم في الشواهد، وقال: ليس بالمتروك وإن لم يخرّجاه . الثاني: روى عنه غير من ذكر؛ وهو عبد الوهاب بن همام أخو عبد الرزاق ويحيى بن أبي كثير، وهو من شيوخه. الثالث: وجدنا لهذا الحديث طريقًا على رسم الشيخين: قال الطبراني: ثنا محمد بن العباس الأخرم، ثنا أبو حفص عمرو بن علي، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن سمعت الأعرج يحدّث عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا افتتح الصلاة قال: الحمد لله رب العالمين ثم يسكت هنيهة ثم قال: لم يروه عن شعبة إلا أبو داود، ورواه أبو الحسن عن ابن صاعد، ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو داود عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة سمعت الأعرج به، وقال: لم يرفعه غير أبي داود عن شعبة، ووقفه غيره من فعل أبي هريرة، وحديث العلاء بن عبد الرحمن المذكور عند مسلم قال أبو عمر بن عبد البر : وهو أصح حديث روي في سقوط البسملة منْ أوّل الفاتحة، رواه مالك، عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام، سمعت أبا هريرة سمعت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال العبد: الحمد للَّه رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي الحديث. ورواه ابن جريج، عن العلاء كرواية مالك سواء، ورواه شعبة والثوري وابن عيينة عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، ولم يذكروا أبا السائب؛ فمن أهل العلم بالحديث من جعل هذا اضطرابًا يوجب التوقف، عن العمل بحديث العلاء، ومنهم من قال: ليس هذا باضطراب؛ لأن العلاء روى هذا الحديث عن أبيه، وعن أبي السائب جمعيا كذا رواه أبو أويس عنه، والقول عندي في ذلك أن مثل هذا الاختلاف لا يضر؛ لأن أباه وأبا السائب من الثقات؛ فعن أيهما كان فهو من أخبار العدول التي يجب الحكم بها . وفي حديث منصور بن أبي مزاحم - وهو من أهل الصدق عندهم ثنا أبو أويس عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قال أبو عمر: تعضد هذه الرواية رواية مالك وغيره: اقرأ بها في نفسك يا فارسي. ورواه الدارقطني من حديث يوسف بن يعقوب بن البهلول حدثني جدي، ثنا أبي، ثنا ابن سمعان ( عبد الله بن زياد بن سمعان ، وهو متروك الحديث ) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال اللَّه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: بسم اللَّه الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي، ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، فأقول: حمدني عبدي الحديث. ثم قال: رواه جماعة من الثقات عن العلاء منهم: مالك وابن جريج، وروح بن القاسم وابن عيينة وابن عجلان والحسن بن الحر، وأبو أويس، وغيرهم على اختلاف منهم في الإسناد، واتفاق منهم على المتن، فلم يذكر أحد منهم في حديثه: بسم الله الرحمن الرحيم، واتفاقهم على خلاف ما رواه ابن سمعان أولى بالصواب، وقال البيهقي : وابن سمعان ضعيف ، لا يفرح بما ينفرد به - والله أعلم - وقال الملاحي الغافقي الحافظ : تفرد آدم بن أبي إياس عن ابن سمعان بذكر البسملة، وآدم من شرط الشيخين ومذهبهما أن الزيادة عندهما من الثقة مقبولة. انتهى كلامه، وقد أسلفناه من غير حديث آدم، والله أعلم.

518

48 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية، قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه قال: قلّ ما رأيت رجلا أشد عليه في الإسلام حدثا منه، فسمعني وأنا في الصلاة أقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني إياك والحدث فإني صليت مع رسول الله - صلّى اللَّه عليه وسلّم - ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع رجلا منهم يقوله ؛ فإذا قرأت فقل: الحمد للَّه رب العالمين . هذا حديث قال فيه الترمذي والطوسي : حسن بلفظ: فلا تقلها إذا أنت صليت فقل، زاد أبو عيسى: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين؛ وبه يقول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. وفي مسند أحمد: فكانوا لا يستفتحون القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم . وفي لفظ: كان أبونا إذا سمع أحدنا يقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم قال: أهي؟ أهي؟ صليت خلف النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم . وقال البيهقي : تفرد به أبو نعامة، واختلف عليه في لفظه، وابن عبد اللَّه بن مغفل وأبو نعامة لم يحتج بهما صاحبا الصحيح، وقد قيل: عن أبي نعامة عن أنس، وعارضه الشافعي بحديث أنس عن معاوية - يعني: الآتي بعد. وقال الخطيب : قد طعن بعض الفقهاء في سنده، وقال: قيس غير ثابت الرواية، قال: وقيس لا أعلم أحدا رماه ببدعة في دينه ولا كذب في روايته، ولكن ابن عبد الله مجهول، ولو صح حديثه لم يكن مؤثرا في حديث أبي هريرة ؛ لصغره وكبر أبي هريرة، ولأنّ النبي - صلّى الله عليه وسلّم - كان يقول لأصحابه: ليليني منكم أُولو الأحلام والنهى . وقال ابن خزيمة في كتاب البسملة: مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول . وقال النووي : نسب جماعة الترمذي في تحسينه إلى التساهل، وقالوا: هو حديث ضعيف، وعلى فرض الصحة فلا يلزم من عدم السماع عدم القراءة بها سرا. وقال أبو عمر : وقد زعم قوم أن الجريري انفرد به، وليس هو عندي كذلك؛ لأنه قد رواه غيره عن قيس، والمنفرد به قيس، وهو ثقة عند جميعهم، وأما ابن عبد الله فلم يرو عنه إلا قيس فيما علمت، ولم يرو عنه إلا واحدًا فهو مجهول عندهم، والمجهول لا تقوم به حجة. ورواه معمر عن الجريري قال: أخبرني من سمع ابن عبد اللَّه بن مغفل. ورواه إسماعيل بن مسعود عن عثمان بن غياث، عن أبي نعامة لم يذكر الجريري، فالحديث إنما يدور على ابن عبد اللَّه، وقد تقدّم الخبر عنه. وفي لفظ لعثمان بن غياث: كان إذا سمع أحدا يقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم . انتهى. وفيما تقدم من الكلام جميعه نظر؛ لما نذكره بعد من أن الصواب قول من حسنه، وأنّ أبا نعامة لم ينفرد به، وأنّ ابن عبد الله بن مغفل ليس مجهولا. وقول البيهقي : لم يحتجا به غير مؤثر في عدالته؛ لأنهما لم يشترطا الإخراج عن كل ثقة ولا التزماه، ولو اشترطاه لما أطاقاه. وأما قول من زعم أن ابن مغفل صغير فصواب؛ لأنه ممن بايع تحت الشجرة، ومن البكائين، ومن الفقهاء الذين أرسلهم عمر ليفقهوا أهل البصرة، فعلى هذا يكون سنه من سن أبي هريرة قرينه، مع فقهه وقلة روايته وفيهما ترجيح والله أعلم. أما ابن عبد الله بن مغفل: فيه ذكر اسمه والرواية عنه . قال الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه: رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب ومن خطه نقلته ذكر من طريق زفر عنه، عن أبي سفيان، عن عبد الله بن يزيد بن مغفل، عن أبيه أنه صلى خلف إمام، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فقال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم قال: وهكذا رواه محمد بن الحسن، وأبو يحيى الحماني، واللؤلؤي، عن أبي حنيفة، والصواب، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، أنبأناه الخلال أنبأنا ابن المظفر، ثنا ابن صاعد، ثنا أبو الخطاب زياد الحساني، ثنا بكر بن بكار، ثنا حمزة الزيات، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه أنه صلى خلف إمام فجهر بالبسملة، فلما فرغ من صلاته، قال: يا هذا غير عنا هذه التي أراك تجهر بها، قد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر ومع عمر، فلم يجهروا بها. وزعم ابن الجوزي أن البخاري ذكره في تاريخه، ورأيت حاشية بخط شيخنا الحافظ الدمياطي، عن زيد، ورأيت في بعض نسخ الترمذي، عن قيس، عن عتبة بن عبد الله بن مغفل، ويشبه أن يكون وهما. وفي قول أبي عمر والبيهقي : إن قيسا تفرد به، وإن ابن مغفل لم يرو عنه غيره، نظر، لما ذكرناه من كتاب الخطيب، ولما في كتاب أبي القاسم الكبير، وذكر ترجمة يزيد بن عبد الله بن مغفل عن أبيه، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا محمد بن النضر الأزدي، ثنا شهاب بن عباد، قالا: ثنا خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن قيس بن عباية، عن ابن لعبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال مسدد في حديثه: كانوا يستفتحون بالحمد لله، وثنا ابن محمد الجذوعي القاضي، حدثنا عقبة بن مكرم العمي، ثنا سالم بن نوح، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله، فتبين لك أن قيسا لم ينفرد، وأن ابن مغفل روى عنه ثلاثة، فخرج بذلك عن الجهالة، والله أعلم . وفي الباب: حديث أبي السائب رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا صلى والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه، فلما قضى صلاته، قال: ارجع فصل ثلاثا، فقال: ابدأ، فكبر، وتحمد الله، وتقرأ أم القرآن الحديث، ذكره البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام، عن يحيى بن بكير، عن عبد الله بن سويد، عن عياش، عن بكر بن عبد الله، عن علي بن يحيى عنه، وسيأتي لهذا زيادة في باب القراءة إن شاء الله تعالى. وحديث أبي بن كعب، قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتحة الكتاب، ثم قال: قال ربكم: ابن آدم أنزلت عليك سبع آيات، ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني وبينك، فأما التي لي: فالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والتي بيني وبينك: إياك نعبد، وإياك نستعين منك العبادة وعلي العون لك. وأما التي لك: فاهدنا الصراط المستقيم، هذه لك، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: النصارى . رواه أبو القاسم في الأوسط بسند ضعيف من حديث سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه. وقال: لم يروه عن الزهري إلا ابن أرقم . وحديث أبي بكر الصديق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر، ثم يبتدئ بالحمد، ذكره عبد اللطيف بن يوسف البغدادي في كتاب الواضحة في الكلام على الفاتحة وحديث جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم،قال: أثنى علي عبدي الحديث رواه في كتاب معجم الإسماعيلي بسند صحيح. وقد وردت أحاديث معارضة لما تقدم منها: حديث ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم . رواه أبو عيسى من حديث المعتمر، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد الوالبي هرمز عنه، وقال: ليس إسناده بذاك، وقال أبو عمر : الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس فعله، لا مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واختلف عليه أيضا، والأكثر والأشهر أنه كان يجهر بها، وأنها أول آية في الفاتحة، وعليه جماعة أصحابه، ورواه ابن جميع في معجمه من حديث أحمد بن محمد بن عمارة عنه مرفوعا، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة، ذكرها الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن حسان، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير عنه، وقال: قد احتج البخاري بسالم هذا، وهو ابن عجلان الأفطس، واحتج مسلم بشريك، وهذا إسناد صحيح، ليست له علة، ولم يخرجاه. وقال ابن دحية : هذا حديث حسن غريب، وهو صالح الإسناد، مستقيمه، ورواه أيضا من عند الطبراني من حديث سعيد بن خثيم عن الأوقص، عن عطاء عنه، وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي مشيخة ابن كليب بسند لا بأس به أن ابن عباس لما تلا: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قال: هي الحمد، وعد البسملة آية منها . وفي كتاب الدارقطني بإسناد حكم هو عليه بالصحة في بعض النسخ من حديث أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثني أبي، عن أبيه قال: صلى بنا المهدي المغرب، فجهر بالبسملة، فسألته، فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر بالبسملة، قال: قلت: فآثره عنك؟ قال: نعم، ومن حديث جعفر بن عنبسة، عن عمر بن حفص المكي، حدثنا ابن جريج، عن عطاء عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم حتى قبض، المكي مذكور في الثقات، وجعفر جهله ابن القطان، ورد به الحديث الإشبيلي، وفي المستدرك من حديث المعتمر، عن مثنى بن الصباح، عن عمرو بن دينار، عن سعيد عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جاءه جبريل، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة، قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ومن حديث القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن الصباح البزار، ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن جبير عنه: كان - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، ومن حديث الوليد بن مسلم، ثنا ابن جريج، ثنا عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الخطيب في نهج الصواب: هذا حديث محفوظ، غير أنه مختلف في وصله وإرساله، وأما قول أبي العباس بن ياسين في كتاب إيضاح الدلالة والبرهان على أن البسملة آية من القرآن: لا أعلم لروايتها أثرا إلا حديث ابن عباس فغير صواب لما يأتي بعد. وفي الإنصاف: روى سعيد بن جبير عنه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يقولون: نراه يدعو إلى إله اليمامة، يعنون مسيلمة، فنزلت: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا فما جهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببسم الله الرحمن الرحيم بعد. قال أبو عمر : هذه الرواية الضعيفة في تأويل هذه الآية لم يتابع عليها الذي جاء بها، وفي المعرفة للبيهقي: وحديث ابن عباس عنه، وعن أصحابه مثل: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن جبير، وعكرمة مشهور، وفيه دلالة على خطأ وقع في رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عنه، قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قراءة الأعراب، قال ابن خزيمة: أراد بذلك والله أعلم أن الأعراب لا يخفى عليهم أن بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن وأنه يجهر بها، فكيف العلماء وأهل الحضر، وفي نهج الصواب للخطيب من حديث بحر السقاء، عن الزهري، عن عبيد الله عنه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، ويقول: من تركها فقد ترك آية من كتاب الله تعالى من أفضلها. وحديث نعيم المجمر قال: كنت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ: وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين، ويقول الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث الليث، حدثني خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن نعيم، وقال في كتاب البسملة تأليفه: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهر بها بإسناد ثابت لا ارتياب في صحته، فذكر حديث أبي هريرة هنا، وقال أبو عمر : هذا حديث محفوظ من حديث الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، وهما جميعا من ثقات المصريين، وأما الليث فإمام أهل بلده، وقد رواه غير الليث وقد تابع المقرئ، ومولى التوأمة نعيما. وقال الدارقطني : رواته ثقات، وذكره ابن حبان في صحيحه أيضا، وابن الجارود في منتقاه، وقال البيهقي : إسناده صحيح، وفي موضع آخر: رواته ثقات مجمع على عدالتهم، محتج بهم في الصحيح، وكذا قاله أبو محمد الإشبيلي . وقال الخطيب في كتاب الجهر: هذا حديث ثابت صحيح، لا يتوجه عليه تعليل لاتصال إسناده، وثقة رجاله، وصححه أيضا أبو شامة، وغيره، ورواه أبو عبد الله، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الحكم، ثنا أبي، وشعيب بن الليث، ثنا الليث، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال عنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وشاهده ما حدثناه أبو محمد عبد الله بن إسحاق العدل ببغداد، ثنا إبراهيم بن إسحاق السراج، ثنا عقبة بن مكرم الضبي، ثنا يونس بن بكير، ثنا مسعر، عن محمد بن قيس، عن أبي هريرة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي كتاب الدارقطني وذكر حديث محمد بن قيس: الصواب أبو معشر، وفيه أيضا، ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا عبد الله بن صالح، ويحيى بن بكير، وثنا أبو بكر، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا ابن أبي مريم قالوا: ثنا الليث، عن خالد بن يزيد بهذا الإسناد نحوه، وكذلك رواه حيوة بن شريح المصري، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال بهذا الإسناد نحوه، وفيه أيضا بسند صحيح من حديث منصور بن أبي مزاحم، ثنا أبو أويس، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو هريرة: هي آية من كتاب الله، اقرؤوا إن شئتم فاتحة القرآن، فإنها الآية السابعة، وثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي الثلج، ثنا عمر بن شبة، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا خالد بن إياس ( يعني القائل فيه البخاري وغيره: ليس بشيء، وإن كان ابن عدي قال: مع ضعفه يكتب حديثه، وخرج له الحاكم في مستدركه ) عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: علمني جبريل الصلاة، فقام، فكبر، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة وفي لفظ: أمني جبريل، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، هو فيه بسند صحيح، وقال ابن عبد البر: مما يشهد لصحة حديث ابن أبي هلال، عن نعيم ما رواه المقبري، وصالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: ورواه إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي كان إذا افتتح الصلاة جهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم، ورواه عن أبي أويس عبد الله كما رواه ابنه، ورواه الحاكم في الإكليل من حديث إسحاق بن عبد الواحد القرشي، ثنا المعافى بن عمران، عن نوح بن أبي بلال، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، أولهن بسم الله الرحمن الرحيم، وهي السبع المثاني ومن حديث أبي بكر الحنفي ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد، عنه قال عليه السلام: إذا قرأتم: الحمد لله، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم آخر آياتها. قال أبو بكر الحنفي : ثم لقيت نوحا، فحدثني عن سعيد، عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه، وفي هذا رد لما قاله أبو القاسم في الأوسط، ورواه من حديث علي بن ثابت الجزري، عن نوح بلفظ: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم، وهي السبع المثاني، وهي أم القرآن وفاتحة الكتاب لم يروه عن نوح إلا عبد الحميد، تفرد به علي بن ثابت، وذكره عبد الحق في كتابه مصححا له، وعاب ذلك عليه ابن القطان بأن الحنفي رواه له سعيد موقوفا بخلاف ما رواه له عبد الحميد، فصارت المسألة مسألة ما إذا روي عن رجل حديث، وأنكر أن يكون حدث به، أو يكون مسألة رجل مضعف اختلف عليه، انتهى. عبد الحميد حديثه عند الشيخين فإذا رفع شيئا قبل منه، والله أعلم . وفي كتاب نهج الصواب في أن البسملة آية من فاتحة الكتاب. ورواه المعافى بن عمران الموصلي، عن عبد الحميد، عن نوح، عن أبي سعيد، ولعل نوحا سمعه منهما، ورواه عنهما، ويصح القولان معا. وحديث أنس عن معاوية بن أبي سفيان وصلى بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمعه من المهاجرين والأنصار من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك: قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجدا . رواه الحاكم من حديث الشافعي، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره عنه، وقال: صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز، وسائر الرواة فيه متفق على عدالتهم، وهو علة لحديث شعبة وغيره، عن قتادة، عن أنس : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قتادة على علو قدره يدلس، ويأخذ عن كل أحد، وإن كان قد أدخل في الصحيح حديث قتادة، فإن في ضده شواهد ؛ يعني المذكورة قبل: البسملة آية من فاتحة الكتاب، ورواه المعافى بن عمران الموصلي، عن عبد الحميد. وقال أبو الحسن الدارقطني رحمه الله: رجاله كلهم ثقات، وهو مخالف لما قاله عمر بن بدر الموصلي: قال أبو الحسن الدارقطني : لا يصح في الجهر بالبسملة شيء، وقال أبو عمر، وابن دحية في كتاب الانتصار وذكر حديث معاوية : رواه الثقات، وبمعناه ذكره أبو شامة، وعند الدارقطني بهذا الإسناد: فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها، ولم يكبر حين يهوي، وفيه، قال: فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكبر. ومن حديث إسماعيل بن عياش، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده : أن معاوية قدم المدينة حاجا أو معتمرا، فصلى بالناس، فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب الحديث، وذكره الشافعي، عن يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد به، وقال: أحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول، قال البيهقي: أراد بذلك أن اثنين روياه عن ابن خثيم، عن إسماعيل، إلا أنه قال: عن إسماعيل بن عبيد، عن أبيه، عن جده . ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، كما رواه عبد المجيد، وابن جريج حافظ إلا أن الذين خالفوه عن ابن خثيم وإن كانوا غير أقوياء فهم عدد، ويحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه من الوجهين، والله أعلم. قال الخطيب: يحصل من هذا الحديث خاصة أن الجهر بالتسمية مذهب لمن كان بالمدينة من الصحابة، أجمعوا عليه، والإجماع عند مالك إجماع أهل المدينة، وفي كتاب الإنصاف: أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت ورفعت؟ قال: وذكر هذا الخبر عبد الرزاق وغيره، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر. وحديث أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، فعدها آية، الحمد لله رب العالمين آيتين، الرحمن الرحيم ثلاث آيات، مالك يوم الدين أربع آيات، وقال: هكذا إياك نعبد وإياك نستعين، وجمع خمس أصابعه، رواه ابن خزيمة في صحيحه وكتاب البسملة عن أبي بكر بن إسحاق الصغاني، ثنا خالد بن خداش، ثنا عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عنها، وخرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث خالد بن خداش، ثم قال: عمر بن هارون أصل في السنة، وإنما خرجته شاهدا، وذكر أبو شامة في كتاب البسملة أنه حديث صحيح، وتبعه غيره من المتأخرين. وفي سنن الدارقطني من حديث محمد بن سعيد الأصبهاني، عن عمر بن هارون بلفظ: قطعها آية آية، وعدها عد الأعراب، وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية، وفي كتاب أبي عبيد بن سلام، ثنا يحيى بن سعيد الأموي، ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة بلفظ: يقطع قراءته آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج بلفظ: يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حرفا حرفا، وفي كتاب زكريا الساجي: ثنا محمد بن موسى الحرشي، ثنا عمر بن محمد المقدمي، ثنا نافع بن عمر الجمحي: سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن أم المؤمنين أنها سئلت عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: أوتقدرون على ذلك؟ كان يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يرتل آية آية . ولما رواه أبو عيسى، عن علي بن حجر، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج من غير ذكر التسمية قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل، لأن الليث روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة، أنها وصفت قراءة النبي حرفا حرفا، وحديث الليث أصح قد ذكرنا من رواه غيره قبل، ولكن علة الانقطاع هي الموجبة للرد، وأما عمر فقد قال فيه أبو عاصم: كان أحسن أخذا للحديث من ابن المبارك، وقال أحمد: ما أقدر أتعلق عليه بشيء، وقال البخاري: هو مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل إلا حديثا واحدا، وقال أحمد بن سيار: كانت مرجئة بلخ يقعون فيه، وكان قتيبة يطريه، ويوثقه، وقال وكيع: كان يعرف بالحفظ، وكان أعلم الناس بالقرآن، وقيل لابن مهدي: بلغنا أنك تذكره، فقال: أعوذ بالله، ما قلت فيه إلا خيرا، ولئن سلمنا الانقطاع الذي حكاه أبو عيسى، وإن كان لم يجزم به، فالواسطة ثقة عند ابن حبان، فغير ضار للحديث، على أن ابن أبي مليكة قد روى وسمع ممن هو أقدم موتا من أم سلمة، وهو معاصرها وقطين بلدها، وهذا كاف عند كثير من العلماء إذ لم ينص عليه أحد، والله أعلم . وحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم . ذكره أبو القاسم في الأوسط بسند واه، وقال: لم يروه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع إلا ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، تفرد به عتيق بن يعقوب الزبيري، وفي موضع آخر: بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن، وفي السورة التي تليها، ويذكر أنه سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم ولما ذكره أبو بكر الخطيب في تاريخ بلده، عن أحمد بن محمد بن رزق، أنبأنا أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم بن حمي، وجعفر بن محمد ابن بنت حاتم، ثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا عتيق فذكره. قال: محمد بن حمي ما علمت من حاله إلا خيرا. وفي العلل للدارقطني: وقد جاء من رواية معتمر، وعقبة بن تمام، وأبي حمزة، عن عبد الله بن عمر، يعني العمري مرفوعا ورواه أيوب السختياني، وابن عون، والحسن بن الحر، والضحاك بن عثمان، ويزيد بن عياض، وعطاف، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، ورواه في السنن بسند صحيح، عن أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن رشدين بن خثيم الهلالي، ثنا عمي سعيد بن خثيم، ثنا حنظلة بن أبي سفيان عن سالم عنه، أنه كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بها. ورواه أيضا بسند ضعيف من حديث جعفر بن محمد بن مروان ثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع عنه قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ورواه في الإكليل بسند أوهى من حديث إسماعيل بن محمد الطلحي، حدثني داود بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن نافع عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كان جبريل عليه السلام إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي علي بسم الله الرحمن الرحيم، ولما ذكره أبو عمر من حديث علي ابن حجر، ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير مرفوعا عنه قال: قد رفعه غيره أيضا عن ابن عمر، ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف، كذلك رواه سالم ونافع انتهى كلامه، وفيه نظر لما أسلفناه مرفوعا عن هذين، والله أعلم عن سالم، عن أبيه بلفظ ابن أبي فديك، وزعم الشيخ أبو عمرو عثمان بن دحية أخو الحافظ أبي الخطاب في كتاب الانتصار لما صح في البسملة من الأخبار أن حديث أبي الطاهر، عن ابن أبي فديك صحيح، لا مطعن في رجاله لأحد، وجميع رواته ثقات حفاظ أثبات، وهو على شرط الأئمة الملتزمين لتخريج الصحيح، وهو حديث عزيز الوجود، يلزمهم إخراجه لصحته، واستواء طريقه في العدالة والحفظ الجلالة، وهو يساوي رحلة، ولو ضربت أكباد الإبل في طلبه إلى برك الغماد لكان قليلا، وقد خرج جماعة من الحفاظ في البسملة أجزاء لا تساوي هباء. ولابن عبد البر في ذلك كتاب سماه بالإنصاف هو أجودها، إلا أنه ما عثر على هذا الحديث، ولا اهتدى إليه، ولا وقف كما لم يقف غيره من المتعصبين للشافعي، انتهى كلامه، وهو لا يساوي فلسا، لأن أبا الطاهر قال فيه الدارقطني وغيره: كذاب ، ولو هداه الله لما هدانا إليه لم يتبجح بحديث مطعون عليه، والظاهر أنه ما نظر في سنن أبي الحسن، إذ لو نظرها لاعتمد حديث سالم لسلامته من الشوائب، والله أعلم. ولهذا فإن الخطيب لما ذكر هذه الطريق قال: هذه أوضح طريقا من حديث سالم كان لا يجهر. وحديث جابر بن عبد الله قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ قلت: أقرأ الحمد لله رب العالمين. قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم . رواه في الإكليل بسند جيد من حديث عبد الله بن نافع الصائغ، وحديثه عند مسلم، عن جهم بن عثمان، وحديثه مصحح عند الحاكم في مستدركه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عنه . وحديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته، رواه أيضا بسند لا بأس به، وقال أبو شامة : هو صحيح عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن عن أبيه، عن جده عبد الله بن الحسن بن حسن، عن أبيه، عن الحسن بن علي، عن علي، ورواه أيضا بسند ضعيف من حديث عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا بلفظ يجهر في السورتين جميعا . ومن حديث جعفر بن محمد وقبله مجهولون، عن أبيه عن أبيه، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ قلت: الحمد لله رب العالمين، قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم . ومن حديث ، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي، وعمار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم، ورواه أيضا من حديث ابن حسان العبدي، عن الجعفي بنحوه. ورواه أبو عمرو بن دحية من جهة الطبراني من حديث ، عن محمد بن حسان العبدي، عن جابر، ثم قال: هذا حديث غريب، وهو صالح الإسناد إن شاء الله تعالى، انتهى كلامه. وما أدري من أي أمريه أعجب؟! أمن استغرابه مع ما أسلفناه من المتابعات والشواهد؟ أم من صلاحية إسناده، وفيه إبراهيم وجابر، ولا صلاح مع وجودهما، والله أعلم . وفي نهج الصواب لأبي بكر : وقد صحت الرواية عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، أنهم عدوا البسملة آية من الفاتحة. وحديث بريدة بن الحصيب قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ قال: قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: هي هي . رواه أيضا بسند فيه إبراهيم بن مجشر ، وأبو خالد الدالاني ، وعبد الكريم أبو أمية ، وهم ضعفاء ، ومن طريق مثلها عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال عبد الله: وكان ابن عمر يجهر بها، وابن عباس، وابن الحنفية. وفي نهج الصواب للخطيب من حديث يزيد أبي خالد عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أنزلت علي آية لم تنزل على نبي غير سليمان وغيري، وهي بسم الله الرحمن الرحيم قال: ورواه سلمة بن صالح الأحمر، عن يزيد، عن عبد الكريم أبي أمية، عن سليمان. وحديث الحكم بن عمير، وكان بدريا، قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل، وفي صلاة الغداة، وصلاة الجمعة، رواه أيضا عن الحسن بن بشر، ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار، ثنا إبراهيم بن حبيب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي عنه، قال الخطيب: كان شهد إملاك الحسن بن علي بن أبي طالب. وقال أبو عمر في كتاب الاستيعاب: الحكم بن عمير الثمالي ، شهد بدرا، رويت عنه أحاديث مناكير من حديث أهل الشام لا تصح . وقال أبو حاتم : الحكم بن عمير لا يذكر سماعا ولا لقاء، روى عنه ابن أخيه موسى بن أبي حبيب نسخة منكرة، وهو ضعيف الحديث، وبنحوه قاله العسكري في كتاب الصحابة، وفي كلاميهما نظر، لما تقدم من شهوده بدرا عند الدارقطني، وابن منده ، ولما ذكره ابن أبي عاصم في معرفة الصحابة وصفه بأنه من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك بقي بن مخلد فيما ذكره ابن حزم وغيره . وحديث طلحة بن عبيد الله قال صلى الله عليه وسلم: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله وقد عدها علي فيما عد من أم الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. ذكره الخطيب في نهج الصواب من حديث محمد بن يونس بن موسى، ثنا غانم بن الحسن بن صالح السعدي، ثنا سليمان بن مسلم المكي، ثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة عنه، وذكره الحاكم في الإكليل من حديث سليمان بن مسلم بلفظ: من ترك من أم الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم. وحديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه أيضا بسند واه من حديث الحكم بن عبد الله بن سعد، عن القاسم عنها، ومن حديث محمد بن أبي الخصيب الأنطاكي، ثنا عبد الجبار بن الورد سمعت ابن أبي مليكة، سمعت عائشة وسئلت عن آية؟ فقالت: بسم الله الرحمن الرحيم، ألم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم. وحديث ابن أبي أوفى : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزيني منه، قال: بسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر الحديث، رواه أيضا بسند فيه ضعف، وسيأتي الكلام عليه بعد، ومن صححه بغير هذه الزيادة. ومرسل عكرمة المذكور عند أبي داود: إن الله أوحى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أني قد أنزلت عليك آية الإيمان، وهي بسم الله الرحمن الرحيم، فلتكن افتتاح قراءتك وصلاتك، فإنه من جعلها في افتتاح قراءته وصلاته إذا مات على ذلك لم يروعه منكر ونكير الحديث بطوله. وحديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم عن جبريل، عن إسرافيل، عن رب العزة: من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم متصلة بفاتحة الكتاب في صلاته غفرت ذنوبه . ذكره الحافظ أبو القاسم محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الملاحي الغافقي الأندلسي بسند فيه مجاهيل، زاد الحافظ أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي في كتاب رغائب القرآن تأليفه، عن أبي بكر قال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم، وهي السبع المثاني . ويؤيده أن أبا بكر - رضي الله عنه - مذهبه الجهر بها فيما حكاه البيهقي في المعرفة، وذكره أبو مروان المعروف بابن أبي الغصن اللخمي في الأربعين التي خرجها في التعوذ بإسناد مسلسل بقوله: بالله العظيم لقد حدثني . وحديث سمرة الآتي بعد عند ابن ماجه بسند صحيح، وقال أبو شامة : هو صحيح، قال الدارقطني والبيهقي : إسناده ثقات، ولفظه: كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - سكتات: سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وحديث النعمان بن بشير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أمني جبريل عليه السلام عند البيت، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . ذكره الخطيب في كتاب الجهر بها عن أحمد بن محمد بن الصلت ثنا ابن عقدة، ثنا يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي، ثنا أحمد بن حماد الهمداني، عن فطر، عن أبي الضحى عنه، وحديث مجالد بن ثور، وبشر، وقيل: بشر بن معاوية، وكانا من الوفد الذين قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم فعلمهما: يس، وقراءة الحمد لله رب العالمين، والمعوذات الثلاث، وعلمهما الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم، والجهر بها في حال الصلاة، ذكره أيضا بسند فيه مجهولان وحديث حسين بن عرفطة الأسدي قال أبو موسى في كتاب الصحابة تأليفه كان اسمه حسيلا باللام، فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - حسينا، ثم ذكر بسند فيه مجاهيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: إذا قمت إلى الصلاة فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حتى تختمها، بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد إلى آخرها قال أبو عمر: وممن كان يجهر بها: عمر بن الخطاب، وعلي، وعمار والطرق عنهم ليست بالقوية، وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يقرأها، وروي أنه كان يسر بها، وكذلك اختلف عن أبي هريرة، وابن عباس، زاد البيهقي: وهو مذهب أهل البيت، زاد الخطيب: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والحسين بن علي، وأبا قتادة، وأبا سعيد الخدري، وابن أبي أوفى، والمعتمر ونافعا، وابن المسيب، وأبا بكر بن محمد، وعمرا، وأبا وائل، وابن سيرين، وابن المنكدر، والأزرق ابن قيس، وعلي بن عبد الله بن عباس، وزيد بن أسلم، وأشعث بن أبي الشعثاء، وعبد الله بن مغفل بن قرن، وعبيد الله العمري، ومكحولا، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وابن أبي ذئب، وأبا سنان ضرار بن مرة الشيباني، والليث بن سعد، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير، وابن عمر وشداد بن أوس بلا خلاف، وهو قول عطاء، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي قلابة، وعطاء الخراساني، وهو أحد قولي ابن وهب، وكان مالك يرى قراءتها في النوافل في الفاتحة وفي سائر السور، وهو قول محمد بن الحسن، وكان الشافعي يرى قراءتها في المكتوبات والنوافل فرضا، ومن أسقط منها حرفا واحدا لم تجزئ صلاته. وذكر أبو عمرو بن دحية، عن القاضي أبي بكر بن الطيب القطع على وهم الشافعي في البسملة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - واجب عليه أن يعلم أمته، وأمره الله تعالى بالتبليغ، وخمس صلوات يصليها في كل يوم، فيكف لم يبلغ؟ قال ابن دحية: وللشافعي فيها قولان: أحدهما أنها آية من فاتحة الكتاب دون غيرها، والآخر: هي آية من كل سورة. قال ابن عبد البر: ومذهب الإمام أحمد الإسرار بها كمذهب الكوفيين، قال: لا يجهر بها أحد إلا في قيام رمضان في غير فاتحة الكتاب من السورتين، فإنه من فعل ذلك فلا شيء عليه. وروى ابن نافع عن مالك لا بأس بقراءتها في الفريضة والنافلة، قال: ولا يصح هذا عن مالك، وإنما هو صحيح عن ابن نافع، وقد روي عن ابن مسعود يعني: خلاف ذلك: ثلاث يخفيهن الإمام: الاستعاذة، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، وروي عن علي، والحسن، وابن سيرين، وأبي جعفر، والثوري، والنخعي، وسائر الكوفيين. وحكى أبو نعيم بن دكين، عن إبراهيم: الجهر بها بدعة، وفي لفظ: ما أدركنا أحدا يجهر بها، وفي لفظ: افتتح الصلاة، وتعوذ، واقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، وتقول ذا في نفسك، وذكر ابن بدر الموصلي في كتابه المغني: لم يصح شيء في كون البسملة آية من كل سورة. وفي الواضحة، قال علي بن عيسى: معظم الفقهاء على أنها في الحمد ليس من السورة، وأنها آية مفردة، والإجماع على أنها لا تعد في أوائل آية من السور، بل آية من القرآن مفردة. وقال أبو بكر الرازي الحنفي: هي آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة، وليست من السور، بل هي قرآن مستقل، كسورة قصيرة، وحكي هذا عن داود وأصحابه، وهي رواية عن أحمد، وقال محمد بن الحسن: ما بين دفتي المصحف قرآن، وأجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها، لاختلاف العلماء فيها، وذكر الإمام أبو زكريا يحيى بن علي بن عبد الرحمن القيسي إمام مسجد العيثم بمصر في كتابه التفسير أن الفاتحة سبع آيات بغير البسملة، لما في الحديث في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها ثلاث آيات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فقال: هؤلاء، وأقل الجمع ثلاثة . وفي المعرفة للبيهقي: وذهب بعض أهل العلم إلى أنهم كانوا قد يجهرون بها وقد لا يجهرون، والرواية فيهما صحيحة من طريق الإسناد. وذكر أبو نعيم في كتاب الصلاة، عن يعقوب بن عطاء، قال: صليت خلف عدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والأمر فيه واسع، فإن شاء جهر، وإن شاء أسر، إلا أنه لا بد من قراءتها، وإنما اختلافهم في الجهر دون القراءة، ومن قال: لم يقرأ أراد لم يجهر، وكذا الجواب عن حديث ابن المغفل، والله تعالى أعلم. قال عبد اللطيف بن يوسف: ومن أسماء الفاتحة: أم الكتاب، والسبع المثاني، والوافية، وسورة الصلاة، وسورة الشفاء، والشافية، وسورة الكنز، والواقية.

519

156 - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع ح، وثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا يحيى بن سعيد قالا: ثنا الأعمش عن عمارة، عن الأسود قال: قال عبد الله: لا يجعلن أحدكم للشيطان في نفسه جزءا، يرى أنّ حقًا لله عليه أن لا ينصرف إلّا عن يمينه، قد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر انصرافه عن يساره . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما.

520

157 - حدثنا بشر بن هلال الصواف، ثنا يزيد بن زريع عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة . هذا حديث إسناده صحيح إلى عمرو، وقد تقدَّم الخلاف في الاحتجاج بعمرو في أوائل الصلاة

521

158 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد، ثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ثم يلبث في مكانه يسيرًا قبل أن يقوم . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه، وفي لفظ عنده: كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي الباب حديث أنس بن مالك من عند مسلم قال: أكثر ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينصرف عن يمينه وفي لفظ: لا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي قال مالك: لا يثبت الإمام بعد سلامه، وقال أشهب: له أن ينتقل من موضعه، وقال أبو حنيفة: كل صلاة ينتقل بعدها يقوم، وما لا نافلة بعده كالعصر والصبح لا يقوم، وقال محمد: ينتقل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه من سجوده سهو، وقال الشافعي: يستحب له أن يثبت ساعة.

522

باب الانصراف من الصلاة 155 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص عن سماك عن قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: أمّنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان ينصرف عن جانبيه جميعا . هذا حديث قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل، عن أبيه: ورواه عمرو بن أبي قيس، عن سماك بلفظ: كان يسلم عن يمينه، وعن يساره ولم يتابع عليه، إنَّما كان ينفتل عن يمينه، وعن شماله، وقد سبق في باب وضع اليمين على الشمال، وأنَ جماعة صححوه .

523

121 - حدثنا علي بن محمد، ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تُقْعِ بين السجدتين . 122 - وفي لفظ عنده من حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي موسى وأبي إسحاق: لا تُقْعِ إقعاء الكلب . هذا حديث خرجه الترمذي بلفظ: يا علي أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي وقال: لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد ، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، يكرهون الإقعاء. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما سقناه من عند ابن ماجه من أنّ أبا موسى رواه أيضًا عن الحارث ثم إنَّا عهدناه يحسن حديث الحارث عن علي، فمن ذلك حديث: كان إذا عاد مريضا قال: أذهب البأس رب الناس . وحديث: للمسلم على المسلم ست بالمعروف ولفظ الطوسي في كتاب الأحكام: لا تُقْعِ على عقبك في الصلاة وعند العقيلي بسند ضعيف عن الأصبغ قال: سمعت عليًا يقول: إذا رفع أحدكم رأسه من السجدة الثانية فليلزق أليته بالأرض، ولا يفعل كما تفعل الإبل، فإني سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ذلك توقير الصلاة .

524

باب الجلوس بين السجدتين 120 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن حسين المعلم، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، وإذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يفترش رجله اليسرى . هذا حديث خرجه مسلم، وقد سبقت الإِشارة إليه.

525

123 - حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا يزيد بن هارون أنبأنا العلاء أبو محمد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا رفعت رأسك من الركوع فلا تُقْعِ كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك، وألزق ظاهر قدميك بالأرض . هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف أبي محمد العلاء بن زيدل، ويقال: ابن زيدله الثقفي، البصري الأيلي، فإنّ ابن المديني قال: كان يضع الحديث ، وقال أبو حاتم الرازي : منكر الحديث، متروك الحديث ، كان أحمد يتكلم فيه ، وقال أبو داود : متروك الحديث ، وقال الدارقطني : متروك ، وقال البخاري : منكر الحديث ، زاد أبو جعفر : ونسبه أبو داود إلى الكذب ، وقال ابن حبان : يروي عن أنس نسخة موضوعة لا يحل ذكره إلّا تعجبا ، وقال النسائي : ضعيف ، وقال يحيى بن معين : ليس بثقة ، وقال الحاكم وأبو سعيد النقاش : يروي عن أنس أحاديث موضوعة ، وقال أبو أحمد الحاكم : حديثه ليس بالقائم ، وذكره غير واحد في جملة الضعفاء والمتروكين، ولم أر من أثنى عليه ، والله أعلم. وذكره البيهقي بلفظ: نهى عن الإقعاء والتورك، وفي الباب: حديث سمرة من عند الحاكم أبي عبد الله قال: أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نعتدل في السجود وأن لا نستوفز وقال: صحيح على شرط البخاري، وقد ورد في إباحته حديث، ولفظ البيهقي: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن الإقعاء في الصلاة وفي المصنف من حديث الحارث عن علي: أنه كره الإقعاء في الصلاة، وعن إبراهيم: أنه كره الإقعاء والتورك وكره الإقعاء أيضًا: الحسن، وابن سيرين، وعامر. وحديث أبي هريرة قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب رواه الإمام أحمد والبيهقي من رواية ليث بن أبي سليم، وعنده: وإقعاء كإقعاء القرد، وفي كتاب الترمذي: باب الرخصة في الإقعاء: ثنا يحيى بن موسى، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاوسا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي من السنة، فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال: بل هي سنة نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من الصحابة، لا يرون بالإقعاء بأسا، وهو قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم، وخرجه مسلم أيضا في صحيحه، وفي المشكل لأبي جعفر: اختلف أهل العلم في الإقعاء المنهي عنه، فذهب أبو حنيفة وجماعة سواه على أنَّه جلوس الرجل على عقبيه في صلاته، لا على أليتيه، محتجين بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعليّ: لا تقع على عقبيك في الصلاة وبحديث أبي هريرة: نهاني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أقعي في صلاتي إقعاء الذئب على العقبين قال أبو جعفر: قوله: على العقبين راجع إلى أبي هريرة؛ لأن الذئب لا عقبان له، فإن قال قائل: قد روى عطية العوفي قال: رأيت العبادلة يقعون في الصلاة: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ويراهم الصحابة فلا ينكرونه، فالجواب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحجة على خلقه، أو يكونوا لم يبلغهم النهي، والله تعالى أعلم. وفي المصنف: باب من رخص في الإقعاء، فذكر جابرا وأبا سعيد وطاوسا ومجاهدا وأبا جعفر. وفي كتاب البيهقي: عن أبي عبيدة معمر بن المثنى: الإقعاء: هو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، وفي موضع آخر: الإقعاء: جلوس الإنسان على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع، وفي الغريبين: وذكره في المعتل بالياء: قال أبو عبيدة: تفسيره عند الفقهاء: أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أكل مقعيا وقال النَّضر بن شميل: الإقعاء أن يجلس على وركيه، وهو الاحتفاز والاستيفاز، وفي المحكم، وذكره في المعتل بالواو: وأقعى الرجل في جلوسه: تساند إلى ما وراءه، وأقعى الكلب والسبع جلس على استه.

526

161 - حدثنا سهل بن أبي سهل، ثنا ابن عيينة وثنا علي بن محمد، ثنا وكيع عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء . هذا حديث خرجاه أيضا في صحيحيهما، وفي البخاري: وقال أبو الدرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ وفي الأوسط للطبراني عن أبي هريرة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالطعام وقال: لم يروه عن سهيل، عن أبيه إلا زهير، تفرد به إسماعيل بن عمرو، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن ابن إسحاق: ثنا عبد الله بن رافع عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا حضر العَشاء وحضرت العِشاء فابدؤوا بالعَشاء . وعن هاشم بن قاسم، عن أيوب بن عتبة، عن إياس بن سلمة، عن أبيه قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا حضرت الصلاة والعشاء فابدؤوا بالعشاء وقال الطبراني: لا يروى عن سلمة إلّا بهذا الإسناد، تفرد به أيوب. وفي المصنف عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء وعن وكيع، عن مسعر، عن أبي عاصم، عن يسار بن نمير قال: قال عمر بن الخطاب: إذا وضع العشاء، وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء . قال ابن المنذر: قال بظاهر هذا ابن عمر والثوري وأحمد وإسحاق، زاد القرطبي: أبا الدرداء وابن حبيب المالكي، وزعم الثوري أنَّ هذه الكراهة عند جمهور العلماء إذا صلى كذلك، وفي الوقت سعة، فإن خاف بحيث لو أكل خرج وقت الصلاة صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها، وحكى المتولي وجها أنه لا يصلي بحال، بل يأكل وإن خرج الوقت، وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور، ولكن يستحب إعادتها ولا تجب. وقال ابن الجوزي: وهذا إنما ورد في حق الجائع الذي قد تاقت نفسه إلى الطعام، وقد ظنّ قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق تعالى، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل العباد في العبادة بقلوب غير مشغولة ؛ وعن ابن المنذر: قال مالك: يبدأ بالصلاة إلّا أن يكون طعامًا خفيفًا. وقال ابن حزم: فرض على العبد البداءة بالأكل ولو خشي فوات الوقت، وزعم ابن حبان: أنه من الأعذار التي يباح فيها ترك حضور الجماعة، فإن قيل: قد روى أبو داود عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره قيل له: هذا حديث ضعيف؛ لأن في سنده محمد بن ميمون الزعفراني ومعلى بن منصور وهما ضعيفان ، وقال ابن شاهين: كل منهما له معنى: إذا وجبت لا تؤخر، وإذا كان الوقت مبقى بدأ بالعشاء .

527

باب إذا حضرت الصلاة ووضع العشاء 159 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء . هذا حديث خرجاه في الصحيح بلفظ: إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم وعند البستي: إذا قرب العشاء وأحدكم صائم فليبدأ به قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم وفي لفظ: فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب ولما ذكره الدارقطني قال: ولو لم تصح هذه الزيادة لكان معلوما من قاعدة الشرع الأمر بحضور القلب في الصلاة والإقبال عليها، وفي الأوسط: لم يقل فيه أحد: وأحدكم صائم إلا عمرو بن الحارث، تفرد به موسى بن أعين .

528

160 - حدثنا أزهر بن مروان، ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء . قال: فتعشى ابن عمر ليلة وهو يسمع الإقامة. هذا حديث خرجاه أيضًا بلفظ: ولا يعجل حتى يفرغ منه وفي لفظ عند البخاري: إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة .

529

162 - حدثنا محمد بن الصباح أنبأ سفيان بن عيينة عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة ذات الريح: صلوا في رحالكم . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وعن ابن القطان بسند صححه: إذا كانت الليلة الباردة أو المطيرة أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤذنه بأن ينادي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا جماعة، صلوا في الرحال صلوا في الرحال وعند ابن خزيمة: فكانت ليلة ظلماء أو مطيرة، وفي لفظ: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان إذا سافر .

530

باب الجماعة في الليلة المطيرة - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء، عن أبي المليح قال: خرجت في ليلة مطيرة، فلما رجعت استفتحت فقال لي: من هذا؟ قال: أبو المليح، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الحديبية وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا فنادى منادي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلوا في رحالكم . هذا حديث خرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، وكذلك ابن خزيمة، وفي لفظ عند ابن خزيمة: أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يوم حنين في يوم مطير الحديث. وفي الأوسط : غزوت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حنينا في سنة ثمان من رمضان فوافق يوم الجمعة يوم مطير فأمر المنادي الحديث، وقال: لم يروه عن أبي معاوية العباداني يعني عن أبي المليح إلا علي بن الجعد، ومن حديث أشعث بن سوار عن الحذاء عن أبي المليح عن أبيه: لقد رأيتني مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زمان الحديبية الحديث، وقال: لم يروه عن أشعث إلّا عبد الرحيم بن سليمان، ولم يذكر أشعث في حديثٍ أبا قلابة، ورواه الثوري عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن أبيه .

531

163 - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الوهاب، ثنا الضحاك بن مخلد، عن عباد بن منصور سمعت عطاء يحدّث عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال في يوم جمعة مطيرة: صلوا في رحالكم . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ: أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل هذا من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم، فتمشوا في الطين والدحض، وهو عند ابن ماجه أيضًا بنحوه من حديثه عن أحمد بن عبدة، ثنا عباد المهلبي، ثنا عاصم، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عنه، وفي لفظ: قد فعله من هو خير مني، يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية عند مسلم: أذّن مؤذن ابن عباس يوم جمعة في يوم مطير وفي الباب: حديث جابر بن عبد الله من عند مسلم: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فمطرنا، فقال: ليصل من شاء منكم في رحله . وحديث نعيم النحام قال: سمعت مؤذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ليلة باردة، وأنا في لحافي فتمنيت أن يقول: صلوا في رحالكم، فلما بلغ حي على الفلاح قال: صلوا في رحالكم ثم سألت عنها فإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمره بذلك. وحديث سمرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يوم حنين في يوم مطير: الصلاة في الرحال رواهما أحمد في مسنده، وحديث أبي هريرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر المؤذن فأذَّن الأذان الأول، فإذا فرغ نادى الصلاة في الرحال أو في رحالكم رواه أبو أحمد بن عدي من جهة محمد بن جابر وفيه ضعف . وحديث أبي سعيد الخدري من عند ابن خزيمة في حديث طويل، ذكره في باب الأعذار عن التخلف عن الجماعة، فيه قال: ثم هاجت السماء في تلك الليلة، فلما خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصلاة العشاء برقت برقة، فرأى قتادة بن النعمان قال: ما السرى يا قتادة؟ قال: علمت يا رسول الله أنَّ شاهد الصلاة الليلة قليل، فأحببت أن أشهدها الحديث. وحديث عتبان بن مالك وكان يؤم قومه وهو أعمى وأنه قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى فجاءه فقال: أين تحب أن أصلي الحديث، ذكره البخاري في باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله، وذكر ابن بطال وغيره: أن فيه إباحة التخلّف عن الجماعة في شدة الظلمة والمطر وشبهه، وهذا إجماع، وفيه دلالة أنّ الجماعة سنة والله تعالى أعلم.

532

50 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، ثنا أصبغ مولى عمرو بن حريث، عن عمرو بن حريث، قال: صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يقرأ في الفجر، فكأني أسمع قراءته: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ذا حديث رواه مسلم أيضا، وحديث أبي برزة المذكور بعد هذا خرجاه في صحيحيهما، وحديث ابن السائب كذلك إلا أن محمدا ذكره بغير إسناده

533

51 - حدثنا أبو بشر بكر بن خلف، ثنا ابن أبي عدي، عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، وعن أبي سلمة عن أبي قتادة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا، فيطيل في الركعة الأولى، ويقصر في الثانية، وكذلك في الصبح. ذا حديث خرجاه في الصحيح بلفظ: يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وفي لفظ عند البخاري: وكان يطول الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية، وفي لفظ لأبي داود قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. وفي الباب: حديث أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ بالطور المذكور عند البخاري، وسيأتي، وحديث أبي هريرة من عنده أيضا في باب القراءة في الفجر قال: في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم، زاد في الأوسط: في كل صلاة قراءة، لو بفاتحة الكتاب. وقال: لم يروه عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، يعني عن عطاء بن أبي رباح عنه إلا داود بن أبي الفرات، وعون بن معمر، وفي المنتقى من حديث عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء فسمعته يقول: لا صلاة إلا بقراءة. ولفظ مسلم قال صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بقراءة، فما أعلن النبي أعلناه . قال الدارقطني في التتبع: الصواب من قول أبي هريرة، وهو محفوظ، عن أبي أسامة على الصواب. قال الحافظ أبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي في رده على الدارقطني: لعل الوهم فيه من مسلم، أو من ابن نمير، أو من أبي أسامة. فأما من يلزم مسلما فيه الوهم من بينهم فلا، حتى يوجد من غير حديث مسلم، عن ابن نمير على الصواب، فحينئذ يلزمه الوهم وإلا فلا. وحديث عقبة الجهني قال: كنت أقود برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقته، قال: فقال لي: ألا أعلمك سورتين لم يقرأ بمثلهما؟ قلت: بلى، فعلمني: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، فلم يرني أعجبت بهما، فلما نزل الصبح قرأ بهما، ثم قال لي: كيف رأيت يا عقبة؟ . رواه الإمام أحمد في مسنده، وعند ابن حبان من حديث يزيد، عن أسلم أبي عمران عنه: إنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله، ولا أبلغ عنده من أن تقرأ: قل أعوذ برب الفلق، فإن استطعت أن لا تفوتك في صلاة فافعل. وفي تاريخ العلامة أبي زرعة النصري الدمشقي: قلت له ( يعني لأحمد بن صالح ): فإن الثوري يحدث عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قراءة: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فقال: ليس هذا من حديث معاوية، عن عبد الرحمن، إنما روى هذا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم، عن عقبة، قال أبو زرعة: وهاتان الروايتان عندي صحيحتان، لهما جميعا أصل بالشام عن جبير بن نفير، عن عقبة، وعن القاسم، عن عقبة ورواه ابن مهدي، وزيد بن حباب عن معاوية بإسناد آخر، فقالا: عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عقبة بلفظ: ألا أعلمك خير سورتين؟ وهو لا يعلل الأول، فإن هذا إسناد لمتن آخر . وفي التمييز لمسلم: ذكر وهم إسناد لسفيان الثوري: أبو أسامة، ثنا سفيان، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عقبة أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المعوذتين؟ قال: فأمنا بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفجر، عبد الرحمن، ثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى عقبة بن عقبة، وابن وهب، والثوري وهم حيث قال: عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه. وحديث معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني، عن رجل من جهينة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصبح: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمدا؟. رواه أبو داود بسند صحيح، عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال عنه، ورواه في المراسيل من حديث سعد بن سعيد ، وفيه ضعف ، عن معاذ بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بإذا زلزلت، ثم قام في الثانية، فأعادها، وحديث أبي معبد: إن كانت الصلاة لتقام، فينطلق أحدنا إلى حاجته في البقيع، فيتوضأ، ثم يرجع، وإنه يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - لفي الركعة الأولى. ذكره السراج في باب القراءة في صلاة الفجر، وسيأتي ذكره في الباب بعد هذا، وحديث جابر بن سمرة من عند مسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد، وكانت قراءته بعدُ تخفيفا، وفي لفظ: كان يقرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الصبح بأطول من ذلك، وفي كتاب أبي داود: والصبح كان يطيلها، وفي كتاب ابن خزيمة: كان عليه الصلاة والسلام يقرأ في الظهر والعصر بالليل إذا يغشى، والشمس وضحاها، ونحوهما، ويقرأ في الصبح بأطول من ذلك . وفي مسند السراج بسند صحيح بقاف ونحوها، وفي لفظ: وأشباهها، وفي الأوسط عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الصبح بياسين، وقال: لم يروه عن سماك إلا شعبة، وأيوب بن جابر، ولا رواه عنهما إلا أبو داود الطيالسي، تفرد به عبد الله بن عمران الأصبهاني، وفيه أيضا عنه: كان عليه الصلاة والسلام يقرأ في صلاة الصبح بالواقعة، ونحوها من السور، وقال: لم يروه عن سماك إلا إسرائيل، ولا عن إسرائيل إلا سلمة بن رجاء، تفرد به يعقوب بن حميد بن كاسب. وحديث أنس قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر بأقصر سورتين من القرآن، فلما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه، وقال: إنما أسرعت، أو عجلت لفرغ الأم إلى صبيها، وسمع صوت صبي . رواه في الأوسط بسند صحيح، عن مقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا أبو الربيع السمان، عن عبد العزيز بن صهيب عنه، وقال: لم يروه عن أبي الربيع إلا أسد بن موسى، ورواه السراج، عن أحمد بن منصور، ثنا حسن بن الربيع، حدثني جعفر بن سليمان، عن ثابت عنه بلفظ: قرأ بالسورة الخفيفة، أو السورة القصيرة، شك جعفر، وحديث رفاعة بن رافع الأنصاري، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقرأ في صلاة الصبح بأقل من عشرين آية، ولا يقرأ في صلاة العشاء دون عشر آيات . رواه أيضا، وقال: لا يروى هذا الحديث عن رفاعة إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة، يعني عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشج، عن سالم بن خلاد عنه، وحديث عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبي روح، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى صلاة الصبح، فقرأ الروم، والتبس عليه، فلما صلى قال: ما بال أقوام يصلون معنا، لا يحسنون الطهور، فإنما يلبس علينا القرآن أولئك . رواه النسائي عن ابن بشار عن ابن مهدي، عن سفيان عنه، وقال الحافظ أبو منصور الباوردي في كتاب معرف الصحابة: أنبأنا موسى بن هارون بن عبد الله، ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا شعبة، عن عبد الملك، عن شبيب، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال له: الأغر، فذكره، ثم قال: ، قال أبو منصور: وما أقرب ما قال موسى، ونسبه أبو نعيم في معرفة الصحابة، فقال: الأغر بن يسار الجهني، وذكر له هذا الحديث، وهو إسناد صحيح، وإن أبى ذلك عبد الحق الإشبيلي وحديث أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت ق إلا من وراء النبي - صلى الله عليه وسلم كان يصلي بها الصبح. ذكره النسائي، وسيأتي، وذكره البخاري في التاريخ الصغير، عن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة، عن امرأة منهم، وفي موضع آخر، عن بنت النعمان بنحوه، وحديث ابن عباس عند الشيخين سمع الجن النبي - صلى الله عليه وسلم - بسوق عكاظ في صلاة الصبح يقرأ، فأتوا قومهم، فقالوا الحديث. وذكر القرطبي، عن عكرمة: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بسورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وذكر النووي أنه كان يقرأ: قل أوحي، وهذا فيه نظر ؛ لأن هذا السورة إنما نزلت بعد سماع الجن القرآن. وحديث ابن عمر قال: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات في الفجر . ذكره أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح، عن يزيد بن هارون، ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن سالم عنه. وحديث البراء قال: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن . رواه السراج بسند صحيح، عن أحمد بن يحيى، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن شعبة عن عدي بن ثابت عنه. وحديث أبي سعيد: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الفجر بأقصر سورتين. رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة، عن سفيان، عن أبي هارون عنه، وثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن ابن سابط قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفجر في أول ركعة ستين آية، فلما قام سمع صوت صبي قرأ ثلاث آيات. وحديث عمرو الجني المذكور عند أبي موسى في كتاب الصحابة قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح، وقرأ بسورة الحج يسجد فيها سجدتين. وفي علل ابن أبي حاتم : سألت أبي، عن حديث حدثناه محمد بن إسماعيل، ثنا أحمد بن يونس، ثنا مندل، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغداة بالناس في سفر، فقرأ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن، وربعه . فقال: ليس هذا جعفر بن محمد بن علي بن حسين ، هذا شيخ ضعيف . وفي السنن للبيهقي: أن أبا بكر الصديق قرأ في صلاة الصبح بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما، وعن الفرافصة بن عمير قال: ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان إياها في صلاة الصبح من كثرة ما كان يرددها. وفي الموطأ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح، فقرأ بسورة يوسف، وسورة الحج قراءة بطيئة، وفي السنن الكبير عن المعرور بن سويد، قال: صلى بنا عمر، فقرأ: ألم تر، ولإيلاف قريش، وعن ابن عمر أنه كان يقرأ في الصبح في السفر بالعشر السور الأول من المفصل، في كل ركعة بأم القرآن وسورة، ومن حديث خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني لغزوة، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، قال أبو هريرة: وقدمت المدينة مهاجرا، فصليت الصبح وراء سباع، فقرأ في السجدة الأولى: سورة مريم، وفي الأخرى: ويل للمطففين، وذكره ابن حبان في صحيحه، ولم يسم الرجل، وعن عمرو بن ميمون الأودي أن عمر لما طعن قدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم الفجر، فقرأ: إذا جاء نصر الله، وإنا أعطيناك الكوثر، وفي شرح ابن بطال: وذكر ابن عمر قرأ في الصبح بيونس وبهود، وقرأ عثمان بيوسف والكهف، وقرأ علي بالأنبياء، وقرأ عبد الله بسورتين إحداهما بنو إسرائيل، وقرأ معاذ بالنساء، وقرأ عبيدة بالرحمن، وقرأ إبراهيم بياسين، وقرأ عمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل. وفي كتاب أبي نعيم، عن الحارث بن فضيل قال: مررت على ابن شهاب، فأقمت عنده عشر أبكار يقرأ في صلاة الفجر تبارك، وقل هو الله أحد. وقال أبو داود الأودي: كنت أصلي وراء علي الغداة، فكان يقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، ونحو ذلك من السور. وفي شرح السنة: وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره. وحديث أم سلمة لما طافت في الصبح، فسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بالطور، ذكره البخاري، قال البغوي: والأحسن أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، وفي العصر والعشاء بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، وبه قال الشافعي، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، ورأى بعضهم أن القراءة في العصر كنحو القراءة في المغرب، يقرأ بقصار المفصل، يروى ذلك عن النخعي، وقال: تضاعف صلاة الظهر على صلاة العصر في القراءة أربع مرات. غريبه: الخنس: الكواكب الدراري الخمسة: زحل، والمشترى، والمريخ، والزهرة، وعطارد، قال ابن سيده: لأنها تخنس أحيانا حتى تخفى تحت ضوء الشمس، وخنوسها استخفاؤها بالنهار، بينا تراها في آخر البرج كرت راجعة إلى أوله، وذكر أبو حنيفة في كتاب الأنواء الكبير تأليفه: قيل في قوله: فلا أقسم بالخنس: إنها النجوم الخمسة، جاء ذلك في بعض التفسير، وقيل: لأنها تسير في الفلك، وتخنس أي: تستتر، وقيل: ترجع، وذلك أن لها استقامة في رأي العين، رجوعا بينا، وكذلك سماها النجامون: الكواكب المتحيرة. وفي كتاب الهروي: الخنس: جمع خانس وخانسة، قال الزجاج: وخنوسها: أنها تغيب، وتكنس، قال أبو موسى المديني: الكنس: النجوم التي تجري، وتستتر ؛ إما بالنهار، وإما بالغيم، وقيل: هي التي تكنس في المغيب، وقيل: لأنها في بروجها كالظباء الكنس، وقال أبو نصر: الخنس: الكواكب كلها، لأنها تخنس في المغيب، أو لأنها تخفى نهارا، ويقال: هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة، وقيل: سميت خنسا لتأخرها، وفي تفسير عبد بن حميد، عن عبد الله: فلا أقسم بالخنس قال: بقر الوحش، وقال أبو ميسرة، والحسن بن أبي الحسن، ومجاهد، وإبراهيم كذلك، والله أعلم. وأما الباسق: فهو الطويل، قال ابن سيده: بسق الشيء يبسق بسوقا: تم طوله، وبسق على قومه: علاهم.

534

باب القراءة في صلاة الفجر 49 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك، وسفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصبح: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ذا حديث رواه مسلم بلفظ: وربما قال: قاف. وفي كتاب النسائي: قال شعبة: فلقيته في السوق، يعني: زياد بن علاقة في الزحام، فقال: ق. ورواه أبو القاسم في الصغير من حديث ابن عيينة بلفظ: باصقات، بالصاد، وقال: لم يروه عن ابن عيينة إلا هشام بن يونس اللؤلؤي.

535

119 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: اعتدلوا في السجود، ولا يسجد أحدكم وهو باسط ذراعيه كالكلب. هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وفي الباب: حديث عائشة من عند مسلم مطولا، وفيه: وينهى - يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وسيأتي في الباب بعد، وحديث أبي هريرة من عند ابن خزيمة من حديث دراج عن ابن حجيرة عنه يرفعه: إذا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب وليضم فخذيه وحديث البراء من عند مسلم قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك . وحديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نقرة الغراب وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان قال الحاكم : هذا حديث صحيح لما قدمت ذكره من التفرد عن الصحابة بالرواية، وخرجه ابن خزيمة أيضًا في صحيحه، ويعارض هذا ما خرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: شكى أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب قال ابن عجلان: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيى. وفي لفظ قالوا: يا رسول الله إن تفريج الأيدي في الصلاة يشق علينا، فأمرهم أن يستعينوا بالركب وقال الحاكم لما خرجه: صحيح على شرط مسلم، وزعم أبو داود في كتاب السنن أنَّ هذا كان رخصة، وقال الترمذي، وذكره في باب ما جاء في الاعتماد إذا أطال في السجود: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الليث عن ابن عجلان، وقد روى هذا الحديث ابن عيينة وغير واحد عن سمي عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحو هذا، وكأنّ رواية هؤلاء أصح من رواية الليث، وقال أبو حاتم الرازي : الصحيح النعمان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسل . وفي الأوسط من حديث سعيد بن جبير عن أبي هريرة : أوصاني خليلي بثلاث، ونهاني عن ثلاث فذكر حديثا فيه: ونهاني إذا سجدت أن أقعي إقعاء القرد، أو أنقر نقرة الغراب، أو ألتفت التفات الثعلب وقال: لم يروه عن سعيد إلا حبيب بن أبي ثابت، ولا عن حبيب إلا ليث بن أبي سليم، ولا عنه إلا موسى بن أعين، تفرد به المعافى بن سليمان، وفي علل الخلال عن ابن مسعود قال: هوت عظام ابن آدم للسجود فاسجدوا، حتى سجدوا على المرافق، قال أحمد : قد تركه الناس، وزعم القرطبي أن افتراش السبع لا شك في كراهة هذه الهيئة، واستحباب نقيضها وهو التجنيح المذكور في الأحاديث، والحكمة في كراهة تلك واستحباب هذه أنه إذا جنح كان اعتماده على يديه فيخفّ اعتماده على وجهه، ولا يتأثر أنفه ولا جبينه، ولا يتأذّى بملاقاة الأرض، ولا يتشوش في الصلاة بخِلاف ما إذا بسط يديه فإنه يكون اعتماده على وجهه، فحينئذ يتأذى بملاقاة الأرض، ويخاف عليه التشويش، وفي شرح النووي: وروي تنبسط بزيادة التاء المثناة من فوق، والله أعلم.

536

باب الاعتدال في السجود 118 - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب . هذا حديث قال فيه أبو عيسى وأبو علي الطوسي : حسن صحيح، وفي كتاب المراسيل لابن أبي حاتم : قال شعبة : حديث أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر إنما هي صحيفة، قال: وقال أبي: شعبة سمع من جابر أربعة أحاديث، ويقال: إنّ أبا سفيان أخذ صحيفة جابر عن صحيفة سليمان اليشكري . وفي علل ابن المديني الكبرى : لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وقال أبو زرعة: أبو سفيان عن عمر مرسل، وهو عن جابر أصح، وقال أبو بشر فيما ذكره بحشل في تاريخ واسط: قلت لأبي سفيان: ما لك لا تحدّث عن جابر كما يحدث عنه صاحبنا سليمان اليشكري؟ فقال: إنّ سليمان كان يكتب وكنت لا أكتب .

537

166 - حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، ثنا حميد بن الأسود، ثنا إسماعيل بن أمية ح وثنا عمار بن خالد، ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جدّه حريث بن سليم، عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يجد فليخط خطًا، ثم لا يضره من مرَ بين يديه . هذا حديث خرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، وصححه أيضًا الإِمام أحمد بن حنبل وابن المديني فيما ذكره عبد الحق، ويشبه أن يكون وهما لما ذكره الخلال في علله، قال أحمد : الخط ضعيف، وأنا أرى من صلى في فضاء أجزأه، قيل له: بأي حديث؟ قال: بحديث ليس بذاك: شعبة عن الحكم، عن يحيى بن الجزار عن صهيب - رجل من أهل البصرة - عن ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في فضاء ليس بين يديه سترة ورواه الحكم عن يحيى، عن ابن عباس لم يذكر صهيبا، وقال أبو حاتم في العلل: هذا زاد رجلا، وهذا ينقص رجلا، وكلاهما صحيح، وزعم الدارقطني أنه روي عن أبي هريرة من طرق، قال: ولا يصح، ولا يثبت، وقال ابن عيينة: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث ولم يجئ إلا من هذا الوجه، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث به قال: عندكم شيء تشدونه به؟ وقد أشار الشَافعي إلى ضعفه بقوله في سنن حرملة: ولا يخط المصلي بين يديه خطا إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت يتبع، قال البيهقي: وإنما توقف الشَّافعي في صحة الحديث لاختلاف الرواة على إسماعيل في أبي محمد بن عمرو بن حريث، قيل: هكذا، وقيل: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جدّه، وقيل: عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، وقيل غير ذلك، قال البيهقي : ولا بأس به في مثل هذا الحكم، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن وصف الخط غير مرة، فقال: هكذا عرضا مثل الهلال، قال أبو داود: سمعت مسددا يقول: قال ابن داود: الخط بالطول. وقال ابن عيينة: رأيت شريكا صلى بنا في جنازة العصر فوضع قلنسوته بين يديه يعني في فريضة حضرت، وقال سفيان: قدم هنا رجل بعدما مات إسماعيل فطلب هذا الشيخ أبا محمد حتى وجده فسأله عنه فخلط عليه، وقيل لسفيان: إنّهم يختلفون فيه؟ ففكر ساعة، ثم قال: ما أحفظ إلّا أبا محمد ابن عمرو. وقال أبو بكر ابن العربي : وقال قوم رأسهم أحمد بحديث أبي هريرة في الخط، واختلفوا في صورة الخط، فمنهم من قال: يكون متقوسا كهيئة محاربنا، ومنهم من قال: يكون طولًا من المشرق إلى المغرب، ومنهم من قال: من الشمال إلى الجنوب، وهذا الحديث لو صحّ لقلنا به، إلَّا أنه معلول فلا معنى للنصب فيه، وقال لي أبو الوفا بن عقيل، وأبو سعد البرداني شيخا مذهب أحمد: كان أحمد يرى أنّ ضعيف الأثر خير من قوي النظر، انتهى. وممن قال به أيضًا: الأوزاعي، وسعيد بن جبير، وأبو ثور، ومسدد، وقال الطحاوي : أبو عمرو وجده مجهولان ، وفي كتاب التمهيد: قال مالك والليث وأبو حنيفة وأصحابه: الخط ليس بشيء، وهو باطل . وفي الباب: حديث سبرة بن معبد قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم ذكره الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وحديث سهل بن أبي حثمة من عند أبي داود: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته وقال: رواه واقد بن محمد عن صفوان، عن محمد بن سهل، عن أبيه أو عن محمد بن سهل، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال بعضهم: عن نافع بن جبير، عن سهل بن سعد: وقد اختلف في إسناده، وفي لفظ عنده عن سهل: كان بين مقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين القبلة ممر عنزة . وعند الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا: يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة وسيأتي ذكره من عند مسلم أيضا إن شاء الله تعالى. وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل: ثنا مسعر عن الوليد بن أبي مالك، عن أبي عبيد انتهى به إلى أبي هريرة قال: يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل في مثل جلة السوط، قال أبو بكر: جلة السوط غلظه، وثنا سفيان عن أبي إسحاق قال: أخبرني المهلب بن أبي صفرة قال: أخبرني من سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا كان بينك وبين الطريق مثل مؤخرة الرحل لم يضرّك من مر بين يديك وثنا أبو خلدة، قال: قلت لأبي العالية: ما يسترني قال: طول الرحل، والعرض ما أعرض أحب إلي. وحديث أبي جحيفة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عنزة الظهر والعصر ركعتين تمر بين يديه المرأة والحمار . رواه الشيخان في صحيحيهما. وقال مالك: يجزئ المصلي من السترة غلظ الرمح والعصا وارتفاع ذلك قدر عظم الذراع، ولا تفسد صلاة من صلى إلى غير سترة، وإن كان مكروهًا وهو قول الشَافعي، وقال أبو حنيفة، والثوري: أقل السترة قدر مؤخرة الرحل، ويكون ارتفاعها ذراعا، وهو قول عطاء، قال أبو عمر: وقال قتادة: ذراع وشبر، وكان الشافعي بالعراق يقول: بالخط، وأبى ذلك بمصر قال: إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فيتبع، واللّه أعلم.

538

باب ما يستر المصلي 164 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عمر بن عبيد، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: كنا نصلي، والدواب تمر بين أيدينا فذكر لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم، فلا يضرّه من مرّ بين يديه . هذا حديث خرجه مسلم بلفظ: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مرّ وراء ذلك وفي العلل لعبد الرحمن: قال أبو زرعة : رواه إسحاق الأزرق عن شريك، عن عثمان بن موهب، عن موسى قال: وحديث سماك أشبه من حديث عثمان إلا أن يكون رواه عنهما جميعًا.

539

165 - حدثنا محمد بن الصباح، أنبأ عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تخرج له حربة في السفر فينصبها فيصلي إليها . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بزيادة: والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء وفي لفظ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يعرض راحلته فيصلي إليها قيل لابن عمر: أفرأيت إذا هبت الركاب؟، قال: كان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته، وكان ابن عمر يفعله .

540

165 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، عن عبيد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كان لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل يصلي إليه . هذا حديث خرجاه أيضًا في كتابيهما، وعند النسائي بسند صحيح: سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك، عن سترة المصلي فقال: مثل مؤخرة الرحل .

541

باب المرور بين يدي المصلي 167 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي، فأخبرني عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لأن يقوم أربعين خير له من أن يمر بين يديه قال سفيان: فلا أدري أربعين سنة، أو شهرا، أو صباحا، أو ساعة. هذا حديث قال أبو عمر في التمهيد: رواه ابن عيينة مقلوبا فجعل في موضع زيد أبا جهيم، وفي موضع أبي جهيم زيدا، والقول عندنا قول مالك، وقد تابعه الثوري وغيره، ولما ذكر ابن القطان رواية البزار عن بسر، قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله عن المار، قال: خطئ فيه ابن عيينة، وليس خطؤه بمتعين لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرا إلى زيد، وزيد بعثه إلى أبي جهيم يسأله فيما عنده، وأخبر كلِّ واحد منهما بمحفوظه فشك أحدهما، وجزم الآخر بأربعين خريفَا - يعني الذي في حديث البزار - واجتمع ذلك كلّه عند أبي النضر، قال ابن ماجه:

542

168 - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان عن سالم، عن بسر بن سعيد أن زيد بن خالد أرسل إلى أبي جهيم يسأله: ما سمعت من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرجل يمر بين يدي الرجل وهو يصلي فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو يعلم أحدكم ما له أن يمر بين يدي أخيه، وهو يصلي كان لأن يقف أربعين، قال: لا أدري أربعين عاما، أو أربعين شهرا، أو أربعين يومَا، خير له من ذلك . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم.

543

169 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو يعلم أحدكم ما له من أن يمر بين يدي أخيه معترضا في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطاها . هذا حديث إسناده صحيح على رسم البستي ، وعمه عبيد الله بن عبد الله بن موهب أبو يحيى التيمي ، ذكره ابن حبان البستي في كتاب الثقات ، وزعم الطحاوي : أن حديث أبي هريرة هذا متأخّر عن حديث أبي جهيم، قال: وأولى الأشياء بنا أن نظنه بالله تعالى الزيادة في الوعيد للعاصي المار بين المصلي لا التخفيف . وفي الباب: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الذي يمر بين يدي المصلي عمدا يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة ذكره أبو القاسم في الأوسط، وقال: لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن وهب، يعني عن عبد الله بن عياش، عن أبي رزين الغافقي عنه . وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم: ثنا سليمان أظنه عن حميد بن هلال قال: قال عمر بن الخطاب: لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته، ما صلى أحدكم إلا إلى شيء يستره من الناس وفي المصنف عن عبد الحميد عامل عمر بن عبد العزيز، قال عليه السلام: لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن ينكسر فخذه، ولا يمر بين يديه وعن ابن مسعود: المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه، وكان إذا مر أحد بين يديه وهو يصلي التزمه حتى يرده ويقول له: ليقطع نصف صلاة المرء مرور المرء بين يديه . قسم بعض الفقهاء المرور بين يدي المصلي على أربع صور: الأول: أن يكون للمار مندوحة من أن يمر بين يدي المصلي، ولم يتعرض المصلي كذلك فالإثم في هذا خاص بالمار. الثاني: يكون المصلي قد تعرض للمرور، والمار ليس له مندوحة عن المرور، فالإثم خاص في هذا بالمصلي. الثالث: أن يتعرض المصلي للمرور، ويكون للمار مندوحة فيأثمان. الرابع: أن لا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة فلا إثم عليهما، وهذا كله إنّما يأثم مرتكبه مع العلم بالنهي لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو يعلم المار .

544

53 - حدثنا أزهر بن مروان، ثنا الحارث بن نبهان، ثنا عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الفجر: ألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان. ذا حديث ضعيف، لضعف الحارث بن نبهان المذكور قبل. وقال البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى، عن سعد إلا من هذا الوجه، والحارث قد تقدم ذكرنا له، وقد خالفه الحسين بن واقد، وعبد الملك بن الوليد بن معدان فروياه، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، وهو عندي الصواب

545

54 - حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا إسحاق بن سليمان، أنبأنا عمرو بن أبي قيس، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان. قال إسحاق بن سليمان: هكذا أنبأنا عمرو عن عبد الله، لا أشك فيه. هذا حديث إسناده صحيح، وتقدم كلام البزار، ثم رواه أيضا، عن القاسم بن محمد المروزي، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، ثنا الحسين بن واقد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله فذكره، ولما رواه الطبراني في معجمه الأصغر من حديث مسعر، عن أبي فروة، قال: لم يروه عن مسعر إلا أبو إسحاق الفزاري، تفرد به عبد الله بن سليمان العبدي، ورواه أيضا بسند صحيح، عن محمد بن بشر، ثنا دحيم، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عنه بزيادة: ( يديم ذلك ) وقال: لم يروه عن عمرو إلا ثور، ولا عن ثور إلا الوليد، تفرد به دحيم، ولا كتبناه إلا عن ابن بشر. وفي الباب: حديث أبي هريرة من عند الشيخين قال: كان - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر يوم الجمعة: الم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان. وحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة في الركعة الأولى بألم تنزيل السجدة، وفي الركعة الثانية هل أتى على الإنسان، أنبأنا به المسند أبو البركات محمد بن العلامة أبي عمرو بن محمد بن عثمان الصوفي رحمه الله تعالى، أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن السكري، عن أسعد بن سعيد، وأم هانئ عفيفة الفارقانية، وأم حبيبة عائشة بنت معمر قالوا: أنبأتنا فاطمة الجوزدانية، أنبأنا ابن ريذة، أنبأنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي، ثنا إسماعيل بن نميل الخلال البغدادي، ثنا محمد بن بكار بن الريان، ثنا حفص بن سليمان الغاضري، عن منصور بن حيان، عن أبي هياج الأسدي، عن علي بن ربيعة الوالبي عنه، وقال: لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن بكار، انتهى كلامه، وفيه نظر ؛ لما ذكره هو بعد بنحو من عشرين ورقة، ثنا سعيد ابن محمد الذارع، ثنا أبو حفص عمرو بن علي، ثنا معتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن عمرو بن مرة، عن الحارث، عن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في صلاة الصبح بتنزيل السجدة، وقال: لم يروه عن عمرو إلا ليث، ولا عنه إلا معتمر، تفرد به عمرو بن علي ولم يرو عمرو بن مرة عن الحارث إلا هذا الحديث، وكذا ذكره أيضا في الأوسط، وقال الدارقطني : أسنده عمرو بن علي وحده عن معتمر، وغيره يرويه موقوفا، وهو الصواب . قال ابن بطال: ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث، روي ذلك عن علي، وابن عباس، وأجازوا أن يقرأ سورة فيها سجدة في الفجر يوم الجمعة، استحبه النخعي، وابن سيرين، وهو قول الكوفيين، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: هو سنة، واختلف قول مالك في ذلك، فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة. وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل، لا يخاف أن تخلط عليهم، انتهى كلامه، وفي الذي نقله عن الكوفيين نظر، لما في المرغيناني: ويكره أن يوقت شيء من القرآن لشيء من الصلوات، وأن تقرأ سورة السجدة، وهل أتى على الإنسان في الفجر في كل جمعة. وفي الطحاوي: معناه إذا رآه حتما واجبا لا يجزئ غيره، أو رأى القراءة بغيرها مكروهة، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركا، أو تأسيا بالنبي - صلى الله عليه وسلم أو لأجل التيسير فلا كراهة، زاد في المحيط: بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانا ؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره، وفي الأحوذي: خرج البخاري قراءة الصبح، عن سعد بن إبراهيم بلفظ: ( كان ) المقتضية المداومة، وهو مضعف عند مالك وغيره ، وقد جاءت الرواية أيضا من غير طريقه، ولكنه أمر لم يعلم بالمدينة، والله أعلم من قطعه، فينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة، ويقطع أحيانا، انتهى كلامه. وفي قوله: إن كانت تقتضي المداومة نظر ؛ لما عليه جماعة من العلماء أنها لا تقتضيه، ولهم استدلالات تأتي في موضعها من كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

546

باب القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة 52 - حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفيان، عن مخول، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان. ذا حديث خرجه مسلم في صحيحه بزيادة: وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. وزعم ابن عساكر أن النسائي رواه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن مخول بهما، وتبعه على ذلك المنذري والمزي، ولم أره فيما نظرت من كتاب النسائي الكبير والصغير، والله أعلم، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث قتادة، عن عروة، عن ابن جبير، قال: لم يروه عن قتادة إلا همام ابن يحيى، ورواه أيضا من حديث شعبة عن الحكم، عن البطين، وقال: لم يروه عن شعبة، عن الحكم إلا محمد بن يزيد الواسطي، تفرد به محمد بن حسان الواسطي، ورواه من حديث مغيرة، عن مخول، وقال: لم يروه عن مغيرة إلا زائدة، ولا عنه إلا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي، تفرد به علي بن مسلم المؤدب . وفي كتاب شريعة المقارئ لابن أبي داود، ثنا عمي، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن أبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: غدوت على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم جمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة من المئين في الركعة الأولى فيها سجدة، فسجد، ثم غدوت عليه في الغد، فقرأ في الركعة الآخرة سورة من المئين فيها سجدة، فسجد، قال ابن القطان : أبان إن كان ابن أبي عياش فهو متروك ، وإن كان غيره فمجهول . وفي المعجم الكبير لأبي القاسم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في فجر يوم الجمعة بألم تنزيل، وسورة من المفصل، وربما قال: هل أتى.

547

171 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن أسامة بن زيد، عن محمد بن قيس - هو قاص عمر بن عبد العزيز - عن أمه، عن أم سلمة قالت: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في حجرة أم سلمة، فمرَّ بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده فرجع، فمرَّت زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: هن أغلب . هذا حديث قال ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك: صححه شيخنا أبو محمد عبد الحق، وعاب أبو الحسن بن القطان عليه سكوته عنه، لما أورده من مصنف وكيع، وقال: أم محمد لا تعرف ألبتة، فأمّا ابنها فإني لا أعرف من هو من جماعة مسمين بهذا الاسم ، وفي هذه الطبقة فالحديث على هذا ضعيف، انتهى كلامه، وفيه نظر؛ من حيث قوله في محمد: لا أعرف من هو؛ لما بيّنه ابن ماجه من أنّه قاص عمر بن عبد العزيز أبو عثمان، وقيل: أبو نعيم، وقيل: أبو أيوب الزيات المدني مولى يعقوب القطيعي، ووالد يحيى المكنى بأبي زكير ، روى عن جماعة من الصحابة وغيرهم، وروى عنه حميد الطويل، وابن إسحاق، وسليمان التيمي، والليث بن سعد، وابنه يحيى بن محمد، وجرير بن قيس، وعثمان بن عمر بن فارس، وأبو عامر العقدي، وحماد بن سلمة، وزيد بن حباب، والحكم بن عبد الله الأيلي، وأبو معشر، وسندل، وعبد العزيز بن عياش، وسعيد بن عبد الرحمن وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان : هو عندي ثقة، متقن ، روى له مسلم في صحيحه ، واستشهد به البخاري .

548

172 - حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا شعبة عن قتادة، ثنا جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطع الصلاة: الكلب الأسود والمرأة الحائض . هذا حديث ، وقال أبو داود : رفعه شعبة، ووقفه سعيد وهشام، وهمام، عن قتادة، عن ابن عباس انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما ذكره أبو محمد بن حزم: وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، ثنا شعبة، عن قتادة سمعت جابر بن زيد قال: قال ابن عباس: يقطع الصلاة فذكره موقوفا، ومن طريق الحجاج بن المنهال، أنبأ ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس به موقوفَا أيضَا، وقال: وهذان إسنادان لا يوجد أصح منهما . وعند أبي داود: صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى فضاء ليس بين يديه شيء وعنده أيضا من حديث معاذ بن هشام، عن أبيه عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته: الحمار، والخنزير، واليهودي، والمجوسي، والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر قال أبو داود : وفي نفسي من هذا الحديث شيء، كنت أذاكر به إبراهيم وغيره، فلم أر أحدا جاء به عن هشام، ولا يرفعه، ولم أر أحدا يحدّث به عن هشام وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة، والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه على قذفة بحجر، وذكر الخنزير وفيه نكارة ولم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي سمينة وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه، ورواه بهز وعفان عن همام، عن قتادة، عن صالح أبي خليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، انتهى، وهو غير مؤثر في الانقطاع؛ لأن ابن ماجه ذكر عن قتادة تصريحه بسماعه له من جابر، فيحمل هذا على أنّه سمعه عنه أولا ثم سمعه منه، والله أعلم، وزعم ابن القطان : أن علّته بادية، وهي الشكّ في رفعه، فلا يجوز أن يقال: إنّه مرفوع وراويه قد بين ذلك، وأمَّا سنده فليس فيه متكلم فيه، وقد جاء هذا الخبر بذكر أربعة فقط عن ابن عباس موقوفا بسند جيّد . قال البزار : ثنا ابن مثنى ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة قال: قلت لجابر بن زيد : ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس : الكلب الأسود، والمرأة الحائض قال: قلت: قد كان يذكر الثالث، قال: ما هو؟ قلت: الحمار، قال: رويدك، الحمار؟ قال: قلت: قد كان يذكر الرابع، قال: ما هو؟ قال: العلج الكافر، قال: إن استطعت ألَّا يمرّ بين يديك كافر ولا مسلم فافعل، انتهى كلامه، ولقائل أن يقول باللفظ الثاني ليس فيه ما يدل أن جابرًا رواه له عن عبد الله كالذين قبل، إنما قال: رويدك، يعني: اصبر لسد الذريعة، وحسم المادة، وقتادة إنما قاله بلفظ: قد كان يذكر، ولو كانت الياء مفتوحة، لكان أيضا منقطعا ؛ لعدم اتصال ما بينه وبين عبد الله، وفي ذكر الحمار أيضا في هذا الموقوف نظر ؛ لأن جابرا لم يقل له: بلى، بالتصريح، إنما قال له: رويدك، يعني اصبر، وهو أصلها، ولم يبيِّن له بعد الصبر ما الأمر، والله تعالى أعلم. وفي العلل لعبد الرحمن: سئل أبو زرعة عن حديث رواه عبيس بن ميمون عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير فقال أبو زرعة : هذا حديث منكر، وعبيس شيخ ضعيف الحديث

549

173 - حدثنا زيد بن أخزم الطائي أبو طالب، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار . هذا حديث خرجه مسلم بزيادة: ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل.

550

باب ما يقطع الصلاة 170 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بعرفة فجئت أنا والفضل على أتان، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا عنها وتركناها ثم دخلنا في الصف . هذا حديث خرجه الستة، وعند أبي داود عن ابن عباس بسند صحيح: جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي، فنزلنا وتركنا الحمار أمام الصف فما بالاه، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا، فأخذهما فنزع إحديهما من الأخرى فما بالا ذلك . وعند النسائي: فأخذتا بركبتي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففرع بينهما ولم ينصرف وفي لفظ: فلم يقل لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئا وفي لفظ لمسلم: بمنى وفي لفظ آخر: في حجة الوداع أو يوم الفتح . وعند البخاري: إلى غير جدار وعند الطبراني من حديث ابن عباس قال: كان الفضل أكبر مني، فكان يردفني فأكون بين يديه، فارتدفت أنا وأخي على حمارة، فانتهينا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي بالناس بعرفة، فنزلنا بين يديه فصلينا، وتركناه يرعى بين يديه فلم يقطع صلاته وقال: لم يروه عن الحكم عن مجاهد إلا إسماعيل بن مسلم، وعنده أيضًا: ربما رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي، والحمر تعترك بين يديه وقال: لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس، وروي عنه من غير وجه بألفاظ مختلفة، وعند ابن خزيمة: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بالناس، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا ففرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، ثم ما بالى ذلك .

551

175 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود شيطان قال: قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان. هذا حديث رواه مسلم في صحيحه، وقال الشافعي في الجواب عن هذا فيما حكاه البيهقي: لا يجوز إذا روي حديث واحد أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطع الصلاة فذكره، وكان مخالفًا هذه الأحاديث، وكان كلّ واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن أن يترك إن كان ثابتًا إلّا بأن يكون منسوخًا حتى نعلم، ونحن لا نعلم المنسوخ الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد بأن يكون محفوظا، وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى وعائشة بينه وبين القبلة، وصلى وهو حامل أمامة، ولو كان ذلك يقطع الصلاة لم يفعل واحدًا من الأمرين، وصلى إلى غير سترة، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث، وقد قضى الله تعالى أنه لا تزر وازرة وزر أخرى والله أعلم . يدل على أنَّه لا يبطل عمل رجل عمل غيره، وأن يكون سعي كل لنفسه، وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجز أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره، قال البيهقي : حديث أبي ذر صحيح إسناده، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات، وإن كان البخاري لا يحتج به، وله شواهد عن أبي هريرة وابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد اشتغل - يعني: الشافعي - بتأويله في رواية حرملة وهو منه أحسن، فقال في حديث: يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار قال: يقطع عن الذكر الشغل بها، والالتفات إليها؛ لا أنها تفسد الصلاة، وذكر معناه في سنن حرملة، وقواه واحتج بحديث عائشة، وابن عباس والذي يدلّ على صحة هذا التأويل؛ أنَّ ابن عباس أحد رواة قطع الصلاة، بذلك روي عنه أنه حمله على الكراهة، وذلك فيما رواه سماك عن عكرمة: قيل لابن عباس: أيقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار؟ فقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فما يقطع هذا؟ ولكن يكره. وفي كتاب أبي نعيم الفضل: ثنا ابن عيينة عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: ادرؤوا عن صلاتكم ما استطعتم، وأشد ما يتقى عليها الكلاب . وثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الكلب الأسود البهيم شيطان، وهو يقطع الصلاة وعن ابن طاوس قال: كان أبي يشدد في الكلاب، ثنا ابن عيينة عن أيوب عن بكر المزني أنّ ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يديه قال البيهقي: وروينا عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وعائشة وغيرهم: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي . انتهى، في كتاب أبي نعيم عن سعد بن أبي وقاص كذلك، وكذلك هو أيضا عن الحسن، وحذيفة بن اليمان، وعطاء، وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عمرو بن العاص، والشعبي، قال: وثنا يونس عن مجاهد عن عائشة أنها قالت: لا يقطع صلاة المسلم إلا الهر الأسود، والكلب البهيم . انتهى، وفي هذا ردّ لما ذكره البيهقي، وقال الطحاوي: أجمعوا أن مرور بني آدم بعضهم ببعض لا يقطع الصلاة، وروي ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير وجه من حديث عائشة، وأم سلمة، وميمونة: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي، وكلّ واحدة منهن معترضة بينه وبين القبلة وكلها ثابتة، وقد أفتى ابن عمر: أنّ الصلاة لا يقطعها شيء . وقد روي عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درء المصلي من مر بين يديه قال أبو جعفر: فدلّ ذلك على ثبوت نسخ عنه عليه الصلاة والسلام وأنه على وجه الكراهة، وقال في المشكل: وأما حديث المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي مما يلي باب بني سهم، والنَّاس يمرون بين يديه، وليس بينه وبين الطواف سترة فليس مخالفا لما روي من النهي عن المرور بين يدي المصلي؛ لأنّه إنما هو في الصلاة إلى الكعبة ومعاينتها، والنهي عن المرور بين يدي المصلي إنّما هو فيمن يتحرى الصلاة في الكعبة إذا غاب عنها، وبينهما فرق، وزعم ابن شاهين: أنه ناسخ لحديث النهي. وفي كتاب النسائي بسند منقطع عن العباس قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام ليس بينه وبين الطواف أحد . قوله على أتان وهي الأنثى من الحمر،وفي رواية: على حمار أتان، ضبطه الأصيلي على النعت أو البدل منونين، وقال ابن سراج: أتان: وصف الحمار، ومعناه: صلب قوي مأخوذ من الأتن وهي الحجارة الصلبة، والحمار يشمل الذكر والأنثى كالبعير، وقد يكون على الإضافة أي: على حمار أنثى، وكذا وجد في بعض الأصول، وفي مختصر السنن: عن يونس وغيره، أتان، وأتانة، وعجوزة، وفرسة، وعقربة، ودمشقة في دمشق، وزعم ابن الأثير: أنَّ مراده تعيين الأتان، ليعلم أن الأنثى من الحمر لا يقطع الصلاة فكذلك المرأة، ولا يقال: أتانة، وإن كان قد ورد في بعض الأحاديث، وفي المحكم: الجمع: أَتُن وأُتُن وأُتْن، والمأتونا اسم للجمع، واستأتن الحمار صار أتانا، واستأتن أتانا اتخذها، وبوب البخاري لحديث ابن عباس: سترة الإمام سترة من خلفه وقال الأبهري: سترة المأموم سترة إمامه ؛ لأن المأموم تعلقت صلاته بصلاة إمامه، ولا يعارضه ما رواه أبو داود، عن مولى ليزيد، عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلا بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على حمار وهو يصلي فقال: قطع علينا صلاتنا، قطع الله أثره، فما مشيت عليها بعد . وعن سعيد بن غزوان عن أبيه أنّه قال: نزلت بتبوك وأنا حاج، فإذا رجل مقعد فسألته عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدّث به ما سمعت أني حي: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل بتبوك إلى نخلة، فقال: هذه قبلتنا ثم صلى إليها فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: قطع صلاتنا، قطع الله أثره فما قمت عليها إلى يومي هذا ؛ لأن الأول في سنده رجل مجهول، والثاني: في غاية الضعف، قاله ابن القطان وغيره، ونكارة المتن فإن دعاءه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن ليس له بأهل إنما هو زكاة ورحمة، وفي كتاب الحازمي: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء، وقال جماعة منهم: هذه الأحاديث وإن حملناها على ظواهرها فهي منسوخة بحديث ابن عباس؛ لأنه في حجة الوداع، فيكون بعد حديث ابن نمران بمدّة، وممن ذهب إلى هذا القول: عثمان، وعلي، وعائشة، وابن عباس، وابن المسيب، والشعبي، وعبيدة، وعروة، وإليه ذهب أبو حنيفة، وسفيان، وأهل الكوفة، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأصحابه، وأكثر أهل الحجاز، انتهى كلامه، حكى الخطابي: أن عائشة ذهبت إلى أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وبه قال أحمد وإسحاق، وروى أبو داود، عن الفضل بن عباس : أتانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في بادية، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بالا ذلك قال الخطابي : في سنده مقال، وضعفه أيضًا غير واحد منهم: الإشبيلي وابن القطان، وعند الدارقطني: فصلى لنا العصر فما بالى بهما، ولا ردَّهما وروى أيضًا من حديث عمر بن عبد العزيز، عن أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي زمعة: سبحان الله سبحان الله، فلما قضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من المسبح آنفا؟ قال: أنا يا رسول الله: إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، فقال: لا يقطع الصلاة شيء وقال: اختلف في إسناده، والصواب: عن عمر مرسل، وروى الأشيب، عن شعبة، عن عبيد الله، عن سالم، عن أبيه أنه قال: كان يقال: لا يقطع صلاة المسلم شيء . وعند الحاكم : وزعم أنه على شرط مسلم لاستشهاده بعبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي هريرة مرفوعا: الهرة لا تقطع الصلاة، إنها من متاع البيت وفي سنن أبي الحسن من حديث عفير بن معدان ، وهو ضعيف ، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة يرفعه: لا يقطع الصلاة شيء وفي الأوسط من حديث علي سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يقطع الصلاة شيء إلا الحدث وقال: لم يروه عن حضين بن المنذر إلا أبو سنان ضرار بن مرة، والله تعالى أعلم بالصواب . كذا في المطبوع ، والظاهر أن المصنف تبع في ذلك عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى 1 / 344 وقد تعقب عبدَ الحق في ذلك ابنُ القطان في بيان الوهم والإيهام 5 / 539 وما بعدها فقال : هَذَا نَص مَا ذكر، وَهُوَ خطأ لَا شكّ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب إلخأ.هـ إلى أن قال في بيان الانقطاع المقصود : قَالَ سُفْيَان: كَانَ ابْن جريح أخبرنَا عَنهُ، قَالَ: حَدثنَا كثير عَن أَبِيه، فَسَأَلته، فَقَالَ: فَلَيْسَ من أبي سمعته، وَلَكِن من بعض أَهلِي عَن جدي انْتهى مَا ذكر أَبُو دَاوُد. وَفِيه بَيَان الِانْقِطَاع الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابه الْكَبِير[أي عبد الحق في الأحكام الكبرى] من عِنْد أبي دَاوُد، وَتبين مِنْهُ أَن رِوَايَة ابْن جريح مُنْقَطِعَة، فَإِنَّهُ ذكر أَن سُفْيَان رَاجع كثيرا وَسَأَلَهُ مِمَّن سَمعه، فَأخْبر أَنه لم يسمعهُ من أَبِيه، وَإِنَّمَا حَدثهُ بِهِ بعض أَهله. أ.هـ والله أعلم

552

174 - حدثنا جميل بن الحسن، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطع الصلاة: المرأة والكلب، والحمار . هذا حديث إسناده صحيح متصل .

553

باب ادرأ ما استطعت 176 - حدثنا أحمد بن عبدة، ثنا حماد بن زيد، ثنا يحيى أبو المعلى، عن الحسن العرني قال: ذكر عند ابن عباس ما يقطع الصلاة فذكروا: الكلب، والحمار، والمرأة، فقال: ما تقولون في الجدي؟ إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يصلي يوما، فذهب جدي يمر بين يديه فبادره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القبلة . هذا حديث في سنده انقطاع فيما بين الحسن بن عبد الله وابن عباس، قاله يحيى بن معين، والإِمام أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، زاد: ولم يدركه ، وفي صحيح ابن حبان في باب الإباحة: للمرء أن يمنع الشاة إذا أرادت المرور بين يديه وهو يصلي، وخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه من حديث عكرمة بن عبد الله : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي فمرت شاة بين يديه فساعاها إلى القبلة حتى ألصق بطنه بالقبلة . وفي مسند ابن أبي شيبة بسند صحيح عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء عنه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي فذهب جدي يمر بين يديه فجعل يتقيه وفي لفظ: فجعل يتقدم ويتأخر حتى نزا الجدي وفي أبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جدار، فجاءت بهيمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار فمرت من ورائه . وفي الأوسط من حديث جابر : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائما يصلي فذهبت شاة تمر بين يديه فساعاها حتى ألزقها بالحائط ثم قال عليه الصلاة والسلام: لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم وقال: لم يروه عن محمد بن المنكدر إلا جرير بن حازم، تفرد به يحيى بن ميمون، وفيه: من حديث مندل بن علي عن سليمان التيمي، عن أنس قال: بادر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هرة أن تمر بين يديه في الصلاة وقال: لم يروه عن التيمي إلا مندل، وفي كتاب أبي نعيم: ثنا حفص عن ليث عن الحكم: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وأرادت شاة أن تمرّ بين يديه فحال بينها وبين القبلة .

554

178 - حدثنا هارون بن عبد الله الحمال والحسن بن داود المنكدري قالا: ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين وقال المنكدري: فإن معه العُزَّى . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، ولفظه في الأوسط : إذا كنت تصلي، فأراد رجل أن يمر بين يديك فردّه، فإن عاد فردّه، فإن عاد فردّه، فإن عاد الرابعة فقاتله، فإنما هو الشيطان وقال: لم يروه عن قتادة - يعني: عن نافع - إلّا ابن أبي عروبة تفرد به النضر بن كثير، وفي كتاب الدارقطني من حديث إبراهيم بن يزيد، عن سالم عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فادرءوا ما استطعتم وفي المستدرك: وزعم أنّه على شرط مسلم: لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدَا يمر بين يديك الحديث. وعند الدارقطني من حديث ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعا: لا يقطع الصلاة كلب، ولا حمار، ولا امرأة، وادرأ ما مرَّ أمامك . وفي مراسيل أبي داود عن قبيصة بن ذؤيب أن قطا أراد أن يمر بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي فحبسه برجله ولما ذكره ابن القطان أعلّه براويه عبد الله بن أبي مريم ، قال: لأنّ حاله مجهولة ، وفي كتاب أبي نعيم: ثنا زهير عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بادر هرة أن تمرّ بين يديه وهو يصلي وثنا أبو خالد به، قلت لأبي العالية: أصلي فيمر السنور بين يدي، فهل يقطع الصلاة؟ فقال: إذا صليت ما أحب أن يمر بين يدي شيء ولا فأرة، إن الإِنسان إذا صلى بين يديه ملك يكتب ما يقول. وفي مسند أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن عبد الله ابن عمرو قال: بينا نحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعض أعلى الوادي نريد أن نصلي قد قام، وقمنا إذ خرج حمار من شعب أبي دب، شعيب أبي موسى، فأمسك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يكبر، وأجرى إليه يعقوب بن زمعة حتى ردّه . وفي كتاب الصلاة للدكيني: ثنا بشير بن مهاجر قال: رأيت أنسا وهو جالس في صلاته لم ينصرف، فجاء رجل يريد أن يمر بينه وبين السارية فأماطه . وثنا جعفر بن برقان عن يزيد الفقير قال: كنت أصلي إلى جنب ابن عمر فلم أر رجلا أكره أن يمر بين يديه منه، وفي رواية صالح بن كيسان عنه: فلا يدع أحدا يمر بين يديه يبادر برده قال عياض رحمه الله تعالى: أجمعوا على أنّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح، ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم لا؟ هذا فيه مذهبان للعلماء: وهما قولان في مذهب مالك، وفي كتاب ابن التين: قال ابن شعبان: عليه الدية كاملة في ماله، وقيل: الديّة على عاقلته، قال عياض: واتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه لرده، وإنّما يدافعه ويردّه من موقفه؛ لأنّ مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنّما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنّما يردّه إذا كان بعيدا منه بالإشارة والتسبيح، واتفقوا على أنه إذا مر لا يردّه لئلا يضيف مرورًا ثانيا إلا شيئا روي عن بعض السلف: أنَّه يردّه، واختلفوا إذا جاز بين يديه وأدركه هل يرده أم لا؟ فقال ابن مسعود: يرده، ويروى ذلك عن سالم والحسن، وقال أشهب: يردّه بإشارة، ولا يمشي إليه؛ لأن مشيه أشد من مروره بين يديه، فإن مشى إليه ورده لم تفسد صلاته، وزعم ابن العربي أنّ بعض الناس غلط فقال: إذا صلى إلى غير سترة فلا يدع أحدًا يمر بين يديه بمقدار رمية سهم، وقيل: رمية حجر، وقيل: رمية رمح، وقيل: بمقدار المطاعنة، وقيل: بمقدار المضاربة بالسيف، وحريم المصلي سواء وضع بين يديه سترة أو لم يضعها بمقدار ما يشتغل قائمًا وراكعا وساجدًا لا يستحق من الأرض كلّها سواها وسائر ذلك لغيره. وفي كتاب المنذري: يحتمل أن يكون قوله: فليقاتله، يعني فليلعنه، وقد جاءت المقاتلة بمعنى اللعن قال تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ وإلى هذا نحا غيره من الأئمة. وفي كتاب ابن التين قيل: معناه: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه، وقيل: يدفعه دفعا أشدّ من الردّ منكرا عليه، وحكي عن أبي حنيفة: إذا دفع المار بطلت صلاته، وهو قول الشافعي في القديم، وفي التمهيد: العمل القليل في الصلاة جائز نحو: قتل البرغوث، وحكّ الجسد، وقتل العقرب بما خف من الضرب ما لم تكن المتابعة والطول، والمشي إلى الفرج إذا كان ذلك قريبًا، ودرء المار بين يدي المصلي، وهذا كله بما لم يكثر، فإن كثر أفسد، وضمن عمر بن عبد العزيز رجلًا دفع آخر، وهو يصلي، فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه، والصحيح عندنا: أنّ الصلاة لا يقطعها ما يمر بين يدي المصلي بوجه من الوجوه، ولو كان خنزيرًا، وإنما يقطعها ما يفسدها من الحدث وغيره مما جاءت الشريعة به، وقال الثوري: يمر الرجل بين يديّ يتبختر فأمنعه ويمر الضعيف فلا أمنعه.

555

177 - حدثنا أبو كريب، ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدا يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر فليقاتله فإنه شيطان . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإنْ أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان . وفي لفظ لمسلم: فليدفع في نحره وفي لفظ: وليدرأ بما استطاع وفي لفظ للبخاري: إذا مرّ بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي فليمنعه فإن أبى فليمنعه، فإن أبى فليقاتله وفي لفظ: إنَّ أبا سعيد كان يصلي يوم جمعة فأراد شاب من بني أبي معيط أن يمرّ بين يديه وعند أبي نعيم في كتاب الصلاة: فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فأراد أن يمر بين يديه فدفعه ولطمه . وفي المصنف: فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه فدفعه وطرحه وقال: لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت وعند النسائي: فأراد ابن لمروان يمرّ بين يديه ورواه عن أبي سعيد أيضا عطاء فيما ذكره أبو عمر قال: وحديثه عنه بهذا معروف، وحديث عبد الرحمن أشهر، وزعم ابن الجوزي في التاريخ: أنَّه داود بن مروان بن الحكم. وقال أبو حاتم في كتاب العلل: حديث عطاء خطأ، وقال أبو زرعة : حديث زيد صحيح، وحديث عطاء بن يسار: لا أدري أي شيء هو؟ وبنحوه ذكره الدارقطني وغيره، وفي أبي داود من حديث مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد يرفعه: لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم فإنما هو شيطان . وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم: قال أبي : حديث أبي ذر : يقطع الصلاة الكلب الأسود : أصح من حديث أبي سعيد، يعني: هذا، وفي صحيح ابن حبان : فليدن منها، فإن الشيطان يمر بينه وبينها وفي الأوسط: فليجاهده وقال: تفرد به القاسم بن مالك المزني.

556

باب التسبيح في الركوع والسجود 114 - حدثنا عمرو بن رافع البجلي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب الغافقي قال: سمعت عمي إياس بن عامر يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: لما نزلت: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجعلوها في سجودكم . هذا حديث رواه أبو داود، وفي لفظ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا وقال: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة وقال الحاكم أبو عبد الله : هذا حديث حجازي صحيح الإِسناد، وقد اتفقا على الاحتجاج برواته، غير ، وخرجه ابن خزيمة في صحيحه أيضا .

557

117 - حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، فإذا فعل ذلك فقد تم ركوعه، وإذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، فإذا فعل ذلك فقد تم سجوده وذلك أدناه . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله لم يلق ابن مسعود. وقال البخاري في تاريخه، وأبو داود والطوسي في سننهما والإِمام أحمد ابن حنبل فيما حكاه الخلال : هو مرسل، عون لم يلق ابن مسعود . وفي كتاب الدارقطني من حديث السري بن إسماعيل وهو متروك ، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله : من السنة أن يقول الرجل في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده . ورواه الشافعي عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن إسحاق، عن عون بن عبد الله بن عتبة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديث، وقال: إن كان هذا ثابتا فإنما يعني - والله أعلم - أدنى ما ينسب إلى كمال الفرض، والاختيار معًا لا كمال الفرض وحده. وفي مسند أحمد من حديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود، ولم يسمع منه : لما أنزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا جاء نصر الله، كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، إنك أنت التواب الرحيم ثلاثا . وفي الباب: حديث عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح خرجه مسلم، وحديث عوف بن مالك من عند أبي داود بسند صحيح وصف صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وقال في سجوده مثل ذلك . وحديث محمد بن مسلمة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان إذا قام يصلي تطوعا يقول: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، وعليك توكلت أنت ربي خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي وعصبي لله رب العالمين . وحديث جابر بن عبد الله : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت ولك أسلمت فذكر مثله، رواهما النسائي بسند حسن، وحديث علي بن أبي طالب: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت الحديث، وقد تقدم في دعاء الاستفتاح،وحديث جبير بن مطعم: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات رواه الدارقطني من جهة إسماعيل بن عياش. وحديث عبد الله بن أقرم المذكور عنده أيضًا قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا وقد تقدمت الإشارة إليه، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا ركع أحدكَم فسبح ثلاث مرات، فإنه يسبح لله من جسده ثلاثة وثلاثون وثلاثمائة عظم، وثلاثة وثلاثون وثلاثمائة عرق، رواه أيضًا من حديث إبراهيم بن الفضل ، وهو متروك ، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث عن أبي صالح عنه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجلّه وأوّله وآخره علانيته وسره . وفي كتاب الميموني: روى سمي عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم. وحديث ابن عباس من عند مسلم قال: كشف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: فأما الركوع فعظموا فيه الرّب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم قال الميموني: قلت - يعني: لأبي عبد الله - : فحديث ابن عباس: فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم قال: ليس له ذلك الإِسناد، وروى في مسنده في بياته عند خالته، قال: فرأيته يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وقال البيهقي في المعرفة: ادعى الطحاوي - رحمه الله تعالى - نسخ الأحاديث : بحديث عقبة، قال: يجوز أن يكون سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أنزلت عليه بعد ذلك عند وفاته، ولم يعلم أن هذا القول - يعني: حديث ابن عباس - صدر منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غداة يوم الإثنين، والناس خلف أبي بكر في صلاة الصبح، وهو اليوم الذي توفي فيه، وروينا في الحديث الثابت عن النعمان بن بشير : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ في العيد والجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك وفي هذا دلالة على أن سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى كان نزولها قبل ذلك بزمان كثير، وروينا عن الحسن البصري، وعكرمة وغيرهما أنها نزلت بمكة. وحديث سعيد الجريري من عند أبي داود بسند صحيح عن السعدي عن أبيه أو عمه قال: رمقت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاته، فكان يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثا . وأعله ابن القطان بالسعدي وأبيه وعمه، فقال: ما منهم من يعرف، ولا من ذكر بغير هذا. انتهى. أما الجهالة باسم الصحابي فغير ضارة وحديث وهب بن مانوس قال: سمعت سعيد بن جبير سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشبه صلاة به من هذا الفتى - يعني: عمر بن عبد العزيز - فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات،وفي سجوده عشر تسبيحات ذكره أبو داود، وقال: قال أحمد بن صالح: قلت لعبد اللّه : مانوس، أو مابوس؟ قال: أما حفظي فمانوس، وأما عبد الرزاق فحفظه مابوس، وفي علل الخلال: وقال يحيى: عبد الرزاق يقول: مأنوس، وأما يحيى بن معين فقال: ماهنوس، وزعم ابن القطان أن وهبا هذا مجهول الحال ، وإن كان روى عنه جماعة، وزعم أبو الفضل بن طاهر في كتابه ذخيرة الحفاظ أنَّ ابن لهيعة رواه أيضًا عن أبي النضر عن أنس، وحديث أبي بكرة من عند البزار بسند حسن: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسبح في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا . اختلف العلماء في التسبيح، وسائر الأذكار في الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، فقال الشَّافعي: كل ذلك سنة ليس بواجب، فلو تركه عمدًا لم يأثم، وصلاته صحيحة سواء تركه عمدا أو سهوا لكن يكره تركه عمدا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء. وقال إسحاق بن راهويه: التسبيح واجب، فإن تركه عمدا بطلت صلاته، وإن نسيه لم تبطل، وقال ابن حزم: ولا تجزئ صلاة أحد بأن يدع شيئا من هذا كله عامدا فإن لم يأت به ناسيًا وأتى به كما أمر ثم يسجد للسهو، فإن عجز عن ذلك لجهل أو عذر مانع سقط عنه، وتمت صلاته. وقال أحمد: التسبيح في الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد، والذكر بين السجدتين، وجميع التكبيرات واجبة، فإن ترك شيئا منها عمدا بطلت صلاته، فإن نسيه لم تبطل ويسجد للسهو، هذا هو الصحيح من مذهبه، وفي رواية عنه أنه سنة، وزعم ابن بطال أنّ العلماء اختلفوا فيما يدعى به في الركوع والسجود، فقالت طائفة: لا بأس أن يدعو الرجل ما أحب، وليس عندهم في ذلك شيء مؤقت، قال: ومالك كره الدعاء في الركوع، ولم يكرهه في السجود، واقتصر في الركوع على تعظيم الله تعالى والبناء عليه، وفي الحاوي الكبير للماوردي: ولو سبح مرة واحدة حصل التسبيح، وأدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة، وفي شرح الهداية للقاضي شمس الدين: لو ترك التسبيح أصلا أو أتى به مرة فقد روي عن محمد أنه يكره. وفي الذخيرة: إذا زاد على الثلاث فهو أفضل بعد أن يكون الختم على وتر، وفي الغزنوي: إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى اثنتي عشرة فهو أفضل عند الإمام، وعند صاحبيه إلى سبع، وعند الشافعي: عشرة، وقال عامة أهل العلم: يسبح ثلاثا، وذلك أدنى الكمال. وفي شرح الطحاوي: قيل: يقول الإمام ثلاثا، وقيل: أربعا ليتمكن المقتدي من ثلاث، وقال القاضي حسين: ولو سبح خمسًا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة كان أفضل وأكمل، ولكنه إذا كان إماما استحب أن يزيد على ثلاث .

558

116 - حدثنا محمد بن الصباح، ثنا جرير عن منصور، عن أبي الضحى عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأوّل القرآن . هذا حديث خرجاه في صحيحهما، وفي لفظ عند مسلم: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت .

559

115 - حدثنا محمد بن رمح المصري أنبأنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأزهر عن حذيفة بن اليمان أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات. هذا حديث سنده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة المتقدّم ذكره قبل، ولأن أبا الأزهر أيضًا حاله مجهولة ، ورواه الدارقطني في سننه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي عن صلة عنه، وهو في صحيح مسلم بلفظ: ركع - يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، وسجد، فقال: سبحان ربي الأعلى . وعند أبي داود من حديث أبي حمزة عن رجل من بني عبس عن حذيفة: أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى .

560

58 - حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو داود، ثنا المسعودي، ثنا زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يجهر فيه من الصلاة، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر. هذا حديث ضعيف براويه زيد بن الحواري أبي الحواري البصري العمي، نسبة إلى بني العم، وهم مرة بن وائل بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران، قال أبو عبيد بن سلام: هذا نسبهم، ثم قالوا: مرة بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم بن مر، وقال أبو الفرج الأصفهاني: أصل بني العم كالمدفوع، يقال: إنهم نزلوا في بني تميم بالبصرة أيام عمر بن الخطاب، وأسلموا، وغزوا مع المسلمين، وحمد بلاؤهم، فقيل: أنتم وإن لم تكونوا من العرب الإخوان، فبنو العم، فلقبوا بذلك، وكذلك قال كعب بن معدان الأشقري: وجدنا أل سامة في قريش كمثل العم بين بني تميم ويروى عن سلفي تميم، يعني بني ناحية، كذا ذكره الرشاطي، وأنشد المبرد لجرير: سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ونهر تيرى فما تعرفكم العرب وزعم ابن أبي حاتم، وبعده ابن عبد البر، وابن السمعاني أن زيدا قيل له ذلك ؛ لأنه كان كلما سئل عن شيء قال: حتى أسأل عمي، وهو إن قال فيه الإمام أحمد : صالح، وهو فوق يزيد الرقاشي، وفضل بن عيسى ، وفي رواية إسحاق ، عن يحيى : صالح ، وقال أبو إسحاق الجوزجاني : متماسك ، وسأل الآجري أبا داود عنه، فقلت: كيف هو؟ قال: ما سمعت إلا خيرا ، وقال الحسن بن سفيان : ثقة ، وروى له الحاكم في مستدركه فيما حكاه الصريفيني ، وقال الدارقطني : صالح ، وقد سأل ابن أبي شيبة علي ابن المديني عنه، فقال: كان ضعيفا عندنا ، وقال ابن معين في رواية: لا شيء ، وفي رواية ابن أبي الجارود عنه هو : ابن معين : أبو المتوكل ، وزيد يكتب حديثهما، وهما ضعيفان ، وقال أبو حاتم الرازي : ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به ، وكان شعبة لا يحمد حفظه ، قال ابنه : وسمعت أبي يقول: هو ليس بقوي، واهي الحديث ، وقال أبو زرعة : ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيفه . وقال النسائي : ضعيف ، وقال أبو أحمد : وعامة ما يرويه ومن روى عنه ضعفاء، وهو على أن شعبة قد روى عنه، ولعل شعبة لم يرو عن أضعف منه ، وقال ابن حبان : يروي عن أنس أشياء موضوعة، لا يجوز الاحتجاج بخبره . وقال أبو الحسن : ضعيف الحديث، ليس بشيء ، وذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء، وكذلك أبو القاسم البلخي ، ولما ذكره أبو جعفر في كتاب الضعفاء حكى عن أحمد بن حنبل أنه قال فيه: ليس بشيء ، وقال أبو إسحاق الحربي : غيره أوثق منه ، وقال أبو عمر في كتاب الاستغناء: ليس بالقوي عندهم ، وقال ابن سعد : كان ضعيفا في الحديث ، ورواه أبو قرة في سننه، عن سفيان، عن زيد العمي، عن أبي العالية قال: اجتمع الصحابة، فحزروا قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - قدر ألم تنزيل السجدة، وقد وجدنا لحديثه هذا أصلا صحيحا عند مسلم. قال أبو سعيد: كنا نحزر قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر، فحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ألم تنزيل السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك. وفي رواية: بدل تنزيل قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمسة عشر آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة: قدر خمس عشرة، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. ولما ذكره البزار في سننه بلفظ: كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي العصر على النصف من ذلك قال: وهذا الكلام لا نعلمه يروى إلا عن أبي سعيد بهذا الإسناد، والإسناد فلا أعلم به بأسا . وفي الباب: حديث أنس بن مالك قال: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر، فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، رواه النسائي بسند فيه رجل مجهول، ورواه ابن حبان، عن ابن قحطبة، ثنا محمد بن معمر، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد، عن أنس . وفي الكامل لابن عدي بسند ضعيف عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الهاجرة، فرفع صوته، فقرأ بـ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا و وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فقال أبي: يا رسول الله أمرت في هذه الصلاة بشيء؟ قال: لا، ولكن أردت أن أوقت لكم . وفي الأوسط للطبراني بسند حسن قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى من حديث عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن أبي عبيدة عنه، وقال: لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به عباد. وفي موضع آخر من حديث عبد العزيز أبي سكين قال: أتيت أنسا، فقلت: أخبرني عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فصلى بنا الظهر، وقرأ قراءة بالمرسلات، والنازعات، وعم يتساءلون، ونحوها من السور، وقال: لم يروه عن أبي سكين إلا المثنى الأحمر العطار، تفرد به سكين بن عبد العزيز . وفي صحيح ابن خزيمة: ثنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي، عن روح بن عبادة، ثنا حماد بن سلمة، ثنا قتادة، وثابت، وحميد عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية . هذا حديث غريب غريب، ولفظ البزار في كتاب السنن تأليفه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر والعصر سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وقال: هذا الحديث لا نعلم أحدا أسنده عن حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، وقتادة، عن أنس إلا روح، وقد روى حديث حميد، عن أنس سفيان بن حسين، فقال: حدثني أبو عبيدة، عن أنس بنحو حديث حماد، وأبو عبيدة هو حميد الطويل، انتهى كلامه. وفيه نظر، لما ذكره ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه روح، وعارم، ويحيى بن إسحاق السيلحيني عن حماد بن سلمة، عن ثابت، وقتادة: وحميد، والبتي عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر والعصر الحديث. ورواه أبو سلمة عنهم، عن أنس موقوف، فقال أبي : موقوف أصح، لا يجيء مثل هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيتبين لك أن غير روح رواه عن حماد مسندا، وهما عارم والسيلحيني، والله أعلم . وفي كتاب القراءة للبخاري: ثنا عفان، ثنا سكين بن عبد العزيز، حدثني المثنى الأحمر، حدثني عبد العزيز بن قيس: أتينا أنسا، فسألناه عن مقدار صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر النضر بن أنس أو أحد بنيه، فصلى بنا الظهر والعصر، فقرأ ( المرسلات ) و ( عم يتساءلون ). وحديث عدي بن حاتم أنه صلى الظهر، فقرأ بالنجم، والسماء والطارق، ثم قال: ما آلو أن أصلي بكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره أيضا عن علي بن أبي هاشم، ثنا أيوب بن جابر، عن بلال بن المنذر عنه. وحديث جابر بن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، رواه أيضا بسند صحيح، وقال: لم يروه عن سماك إلا حماد بن سلمة، ولا عن حماد إلا أبو داود، تفرد به عبد الله بن عمران، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن، وفي لفظ عند مسلم: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك، وقد تقدم، وعند أبي علي الطوسي: السماء ذات البروج، والسماء والطارق، وشبههما، وقال عفان في حديثه: لم يذكر هذا عن ابن سمرة إلا حماد، وهو حديث غريب، وفي قول أبي القاسم نظر ؛ لأن البزار رواه في سننه، عن ابن مثنى، ثنا ابن مهدي، ثنا حماد فذكره، وقال: لا نعلم رواه عن سماك إلا حماد بن سلمة، ورواه ابن حبان في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو داود . وحديث ابن مسعود قال: لقد علمت النظائر التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بهن: الذاريات، والطور، والنجم، واقتربت، والرحمن، والواقعة، ونون، والحاقة، وسأل سائل، والمزمل، ولا أقسم بيوم القيامة، وهل أتى على الإنسان، والمرسلات، وعم يتساءلون، والنازعات، وعبس، وويل للمطففين، وإذا الشمس كورت . رواه أيضا من حديث سلمة بن كهيل، عن أبي وائل، وقال: لم يروه عن سلمة إلا ابناه محمد ويحيى، تفرد به عن محمد: حسان بن إبراهيم، وهو في الصحيح من غير تعيين السور . وحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في صلاة الظهر، ثم قام، فركع، فرأينا أنه قرأ ( تنزيل السجدة ). رواه أبو داود بسند ضعيف عن محمد بن عيسى، ثنا المعتمر، ويزيد بن هارون، وهشيم، عن سليمان التيمي، عن أمية، عن أبي مجلز عنه. قال ابن عيسى : لم يذكر أمية أحد إلا معتمر، كذا في كتاب ابن العبد، واللؤلؤي، وابن داسة، وابن الأعرابي، وفي رواية أبي عيسى الرملي، عن أبي داود أنه قال بإثره: أمية هذا لا يعرف، وقال ابن عساكر: رواه عبثر بن القاسم وغيره، عن سليمان، وليس فيه ( أمية ). انتهى كلامه، وفيه نظر ؛ لأن سليمان صرح في الرواية، ولم يسمعه من أبي مجلز، فرواية أبيه عنه هي الصحيحة، ذكر ذلك أبو جعفر الطحاوي في شرحه من حديث يزيد بن هارون عنه، عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال: ولم أسمعه منه . وحديث عبد الوارث عن موسى بن سالم، ثنا عبد الله بن عبيد الله قال: دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم، فقلنا لشباب منا: سل ابن عباس أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خمسا، هذه شر من الأولى، كان عبدا مأمورا بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس . رواه مسدد بن مسرهد في مسنده الكبير الذي هو خمسة عشر جزءا عنه، وهو سند صحيح، ويؤيده ما ذكره أبو داود بسند صحيح عن زياد بن أيوب، ثنا هشيم، ثنا حصين، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا أدري أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ وفي حديث حنظلة بن عبد الله السدوسي ما يبينه عن عكرمة عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب، ذكره ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي معمر، عن عبد الرزاق عنه. وفي لفظ قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج، فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب لم يزد على ذلك شيئا، ولما ذكر أبو أحمد اللفظ الأول رده بحنظلة، وقال: كان قد اختلط، وبه ، فزال ما توهمه، والله تعالى أعلم . وحديث عبد الله بن أبي أوفى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم . رواه أبو داود من رواية رجل لم يسم عنه. قال الحافظ ضياء الدين : وقد سمى بعض الرواة هذا الرجل طرفة الحضرمي ، انتهى كلامه، وطرفة هذا لم أجده فيما رأيت من الكتب مذكورا ، وحديثه هذا يعضده حديث أبي سعيد المذكور أول الباب . وحديث أبي مالك الأشعري، وقال لقومه: اجتمعوا حتى أصلي بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا، فصلى بهم صلاة الظهر، فقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وأسمع ذلك من يليه. ذكره أبو جعفر الطبري في كتاب تهذيب الآثار من حديث قتادة عن شهر بن حوشب عنه. وحديث بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر والعصر بإذا السماء انشقت ونحوها، ذكره ابن خزيمة في صحيحه. وحديث زيد بن ثابت ذكره البزار في كتاب السنن تأليفه إثر حديث خباب وحكمه على حديثه بصحة إسناده، قال: وقد روي عن زيد بن ثابت بنحو ما رواه خباب، وقال البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام: ثنا علي، ثنا أبو بكر الحنفي أنبأنا كثير بن زيد، عن المطلب، عن خارجة بن زيد، حدثني زيد قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ يطيل القراءة في الظهر، ويحرك شفتيه، فقد أعلم أنه لا يحرك شفتيه إلا وهو يقرأ . وفي كتاب الصلاة للفضل بن دكين: قرأ إبراهيم في الظهر بالصافات والواقعة. وفي لفظ: بالطور، وعنه قال: تضاعف الظهر أربعة أضعاف على العصر. وحديث عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر أو العصر، فقرأ: سبح اسم ربك الأعلى، فلما فرغ قال: أيكم قرأ معي؟ فقال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها . ذكره أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الخفاف النيسابوري في كتاب الصلاة تأليفه بسند صحيح، عن إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى عنه، وهو في صحيح مسلم بغير هذا اللفظ: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر، فلما انفتل قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ الحديث .

561

باب القراءة في الظهر والعصر 55 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن حباب، ثنا معاوية بن صالح، ثنا ربيعة بن يزيد، عن قزعة قال: سألت أبا سعيد الخدري عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ليس لك في ذلك خير، قلت له: بين رحمك الله، قال كانت الصلاة تقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر، فيخرج أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ويجيء، فيتوضأ، فيجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى من الظهر. هذا حديث رواه مسلم في صحيحه، وقد سبق ذكر السراج له في الصبح.

562

56 - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر قال: قلنا لخباب: بأي شيء كنتم تعرفون قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر؟ قال: باضطراب لحيته. هذا حديث خرجه البخاري بلفظ: قلت لخباب: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم قلت: بأي شيء الحديث. وعند ابن خزيمة: أبو أسامة، وابن عيينة، وأبو معاوية يقولون: عن الأعمش: لحييه، والدورقي، والمخزومي، وأبو كريب: ( لحيته ).

563

57 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي، حدثني الضحاك بن عثمان حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان، قال: كان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر. هذا حديث إسناده صحيح، لما رواه النسائي زاد: ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي لفظ عن سليمان قال: صلينا وراء ذلك الإنسان، فكان يطول الأوليين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها، وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.

564

182 - حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ثنا زيد بن حبان حدثني أبو المقدام، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصلى خلف المتحدّث أو النائم . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف راويه أبي المقدام هشام بن زياد بن هشام الأموي، مولاهم البصري أخي الوليد ، فإن ابن المبارك ترك حديثه، وقال في موضع آخر: ارم به ، وقال أبو حاتم الرازي : ليس بالقوي، ضعيف الحديث ، وكان جارًا لأبي الوليد الطيالسي ، وكان لا يرضاه ولم يرو عنه ، وعنده عن الحسن أحاديث منكرة وهو منكر الحديث ؛ وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث . وقال أبو عيسى ، والطوسي : يضعف في الحديث ، وقال ابن سعد : كان ضعيفا في الحديث ، وقال البخاري : يتكلمون فيه، وفي موضع آخر: ضعيف وحدّث عنه ابن مهدي ثم تركه ، وقال ابن خزيمة : لا يحتج بحديثه ، وقال ابن عدي : وأحاديثه يشبه بعضها بعضًا، والضعف بيّن على رواياته . وقال العجلي : ضعيف، وفي موضع آخر: متروك الحديث ، ولما ذكره البجلي في جملة الضعفاء ، قال: قال أحمد بن حنبل : ليس حديثه بشيء، وفي موضع آخر: ليس بثقة . وفي كتاب الجرح والتعديل للنسائي : ليس بشيء مدني سكن البصرة، ضعيف، وفي موضع آخر: متروك الحديث، وكذا قاله ابن الجنيد والأزدي ، وفي كتاب الضعفاء لابن الجارود : ليس بشيء ، وذكره البرقي في جملة من ترك حديثه ، وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به ، وقال الدارقطني : ضعيف ، والله أعلم، ولما رواه أبو داود عن القعنبي، ثنا عبد الملك بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمّن حدّثه، عن محمد بن كعب القرظي قال: قلت له - يعني: لعمر بن عبد العزيز - : حدثني ابن عباس به، قال . وقال الخطابي : هذا حديث لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لضعف سنده، وعبد الله بن يعقوب لم يبين من حدّثه عن ابن كعب، وإنّما رواه عن محمد بن كعب رجلان كلاهما ضعيفان تمام بن بزيع وعيسى بن ميمون تكلمّ فيهما يحيى والبخاري . ورواه أيضًا عبد الكريم أبو أمية وهو متروك الحديث عن مجاهد، عن ابن عباس، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه صلى وعائشة نائمة معترضة بينه وبين القبلة وفي النسائي الكبير من حديث حارثة بن مضرب عن علي قال: لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إنسان إلا نائم، إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه كان يصلي إلى شجرة الحديث، فأما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها أحمد، والشافعي، وذلك أن كلامهم يشغل المصلي عن صلاته: وكان ابن عمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة وقال عبد الحق : خرجه - يعني: أبا داود - بسند منقطع ولا يصح بغيره أيضا وفي مراسيل أبي داود من حديث ، عن خير بن نعيم عن ابن الحجاج الطائي وحاله مجهولة فيما ذكره ابن القطان قال: نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتحدث الرجلان، وبينهما أحد يصلي، ومن حديث ، عن محمد بن الحنفية : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى رجلا يصلي إلى رجل، فأمره أن يعيد الصلاة قال: لم يا رسول الله، إني قد أتممت الصلاة؟ فقال: إنك صليت وأنت تنظر إليه مستقبله . وقال الدارقطني في العلل: رفعه عبد الأعلى عن ابن الحنفية عن علي، وعبد الأعلى مضطرب الحديث، وقد روي مرسلًا وهو أشبه بالصواب. وفي الذخيرة للمقدسي من حديث أبان بن سفيان - وهو متهم بالوضع - عن عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصلي الإِنسان إلى نائم أو متحدث قال: هذا خبر موضوع، وفي الأوسط من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: نهيت أن أصلي خلف المتحدثين والنيام وقال: لم يروه عن محمد بن عمرو إلا شجاع بن الوليد، تفرد به سهل بن صالح الأنطاكي . وفي البخاري: وَكَرِهَ عثمان أن يستقبل الرجل وهو يصلي، قال البخاري: وإنما هذا إذا اشتغل به، فأمّا إذا لم يشتغل فقد قال زيد بن ثابت: ما باليت إنّ الرجل لا يقطع صلاة الرجل، وفي سرح ابن بطال: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرجل يستر الرجل إذا صلى إلّا أن أكثرهم كره أن يستقبله بوجهه، قال النخعي، وقتادة: يستر الرجل الرجل إذا كان جالسا، وعن الحسن: يستر المصلي ولم يشترط الجلوس ولا تولية الظهر، وعن نافع: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية المسجد قال لي: ولّني ظهرك، وهو قول مالك، وروى أشهب عنه: لا بأس أن يصلي إلى ظهر رجل، فأما إلى جنبه فلا، وأجاز أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، الصلاة خلف المتحدثين وكرهه ابن مسعود، وعن سعيد بن جبير: إذا كانوا يتحدثون بذكر الله تعالى فلا بأس، وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي، وعن مالك: لا يصلي إلى المتحلقين؛ لأن بعضهم يستقبله، وأرجو أن يكون واسعا. وفي كتاب ابن التين ذكر ابن البحر في مسنده: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إني نهيت أن أصلي إلى النائم والمتحدثين وبه قال طاوس، وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحبّ إلي أن أصلي وراء نائم، قال ابن بطال: والقول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة، وعند السفاقسي: كره كثير من العلماء أن يستتر الرجل بالمرأة، وإن كانت أمه أو أخته لما يخشى عليه من الفتنة المضادة لخشوع الصلاة، وانفصل بعضهم عن حديث عائشة بأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يملك إربه. الجنازة: ذكرها ثعلب في باب المكسور أوله، وحكى في نوادره عن أبي زيد: الجنازة مكسورة الجيم لا تفتح الميت نفسه، وحكى المطرز عن الأصمعي: الجِنازة والجنَازة لغتان بمعنى واحد، وكذا قاله يعقوب في الإصلاح، قال ابن سيده في العويص: يعني بهما النعش وعليه الميت إذا ستر به الكفن، قال: والمختار الكسر، وعن الفارسي: هو الجنازة، والنعش والسرير، ولا يكون جنازة إلا حين يكون عليه ميت فأما اسم السرير والنعش فلازمان له. وفي اللبلي: النعش: للمرأة، والسرير للرجل، وعن الفراء: جنزوه: حملوه على الجنازة. وفي المحكم: جَنَزَ الشيء يجنزه جنزًا: ستره، وذكروا أن النوار لما احتضرت أوصت أن يصلي عليها الحسن، فقال: إذا جنزتموها فآذنوني، والجنِازة والجنَازة: الميت، قال ابن دريد: زعم قوم أن اشتقاقه من ذلك، قال: ولا أدري ما صحته، وقد قيل: هو نبطي، ووري في جنازته: أي مات، وفي الغريبين عن ابن الأعرابي: أنّ الجنازة بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت، ومرّ أعرابي بامرأة ثكلى فقال: أثكلتها الجنائز، يعني: الموت.

565

181 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عباد بن العوام، عن الشيباني عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني ميمونة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وأنا بحذائه، وربما أصابني ثوبه إذا سجد . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، ولفظ البخاري: أنها تكون حائضا لا تصلي وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي على خمرته، إذا سجد أصابني بعض ثوبه .

566

باب من صلى وبينه وبين القبلة شيء 179 - حدثنا أبو بكر بن أبي شَيبة، ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة . هذا حديث خرجه الأئمة الستة، وفي لفظ عند الشيخين: ذكر عندها - يعني: عائشة - ما يقطع الصلاة، فذكر: الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب! لقد رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنسل من قبل رجليه . وفي لفظ: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بالليل ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح . وفي لفظ: كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد ضرب رجلي فقبضتهما فسجد . وفي لفظ: وأنا معترضة أمامه في القبلة على الفراش الذي يرقد عليه هو وأهله فيما بينه وبين القبلة وفي مسند أحمد بن حنبل: عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسبح من الليل، وعائشة معترضة بينه وبين القبلة . وفي لفظ عن حذيفة: قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وعليه طرف اللحاف، وعلى عائشة طرفه وهي حائض لا تصلي وفي كتاب أبي داود: قال شعبة: أحسبها قالت: وأنا حائض . وفي لفظ: كنت وأنا معترضة في قبلة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيصلي وأنا أمامه، فإذا أراد أن يوتر غمزني وفي لفظ: تنحى .

567

180 - حدثنا بكر بن خلف، وسويد بن سعيد قالا: ثنا يزيد بن زريع، ثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالت: كان فراشها بحيال مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هذا حديث إسناده صحيح على رسم الشيخين، وقد تقدّم تصحيح الطحاوي له في ما أظن، والله أعلم.

568

185 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، عن زياد ابن خيثمة، عن أبي إسحاق، عن دارم عن سعيد بن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني قد بدنت فإذا ركعت فاركعوا، وإذا رفعت فارفعوا، وإذا سجدت فاسجدوا، ولا ألفين رجلا سبقني إلى الركوع ولا إلى السجود . هذا حديث منقطع فيما بين سعيد وجدّه أبي موسى، نص على ذلك غير واحد؛ منهم: أبو حاتم الرازي، وابن عساكر .

569

باب النهي أن يسبق الإمام بالركوع والسجود 183 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا أن لا نبادر الإمام بالركوع، وإذا كبّر فكبّروا، وإذا سجد فاسجدوا . هذا حديث رواه مسلم في صحيحه.

570

186 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان عن ابن عجلان، وثنا أبو بشر بكر بن خلف، ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود، فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدنت. هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه عن أبي خليفة، ثنا أبو الوليد، ثنا ليث بن سعد، عن ابن عجلان، وفي الصحيحين عن البراء: أنهم كانوا إذا رفعوا رؤوسهم من الركوع مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاموا قياما، فإذا رأوه قد سجد سجدوا وعند مسلم: كنا نصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يحنو أحد منا ظهره حتى يرى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضع . وفي لفظ: كانوا يصلون مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياما حتى نراه قد وضع جبهته بالأرض ثم يتبعونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وعند أبي داود من حديث أنس بن مالك: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حضهم على الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة . وقوله: بدنت مشدّدة الدال، معناه: كبر السن، وفي المحكم: بدن الرجل: أسن وضعف، قال الشاعر: وكنت خلت الهم والتبدينا والشيب مما يذهل القرينا ورجل بدن: مسن، قال الأسود بن يعفر: هل لشاب فات من مطلب أم ما بكاء البدن الأشيب وفي الغريبين: رواه بعضهم: إني قد بدنت، وليس بمعني، لأنه خلاف صفته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعناه: كثير اللحم.

571

184 - حدثنا حميد بن مسعدة وسويد بن سعيد قالا: حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ألا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار؟ . هذا حديث خرجه الستة في كتبهم بزيادة: أو يجعل الله صورته صورة حمار . وفي لفظ عند مسلم: لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد وفي مصنف أبي بكر من حديث مليح السعدي قال: قال أبو هريرة: إن الذي يخفض ويرفع رأسه قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشيطان ومن حديث ليث عن طلحة قال: قال سلمان: من رفع رأسه قبل الإمام ووضع رأسه قبل الإمام، فناصيته بيد الشيطان يرفعها ويضعها. ونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت وفي البخاري تعليقا عنه: إذا رفع قبل الإمام يعود فيمكث بقدر ما رفع ثم يتبع الإمام وقال الحسن فيمن يركع مع الإمام ركعتين ولا يقدر على السجود: يسجد للركعة الآخرة سجدتين، ثم يقضي الركعة الأولى بسجودها، وفيمن نسي سجدة حتى قام يسجد. وفي البيهقي من حديث الحارث بن مخلد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إذا رفع أحدكم رأسه وظن أن الإمام قد رفع فليعد رأسه، وإذا رفع رأسه فليمكث بقدر ما ترك قال البيهقي: وروينا عن إبراهيم النخعي والشعبي: أنه يعود فيسجد .

572

191 - حدثنا محمد بن الصباح، أنبأ حفص بن غياث عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، ولا يعوي، فإن الشيطان يضحك في فيه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف راويه عبد الله بن سعيد ونكارة حديثه، وسيأتي ذكره بعد، وقد وجدنا لحديثه هذا أصلا عند مسلم بلفظ: التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع وعند مسلم أيضا من حديث أبي سعيد: إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل .

573

190 - حدثنا علقمة بن عمرو الدارمي، ثنا أبو بكر بن عياش، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن كعب بن عجرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة ففرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أصابعه . هذا حديث لما رواه الترمذي من حديث الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن رجل، عن كعب قال: حديث كعب رواه غير واحد، عن ابن عجلان مثل حديث الليث، وروى شريك، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه، وحديث شريك غير محفوظ ولما خرجه الحاكم من حديث يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لكعب بن عجرة: إذا توضأت ثم دخلت المسجد فلا تشبكن بين أصابعك قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ورواه شريك بن عبد الله عن ابن عجلان فوهم في إسناده، فقال: عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا كنت في المسجد فلا تجعل أصابعك هكذا يعني: تشبكها . وخرجه أيضًا من حديث إسماعيل بن أمية، عن سعيد، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يقل هكذا: وشبك بين أصابعه وقال حديث صحيح على شرط الشيخين . وفي صحيح ابن خزيمة من حديث أبي ثمامة قال: لقيني كعب، وأنا أريد الجمعة، وقد شبكت الحديث ثم قال: رواه ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن رجل من بني سالم، عن أبيه، عن جدّه كعب. ورواه الأحمر عن ابن عجلان، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد، ولا أحل لأحد أن يروي عني هذا الخبر إلّا على هذه الصفة فإنه إسناد مقلوب، ويشبه أن يكون الصحيح حديث أبي ثمامة، وأما ابن عجلان فوهم في السند وخلط فيه، فمرّة يقول: عن أبيه عن أبي هريرة، ومرة يرسله، ومرة يقول: عن أبيه، عن أبي هريرة، وابن أبي ذئب قد بين أنّ سعيدا إّنما رواه عن رجل وهو عندي سعد بن إسحاق إلّا أنّه غلط فيمن فوق سعد فقال: عن أبيه، عن جده كعب. ولفظ حديث أبي هريرة عنده: إذا كنت في المسجد فلا تجعلن أصابعك هكذا، تشبكها ولما رواه في الأوسط قال: لم يروه عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة إلا الدراوردي، ورواه الناس عن ابن عجلان، عن سعيد عن كعب ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي عروبة، ثنا محمد بن معدان، ثنا سليمان بن عبيد الله عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: يا كعب إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت من المسجد فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة، وأنبأ أبو يعلى: ثنا أبو خيثمة، ثنا أبو عامر، ثنا داود بن قيس عن سعد بن إسحاق حدثني أبو ثمامة الحناط أن كعبا حدّثه به، وعند أحمد بن حنبل: دخل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد وقد شبكت بين أصابعي فقال لي: يا كعب إذا كنت في المسجد، فلا تشبك بين أصابعك فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة . وعند ابن أبي شيبة بسند جيد عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن مولى لأبي سعيد: أنه كان مع أبي سعيد، وهو مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأى رجلا في المسجد شبَّك بين أصابعه فأومأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يفطن فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان وزعم ابن بطال : ليس هذا الحديث بثابت، فإن قيل: فقد ورد في الصحيح في يوم ذي اليدين: فوضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، قيل له: هذا كان بعد فراغه من الصلاة فلا معارضة، والله أعلم. وأما حديث ابن عمر، أو ابن عمرو من عند البخاري: شبك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أصابعه وحديث أبي موسى من عنده أيضا مرفوعا: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه فخارج الصلاة، وقد اختلف العلماء في التشبيك في الصلاة؛ فزعم ابن الجوزي : أنه ورد النهي عن ذلك في آثار مرسلة عن سعيد بن المسيب معارضة لما ذكره البخاري، وليست كذلك؛ لأنها غير مقاومة لها في الصحة، وكره إبراهيم تشبيك الأصابع في الصلاة وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر وسالم ابنه، فكانا يشبكان في الصلاة، وكذلك الحسن، قال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة.

574

باب ما يكره فعله في الصلاة 187 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا ابن أبي فديك، حدثني هارون بن هارون بن عبد الله بن الهدير التيمي عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته . هذا حديث في سنده ضعف، لضعف هارون بن هارون بن عبد الله بن محرز ابن الهدير التيمي أبي محرز ، فإن أبا حاتم الرازي قال: هو منكر الحديث ليس بالقوي. وقال البخاري : لا يتابع في حديثه، وفي موضع آخر: ليس بذاك، وقال النسائي ، والدارقطني : ضعيف . وقال ابن حبان : كان يروي الموضوعات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به . وقال ابن ماكولا : منكر الحديث ، وقال الساجي : ليس بذاك ، وذكره العقيلي وابن الجارود في جملة الضعفاء ، ولما ذكره البيهقي في المعرفة من حديث ابن بريدة عن ابن مسعود من قوله، ومرة عن أبيه مرفوعًا: أربع من الجفاء؛ فذكر منهن: مسح الرجل التراب عن وجهه في صلاته، قال: وروي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا، ولم يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء إلا حديث أبي سعيد الذي احتج به الحميدي: أبصرت عيناي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين في أن لا يمسح المصلي الجبهة في الصلاة، وعن ابن عباس: لا يمسح المصلي وجهه من التراب حتى يتشهد ويسلم وبه أخذ ابن أبي ليلى، وذكر أبو حنيفة عن حماد، عن إبراهيم: أنَّه كان يمسح التراب عن وجهه في الصلاة قبل أن يسلم، وكان أبو حنيفة لا يرى بذلك بأسا، قال الشافعي: ولو ترك المصلي مسح وجهه من التراب حتى يسلم كان أحب إلي، وحمل ابن جبير قوله: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ على ندى الطهور وثرى الأرض، وأنكر ابن عمر، وأبو الدرداء، والسائب بن يزيد الذي يكون بالجبهة من شدة مسحها بالأرض، وكرهوا ذلك - والله تعالى أعلم - وفي صحيح البستي عن أم سلمة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لغلام يقال له: رباح: يا رباح ترب وجهك وسماه الترمذي في جامعه: أفلح.

575

188 - حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو قتيبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا تفقع أصابعك وأنت في الصلاة . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف الحارث المذكور قبل، وفي مسند أحمد من حديث ابن لهيعة عن زبان بن فائد، وفيهما كلام، عن سعد بن معاذ عن أبيه، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول: إنّ الضاحك في الصلاة، والملتفت، والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة ورواه البيهقي من حديث الليث عن زبان فأخرج منه ابن لهيعة.

576

189 - حدثنا أبو سعيد سفيان بن زياد المؤدب، ثنا محمد بن راشد، عن الحسن بن ذكوان عن عطاء، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يغطي الرجل فاه في الصلاة . هذا حديث إسناده صحيح، وضعفه بعضهم بالحسن بن ذكوان ، وهو غير جيد لثبوت حديثه في صحيح البخاري

577

192 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا الفضل بن دكين، عن شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: البزاق، والمخاط والحيض، والنعاس في الصلاة من الشيطان . هذا حديث أسلفنا الكلام على من ضعّفه بثابت أبي عدي وغيره . التثاؤب: ما يصيب الإنسان عند الكسل والنعاس والهم من فتح الفم والتمطي، عن ابن درستويه، وقال الترمذي: هي من جهة الرسم: انفتاح الفم بريح يخرج من المعدة لعرض من الأعراض يحدث فيها فيوجب فيها ذاك، ومن أمثالهم: أعدى من الثوباء: يريدون إذا تثاءب الإنسان تثاءب من بحضرته، وقال ابن درستويه: العامة تقوله بالواو ولا تهمزه تثاوب، ويتثاوب تثاوبًا، وهو خطأ، وفي الحديث: إذا تثاءب أحدكم فلا يقل: هاه هاه، فإنه اسم شيطان وفي اللبلي: تثاءب بمد الهمزة، وعن أبي عبيد: الثؤباء، بسكون الهمزة.

578

194 - حدثنا محمد بن عمر بن هياج، ثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، حدثني عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان . هذا حديث إسناده لا بأس به، محمد قال أبو حاتم : لا أرى في حديثه إنكارًا، ويروي عن عبيدة أحاديث غرائب، وقال ابن نمير : لا بأس به ، وقال الدارقطني : صالح يعتبر به ، وعبيدة قال أبو حاتم : ما بحديثه بأس ، والقاسم وثقه العجلي وغيره ، والمنهال خرج البخاري حديثه في صحيحه ، وفي معجم الطبراني الكبير: ثنا يحيى بن عثمان، ثنا سليمان بن أيوب حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أيما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنه وذكره أيضًا الشيخ ضياء الدين في صحيحه - والله أعلم وعند الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام أمَّ قومًا وهم له كارهون وقال: حديث حسن غريب، وفي المعرفة : وروي من وجه آخر من حديث قتادة، قال: لا أعلمه إلا رفعه، قال: وهذا منقطع، ورواه إسماعيل أظنه ابن عياش، عن الحجاج بن أرطأة، عن قتادة عن الحسن عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلًا، وعن عطاء، عن أبي نضرة عن أبي سعيد، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موصولا، وهذا إسناد ضعيف، وروي حديث الحسن موصولًا بذكر أنس فيه، وليس بشيء، تفرد به محمد بن القاسم الأسدي عن الفضل بن دلهم عنه، ومن حديث يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد، عن أنس يرفعه، وعن عطاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلًا . وقال الشافعي : لم أحفظه من وجه يثبت أهل العلم بالحديث مثله، قال: ومعناه الرجل غير الوالي يؤم جماعة يكرهونه فأكره ذلك للإمام. انتهى. هذا الوعيد في الرجل ليس من أهل الإمامة فيتغلب عليها حتى يكَره الناس إمامته، فأمَّا المستحق للإمامة فاللوم على من كرهه. وقوله: دبارا: هو أن يكون قد اتخذه عادة حتى يَكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس، وقيل: أن يأتيها بعدما يفوت وقتها أو يأتيها حين أدبر وقتها. وقوله: ( اعتبد محرره ) أي: اتخذه عبدًا، وهو أن يعتقه ويكرهه أو يعتقله بعد العتق، فيستخدمه كرهًا، أو يأخذ حرا فيدعيه عبدًا أو يتملكه، وإطلاق محرره على الصورة الأخيرة فيه، وقد روي اعتيد محررًا، فيتخرج عليه هذه الصورة الأخيرة، والله أعلم.

579

باب من أمَّ قوما، وهم له كارهون 193 - حدثنا أبو كريب، ثنا عبدة بن سليمان وجعفر بن عون عن الإفريقي، عن عمران عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة: رجل يؤم القوم وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارا - يعني: بعد ما يفوته الوقت - ومن اعتبد محررًا . هذا حديث في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد تقدَّم الاختلاف فيه .

580

الجهر بالآية أحيانا في صلاة الظهر والعصر 59 - حدثنا بشر بن هلال الصواف، ثنا يزيد بن زريع، ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بنا في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، ويسمعنا الآية أحيانا. هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ: فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، وعند البخاري: فكان يطول الأولى من صلاة الظهر، ويقصر في الثانية، وفي أبي داود قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى، وقال البزار في سننه: وهذا اللفظ لا نعلم رواه إلا أبو قتادة . وزعم الدارقطني في علله أن حجاجا الصواف رواه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة، انتهى كلامه، وفيه نظر، لما ذكره الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى أنبأنا أبو يحيى الروياني، ثنا إبراهيم هو الفراء، أنبأنا عيسى، ثنا الحجاج بن أبي عثمان، وأنبأنا ابن ناجية، ثنا بندار، ثنا ابن أبي عدي، أنبأنا حجاج وأخبرني ابن الجعد، ثنا عبد الله بن عمر، ثنا عنبسة بن عبد الواحد، عن حجاج الصواف، لفظ عيسى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين الحديث. وقال ابن أبي عدي: عن عبد الله بن أبي قتادة وأبي سلمة، عن أبي قتادة، وفي لفظ عنده: كان يسمعنا الآية في الظهر والعصر أحيانا، وكان يقول: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني، وفي لفظ: ولا يزال، وفي لفظ: أنه كان لا يزال يسمعهم الآية فقط، وفي لفظ: يطيل في الظهر لكي يدرك الناس. فتبين لك أن حجاجا رواه كرواية غيره، وبعضهم رواه عنه كما قال الدارقطني، فليس ينبغي له أن يعمم قوله: بل يفصله، ويبين أنه اختلف عليه كاختلافهم على شيخه، والله أعلم. وقال ابن خزيمة: قد كنت أحسب زمانا أن هذا الخبر في ذكر قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر لم يروها غير أبان وهمام بن يحيى على ما كنت أسمع أصحابنا من أهل الآثار يقولونه، فإذا الأوزاعي مع جلالته قد ذكر في خبره هذه الزيادة، عن يحيى، وفي لفظ عنده: ويطول في الركعة الأولى من صلاة العصر.

581

60 - حدثنا عقبة بن مكرم، ثنا سلم بن قتيبة، عن هاشم بن البريد، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات. هذا حديث لما ذكره البزار في كتاب السنن بلفظ: وربما يسمعنا النغمة من سورة لقمان. قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا البراء، ولا حدث به، عن أبي إسحاق إلا هاشم بن البريد، وهو كوفي روى عنه ابنه علي، وعيسى بن يونس، وعبد الله ابن داود، وأبو قتيبة، وغيرهم . وفي الأوسط للطبراني من حديث عبد الله بن حمزة الزبيري، ثنا عبد الله بن نافع، عن عثمان بن الضحاك، عن أبيه، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله قال: سنة القراءة في الصلاة أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن، لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن مقسم . وفي الصحيحين: قال سعد: أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين، وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: ذاك الظن بك، أو ذاك ظني بك. ذكر صاحب المحيط: إن قرأ المصلي بعض سورة في ركعة، وبعضها في الثانية الصحيح أنه لا يكره، وقيل: يكره، ولا ينبغي أن يقرأ في الركعتين من وسط السورة ومن آخرها، فإن فعل فلا بأس به. وفي المغني لابن قدامة: ولا يكره قراءة آخر السور وأوساطها في إحدى الروايتين نقلها عن أحمد جماعة، والرواية الثانية: يكره ذلك. نقل المروذي عن أحمد أنه كان يكره أن يقرأ في صلاة الفرض بآخر السورة، وقال: سورة أعجب إلي، وفي قوله: يطول في الأولى، ويقصر في الثانية. قال النووي: اختلف العلماء في العمل بظاهره، وهما وجهان لأصحابنا، أشهرهما: لا يطول، وتؤول الحديث على أنه طول بدعاء الاستفتاح والتعوذ أو لسماع دخول داخل ونحوه. والثاني: يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدا، وهو الصحيح المختار. وقال السروجي: اتفق أصحابنا على إطالة الركعة الأولى على الثانية في الفجر، وكذا في سائر الصلوات عند محمد، وبه قال الثوري وأحمد وعندهما لا يطيل الركعة الأولى على الثانية إلا في الفجر، واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكا فإنه قال: لا بأس أن يطيل الثانية على الأولى. ومذهب أبي حنيفة سجود السهو إذا جهر فيما يخافت أو خافت فيما يجهر، وعن أبي يوسف: إن جهر بحرف سجد، والصحيح إذا جهر بمقدار ما تجوز به الصلاة. قال النووي: وفي حديث أبي قتادة بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سنة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر. قال ابن أبي شيبة: وممن كان يجهر بالقراءة في الظهر والعصر: خباب، وسعيد بن جبير، وكان الأسود وعلقمة يجهران فيهما، ولا يسجدان. وعن جابر قال: سألت الشعبي، وسالما، وقاسما، والحكم، ومجاهدا، وعطاء عن الرجل يجهر في الظهر والعصر؟ قالوا: ليس عليه سهو. وعن قتادة أن أنسا جهر فيهما، فلم يسجد وكذا فعله سعيد بن العاص إذ كان بالمدينة أميرا، وقد وردت أحاديث تخالف ذلك. روى ابن شاهين من حديث أبي هريرة مرفوعا: إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعر وهو حديث ضعيف . وعن ابن عباس مرفوعا: صلاة النهار عجماء . قال النووي : هذا باطل، لا أصل له، وفي المصنف، عن يحيى بن أبي كثير قالوا: يا رسول الله، إن هنا قوما يجهرون بالقراءة بالنهار؟ فقال: ارموهم بالبعر، وعن الحسن: صلاة النهار عجماء، وصلاة الليل تسمع أذنيك، وعن أبي عبيدة مثله، وسمع ابن عمر رجلا يجهر بالقراءة نهارا، فقال له: إن صلاة النهار لا يجهر فيها بالقراءة، فأسر قراءتك. وفي السنن للكجي من حديث عبد الله بن المؤمل، وفيه كلام عن عبد الله بن أبي حسين، عن أبي هريرة قال: جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المغرب والعشاء، وفي صلاة الفجر، ولم يجهر في الظهر، ولا في العصر، وهو يريد حديث ابن عباس المذكور قبله، والله سبحانه وتعالى أعلم.

582

باب الاثنان جماعة 195 - حدثنا هشام بن عمار أنبأ الربيع بن بدر، عن أبيه عن جدّه عمرو بن جراد، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثنان فما فوقهما جماعة . هذا حديث قال فيه أبو محمد بن حزم في كتاب الأحكام: هذا خبر ساقط، وكأنه - والله أعلم - يعني بذلك ضعف راويه الربيع بن بدر، والملقب عليلة، فإن يحيى بن معين قال: هو ليس بشيء، وفي رواية: كان ضعيفا ، وقال أبو حاتم : لا يشتغل به ولا بروايته، فإنه ضعيف الحديث ذاهب الحديث . وقال يعقوب بن سفيان : لا يكتب حديثه، وقال مرة أخرى: ضعيف، متروك ، وقال أبو داود : ضعيف الحديث، وفي موضع آخر: لا يكتب حديثه ، وقال ابن خراش : متروك الحديث ، وقال ابن عدي : وعامة رواياته مما لا يتابعه عليه أحد . وقال النسائي : ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وفي موضع آخر: متروك الحديث، وكذا قاله الأزدي والدارقطني ، وقال الساجي : فيه ضعف ، وكان أحمد بن حنبل إذا ذكره تبسم: يروي عن الأعمش حديثا منكرا ؛ وقال العجلي : ضعيف الحديث ؛ وقال عثمان بن أبي شيبة ، وابنه محمد بن عثمان : ضعيف . وقال الحاكم لما سأله عنه مسعود : يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات المقلوبات، وعن الضعفاء الموضوعات ، وقال ابن الجارود : ليس بشيء، وقال البخاري: يخالف في حديثه ، وقال السعدي : واهي الحديث ؛ وقال ابن حبان : يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات المقلوبات، وعن الضعفاء الموضوعات . ورواه البيهقي من جهة سعيد بن زربي ، وهو ضعيف ، قال: ثنا ثابت عن أنس فذكره بمثله، وفي الأحكام لابن حزم : وقال: لا يصح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا: اثنان فما فوقهما جماعة وفي الكامل من حديث الحكم بن عمير مرفوعا: اثنان فما فوقهما جماعة فيه عيسى بن طهمان ، وهو ضعيف الحديث منكره .

583

198 - حدثنا نصر بن علي، ثنا أبي، ثنا شعبة عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أنس قال: صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بامرأة من أهله وبي، فأقامني عن يمينه، وصلَّت خلفنا المرأة . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وفي أبي داود ما يبين أن هذه المرأة من أهل أنس، لا من أهل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي صحيح ابن حبان من حديث شعبة عن ابن المختار، عن موسى عن أنس أنه كان هو، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمه وخالته، فصلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل أنسا عن يمينه وأمه وخالته خلفهما . وفي البخاري من حديث مالك بن الحويرث: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وليؤمكما أكبركما وحديث: صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وحديث: من يتصدق على هذا فيصلي معه رواه أبو سعيد عند ابن حبان، والله تعالى أعلم.

584

196 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأقامني عن يمينه . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم.

585

197 - حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا الضحاك بن عثمان، ثنا شرحبيل قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي المغرب فجئت فقمت عن يساره، فأقامني عن يمينه . هذا حديث في إسناده ضعف لضعف شرحبيل بن سعد أبي سعد الأنصاري الخطمي المدني ، فإنّه وإن كان ابن حبان قد ذكره في الثقات ، وفي رواية مضر عن يحيى : ثقة وخرج ابن خزيمة وابن حبان والحاكم حديثه، زاد الحاكم: روى عنه مالك بعد أن كان سيئ الرأي فيه ، وقال البرقي : روى عنه مالك حديث النهش، وحدَث عنه يحيى بن سعيد ، وقال أبو زرعة : فيه لين، فقد قال ابن أبي ذئب : ثنا شرحبيل بن سعد، وكان متّهمَا . وقال علي ابن المديني : اتهم وترك ، وقال الساجي : فيه ضعف، وليس بذاك ؛ وفي موضع آخر: ضعيف ، وذكره البرقي في باب من كان الأغلب عليه الضعف في حديثه، وقد ترك بعض أهل العلم بالحديث الرواية عنه ، وذكره أبو العرب ، والمنتجيلي ، وابن السكن والبلخي ، والعقيلي في جملة الضعفاء ، وقال بشر بن عمر : قال مالك : ليس بثقة ، وقال النسائي : ضعيف، وكذا قاله ابن معين في رواية عباس، زاد: وليس هو بشيء ، وقيل لابن إسحاق : كيف حديثه؟ فقال: وأحد يحدّث عنه ؟، وقال ابن عديّ : له أحاديث، وليست بالكثيرة، وفي عامة ما يرويه إنكار على أنه قد حدّث عنه جماعة، وهو إلى الضعف أقرب، والله تعالى أعلم .

586

باب من يستحب أن يلي الإمام 199 - حدثنا محمد بن الصباح، أنبأ سفيان بن عيينة عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما فيما قاله الحاكم، وعنده أيضا: ليلني منكم الذين يأخذون عني، يعني: الصلاة وقال: هذه الزيادة بإسناد صحيح على شرطهما، وفي علل الخلال: قال حنبل: ثنا أبو عبد الله، ثنا يونس، ثنا يزيد بن زريع، ثنا خالد عن أبي معشر، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله يرفعه: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى قال أحمد : هذا حديث منكر، قال أبو الحسن : لم يروه عن إبراهيم إلّا أبو معشر، وهو مخرج في صحيح مسلم بزيادة: وإياكم وهيشات الأسواق وقال فيه الترمذي : حسن غريب، وعند ابن خزيمة من حديث أبي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني .

587

200 - حدثنا نصر بن علي، ثنا عبد الوهاب، ثنا حميد عن أنس قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار، ليأخذوا عنه . هذا حديث إسناده صحيح، ولفظ أحمد في مسنده: ليحفظوا عنه .

588

201 - حدثنا أبو كريب، ثنا ابن أبي زائدة عن أبي الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال: تقدَّموا فأتموا بيِ، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخِّرهم الله عز وجل . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله تعالى في النار قال المنذري: قال هذا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنافقين، ويحتمل أن يكون تأخرهم في العلم أو في السبق والمنزلة عنده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي سنن الدارقطني من حديث عبيد الله بن سعيد، عن الليث، عن مجاهد، عن ابن عباس يرفعه: لا يتقدّم الصف الأول أعرابي، ولا أعجمي، ولا غلام لم يحتلم . المنكب من الإنسان وغيره: مجتمع رأس الكتف والعضد، مذكر لا غير حكى ذلك اللحياني، وفي صحيح البخاري في كتاب البيوع في عامة ما رأيت من الأصول، فوضع يده على إحدى منكبي. والأحلام: الحلومْ، جَمْعُ: حلم، وهو: الأناة والعقل، قال الله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا وقال جرير بن الخطفي فيما ذكره ابن سيده: هل من حلوم لأقوام فتنذرهم ما جرب الناس من عضي وتضريسي وهذا أحد ما جمع من المصادر، ورجل حليم من قوم أحلام وحلماء. والنهى: العقل يكون واحدًا وجمعًا، وهو جمع: نُهية، والنهاية والمنهاة: العقل كالنهية، ورجل منهاة: عاقل، حسن الرأي، عن أبي العميثل، وفي الغريبين: لأنه ينتهي بها عن القبائح، وقيل: لأنه ينتهى إلى رأيه، واختياراته لعقله، وخصهم بذلك لاستخلافه إن احتاج، أو لتبليغ ما يسمعونه منه، وضبط ما يحدث عنه والتنبيه على سهو إن وقع؛ ولأنهم أحق بالتقدم، وليقتدي بهم من بعدهم، والله أعلم.

589

باب القراءة في صلاة المغرب 61 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أمه، قال أبو بكر: هي لبابة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا. هذا حديث أجمعوا على تخريجه ولفظ مسلم: أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ: والمرسلات عرفا، فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب . وفي الأوسط : ثنا محمد بن علي، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أبي رشدين، عن أم الفضل بنت الحارث : أنها كانت إذا سمعت أحدا يقرأ: والمرسلات، قالت: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالمرسلات، ثم لم يصل لنا عشاء حتى قبض . وقال: لم يروه عن الزهري، عن أبي رشدين وهو كريب إلا أسامة بن زيد، ورواه الناس عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن أمه . وفي كتاب الترمذي صحيحا: خرج إلينا النبي - صلى الله عليه وسلم - عاصبا رأسه في مرضه، فصلى المغرب، فقرأ بالمرسلات فما صلى بعدها حتى لقي الله . وفي النسائي: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته المغرب، فقرأ بالمرسلات، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض. حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور، قال جبير في غير هذا الحديث: فلما سمعته يقرأ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ إلى قوله: فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ كاد قلبي يطير. هذا حديث خرجاه بغير هذه الزيادة، وفي لفظ للبخاري: قرأ في المغرب بـ الطور، ولما رواه البزار بزيادة: قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء أهل بدر، فسمعته يقرأ في المغرب وهو يؤم الناس بـ الطور وكتاب مسطور، قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا جبير بن مطعم، ولا نعلمه يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجه أنه قرأ في المغرب بالطور إلا في هذا الحديث، انتهى كلامه، وفيه نظر، لما ذكره أبو موسى المديني في كتاب المعرفة تأليفه من حديث المستغفري عن الخليل بن أحمد، أنبأنا ابن زيرك، ثنا يحيى بن يونس، ثنا الحسن أبو علي البصري، ثنا الفضل بن موسى، ثنا ابن أخي سعد بن إبراهيم، عن الزهري قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، سمعت عبد الله بن الحارث بن نوفل، يقول: آخر صلاة صليتها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب، فقرأ في الأولى بـ الطور، وفي الثانية بـ قل يا أيها الكافرون. وفي كتاب الطحاوي: يجوز أن يكون يريد بقوله: قرأ بالطور قرأ ببعضها، وذلك جائز في اللغة، يقال: فلان يقرأ القرآن، إذا قرأ بعضه. قال: والدليل على صحة ذلك ما روى هشيم، عن الزهري، عن محمد بن جبير ابن مطعم، عن أبيه، قال: قدمت على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأكلمه في أسارى بدر، فانتهيت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ فكأنما صدع قلبي . قال أبو جعفر: فبين هشيم القصة على وجهها، وأخبر أن الذي سمعه: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ لا أنه سمع الطور كلها، انتهى كلامه، وفيه نظر ؛ لما تقدم من عند ابن ماجه، ولما في مسند السراج بسند صحيح: يقرأ في المغرب: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ، قال: فأخذني من قراءته كالكرب، وكان ذلك أول ما سمعت من أمر الإسلام . وفي قوله: هشيم عن الزهري، نظر، لما ذكره أبو القاسم في الصغير: ثنا يعقوب بن غيلان العماني، ثنا سعيد بن عروة الربعي البصري، ثنا هشيم، أنبأنا إبراهيم بن محمد ابن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده فذكره، وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا هشيم، تفرد به سعيد بن عروة ، وهو ثقة ، ولا نحفظ لإبراهيم بن محمد حديثا مسندا غير هذا، وفي قوله: ( فأتيت إليه وهو يصلي ) نظر أيضا لما في كتاب ابن سعد من حديث نافع ابنه عنه قال: قدمت في فدي أسرى بدر، فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى، فنمت، فأقيمت صلاة المغرب، فقمت فزعا بقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المغرب: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، وكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي. وفي رواية شعبة، عن سعد بن إبراهيم سمعت بعض إخوتي، عن أبي، عن جبير: فقرأ بالطور، فكأنما صدع عن قلبي، وفي لفظ: صدع قلبي. وفي كتاب الاستيعاب: روى جماعة من أصحاب ابن شهاب عنه، عن محمد بن جبير، عن أبيه المغرب أو العشاء. قال الدارقطني: رواه محمد بن علقمة، عن الزهري، عن نافع بن جبير، ووهم في ذكره نافعا .

590

62 - حدثنا أحمد بن بديل، ثنا حفص بن غياث، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. هذا حديث إسناده صحيح، وفي الأوسط من حديثه، عن أحمد الجوهري، ثنا الحسين بن حريث المروزي، ثنا أبو معاوية، ثنا عبيد الله، عن نافع عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهم في المغرب بـ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وقال: لم يروه عن عبيد الله إلا أبو معاوية، تفرد به الحسين، انتهى. ليس تفرد الحسين بعلة لكونه خرج حديثه في الصحيحين، وبقية من في الإسناد لا يسأل عنهم، فهو إذا صحيح، ولهذا خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن أبي عون، عن ابن حريث . وزعم ابن بطال أن الشعبي روى عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالتين والزيتون. وفي الباب حديث مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت : ما لك تقرأ في المغرب بقصار السور - يعني المفصل - وقد سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بطولى الطوليين . رواه البخاري. زاد ابن حبان: ما لك تقرأ في المغرب بقل هو اللَّه أحد، وإنا أعطيناك الكوثر، فقال زيد: فحلف باللَّه لقد رأيت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم الحديث. وسئل ابن أبي مليكة: ما طولى الطوليين؟ فقال من قبل نفسه: المائدة والأعراف، وفي النسائي من حديث أبي الأسود أنه سمع عروة يُحدّث عن زيد أنّه قال لمروان: أبا عبد الملك أتقرأ في المغرب بقل هو اللَّه أحد، وإنّا أعطيناك الكوثر؟ فقال: نعم . قال: فمحلوفه لقد رأيت النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يقرأ فيها بأطول الطوليين المص . وفي البيهقي: ورواه محاضر بن المورع عن هشام، عن أبيه، عن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - بهذا المعنى، والصحيح الأول يعني رواية البخاري. وفي العلل الكبير للترمذي: سألت محمدا عن حديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب وزيد بن ثابت قالا: كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب بالأعراف فقال: الصحيح عن هشام عن أبيه، عن أبي أيوب أو زيد، هشام بن عروة يشك في هذا الحديث. قال أبو عيسى : وصحح هذا الحديث عن زيد بن ثابت: رواه ابن أبي مليكة عن عروة، عن مروان عن زيد. انتهى. رواه وكيع في مصنفه، عن هشام على الشك، وذكر هو المعنى عند البخاري - واللَّه أعلم - وفي مسند السراج: ثنا أبو همام، ثنا محاضر، ثنا هشام، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن أبي أيوب : أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - كان يقرأ في المغرب بسورة الأعراف في الركعتين كلتيهما في المكتوبة وفيه ردّ لما ذكره الحاكم، وهو حكمه على حديث عروة عن زيد بالصحة على شرط الشيخين إن لم يكن فيه إرسال، ولم يخرجاه بهذا اللفظ إنّما اتفقا على حديث مروان عن زيد، وحديث محاضر هذا مفسر ملخص، وقد اتفقا على الاحتجاج به . وفي سنن البيهقي: قلت لابن أبي مليكة: ما طولى الطوليين؟ قال: الأنعام والأعراف. وفي الأطراف لابن عساكر: قيل لعروة: ما هما؟ قال: الأعراف ويونس. وفي كتاب أبي عبد الرحمن النسائي، عن عمرو بن عثمان: ثنا بقية وأبو حيوة، عن ابن أبي حمزة، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول اللّه - صلّى اللَّه عليه وسلّم - قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين وهو سند ظاهره الصحة، لولا ما ذكر ابن أبي حاتم سمعت أبي، وحدثنا عن هشام بن عمار، عن الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به. فقال: هذا خطأ؛ إنّما هو عن أبيه عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - مرسل. ولقائل أن يقول: شعيب بن أبي حمزة والدراوردي ثقتان تواردا على رفعه، والزيادة من الثقة مقبولة، فالحديث على هذا صحيح - والله أعلم وحديث عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالدخان رواه أيضا بسند صحيح عن محمد بن عبد الله بن يزيد، ثنا أبي، ثنا حيوة ورجل آخر قالا: ثنا جعفر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن هرمز حدّثه أنَّ معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر حدثه عنه . وحديث أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة سورة من قصار المفصل، ثم قام في الركعة الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي تكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن، وهذه الآية: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رواه مالك في موطئه عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث عنه. وحديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: كان - عليه الصلاة والسلام - يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: قل يا أيها الكافرون، وقل هو اللَّه أحد . ذكره الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتاب أولاد المحدثين تأليفه بسند حسن من حديث أبي قلابة الرقاشي، عن أبيه أنبأنا سعيد بن سماك عن أبيه عنه، ولما ذكر ابن حبان سعيدًا في الثقات قال: روى عن أبيه أنّه قال: لا أعلمه إلا عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: كان النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - يقرأ في صلاة العشاء الأخيرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين . ثنا به جماعة من شيوخنا عن أبي قلابة، ثنا سعيد بن سماك، والمحفوظ عن سماك أنّ النبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - فذكره، وفيه نظر؛ لما ذكره بعد في صحيحه: أنبأنا يعقوب بن يوسف بن عاصم، ثنا أبو قلابة، ثنا أبي ثنا سعيد بن سماك حدثني أبي قال: لا أعلمه إلّا عن جابر بن سمرة قال: كان النبي - صلّى الله عليه وسلّم - يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بـ قل يا أيها الكافرون، وقل هو اللَّه أحد ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة: الجمعة والمنافقين . وقد وقع لنا هذا الحديث عاليا: أنبأنا به أبو علي الحسن بن عمر بن خليل قراءة علينا من لفظه أنبأنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللتي قراءة عليه وأنا أنصت أنبأنا أبو المعالي اللحاس أنبأنا أبو عبد اللَّه بن السراج أنبأنا أبو علي بن شاذان أنبأنا أبو عمرو الدّقاق أنبأنا أبو قلابة فذكره مطولًا، فذكر الصلاتين . وذكر الإمام أبو عبد الله مالك بن يحيى بن أحمد الإشبيلي في كتابه اختصار التمهيد لأبي عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ في المغرب بالصافات وبالمعوذتين . وحديث معاوية بن عبد اللَّه : أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب: حم التي فيها الدخان . ذكره ابن المديني في كتاب المستفاد في الصحابة من حديث جعفر بن ربيعة، عن الأعرج عنه، وهو سند صحيح . وحديث أبي هريرة، وقد تقدَّم ذكره في باب ما يقرأ في الظهر والعصر، وخرّج أبو داود في سننه في هذا الباب حديث ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنه قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول اللَّه يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة . قال صاحب تقريب المدارك : هذا حديث مسند صحيح عند البخاري وغيره، وحديث هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو مما يقرءون العاديات ونحوها من السور، وأتبعه في إثره، قال أبو داود: هذا يدل على أنّ ذاك منسوخ وحديث قرة عن النزال بن عمار، عن أبي عثمان أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ قل هو اللَّه أحد رواهما أبو داود، وحديث بريدة : كان النبي - صلّى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب والعشاء: والليل إذا يغشى والضحى، وكان يقرأ في الظهر والعصر بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية . رواه البزار بسند صحيح عن عبدة بن عبد اللَّه وبشر بن آدم، ثنا زيد بن حباب، أنبأنا الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بريدة عنه. وعند الترمذي بهذا السند: كان - عليه الصلاة والسلام - يقرأ في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها ونحوها من السور وقال: حديث بريدة حديث حسن، وحديث البراء بن عازب قال: صليت مع النبي - صلّى الله عليه وسلّم - المغرب، فقرأ بـ التين والزيتون . رواه السراج في مسنده بسند صحيح، عن قتيبة، ثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت عنه، كذا في نسختي وهي أم، كتبها ابن النجار المؤرّخ، وضبطها وقرأها، وهي أصل جماعة من الحفاظ وعلى المغرب ليس بصحيح؛ لأن المحفوظ عن البراء أن هذه القراءة كانت في العشاء، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - وحديث جابر : أنّه كان رجل من الأنصار يعمل على ناضحين له، فجاء مبادرًا إلى صلاة المغرب فصلى مع معاذ، فقرأ سورة البقرة فصلى الرجل في ناحية المسجد ثم انصرف، فقال صلى الله عليه وسلم: أفتَّان يا معاذ؟ ثلاث مرات، لولا قرأت: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوهما . ذكره السكسكي في مسنده بسند صحيح، فقال: ذكر سفيان عن محارب بن دثار عنه، كذا قال: المغرب، وسيأتي ذكره، ويؤيّده ما ذكره النسائي في الكبير: وترجم القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى . أنبأنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن محارب فذكره مثله. ويوضحه ما في صحيح البستي: ذكر الخبر الدال على أن المغرب ليس لها وقت واحد: أنبأنا ابن الجنيد، ثنا قتيبة، ثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر: أن معاذا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم . ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط قال: لم يروه، عن محمد بن قيس - يعني: عن محارب - إلّا وهب بن إسماعيل الأسدي. وفي موضع آخر: فلما أقيمت صلاة المغرب أتى المسجد فوجد معاذا افتتح بسورة البقرة . وقال: لم يروه عن الشيباني، عن محارب إلا خالد بن عبد الله. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى الأخذ بحديث أم الفضل وجبير، وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا ينبغي أن يقرأ في المغرب إلا بقصار المفصل، دليلهم ما رواه أبو الزبير، عن جابر: أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون . وروى حماد عن ثابت، عن أنس: كنا نصلي المغرب مع النبي - صلّى الله عليه وسلم - ثم يرمي أحدنا فيرى مواقع نبله وقد أنكر على معاذ تطويل العشاء مع سعة وقتها فالمغرب أحرى بذلك، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي وجمهور العلماء. قوله: والمرسلات عرفا، قال الفراء: هي الملائكة ترسل بالعرف. وفي تفسير ابن عباس: يعني الرسل من الملائكة ومن الإنس؛ أرسلوا بكل معروف وخير وبركة. وفي تفسير عبد بن حميد الكشي، عن عبد الله بن مسعود وقتادة قالا: هي الريح، وأما الطور: فعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خوف أهل مكة العذاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا، فأنزل الله تعالى يقسم بستة أشياء أن العذاب نازل بهم، والطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى - عليه السلام - لغة سريانية، كذا ذكره، ولم يبين أي طور المقسم به لكونهم سبعة جبال، يقال لكلّ واحد منهما الطور: الأول: طور زيتا جبل بقرب رأس عين. الثاني: طور زيتا أيضا: جبل بالمقدس به مات سبعون ألف نبي، قتلهم الجوع. الثالث: علم لجبل مطل على طبرية. الرابع: جبل في مصر وفاران. الخامس: طور سيناء، وهذا هو المقسم به - والله أعلم - جبل بأيلة، وقيل: بالشام. السادس: طور عبدين متصل بالجودي. السابع: طور هارون - عليه السلام - جبل في قبلي البيت المقدس، والله أعلم.

591

110 - حدثنا بشر بن معاذ الضرير، ثنا أبو عوانة، وحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم . 111 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكف شعرا ولا ثوبا قال ابن طاوس: فكان أبي يقول اليدين والركبتين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدا. هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ: وأشار بيده إلى أنفه، واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا يكف الثياب والشعر.

592

112 - حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب أنّه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه . هذا حديث رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه.

593

باب السجود 107 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه - يزيد بن الأصم - عن ميمونة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا سجد جافى يديه، فلو أن بهمة أرادت أن تمر بين يديه لمرت . هذا حديث رواه مسلم. وفي لفظ: خوى بيديه يعني: جنح حتى يرى وضح إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى .

594

113 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا عباد بن راشد، عن الحسن، ثنا أحمر صاحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن كنا لنأوي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يجافي بيديه عن جنبيه إذا سجد . هذا حديث ألزم الدارقطني البخاري تخريجه، قال: لأنه قد أخرج عن عباد بن راشد، عن الحسن، عن معقل أن أخته طلّقت، وخرجه الحافظ الضياء في مستخرجه من طريق عباد ، وإن كان قد قال النسائي ، والبرقي: ليس هو بالقوي ، وقال ابن حبان : لا يحتج به ، وقال ابن المديني : لا يعرف حاله ، وقال الأزدي : تركه يحيى بن سعيد ، وقال ابن خلفون : يقال: إنه كان يرى القدر ، وقال ابن معين : ضعيف، وكذا قاله أبو داود : وقال البخاري : روى عنه عبد الرحمن وتركه يحيى ، وأدخله في كتاب الضعفاء، فأنكره أبو حاتم ، وقال: يحول من هناك ، فقد وثقه غير هؤلاء أحمد بن حنبل ، فقال: هو ثقة، ورفع أمره ، وقال: ما كان أروى ابن مهدي عنه ، وقال الساجي والأزدي : صدوق . وقال العجلي والبزار : ثقة ، وقد تابعه على روايته عن الحسن: عطاء بن عجلان فيما ذكره أبو القاسم بن عساكر في كتاب الأطراف. وفي الباب حديث عبد الله بن بحينة في الصحيحين أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه وحديث ابن عباس من عند الحاكم قال: أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجخ قد فرج يديه . رواه من حديث أبي إسحاق السبيعي عن التميمي الذي يحدث بالتفسير عن ابن عباس، وحديث أبي هريرة : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سجد رؤي وضح إبطيه قال فيه الحاكم : صحيح على شرطهما، وفي المعرفة من حديث صالح مولى التوأمة: يرى بياض إبطيه مما يجافي يديه وقد تقدّم حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة، وفيه: إذا سجد جافى بين يديه وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه رواه ابن خزيمة في صحيحه، وقال أبو زرعة : هو صحيح، وفي الأوسط: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإِسناد: منصور عن سالم عنه. وفي سؤالات مهنأ: سألت أحمد ويحيى عنه، فقالا: ليس بصحيح، فقلت لأحمد: كيف لم يقل لعبد الرزاق - يعني: شيخه - فيه أنّه ليس بصحيح؟ فقال: لم أعلم به يومئذ، قلت: فكيف حدثت به؟ قال: لم أعلم إلا بعد ذا، قال: فقلت: كيف علمته؟ فقال: ثنا ابن مهدي عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: حدثت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان إذا سجد جافى . وقال أبو عبد الله: كنت تركت هذا الحديث حتى ذكر لي أن فضيل بن عياض روى عن منصور مثل هذا - يعني: مثل رواية عبد الرزاق - وعن عدي بن عميرة الحضرمي: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سجد يرى بياض إبطيه خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وقالَ الإسماعيلي في معجمه: ثنا عبد الله بن حفص بن عمر الوكيل، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى جخى وخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه، وقال: قال النَّضر بن شميل: جخ: لا يتمدّد في ركوعه ولا سجوده، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، وهو معدود في أفراد النضر بن شميل، وحديث أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انحطَّ بالتكبير، فسبقت ركبتاه يديه رواه الدارقطني، وقال: تفرد به العلاء بن إسماعيل العطار، وزعم النووي أنّ البيهقي أشار إلى ضعفه، وأما ابن حزم فأشار إلى صحته، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علّة. وحديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الجمل قال البيهقي : ورواه من حديث ، وكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن فضيل عنه، والذي يعارضه ينفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الدراوردي عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه قال الترمذي : حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه قال: ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا، وقال ابن أبي داود: هذه سنة تفرد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان، هذا أحدهما، والآخر عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا قول أصحاب الحديث: وضع اليدين قبل الركبتين، قال الدارقطني : وهذا حديث تفرد به الدراوردي عن عبيد الله بن عمر، وفي موضع آخر: تفرّد به أصبغ بن الفرج عن الدراوردي، ولما خرجه الحاكم عن أبي عبد الله بن بطة، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا، ثنا محرز بن سلمة، ثنا الدراوردي قال: صحيح على شرط مسلم، وله معارض من حديث أنس بن مالك - يعني: المذكور قبل - ورواه البيهقي أيضًا من حديث عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل وليضع يديه على ركبتيه . قال البيهقي : كذا قال: على ركبتيه، فإن كان محفوظا كان دليلًا على أنه يضع يديه على ركبتيه عند الإهواء إلى السجود، قال: ورواه - يعني اللفظ المتقدم - عبد العزيز عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، والمحفوظ عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر : إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه . ولما خرجه الحاكم قال: صحيح على شرط الشيخين، وخرجه أيضا ابن خزيمة في صحيحه، وفي مسند ابن أبي شيبة عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أبي ليلى عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه وفي تعليق البخاري: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه ولما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: ذكر الدليل على أن الأمر بوضع اليدين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ، وروى من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين . وفي كتاب الحازمي : أما حديث سعد ففي سنده مقال، ولو كان محفوظا لدل على النسخ، وفي الباب أحاديث تشيده، وفي كتاب البيهقي: المشهور في هذا عن مصعب، عن أبيه نسخ التطبيق، وفي المغني لابن قدامة - رحمه الله تعالى - ما يشد قول ابن خزيمة: روي عن أبي سعيد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين وفي المصنف لابن أبي شيبة من حديث إبراهيم عن الأسود، عن عمر: أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه وعن عبد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه أنه كان إذا سجد تقع ركبتاه ثم يداه ثم رأسه، وسئل إبراهيم عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه فكره ذلك، وقال: هل يفعله إلا مجنون؟! وعن خالد قال: رأيت أبا قلابة إذا سجد بدأ فوضع ركبتيه، قال: ورأيت الحسن يخر فيبدأ بيديه، وعن مهدي بن ميمون قال: رأيت ابن سيرين يضع ركبتيه قبل يديه، وعن أبي إسحاق قال: كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم، وسئل قتادة عن الرجل إذا انصب من الركوع يبدأ بيديه؟ فقال: يضع أهون ذلك عنه، وفي المستدرك: قال أبو عبد الله: والقلب في هذا إلى حديث ابن عمر أميل؛ لكثرة من روي ذلك عنه من الصحابة والتابعين، وفي الأوسط من حديث سعيد عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السجود على سبعة أعضاء وقال: لم يروه عن سعيد إلا أبو أمية بن يعلى، تفرد به حجاج بن نصير، وذكر الإسبيجاني عن أبي حنيفة من آداب الصلاة وضع الركبتين قبل اليدين، واليدين قبل الجبهة، والجبهة قبل الأنف، وقيل: الأنف قبل الجبهة، وتقدم اليد اليمنى على اليسرى، ففي الوضع تقدم الأقرب إلى الأرض، وفي الرفع تقدّم الأقرب إلى السماء: الوجه، ثم اليدان ثم الركبتان، وإن كان ذا خف يضع يديه أولًا للتعذر، وحكاه القاضي أبو الطيب - أعني: وضع الركبتين - عن عامة الفقهاء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب والثوري وأحمد وإسحاق قال: وبه أقول، زاد البيهقي: ابن مسعود، ونقله ابن بطال، عن ابن وهب، وذكر أنه أيضًا رواه ابن شعبان، عن مالك، وفي كتاب النووي: وقال الأوزاعي، ومالك: يقدّم يديه على ركبتيه، وهي رواية عن أحمد، وبه قال أبو محمد بن حزم. غريبه: البهمة: الصغير من أولاد الغنم: الضأن، والمعز، والبقر، من الوحش وغيرها الذكر والأنثى في ذلك سواء، قال ابن سيده: وقيل هو بهمة إذا شبّ، والجمع: بَهْم، وبَهَم، وبِهام، وبِهامات، جمع الجمع، وفي نوادر ثعلب: البهم: صغار المعز، وبه فسر قول الشاعر: عداني أن أزورك أن بهمي عجايا كلها إلّا قليلا وفي كتاب أبي موسى المديني الحافظ: البهمة: السخلة، وفي حديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للراعي: ما ولدت؟ قال: بهمة، قال: اذبح مكانها شاه، فلو أنّ البهمة اسم لجنس خاص لما كان في سؤاله - صلى الله عليه وسلم - الراعي وإجابته عنه ببهمة كبير فائدة، إذ يعرف ما تلد الشاة إنما يكون ذكرًا أو أنثى، فلما أجاب عنه ببهمة، فقال: اذبح مكانها شاه ذكرا على أنه اسم للأنثى دون الذكر، أي دع هذه الأنثى في الغنم للنسل، واذبح مكانها ذكرًا، والله تعالى أعلم. وعفرة إبطه - صلى الله عليه وسلم - من أعلام نبوته؛ لأن النَّاس آباطهم غير إبطه - صلى الله عليه وسلم - بيضاء، قاله أبو نعيم، وقال الأصمعي: هو البياض، وليس بالناصع، ولكنه لون الأرض، ومنه قيل للظباء: عفر، شبهت بعفر الأرض، وهو وجهها، وقال شمر: هو بياض إلى الحمرة قليلا، ذكره الهروي. وفي المحكم: ماعزة عفراء: خالصة البياض، وأرض عفراء: بيضاء لم توطأ، ويريد أعفر: مبيض متنه، والجبهة: موضع السجود، وقيل: هي مستوي ما بين الحاجبين إلى الناصية، قال ابن سيده: ووجدت بخط علي بن حمزة في المصنف: فإذا انحسر الشعر عن جانب جبهته، ولا أدري كيف هذا إلّا أن يريد الجانبين، وفي الغريبين: نأوي له أي: نرثي له، ونرق، ويقال: أويت إليه أوية، وأية، ومأوية. والآراب: الأعضاء، واحدها أرب، ذكره الهروي، ونمرة: جبل عن يمينك، وأنت بعلمي عرفة، به عيران، قاله أبو علي الهجري في نوادره، وزعم أبو عبيد البكري في معجمه: أنه موضع بعرفة معلوم، وفي كتاب الحازمي: وياقوت: ناحية بعرفة نزلها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع، وقيل: الحرم من طريق الطائف على طرفه عرفة من نمرة على أحد عشر ميلا.

595

108 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن داود بن قيس، عن عبد الله بن عبيد الله بن أقرم الخزاعي عن أبيه قال: كنت مع أبي بالقاع من نمرة فمرّ بنا ركب فأناخوا بناحية الطريق، فقال لي أبي: كن في بهمك حتى آتي هؤلاء القوم فأسألهم، قال: فخرج، قال: وجئت، يعني دنوت، فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحضرت الصلاة فصليت معهم وكنت أنظر إلى عفرتي إبطي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما سجد قال ابن ماجه: الناس يقولون: عبيد الله بن عبد الله، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: يقول الناس: عبد الله بن عبيد الله، ثم ذكر ابن ماجه سنده بذلك. هذا حديث قال فيه الترمذي : حسن، لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس، ولا نعرف لابن أقرم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير هذا الحديث، والعمل عليه عند أهل العلم، ولما ذكره الحاكم في مستدركه قال: هذا حديث صحيح على ما أصلته من تفرد الابن بالرواية عن أبيه، ولما ذكره أبو علي بن السكن في كتابه معرفة الصحابة قال: له رواية ثابتة، وفي المعرفة للبيهقي: كان يعقوب بن سفيان يذهب إلى أنّ الصحيح في هذا ثمرة بالثاء، أخبرنا بذلك أبو الحسين بن الفضل: أنّ ابن درستويه أخبرهم عنه، وفي قول الترمذي: له حديث واحد نظر؛ لما ذكره البغوي في كتابه معرفة الصحابة من حديث عبد الرحمن بن محمد، عن الوليد بن سعيد قال: سمعت عبد الله بن أقرم قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في قوله تعالى: يساقط عليك رُطَبًا جَنِيا الحديث، قال البغوي : هذا حديث غريب، وفي إسناده لين.

596

109 - حدثنا الحسن بن علي الخلال، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا قام من السجود رفع يديه قبل ركبتيه . هذا حديث قال النسائي : لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون، وقال الترمذي: قال الحسن بن علي: قال يزيد بن هارون: لم يرو شريك عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث، قال أبو عيسى : هذا حديث غريب حسن لا نعرف أحدا روى مثل هذا الحديث غير شريك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، وروى همام عن عاصم هذا مرسلا لم يذكر فيه وائل بن حجر. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث إنّ هماما لم يشافه فيه عاصما بالرواية؛ إنّما رواه عن شقيق أبي الليث، ثنا عاصم فذكره، كذا هو في كتاب المراسيل لأبي داود وغيره، وشقيق هذا قال ابن القطان: لا يعرف بغير رواية همام عنه، وفي أحكام الطوسي : هذا حديث غريب، وقال الدارقطني : قال ابن أبي داود : وضع ركبتيه قبل يديه، تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدّث به عن عاصم غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به . وقال البيهقي: ورواه من حديث حجاج بن منهال عن همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه بلفظ: وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن يقع كفاه . وعن عفان ثنا حجاج عن همام، ثنا شقيق أبو الليث، حدثني عاصم بن كليب عن أبيه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال عفان : وهذا الحديث غريب، قال البيهقي : هذا حديث يعد في أفراد شريك، وإنّما تابعه همام مرسلا؛ كذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدّمين، وهو المحفوظ. وقال الخطابي : حديث وائل أثبت من حديث تقديم اليدين، وهو أرفق بالمصلّي، وقال الحازمي : رواه همام عن شقيق - يعني: أبا الليث - عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا، وهو المحفوظ.

597

203 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن رجاء سمعت أوس بن ضمعج قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، وإن كانت الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنّا، ولا يؤم الرجل في أهله ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذن أو بإذنه . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه. وفي الباب: حديث أبي سعيد الخدري من عنده أيضا مرفوعا: إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم وحديث ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يؤمَكم أقرؤكم وإن كان ولد زنا ذكره ابن حزم في كتاب الأعراب من حديث محمد بن الفضل بن عطية - وهو متروك - وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم، وإن كان أصغركم، وإذا أمكم فهو أميركم رواه البزار، وقال: لا نعلمه يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا من رواية أبي هريرة بهذا الإسناد، وعند الدارقطني من حديث خالد بن إسماعيل المخزومي - وهو متروك - مرفوعًا: إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدّموا خياركم ومن حديث عبد الله بن محمد بن يحيى ، وهو ضعيف : سيليكم بعدي أمراء، فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا وصلوا وراءهم . وحديث ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أم قوما وفيهم من هو أقرأ منه لكتاب الله وأعلم، لم يزل في سفال إلى يوم القيامة ، وقال الطبراني في الأوسط: لا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحسين بن علي بن يزيد الصدائي، يعني عن أبيه عن حفص بن سليمان عن الهيثم، وفيه: من حديث عبد الله بن حنظلة الغسيل مرفوعًا: الرجل أحق بصدر دابته، وأن يؤم في رحله وقال: لم يروه عن المسيب بن رافع، ومعبد بن خالد إلا إسحاق بن يحيى بن طلحة، ولا يروى عن عبد الله بن حنظلة إلّا بهذا الإسناد . وعند الدارقطني من حديث عمر بن يزيد - وهو منكر الحديث - مرفوعا: اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله عز وجل . ومن حديث خالد بن إسماعيل أيضًا: صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله وحديث عمرو بن سلمة من عند البخاري مرفوعًا: فإذا أحضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا وحديث جابر مرفوعا: ألا لا يؤمن رجلا امرأة، ولا يؤمن أعرابي مهاجرا، ولا يؤمن فاجر برَا إلّا أن يكون ذا سلطان . وحديث ابن عباس: ليؤذن لكم خياركم، ويؤمكم قراؤكم تقدم من عند ابن ماجه. وحديث عائشة من كتاب الخلال، وقيل لها: من يؤمنا؟ قالت: أقرؤكم للقرآن، فإن لم يكن فأصبحكم وجهًا قال أحمد، ويحيى بن معين : هذا حديث سوء وليس بصحيح، وسئل أحمد عن حديث فرقد السبخي، عن مرة عن عمر : لا يؤم المقيد المطلقين فلم يعجبه، قيل له: تعرف في المقيد يؤم المطلقين قال: لا أعرف فيه شيئًا يصح .

598

باب من أحق بالإِمامة 202 - حدثنا بشر بن هلال الصواف، ثنا يزيد بن زريع عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا وصاحب لي، فلما أردنا الانصراف قال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما.

599

65 - حدثنا محمد بن رمح أنبأنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر: أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ بالشمس وضحاها، وبسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، واقرأ باسم ربك . هذا حديث خرجاه بلفظ: كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلّم - ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم أتى قومه فأمّهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف فقالوا له: أنافقت يا فلان؟! قال: لا والله، ولآتين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأخبره فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إنَّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء ثم أتانا فافتتح البقرة، فأقبل رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - على معاذ فقال: يا معاذ أفتان أنت؟! اقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى . وفي صحيح ابن حبان: اقرأ بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج . وفي كتاب النسائي: وإذا السماء انفطرت . وفي سنن البيهقي: لم يقل أحد: فسلم إلّا محمد بن عباد المكي عن سفيان. وفي كتاب أبي قرّة: والضحى، وهذا النحو . وفي كتاب أبي القاسم الأوسط: وسبح اسم ربك الأعلى . وفي كتاب السراج: والفجر . وفي كتاب مسند ابن وهب: خفّف على الناس ولا تشق عليهم . وفي كتاب أبي داود بسند حسن، عن حزم بن أبي بن كعب أنه أتى معاذًا وهو يصلي بقوم صلاة المغرب. في هذا الخبر قال: فقال عليه السلام: يا معاذ لا تكن فتانًا، فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة والمسافر . رواه عن موسى بن إسماعيل، ثنا طالب بن حبيب قال: سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدث عنه . وفي كتاب المستفاد بالنظر والكتابة من حديث ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن جابر: أن معاذا صلى بالأنصار المغرب، وأن حازمًا الأنصاري لم يصبر لذلك فغضب عليه معاذ الحديث. وفي مسند أحمد: ثنا عفان، ثنا وهيب عن عمرو بن يحيى عن معاذ بن رفاعة أنّ رجلًا من بني سلمة يقال له: سليم أتى النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - فقال: يا رسول الله إن معاذًا يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار فينادي بالصلاة، فنخرج إليه فيطول علينا في الصلاة، فقال عليه السلام: يا معاذ إمَّا أن تخفّف بقومك، وإمَّا أن تجعل صلاتك معي . قال ابن حزم : هذا منقطع؛ لأنّ هذا الشاكي قتل يوم أحد، وكذا ذكره البزار، وفي الأحكام لأبي علي الطوسي : ثنا المؤمل بن هشام، ثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس : أنّ معاذا كان يؤم قومه فدخل حرام المسجد يصلي مع القوم، فلما رآه طول تجوّز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه الحديث. وقال: يقال: هذا حديث حسن، وفي مسند أحمد بسند صحيح عن بريدة أن معاذا صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى، وذهب فقال له معاذ قولا شديدا، فأتى النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فقال لمعاذ: صل بـ الشَّمس وضحاها ونحوها من السور . وفي مسند الشافعي: فقرأ بسورة البقرة والنساء كذا رأيته بخط شيخنا أبي محمد المنبجي - رحمه اللَّه تعالى وفي سنن أبي الحسن بسند صحيح ما يبين أن الصلاة التي صلاها معاذ مع النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - كانت فرضا لا نافلة، خلافا لحديث معاذ بن رفاعة، ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار أخبرني جابر بن عبد اللَّه أن معاذًا كان يصلي مع النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - العشاء ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم، هي له تطوع ولهم فريضة . ثنا أبو بكر، ثنا عبد الرحمن بن بشر وأبو الأزهر، ثنا عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أخبرني جابر مثله. وفي مسند الشافعي أنبأنا عبد المجيد، عن ابن جريج، قال الربيع: قيل لي: هو، عن ابن جريج، ولم يكن عندي ابن جريج عن عمرو عن جابر به. قال البيهقي: وكذلك رواه حرملة عن الشافعي بغير شك. قال الشافعي : وهو حديث ثابت لا أعلم حديثا يروى من طريق واحدة أثبت من هذا ولا أوثق رجالًا. قال البيهقي : وكذلك رواه أبو عاصم وعبد الرزاق، عن ابن جريج بهذه الزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد رويت هذه الزيادة من وجه آخر عن جابر . قال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد عن ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر به، ولفظه: فيصلي لهم العشاء وهي له نافلة . قال البيهقي: والأصل أن ما كان موصولا بالحديث يكون منه، وخاصة إذا روي من وجهين إلَّا أن تقوم دلالة على التمييز، والظاهر أنَّ هذه الزيادة من قول جابر، وكان الصحابة أخشى للَّه من أن يقولوا مثل هذا إلا بعلم، ومن زعم أنّ ذلك كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ببطن النخل حين كان يفعل الفرض مرتين في اليوم ثم نسخ فقد ادعى ما لا يعرف. وحديث عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة عن ابن عمر مرفوعًا: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين لا يثبت بثبوت حديث معاذ للاختلاف في الاحتجاج بروايات عمرو وانفراده به، والاتفاق على الاحتجاج بروايات رواة معاذ، ثم ليس فيه دلالة على كونه شرعًا ثابتًا ثم نسخ، فقد كان - عليه السلام - يرغبهم في إعادة الصلاة بالجماعة، ويحتمل أن يكون قال ذلك حين لم يسن إعادة الصلاة بالجماعة لإدراك فضيلتها، وقد وقع الإجماع على بعض الصلوات أنها تعاد . قال أبو جعفر : قد روى ابن عيينة عن عمرو حديث جابر هذا ولم يذكر هذه الزيادة، قال: ويجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج، أو من قول عمرو، أو من قول جابر، بناء على الظن والاجتهاد لا بجزم. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ذكره الشيخ موفّق الدّين من أنّ الإمام أحمد بن حنبل سئل عن هذه الزيادة، فقال: أخشى أن لا تكون محفوظة؛ لأن ابن عيينة يزيد فيها كلامًا لا يقوله أحد، وقد روى هذا الحديث منصور وشعبة ولم يقولا ما قال ابن عيينة، قال الموفق: يعني زيادة هي له تطوع ولهم فريضة، وقال ابن الجوزي : هذا لا يصح ولو صح كان ظنًّا من جابر. وفي المعارضة: ليس في الحديث كيفية صلاة معاذ، وقول جابر: هي له تطوع إخبار عن أمر غائب، ومن أين لجابر بما كان ينويه معاذ، ولقائل أن يقول: هذه الزيادة لم ينفرد بها ؛ بل يؤكده ما خرجه الشيخان، عن جابر: أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - صلى بأصحابه بطائفة منهم ركعتين ثم تأخروا وصلى بالأخرى ركعتين . قال البيهقي: وفي حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عنه: أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - صلى بأصحابه بطائفة منهم ركعتين ثم سلَّم، ثم صلى بالأخرى ركعتين ثم سلم . قال: وكذلك رواه يونس بن عبيد، عن الحسن، عن جابر. وثبت معناه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر، ومن حديث الحسن، عن أبي بكرة عند أبي داود: أن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - صلى بهؤلاء ركعتين وبهؤلاء ركعتين فكانت للنبي - صلّى اللَّه عليه وسلم - أربعا، ولأصحابه ركعتان ركعتان . قال الشافعي: والآخرة من هاتين للنبي - عليه السلام - نافلة وللآخرين فريضة. وأنبأنا مسلم عن ابن جريج أنَّ عطاء كان تفوته العتمة فيأتي والناس في القيام فيصلي معهم ركعتين ثم يثني عليهما ركعتين، وأنه رآه فعل ذلك ويعتد به العتمة. قال الشافعي: وكان وهب بن منبه، والحسن، وأبو رجاء - يعني: يفعلون ذلك ويروى عن عمر بن الخطاب وعن رجل أو اثنين من الأنصار مثل هذا المعنى، ويروى عن أبي الدرداء، وابن عباس قريب منه وطاوس، والزنجي، وابن مهدي، ويحيى بن سعيد، واحتج بقوله عليه السلام: من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ ! وهو حديث صحيح، قال في المعرفة: وروى ابن عائذ عن نفر من الصحابة أنهم فعلوا ذلك، زاد ابن بطال وابن المنذر: وسليمان بن حرب وأبو ثور وداود، ورواية عن أحمد، ومنع من ذلك أبو حنيفة ومالك، ورواية أبي الحارث عن أحمد. قال ابن قدامة: اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا، وهو قول الحسن، وابن المسيب، والنخعي، وأبي قلابة، وربيعة، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: فلا تختلفوا عليه ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات، وبقوله عليه السلام: الإمام ضامن يعني: يضمنها صحة وفسادا والفرض ليس مضمونا في النفل، وبقوله: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة مفهومه: أنه لا يصلي نافلة غير الصلاة التي تقام؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهو منتفي مع الاتفاق من الجمهور على جواز صلاة المتنفل مع الفرض، ولو تناوله النهي لما جاز مطلقا؛ فعلم أن المراد الانفراد عن الإمام بما يشوش عليه. قال ابن العربي: وقوله: لا يظن بمعاذ تفويت صلاة الفرض خلفه - عليه السلام - قلنا: سائر أئمة مساجد المدينة أليس كانت الفضيلة تفوتهم معه عليه السلام وامتثال أمره - عليه السلام - في إمامة قومه زيادة طاعة، أو يحتمل أن يكون معاذ يصلي مع النبي - صلّى الله عليه وسلّم - صلاة النهار، ومع قومه صلاة الليل أو يحتمل على أنها حكاية حال لم تعلم كيفيتها فلا يعمل بها. وزعم المهلب أنّ ذلك يحتمل أن يكون في أوّل الإسلام وقت عدم القراء، ووقت لا عوض لهم من معاذ فكانت حال ضرورة فلا تجعل أصلا يقاس عليه. انتهى. يؤيّد قوله ما أسلفناه في حديث ابن رفاعة، وأنّ ذلك كان قبل أحد، ثم إن اختلاف أسماء المصلين، وما يصلي به، والصلاة فيه دلالة على تعدّد ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

600

باب القراءة في صلاة العشاء 63 - حدثنا محمد بن الصباح أنبأنا سفيان بن عيينة، وثنا عبد اللَّه بن عامر بن زرارة، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة جميعًا، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب أنه - صلى مع رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم - العشاء الآخرة، قال: فسمعته يقرأ بالتين والزيتون . 64 - وفي لفظ: فما سمعت إنسانًا أحسن صوتًا أو قراءة منه . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما. وعند البخاري: أن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - كان في سفر، وقد تقدم ذكره قبل، وفي سنن النسائي: فقرأ في الركعة الأولى بـ التين والزيتون .

601

206 - حدثنا محرز بن سلمة العدني، ثنا ابن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي علي الهمداني: أنه خرج في سفر فيه عقبة بن عامر الجهني، فحانت صلاة من الصلوات فأمرناه أن يؤمنا، وقلنا له: إنَّك أحقنا بذلك أنت صاحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من أم الناس فأصاب، فالصلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم . هذا حديث صححه الإشبيلي بسكوته عنه، وأبى ذلك عليه أبو الحسن، وضعفه، ولما ذكره أبو جعفر الطحاوي : عن الربيع بن سليمان قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، ثنا يحيى بن أيوب، عن حرملة بن عمران، عن أبي علي الهمداني سمعت عقبة قال: أهل العلم بالحديث يقولون: الصواب في إسناد هذا الحديث: ، ولما خرجه الحاكم من جهة يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي علي، قال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث إن يحيى بن أيوب الغافقي ممن اتفقا على تخريج حديثه، وعبد الرحمن بن حرملة، تفرد بحديثه مسلم . وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم وتقدم حديثه أيضًا: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن وما فيه من العلل القادحة وغير القادحة . وعند الدارقطني بسند لا بأس به عن جابر يرفعه: الإمام ضامن، فما صنع فاصنعوا قال أبو حاتم : هذا تصحيح لمن قال بالقراءة خلف الإمام، وفي كتاب أبي داود بسند حسن من حديث قبيصة بن وقاص قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم . وقال المهلب: في حديث أبي هريرة جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه، وفيه أن الإمام إذا نقص ركوعه وسجوده لا تفسد صلاة من خلفه إلا أن ينقص فرضا من فروضها، فلا يجوز اتباعه إلّا أن يخاف منه.

602

205 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن أم غراب، عن امرأة يقال لها: عقيلة، عن سلامة بنت الحر أخت خرشة، قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: يأتي على الناس زمان يقومون ساعة لا يجدون إماما يصلي بهم . هذا حديث في سنده امرأتان مجهولتان: الأولى أم غراب طلحة ، وإن كان قد روى عنها أيضًا مروان بن معاوية الفزاري، وفي الكمال: وهارون بن عباد، فيشبه أن يكون وهمًا، وذلك أنّ ابن عباد إنّما روى عن مروان عنها، نص على ذلك أبو داود وغيره، فإني لم أر من تعرض لمعرفة حالها ، وأما عقيلة فلم أر من ذكر عنها راويًا غير أم غراب، ولا تعرض لحالها على أن أبا داود لما روى حديثها سكت عنه، وتبعه على ذلك المنذري وغيره، وليس كافيا، ولفظه: من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماما يصلي بهم . وفي كتاب الخلال من حديث عبد الرزاق، عن أبيه : أن قومًا تدافعوا الإمامة فخسف بهم، قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل : سمعته من عبد الرزاق، وليس له إسناد.

603

باب ما يجب على الإمام 204 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عبد الحميد بن سليمان أخو فليح، ثنا أبو حازم قال: كان سهل بن سعد الساعدي يقدم فتيان قومه، يصلون بهم فقيل له: تفعل هذا، ولك من القدم ما لَكَ؟! قال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: الإِمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء -يعني - فعليه ولا عليهم . هذا حديث قال فيه الحاكم وخرجه من حديث سريج بن النعمان، عن عبد الحميد: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وكأنه - رحمه الله تعالى - لم يعتد بما قيل في راويه .

604

209 - حدثنا محمد بن رمح أنبأ الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: صلى معاذ بن جبل بأصحابه صلاة العشاء، فطول عليهم فانصرف رجل منا فصلى، فأخبر معاذ عنه فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره ما قال معاذ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ؟ إذا صليت بالناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، واقرأ باسم ربك . هذا حديث خرجاه أيضًا من حديث عمرو بن دينار: سمعت جابرًا بلفظ: أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذًا يصلي فتركها وأقبل إلى معاذ فقرأ سورة البقرة الحديث، وفيه: أفاتن أنت ثلاث مرار . وفي مسند أحمد بن حنبل بسند صحيح عن بريدة الأسلمي : أنَّ معاذًا صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ، فقام رجل فصلى وذهب الحديث، وفيه أيضًا بسند صحيح عن أنس بن مالك : كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام - يعني: ابن ملحان : وهو يريد أن يسقي نخله المسجد، فلما رأى معاذًا طوَل، تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه . وعنده أيضًا من حديث معاذ بن رفاعة، عن سليم رجل من بني سلمة : أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله إن معاذَا الحديث، وذلك قبل أُحد فدلّ أن الحديث منقطع؛ لأن معاذ بن رفاعة ليس صحابيا، قال ذلك ابن حزم وغيره . وفي سنن أبي داود عن موسى بن إسماعيل، عن طالب بن حبيب، سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدّث عن حزم بن أبي كعب الأنصاري: أنه أتى معاذًا وهو يصلي بقومه صلاة المغرب الحديث. وفي صحيح البستي عن جابر: كان معاذ يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم فأخرّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العشاء ذات ليلة فصلى معه معاذ ثم رجع إلينا فتقدّم ليؤمنا، فافتتح بسورة البقرة، فلما رأى رجل منّا الحديث، وفيه: قال عمرو: وأمره بسور قصار لا أحفظها، قال سفيان: فقلنا لعمرو: إنّ أبا الزبير قال لهم: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: اقرأ بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى قال عمرو: نحو هذا، وفي لفظ: ثم ينصرف إلى قومه فيصليها لهم، وكان إمامهم قال أبو حاتم: في هذا دحض لقول من زعم أنه لم يكن يصلي بهم الفرض، وإن الفرض أدّاه مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال: ذكر الخبر الدال على أنَّ المغرب ليس له وقت واحد: أنبأ ابن الجنيد، ثنا قتيبة، ثنا حماد بن زيد، عن عمرو سمع جابرا: إن معاذًا كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المغرب ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم . وفي شرح مسلم للنووي - رحمه الله تعالى - باب القراءة في العشاء فيه حديث البراء بن عازب : أن معاذا كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم يأتي قومه فيؤمهم الحديث. انتهى. ينبغي أن يتثبت في هذا، فإني لم أجده في مسلم، ولا في كتاب من الكتب الستة . وفي سنن الدارقطني بسند صحيح عن أبي بكر النيسابوري: ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو، عن جابر : أنَ معاذا كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العشاء، ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم، هي له تطوع ولهم فريضة . وثنا أبو بكر، ثنا عبد الرحمن بن بشر وأبو الأزهر قالا: ثنا عبد الرزاق، أنبأ ابن جريج أخبرني عمرو أخبرني جابر الحديث بلفظ: فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له نافلة، ولهم فريضة ورواه الشافعي في مسنده عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عمرو به. وقال البيهقي : هذا حديث ثابت، لا أعلم حديثا يروى من طريق واحدة أثبت من هذا، ولا أوثق رجالا، قال البيهقي: وكذلك رواه النبيل وعبد الرزاق، عن ابن جريج، بذكر هذه الزيادة، وقد رويت هذه الزيادة من وجه آخر عن جابر، رواها الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم عن جابر بلفظ: فيصلي لهم العشاء وهي له نافلة قال الطحاوي : قد روى ابن عيينة عن عمرو حديث جابر هذا، فلم يذكر هذه الزيادة، فيجوز أن يكون من قول ابن جريج، أو من قول عمرو، أو من قول جابر بناء على ظنّ واجتهاد لا بجزم، وذكر أبو البركات ابن تيمية أنَ الإمام أحمد ضَعف هذه الزيادة وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة؛ لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاما لا يقوله أحد. زاد ابن قدامة في المغني عنه: وقد روى الحديث منصور بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قاله سفيان. انتهى، قد سبق من عند الدارقطني وغيره أن هذه الزيادة جاءت من قبل ابن جريج، ومن عند الطحاوي أنّ ابن عيينة لم يأت بها فينظر . وفي كتاب ابن الجوزي : فإن قالوا فقد روي عن جابر أنّه قال: يكون له تطوّعًا، قلنا: هذا لا يصح، ولو صح كان ظنا من جابر، وبنحوه ذكر القاضي أبو بكر في العارضة وفي كتاب ابن بشكوال: اسم الرجل المنصرف حازم. وفي مسند الشافعي: فقرأ بسورة البقرة والنساء قال البيهقي: الأصل أن ما كان موصولا بالحديث يكون منه، وخاصة إذا روي من وجهين إلا أن تقوم دلالة على التمييز، فالظاهر أن قوله: هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة من قول جابر، وكان الصحابة أعلم بالله وأخشى له من أن يقولوا مثل هذا إلا بعلم. وحديث عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة عن ابن عمر، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين لا يثبت ثبوت حديث معاذ للاختلاف في الاحتجاج بروايات عمرو وانفراده به، والاتفاق على الاحتجاج بروايات رواة معاذ: وصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي صلاة الخوف ببطن نخلة بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم قال الشافعي: أنبأ به الثقة ابن عيينة أو غيره عن يونس، عن الحسن، عن جابر فذكره: وقال: فالآخرة من هاتين للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نافلة، وللآخرين فريضة، وعن عطاء: إن أدركت العصر ولم تصل الظهر فاجعل الذي صليت مع الإمام الظهر، وصل العصر بعد ذلك، قال الشافعي: ويروى عن عمر بن الخطاب وعن رجل من الأنصار مثل هذا المعنى، ويروى عن أبي الدرداء وابن عباس قريب منه، وكان وهب بن منبه وأبو رجاء العطاردي والحسن وابن مهدي ومسلم بن خالد ويحيى بن سعيد وغيرهم يقولون بهذا، وعن ابن جريج قال إنسان لطاوس: وجدت الناس في القيام فجعلتها العشاء الآخرة، قال: أصبت، وهي رواية عن أحمد، وبه قال سليمان بن حرب وابن المنذر وأبو ثور وداود، قال البيهقي: واحتج الشافعي بقوله: من يتصدق على هذا فيصلي معه . وعن الأوزاعي قال: دخل ثلاثة نفر من الصحابة في صلاة العصر ولم يكونوا صلوا الظهر، فلما سلم الإمام قال بعضهم لبعض: كيف صنعت؟ قال أحدهم: أما أنا، فجعلت صلاتي مع الإمام صلاة الظهر ثم صليت العصر، وقال الآخر: أنا جعلت صلاتي مع الإمام العصر، ثم صليت الظهر، وقال الآخر: أما أنا فجعلت صلاتي مع الإمام سبحة، واستقبلت الظهر ثم العصر فلم يعب أحدهم على صاحبه، قال: وروينا هذا عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن ابن عائذ قال: دخل ثلاثة نفر الحديث، وزعم المهلب: أنَّ حديث معاذ يحتمل أن يكون أوّل الإسلام وقت عدم القراء ووقت لا عوض للقوم من معاذ، فكانت حال ضرورة لا تجعل أصلا يقاس عليه. انتهى. قد أسلفنا أنَّ هذا كان قبل أُحد، فلا حاجة بنا إلى هذا التجوز، وقد ورد حديث يشدّ قول من ذهب إلى أنّ معاذا كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفرض، ذكره الإسماعيلي: ثنا إبراهيم بن السري ابن يحيى ابن أخي هناد بن السري، ثنا محمد بن إسحاق العامري، ثنا عبيد الله عن أبي الأحوص عن المغيرة عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رجع من المسجد صلى بنا ومنع أبو حنيفة وأصحابه من صلاة المفترض خلف المتنفل، وهو قول الزهري، ورواية عن الحسن بن أبي الحسن، وقول سعيد بن المسيب، والنخعي، وأبي قلابة وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، ورواية أبي الحارث عن أحمد بن حنبل، زاد الطحاوي: مجاهدا، واستدل بالحديث الصحيح: إنما جعل الإمام ليؤتّم به، فلا تختلفوا عليه . قال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات، ولأنه لو جازينا المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف؛ لأنَه كان يمكنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته، وتكون الثَّانية له نافلة، وللطائفة الثانية فريضة. انتهى. قد أسلفنا ما قاله في الحديث، فلا حاجة به إلى إحالته لوقوعه ولكونه حديثا جيدا، قال الطحاوي: ويحتمل أن يكون حديث معاذ وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإنَّ ذلك قد كان يفعل في أوّل الإسلام حتى نهي عنه، وبنحوه ذكره ابن التين وابن بطال.

605

208 - حدثنا أحمد بن عبدة وحميد بن مسعدة قالا: ثنا حماد بن زيد، ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوجز، ويتم الصلاة . هذا حديث خرجاه أيضًا.

606

باب من أمّ قومًا فليخفف 207 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي ثنا إسماعيل عن قيس، عن أبي مسعود قال: أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل فقال: يا رسول الله، إني لأتأخَّر في صلاة الغداة من أجل فلان لما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضب قط في موعظة أشدّ غضبًا منه يومئذ، فقال: يا أيها الناس إنّ منكم منفرين، فأيّكم ما صلى بالناس فليجوز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة. هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وفي لفظ عند البخاري: فإن فيهم المريض والضعيف . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي الجواب، عن عمار بن رزيق عن أبي إسحاق، عن قيس بن أبي حازم عنه، وقال: المشهور من حديث إسماعيل عن قيس.

607

210 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: سمعت عثمان بن أبي العاص يقول: كان آخر ما عهد إلي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أمرني على الطائف قال لي: عثمان، تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم، فإنَّ فيهم الكبير والسقيم والبعيد وذا الحاجة . هذا حديث خرجه مسلم بلفظ: فمن أمّ الناس فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، فإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء . وفي لفظ: إذا أممت الناس فأخفَّ بهم الصلاة وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وإذا صلى وحده فليصل كيف شاء .

608

211 - حدثنا علي بن إسماعيل ثنا عمر بن علي ثنا يحيى ثنا شعبة ثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال عثمان بن أبي العاص: إنَ آخر ما قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أممت قوما فأخف بهم . وعند النسائي من حديث ابن عمر بسند صحيح: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا بالتخفيف ويأمنا بالصافات وفي مسند الشافعي من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن نافع بن سرجس قال: عدنا أبا واقد فسمعته يقول: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخف الناس صلاة على الناس وأطول صلاة لنفسه . وفي مصنف أبي بكر: عن المنذر بن أبي أسيد قال: كان أبي يصلي خلفي، فربما قال لي: يا بني طولت بنا اليوم . وعند الطبراني من حديث إبراهيم التيمي عن أبيه سمعت عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيكم أم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وقال: لم يروه عن عمار الدهني، عن إبراهيم إلا عبد الجبار بن العباس تفرد به، والله تعالى أعلم.

609

باب القراءة خلف الإمام 66 - حدثنا هشام بن عمار وسهل بن أبي سهل وإسحاق بن إسماعيل قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب . هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم. زاد أبو داود وأبو عبد الرحمن فصاعدًا، قال ابن عيينة: لمن يصلي وحده قال البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام: وقال معمر عن الزهري فصاعدًا، في قوله: فصاعدًا، مع أنه قد أثبت الفاتحة، وقوله: فصاعدًا، غير معروف ما أراد به حرفًا أو أكثر من ذلك، إلا أن يكون كقوله: تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا فقد تقطع اليد في دينار وأكثر من دينار، وأنّ عبد الرحمن ربما روى عن الزهري ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا يعلم أنّ هذا من صحيح حديثه أم لا . وثنا عبد الله ثنا الليث حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني محمود عن عبادة قال - عليه السلام: - لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن . وسألته عن رجل نسي القراءة في الصلاة فقال: أرى أن يعود لصلاته وإن ذكر ذلك في الركعة الثانية، ولا أرى أن لا يعود لصلاته. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما ذكره الدارقطني أنّه حدّث ابن عيينة عن الزهري: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب . ثنا ابن صاعد، ثنا الربيع، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب حدثني محمود عن عبادة، عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: وهذا صحيح أيضًا، وكذلك رواه صالح بن كيسان ومعمر والأوزاعي وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم، عن الزهري، فظاهره يقتضي أنّ معمرًا وابن إسحاق ومن ذكر رووه كرواية ابن عيينة بغير تلك الزيادة، وإن كانوا ذكروها فهو نقض لما قاله البخاري من التفرد - والله أعلم - وفي صحيح الإسماعيلي: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب . وخرجه الدارقطني أيضًا وقال: هذا إسناد صحيح . وفي لفظ لأبي داود: صلى بنا النبي - صلّى الله عليه وسلّم - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فالتبست عليه القراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: هل تقرؤون إذا جهرت؟ فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلّا بأم القرآن . وعند الترمذي محسنا: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها . وقال أبو طَالب: قلت لأبي عبد اللَّه : ما تقول في القراءة خلف الإمام؟ قال: لا يقرأ والإمام يقرأ، قلت: أليس قال عليه السلام: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب قال: ذاك للإمام، قلت: فمحمود بن الربيع صلى إلى جنب عبادة فجعل يقرأ والإمام يقرأ فقال: أبا الوليد تقرأ والإمام يقرأ؟! قال: نعم، سمعت النبي - صلّى الله عليه وسلّم - يقول: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب . قال: ذاك يقوله محمد بن إسحاق، وأما غيره فيقول: لا صلاة لمن لم يقرأ، وقد قال الزهري: ذلك للإمام، وقد قاله بعضهم عن أبي هريرة ولكنه خطأ، قلت: فإنهم قالوا: لا صلاة لمن لم يقرأ، قال: فغضب، ثم قال: ما قال هذا أحد من أهل الإسلام، هذا النبي - عليه السلام - وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر، ما قالوا لرجل صلى خلف الإمام قرأ إمامه، ولم يقرأ هو صلاته باطلة، قلت: يا أبا عبد اللَّه يقولون: الشّافعي؟ قال: فقال: ما تستحيي يا أبا طالب، ثم قال: فنبي الله صلى الله عليه وسلم أليس هو يعلمنا؟ أو ليس حديث أبي موسى: فبيّن لنا سُننا، وعلمنا صلاتنا يدل على هذا في أول الإسلام؟ وقال لهم: لا تكبروا حتى يكبر إمامكم، وقال لهم: إذا قرأت أنصتوا، قلت: يا أبا عبد اللَّه التيمي وحده: إذا قرأت أنصتوا، فقال لي: رواه أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا قلت: يقولون: أخطأ أبو خالد، قال: فرواه سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى قال عليه السلام: إذا قرأ الإمام فأنصتوا، قال: قلت: يقولون: أخطأ سليمان، قال: من قال أخطأ سليمان فقد بهته . وفي كتاب أبي القاسم الأوسط من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبادة يرفعه: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وآيتين معها . وقال: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن عبد العزيز إلا الحسن بن يحيى الخشني، وفي كتاب التمهيد: وفي حديث زياد بن يونس: من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج، قال أبو عمر : وهو وهم وغلط ؛ لإدخال لفظ حديث أبي هريرة في هذا الحديث، وإنما لفظ حديث عبادة: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، على أنه غريب جدا من حديث مالك، ومحفوظ لابن عيينة وجماعة عن الزهري . وفي كتاب الصلاة لجعفر بن محمد الفريابي: قال ابن عون: فكان يقال لرجاء: أفرأيت إن كان خلف الإمام فجهر؟ قال: إن جهر وإن لم يجهر لا بد من قراءة أم القرآن. وفي كتاب الدارقطني بسند حسن مرفوعا: أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها عوضا منها . قال: تفرد به محمد بن خلاد، عن أشهب، عن ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن محمود عنه، وصححه الحاكم في مستدركه .

610

67 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا السائب أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، غير تمام، قلت: يا أبا هريرة فإني أكون أحيانا وراء الإمام؟ فغمز ذراعي، وقال: يا فارسي، اقرأ بها في نفسك. هذا حديث رواه مسلم من حديث العلاء، عن أبيه، عنه بزيادة: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . قال سفيان: حدثني به العلاء دخلت عليه وهو مريض في بيته، فسألته أنا عنه، ثنا قتيبة، عن مالك، عن العلاء، عن أبي السائب، مثل حديث سفيان، وحدثني المعقري، ثنا النضر بن محمد، ثنا أبو أويس، أنبأنا العلاء سمعت من أبي ومن أبي السائب، وكانا جليسي أبي هريرة. وفي العلل الكبير للترمذي: ذكر حديث إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب، فقال: وروى ابن جريج، ومالك، وغير واحد عن العلاء عن أبيه، وسمعت أبا زرعة يقول: كلاهما صحيح، واحتج بحديث إسماعيل . وفي سنن البزار: تابع مالكا على هذا الإسناد جماعة، فذكر ابن إسحاق، وشعبة، وقد تابع شعبة غير واحد على مثل روايته عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة، وقد رواه أبو أويس عن العلاء عن أبيه، وعن أبي السائب، عن أبي هريرة يتقاربون في ألفاظهم أنّه قال: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام. قال أبو عمر بن عبد البر : ليس هذا الحديث في الموطأ إلا عن العلاء عند جميع الرواة، وقد انفرد به مطرف عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي السائب مولى هشام، عن أبي هريرة بهذا الحديث، وساقه كما في الموطأ سواء، ولا يحفظ لمالك عن ابن شهاب، وإنما يحفظ لمالك عن العلاء . وقال الدارقطني في كتاب الغرائب تأليفه: هو غريب من حديث مالك عن ابن شهاب، لم يروه غير مطرف، تفرد به عنه ابن سبرة بن عبد الله المدني، وهو صحيح من حديث الزهري حدّث به عنه عقيل هكذا، عن أبي السائب عن أبي هريرة، عن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم، وقد تقدم ذكر هذا الحديث قبل في كتاب افتتاح القراءة. وفي لفظ للفريابي في كتاب الصلاة: فأوّلها وأوسطها بيني وبين عبدي وآخرها لعبدي، وله ما سأل، فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: أخلص عبدي العبادة لي واستعان بي عليها . وفي لفظ: فإذا قال: مالك يوم الدين قال: مدحني عبدي، وما بقي فهو له . وفي مسند السراج: ولعبدي ما صنع . وفي لفظ: أيما رجل صلى صلاة بغير قراءة فهي خداج، غير تمام . وفي صحيح ابن خزيمة: فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج.

611

68 - حدثنا أبو كريب، ثنا محمد بن فضيل، وثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر، جميعا عن أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة: الحمد وسورة، في فريضة أو غيرها . هذا حديث إسناده ضعيف براويه أبي سفيان طريف المذكور، قبل. ورواه أبو داود في سننه بسند صحيح، عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن أبي نضرة بلفظ: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر . ولفظ البزار : أمرنا رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلّم وقال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي نضرة عن أبي سعيد إلا همام، وكذا ذكره البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام عن أبي الوليد، ثنا همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم فذكره، أنا بذلك المسند المعمر نجم الدين عبد الله بن علي بن عمر - رحمه الله تعالى - بقراءتي عليه، أنا أبو بكر محمد بن الحافظ تقي الدين إسماعيل بن الأنماطي قراءة عليه، أنا أبو البركات داود بن ملاعب، أنبأنا أبو الفضل محمد بن عمر ابن يوسف قراءة عليه، أنبأنا الشريف أبو الغنائم بن المأمون قراءة عليه، أنبأنا أبو نصر محمد بن أحمد بن موسى الملاحمي قراءة عليه، أنبأنا أبو إسحاق محمود بن إسحاق بن محمود الخزاعي، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي - رحمه الله تعالى - به. وفي الأوسط من حديث سعيد بن عامر، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي نضرة بلفظ: في كلِّ صلاة قراءة بفاتحة الكتاب، وما تيسر، ومن لم يقرأ فهي خداج . وقال: لم يروه عن سعيد بهذا اللفظ إلا سعيد بن عامر، تفرد به محمد بن أبي صفوان الثقفي. وفي كتاب الصلاة للفريابي: ثنا ابن بشار، ثنا ابن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: في كلِّ الصلاة قراءة بأم القرآن فما زاد وثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا بشر بن المفضل، ثنا خالد، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد: في كل الصلاة قراءة بفاتحة الكتاب فما زاد.

612

69 - حدثنا الفضل بن يعقوب الجزري، ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج . هذا حديث إسناده صحيح، ورواه البخاري في القراءة عن محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا يزيد بن زريع، نا ابن إسحاق بلفظ: كل صلاة لا يقرأ فيها فهي خداج قال البخاري: وزاد يزيد بن هارون: بفاتحة الكتاب . ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن هشام، عن أبيه عنها بلفظ: فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج وقال: لم يروه عن عمارة إلا ابن لهيعة، تفرد به محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن أبيه . وفي كتاب الكامل لابن عدي من حديث جبارة بن مغلس ، عن شبيب بن شيبة الحبطي - وهما ضعيفان - عن هشام به بلفظ: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج .

613

70 - حدثنا الوليد بن عمرو بن سكين، ثنا يوسف بن يعقوب السلعي، ثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - صلّى اللَّه عليه وسلم - قال: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج . هذا حديث إسناده صحيح على ما قررناه من حال عمرو وصحيفته، ورواه البخاري في القراءة عن هلال بن بشر، عن السلعي، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث سعيد بن سليمان النشيطي، ثنا أبان بن يزيد عن عاصم الأحول، عن عمرو بلفظ: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فخدجة فخدجة فخدجة وقال: لم يروه عن عاصم إلا أبان، تفرد به سعيد. انتهى كلامه، وفيه نظر لما ذكره الفريابي أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن في كتاب الصلاة تأليفه: ثنا موسى بن السندي الجرجاني، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي عن عاصم، فذكره بلفظ: كل صَلاة ليس فيها قراءة مخدجة مخدجة مخدجة . وفي كتاب الدارقطني من حديث محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عمرو مرفوعا: من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعا فليقرأ فيها بأم الكتاب وسورة معها، فإن انتهى إلى أم الكتاب فقد أجزأه ومن صلى صلاة مع إمام يجهر، فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام . قال أبو الحسن : محمد ضعيف .

614

71 - حدثنا علي بن محمد، ثنا إسحاق بن سليمان، ثنا معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: سأله رجل فقال: أقرأ والإمام يقرأ؟ فقال: سأل رجل النبي - صلى اللَّه عليه وسلّم - أفي كل صلاة قراءة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال رجل من القوم: وجب هذا . هذا حديث قال فيه النسائي فيما ذكره الضياء: هذا خطأ عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول أبي الدرداء، والذي رأيت وذكره من حديث زيد بن حباب، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء بلفظ: فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، قال: فالتفت إلي رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وكنت أقرب القوم منه، فقال: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم . قال أبو عبد الرحمن: خولف زيد في قوله: فالتفت رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - إلي . وقال الدارقطني في العلل: هو من قول أبي الدرداء، ومن جعله من قول النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - لأبي الدرداء فقد وهم. ورواه البخاري في كتاب القراءة، عن عبد الله بن محمد، ثنا بشر بن السري، ثنا معاوية، وثنا علي، ثنا زيد، ثنا معاوية به مرفوعًا من غير ذكر الالتفات، ولما ذكر الإشبيلي حديث النسائي قال: اختلف في إسناد هذا الحديث ولا يثبت، قال ابن القطان : قوله يوهم في الحديث علّة لا يقبله معها أحد، وليس كذلك؛ بل هو موضع نظر، فإنه حديث رواه النسائي من طريق زيد بن حباب عن معاوية، وكذا ذكره الدارقطني، وأتبعه أن قال: الصواب أنه من قول أبي الدرداء، فرأى أبو محمد هذا فاعتمده ولم يجاوزه، ورأيته في كتابه الكبير لم يزد فيما علله به أن قال: خولف في هذا زيد، والصواب: أنه من قول أبي الدرداء. ذكر ذلك الدارقطني في سننه لم يزد، وكرر الدارقطني ذكره في موضع آخر من الكتاب المذكور؛ فجاء به من رواية ابن وهب عن معاوية بن صالح فجعله من كلام أبي الدرداء، ثم قال: رواه ابن حباب مرفوعًا، ووهم فيه، والصواب: قول ابن وهب. انتهى قوله. فإذن ليس فيه أكثر من أن ابن وهب وقفه وابن حباب رفعه وهو أحد الثقات ، ولو خالفه في رفعه جماعة ثقات فوقفته ما انبغى أن يحكم عليه في رفعه بالخطأ، فكيف ولم يخالفه إلا واحد، وأوقع ما يعتل به عليه مرفوعًا بالشك الذي في قوله: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم فإن هذا يستبعد أن يكون من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان من مجتهداته، والأظهر أنَّه من كلام أبي الدرداء، انتهى كلامه. قد أسلفنا قبل من تابع زيدًا على رفعه الحديث صحيحًا، وأنَّ زيدًا نفسه اختلف عليه؛ فرواه علي عنه عند البخاري كرواية بشر بن السري. ورواه هارون بن عبد اللَّه عند النسائي كما تقدم، وكذلك عثمان بن أبي شيبة عند الفريابي في كتاب الصلاة، وأبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني عند أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد في مسند أبي الدرداء جمعه، وقد وقع لنا متابعا لزيد على رفعه. قال الطبراني في الكبير: ثنا عبدان بن أحمد، ثنا زيد بن الحريش، ثنا عمرو بن الوليد الأغضف ح، وثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي، نا أحمد بن بديل ح، وثنا الحسين التستري، ثنا يحيى الحماني قالا: ثنا إسحاق بن سليمان كلاهما عن معاوية، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس عن أبي الدرداء: سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم قال رجل من القوم: وجب هذا، فقال عليه السلام: ما أرى الإمام إذا قرأ إلا كان كافيًا وأما قوله عن الدارقطني: إنه قال: الصواب أنه من قول أبي الدرداء؛ فكذلك هو معنى لا لفظًا، والذي في كتابه: كذا قال، والصواب فقال أبو الدرداء: ما أرى الإمام إذا أمَّ القوم إلا قد كفاهم . وفي قوله: إن ابن وهب وحده وقفه نظر؛ لما ذكره الفريابي في كتاب الصلاة: ثنا ابن راهويه ثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء أن رجلًا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفي كل صلاة قرآن؟ قال: نعم فقال رجل: قد وجبت هذه، فقال أبو الدرداء: يا كثير ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم . وفي قوله عن الكتاب الكبير: لم يزد أن قال: خولف في هذا زيد، والصواب أنَّه من قول أبي الدرداء، ذكره الدارقطني في سننه نظر لما في الكبير، وقد خولف زيد في هذا، والصواب أنه من قول أبي الدرداء: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم . ذكر ذلك الدارقطني في سننه، وإنَّما حجته في هذا وشبهه لقوله لم يزد، واللَّه أعلم.

615

72 - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سعيد بن عامر ثنا شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب . هذا موقوف بسند صحيح، رواه الفريابي في كتاب الصلاة، عن الفلاس، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا مسعر بلفظ: نقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، وكنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما فوق ذلك أو أكثر ومعناه يستمد من حديث أبي قتادة المذكور قبل عند البخاري: وفي الركعتين الأخيرتين بأمِّ الكتاب وبحديث جابر قال عليه السلام: الإمام ضامن، فما صنع فاصنعوا . رواه الرازي عن الحميدي، ثنا موسى بن شيبة، عن محمد بن كليب وهو ابن جابر عنه ثم قال: هذا تصحيح لمن قال بالقراءة خلف الإمام، وبحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقرأ في الأخيرتين بفاتحة الكتاب ذكره في الأوسط من حديث أشعث بن عبد الملك، عن الحسن وابن سيرين عنها، وقال: لم يروه عن أشعث إلَّا سنان بن هارون . وفي الباب: حديث رفاعة بن رافع أن النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - قال للأعرابي: ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ رواه أبو داود بسند صحيح عن وهب بن بقية، عن خالد يعني: ابن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد عنه، وحديث أبي هريرة قال: أمرني رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد. ذكره أبو عيسى في كتابه بغير إسناد، قال: وروى أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة فذكره، ورواه ابن الجارود في منتقاه، عن عبد اللَّه بن هاشم وأبو داود، عن ابن بشار قالا: ثنا يحيى القطان، عن جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان، ولما ذكره البزار في مسنده قال: وهذا الإسناد إسناد مستقيم، يحيى بن سعيد عن جعفر بن ميمون، وجعفر قد روى عنه يحيى بن سعيد، ومحمد بن أبي عدي وجماعة، وما فوقه من الإسناد تغني شهرتهم عن صفتهم. وذكره الحافظ أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف في كتاب الصلاة تأليفه عن محمد بن رافع، ثنا أبو أسامة أخبرني جعفر بلفظ: لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد . وفي كتاب الصلاة للفريابي بهذا الإسناد أنادي بالمدينة: لا صلاة إلا بقراءة أو بفاتحة الكتاب . وقال البيهقي في المعرفة: وأما حديث وهب وغيره عن جعفر بن ميمون: ألَّا صلاة إلا بقراءة . وقال بعضهم: إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب ؛ فقد خالفهم الثوري فقال: إلا بقراءة بفاتحة الكتاب فما زاد وكذا رواه يحيى بن سعيد، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث حجاج بن أرطأة، عن عبد الكريم، عن أبي عثمان بلفظ: في كلّ صلاة قراءة، ولو بفاتحة الكتاب وقال: لم يروه عن حجاج إلا إبراهيم بن طهمان . وحديث عمر بن يزيد المدائني، عن عطاء، عن ابن عمر قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدا . قال ابن عدي : هذا حديث غير محفوظ، وعمر منكر الحديث. وحديث مهران عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من لم يقرأ بأم الكتاب في صلاته فهي خداج، ذكره في الأوسط من حديث سليمان بن عبد الرحمن، ثنا عبد الرحمن بن سوار، نا عمرو بن ميمون بن مهران، حدثني أبي ميمون بن مهران، عن أبيه فذكره، وقال: لا يروى عن مهران إلا بهذا الإسناد، تفرد به سليمان بن عبد الرحمن. وحديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل على القوم، فقال: أتقرؤون والإمام يقرأ؟ فسكتوا، ثم قالها ثلاثا، فقال قائلون: إنا لنفعل، فقال: فلا تفعلوا، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه . رواه أيضا من حديث عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة عنه، وقال: لم يروه عن أيوب إلا ابن عمرو. وحديث ابن عباس، وقال لأبي الجوزاء: ألا أتحفك؟ قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من صلى أربع ركعات بأم القرآن وسورة الحديث، رواه أيضا من حديث ابن جحادة، عن أبي الجوزاء. وقال: لم يروه عن ابن جحادة إلا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار. تفرد به محرز بن عون. وحديث عمر بن الخطاب، وذكر خبرا طويلا فيه ذكر الضب وشهادته للنبي عليه السلام بالرسالة، وفيه قال عليه السلام: هذا الذي يعلو ولا يعلى، ولا يقبله الله تعالى إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلا بقرآن الحديث رواه أيضا بسند صحيح من حديث محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر، ثنا كهمس، نا داود بن أبي هند، عن الشعبي، ثنا عبد الله بن عمر، عن أبيه، وقال: لم يروه بهذا التمام إلا كهمس، ولا عن كهمس إلا المعتمر، تفرد به محمد بن عبد الأعلى، وحديث ابن عباس المذكور قبل من عند ابن خزيمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء، فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما بأم الكتاب. غريبه: الخداج: قال ابن سيده: خدجت الناقة، وكل ذات ظلف وحافر: تخدج خداجا، وهي خدوج، وخدجت، وخدجت كلاهما: ألقت ولدها لغير تمام الأخيرة، عن ابن الأعرابي، وأنشد لابن مطير: لما لقحن لماء الفحل أعجلها وقت النتاج فلم يتممن تخديج وقد يكون الخداج لغير الناقة، أنشد ثعلب: يوم ترى مرضعة خلوجا وكل أنثى حملت خدوجا أفلا تراه كيف عم به. وفي الحديث: فهي خداج، أي: نقصان، والولد خديج، وشاة خدوج، وجمعها: خدج، وخداج، وخدائج، وأخدجت فهي مخدجة ومخدج: جاءت به ناقص الخلق، وقد تم وقت حملها، والولد خدج، وخدج، ومخدج، وخديج، ومنه قول علي في ذي الثدية: مخدج اليد: ناقص اليد، وقيل: إذا ألقت ولدها تام الخلق قبل وقت النتاج، قيل: أخدجت، وهي مخدج، فإن رمته ناقصا قبل الوقت، قيل: خدجت، وهي خادج، فإن كان عادة لها فهي مخداج فيهما. وقوم يجعلون الخداج ما كان دما، وبعضهم يجعله ما كان أملط لم يثبت عليه شعر، وحكى ثابت جميع ذلك في الإنسان. وقال أبو بكر: قوله: ( فهي خداج ): أي ذات خداج، فحذف ذات، وأقيم الخداج مقامه على مذهبهم في الاختصار، ويجوز أن يكون المعنى مخدجة أي ناقصة، وأحل المصدر محل الفعل، كما قالوا: عبد الله إقبال وإدبار، وهم يريدون: مقبل مدبر. وفي المشكل للطحاوي: قد وجدنا النبي - صلّى اللَّه عليه وسلّم - قد سمى صلاة أخرى خداجاً لمعنى غير المعنى الذي يسمى به هذه الصلاة خداجا، وهو ما روى المطلب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين، وتبأس، وتقنع وتمسكن بيديك، وتقول: اللهم اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج . وروي عن الفضل بن عباس بمثله غير أنه قال: وتقنع بيديك، يقول ترفعهما إلى ربك عز وجل مستقبلًا ببطونهما وجهك، وتقول: يا رب يا رب، فمن لم يفعل ذلك لدي ولدي، يعني: فهي خداج . قال أبو جعفر: وفي الحديث الذي قبله وصف تيك أنها خداج، فقال قوم: إنّ من صلى ولم يقرأ في صلاته في كل ركعة منها فاتحة الكتاب لم تجزه، وجعلوا النقص الذي دخلها يبطلها، وقد خالفهم في ذلك قوم؛ منهم: أبو حنيفة وأصحابه فجعلوها جازية مخدجة بترك مصليها قراءة الفاتحة فيها، وذهبوا إلى أن الخداج لا يذهب به الشيء الذي يُسمَّى به؛ لأنها لم تكن بنقصانها معدومة، ولكنها ناقصة موجودة وليس كل من نقصت صلاته بمعنى تركه منها يجب فسادها، قد رأيناه يترك تمام ركوعها وإتمام سجودها فيكون ذلك نقصانها، ولا تكون فاسدة يجب إعادتها، فلا ينكر أن يكون بترك قراءة فاتحة الكتاب فيها ناقصة نقصاً لا يجب معه إعادتها، وقد وجدنا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما دل على ذلك؛ وهو ما روي عنه أنه لما خرج في مرضه الذي توفي فيه، وأبو بكر يصلي بالناس فذهب أبو بكر يتأخر وأشار إليه مكانك، فاستتم النبي عَلَيْهِ السَلام من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، وأبو بكر قائم ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس فائتم أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وائتم الناس بأبي بكر، فلا تخلو إذا استتم النبي عَلَيْهِ السَلام القراءة من حيث انتهى أبو بكر من أن يكون أبو بكر قد قرأ الفاتحة أو شيئاً منها، فلم يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ما سبقه به من ذلك أبو بكر، وأجزأته صلاته فكان في ذلك دليل على أن ترك قراءة الفاتحة أو بعضها لا تفسد به الصلاة، والله تعالى أعلم.

616

214 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا عمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز كراهية أن أشق على أمه . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه، وعند ابن أبيِ شيبة: ثنا وكيع عن سفيان، عن أبي الحويرث الزرقي عن عليّ بن قيس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لأسمع بكاء الصبي خلفي، فأخفف شفقة أن أفتن أمه . وثنا وكيع عن سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن ابن سابط: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ في الركعة الأولى بسورة نحو من ستين آية، فسمع بكاء صبي فقرأ في الثانية بثلاث آيات وثنا شريك عن أبي هارون، عن أبي سعيد فيما نعلم، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: إني لأكون في الصلاة، فأسمع بكاء الصبي، فأخفف مخافة أن أشق على أمه، أو قال: أن تفتن أمه . التجوز: عبارة عن تقليل القراءة؛ لحديث ابن سابط وغيره، وقال بعض العلماء: يستدل بهذا على أنّ الإمام إذا كان راكعَا فأحس بداخل للصلاة ينتظره، قال القرطبي: ولا حجة فيه؛ لأن هذه الزيادة عمل في الصلاة بخلاف الحذف. وقال ابن بطال: أجازه الشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن، وقال بعضهم: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقال: مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي: ينتظر، وقال سحنون: صلاتهم باطلة. والوَجْد: الحزن، قال ابن سيده: وجد الرجل وَجْدا ووُجْدا كلاهما عن اللحياني: حزن، وفي النوادر للهجري: فواكبداه مما وجدت من الأسى لذي وسمة بين الطويل المشذب وحكى وُجد: بالضم القزاز عن الفراء، وأبو عبيد في المصنف، وابن القطاع في الأفعال، والسيرافي في كتابه الإقناع والجوهري، وغيرهم، زاد ابن سيده: ووجد به وجدًا في الحب لا غير، وأنشد: لقد زادنا وجدًا ببقعاء أننا وجدنا مطايانا بلينة ظلعا وقال ابن حصن في وصف عجوز: ما بطنها بوالد ولا زوجها بواجد، يعني محبا، وقال ابن قرقول: من موجدة أمه، أي من حبها إيّاه، وحزنها لبكائه، والله تعالى أعلم.

617

213 - حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة الحراني، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن عبد الله بن علاثة عن هشام بن حسان، عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوز في الصلاة . هذا حديث في سنده انقطاع فيما بين الحسن وعثمان، نص على ذلك أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، وذلك أنه لما ذكر حديثه عنه: تمكث النساء أربعين يوما قال: فليعلم طالب الحديث أن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص شيئا ، وضعف بسبب ابن علاثة ، وإن كان يحيى وثقه، وكذلك ابن سعد . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به وهو حسن الحديث ، وقال أبو زرعة : صالح ، فقد قال البخاري : في حديثه نظر ، قال أبو الفتح الأزدي : لسنا نقنع من البخاري بهذا، ابن علاثة حديثه يدل على كذبه وكان أحد العضل في التزيد عن الأوزاعي، قال الخطيب : قد أفرط أبو الفتح في الميل على ابن علاثة، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن حصين عنه، فنسبه إلى الكذب لأجلها، والعلة في تلك من جهة عمرو، فإنه كان كذابا، وأمّا محمد فقد وثقه يحيى، ولا أحفظ لأحد من الأئمة فيه خلاف ما وصفه به يحيى، انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما ذكره أبو بكر بن بشران ، عن الدارقطني : ابن علاثة ضعيف، متروك ، وقال النقاش : وقبله أبو عبد الله الحاكم ، روى عن الأوزاعي، وخصيف والنَّضْر بن عربي أحاديث موضوعة، زاد الحاكم: ومدار حديثه على عمرو بن الحصين ، وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال أبو حاتم بن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل ذكره إلّا على جهة القدح فيه .

618

باب الإمام يخفف الصلاة إذا حدث أمر 212 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم لوجد أمّه ببكائه . هذا حديث اتفقا على تخريجه، وفي لفظ عند البخاري: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم من صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه .

619

218 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف، ومن سدَّ فرجة رفعه الله تعالى بها درجة . هذا حديث مختلف في إسناده، للاختلاف في حال إسماعيل المتقدم الذكر، ورواه ابن شاهين في مسنده بسند صحيح على رسم مسلم، فقال: أخبرني أسامة بن زيد عن عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة بلفظ: إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف وسيأتي عند ابن ماجه بهذا اللفظ، وشواهده: حديث ابن عمر يرفعه: إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف قال فيه الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وفي لفظ: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله رواه أبو داود بسند صحيح عن عيسى بن إبراهيم، عن ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرّة عنه به، وعنده أيضا عن قتيبة، عن الليث، عن معاوية، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يذكر ابن عمر، عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خياركم ألينكم مناكب في الصلاة . وعن أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إنّي لأرى الشيطان يدخل في خلل الصف كأنها الخذف وفي لفظ عن محمد بن مسلم صاحب المقصورة قال: صليت إلى جنب أنس فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله، قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضع عليه يده، فيقول: استووا وعدلوا صفوفكم وعند الحاكم، وزعم أنه على شرط الشيخين أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال: اعتدلوا سووا صفوفكم، ثم أخذه بيساره فقال: اعتدلوا سووا صفوفكم . وعند الطبراني في الأوسط من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة يرفعه: إنَّ الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف، ولا يصل عبد صفا إلّا رفعه الله به درجة وذرت عليه الملائكة من البر وقال: لم يرو غانم بن الأحوص عن أبي صالح غير هذا الحديث، تفرد به ابن أبي أويس، ومن حديث أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر . ذكر الخلال أن أحمد بن حنبل لماَّ ذكر له هذا الحديث أعجبه واستحسنه من حديث الأنصاري، وفي الأوسط من حديث عمرو بن مرّة، عن أبي معمر عن عقبة بن عمرو قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: سووا المناكب وأقيموا الصفوف، ولا تختلفوا فيختلف بكم وقال: لم يروه عن عمرو إلا محمد بن جابر، تفرد به إسحاق بن إسرائيل عن أبيه، وهو في صحيح مسلم . قال أبو محمد بن حزم: قوله: أو ليخالفن الله بين وجوهكم، هذا وعيد شديد، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة، وقوله: فإن تسوية الصف من تمام الصلاة إذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض؛ لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. وعند أبي حنيفة والشافعي ومالك: هو من سنة الصلاة، وقوله: أو ليخالفن الله بين وجوهكم، قال النووي: الأظهر معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال: تغير وجه فلان علي: أي ظهر لي من وجهه كراهة في، وتغير قلبه علي؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن، وكان لعمر وعثمان رجال، وكلهم بتسوية الصفوف.

620

216 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة ح، وثنا نصر بن علي، ثنا أبي وبشر بن عمر قالا: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، ولفظ الحاكم، وزعم أنه على شرط الشيخين: من حسن الصلاة إقامة الصف .

621

217 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن سماك بن حرب أنه سمع النعمان بن بشير يقول: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسوي الصف حتى يجعله مثل الرمح أو القدح، قال: فرأى صدر رجل ناتئا فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سووا صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم . هذا حديث خرجاه أيضًا، وفي لفظ عند مسلم: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسوي صفوفنا، كأنما يسوي بها القدح حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد أن يُكبر، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم . وعند أبي داود: أقيموا صفوفكم ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه وفي كتاب الخلال: لما ذكر لأحمد حديث النعمان من رواية زيد بن حباب، عن حسين بن واقد عن سماك قال: هذا خطأ، قال أبو الحسن : تفرد به حسين عن سماك .

622

باب إقامة الصفوف 215 - حدثنا عليّ بن محمد، ثنا وكيع عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قال: قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه مطولًا.

623

105 - حدثنا محمد بن نمير، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن عبيد بن الحسن، عن ابن أبي أوفى قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه.

624

104 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد . هذا حديث سبق التنبيه على الخلاف في ابن عقيل راويه، وفي مسلم: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض الحديث، وفي صحيح ابن خزيمة: ولك الحمد وذكره في الأوسط مطولًا، وقال: لا يروى عن أبي سعيد إلا من حديث قزعة بن يحيى

625

103 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد . هذا حديث خرج في الصحيح مطولًا بذكر سقوطه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن فرسه فجحش شقُّهُ .

626

باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع 102 - حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني، ويعقوب بن حميد بن كاسب قالا: ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما.

627

106 - حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، ثنا شريك عن أبي عمر قال: سمعت أبا جحيفة يقول: ذكرت الجدود عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة، فقال رجل: جد فلان في الخيل، وقال آخر: جد فلان في الإبل، وقال آخر: جد فلان في الغنم، وقال آخر: جد فلان في الرقيق، فلما قضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاته ورفع رأسه من آخر الركعة قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وطول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صوته بالجد ليعلموا أنه ليس كما يقولون . هذا حديث يتوقف في صحة سنده؛ للجهالة بحال أبي عمر المنبهي وعينه، فإني لم أر من عرف بهما . وفي الباب حديث علي بن أبي طالب : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد . رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وحديث ابن عباس من عند مسلم: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وما بينهما وفي الأوسط: وملء ما شئت من شيء بعد وحديث ابن عمر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد وحديث رفاعة بن رافع الزرقي عند البخاري قال: كنا نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده . وعند مسلم من حديث أبي موسى قال: علمنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاتنا وفيه: وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد وعند النسائي من حديث محمد بن مسلمة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر حديثًا فيه: وإذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد . ومن حديث جابر: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع رأسه من الركوع فيقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ومن حديث حذيفة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: لربي الحمد . وعند مسلم من حديث عائشة: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ يتأول القرآن وفي سنن الدارقطني من حديث عمرو بن شمر عن الجعفي ، وهما ضعيفان عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع، فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد . مذهب أبي حنيفة حذف الواو من قوله: ولك الحمد. وفي المحيط: اللهم ربنا لك الحمد أفضل لزيادة البناء، وعن أبي حفص: لا فرق بين لك ولك، ويقتصر الإِمام على ( سمع الله لمن حمده ) فقط، والمأموم على ( ربنا لك الحمد )، قال ابن المنذر: وبه قال ابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي، ومالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وفي رواية عن أحمد يجمع بين الذكرين، وكذلك الشافعي، قال: وبه أقول، ومذهب الشافعي الإتيان بالواو، ولو أسقطها جاز، قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن واو ولك الحمد فقال: هي زائدة، وزعم بعضهم أنها عاطفة على محذوف أي: ربنا أطعناك أو حمدناك ولك الحمد، وفي المعرفة للبيهقي: كان عطاء بن أبيِ رباح يقول: يجمعهما الإِمام والمأموم أحب إلي، وبه قال ابن سيرين وأبو بردة، وكان أبو هريرة يجمع بينهما، وهو إمام، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنّ المأموم يقتصر على الحمد، روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمرو، وأبي هريرة، والشعبي، ومالك، وأحمد، رحمهم الله تعالى.

628

220 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر قالا: ثنا شعبة، قال: سمعت طلحة بن مصرف يقول: سمعت عبد الرحمن بن عوسجة يقول: سمعت البراء بن عازب يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول . هذا حديث خرجه البستي أيضًا من حديث منصور، عن طلحة بلفظ: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة . ولفظ الحاكم : تراصوا في الصفوف لا يتخللكم أولاد الخذف، قلت: يا رسول الله ما أولاد الخذف؟ قال: ضأن جرد سود تكون بأرض اليمن وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ

629

221 - حدثنا أبو ثور إبراهيم بن خالد، ثنا أبو قطن، ثنا شعبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو يعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وفي لفظ عند مسلم: خير صفوف الرجال أولها وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها .

630

باب فضل الصف المقدم 219 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن عرباض بن سارية: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثًا والثاني مرة . هذا حديث خرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه من حديث يحيى عن محمد بن إبراهيم عنه، عن جبير بن نفير، عن عرباض بلفظ: كان يصلي على الصف الأول ثم قال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أنّ محمدا لم يسمع هذا الخبر عن ابن معدان، فذكر حديثا صرح فيه بسماعه من خالد، قال: حدثني جبير أن العرباض حدثه فذكره، ولما خرجه الحاكم، قال: صحيح الإسناد على الوجوه كلها.

631

222 - حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا أنس بن عياض، حدثني محمد بن عمرو بن علقمة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول . هذا حديث قال الدارقطني : تفرد به محمد بن مصفى عن أنس، ووهم فيه، ومن حديث أبي سعيد يرفعه: وإن خير الصفوف صفوف الرجال المقدم، وشرها المؤخر وعن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن اللّه عز وجل وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأولى . وفي الأوسط للطبراني من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه قال: استغفر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصف الأول ثلاث مرات، وللثاني مرتين، وللثالث مرة وقال: لم يروه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة إلا أيوب بن عتبة، ومن حديث أبي يزيد المديني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عليكم بالصف الأول، وعليكم بالميمنة، وإياكم والصف والسواري وقال: لم يروه عن أبي يزيد إلا إسماعيل بن مسلم المكي، تفرد به ابن المبارك . قال القرطبي: اختلف في الصف الأول: هل هو الذي يلي الإِمام أو المبكر، والصحيح الأول. وفي شرح ابن التين: روى نوح بن أبي مريم، عن زيد العمي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلما أضعف الله له الأجر . وفي المحكم: القرعة: السهمة، وقد اقترع القوم وتقارعوا، وقارع بينهم وأقرع، وهي أعلى، وقارعه فقرعه يقرعه، أي: أصابته القرعة دونه، وقول خداش بن زهير أنشده ابن الأعرابي: إذا اصطادوا بغاثا شيطوه فكان وفاء شاتهم القروع فسره فقال: القروع: المقارعة.

632

224 - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خير صفوف الرجال مقدمها، وشرها مؤخرها، وخير صفوف النساء مؤخرها، وشرها مقدمها . هذا حديث تقدم الكلام عن راويه ابن عقيل .

633

باب صفوف النساء 223 - حدثنا أحمد بن عبدة، ثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها، وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه.

634

باب وضع اليدين على الركبتين 100 - حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا محمد بن بشر، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد قال: ركعت إلى جنب أبي فطبَّقت فضرب يدي وقال: قد كنّا نفعل هذا ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وفي المستدرك : لما بلغ سعدًا فِعْلُ ابن مسعود فقال: صدق أخي، كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا، يعني الإمساك بالركب، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي الأوسط لأبي القاسم : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه وقال: لم يروه عن عبد الله بن عمير - يعني عن مصعب - إلّا عكرمة بن إبراهيم.

635

101 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبدة بن سليمان عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى اللَّه عليه وسلم - يركع فيضع يديه على ركبتيه ويجافي بعضديه . هذا حديث سنده ضعيف لضعف حارثة بن أبي الرجال محمد المذكور قبل: وفي الباب حديث أبي حميد الساعدي المذكور قبل، وفيه: وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه وحديث أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال لنا عمر بن الخطاب : إن الركب قد سُنّت لكم، فخذوا بالركب خرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم لا اختلاف بينهم في هذا إلّا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون، وفي الأوسط من حديث قيس بن الربيع عن عاصم بن كليب عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي - صلى اللَه عليه وسلم - حين ركع وضع يديه على ركبتيه وفرَق أصابعه، لم يقل في هذا الحديث عن عاصم: وفرق أصابعه إلّا ابن الربيع، ولما خرّجه الحاكم قال: صحيح على شرط الشيخين، وعن أبي مسعود ووصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ووضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، ثم جافى مرفقيه، ثم قال: هكذا رأيته يصلي، وقال: صحيح الإسناد، وفيه ألفاظ عزيزة، ولم يخرجاه، وفي كتاب الحازمي من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن خيثمة قال: قدمت المدينة فكنت أركع كما يركع أصحاب عبد الله، أطبق، فقال لي رجل من المهاجرين: ما حملك على هذا؟ فقلت: كان عبد الله يفعله وحدث أنّ رسول اللَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعله، فقال: صدق، ولكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربما صنع الأمر ثم تركه، فانظر ما أجمع عليه المسلمون، فافعله . أنبأ به المسند المعمر فتح الدين الجودري قراءة عليه، وأنا أسمع عن أبي المكارم عبد اللَه وأبي عبد اللَّه الحسين بن الحسن بن منصور، عن الحافظ أبي بكر محمد بن موسى، قال الأول: سماعا ؛ وقال الثاني: إجازة. قال: وقال أبو بكر: محمد بن الفضل الفقيه، ثنا هارون بن عبد الله البزاز، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام عنه، ومن حديث إسحاق الأزرق عن ابن عون عن ابن سيرين : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركع فطبّق قال ابن عون: فسمعت نافعَا يحدّث عن ابن عمر أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّما فعله مرّة واحدة، قال الحازمي : هذا حديث غريب يعد في أفراد عمرو بن محمد النّاقد عن الأزرق . وذكر الخلال أنّ يحيى بن معين قال: هذان ليسا بشيء ، وقال أبو قرة: قال ابن جريج أخبرت عن سمي أنّ النعمان بن أبي عياش الزرقي قال: شكا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الاعتماد في السجود فقال صلى الله عليه وسلم: استعينوا بأيديكم على ركبكم وعند الشافعي من حديث إبراهيم بن محمد، عن ابن عجلان عن علي بن يحيى عن رفاعة: أن النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - قال لرجل: إذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك .

636

134 - حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، ثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن عاصم بن عبيد الله سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما من مسلم يصلي علي إلَا صلت عليه الملائكة ما صلى علي، فليقلّ العبد من ذلك أو ليكثر . هذا حديث إسناده ضعيف، لضعف عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، فإن مالكا قال: عجبا من شعبة هذا الذي ينتقي الرجال، وهو يحدّث عن عاصم بن عبيد الله ، وقال يحيى : ضعيف، وحديثه ليس بحجة ، وفي الطبقات لابن سعد : لا يحتج به ، وقال شعبة : لو قيل لعاصم: من بنى مسجد البصرة لقال: فلان، عن فلان، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال النسائي : لا نعلم مالكا روى عن إنسان مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله، فإنه روى عنه حديثا ، وعن عمرو بن أبي عمرو ، وهو أصلح من عاصم، وذكر آخرين . وقال ابن حبان : كان سيئ الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ، يترك، ويجب التنكب عن حديثه ، وقال الجوزجاني : ضعيفٌ ، غمز ابن عيينة في حفظه ، وفي كتاب المروذي : قال لي أبو عبد الله : كان المشائخ يهابون حديثه ، وقال عبد الحق: ضعفه أحمد وابن مهدي والنسائي الرازيان ويحيى بن سعيد . وقال ابن الجارود : ضعيف ، وقال البزار : في حديثه لين ، وقال الساجي : مضطرب الحديث ، وقال العجلي : مدني لا بأس به ، وقال البرقي وأبو العرب : ضعيف ، وقال ابن خزيمة : لست أحتج به لسوء حفظه ، وقال الدارقطني : مديني، يترك وهو مغفل .

637

132 - حدثنا عمار بن طالوت، ثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ثنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول اللّه أمرنا بالصلاة عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد، وأزواجه، وذريته كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وقال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن عبد الله غير مالك وحده، وعند القاضي إسماعيل: كما صليت على آل إبراهيم، وكما باركت على آل إيراهيم وفي كتاب أبي موسى: قال أبو بكر بن أبي عاصم: لم يذكر أزواجه وذريته إلا في هذا الحديث فيما أعلم، وكذا ذكره الطحاوي في المشكل، قال: وإنما مداره على عبد الله بن أبي بكر حدّث به عن أبيه، وروى ابن طاوس هذا الحديث عن أبي بكر كما رواه عنه ابنه عبد الله إلا أنه زاد فيه: وعلى أهل بيته قال أبو موسى المديني: قد ذكره محمد بن علي الهاشمي عن المجمر، عن أبي هريرة زاد: وأهل بيته يعني: الحديث الآتي بعد من عند أبي داود.

638

باب الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 130 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، وثنا ابن المثنى، ثنا أبو عامر قالا: ثنا عبد الله بن جعفر عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه بزيادة: وقال أبو صالح عن الليث: وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم وفي حديث دراج، عن أبي الهيثم عنه مرفوعا: أيما رجل لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، فإنها له زكاة ذكره أبو موسى.

639

133 - حدثنا الحسين بن بيان، ثنا زياد بن عبد الله، ثنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقالوا له: فعلّمنا، قال: قولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين: محمد عبدك ورسولك إمام الخير، وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد . هذا موقوف، إسناده صحيح، وقد أسنده أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، عن دحيم قال: ثنا مروان بن معاوية، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عون بن عبد الله أو غيره، عن الأسود، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قلنا: يا رسول الله قد عرفنا كيف السلام عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك إلى قوله: يغبطه الأولون والآخرون وزاد: اللهم صل على محمد، وأبلغه الدرجة الوسيلة من الجنة، اللهم اجعل في المصطفين محبته، وفي المقربين مودته، وفي الأعلين ذكره، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد حديث. وقال أبو موسى في كتاب الترغيب والترهيب: هذا حديث مختلف في إسناده، ورواه أبو النضر هاشم بن القاسم، عن المسعودي عن عون، عن أبي فاختة، عن الأسود، وكذلك رواه سليمان عن المسعودي، ورواه الثوري عن عمرو بن مرة، عن عون، عن الأسود - أو رجل من أصحاب عبد الله - عن عبد الله، وقال الدارقطني في كتاب العلل: وقول المسعودي أصح، وحديث الأعمش عنه غريب .

640

135 - حدثنا جبارة بن المغلس ، ثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار، عن جابر بن يزيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من نسي الصلاة عليَ خطئ طريق الجنة . هذا حديث إسناده ضعيف، لضعف راويه جبارة ، وجابر المذكور قبل، وخرجه إسماعيل القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إسماعيل بن أبي أويس، ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الحديث. وثنا إبراهيم بن الحجاج، ثنا وهيب عن جعفر، عن أبيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد خطئ طريق الجنة . وقال أبو موسى في كتاب الترغيب والترهيب: أخبرنا أبو علي، ثنا الفضل بن سعيد، ثنا أبو الشيخ، ثنا إسحاق بن أحمد الفارسي، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا عمر بن حفص بن غياث، ثنا أبي، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من ذكرت عنده فلم يصل علي خطئ طريق الجنة . ثم قال: هذا الحديث يروى عن جماعة منهم: علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو أمامة وأم سلمة - رضي الله عنهم - وألفاظهم: من نسي الصلاة علي وفي الباب أحاديث كثيرة جدا يقتصر منها على مشهورها؛ من ذلك: حديث أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك ؟ قال: فسكت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم رواه مسلم في صحيحه. زاد أبو حاتم بن حبان وأستاذه إمام الأئمة في صحيحيهما من حديث محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن عنده - فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك؟ قال: فصمت حتى أحببنا أنّ الرجل لم يسأله ثم قال: إذا أنتم صليتم علي فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد الحديث، ولما ذكره الدارقطني قال: هذا إسناد حسن، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وقال البيهقي في المعرفة: هذا إسناد صحيح، وفيه بيان موضع هذه الصلاة من الشريعة، وعند الدارقطني من جهة جابر الجعفي عن أبي جعفر، عن أبي مسعود قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى صلاة لم يصل فيها علي ولا على أهل بيتي لم تقبل منه قال أبو الحسن : وقد اختلف على جابر؛ فرواه إسرائيل عنه عن أبي مسعود، وقال: لو صليت صلاة لم أصل فيها على آل محمد ما رأيت أن صلاتي تتم . وفي رواية زهير عنه: لم أصل على محمد قال: والصواب أنه من قول أبي مسعود، وأخرجه الإشبيلي مصححا له بالسكوت عنه، قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أمرنا أن نصلي عليك ونسلم، وفي بعض ما ذكرنا: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم: والسلام كما قد علمتم قال: وبه احتج الشافعي فقال: التسليم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرض، وهو في التشهد فرض، وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ - يعني: في الصلاة قال: تقولون: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم، ثم تسلمون علي رواه الشافعي في مسنده عن إبراهيم بن محمد أخبرني صفوان عنه، وعند أبي داود بسند رجاله مستورون عن أبي هريرة يرفعه: من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وفي كتاب إسماعيل القاضي: صلوا علي، فإن صلاتكم علي زكاة لكم، وصلوا على أنبياء اللّه ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني . وحديث فضالة بن عبيد قال: سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلًا يدعو في صلاته لم يحمد الله، ولم يصل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عجل هذا، ثم دعاه، فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله تعالى، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ثم يدعو ما شاء قال الترمذي : هذا حديث صحيح، وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وقال الحاكم أبو عبد الله : حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا نعرف له علّة، وله شاهد صحيح على شرطهما . أنبأناه أبو بكر بن دارم، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الكندي، ثنا عون عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله : يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويدعو لنفسه، وقد أسند هذا عن ابن مسعود بإسناد صحيح . ثناه أبو بكر بن إسحاق أنبأ أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يحيى بن السباق رجل من بني الحارث عن ابن مسعود عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأكثر الشواهد لهذه القاعدة لفروض الصلاة. ثنا أبو عبد الله الأصبهاني، ثنا الحسن بن علي بن بحر، ثنا أبي، ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل سمعت أبي يحدّث عن جدي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضَوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلي على نبي الله في صلاته . لم يخرج هذا الحديث على شرطهما، فإنهما لم يخرجا عن عبد المهيمن، ولما خرجه الدارقطني قال: عبد المهيمن ليس بالقوي ، وخرجه أبو موسى من حديث أبي بن سهل بن سعد ، عن أبيه، عن جدّه، وأبي أثنى عليه جماعة، وخرج البخاري حديثه في صحيحه، فصحَّ الحديث على هذا، والله الموفق . وحديث بريدة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا بريدة إذا جلست في صلاتك فلا تتركن التشهد والصلاة علي، فإنّها زكاة الصلاة، وسلِّم على جميع أنبيائه ورسله، وسلِّم على عباد الله الصالحين رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شمر ، قال: وهو ضعيف ، ولفظ البزار: إذا جلست في صلاتك فلا تتركن التشهد: لا إله إلا الله وأنّى رسول الله والصلاة علي الحديث من رواية العرزمي، وجابر بن يزيد الجعفي، وهما ضعيفان. وحديث عائشة قالت: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا صلاة إلّا بطهور وبالصلاة علي رواه أيضًا، وضعفه بابن شمر وبالجعفي، وحديث زيد بن حارثة الأنصاري قال: قلت: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: صلوا علي، وقولوا: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه القاضي إسماعيل بسند صحيح عن علي بن عبد الله، ثنا مروان بن معاوية، ثنا عثمان بن حكيم، عن خالد بن سلمة، عن موسى بن طلحة عنه، وحديث سلامة الكندي قال: كان علي بن أبي طالب يعلّم الناس الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم داحي المدحوات، وباري السماوات، وجبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك تحيتك على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أُغلق والمعان بالحقِّ والدافع . وفي رواية: الدامغ جيشات الأباطيل كما حمل، فاضطلع بأمرك لطاعتك، مستوفزا في مرضاتك بغير نكل في قدم، ولا وهن في عزم، راعيا لحرمتك راعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورَى قبسا لقابس بأسبابه هديت القلوب بعد خوضان الفتن والإثم بموضحات الأعلام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم افسح له في عونك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، له مهنئات غير مكدرات من فوز ثوابك المعلوم وجزيل عطائك المجلول، اللهم علِ على بناء الناس بناه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتم له نوره، واجزه من ابتغائك له مقبول الشهادة، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وحجة وبرهان عظيم . ذكره أيضا، وقال: حديث غريب يعرف بنوح بن قيس، ومن حديث الحسين بن علي المسلسل بعدهن في يدي عن علي، وعدهن في يدي قال حدثني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وعدهن في يدي قال: عدهن جبريل في يدي، وقال: هكذا نزلت من عند رب العزة: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وتحنن على محمد وعلى آل محمد، كما تحننت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ذكره الحاكم في علوم الحديث أيضا من رواية عمرو بن خالد قال: وهو متروك ، وحديث هارون بن يحيى الحاطبي عن زكريا بن إسماعيل الزيدي من ولد زيد بن ثابت، عن أبيه إسماعيل بن عبد الله، عن عمه سليمان بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت من عنده أيضا قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى وقفنا في مجمع طرق فطلع أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته، فقال له: وعليك السلام، أي شيء قلت حين جئتني؟ قال: قلت: اللهم صل على محمد حتى لا تبقى صلاة، اللهم بارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم سلم على محمد حتى لا يبقى سلام، وارحم محمدًا حتى لا تبقى رحمة، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني أرى الملائكة قد سدُّوا الأفق وموقوف عبد الله بن عمرو أو ابن عمر ذكره إسماعيل القاضي من حديث يونس مولى بني هاشم قال: قلت له: كيف الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك، ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين: محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، اللهم ابعثه يوم القيامة مقامًا محمودًا يغبطه الأولون والآخرون، وصل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وكذا مرسل إبراهيم النخعي قال: قالوا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك عليه وأهل بيته، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد . ومرسل الشعبي من عند البيهقي أنّه قال: من لم يصل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد فليعد صلاته، أو قال: لا تجزئ صلاته وكذا مرسل الحسن قال: لما نزلت: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد علمنا كيف هو، فكيف تأمرنا أن نصلي عليك؟ قال: تقولون: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على إبراهيم إنك حميد مجيد ذكره القاضي إسماعيل. وحديث عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله قال: قلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ذكره أبو القاسم في الأوسط، وقال: لا يروى عن طلحة إلا من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب، ولا رواه عن عثمان إلا إسرائيل وشريك، حدثناه أبو مسلم، ثنا الحكم بن مروان عنه. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث قوله: ولا رواه عن عثمان إلا إسرائيل وشريك، وذلك أنَّ القاضي إسماعيل رواه عن علي بن عبد الله، ثنا محمد بن بشر، ثنا مجمع بن يحيى عن عثمان بن عبد الله بن موهب فذكره، ولما ذكره البزار في مسنده قال: رواه غير الحكم بن مروان عن إسرائيل عن عثمان عن موسى بن طلحة ولم يقل: عن أبيه، ووافقه شريك على توصيله . وحديث أبي طلحة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي واحدة صلى الله عليه وآله وسلم عشرًا، فليكثر من ذلك أو ليقل وفي لفظ: أتاني الآن آت من ربي، فأخبرني أنه لن يصلي على أحد من أمتي إلا ردّها الله - تعالى - عليه عشر أمثالها وفي لفظ: ولا يسلم عليك إلا سلّمت عليه عشرًا ذكره إسماعيل بسندِ صحيح، وخرجه النسائي أيضًا، وسنده جيد، وقال المديني : اختلف في سنده؛ فرواه سليمان بن بلال منفردا عن عبيد الله العمري عن ثابت عن أنس، عن أبي طلحة تابعه سلام بن أبي الصهباء وصالح وجسر بن فرقد عن ثابت، وقال الدارقطني : كلها وهم، والصواب رواية حماد بن سلمة، يعني: أنه أدخل بين ثابت وأنس فيه سليمان مولى الحسن بن علي، ورواه جماعة عن أنس، عن أبي طلحة، وجماعة، عن أنس، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وروي عن أبي طلحة من غير هذين الوجهين . وحديث أنس بن مالك قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرًا، ورفعه عشر درجات خرجه القاضي من حديث سلمة بن وردان ، عن أنس، وفيه ضعف، ولما ذكره ابن شاهين في الثقات قال: قال أحمد بن صالح - يعني: المصري - هو عندي ثقة حسن الحديث . ورواه سلمة أيضًا عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب، زاد أبو موسى في حديث أنس من حديث عبد العزيز بن قيس عن حميد: ومن صلى علي عشرًا صلى الله عليه مائة، ومن صلى علي مائة كتبت بين عينيه براءة من النفاق، وأسكنه الجبار يوم القيامة الجنان مع الشهداء . وفي لفظ: صلوا عليَ، فإن الصلاة علي درجة لكم رواه من حديث محمد بن سوار عن مغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق عنه، زاد أبو موسى بسند برئ من عهدته: من صلى علي صلاة جاءني بها ملك، فأقول: أبلغه عني عشرًا، وقل له: لو كانت من هذه العشر واحدة لدخلت معي الجنة كالسبابة والوسطى، وحلت لك شفاعتي ثم يصعد الملك حتى ينتهي إلى الرب فيقول: إن فلان بن فلان صلى على نبيك مرّة واحدة فيقول تبارك وتعالى: أبلغه عني عشرًا، وقل له: لو كانت من هذه العشر واحدة لما مستك النار، ثم يقول: عظموا صلاة عبدي واجعلوها في عليين، ثم يخلق من صلاته لكل حرف ملكا له ثلاثة وستون رأسا الحديث، وعنده أيضًا بسند لا بأس به: ومن صلى علي عشرًا صلى الله عليه مائة، ومن صلى علي مائة صلى الله عليه ألفًا، ومن زاد صبابة وشوقا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة وحديث عبد الرحمن بن عوف مثله بزيادة: ومن سلَّم عليك سلمت عليه وفي لفظ: كتب الله له بها عشر حسنات رواه إسماعيل أيضًا بسند جيد وحديث أبي هريرة رواه أيضًا مثله بسند صحيح، وفي لفظ: كتب الله له عشر حسنات . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: من صلى على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم صلاة، صلى الله وملائكته عليه سبعين صلاة رواه ابن لهيعة عند المديني، ولفظ حديث أبي بردة بن نيار من عنده أيضا: ما صلى عبد علي من أمتي صلاة صادقا بها من نفسه إلّا صلى الله تعالى عليه بها عشر صلوات، وكتب له بها عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات، ومحى عنه بها عشر سيئات، رواه موسى بن إسحاق عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثت عن أبي أسامة، ورواه أبو كريب عن أبي أسامة مثله، ورواه وكيع عن سعيد بن سعيد بن عمير الأنصاري، عن أبيه وكان بدريًّا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وحديث مولى البراء بن عازب عنه مرفوعا: من صلى علي كتب الله له بها عشر حسنات، ومحى عنه بها عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات، وكنّ له عدل عشر رقاب . وحديث أبي منصور عن أبي معاذ عن أبي كاهل قال: قال لي رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اعلم يا أبا كاهل أنه من صلى علي كل يوم ثلاث مرات وكل ليلة ثلاث مرات حُبا - أو شوقًا إلي - كان حقًا على الله - عز وجل - أن يغفر له ذنوبه تلك الليلة وذلك اليوم . قال ابن عباس في قوله تعالى: يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قال: يبركون على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل: إن الله يترحم على النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: صلاة الله تعالى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي مغفرته، وأما صلاة الناس عليه فهي الاستغفار له وعن ابن جبير: أن الله يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي العالية: صلوات الله ثناؤه عند الملائكة وصلاة الملائكة: الدعاء له، قال أبو موسى المديني: وقد قيل في معنى صلاة الخلق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن كان الله تعالى أوجبها له، كما روي أنه قيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ إنه إذا صلى عليه أحد فاستجيب له فيه أن يزاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك، ويثاب المصلي عليه على ذلك، فلذلك كانت الصلاة عليه مما يقضى به حقّه ويتقرّب بإكثارها إلى الله تعالى، ولما آثر الله تعالى عباده بالصلاة عليه لم يبلغوا كنه فضيلته، ولا حقيقة مراد الله تعالى فيه فأحالوا ذلك على الله تعالى ؛ لأنه المحيط بجميع ذلك فقالوا: اللهم صل على محمد لأنك أعلم بما يليق به وأعرف بما أراده له، وعن الحليمي: الصلاة في اللغة: التعظيم، وتوسعوا فسموا كل دعاء صلاة، إذ كان الدعاء تعظيما للمدعو، فمعناه على هذا: اللهم عظم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتعظيم أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافة الأنبياء في اليوم المشهود، وهذه الأمور وإن كان الله تعالى قد أوجبها له فإذا دعا له أحد من أمّته فاستجيب دعاؤه فيه، أن يزاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل شيء مما سمينا رتبة ودرجة، وقيل: الأصل في الصلاة: اللزوم، فكأن العبد لزم هذه العبادة لاستنجاح طلبه من الله تعالى. وقال الخطابي: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمعنى التعظيم والتكريم، وهي خصيصة له لا شرك فيها، وعن الفخر الفارسي الخبري: قال بعض العلماء: ينبغي أن ينوي المصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقلبه أن صلاتي على النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان امتثالا لأمر الله تعالى حيث أمرني بالصلاة عليه. الثاني: ينوي موافقة الله وملائكته. الثالث: ينوي امتثال أمر الله تعالى في ذكره حيث قال: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا الرابع: ينوي أن هذا ذكر حبيب الله وذكر الحبيب موجب لرضا المحب. الخامس: ينوي أن الله تعالى أمره بالدعاء وأنا اخترت هذا الدعاء. السادس: ينوي طلب الزيادة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقيام حقوقه الواجبة عليه. السابع: ينوي إظهار محبته ؛ لأن من أحبّ شيئا أكثر من ذكره. الثامن: ينوي تعظيمه. التاسع: ينوي ذكر آله وتعظيم آله. العاشر: ينوي ارتجاء الشفاعة والزلفة، وفي المحكم: الصلاة والاستغفار صلى دعا، قال الأعشى: عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإنّ لجنب المرء مضطجعا وقد اختلف العلماء في الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة: فمذهب الشافعي أنها فرض في التشهد الآخر، قال النووي: ونقله أصحابنا عن عمر بن الخطاب وابنه، ونقله الشيخ أبو حامد، عن ابن مسعود وأبي مسعود البدري، وقد أسلفناه أيضا عن الشعبي، وهو أحد الروايتين عن أحمد بن حنبل - رحمه الله وقال إسحاق: إن تركها عمدا لم تصح صلاته وإن تركها سهوا رجوت أن تجزئه، وقال ابن أبي زيد: عن ابن المواز: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فريضة، قال أبو محمد: يريد ليست من فرائض الصلاة، وحكى ابن القطان وعبد الوهاب أنّ ابن المواز يراها فريضة في الصلاة، وقال أبو حنيفة ومالك وأكثر العلماء: هي مستحبة. وقال ابن حزم: فإن قائل يقول: لم لم تجعلوا الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إثر التشهد فرضا كما يقول الشافعي؟ قلنا: لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل: إن هذا القول فرض في الصلاة، ونحن نقول: إنَّه فرض على كل مسلم أن يقوله مرَّة في الدهر، وزعم محمد بن جرير، والطحاوي أنّه لا سلف للشافعي في هذا القول ولا سنة يتبعها، وما أسلفناه من الأخبار يرد قولهما، ويوضح صحة ما ذهب إليه الشافعي، وأما الطحاوي فإنه أوجب الصلاة كلما ذكر عليه الصلاة والسلام.

641

131 - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا شعبة ح، وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن الحكم سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلنا: قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد . هذا حديث خرجاه في الصحيح. وفي الأوسط من حديث أبي فروة مسلم بن سالم، ثنا عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة ولفظه: كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإنّا قد علمنا كيف نسلم؟ الحديث، وقال: لم يروه عن أبي فروة إلا عبد الواحد بن زياد، ولا رواه عن عبد الله بن عيسى إلا أبو فروة، ومن حديث يزيد بن أبي زياد عند أبي موسى المديني عن ابن أبي ليلى عن كعب: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم . وكان ابن أبي ليلى يقول: - وعلينا معهم، وكذلك في رواية الحسن عن أبي هريرة، ومن حديث يزيد أيضًا، عن ابن أبي ليلى عند إسماعيل بن إسحاق القاضي قال كعب: لما نزلت الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة؟ فقال: الحديث . وحديث الشَافعي عن إبراهيم، ثنا سعد بن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن كعب، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه كان يقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد .

642

باب سكتتي الإِمام 73 - حدثنا جميل بن الحسن بن جميل العتكي، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنكر ذلك عمران بن حصين فكتبنا إلى أبي بن كعب بالمدينة فكتب أن سمرة قد حفظه، قال سعيد: فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته وإذا فرغ من القراءة حتى يتراد إليه نفسه . 74 - وثنا محمد بن خالد بن خداش، وعلي بن الحسين بن أشكاب، ثنا إسماعيل ابن علية، عن يونس، عن الحسن فذكره. هذا حديث قال فيه أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن. ولفظ البزار عن سمرة: سكتتان: سكتة إذا ابتدأ الصلاة، وسكتة إذا فرغ من قراءته وعند أبي داود: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من: ولا الضالين ؛ وقال فيه الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولا يتوهم متوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة، فإنّه سمع منه ، وله شاهد بإسناد صحيح عن أبي هريرة : ثلاثا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعلهن، تركهن الناس، يرفع يديه مدا، ويسكت بعد القراءة هنية يسأل الله من فضله . وقال الدارمي: كان قتادة يقول: ثلاث سكتات، وفي الحديث المرفوع: سكتتان، واحتج به البخاري في كتاب القراءة خلف الإِمام. وقال أبو علي الطوسي : يقال: هو أحسن حديث وأصحه، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي سكت عنه سكوت مصحح له، ؟ وفيه نظر في موضعين: الأول: إسماعيل رواه عن يونس كما هو مذكور عند ابن ماجه، فسلم الإسناد من الاعتراض بسعيد، وكذا رواه خالد بن الحارث عن أشعث، عن الحسن عن أبي داود، وهشيم عن منصور، ويونس عن الحسن فيما ذكره عبد الله بن أحمد عن أبيه في كتاب العلل، قال أحمد: وثنا عفان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا يونس به. ورواه الدارمي عن عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن فذكره. الثاني: إغفاله انقطاع ما بين الحسن وسمرة المشهور على الألسنة وإن كنت لا أراه لما أسلفناه؛ ولما ذكره عبد الله بن أحمد، ثنا أبو خيثمة، ثنا قريش بن أنس، ثنا حبيب بن الشهيد قال: قال لي ابن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة؟ فقال: سمعته من سمرة، ولا يعترض على هذا بقول أبي بكر البرديجي الحافظ في كتاب المراسيل تأليفه: الحسن عن سمرة ليست بصحاح إلا من كتاب، : نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وحديث العقيقة، وحديث: جار الدار أحق بدار الجار وحديث: إذا أتى أحدكم على ماشية وحديث: اقتلوا شيوخ المشركين وحديث: لا تلاعنوا بلعنة الله وحديث: الحسب والمال وحديث: الصلاة الوسطى صلاة العصر وأبو حاتم البستي بتخريجه حديثه عنه في صحيحه: من صلى الغداة فهو في ذمة الله وإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة بتخريجه حديث العقيقة في صحيحه .

643

باب الصلاة بين السواري في الصف 225 - حدثنا زيد بن أخزم أبو طالب، ثنا أبو داود وأبو قتيبة قالا: ثنا هارون بن مسلم، عن قتادة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونطرد عنها طردا . هذا حديث إسناده صحيح على شرط ابن حبان لتوثيقه هارون بن مسلم راويه ، ولما رواه البزار في مسنده عن عمرو بن علي، ثنا أبو داود قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة إلا هارون، ولا نعلم أسند قتادة عن معاوية، عن أبيه غير هذا الحديث. وقال فيه الحاكم : صحيح الإسناد، وعند الترمذي محسنًا، والحاكم مصحح الإسناد من حديث عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري فتقدمنا وتأخّرنا، فقال أنس: كنا نتّقي هذا على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ولما ذكره الإشبيلي أعلّه ، وعند أبي أحمد ابن عدي من حديث أبي سفيان طريف بن شهاب السعدي، وهو ضعيف عن ثمامة، عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نهى عن الصلاة بين الأسطوانة وفي نسخة: الأسطوانتين وقد تقدم حديث ابن عباس أيضًا، قال الترمذي: كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري وبه يقول أحمد وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك، ويشبه أن يكون مستندهم في ذلك ما في الصحيحين عن ابن عمر: أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما دخل الكعبة قال: سألت بلالا حين خرج: ما صنع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة . ذكر الخطابي أن كراهة الصلاة بين السواري لأجل انقطاع الصفوف أو لأنه موضع جمع النعال، والأول أشبه، لأن الثاني محدث، ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما مع السعة فمكروه.

644

76 - حدثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا جرير عن سليمان التيمي عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا قرأ الإمام فأنصتوا، فإذا كان عند القعدة فليكن أول ذكر أحدكم التشهد . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث جرير، وفي آخره: قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث: أي طعن فيه؟ فقال مسلم : أتريد أحفظ من سليمان؟ وأشار أبو طالب في سؤالات أحمد إلى أنه قال بها. وقال أبو الحسن الدارقطني : هذه اللفظة لم يتابع سليمان فيها عن قتادة، وخالفه الحفاظ فلم يذكروها قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه، ولعلّه شبه عليه لكثرة من خالفه من الثقات . وقال في موضع آخر: ورواه سالم بن نوح العطار، عن عمر بن عامر وابن أبي عروبة، عن قتادة بهذه الزيادة لم يزد. ومن هذه الطريق رواه البزار عن محمد بن يحيى القطعي عن سالم، وهو سند صحيح على شرط مسلم. وقال الأثرم في سؤال أحمد قال لي: وقد زعموا أن المعتمر رواه. قلت: نعم، قد رواه المعتمر، قال: فأي شيء تريد؟ انتهى. حديث المعتمر رواه أبو عوانة الإسفرائيني في صحيحه عن سليمان بن الأشعث السجستاني، ثنا عاصم بن النضر ثنا المعتمر، ثنا أبي ثنا قتادة بهذه الزيادة قال: وثنا الصائغ بمكة، ثنا علي بن عبد الله ثنا جرير عن سليمان فذكره، وثنا سهل بن بحر الجنديسابوري، ثنا عبد الله بن رشيد، ثنا أبو عبيدة عن قتادة فذكره. فهذا كما ترى قد سلم الحديث من التفرد الذي أشار إليه هؤلاء الحفاظ، وعجز عن الجواب عنه مسلم وغيره. وقد وجدنا متابعا آخر ذكره أبو مسعود الدمشقي في جوابه للدارقطني وهو الثوري قال: رواه عن سليمان كما رواه جرير. وقال البخاري في كتاب القراءة: لم يذكر التيمي في هذه الزيادة سماعا من قتادة ولا قتادة من يونس بن جبير، ولو صح لكان يحتمل أن يكون سوى الفاتحة، وقال البيهقي: وقد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث: وأنها ليست محفوظة: ابن معين وأبو داود وأبو حاتم وأبو علي وعلي بن عمر، والحاكم. انتهى كلامه، وفيه نظر لما أسلفناه من تصحيحه عند جماعة من الحفاظ .

645

77 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أكيمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأصحابه صلاة نظنّ أنها الصبح فقال: هل قرأ منكم من أحد؟ قال رجل: أنا، قال: إنِّي أقول: ما لي أنازع القرآن؟ 78 - وذكره من طريق أخرى بزيادة، قال: فسكتوا بعد فيما جهر فيه الإمام . هذا حديث خرجه مالك في الموطأ وأبو عيسى بزيادة: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يجهر فيه من الصلاة بالقراءة حين سمعوا ذلك من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: هذا حديث حسن كذا في أكثر النسخ وفي بعضها صحيح. وقال الحافظ أبو علي الطوسي في كتاب الأحكام من تأليفه: هذا حديث حسن. واختلف في قائل هذه الزيادة؛ فأبو داود يُرجِّح أنها قول الزهري، وحكى ذلك عن الذهلي، وجزم به البخاري في الكبير، وفي كتاب القراءة خلف الإمام وابن حزم الفارسي، وصححه أبو بكر الخطيب في كتابه المدرج، وجزم به الترمذي والطوسي . وفي كتاب أحاديث الموطأ للدارقطني رواه عن مالك: عبد الله بن عون الخراز. وفي آخره قال أبو هريرة، فذكره ورجحه في تقريب المدارك. وفي حديث مسدد عن أبي داود عن معمر: فانتهى الناس جعله من كلام معمر. وفي كتاب الفصل: سفيان عن معمر، عن الزهري، عن ابن أكيمة به. قال الخطيب: ورواه الأوزاعي عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ووهم، وسببه أنه سمع الزهري يقول: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيدا، والصحيح رواية مالك عن الزهري، عن ابن أكيمة، وكذا صححه البخاري وأبو علي صالح بن محمد، ولما ذكره ابن حزم رده بتفرد ابن أكيمة قال: وقالوا: هو مجهول . وفي التمييز لمسلم : ورواه ابن أخت ابن شهاب، عن عمِّه، عن الأعرج، عن ابن بحينة - وهو خطأ لا شك فيه - وزعم في كتاب التفرد أن الزهري تفرد عن ابن أكيمة، ولم يرو عنه غيره، وكذا قاله أبو عمر بن عبد البر، وقال ابن سعد : روى عنه الزهري حديثا واحدا، ومنهم من لا يحتج به؛ يقول: هو شيخ مجهول، وكذا قاله البيهقي، زاد: ولم يحدث إلا بهذا الحديث وحده ، وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة؟ ويأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به، وفيما خافت! وأبى ذلك الحافظ أبو حاتم ابن حبان؛ فذكَره في الثقات ، وقال: روى عنه الزهري وسعيد بن أبي هلال وابن ابنه عمرو بن مسلم، وسماه عمارة، وهذا هو المرجح عند الذهلي، وابن سعد وابن أبي حاتم، والبخاري وغيرهم؛ بل المجزوم به عندهم، قال ابن سعد: توفي سنة إحدى ومائة، وله تسع وسبعون سنة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : صحيح الحديث، وحديثه مقبول ، وخرّج الحاكم حديثه في صحيحه فيما قاله بعض الحفاظ ، وصحّحه أيضا أبو محمد الإِشبيلي وابن القطان بسكوتهما عنه. وقيل: عمار، وقال البخاري : يعد من أهل الحجاز، كنيته أبو الوليد، وقال البرقي في كتاب الطبقات: باب من لم يشتهر عنه الرواية من أهل المدينة، واحتملت روايته لرواية الثقات عنه: ولم يغمز ابن أكيمة الليثي . قال يحيى بن معين : كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث عن ابن المسيب، وقد روى عنه غير الزهري: محمد بن عمرو وغيره . قال البرقي: وروى الزهري عن ابن أكيمة حديثين؛ أحدهما مشهور في القراءة خلف الإمام، والآخر في المغازي. وقال أبو عمر : كان ابن أكيمة يحدث في مجلس سعيد، فيصغي إلى حديثه، وحسبك بهذا فخرا وثناء ، وسماه يحيى بن معين : عمرو بن أكيمة فيما حكاه عنه عباس ، وقال: هو ثقة ، قال أبو عمر: وقيل في اسمه: عمر، وقيل: عامر، وهو ليثي من أنفسهم، وذكره، وقال يعقوب بن سفيان الفسوي : وهو من مشاهير التابعين بالمدينة، وقد وجدنا لحديثه متابعاً بسند مستقيم، قاله الحاكم إذ خرجه من حديث فيض بن إسحاق الرقي، ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد، عن عمير الليثي، عن عطاء، عن أبي هريرة يرفعه: من صلى صلاة مَكتوبة مع الإِمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته، ومن انتهى إلى أم الكتاب فقد أجزأه وآخر رواه الدارقطني من حديث ، وتفرد به فيما قاله أبو الحسن، ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن ابن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، قال: صلى بنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة، فلما قضاها قال: هل قرأ أحد منكم معي شيء من القرآن؟ فقال رجل من القوم: أنا، فقال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ إذا أسررت بقراءتي فاقرؤوا، وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأن أحد معي . وآخر رواه من حديث عبد الله بن عامر - وهو ضعيف - حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة : نزلت هذه الآية: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا في رفع الأصوات، وهم خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة وشاهدا رواه أيضا، وحكم عليه بالاستقامة، وقبله، رواه أبو داود من حديث إسماعيل ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لأراكم من وراء إمامكم قلنا: أجل والله يا رسول الله هذّا. قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها . قال أحمد: كذا يقوله ابن إسحاق، وأما غيره فيقول: لا صلاة لمن لم يقرأ وقد قال الزهري: ذاك للإمام، وقد قاله بعضهم عن أبي هريرة، ولكنه خطأ، قال الحاكم: وقد أدخل بين محمود وعبادة: وهب بن كيسان، رواه الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، ورواه أيضا إسحاق بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث عن محمود. وقد بين الدارقطني في سننه من رواية التنيسي، عن الهيثم بن حميد، أنبأنا زيد بن واقد عن مكحول أن دخول وهب هنا؛ لأنه كان المؤذن وعبادة الإمام وأن محمودا ووهبًا صليا خلفه يوما، ولفظه: هل تقرؤون إذا جهرَت بالقراءة ؟ فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن وقال: رجاله كلهم ثقات. ومن حديث زيد عن حرام بن حكيم ومكحول بنحوه، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم، ومن حديث ابن إسحاق، عن مكحول، عن محمود، عن عبادة، وقال: إسناد حسن، وكذا قاله البغوي، وآخرون أيضا من حديث ابن أرطأة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بالناس، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من الذي يخالجني سورتي؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإِمام . ورواه مسلم بلفظ: أيكم قرأ بسبح اسم ربك؟ قال رجل: أنا، فقال عليه السلام: قد عرفت أنَّ رجلا خالجنيها . قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؟ فقال: لو كرهه لنهى عنه. وآخر رواه الدارقطني من حديث محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: وهو ضعيف ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعا فليقرأ فيها بأمّ القرآن وسورة معها، فإن انتهى إلى أم الكتاب فقد أجزأه، ومن صلى صلاة مع إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام . رواه البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام عن شجاع بن الوليد، ثنا النضر ثنا عكرمة حدثني عمرو بن سعد عن عمرو، وآخر رواه أيضا بسند صحيح، قاله البيهقي في المعرفة عن عبدان أنبأنا ابن زريع، ثنا خالد، عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عمن شهد ذاك قال: صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما قضى صلاته قال: أتقرؤون والإمام يقرأ؟! قالوا: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا إلَّا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتَاب في نفسه وآخر من رواية عبد الله بن عمرو: قرأ رجل خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لا يقرأن أحدكم والإِمام يقرأ إلا بأم القرآن ذكره البخاري، وأشار إلى ضعفه.

646

79 - حدثنا علي بن محمد ثنا عبيد الله بن موسى، عن الحسن بن صالح عن جابر عن أبي الزبير عن جابر قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان له إمام كان قراءة الإِمام له قراءة . هذا حديث ضعيف لضعف أبي عبد الله، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو محمد جابر بن يزيد الجعفي الكوفي ، وهو إن كان الثوري قال فيه: ما رأيت أورع منه في الحديث ، وقال شعبة : هو صدوق في الحديث، وفي موضع آخر: إذا قال: حدثنا أو سمعت فهو من أوثق الناس. وفي موضع آخر: كان لا يكذب ، وقال زهير بن معاوية : إذا قال: سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس ، وقال وكيع : مهما شككتم في شيء فلا تشكوا أنّ جابراً ثقة . وقال ابن معين : لم يدعه ممن رآه إلَّا زائدة . وقال ابن عدي : له حديث صالح، ولم أر له أحاديث جاوزت المقدار في الضعف والإِنكار، وقد احتمله الناس، وعامة ما قذفوه به الإيمان بالرجعة، ولم يتخلف أحد عن الرواية عنه، وهو مع هذا كله أقرب إلى الضعف منه إلى الصدق . وقال الميموني : قلت لخلف : قعد أحد عن الرواية عنه؟ فقال: لا أعلمه، كان ابن عيينة من أشدهم قولاً فيه، وقد حدّث عنه وإنما كانت عنده ثلاثة أحاديث، قلت: صح عنه شيء أنه يؤمن بالرجعة؟ قال: لا، ولكنه من شيعة عليِ ، وقال أبو داود عن أحمد : لم يتكلم فيه من أجل حديثه؛ إنما تكلم فيه لرأيه ، وقال أبو نعيم لأبي بكر بن أبي شيبة : لم يختلف عليه إلَّا في حديثين من حديثه ، وفي كتاب الصقلي : سئل شريك عنه فقال: ما له العدل الرضي؟ ما له العدل الرضي؟ ومدَّ بها صوته ، وذكره أبو حفص ابن شاهين في كتاب الثقات، ثم ذكره في المختلف فيهم ، فقد قال فيه ابن سعد : كان ضعيفاً جدا في رأيه وروايته ، وقال أبو جعفر في كتابه المسمى التعريف بصحيح التاريخ : كان ضعيفاً من الشيعة الغالين في الدين . وقال البلخي : ليس بشيء ، وسئل أحمد بن خداش عنه: كان يتشيع؟ قال: نعم، قيل: اتهم في حديثه بالكذب، فقال: من طعن فيه فإنما يطعن لما يخاف من الكذب، قلت: أكان يكذب؟ قال: إي والله، وذاك في حديثه بين ، وقال ابن معين والشعبي وسعيد بن جبير : كان كذابا . وقال البخاري : تركه ابن مهدي ، وقال يحيى بن سعيد : تركناه . وقال الفلاس : كان عبد الرحمن ويحيى لا يحدّثان عنه ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه على الاعتبار ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : ليّن . وقال العجلي : ضعيف . وقال ابن حزم : كذاب . وقال ابن قتيبة : كان يؤمن بالرجعة، وكان صاحب شبه ونيرنجات، وكذا قاله ابن أبي شيبة ، وذكره البرقي في الضعفاء، وقال: كان رافضيا . وقال أبو داود : ليس هو عندي بقوي ، وقال النسائي : متروك . وقال أبو حنيفة : ما لقيت أكذب منه . وقال جرير : لا أستحل أن أروي عنه ، وقد روى هذا الحديث الدارقطني من حديث أبي حنيفة وابن عمارة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر، وقال: لم يسنده عن موسى غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة. ورواه جماعة من الثقات، عن عبد الله بن شداد مرسلا، وهو الصواب. وكذا قاله يحيى فيما حكاه الخلال في كتاب العلل . وقال البخاري : هذا خبر لا يثبت عند أهل العلم بالحجاز والعراق وغيرهم لإرساله وانقطاعه. ورواه أحمد بسند ضعيف عن نجيح بن إبراهيم الزهري، ثنا إبراهيم بن الحسن التغلبي عن يحيى بن يعلى عن عمر بن موسى، عن أبي الزبير. وذكر البخاري علّة ثانية في حديث ابن ماجه؛ وهي قوله: ولا يدرى أسمع جابر من أبي الزبير أم لا؟ ورواه الدارقطني بسند حسن من حديث الحسن بن صالح، عن ليث بن أبي سليم وجابر عن أبي الزبير فذكره مرفوعا لثقة ليث على ما بيّناه قبل ولاتصاله؛ ولأنّ لحديثه شواهد منها ما خرجه مالك في الموطأ: عن وهب بن كيسان قال: سمعت جابرا يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء إمام . ورفعه عنه ، قال الدارقطني : والصواب موقوف، ولفظه: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب . وحديث ابن عباس يرفعه: يكفيك قراءة الإمام خافت أو قرأ . رواه الدارقطني من حديث عن ابن مخلد، ثنا علي بن زكريا التمار، عن أبي موسى الأنصاري، عن عاصم بن عبد العزيز ، عن أبي سهل، عن عون عنه: وثنا ابن مخلد، ثنا أحمد بن إسحاق بن صالح الوزان، ثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، ثنا عاصم به، وقال: عاصم ليس بالقوي، ورفعه وهم . وقال أبو موسى: قلت لأحمد بن حنبل فيما ذكره الخلال في حديث ابن عباس: هذا في القراءة؟ فقال: هذا منكر. وحديث أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان له إمام فقراءته له قراءة رواه الدارقطني من حديث محمد بن عباد الرازي ، ثنا أبو يحيى التيمي ، قال: وهما ضعيفان عن سهيل عن أبيه عنه . وحديث أبي الدرداء : سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أفي كلِّ صلاة قراءة؟ قال: نعم فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لي وكنت أقرب القوم إليه: ما أرى الإِمام إذا أمّ القوم إلَّا قد كفاهم . رواه النسائي بسند صحيح عن هارون بن عبد الله عن زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرَة عنه. قال أبو عبد الرحمن: خولف زيد بن حباب في قوله: فالتفت إلي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال الدارقطني: الصواب: فقال أبو الدرداء: ما أرى الإِمام إلَّا كفاهم. وقال الإشبيلي في الأحكام الكبرى: خولف زيد في هذا، والصواب أنه من قول أبي الدرداء. وقال في الوسطى : اختلف في إسناد هذا الحديث، ولا يثبت؛ واعترض عليه ابن القطان بأن قوله هذا يوهم في الحديث علّة لا يقبله معها أحد، وليس كذلك؛ فإنّه حديث رواه ابن الحباب مرفوعاً وابن وهب موقوفاً ليس فيه أكثر من هذا، وزيد أحد الثقات، ولو خالفه في رفعه جماعة ثقات ما انبغى أن يحكم عليه في رفعه إيّاه بالخطأ، فكيف ولم يخالفه إلا واحد؟ وأوقع ما يعتل به عليه مرفوعا الشك الذي في قوله: ( ما أرى الإمام )، فإنَّ هذا يستبعد أن يكون من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولو كان من مجتهداته، والأظهر أنه من كلام أبي الدرداء، والله أعلم. وموقوف زيد بن ثابت من عند مسلم، وسأله عطاء عن القراءة مع الإِمام، فقال: لا قراءة مع الإِمام في شيء. قال البخاري : ورواه عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد قال: من قرأ خلف الإِمام فلا صلاة له . قال: ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله. وقال أبو عمر : هو منكر لا يصح، وموقوف عبد الله بن عمر أنه كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف الإِمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإِمام فحسبه قراءة الإِمام، وإذا صلى وحده فليقرأ . قال نافع : وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام . رواه مالك عنه وأسنده الدارقطني من حديث سليمان بن الفضل، ثنا محمد بن الفضل بن عطية ، وهو متروك عن أبيه ، عن سالم عنه بلفظ: من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة . ثم قال: رفعه وهم، ومرسل الشعبي، قال صلى الله عليه وسلم: لا قراءة خلف الإِمام . رواه أبو الحسن من حديث علي بن عاصم، عن محمد بن سالم عنه، وحديث الحارث، عن علي قال: قال رجل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أقرأ خلف الإِمام؟ أو أنصت؟ قال: بل أنصت فإنه يكفيك . قال الدارقطني : تفرد به غسان بن الربيع وهو ضعيف . ورواه أيضا من حديث علي بن صالح، عن ابن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى عن أبيه، قال علي : من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة . وقال: لا يصح إسناده، زاد البخاري : المختار لا يعرف ولا يدرى أنه سمع من أبيه، ولا أبوه من علي، ولا يحتج أهل الحديث بمثله . ومن طريق عن علي أيضا عند ابن حزم أن رجلا جاءه فقال: إني صلَّيت ولم أقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: قد تمت صلاتك، ما كل أحد يحسن يقرأ. وذكر البيهقي عن أبي وائل أن رجلا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام، فقال: أنصت للقرآن، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذاك الإِمام وذكره البخاري من حديث أبي حباب عن ابن كهيل، عن إبراهيم عنه بلفظ: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه نتنا، وقال: هذا مرسل لا يحتج به، وخالفه ابن عون عن إبراهيم، عن الأسود وقال: رضفا، وذكر أيضا: وروى داود بن قيس عن ابن نجاد رجل من ولد سعد، عن سعد : وددت أنّ الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه جمر، قال: وهذا مرسل، وابن نجاد لم يعرف ولا سمي ، وذكر ابن حزم أن عمر بن الخطاب قال: ( وقد صلى المغرب بالنّاس ولم يقرأ شيئا ): أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قالوا: بلى، فلم يعد الصلاة من طريق حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة عنه، ولم يتعرض للكلام عليه؛ بل ذكره في معرض الاحتجاج. وذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتاب العلل المتناهية. قال البيهقي في المعرفة: سئل أبو موسى الرازي وكان أحفظ أصحاب الرأي على أديم الأرض في وقته عن قوله عليه السلام: من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة . فقال: لم يصح فيه عندنا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء، إنمّا اعتمد فيه مشائخنا على الروايات عن علي وابن مسعود والصحابة. قال البيهقي : وقد روينا عن علي من طريق صحيحة أنه أمر بالقراءة خلف الإِمام، وروينا ذلك عن ابن مسعود، وجابر، وأبي الدرداء، وعبادة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وابن مغفل، وأبي هريرة، وأنس، وعمران بن حصين، وعائشة، وعبد الله بن عمرو، وهشام، وابن عمر في رواية، وعروة، وسعيد بن جبير، ومكحول . وقال البخاري: وكان ابن المسيب وعروة والشعبي، وعبيد الله بن عبد الله، ونافع بن جبير، وأبو المليح، والقاسم بن محمد، وأبو مجلز، ومكحول ومالك وابن عون وابن أبي عروبة يرون القراءة. وسئل عمر: أقرأ خلف الإِمام؟ قال: نعم، قيل: وإن قرأت أنت؟ قال: وإن قرأت وقال حذيفة: يقرأ. وقال ابن علية عن ليث، عن مجاهد: إذا نسي الفاتحة فلا يعتد بتلك الركعة، قال أبو عبد الله: فإن اعتل معتل، فقال: إنما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولم يقل في كل ركعة، قيل له: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد بين حين قال: اقرأ، ثم اركع ثم ارفع ثم اسجد ثم ارفع، فإنك إن أتممت صلاتك على هذا فقد تمت، وهذا حديث مفسر للصلاة كلها لا للركعة. وقال أبو قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأربع كلها. فإن احتج بحديث عمر أنَّه نسي القراءة في ركعة فقرأ في الثانية الفاتحة مرتين، قيل له: حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفسر حين قال: اقرأ، ثم اركع، فجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القراءة قبل الركوع، فليس لأحد أن يجعل القراءة بعده. قال أبو عمر: وقال بعض الكوفيين قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا صلاة لمن لم يقرأ خاص أريد به من صلى وحده أو كان إماماً، وكذلك فسره ابن عيينة، وأمّا من صلى وراء إمام فإن قراءته له قراءة محتجين بأن جمهور العلماء أجمعوا على أن الإِمام إذا لم يقرأ وقرأ من خلفه لم تنفعهم قراءتهم، فدلّ أن قراءة الإِمام هي التي تراعى، وأنَّها كما جاء في الحديث: قراءة لمن خلفه . قوله صلى الله عليه وسلم: ما لي أنازع القرآن! . قال الباجي في كتابه المنتقى: قد يقال مثل هذه اللفظة لمعان: أحدها: أنّ يعاتب المرء نفسه، فيقول: ما لي فعلت كذا وكذا؟ وقد يقول ذلك لمعنى التثريب واللوم لمن فعل ما لا يجب: مالي؟ أو ذا مالي أمنع حقي، وقد يقول ذلك إذا أنكر أمراً غاب عنه سببه، فيقول الإنسان: ما لي لم أدرك أمر كذا؟! وما لي توقف علي أمر كذا؟ ومعنى ذلك هنا الذي ظهر من إباحتي لكم القراءة معي في الصلاة فتنازعوني القراءة فيها. ومعنى منازعتهم له ألا يفردوه بالقراءة ويقرءون معه.

647

باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا 75 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما جعل الإِمام ليؤتم به؛ فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا . هذا حديث سئل مسلم بن الحجاج عنه: أهو صحيح؟ قال: هو عندي صحيح، فقيل له: لم لم تضعه هاهنا - يعني: في كتابه؟ فقال: ليس كلّ شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه. وقال أبو محمد بن حزم : هذا عندنا صحيح، وقال البخاري في كتاب القراءة: رواه الأحمر عن ابن عجلان عن زيد أو غيره، ولا نعرف هذا من صحيح حديث الأحمر ، قال أحمد : أراه كان يدلس ، قال محمد : ولم يتابع أبو خالد في زيادته . انتهى كلامهم، وفيه نظر؛ لأنا قد وجدنا لأبي خالد متابعا؛ وهو ما رواه النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن سعد يعني: الموثق عنده ، وعند يحيى، وعند المخرمي عن ابن عجلان به. وقال في آخره: لا نعلم أن أحدا تابع ابن عجلان على قوله: فأنصتوا. وآخر رواه الدارقطني، عن محمد ابن جعفر، ثنا أحمد بن حازم، ثنا إسماعيل بن أبان الغنوي، ثنا محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم ومصعب بن شرحبيل، عن أبي صالح بزيادة: فلا تختلفوا عليه. وقال: إسماعيل ضعيف ، ثنا عبد الملك بن أحمد، ثنا محمود بن خداش، ثنا أبو سعد الصاغاني محمد بن ميسر، ثنا ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا، الصاغاني ضعيف. وفي قول النسائي: ( لم يتابع ابن عجلان ) نظر؛ لما ذكره أبو الحسن عن محمد بن عثمان، ثنا محمد بن يونس، يعني: الكديمي، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا معتمر سمعت أبي يحدّث عن الأعمش، عن أبي صالح بلفظ: إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فأنصتوا قال: الصحيح المعروف: إذا قال الإِمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين واعترض ابن القطان على هذا الإِسناد وضعفه.

648

227 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس، عن حصين، عن هلال بن يساف قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فأوقفني على شيخ بالرّقة يقال له: وابصة بن معبد، فقال: صلى رجل خلف الصف وحده، فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعيد . هذا حديث قال فيه أبو عيسى الترمذي وأبو علي الطوسي : حديث حسن، وقد كره قوم من أهل العلم أن يصلي الرجل خلف الصف وحده، وقالوا: يعيد، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال قوم: يجزئه، وهو قول الثوري، وابن المبارك والشافعي، وذهب قوم من أهل الكوفة إلى حديث وابصة منهم: حماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى ووكيع. وفي حديث حصين ما يدل على أنّ هلالا أدرك وابصة، واختلف أهل الحديث في هذا، فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرّة عن هلال، عن عمرو بن راشد، عن وابصة أصح ؛ وقال بعضهم: حديث حصين عن هلال، عن زياد، عن وابصة أصح، قال: وهذا عندنا أصح من حديث عمرو؛ لأنه قد روي من غير حديث هلال، عن زياد، عن وابصة. وقال الشافعي : سمعت بعض أهل العلم بالحديث يذكر أنّ بعض المحدثين يدخل بين هلال ووابصة رجلًا، ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت. وقال البيهقي : لم يخرجه الشيخان لما حكاه الشافعي من الاختلاف في سنده، ولما في حديث علي بن شيبان من أنّ رجاله غير مشهورين . وقال الشافعي في موضع آخر: لو ثبت الحديث لقلت به، ولما خرج الحاكم لوابصة حديثا في مستدركه، قال: صحيح على شرط الشيخين، غير أنهما لم يخرجا لوابصة شيئا لفساد الطريق إليه، وقال ابن المنذر: حديث وابصة ثبته أحمد وإسحاق، وصححه أيضا ابن حزم واستدل به ؛ وقال أبو عمر بن عبد البر : في حديث وابصة اضطراب، وأثبته جماعة، وقال أبو محمد الإشبيلي : وغير أبي عمر يقول: الحديث صحيح؛ لأن حصينا ثقة وهلالا ثقة وزيادا ثقة، وقد أسندوا الحديث، والاختلاف الذي فيه لا يضرّه ثم قال: سمع هذا الخبر هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة وسمعه من زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فالطريقان جميعا محفوظان، ثم قال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به هلال بن يساف، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ وكيع ثنا يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن عمه عبيد بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد فذكره . وفي المعجم الكبير لأبي القاسم من حديث شمر بن عطية، عن هلال، عن وابصة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سئل عن رجل يصلي خلف الصف وحده فقال: يعيد ورواه أيضا من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة به، ومن حديث أبي خالد الأحمر والمحاربي عن محمد بن سالم عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفا وحدي، فلما انصرف قال: أعد الصلاة . ومن حديث سهل بن عامر، ثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي عنه: صلى رجل خلف الصف ومن حديث مالك بن سعير، ثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عنه: أبصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلًا يصلي خلف الصف وحده فقال: أيها المصلي وحده، ألا تكون وصلت صفًا، فدخلت معهم أو اجتررت في صلاتك رجلًا، إن كان ضاق بك المكان أعد صلاتك فإنه لا صلاة لك. ومن حديث أشعث بن سوار عن بكير بن الأخنس، عن حنش بن المعتمر، عن وابصة بالأول، وفي العلل للخلال: قال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله، عن حديث الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فقال: هذا منكر أو باطل وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله : أي شيء أحسنها إسنادا؟ قال: حديث شعبة عن عمرو بن راشد عن وابصة . وفي الأوسط: قال أبو القاسم : لا يروى عن ابن عباس إلّا بهذا الإسناد، تفرد به الحماني. ومن حديث عبد الله بن محمد بن القاسم العبادي البصري: ثنا يزيد بن هارون أنبأ ابن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة : رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا يصلي خلف الصفوف وحده، فقال: أعد الصلاة لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا السند، تفرد به العبادي . وفي كتاب الخطابي: اختلف أهل العلم فيمن صلى خلف الصف وحده، فقالت طائفة: صلاته فاسدة على ظاهر الحديث، هذا قول النخعي وأحمد وإسحاق، وحكوا عن أحمد أو عن بعض أصحابه أنه إذا افتتح صلاته منفردًا خلف الإمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه من الركوع فإنه لا صلاة له، ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم فاسدة وإن كانوا مائة أو أكثر. وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة، وهو قول أبي حنيفة وتأولوا أمره إياه بالإعادة على الاستحباب دون الإيجاب. وفي حديث أبي بكرة، وركوعه دون الصف دلالة أنّ صلاة المنفرد خلف الصف جائزة؛ لأن جزءا من الصلاة إذا جاز على حال الانفراد جاز سائر أجزائها، وقوله: لا تعد، إرشاد له في المستقبل إلى ما هو أفضل، ولو لم يكن مجزئا لأمره بالإعادة، ويدل على ذلك حديث المرأة المصلية خلفه في حديث أنس منفردة، وحكم الرجل والمرأة في هذا واحد. انتهى. ويؤيّد هذا التأويل ما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث إسماعيل بن مسلم، ثنا يونس بن عبيد، عن ثابت البناني، عن أنس أنه صلى خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده، ووراءه امرأة حتى جاء الناس بعد وقال: لم يروه عن يونس إلا إسماعيل . ومن حديث ابن جريج عن عطاء سمع ابن الزبير على المنبر يقول: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة قال عطاء: وقد رأيته يصنع ذلك، لم يروه عن ابن جريج إلّا ابن وهب، تفرد به حرملة، ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، وليس لقائل أن يقول: ليس حكم المرأة في هذا كالرجل لما روي عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المرأة وحدها صف ؛ لأنه خبر موضوع فيما ذكره أبو عمر في التمهيد، وقد أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآتي، وقد تمت الصفوف بأن يجذب إليه رجلا يقيمه إلى جنبه، رواه الطبراني في الأوسط من حديث بشر بن إبراهيم، ثنا الحجاج بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال: لا يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بهذا الإسناد، تفرد به بشر . وفي كتاب أبي داود وغيره مرفوعا: لينوا بأيدي إخوانكم وقوله عليه الصلاة والسلام أيضَا: خياركم ألينكم مناكب في الصلاة وقد تقدم، والله تعالى أعلم.

649

باب صلاة الرجل خلف الصفوف وحده 226 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر، حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه، وكان من الوفد قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعناه وصلينا خلفه ثم قال: صلينا وراءه أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف قال: فوقف عليه نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين انصرف ثم قال: استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة للذي خلف الصف . هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه، عن الفضل بن حباب، ثنا مسدد، ثنا ملازم بلفظ: فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف وفي لفظ: نظر إلى رجل خلف الصف وحده، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هكذا صليت؟ قال: نعم، قال: فأعد صلاتك، فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف وحده ولما ذكره الإشبيلي قال عبد الرحمن: لم أسمع فيه بتعديل ولا بجرح أكثر من أنه لم يرو عنه إلا ابن بدر، وهو علّة في الراوي عند بعضهم أو أكثرهم حتى يروي عنه اثنان. انتهى كلامه، وفيه نظر؛ من حيث إنه روى عنه أيضا ابنه محمد بن عبد الرحمن ووعلة بن عبد الرحمن بن وثاب، وذكره في جملة الثقات، ولما ذكره ابن حزم محتجا به، قال عبد الرحمن: ما نعلم أحدا عابه بأكثر من أنه لم يرو عنه غير عبد الله بن بدر، وذلك ليس بجرحة ، وكأن هذا هو شبهة الإشبيلي، والله تعالى أعلم

650

229 - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء بن عازب قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال مسعر: مما نحب أو مما أحب أن نقوم عن يمينه . هذا حديث إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن البراء اسمه عبيد .

651

230 - حدثنا محمد بن أبي الحسين أبو جعفر، ثنا عمرو بن عثمان الكلابي، ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن ليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ ميسرة المسجد تعطلت، فقال: من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر . هذا حديث تقدم التنبيه على الاختلاف في حال راويه ليث. وفي الباب: حديث عمران بن خالد الخزاعي قال: ثنا مولى لنا يقال له: العلاء بن علي، عن أبيه، عن أبي برزة الأسلمي قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن استطعت أن تكون خلف الإمام، وإلّا فعن يمينه . قال أبو القاسم في الأوسط: لا يروى عن أبي برزة إلّا بهذا الإسناد، تفرد به عمران .

652

باب فضل ميمنة الصف 228 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف . هذا حديث إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد تقدم أنَّ ابن وهب رواه في مسنده عن أسامة بلفظ: إنَّ الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف .

653

234 - حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، ثنا هاشم بن القاسم، وثنا محمد بن يحيى النيسابوري، ثنا عاصم بن علي قالا: ثنا أبو معشر، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين المشرق والمغرب قبلة. هذا حديث قال فيه أبو عيسى : حسن صحيح، وقد روي عن غير واحد من الصحابة: ما بين المشرق والمغرب قبلة منهم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس، وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن شمالك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة وقال ابن المبارك: ما بين المشرق والمغرب قبلة هذا لأهل المشرق، واختار عبد الله التياسر لأهل مرو. وقال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن محمد بن عمرو إلا أبو معشر . وفي الباب: حديث عبد الله بن عمر أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة قال البيهقي: والمشهور عن ابن عمر عن عمر من قوله، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما بين المشرق والمغرب قبلة وليس له إسناد يعني حديث عثمان الأخنسي عن المقبري، عن أبيِ هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن عثمان في حديثه نكارة . وقال مهنأ: قلت لأحمد : إنك تقول هذا الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما بين المشرق والمغرب قبلة ليس بالقوي، قال: نعم، ولكن هو صحيح. ثنا حماد بن مسعدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر يرفعه: ما بين المشرق والمغرب قبلة إلا عند البيت فسألته عن حماد، فقال: بصري راوي هذا الحديث عنه عن عبيد الله عنه، ولكن لم يقل عند البيت إلا هو، قال عبد الله ثنا نصر بن علي، ثنا معتمر أنبأ محمد بن فضالة عن أبيه، عن جدّه قال: أتيت عثمان وسألته: كيف يخطئ الرجل الصلاة، وما بين المشرق والمغرب قبلة إذا لم يتحر المشرق عمدًا؟ قال عبد الله: فحدثت أبيِ بهذا الحديث فأعجبه، وقال: لم أسمع هذا من المعتمر ، وقد أسنده، وكذلك محمد بن عبد الرحمن، وأوقفه جماعة عن عبيد الله. وفي كتاب الصلاة للدكيني بسند صحيح عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة وخرج ابن ماجه بعد هذا حديث عامر بن ربيعة قال: خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلَّى كل واحد منّا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزل: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال أبو عيسى لما خرجه: إسناده ليس بذاك . وعند الحاكم من حديث جابر : بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة فذكر مثله، وزاد: فلم يأمرنا بالإِعادة، وقال: قد أجزت صلاتكم . قال الحاكم : هذا حديث محتج برواته كلهم غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح . وقال العرزمي: عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنها نزلت في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك، وقال البيهقي في المعرفة: والذي روي مرفوعا: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض : حديث ضعيف لا يحتج به، وكذلك ما روي عن جابر وغيره في صلاتهم في ليلة مظلمة حديث ضعيف لا يثبت فيه إسناد، وقد روينا عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في فرض الصلاة إلى بيت المقدس، ثم نسخت حين حولت القبلة إلى الكعبة، وفي الأوسط من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبيه، عن معاذ قال: صلينا في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة، فلما قضى الصلاة وسلم تجلت الشمس فقلنا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلينا إلى غير القبلة، فقال: قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله تعالى لم يروه عن إبراهيم إلا إسماعيل بن عبد الله السكوني، ولا عنه إلا أبو داود الطيالسي، تفرد به هشام بن سلام البصري، وثناه أحمد بن رشدين . وعند مسلم من حديث أنس: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حولت فمالوا نحو القبلة زاد ابن خزيمة: واعتدوا بما مضى من صلاتهم. وفي الأوسط من حديث زيد بن حباب، عن جميل بن عبيد، ثنا ثمامة، عن أنس : نادى منادي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن القبلة قد حولت إلى البيت الحرام، وقد صلى الإمام ركعتين، فاستداروا وصلوا الركعتين الباقيتين نحو البيت الحرام وقال: لم يروه عن ثمامة إلا جميل، تفرد به زيد بن حباب . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت وهم في صلاة الفجر الحديث. قال أبو داود: وكذلك قال سهل بن سعد أنها صلاة الغداة، ذكره في كتاب الناسخ والمنسوخ، وعند ابن عدي في كامله عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارهقوا القبلة وإن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم العمل أن يتقنه تفرد به مصعب بن ثابت، وهو ضعيف، وعند البخاري من حديث أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلّا بحقها وحسابهم على الله . وعند الترمذي صحيحا: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا . وعند أحمد بن حنبل من حديث ابن عباس: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم صرف إلى الكعبة . وعند أبي عبد الله الشافعي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ستة عشر شهرًا نحو بيت المقدس ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين وفي المعرفة لأبي بكر بسند جيد من حديث عطاء عن ابن عباس : أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم - شأن القبلة، قال تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، فقال تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا يعنون بيت المقدس فنسخها، وصرفه الله تعالى إلى البيت العتيق، فقال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وفي كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي داود من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة عنه: كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستقبل صخرة بيت المقدس، وهي قبلة اليهود فاستقبلها سبعة عشر شهرا فقال عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وقال: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ وعن أبي العالية: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر نحو بيت المقدس فقال لجبريل عليه الصلاة والسلام: وددت أن الله تعالى صرفني، عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك فادع ربك عز وجل وسله، فجعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ وعن سعيد بن عبد العزيز: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى نحو بيت المقدس من شهر ربيع الأول إلى جمادى الآخرة، وفي كتاب ابن سعد: زار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما وحانت الظهر فصلى بأصحابه ركعتين، ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة، فاستداروا إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمي المسجد مسجد القبلتين، وذلك يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرَا، قال محمد بن عمر: وهذا الثبت عندنا، وزعم ابن حبيب في كتابه المحبر أنّها حولت في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في الركعة الثالثة. وفي موضع آخر: العصر وزعم سنيد عن حجاج، عن ابن جريج: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى المقدس فصلت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه بثلاث. وفي كتاب الحافظ الدمياطي: صرفت يوم الاثنين نصف رجب بعد خمسة عشر شهرًا ونصف. وفي كتاب النحاس عن ابن زيد: بضعة عشر شهرًا، قال: وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: صرف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الكعبة في جمادى، قال أبو جعفر: وهو أولى الأقوال بالصواب، وقال أبو البقاء: حولت بعد ثلاثة عشر شهرًا من مقدمه المدينة، وقيل: بعد عشرة، وقيل: تسعة أشهر. وفي كتاب الحازمي: اختلف الناس في المنسوخ: هل كان ثابتا بنص الكتاب أو بالسنة؟ فذهبت طائفة إلى أن المنسوخ كان ثابتا بالسنة، ثم نسخ بالكتاب، وذهبت طائفة ممن يعتبر التجانس في الناسخ والمنسوخ إلى أن الحكم الأول كان ثابتا بالقرآن ثم نسخ بالقرآن إذ القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن، وكذلك السنة، ثم إن استقبال القبلة شرط لصحة صلاة الفرض والواجب إلّا في حالة الخوف، قال في المحيط: التوجه شرط زائد بدليل صحة صلاة النافلة بدونه فجاز أن يقام مقام غير القبلة مقامها عند التعذر. وفي كتاب النووي: لتعلم أدلة القبلة ثلاثة أوجه: أحدها: أنه فرض كفاية. الثاني: فرض عين. الثالث: فرض كفاية إلا أن يريد سفرا. ولا يصح قول من قال: فرض عين، إذ لم ينقل عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن أحد من السلف إلزام آحاد الناس بعلم أدلة القبلة في حق مقيم ولا مسافر، بخلاف أركان الصلاة وشروطها، ثم من كان بمكة، فالفرض في حقه إصابة عين الكعبة سواء كان بين المصلي وبينها حائل بجدار أو لم يكن حتى لو اجتهد وصلى فبان خطؤه، قال الرازي الحنفي: يعيد، وعن محمد بن الحسن: لا يعيد إذا بان له ذلك بمكة أو المدينة. وفي كتاب أبي البقاء: وضع جبريل محراب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مساميا للكعبة، وقيل: كان ذلك بالمعاينة، وأما من كان غائبَا عن الكعبة ففرضه جهتها لا عينها، وهو قول عامة مشايخ الحنفية، وقال الجرجاني: شيخ القدوري: الفرض إصابة عينها في حق الحاضر والغائب، وعند الشافعي: فرض المجتهد مطلوبه عينها في أصح القولين، والله أعلم.

654

232 - حديث هشيم عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى مختصرا. وهو حديث خرجاه في صحيحيهما مطولا بلفظ: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغيرة عليه فقلت لهن: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فنزلت هذه الآية . وفي مسلم: بدل التخيير أسارى بدر، وفي مسلم أيضَا موافقته في منع الصلاة على المنافقين، ومن حديث علي بن زيد عن أنس عنه عند أبي داود الطيالسي: لما نزلت: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت هذه الآية. وفي كتاب النووي: وجاءت موافقته أيضا في تحريم الخمر، وفي كتاب ابن العربي: وقد بيّنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تلاوة ومعنى في نحو أحد عشر موضعًا، وقال في كتابه التبرين بفوائد المشرقين والمغربين نحوه، انتهى، شاهده ما خرجه أبو عيسى عن ابن عمر مصححا: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا تنزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر . وعند ابن خزيمة من حديث أسامة بن زيد: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه حتى خرج منه، فلما خرج صلى ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة .

655

233 - حدثنا علقمة بن عمرو الدارمي، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: صلينا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيّه صلى الله عليه وسلم أنه يهوى الكعبة فصعد جبريل فجعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتبعه بصره وهو يصعد بين السماء والأرض، ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فأتانا آت فقال: إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة، وقد صلينا ركعتين إلى بيت المقدس، ونحن ركوع فتحولنا فبنينا على ما مضى من صلاتنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا جبريل كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ هذا حديث اتفقا على تخريج أصله بلفظ: صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرَا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه أول صلاة صلاها العصر . ولفظ ابن خزيمة: صلينا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ثم صرفنا نحو الكعبة قال البراء: والشطر فينا قبلة، وقال ابن عباس: أنلزمكموها من شطر أنفسنا، قال: من تلقاء أنفسنا.

656

باب القبلة 231 - حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أنه قال: لما فرغ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من طواف البيت أتى مقام إبراهيم، فقال عمر: يا رسول الله هذا مقام أبينا إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي قال الله عز وجل: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى قال الوليد: فقلت لمالك: أهكذا قرأ: وَاتَّخِذُوا ؟ قال: نعم . هذا حديث قال فيه الطوسي والترمذي : حسن صحيح، ثم ذكر ابن ماجه:.

657

98 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ملازم بن عمرو عن عبد اللَّه بن بدر أخبرني عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه علي بن شيبان، وكان من الوفد قال: خرجنا حتى قدمنا على رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - فبايعنا وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته - يعني: صلبه - في الركوع والسجود، فلما قضى النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - الصلاة قال: يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود . هذا حديث خرجه ابن حبان في صحيحه عن الفضل بن الحباب، ثنا مسدد، ثنا ملازم به، وابن خزيمة من حديثه عن أبي موسى، وأحمد بن المقدام عن ملازم.

658

97 - حدثنا علي بن محمد، وعمرو بن عبد الله قالا: ثنا وكيع، ثنا الأعمش عن عمارة، عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود . هذا حديث خرجه إمام الأئمة في صحيحه، وقال فيه الترمذي، وخرجه عن أحمد بن منيع عن أبي معاوية، عن الأعمش، وأبو علي الطوسي. وخرجه عن زياد بن أيوب، ثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة، وفي كتاب أبي داود: ظَهْرُهُ، وخَرجه البستي في صحيحه من حديث شعبة عن سليمان. وقال البيهقي في المعرفة: إسناده صحيح. وقال الدارقطني والفاسي : هذا إسناد ثابت صحيح . وخرجه ابن الجارود في المنتقى، وفي الأوسط من حديث فضل بن مهلهل عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد قال: سألنا عقبة بن عمرو عن صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فوضع يديه على ركبتيه، وأصابعه أسفل من ذلك وجافى بإبطيه، فركع حتى استقر كل شيء منه، ثم قام حتى استقر كل شيء منه الحديث، وفي آخره: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وقال: لم يروه عن مفضل إلا يحيى بن آدم، وفي موضع آخر: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ركع عدل ظهره حتى لو صبّ على ظهره ماء ركد وقال: لم يروه عن عبد الملك بن عمير يعني: عن أبي عبد اللَّه البراد عنه: إلا عبد الملك بن حسين النخعي.

659

99 - حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، ثنا عبد اللَّه بن عثمان ابن عطاء، ثنا طلحة بن زيد عن راشد قال: سمعت وابصة بن معبد يقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، فكان إذا ركع سوَّى ظهره، حتى لو صبّ عليه الماء لاستقر . هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف طلحة بن زيد أبي سكين، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان الرقي ، فإن صاحب تاريخها ذكر أنه روى عن الأوزاعي مناكير، قال: وهو منكر الحديث ، وقال ابن عدي : له أحاديث مناكير ، وقال أبو نعيم الحافظ : لا شيء . وقال الساجي والبخاري : منكر الحديث ، وقال أبو داود والإمام أحمد وابن المديني : يضع الحديث ، وقال أبو حاتم : منكر الحديث، ضعيف الحديث، لا يعجبني حديثه . وقال ابن حبان : منكر الحديث جدَا لا يحل الاحتجاج بخبره ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال صالح بن محمد : لا يكتب حديثه ، وضعف إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ، فإن أبا الفتح الأزدي قال: هو ساقط ، ولأن عبد الله بن عثمان مُس بشيء من الضعف أيضَا، والله تعالى أعلم. وفي الباب حديث المسيء صلاته، وفيه: ثم اركع حتى تطمئن راكعَا وسيأتي، وحديث علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه: أن رجلَا دخل المسجد فذكر نحو حديث المسيء وفيه: ثم يركع حتى تطمئن مفاصله وسيأتي أيضا، وعند البخاري: رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود، فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم. وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا: لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده ومن حديث أبي قتادة عند الطبراني، وقال: لم يروه عن الأوزاعي يعني عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة عنه إلا الوليد، ولا عنه إلا الحكم بن موسى، وسليمان بن أحمد الواسطي، قال - صلى الله عليه وسلم: أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟! قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها . وفي صحيح ابن خزيمة من حديث خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان مرفوعًا: إنّما مثل الذي يصلي ولا يركع وينقر في سجوده، كالجائع لا يأكل إلّا تمرة أو تمرتين، فما تغنيان عنه؛ فأتموا الركوع والسجود . وفي كتاب البيهقي من حديث جابر بن عبد الله مرفوعَا: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود وقال: تفرد به يحيى بن أبي بكير، وفي كتاب الطبراني من حديث بلال : وأبصر رجلا يصلي لا يتم الركوع، ولا السجود فقال: لو مات هذا مات على غير ملة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال: لم يروه عن مفضل بن مهلهل - يعني: عن بيان عن قيس عنه إلّا يحيى بن آدم، ومن حديث الحسن عن ابن مغفل قال النبي صلى الله عليه وسلم: أسرق الناس من سرق من صلاته قيل: وكيف يسرق؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها لم يروه عن ابن مغفل إلا الحسن، ولا عن الحسن إلا عوف، ولا عن عوف إلا عثمان بن الهيثم، تفرد به زيد بن الحريش، ومن حديث أنس قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى في المسجد رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: لا تقبل صلاة رجل لا يتم الركوع والسجود وقال: لم يروه عن الربيع بن أنس - يعني: عن أنس - إلا أبو جعفر الرازي، ولا عنه إلا يحيى بن أبي بكير. قال الثوري والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن وهب وداود: الطمأنينة فرض، وقال أبو يوسف: الفرض المكث بمقدار تسبيحة واحدة، وقال أبو حنيفة: يكفيه في الركوع أدنى انحناء، ولا تجب الطمأنينة في شيء من هذه الأركان، واحتج بقوله تعالى: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وزعم السروجي في الغاية أنّ الطمأنينة في الركوع، والقومة، والسجود، والجلسة بين السجدتين عند أبي حنيفة ومحمد: سنة في تخريج الجرجاني، وفي تخريج الكرخي: واجبة، يجب سجود السهو بتركها، وقال في الجواهر: لو لم يرفع في ركوعه وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم، ولم تجب في رواية علي بن زياد، ولابن القاسم فيمن رفع من الركوع والسجود ولم يعتدل يجزئه، ويستغفر الله، ولا يعود، ولأشهب: لا يجزئه.

660

باب الركوع في الصلاة 96 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن حسين المعلم، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وإذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يفترش رجله اليسرى . هذا حديث سبق التنبيه على إسناده في باب الافتتاح.

661

باب الجهر بآمين 80 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا أمن القارئ فأمِّنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . 81 - ورواه أيضا من حديث سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه. هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم، بزيادة قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين. قال أبو عمر: ورواه حفص بن عمر العدني، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: آمين، ولا يتابع حفص على هذا اللفظ بهذا الإسناد. وفي كتاب النسائي: إذا قال الإمام: ( ولا الضالين ) فقولوا: ( آمين ) فإن الملائكة تقول: ( آمين ) وإن الإمام يقول: ( آمين ) فمن وافق تأمينه الحديث. وعند الدارقطني من حديث محمد بن يونس الكديمي ، وهو ضعيف ، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا معتمر، سمعت أبي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال الإمام: ( ولا الضالين ) فأنصتوا

662

82 - حدثنا محمد بن بشار عن صفوان بن عيسى، ثنا بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة قال: ترك الناس التأمين، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد . هذا حديث مضعف بأمرين: الأول: بشر بن رافع النجراني، أبو الأسباط الحارثي . فإن البخاري قال: لا يتابع في حديثه . وقال ابن معين : حاتم بن إسماعيل روى عن أبي الأسباط شيخ كوفي ثقة، قيل له: هو ثقة، قال يحيى: يحدّث بمناكير، وفي رواية: ليس به بأس . وقال النسائي : هو ضعيف . وقال الحاكم أبو أحمد : ليس بالقوي عندهم . وقال الترمذي : يضعف في الحديث . وقال أبو حاتم : ضعيف منكر الحديث، لا نرى له حديثا قائما . وقال ابن عدي : مقارب الحديث لا بأس بأخباره، ولم أجد له حديثا منكرا، وعند البخاري أن بشر بن رافع هذا أبو الأسباط الحارثي، وعند يحيى أن أبا الأسباط شيخ كوفي، ولكن قد ذكر يوسف بن سليمان عن حاتم عن أبي الأسباط الحارثي اليمامي . وعند النسائي أن بشر بن رافع غير أبي الأسباط، وما قاله كل واحد منهم محتمل وإن كانا اثنين، فكأنّ أحاديث بشر بن رافع أنكر من أحاديث أبي الأسباط . وقال أحمد بن حنبل : ليس بشيء، ضعيف الحديث . وقال ابن حبان : يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمد لها ، وذكره الساجي والبلخي وأبو العرب في جملة الضعفاء . وقال الدارقطني : منكر الحديث . وقال الحاكم : وخرّج حديثه في الشواهد: ليس بالمتروك ، وقال البزار : لين الحديث، وقد احتمل حديثه . وقال العقيلي : له مناكير، وبه ردّ الإشبيلي هذا الحديث ، وقال ابن القطان : ضعيف . الثاني: أبو عبد الله ابن عم أبي هريرة ، فإنه مجهول لا يعرف اسمه ولا حاله، ولا روى عنه غير بشر، وبه ردّ أبو الحسن بن القطان هذا الحديث، والله تعالى أعلم . ولقد ذكرنا في الإكمال لتهذيب الكمال اسمه، ومن وثقه وذكره بخير، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من هذين، ذكرها الدارقطني من حديث الزبيدي، عن الزهري عن أبي سلمة، وسعد عن أبي هريرة قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين . رواه عن محمد بن إسماعيل الفارسي، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، وقال: هذا إسناد حسن، وذكره ابن حبان أيضًا في صحيحه من حديث الزبيدي. ولما خرجه الحاكم قال فيه: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، واتفقا على تأمين الإمام وتأمين المأموم، وإن أخفاه الإِمام، واختاره أحمد في جماعة من أهل الحديث بأن التأمين للمأموم لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإذا قال الإِمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين . وفي كتاب الصلاة للفضل بن دكين: ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أنه كان يؤذِّن بالبحرين فاشترط عَليهم ألاّ يسبقوه بآمين

663

83 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حميد بن عبد الرحمن، ثنا ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علّي بن أبي طالب قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين . هذا حديث مضعف بأمرين: الأول: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار أبو عبد الرحمن قاضي الكوفة وفقيهها، فإن شعبة قال فيه: ما رأيت أسوأ حفظاً منه، وأفادني أحاديث فإذا هي مقلوبة ، وترك زائدة حديثه وكان يحيى بن سعيد يضعفه . وقال أحمد : هو سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، ضعيف . وقال ابن معين : ليس بذاك . وقال النسائي : ليس بالقوي في الحديث . وقال الدارقطني : رديء الحفظ، كثير الوهم . وقال العجلي : فقيه، صاحب سنة، صدوق، جائز الحديث، قارئ للقرآن، عالم به، وكان من أحسب النّاس، وأنقط الناس للمصحف وأحظه بقلم . وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي في كتابه التذكرة: أجمعوا على ضعفه . وقال أبو حاتم : شغل بالقضاء، فساء حفظه، ولا يتهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، فلا يحتج به . وقال ابن حبان : كان فاحش الخطأ، رديء الحفظ فكثرت المناكير في حديثه فاستحق الترك ، تركه أحمد ويحيى . الثاني: حجية بن عدي الكندي الكوفي ، وإن كان العجلي وابن حبان وثقاه ، وقال أبو الحسن بن القطَّان : روى عنه أبو إسحاق السبيعي عدّة أحاديث، وهو فيها مستقيم، لم يعهد منه خطأ ولا اختلاط ولا نكارة ، ولما صحح الحاكم حديثه قال: لم يحتجا به، وهو من كبار أصحاب علي ، فقد قال أبو حاتم الرازي : شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول، شبيه بشريح بن النعمان العابدي، وهبيرة ابن يريم . وقال علي بن المديني : لا أعلم روى عنه إلّا سلمة بن كهيل، وفيه نظر، لما أسلفناه . وقال ابن سعد : كان معروفا، وليس بذاك . ورواه الطبري في كتاب التهذيب عن أبي هشام الرفاعي، ثنا المطلب بن زياد، عن ابن أبي ليلى، عن عديّ بن ثابت، وربما قال: عن رجل من الأنصار، عن ذرّ، عن علي بلفظ: إذا قال: وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين، ويمد بها صوته ثم قال: وقد علل هذا الحديث بأن عدي بن ثابت ممن يجب التثبت في قوله، وراويه عنه ابن أبي ليلى، وهو عندهم ممن لا يحتج به، وأيضا فإنّ المعروف عن علي العمل بخلافه، ولو صح عنه لم يكن ليخالفه إلى غيره. ولما ذكر أبو حاتم الرازي حديث المطلب قال: هذا خطأ، فذكر له حديث حجية قال: وهذا أيضا عندي خطأ، إنَّما هو سلمة عن حجر، عن وائل، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ابنه فقلت: حديث المطلب ما حاله؟ قال: لم يروه غيره، ولا أدري ما هو؟ وهذا من ابن أبي ليلى؛ فإنه كان سيئ الحفظ. وفي الأوسط : لم يروه عن عدي بن ثابت إلا ابن أبي ليلى، ولا عنه إلا المطلب. تفرد به ضرار بن صرد .

664

84 - حدثنا محمد بن الصباح، وعمار بن خالد الواسطي، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما قال: وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين، فسمعناها منه . هذا حديث إسناده منقطع فيما بين عبد الجبار وأبيه. قال مهنأ : قال أحمد بن حنبل : وروي لنا هذا الحديث عن أبي بكر بن عياش يقول ناس: لم يسمع عبد الجبار من أبيه شيئا . وقال الدوري : سمعت يحيى يقول: عبد الجبار ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئا إنما كان يحدث عن أهل بيته، ويقولون: إن أباه مات، وهو حمل، أي: أمه حبلى به، وفي موضع آخر: ولد بعد موت أبيه بستة أشهر ، وقال فطر : والحسن بن عبيد الله عن عبد الجبار: سمعت أبي، ولا يصح سماعه من أبيه وهو في بطن أمه، ومات أبوه قبل أن يولد. ولما ذكر الترمذي : خرجت امرأة فتجللها رجل الحديث من حديثه عن أبيه. قال: غريب وليس إسناده بمتصل، وسمعت محمدا يقول: لم يسمع عبد الجبار من أبيه ولا أدركه ، وقال: ثنا بندار عن يحيى، وعبد الرحمن عن سفيان، عن سلمة، عن حجر بن عنبس، عن وائل، فأخرج عبد الجبار من السند، وقال: حسن. زاد في العلل الكبير: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضع، قال: عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس، وإنما هو ابن عنبس، وكنيته أبو السكن، وزاد فيه: ( عن علقمة بن وائل ) وإنما هو حجر عن وائل ليس فيه علقمة، وقال: وخفض بها صوته، والصحيح أنّه جهر بها. وسألت أبا زرعة؟ فقال: حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وقد رواه العلاء بن صالح، وفي المعرفة للبيهقي: أجمع الحفاظ على أنَّ شعبة أخطأ في ذلك، وقد رواه العلاء ومحمد بن سلمة بن كهيل، عن سلمة بمعنى رواية سفيان، ورواه شريك أيضا عن أبي إسحاق عن علقمة بن وائل عن أبيه. وقد رويناه بإسناد صحيح عن أبي الوليد الطيالسي عن شعبة، كما رواه الثوري من أوجه أخر، انتهى. هو في مسند أبي داود عن شعبة أخبرني سلمة سمعت حجرا قال: سمعت علقمة فذكره، وعاب أبو الحسن على عبد الحق رضاه بقول الترمذي فيه: حسن، وعدم بيان المانع من صحته، قال: وهذا الحديث فيه أمور: أحدها: اختلاف شعبة وسفيان. الثاني: . الثاني: عيبه إياه بدخول علقمة بينهما، وليس بعيب على ما ذكره الكجي في سننه، فإنه لما ذكر رواية حجر عن علقمة قال: وقد سمعه أيضاً حجر من وائل. الثالث: إغفاله اضطرابا آخر لم يذكره، وهو قول أبي بكر الأثرم: اضطرب شعبة في هذا، فقال مرة: عن سلمة عن حجر عن وائل، وقال مرّة: عن سلمة عن حجر عن علقمة، أو عن وائل، ورواه سفيان فلم يضطرب في إسناده ولا في الكلام، قال سلمة عن حجر، عن وائل مرفوعا: إنه كان يجهر بها، وروي ذلك عن وائل من وجه آخر: ثنا أبو عبد الله، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو إسحاق عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه فذكره، ثم قال: فقد صح الجهر بالتأمين من وجوه، ولم يصح فيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء غيره.

665

85 - حدّثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن عائشة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما حسدتكم اليهود على شيء، ما حسدتكم على السلام والتأمين . هذا حديث إسناده صحيح على رسم مسلم. وفي كتاب البيهقي من حديث عمرو بن قيس عن محمد بن الأشعث قال: حدثتني عائشة قالت: بينا أنا قاعدة عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء ثلاثة نفر من اليهود فذكرت حديثا فيه: فقال صلى الله عليه وسلم: حسدونا على القبلة التي هدينا لها وضَلُّوا عنها، وعلى الجمعة، وعلى قولنا خلف الإِمام: آمين وفي لفظ: حسدونا بثلاث: التسليم والتأمين واللهم ربنا ولك الحمد . وعند أحمد: إنهم لن يحسدونا - يعني: اليهود - على شيء كما يحسدونا على الجمعة الحديث.

666

86 - حدثنا العباس بن الوليد الخلال الدمشقي، ثنا مروان بن محمد وأبو مسهر قالا: ثنا خالد بن يزيد بن صبيح المري، ثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين، فأكثروا من قول آمين . هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف راويه طلحة بن عمرو الحضرمي المكي ، فإن البخاري قال فيه: ليس بشيء، وقال أبو داود: ضعيف . وقال النسائي : ليس بثقة. وفي موضع آخر: متروك الحديث ، وقال الفلاس : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه . وقال الإِمام أحمد : لا شيء، متروك الحديث . وقال ابن معين : ليس بشيء . وقال أبو حاتم : ليس بقوي، لين عندهم . وقال الجوزجاني : غير مرضي في حديثه ، وقال ابن عدي : قد حدث عنه قوم ثقات أحاديث صالحة، وعامة ما يروى عنه لا يتابعونه عليه . وعن عبد الرزاق قال: اجتمعت أنا وشعبة والثوري وابن جريج فقدم علينا شيخ، فأملى علينا أربعة آلاف حديث عن ظهر قلب، فما أخطأ إلا في موضعين لم يكن الخطأ منه من فوق، وكان الرجل طلحة بن عمرو، والكاتب شعبة ، وقال أبو أحمد الحاكم : يكنى أبا عمران، وليس بالقوي عندهم . وقال ابن سعد : كان كثير الحديث ضعيفا جدا، وقد رووا عنه . وقال البزار في كتاب السنن تأليفه: لم يكن بالحافظ. وقال في المسند: طلحة وعقبة الأصم غير حافظين، وإن كان قد روى عنهما جماعة فليسا بالقويين ، وقال العجلي : ضعيف ، وقال حمزة : سئل عنه الدارقطني ، فقال: لين، وفي موضع آخر: ضعيف ، وقال البيهقي في المعرفة: ليس بالقوي . وفي كتاب ابن الجارود وبيان الوهم والإِيهام: ليس بشيء ، وقال ابن حبان : كان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، ولا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه إلّا على جهة التعجب ، وقال علي بن الجنيد : متروك ، وقال أبو زرعة الرازي : ضعيف ، وذكره الساجي والعقيلي وأبو العرب وغيرهم في جملة الضعفاء . وفي الباب غير ما حديث؛ من ذلك: حديث أبي عثمان النهدي، عن بلال أنه قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تسبقني بآمين رواه أبو داود، قال الدارقطني : وروي عن أبي عثمان قال: قال بلال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مرسلا. ولما ذكره أبو حاتم في كتاب العلل مسندا قال: هذا خطأ رواه الثقات عن عاصم عن أبي عثمان مرسل، ورواه البيهقي من حديث عبد الرزاق مرسلا، ومن حديث وكيع وشعبة مسندا، ثم قال: ورواية عبد الرزاق أصح، قال: وفي رواية محمد بن فضيل عن عاصم عن أبي عثمان قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تسبقني بآمين، قال: فكأن بلالا كان يؤمن قبل تأمين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لا تسبقني بآمين . ولما خرجه الحاكم من حديث عاصم، عن أبي عثمان قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وفي المعرفة للبيهقي: وقيل: عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال بلال، وهو ضعيف ليس بشيء، وإن كان محفوظا فيرجع إلى ما روي في الحديث الثابت عن أبي هريرة: إذا أمن الإِمام فأمنوا، والله أعلم. وفي الأوسط : لم يروه عن القاسم بن معن يعني عاصم إلا عثمان بن سعيد، تفرد به أبو كريب. وفي الأحكام للشيخ الضياء : قيل: إنَّ أبا عثمان لم يدرك بلالا. وحديث أبي زهير النميري من عنده أيضا، وسنده صحيح قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة نمشي، فأتينا على رجل قد ألح في المسألة فوقف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمع منه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب فانصرف الرجل السائل، فأتى الرجل فقال: يا بلال اختم بآمين وأبشر، وذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب، فقال: إسناده ليس بالقائم. وحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثاً لم يعط أحد قبلهم: السلام، وصفوف الملائكة، وآمين، إلا ما كان من موسى وهارون عليهما السلام . ذكره أبو عبد الله الترمذي في نوادره بسند ضعيف، فقال: ثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبيه، ثنا زربي مؤذن مسجد هشام بن حسان، ثنا أنس به، ثم قال: معناه: أن موسى دعا وهارون أمن، قال: فقال: قد أجيبت دعوتكما. وحديث أبي موسى الأشعري من عند مسلم يرفعه: وإذا قال، يعني الإِمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فقولوا: آمين، يجبكم الله . وحديث ابن أم الحصين، عن أمه: أنها صلَّت خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسمعته يقول: آمين، وهي في صف النساء. ذكره أبو بكر في كتاب المعرفة، قال: وروينا عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا كان وراء الإِمام، وقرأ الإِمام بفاتحة الكتاب، قال الناس: آمين؛ أمَّن معهم، ورأى ذلك من السنة . وفي المحلى من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه كان مؤذنا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين، فاشترط عليه ألا يسبقه بآمين، وفي كتاب الصلاة للفضل بن دكين، عن إبراهيم قال: كان يستحب إذا قال الإِمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ أن يقول الرجل: اللهم اغفر لي، آمين . وعن عكرمة: كنا نكره إذا قال الإِمام: ولا الضالين أن نسبقه بآمين . وعن أبي إسحاق أنَّ معاذ بن جبل: كان إذا فرغ من وانصرنا على القوم الكفرين قال: آمين وعن ابن عباس: إذا قال الإِمام: ولا الضالين فسل توجبه، وقل: آمين. غريبه: ذكر ابن بزيزة أن ابن عباس سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن معنى آمين، فقال: كذلك تكون، وعن هلال بن يساف: هي اسم من أسَماء الله تعالى. وقال عطية العوفي: هي كلمة عبرانية أو سريانية، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي كنز من كنوز العرش لا يعلمه إلا الله تعالى، وقيل: هي خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين، وفي بسيط الواحدي: عن جعفر بن محمد الصادق: معناها: قصدي إليك وأنت أكرم من أن تخيب قاصدا. وعن ابن الأنباري: اللهم استجب. وفي البخاري: عن عطاء: هي دعاء، وفي الفصيح لأبي العباس: مدّ الألف وقصرها قال: ولا تشدّد الميم، فإنّه خطأ، وكذا ذكره يعقوب وغيره. وذكر ابن عديس في كتاب المُثنّى: التشديد لغة شاذة. وفي كتاب شرح الفصيح لابن درستويه: هي كلمة عبرانية معربة، مبنية على الفتح للياء التي قبل نونها، وقال ابن قتيبة: معناها يا آمين، أي: يا الله، وأضمر في نفسه استجب لي، وهذا كقولهم: أزيد أقبل، معناه: يا زيد أقبل، قال ابن الأنباري: هذا خطأ؛ لأنه لو كان منادى، لقيل: آمين بالضم؛ لأن نداء المعرفة مفهوم بغير تنوين، قال ابن خالويه: ولا يلزمه الذي قال؛ لأن ( آمين ) وإن كان موضوعا موضع الاسم فلا يجب إعرابه، وتصرّفه كتصرف الأسماء في الإعراب، والتثنية، والجمع، كما تقول: صه في معنى اسكت، وأنت لا تعرفه، ولا تثنيه، ولا تجمعه، قال: وقال ابن قتيبة: قال بعضهم: الأصل فيها القصر، وإنما مدّت ليرتفع الصوت بالدعاء، وأبى ذلك ابن درستويه، فقال: ليس قصر الهمزة معروفا بالاستعمال، وإنما قصره الشاعر ضرورة إن كان قصره، وذلك أن البيت الذي أنشده ثعلب، وفيه قصرها، وهو: آمين، فزاد الله ما بيننا بعدا. قد روي على غير ما رواه، وهو: فآمين زاد الله ما بيننا بعداً، وهذا ممدود لا ضرورة فيه، وهو المعروف، ولم يروه أحد عن الصحابة الذين رووا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: آمين بالقصر، ولكن ممدودا، وهو الأصل الصحيح، وفي المحكم: قال الفارسي: هي جملة مركبة من فعل واسم، معناه: استجب لي. وزعم ابن الأثير: أنه لا خلاف بين أهل الإِسلام أنها ليست من القرآن ولم يكتبها أحد في المصحف. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: لا يقولها الإِمام، إنما يقولها من خلفه. وكذا روي عن مالك في المدونة، وفي العارضة عنه: لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر وقال ابن حبيب: يؤمِّن. وقال ابن بكير: هو بالخيار، وفي كتاب السفاقسي: زعمت طائفة من المبتدعة الأفضلية فيها، قال: وذكر القزويني عن قوم أنها تفسد الصلاة، وقال ابن حزم: يقولها الإمام سنة وندبا، والمأموم فرضا. وفي صحيح ابن حبان في قوله: فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة أي: وافقهم في الخشوع والإخلاص، وفي كتاب النووي: معناه: وافقهم في وقت التأمين، وهو الصحيح لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقالت الملائكة في السماء: آمين . وكذا قوله: فمن وافق قوله قول الملائكة، وقيل: وافق الملائكة - عليهم السلام - في استجابة الدعاء، وقيل: في لفظ الدعاء، وقيل: الملائكة هؤلاء هم الحفظة. وفي كتاب ابن بزيزة: المتعاقبون، قال: ويجهر بها المأموم عند أحمد، وإسحاق، وداود، وقال جماعة: يخفيها، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين، وأحد قولي مالك والشافعي، زاد في الأم: لو قال: آمين رب العالمين، وغير ذلك من ذكر الله تعالى كان حسنًا. وفي قوله: غفر له ما تقدم من ذنبه قال ابن بزيزة: أشار إلى الصغائر، وما لا يكاد ينفك عنه في الغالب من اللمم.

667

باب من دخل المسجد فلا يجلس حتى يركع 235 - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ويعقوب بن حميد بن كاسب قالا: ثنا ابن أبي فديك، عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين . هذا حديث إسناده حسن للاختلاف في حال كثير راويه، ورواه أبو قرة بسند صحيح عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه عنه ؛ وفي الأوسط من حديث زكريا بن حكيم الحِبطي البصري عن الحسن، عن سليك الغطفاني، قال: بينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب إذ دخلت المسجد فجلست، فقال: ركعت الركعتين؟ قلت: لا. قال: فقم فاركعهما لم يروه عن زكريا إلا داود بن منصور القاضي . ومن حديث ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد عن صفوان بن سليم، عن أبي صالح، عن أبي ذر أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يخطب فقعد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل ركعت؟ قال: لا، قال: فقم فاركع ، وعند ابن عدي زيادة: وإذا دخل بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله عز وجل جاعل له من ركعته في بيته خيرا، ثم قال: إسناد منكر، وعزى الإشبيلي إلى البخاري أنه قال: هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك ابن القطان .

668

236 - حدثنا العباس بن عثمان، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا دخل أحدكم المسجد، فليصل ركعتين قبل أن يجلس . هذا حديث اتفقا على تخريجه، ولما ذكره ابن حبان في صحيحه، زاد: قبل أن يجلس أو يستخبر، وعند ابن القطان بسند عنه مرفوع عند ابن أبي شيبة: أعطوا المساجد حقها قيل: يا رسول اللّه، وما حقها؟ قال: ركعتين قبل أن تجلس وقال الترمذي : روى سهيل هذا الحديث عن عامر عن عمرو، عن جابر، وهو غير محفوظ، وقال ابن المديني : حديث سهيل خطأ، وقال ابن ماجه في بعض النسخ: رواه الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن عامر، عن أبي قتادة وهو وهم، وذكر البيهقي أنّ الشافعي قال: ذلك على سبيل الاختيار لا الفرض، قال: ولم أعلم مخالفا أن من تركها لم يقضهما، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قدم من سفر فوجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعدا في المسجد فقصد إليه ليخبره عن عمرو بن العاص، وكان معه في جيش قال: فأتيته ولم أركع، ثم دخل عمرو فركع قبل أن يأتيه، فظننت أو علمت أنه سيظفر، قال: ولم يحك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره بأن يقضي، تركه أن يبدأ بالنافلة . وحكى عياض عن داود وأصحابه وجوبها، وقال النووي: هي سنة بإجماع، فإن دخل وقت كراهة فكره أبو حنيفة والليث والأوزاعي صلاتهما خلافا للشافعي، وحكي عنه أيضَا الكراهة، والله تعالى أعلم.

669

238 - حدثنا أبو مروان العثماني، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أكل من هذه الشجرة - يعني: الثوم - فلا يؤذينا بها في مسجدنا هذا قال إبراهيم: وكان أبي يزيدُ فيه: الكراث والبصل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعني أنه يزيد على حديث أبي هريرة في الثوم. هذا حديث خرجه أيضَا بلفظ: فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم .

670

239 - حدثنا محمد بن الصباح، ثنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أكل من هذه الشجرة شيئا فلا يأتين المسجد . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، ولفظ مسلم: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في غزوة خيبر : من أكل من هذه الشجرة - يعني: الثوم - فلا يأتين المساجد وفي لفظ للبخاري: فلا يقربن مسجدنا وفي الأوسط : حتى يذهب ريحها منه ذكره من حديث رشدين بن سعد، وتفرد به . وفي الباب: حديث جابر بن عبد الله عندهما قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته وإنه أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل، فأخبر بما فيها من البقول فقال: قربوها إلى بعض أصحابه، فلما رآه كره أكلها قال: كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي . وفي لفظ لمسلم: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم . وفي الأوسط : من حديث هشام بن حسان، عن أبي الزبير عنه مرفوعا: من أكل من الخضراوات: البصل والثوم والكراث والفجل الحديث، وقال: لم يروه عن هشام إلا يحيى بن راشد البراء، تفرد به سعيد بن عفير، ثنا به أحمد بن حماد بن زغبة . وفي مسند الحميدي بسند على شرط الشيخين: سئل جابر عن الثوم، فقال: ما كان بأرضنا يومئذ ثوم، إنما الذي نهي عنه البصل والكراث وفي سيرة ابن إسحاق عن أبي أيوب الأنصاري: وقال محمد بن جرير في كتاب التهذيب، وروى المعافى بن عمران عن الربيع بن صبيح عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن أكل البصل والكراث وروى حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نهى عن أكل البصل والكراث والثوم، فقلنا: حرام هو؟ قال: لا . وفي الأوسط: اجتنبوا هذه الشجرة المنكرة، من أكلها فلا يقربن مسجدنا وفي لفظ: حتى يذهب ريحه قال الطبراني: وثنا عمرو بن علي، ثنا معاذ، ثنا خالد بن ميسرة، ثنا معاوية بن قرة، عن أبيه قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أكل هاتين الشجرتين الخبيثتين، وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا، يعني: البصل والثوم، فإن كنتم لا بد آكليها فأميتوهما طبخا . وعند ابن حبان في صحيحه من حديث حذيفة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثا قال إسحاق: يعني الثوم. وعند الطبراني في الأوسط من حديث عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا - يعني: الثوم - وقال: لم يروه عن الزهري عن عباد إلا إبراهيم بن سعد، تفرد به معن القزاز . ومن حديث بقية عن بحير عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني قال: غزونا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصبنا بصلًا وثومًا فأكلوا منه والقوم جياع فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا في مسجدنا وعند الشيخين من حديث أنس، وسئل عن الثوم فقال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصل معنا وقد وردت أحاديث ظاهرها معارض لما تقدم، منها ما روينا في الغيلانيات، عن يحيى بن عبد الباقي، ثنا لوين، ثنا زافر بن سليمان، عن إسرائيل، عن مسلم، عن حبة، عن علي قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كل الثوم فلولا أني أناجي الملك لأكلته ورويناه في كتاب الحلية لأبي نعيم قال: ثنا فاروق، ثنا الكجي أن عبد الله بن رجاء قال: ثنا إسرائيل عن مسلم الأعور بلفظ: أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأكل الثوم وفي التهذيب لابن جرير: ثنا أبو عامر السكري، ثنا يحيى بن صالح، ثنا إسماعيل بن سعد، ثنا خالد بن معدان، عن خيار بن سلمة أنه سأل عائشة عن البصل فقالت: إن آخر طعام أكله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعام فيه بصل . ولما رواه في الأوسط من حديث بقية عن بحير بن سعد، عن ابن معدان، عن جبير بن نفير قال: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به بحير، انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لما أسلفناه . وفي صحيح البستي عن المغيرة بن شعبة قال: انتهيت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوجد مني ريح الثوم، فقال: من أكل الثوم؟ قال: فأخذت يده فأدخلتها فوجد صدري معصوبا فقال: إن لك عذرا ولفظ أبي داود: أكلت ثوما وأتيت مصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد سبقت بركعة، فلما دخلت المسجد وجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ريح الثوم، فلما قضى صلاته قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها أو ريحه فلما قضيت الصلاة جئت إليه فقلت: يا رسول الله، لتعطيني يدك، قال: فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري فإذا أنا معصوب الصدر، فقال: إنَّ لك عذرا وفي الأوسط: فقلت: اشتكيت صدري فأكلته فلم يعنفه. جماعة العلماء قالوا: هو صريح في نهي من أكل من هذه الشجرة أن يدخل المسجد إلا ما حكاه عياض عن بعضهم أنه خاص بمسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي حلال بإجماع إلا شيئا حكاه بعضهم عن أهل الظاهر بأنها حرام؛ لأنها تمنع من حضور الجماعة، وهي فرض عين عندهم، قال القاضي: ويلحق به أكل الفجل، انتهى، قد أسلفنا ذكر الفجل في حديث مرفوع فلا حاجة بنا إلى قياسه على غيره، وقال ابن المرابط: ويلحق به أيضًا الأبخر، والذي لجرحه رائحة كريهة، قال القرطبي: استدل بعضهم على أنّ من يتكلم في الناس، ويؤذيهم بلسانه في المسجد أنه يخرج منه ويبعد عنها.

671

باب من أكل الثوم فلا يقربن المسجد 237 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري أن عمر بن الخطاب قام يوم الجمعة خطيبَا أو خطب يوم الجمعة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إنكم تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا الثوم وهذا البصل، ولقد كنت أرى الرجل على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوجد ريحه منه فيؤخذ بيده حتى يخرج إلى البقيع، فَمن كان آكلها فليمتها طبخا . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه .

672

241 - حدثنا محمد بن رمح المصري، أنبأ الليث بن سعد عن أبي الزبير، عن جابر قال: بعثني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجة ثم أدركته وهو يصلي، فسلَّمت عليه، فأشار إلي فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت علي آنفا، وأنا أصلي . هذا حديث خرجه مسلم بزيادة: وهو موجه حينئذ قبل المشرق

673

باب المصلي يسلم عليه كيف يرد؟ . 240 - حدثنا علي بن محمد الطنافسي، ثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسجد قباء يصلي فيه فجاءت رجال من الأنصار يسلمون عليه فسألت صهيبا، وكان معه كيف كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرد عليهم؟ قال: كان يشير بيده . هذا حديث لما خرجه أبو داود وأحمد في مسنده، والترمذي بلفظ: فقلت لبلال: كيف كان يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول: هكذا وبسط جعفر - يعني: ابن عون - كفه، وجعل بطنه إلى أسفل وظهره إلى فوق قال: هذا حديث حسن صحيح، وخرج حديث صهيب بلفظ: مررت بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة . وقال الراوي: لا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه، قال: هذا حديث حسن، قال: وكلا الحديثين عندي صحيح، لأن قصة صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعا، زاد في العلل: ورواه زيد بن أسلم عن ابن عمر، عن بلال

674

242 - حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال: ثنا النضر بن شميل، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كنا نسلم في الصلاة فقيل لنا: إن في الصلاة لشغلا . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، وعند البيهقي: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي، فسلمت عليه فأومأ برأسه وعند الدارقطني من حديث أبي غطفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته وقال: قال لنا ابن أبي داود : أبو غطفان هذا رجل مجهول، والصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه: كان يشير في الصلاة . وحديث أنس بن مالك : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يشير في الصلاة رواه أبو داود بسند جيد، وفي الأوسط: ورواه عن الأوزاعي عن الزهري عن أنس: لم يروه عن الأوزاعي إلا يزيد بن السمط، تفرد به سلامة بن بشر . وفي الصحيح حديث أم سلمة في الركعتين بعد العصر وإشارته عليه الصلاة والسلام لجاريتها وسيأتي إن شاء الله تعالى. وحديث أبي سعيد : أن رجلا سلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة، فردّ عليه إشارة فلما سلم قال: كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك . قال الطبراني في الأوسط: ورواه من حديث ابن عجلان عن زيد بن أسلم، عن عطاء عنه: لم يروه عن ابن عجلان إلا الليث، حدثني به مطلب بن شعيب، عن عبد الله بن صالح كاتبه . وفي البخاري حديث أسماء: وسألت عائشة، فأشارت بيدها نحو السماء، فقلت: آية، فأشارت: أن نعم الحديث بطوله، وسيأتي.

675

باب من صلى لغير القبلة وهو لا يعلم 243 - حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو داود، ثنا أشعث بن سعيد أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر، فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة، فصلينا، وأعلمنا، فلما طلعت الشمس إذا نحن قد صلينا لغير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ .

676

246 - حدثنا هناد بن السري وعبد الله بن عامر بن زرارة قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل عن حذيفة أنه رأى شبث بن ربعي بزق بين يديه فقال: يا شبث لا تبزق بين يديك، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينهى عن ذلك، وقال: إن الرجل إذا قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه حتى ينقلب أو يحدث حدث سوء . هذا حديث إسناده صحيح، وخرج ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، عن يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عدي بن ثابت، عن زر، عن حذيفة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه

677

باب المصلي يتنخم 244 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا صليت فلا تبزقن بين يديك، ولا عن يمينك، ولكن ابزق عن يسارك أو تحت قدمك . هذا حديث قال فيه الترمذي والطوسي : حسن صحيح، وقال الحاكم لما خرجه بلفظ: ولكن ابصق تلقاء شمالك إن كان فارغا أو تحت قدمك وقال برجله كأنه يحكه بقدمه : هذا حديث صحيح على ما أصلته من تفرد التابعي عن الصحابي. انتهى. ربعي لم ينفرد عن طارق، قد روى عنه أيضا جامع بن شداد المحاربي، وألزم الدارقطني الشيخين تخريج حديث طارق لصحة الطريق إليه، ولما رواه عبد الله عن أبيه، ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان بزيادة: وابزق خلفك قال: قال أبي : لم يقل وكيع ولا عبد الرزاق: وابزق خلفك، وقالا: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الدارقطني : وهم يحيى في قوله: خلفك، وخالفه الحفاظ من أصحاب الثوري: وكيع، وعبد الرزاق، وعبد الرحمن، والفريابي وغيرهم، ورواه أصحاب منصور عن منصور، لم يقل أحد منهم: وابزق خلفك، وهذا مما يعتد به على يحيى، وفي الأوسط : ولكن ابصق تلقاء شمالك إن كان فارغا أو تحت قدمك، وقال: لم يروه عن غيلان بن جامع - يعني: عن منصور - إلّا يعلى بن الحارث المحاربي

678

245 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبله - يعني ربه - فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ إذا بزق أحدكم فليبزق عن شماله أو ليقل هكذا في ثوبه ثم أراني إسماعيل يبزق في ثوبه، ثم يدلكه، هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه. ولفظ البخاري: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله عز وجل ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها . وفي العلل للخلال: قال مهنأ : سألت أبا عبد الله عن ابن مهران فقال: ثقة، وما أعرف له غير حديث واحد، يعني هذا، قلت: من أبو رافع؟ قال: الصائغ الذي يحدث عن عمر في القبور، وعند أبي القاسم من حديث عبد الرحمن بن أبي حدرد عنه سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من دخل المسجد فبصق فليحفر له، وليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه ثم يخرج به وقال: لم يروه عن عبد الرحمن إلا أبو مودود

679

247 - حدثنا زيد بن أخزم وعبدة بن عبد الله قالا: ثنا عبد الصمد حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بزق في ثوبه وهو في الصلاة ثم دلكه . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ: إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه . وفي الباب: حديث ابن عمر: رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصاقا في جدار القبلة فحكه ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبزق قبل وجهه؛ فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى . وحديث أبي سعيد الخدري من عند البخاري: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى نخامة في قبلة المسجد فحكّها بحصاة ثم نهى أن يبصق الرجل عن يمينه أو أمامه، ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى . وخرجه الحاكم بلفظ: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعجبه العراجين أن يمسكها بيده فدخل المسجد ذات يوم وفي يده واحد منها، فرأى نخامات في قبلة المسجد فحتهن حتى أنقاهن، ثم أقبل على الناس مغضبا، فقال: أيحب أحدكم أن يستقبله رجل فيبصق في وجهه، إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه، والملك عن يمينه فلا يبصق بين يديه، ولا عن يمينه، وليبصق تحت قدمه اليسرى، أو عن يساره، وإن عجلت به بادرة فليقل هكذا في طرف ثوبه ورد بعضه على بعض : هذا حديث صحيح مفسر في هذا الباب على شرط مسلم . وحديث عبد الله بن الشخير من عند مسلم: أنّه كان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فتنخع فدلكها بنعله اليسرى . ومن حديث الصلت بن دينار عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على البلاط وعليه نعلاه فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكها بالأرض . وقال الطبراني : لم يروه عن الصلت إلا سعيد بن سالم، تفرد به عبد الله بن عمر بن أبان . وحديث داود بن علي عن أبيه، عن ابن عباس قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه قال الطبراني : لم يروه عن داود إلا ابن أبي ليلى، ولا عن ابن أبي ليلى إلا النضر بن إسماعيل، تفرد به الشاذكوني . وحديث السائب بن خلاد من عند أبي داود أن رجلا أم قومه فبصق في القبلة ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينظر، فلما فرغ قال: لا يصلي لكم فمنعوه فذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: نعم، وحسبت قال: آذيت الله ورسوله . ولما ذكره الطبراني في الأوسط قال: لم يرو هذا الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عمرو بن الحارث . وحديث أبي سعد قال: رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على البوري ثم مسحه بنعله ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله وحديث عائشة: رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جدار القبلة مخاطا أو بزاقا أو نخامة فحكه خرجاه في الصحيح. وحديث أبي ذر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن أخرجه مسلم. وحديث جابر قال: أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي يده عرجون فرأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون، فقال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه ثلاثا؟ قلنا: لا أينا يا رسول الله، قال: إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت قدمه اليسرى الحديث، رواه أيضا. غريبه: يقال: نخم الرجل نَخَما ونَخْما، وتنخم دفع بشيء من صدره أو أنفه، قال ابن سيده: واسم ذلك الشيء: النخامة والنخاعة: ما تفله الإنسان كالنخامة، وتنخع الرجل: رمى بنخاعته. وقال أبو موسى الحافظ، والمطرزي في المغرب: النخامة ما يخرج من الخيشوم، وزعم ابن قرقول أنها من الصدور، وهي البلغم اللزج، وقال ابن الأثير: هي البزقة التي تخرج من أصل الحلق من مخرج الخاء المعجمة، وقيل: النخاعة بالعين من الصدر وبالميم من الرأس. وفي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليبزق تحت قدمه وعن يساره ؛ قال النووي: هذا في غير المسجد، وأما المصلي في المسجد فلا يبزق إلّا في ثوبه، وهو دليل على طهارته إجماعا إلا ما حكى الخطابي عن النخعي أنه نجس، قالوا: وليس بصحيح عنه، وحكي ذلك أيضَا عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه وزعم عياض: أن البزاق في المسجد ليس بخطيئة إلّا في حقّ من لم يدفنه، وأمّا من أراد دفنه فليس بخطيئة إذا دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاه إن كان فيه وإلا فيخرجها، وحكى الروياني: المراد بذلك إخراجها مطلقَا، فإن لم تكن المساجد تربة وكانت ذات حصر فلا يجوز احتراما للمالية، والله أعلم.

680

249 - حدثنا محمد بن الصباح وعبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة حدثني معيقيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسح الحصى في الصلاة: إن كنت فاعلا فمرّة واحدة . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما بلفظ: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد وفي لفظ لمسلم: سألوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المسح في الصلاة فقال: واحدة وفي الأوسط: سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيسوي الرجل الحصى وهو يصلي؟ قال: إن كان لا بد فمرة واحدة

681

باب مسح الحصى في الصلاة 248 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من مس الحصى فقد لغا . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما مطولا، وسيأتي في باب الجمعة إن شاء الله تعالى .

682

250 - حدثنا هشام بن عمار ومحمد بن الصباح قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص الليثي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى . هذا حديث خرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن ابن أبي الدميك، ثنا إبراهيم بن زياد، ثنا سفيان به، وقال أبو القاسم ابن عساكر: أبو الأحوص لا يعرف له اسم، ولم يرو عنه غير الزهري. وفي مسند ابن عيينة: فلا يمسح إلا مرة وفي لفظ للإمام أحمد: سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصى فقال: واحدة أو دع وعنده أيضَا من حديث جابر بن عبد الله قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة كلها سود الحدقة، فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح مسحة واحدة . وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصير لموضع سجودهم مرة واحدة، وكرهوا ما زاد عليها، يرون ذلك من العمل القليل المعفو عنه، روي ذلك عن ابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة، وبه يقول الأوزاعي وأهل الكوفة، والله تعالى أعلم.

683

94 - حدثنا بشر بن معاذ الضرير، ثنا بشر بن المفضل، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل قال: قلت: لأنظرنّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف يصلي؟ فقام فاستقبل القبلة ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، فلما ركع رفعهما مثل ذلك، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك . هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه عن سعيد بن عبد الرحمن، ثنا سفيان عن عاصم بلفظ: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس، وخرجه ابن حبان عن الفضل بن الحباب، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا زائدة بن قدامة، ثنا عاصم فذكره مطولًا. ولما ذكره أبو عمر في التمهيد قال فيه: وإذا رفع رأسه من السجود رفع يديه، فلم يزل يفعله كذلك حتى فرغَ من صلاته . قال أبو عمر : عارض هذا الحديث حديث ابن عمر: كان لا يرفع بين السجدتين ووائل صحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أياماً قلائل، وابن عمر صحبه حتى توفي، فحديثه أولى أن يؤخذ به ويتبع . انتهى. قد روى أبو داود والنسائي هذه اللفظة من حديث مالك بن الحويرث. وقال ابن القطان: لا معارضة بينهما على الموطن الذي هو ما بين السجدتين

684

باب رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع 87 - حدثنا علي بن محمد، وهشام بن عمار، وأبو عمر الضرير قالوا: ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما، وعند أبي داود: وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ويرفع ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال أبو داود : الصحيح قول ابن عمر، ليس بمرفوع، ورواه الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع أوقفه على ابن عمر، وقال فيه: وإذا قام من الركعتين يرفعهما إلى ثدييه وهذا الصحيح، ورواه الليث، ومالك، وأيوب، وابن جريج موقوفا، وأسنده حماد بن سلمة وحده، عن أيوب، لم يذكر أيوب، ومالك، الرفع إذا قام من السجدتين، وذكره الليث في حديثه. وفي المعرفة: كان عبد الله إذا رأى رجلا لا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، ورفع رأسه حصبه، وفي الأوسط مرفوعا عنه: يرفع يديه عند التكبير في كل صلاة، وفي الجنائز. رواه عن موسى بن عيسى، ثنا صهيب بن محمد، ثنا عباد بن صهيب، ثنا عبد الله بن محرر عن نافع عنه

685

88 - حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا يزيد بن زريع، ثنا هشام ثنا قتادة عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا كبر رفع يديه حتى يجعلهما قريبا من أذنيه، وإذا ركع صنع مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع صنع مثل ذلك . هذا حديث خرجاه أيضا، وعند مسلم: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه وذكر ابن ماجه هنا حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة، وقد ذكرناه قبل، وفيه: رفع اليدين عن العشرة من عند ابن أبي حاتم.

686

89 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهشام بن عمار قالا: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع يديه في الصلاة حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد . هذا حديث في سنده ضعف؛ لما أسلفناه من حال إسماعيل، وفي علل ابن أبي حاتم: سمعت أبي وثنا عن وهب بن بيان، عن حفص بن النجار، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: كان أبو هريرة يصلِّي بنا، فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فإذا سلم التفت إلينا، وقال: إني أشبهكم صلاة بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قال: هذا خطأ، إنما يروى هذا الحديث أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين .

687

90 - حدثنا هشام بن عمار، ثنا رفدة بن قضاعة الغساني، ثنا الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب الليثي قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة . هذا حديث في سنده ضعف؛ لضعف رفدة بن قضاعة مولى غسان ، فإنه وإن قال فيه هشام بن عمار تلميذه : كان ثقة ، فإنّ الساجي قال: في حديثه مناكير، وذكر حديثه هذا في كتاب الموضوعات تأليفه . وقال الجوزقاني : كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عن الأثبات بالأشياء المناكير؟ وكذا قاله ابن حبان ، وزاد: روى عن الأوزاعي أنَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع يديه في كل خفض ورفع . قال أبو حاتم : وهذا خبر إسناده مقلوب، ومتنه منكر؛ ما رفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه في كل خفض ورفع قط، وأخبار الزهري عن سالم عن أبيه تصرح بضده، وأنه لم يكن يفعل ذلك بين السجدتين ، وقال ابن عدي : لا يتابع على حديثه، ولم أر له إلا حديثا يسيرا، وحديث الرفع يعرف به، وقد روى عن أحمد بن أبي روح البغدادي، وكان يسكن جرجان عن محمد بن مصعب، عن الأوزاعي ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وقال أبو حاتم الرازي : منكر الحديث . وقال أبو جعفر العقيلي : لا يتابع ، وقال مهنا : سألت أحمد ويحيى عن حديثه هذا، فقال: ليس بصحيح، ولا يعرف عبيد بن عمير يحدث عن أبيه شيئا، ولا عن جده، ولا يعرف رفدة، وقال عن رفدة: قد سمعت به، وهو شيخ ضعيف، ولو كان جاء بهذا رجل معروف مثل هقل كان عسى .

688

91 - حدثنا العباس بن عبد العظيم، ثنا سليمان بن داود أبو أيوب الهاشمي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذَلك . هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف المذكور قبل، ومن طريقه رواه أبو داود بلفظٍ: ويفعل مثل ذلك إذا قضى قراءته، وإذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر وهذا هو المذهب الموجب لتضعيف الطحاوي له، ورواه الترمذي عن محمود: ثنا أبو داود الطيالسي ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة قال: حدثني عمي عن الأعرج بلفظ: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد . وقال: حديث علي حديث حسن صحيح، ورواه مطولاً ابن خزيمة في صحيحه، ورواه البزار في مسنده مطولا ثم قال: وهذا الكلام روى نحوه وقريبًا منه محمد بن مسلمة وأبو رافع، وجابر، وأتمهم لهذا الحديث كلاماً وأصحه إسنادا حديث علي، وإنما احتمله الناس على صلاة الليل - يعني: الدعوات التي فيه وفي كتاب الخلال عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي: سئل أبو عبد الله، عن حديث علي مرفوعاً في الرفع، فقال: صحيح . وفي التمهيد : روى عبد الرحمن بن خالد بن نجيح عن مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن علي، ولا يصح فيه عن مالك إلا إرساله . ولما ذكر الدارمي حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن علي أنه كان يرفع في التكبيرة الأولى ثم لا يرفع في شيء منها، رده بضعف أبي بكر النهشلي الرازي عن عاصم، وبأنّ علياً لا يجوز له ترك فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويفعل غيره. وفي سنن البيهقي من حديث عيسى بن موسى عمن حدثه، عن مقاتل بن حيان عن الأصبع بن نباتة عن علي قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال لجبريل: ما هذه النحيرة؟! فقال: إنها ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رفع الأيدي من الاستكانة التي قال الله تعالى: فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ

689

92 - حدثنا أيوب بن محمد الهاشمي ثنا عمر بن رياح عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع يديه عند كل تكبيرة. هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف عمر بن أبي رياح أبي حفص الضرير البصري ؛ فإن أبا حفص الفلاس قال: هو دجال . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب . وقال النسائي والدارقطني : متروك ، وفي كتاب أبي داود من حديث النضر بن كثير السعدي قال: صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس، فكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه فأنكرت ذلك، فقال: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس يصنعه، ولا أعلمه إلّا أنه قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنعه . صححه ابن القطان، وقال أبو أحمد النيسابوري : هذا حديث منكر من حديث ابن طاوس، وعند أبي داود أيضا من حديث ابن لهيعة عن ميمون المكي: أنه رأى عبد الله بن الزبير، وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام فيقوم فيشير بيديه، فانطلقت إلى ابن عباس فوصفت له هذه الإِشارة، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاقتد بصلاة ابن الزبير.

690

93 - حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الوهاب، ثنا حميد، عن أنس: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة وإذا ركع . هذا حديث قال البيهقي : سنده صحيح، محتج به، وكأنه لم ير ما قاله ابن أبي حاتم: سمعت أبي وذكر حديثاً رواه محمد بن الصلت، عن أبي خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع الحديث. فقال: هذا حديث كذب لا أصل له وقال الدارقطني : لم يروه عن حميد مرفوعا غير عبد الوهاب، والصواب من فعل أنس، وقال الترمذي في العلل الكبير: ثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الوهاب الثقفي به، فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: ثنا به محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي، ثنا عبد الوهاب قال محمد: وعبد الوهاب صدوق صاحب كتاب، وقال غير واحد من أصحاب حميد، عن حميد، عن أنس فعله، ولما خرجه البيهقي من حديث محمد بن يحيى بن فياض، عن عبد الوهاب زاد: وإذا رفع رأسه من الركوع . وفي كتاب أبي قرة بسند صحيح عن سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصم، أنه سمع أنساً يقول: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر وعثمان يتمون التكبير في الصلوات كلها كلما خفضوا للسجود، وكلما رفعوا، وإذا قاموا من الجلوس للركعتين . وفي الأوسط من حديث ليث قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود، ثنا أنس قال: صليت وراء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر، وعمر، فكلهم كان يرفع يديه الحديث، وقال: لم يروه عن عبد الرحمن إلا ليث، تفرد به إبراهيم بن محمد الأسلمي، ومن حديث العرزمي عن قتادة قال: قلت لأنس: أرنا صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فكان يرفع يديه مع كل تكبيرة . وقال: لم يروه عن قتادة إلا العرزمي . ولما ذكر الطحاوي حديث أنس في الآثار قال: هم يزعمون أنه أخطأ والحفاظ يوقفونه على أنس .

691

95 - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو حذيفة، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر أنه: كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، ويقول: رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل مثل ذلك، ورفع إبراهيم يديه إلى أذنيه . هذا حديث إسناده صحيح محتج به، قال البيهقي : ولو لم يقله لقلناه . واسم أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، خرج البخاري حديثه في صحيحه. وفي الباب: حديث أبي هريرة : أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، وقال: إني لأعلمكم بصلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذه كانت صلاته . ذكره أبو قرة في مسنده بسند صحيح عن مالك عن الزهري، عن أبي سلمة عنه، في صحيح ابن خزيمة، ومن حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان مولى الأزرقيين عنه أنه قال: ثلاث كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعلهن فتركهن الناس: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله تعالى من فضله، وكان يكبر في الصلاة كلما سجد ورفع . ولما ذكر الإشبيلي حديث محمد بن مصعب القرقساني عن مالك عن ابن شهاب قال: الصحيح من رواية الثقات الحفاظ عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه: كان يصلي لهم، فيكبر في كل خفض ورفع، ولا يعرف غير هذا، وابن مصعب كانت فيه غفلة ، وحديثه هذا ذكره أبو نصر المروزي والدارقطني وغيرهما، وذكره أبو عمر في التمهيد بلفظ: وكان لا يرفع اليدين إلا حين يفتتح الصلاة، ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وحديث عمر بن الخطاب من عند الدارقطني: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع . وحديث أبي موسى قال: هل أريكم صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فكبر ورفع يديه، ثم كبر ورفع يديه للركوع، ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه، ثم قال: هكذا فاصنعوا، ولا يرفع بين السجدتين . رواه أبو الحسن في كتاب السنن بسند صحيح من حديث النضر بن شميل، وزيد بن حباب، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن حطان بن عبد الله عنه، وقال: رفعه هذان عن حماد، ووقفه غيرهما عنه. وحديث عبد الله بن مسعود المصحح عند الترمذي، والطوسي قال: أنا رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكبر في كلّ خفض ورفع، وقيام وقعود، وأبا بكر وعمر - رضى الله عنهما - وحديث عطاء بن أبي رباح قال: صليت خلف عبد الله بن الزبير، وقال عبد الله: صليت خلف أبي بكر الصديق. وقال أبو بكر : صليت خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع . قال البيهقي وخرجه في سننه: رواته ثقات، ومرسل سليمان بن يسار رواه الشافعي عمن يثق به، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عنه: أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع يديه حين يكبر للافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع ومالك في موطئه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن هشيم، ثنا يحيى بن سعيد فذكره. وحديث رواه أبو نعيم بن دكين في كتاب الصلاة عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: حدثني من سمع الأعرابي يقول: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه حتى بلغ أو حاذى بهما فروع أذنيه، كأنهما مروحتان وثنا إسماعيل بن مسلم، حدثني الحسن أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان إذا أراد أن يكبر رفع يديه لا يجاوز أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، لا يجاوز أذنيه ومرسل قتادة: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع . رواه عبد الرزاق في الجامع، قال البخاري: وقد روي عن تسعة عشر نفرا من الصحابة: أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، منهم: أبو قتادة، وأبو أسيد الساعدي، ومحمد بن مسلمة، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن الزبير، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حميد الساعدي، زاد ابن الأثير في شرح المسند: أبا سعيد الخدري، وزاد البيهقي: أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر الجهني، وعبد الله بن جابر البياضي. وقال الحاكم أبو عبد الله: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الخلفاء الأربعة، ثم العشرة المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال البيهقي: وهو كما قال شيخنا، فقد رويت هذه السنة عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة، ومالك بن الحويرث، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبي موسى، وابن عباس، والحسين بن علي، وسهل بن سعد، وأبي سعيد، وأبي قتادة، وسلمان الفارسي، وعقبة بن عامر، وبريدة، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمار، وأبي أمامة، وعمير بن قتادة الليثي، وأبي مسعود، وعائشة، وأعرابي له صحبة، وقال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: رفع اليدين قد صحّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم عن الصحابة والتّابعين. وقال القاضي أبو الطيب: قال أبو علي: روى الرفع عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نيف وثلاثون صحابيا، زاد ابن حزم: أم الدرداء، والنعمان بن عياش، وجملة الصحابة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يرفع يديه إلّا في تكبيرة الإحرام خاصة، وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى. قال ابن شداد في الدلائل: وبه قال النخعي، والشعبي، وهو المشهور، والمعمول به عند مالك في رواية ابن القاسم. وفي كتاب ابن حزم: الرفع رواية أشهب، وابن وهب، وأبي المصعب وغيرهم عن مالك أنه كان يفعله ويفتي به، وقال الخطابي: قال به مالك في آخر أمره، واستدلّ لأبي حنيفة بما رواه وكيع عن سفيان عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود : ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فصلى؛ فلم يرفع يديه إلَّا في أول مرة. قال الترمذي وأبو علي الطوسي : حديث ابن مسعود حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعين، وهو قول سفيان، وأهل الكوفة. انتهى. واعترض على هذا بما ذكره أبو داود في رواية ابن العبد قال: هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس بصحيح على هذا اللفظ، وبما قاله أبو حاتم في كتاب العلل: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري، وروى هذا الحديث عن عاصم جماعة فقالوا كلهم: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق ولم يقل أحد ما روى الثوري، وبما ذكره الترمذي: قال عبد الله بن المبارك : وقد ثبت حديث من يرفع، وذكر حديث سالم عن أبيه، ولم يثبت حديث ابن مسعود: لَم يرفع إلَّا في أول مرة، وبما ذكره البيهقي عن الحاكم : أنَّ عاصم بن كليب لم يخرج له حديث في الصحيح، وبما قاله المنذري : وقال غيره: يعني غير الحاكم: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة، ويجاب عن الأول أنه لم يصرح بضعفه، إنما تعرض للفظه. وعن الثاني أنّ عدم ثبوته عند ابن المبارك لا يمنع من اعتبار رجاله، والنظر في أمره، والحديث يدور على . الثاني: تصريح الخطيب في كتاب المتفق والمفترق بسماعه من علقمة، ويؤيده قول ابن حبان: سنه سن إبراهيم النخعي، ولأنا لم نر مخالفاً لذلك، فعلى هذا يكون حديثاً صحيحاً لا حسناً. وفي كتاب ابن عدي من حديث محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله فذكره، وقال: لم يوصله عن حماد غير . وفي كتاب البيهقي: رواه حماد بن سلمة عن حماد، عن إبراهيم عن عبد الله مرسلا، قال الحاكم : هذا هو المحفوظ، وإبراهيم لم ير ابن مسعود، فالحديث منقطع، ومحمد بن جابر تكلّم فيه أئمة الحديث، وقال الدارقطني: تفرد به ابن جابر وكان ضعيفاً، عن حماد وغيره يرويه عن إبراهيم عن عبد الله من فعله غير مرفوع، وهو الصواب، وفي العلل لعبد الله بن أحمد : ذكرت لأبي حديث ابن جابر - يعني: هذا فقال: هذا حديث منكر، وأنكره جداً، قال: وذكرت لأبي حديث الثوري عن حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله أنه كان يرفع يديه في أوّل الصلاة ثم لا يعود، فقال: ثناه هشيم عن حصين عن إبراهيم، لم يجز به إبراهيم، وهشيم أعلم بحديث حصين، وفي كتاب الخلال: قيل لأبي عبد الله : أثبت عن ابن مسعود بإسناد موصول؟ قال: لا، إنما هو إبراهيم عن عبد الله. وفي المصنف: عن وكيع، عن شريك، عن جابر، عن الأسود، وعلقمة أنهما كانا يرفعان أيديهما إذا افتتحا ثم لا يعودان. انتهى. ذكر الطحاوي في المشكل عن الأعمش أن إبراهيم قال له: إذا قلت: قال عبد الله: فلم أقل ذلك حتى يحدثني به جماعة، وإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني. وفي شرح الآثار للطحاوي من حديثه عن ابن أبي داود، عن نعيم بن حماد، عن وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله مرفوعًا: ثم لا يعود قال: ثنا محمد بن النعمان، ثنا يحيى بن محمد، ثنا وكيع فذكره، وبحديث رواه شريك عند أبي داود عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود . ورواه من حديث سفيان عن يزيد نحو حديث شريك، لم يقل: ثم لا يعود. قال سفيان: قال لنا بالكوفة بعد: ثم لا يعود. قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم، وخالد، وابن عيينة، وابن إدريس عن يزيد: لم يذكروا: ثم لا يعود، ولما ذكر الشافعي قول سفيان، قال: ذهب سفيان إلى تغليط يزيد، وفي كتاب ابن عساكر في ترجمة الأوزاعي: حديث يزيد في رفع اليدين مخالف للسنة. وفي التمهيد: قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث تفرد به يزيد، ورواه عنه الحفاظ، لم يذكر واحد منهم فيه قوله: ثم لا يعود وقال البزار: لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين قوله: ثم لا يعود . وفي كتاب الدوري عن يحيى: ليس هو بصحيح الإسناد. وفي كتاب البيهقي عن الإِمام أحمد: هذا حديث واهٍ، قد كان يزيد يحدّث به، لا يذكر: ثم لا يعود فلما لقن أخذه، فكان يذكره فيه، وذكره الدارقطني عن يزيد، عن عدي بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وهذا هو الصواب، وفي موضع آخر: عن يزيد عن عبد الرحمن: سمعت البراء يحدث قوما منهم: كعب بن عجرة فذكره، وفي لفظ عن علي بن عاصم قال: سألت يزيد فقلت: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد! قال: لا أحفظ هذا، فعاودته فقال: ما أحفظ هذا. رواه الدارقطني عن أبي بكر الآدمي عن عبد الله بن محمد بن أيوب عنه. وقال الخطابي: لم يقل أحد في هذا: ثم لا يعود غير شريك. انتهى. يخدش في هذا الاعتراض ما رواه البيهقي في الخلافيات من طريق النضر بن شميل، عن إسرائيل، عن يزيد حفظ: ورفع يديه حذو أذنيه ولم يعد فهذه متابعة لشريك صحيحة، ورواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن زكريا، عن يزيد مثله، والطبراني في الأوسط من حديث حفص بن عمر الثقفي، ثنا حمزة الزيات عنه بنحوه، وقال: لم يروه عنه إلّا حفص، تفرد به محمد بن حرب، ثم نظرنا بعد في حال يزيد، فوجدنا العجلي قال: هو جائز الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: يزيد وإن كان قد تكلّم فيه لتغيّره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور والأعمش، فهو مقبول القول عدل ثقة . وقال أبو داود : ثَبت لا أعلم أحدا ترك حديثه، وغيره أحبّ إلي منه . وقال ابن سعد : كان ثقة في نفسه، إلّا أنه اختلط في آخر عمره ، ولما ذكره ابن شاهين في الثقات قال: قال أحمد بن صالح : يزيد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلّم فيه ، ولما خرج ابن خزيمة حديثه في صحيحه قال: في القلب منه . وقال الساجي : صدوق ، وقال ابن حبان : كان صدوقا، إلا أنه لما كبر تغيّر، فسماع من سمع منه قبل التغيّر صحيح، وذكره مسلم فيمن شمله اسم الستر والصدق وتعاطى العلم، وخرّج حديثه على ما في الكمال وغيره في الأصول . وذكره البخاري في كتاب اللباس في قوله: قال جرير عن يزيد: القسية: ثياب، فلما كانت حاله بهذه المثابة جاز أن يحمل أمره على أنه حدّث ببعض الحديث تارة وبجملته أخرى، أو يكون قد نسي أولا ثم تذكر آخِرا. فإن قيل: مما يدل على أنه لم يحفظ ما رواه إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان عن يزيد عن عبد الرحمن، عن البراء قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع يديه وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع . قال الحاكم أبو عبد الله : لا أعلم ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن ابن عيينة غير الرمادي وهو ثقة، قيل له: إبراهيم بن بشار وصف بالوهم فجائز أن يكون وهم في هذا، بيان ذلك ما قال فيه أبو محمد بن الجارود: هو صدوق، وربما وهم في الشيء بعد الشيء . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه فلم يعجبه، وقال: كان يكون عند ابن عيينة فيقوم فيجيء إليه الخراسانية فيملي عليهم ما لم يقل ابن عيينة فقلت له: أما تتقي الله؟ أما تراقب الله؟ وأنكر عليه البخاري في تاريخه حديثا، وكذلك غيره، وقد وجدنا ليزيد متابعا عن عبد الرحمن من رواية وكيع عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى، عن الحكم عنه عن البراء بلفظ: رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف . ذكره أبو داود وقال: ليس بصحيح، يعني: لأن في سنده ومن حديث محمد بن جابر عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صليت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند التكبيرة الأولى قال إسحاق بن أبي إسرائيل: وبه نأخذ في الصلاة كلّها. قال الدارقطني : تفرد به ، وغير حماد يرويه عن إبراهيم عن عبد الله مرسلا، عن عبد الله من فعله غير مرفوع، وهو الصواب. وفي المصنف: عن وكيع عن مسعر، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عبد الله: أنه كان يرفع يديه في أوَّل ما يفتتح ثم لا يرفعهما . وعن وكيع وأبي أسامة عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب عبد الله وأصحاب علي لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة، قال وكيع: ثم لا يعودون. وبحديث ذكره البيهقي من حديث ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن نافع عن ابن عمر قالا: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين . واعترض عليه بأمور: الأول: تفرد ابن أبي ليلى به. الثاني: رواية وكيع عنه موقوفة. الثالث: رواية جماعة من التابعين عنهما أنهما كانا يرفعان عند الركوع وبعد رفع الرأس منه. الرابع: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها، يؤيده ما رواه ابن جريج حدث عن مقسم. الخامس: أنّ جميع الروايات: ترفع الأيدي، وليس في رواية منها: لا ترفع إلّا في سبع. قال الحاكم : وقد تواترت الأخبار بأن الأيدي ترفع في غير ذلك، منها: الاستسقاء، ودعاؤه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لدوس، وفي القنوت وفي الدعاء في الصلوات، وفي الوتر، وبحديث لا بأس بسنده، ذكره البيهقي في الخلافيات من حديث محمد بن غالب، ثنا أحمد بن محمد البراثي ثنا عبد الله بن عون الخراز، ثنا مالك عن الزهري عن سالم، عن ابن عمر : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود . انتهى. ولما لم ير الحاكم ما يدفعه به قال: هذا باطل، فقد روينا بالأسانيد، عن مالك خلاف هذا. وفي المعرفة للبيهقي ما يشده بسند صحيح، وهو قوله: ثنا الحاكم، أنبأنا أبو بكر مكرم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح الصلاة . قال الطحاوي: فحديث الرفع منسوخ على هذا، قال البيهقي : وقد تكلم محمد بن إسماعيل وغيره من الحفاظ في حديث أبي بكر ما لو علمه يعني الطحاوي لم يحتج به على الثابت عن غيره. قال البخاري : والذي قاله أبو بكر في ذلك قد خولف فيه عن مجاهد. قال وكيع عن الربيع بن صبيح: رأيت مجاهدا يرفع يديه، وقال ابن مهدي، عن الربيع: رأيت مجاهدا يرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وقال جرير، عن ليث، عن مجاهد أنه كان يرفع يديه، وهذا أحفظ عند أهل العلم، قال: وقال صدقة: إن الذي روى حديث مجاهد لم يرفع الأيدي إلا في أول التكبيرة كان صاحبه قد تغير بأخرة، يريد أبا بكر بن عياش. قال البخاري: الذي رواه الربيع، وليث أولى مع رواية طاوس، وسالم، ونافع، وأبي الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع فروى ما قد خولف فيه، فكيف يجوز دعوى النسخ في حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف؟ وقد يمكن الجمع بينهما أن لو كان ما رواه ثابتا بأنه غفل عنه، فلم يره، وغيره رآه، أو غفل عنه ابن عمر فلم يفعله مرة أو مرات إذ كان يجوز تركه، وأصحابه الملازمون له رأوه فعله مرات، وفعله يدل على أنه سنة، وتركه يدل به على أنه ليس بواجب، وصاحب هذا الدعوى حكى عن مخالفيه أنهم أوجبوا الرفع عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند النهوض إلى القيام من القعود، ثم روى هذا عن ابن عمر، واستدل بذلك على أنه علم في حديثه نسخا حتى تركه، وهذا عن ابن عمر ضعيف ولا نعلم أحدا يوجب الرفع حتى يدل تركه على ما ادعاه، انتهى كلامه. أما الربيع بن صبيح وليث بن أبي سليم فلا يرد بروايتهما ما رواه أبو بكر الثقة المخرج حديثه في الصحيحين، والقائل فيه أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وأبو داود ، وأحمد بن صالح العجلي : ثقة ، وذكره ابن حبان ، وابن شاهين ، وابن خلفون في جملة الثقات ، وأثنى عليه ابن المبارك وغيره ، والربيع يقول فيه عفان : أحاديثه كلها مقلوبة . وقال يحيى بن معين ، والنسائي ، وأحمد بن حنبل : ضعيف . وقال الفلاس : ليس بالقوي ، وقال ابن حبان : لم يكن الحديث من صناعته، فوقع في حديثه المناكير من حيث لا يشعر ، وليث تكلم فيه غير واحد من الأئمة، ولم يخرج لهما ولا لواحد منهما أحد في الصحيح على سبيل الاحتجاج، فكيف يرد ما رواه ابن عياش برواية هذين؟ أو يعتمد فيه على قول صدقة السمين، القائل فيه البخاري نفسه: ضعيف جدا ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات ، وقال أحمد : ضعيف جدا، أحاديثه مناكير، ليس يسوي حديثه شيئا ، وتكلم فيه غير هؤلاء، فلو قاله نقلا بأنه لم يروه إلا بعد سوء حفظه، لما قبل منه، فكيف ولم ينقله؟ وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح على شرط مسلم: ثنا يحيى بن آدم عن حسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم عن الأسود قال: صليت مع عمر بن الخطاب، فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه: هل هو صحيح أو يدفعه حديث الثوري عن الزبير بن عدي عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر أنه كان يرفع يديه في افتتاح الصلاة حتى تبلغا منكبيه، فقالا: سفيان أحفظ، وقال أبو زرعة : هذا أصح يعني حديث سفيان. وقال ابن أبي شيبة: قال عبد الملك: ورأيت الشعبي، وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة. وعن وكيع عن أبي بكر بن عبد الله بن قطاف النهشلي وفيه كلام عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليًا كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود. وفي الخلافيات للبيهقي من حديث حفص بن غياث عن أبي يحيى محمد قال: صليت إلى جنب عباد بن عبد الله بن الزبير، فجعلت أرفع يدي في كل رفع ووضع، فقال: يا ابن أخي إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة ثم لم يعد في شيء حتى فرغ . قال أبو بكر : هذا حجة عند من يقول بالمرسل. وقال ابن أبي شيبة: ثنا ابن المبارك عن أشعث عن الشعبي أنه كان يرفع يديه في أول التكبير ثم لا يرفعهما. وعن حجاج عن طلحة عن خيثمة وإبراهيم أنهما كانا لا يرفعان أيديهما إلا في بدء الصلاة. وعن يحيى بن سعيد عن إسماعيل قال: كان قيس يرفع يديه أول ما يدخل في الصلاة ثم لا يرفعهما. وعن هشيم، ثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم أنه كان يقول: إذا كبرت للصلاة فارفع يديك ثم لا ترفعهما فيما بقي ؛ وفي لفظ: لا ترفع يديك في شيء من الصلاة إلا في الافتتاحة الأولى وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل: ثنَا حسن بن صالح، عن وقاء: كان سعيد بن جبير لا يرفع يديه في الركوع. وفي شرح الطحاوي لما ذكر لإبراهيم حديث وائل في الرفع قال: أترى وائل بن حجر أعلم من علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود؟! لعله فعل ذلك مرّة واحدة ثم تركه. وفي لفظ: إن كان وائل رآه مرّة فقد رآه عبد الله خمسين مرة. وفي القديم للشافعي: قال قائل: رويتم قولكم عن ابن عمر، والمثبت عن علي وابن مسعود أنهما كانا لا يرفعان أيديهما في شيء من الصلاة إلا في الافتتاح وهما أعلم بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ابن عمر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ومكان ابن عمر خلف ذلك، قال الشافعي: ما قاله لا يثبت عن علي وابن مسعود، وإنما رواه عن عاصم عن أبيه عن علي فأخذ بها وترك رواية عاصم عن أبيه أيضا، عن وائل بن حجر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع يديه كما روى ابن عمر، ولو كان هذا ثابتا عنهما كان يشبه أن يكون رآهما مرة أغفلا فيه رفع اليدين. ولو قال قائل: ذهب عنهما حفظ ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكانت له حجة؛ لأن الضحاك بن سفيان قد حفظ على المهاجرين والأنصار، وغيره أولى بالحفظ منه، والقول قول الذي قال رأيته فعل؛ لأنه شاهد ولا حجة في قول الذي قال لم يره، وهذا هو مذهب من خالفنا في ذلك. ولقد كان ابن عمر عندنا من ذوي الأحلام والنهى، ولو كان فوق ذلك منزلة كان أهلها، وأصل قولنا: إن إبراهيم لو روى عن علي، وعبد الله لم يقبل منه؛ لأنه لم يلق واحدا منهما. انتهى. وأما استدلال بعض الحنفية بحديث جابر بن سمرة من عند مسلم: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ فليس بصحيح؛ لأنهم إنَّما كان ذلك حالة السلام فيما ذكره البخاري وغيره. وفي كتاب المعرفة: عن عقبة بن عامر: إذا رفع يديه عند الركوع، وعند رفع رأسه، فله بكل إشارة عشر حسنات. غريبه: المنكب من الإنسان وغيره: مجتمع رأس الكتف والعضد، مذكر لا غير، حكاه اللحياني. وفي صحيح البخاري في كتاب البيوع فيما رأيت من النسخ: فوضع يده على إحدى منكبي، وقال سيبويه فيما ذكره ابن سيده هو: اسم للعضو ليس على المصدر ولا المكان؛ لأن فعله نكب ينكب، يعني أنه لو كان عليه لقال: منكب، ولا يحمل على باب مطلع؛ لأنه نادر، أعني: باب مطلع.

692

257 - حدثنا هشام بن عمار وسهل بن أبي سهل قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء . هذا حديث خرجاه أيضا ولفظ ابن خزيمة: النساء وفي لفظ: من نابه في صلاته شيء فليقل: سبحان الله، إنما هذا للنساء، يعني: التصفيق .

693

258 - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية وعبيد الله، عن نافع أنه كان يقول: قال ابن عمر: ذرخص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنساء في التصفيق وللرجال في التسبيح . هذا حديث سنده صحيح على شرط مسلم، وسيأتي حديث علي عند ابن ماجه: كانت لي ساعة أدخل فيها على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن كان قائما يصلي سبح لي، فكان ذلك إذنه . وفي الأوسط لأبي القاسم من حديث عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: التسبيح في الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. تم الجزء المبارك بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على نبيه محمد، خير خلقه، وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعي التابعين بإحسان لهم إلى يوم الدين، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

694

باب التسبيح للرجال في الصلاة والتصفيق للنساء 256 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء . هذا حديث خرجاه في الصحيح، وعند البيهقي: إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق . وفي الأوسط: جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإذن في الصلاة الحديث، وفي كتاب الحجج لعيسى بن أبان بن صدقة الحنفي حدثنا هشيم، ثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي هريرة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذات يوم والرجال صفان والنساء صف: إن نسيت شيئًا من صلاتي فليسبح الرجال ولتصفق النساء . وفي علل الترمذي: ثنا الحسن بن الصباح، ثنا شبابة عن المغيرة بن مسلم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة : ذهب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجة، فأقام بلال الصلاة وفيه: فلما أقبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه وجعل يستحسنه، وقال: المشهور عن أبي حازم عن سهل .

695

255 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، ثنا بشر بن المفضل، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شدّة الحر، فإذا لم يقدر أحدنا أن يمكن جبهته بسط ثوبه فسجد عليه . هذا حديث سبق التنبيه عليه بأنه في الصحيح، وقد اختلف العلماء في السجود على الثوب من شدة الحر والبرد، فرخص في ذلك: عمر بن الخطاب، وعطاء، وطاوس، والنخعي والحسن، والشعبي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبى ذلك الشافعي إلّا لعذر، ورخص في وضع اليدين على الثوب من شدّة الحر والبرد، واختلفوا في السجود على كور العمامة، فرخص فيه ابن أبي أوفى والحسن، ومكحول، وسعيد بن المسيب، والزهري، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي، وكرهه مالك، وقال ابن حبيب: هذا فيما خفّ من طبقاتها، فأما ما كثر فهو كمن لم يسجد، وكره علي وابن عمر وعبادة السجود عليها، وكذلك ابن سيرين، والنخعي، وعبيدة، وهو قول الشافعي، وقال أحمد: لا يعجبني ذلك إلا في حر أو برد، وأجمعوا على جواز السجود واليدان في الثياب، وكره ذلك ابن عمر وابنه وبعض التابعين، رضي الله عنهم أجمعين.

696

باب السجود في الثياب في الحر والبرد 253 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاءنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعًا يديه على ثوبه إذا سجد . هذا حديث قال أبو القاسم ابن عساكر : هو وهم، وإنما يرويه عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده ثابت الأنصاري . انتهى، وقد ذكره ابن ماجه أيضًا فيما بعد على الصواب .

697

254 - عن جعفر بن مسافر، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إبراهيم بن إسماعيل الأشهلي، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، عن أبيه، عن جده أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلى في بني عبد الأشهل وعليه كساء متلفف به، يضع يديه عليه، يقيه برد الحصى . ويشبه أن يكون الوهم فيه من الدراوردي، لأن الطبراني رواه عن علي بن المبارك، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، وثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن محمد قالا: ثنا ابن أبي حبيبة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن صامت، عن أبيه، عن جده، والبزار في مسنده عن رزق الله بن موسى، ثنا معن بن عيسى، ثنا ابن أبي حبيبة فذكره، وقال: لا نعلم روى ثابت بن الصامت إلا هذا الحديث بهذا الإسناد .

698

253 - حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب حدثني زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار قال: صلى ابن عباس وهو بالبصرة على بساط ثم حدث أن رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي على بساط. هذا حديث في سنده زمعة، وقد أسلفنا الكلام عليه بأنه ضعيف ومنهم من قال: هو متماسك، والله أعلم ؛ وفي الترمذي من حديث سماك عن عكرمة عنه: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على الخمرة وقال فيه: حسن صحيح . وفي الباب: حديث أنس عند الشيخين، وفيه: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصففت أنا واليتيم وراءه الحديث. وعند البخاري من حديثه أيضًا: قال رجل من الأنصار، وكان ضخما للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعاما فدعاه إلى بيته ونضح له طرف حصير بماء، فصلى عليه ركعتين وعند الطبراني في الأوسط من حديث أبي إسحاق عنه: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على الخمرة لم يروه عن أبي إسحاق إلا شريك، تفرد به محمد بن حسان السمتي ؛ وفي لفظ: يسجد عليها وفي لفظ: صلى على حصير تطوعا، شكرا . وحديث أم سلمة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي على الخمرة رواه أحمد في مسنده. وعند أبي القاسم في الأوسط: كان للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حصير وخمرة يصلي عليها وقال: لا يروى عن سعيد بن المسيب إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحسن بن داود المنكدري، ثنا ابن أبي فديك، ثنا عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه، عن جده. وعند أبي داود بسند فيه ضعف عن المغيرة بن شعبة : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على الحصير والفروة المدبوغة . وقال ابن أبي شيبة : ثنا يزيد بن المقدام وفيه ضعف، ومنهم من يكتب حديثه ، عن المقدام عن أبيه شريح أنه سأل عائشة : أكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على الحصير؟ فإني سمعت في كتاب الله عز وجل: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا قالت: لا، لم يكن يصلي عليه . وعند أبي داود من حديث مقاتل بن بشير عن شريح بن هانئ، عن عائشة أنها قالت: لقد مطرنا ليلة، فطرحنا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نطعا، فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع الماء، وما رأيته متقيًا الأرض بشيء قط من ثيابه كذا رواه عن محمد بن رافع، عن زيد بن حباب عن مالك بن مغول عن مقاتل، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن مالك، عن مقاتل به، قالت: ما رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتقي الأرض بشيء إلا مرة، فإنه أصابه مطر، فجلس على خلق بناء الحديث. غريبه: الخمرة: حصير ينسج من السعف أصغر من المصلى، وقيل: الخمرة الحصير الصغير الذي يسجد عليه ؛ وقال المطرزي: هي السجادة، وهي مقدار ما يضع الرجل عليه حر وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة من خوص، وزعم ابن الأثير أنها نسيجة من خوص أو نبات ولا يكون خمرة إلا هذا المقدار، يعني مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه، سميت بذلك لأن خيوطها مستورة بسعفها، وقيل: لأنها تخمر وجه المصلي عن الأرض أي: تستره، ويلتحق في هذا الباب ما في تعليق البخاري: ولم ير الحسن بأسا أن يصلي على الجمد والقناطر، وإن جرى تحتها بول أو فوقها أو أمامها، إذا كان بينهما سترة، وصلى ابن عمر على الثلج، وصلى جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري في السفينة. وقال الحسن: تصلي قائما ما لم تشق على أصحابك تدور معها، وإلا فقاعدا، وصلى أنس على فراشه، وعن عائشة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي على الفراش الذي ينامان عليه وعن أنس قال: كنا نصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحرّ في مكان السجود وسيأتي، وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كميه، وزعم عياض وغيره أن الإجماع على جواز السجود على سائر ما تنبته الأرض إلا شيئا حكي عن عمر بن عبد العزيز.

699

252 - حدثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد قال: صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حصير . هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه

700

باب الصلاة على الخمرة 251 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عباد بن العوام عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني ميمونة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على الخمرة . هذا حديث خرجاه في صحيحيهما مطولًا، وقد تقدم طرف منه.

روابط ذات صلة


المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-38

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة