مفتاح الصلاة الطهور
ثنا سويد بن سعيد ، ثنا علي بن مسهر ، عن أبي سفيان طريف السعدي ( ح ) ، ونا أبو كريب ، نا أبو معاوية ، عن أبي سفيان السعدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم . وخرجه الترمذي بزيادة : ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها . هذا حديث رواه بحشل في تاريخ واسط ، عن محمد بن حسان البرجلاني ، نا محمد بن يزيد ، نا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان ، عن أبي سفيان ، ولفظه : مفتاح الصلاة الوضوء ، وتحريمها التكبير ، وأذنها التسليم ، ولا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن أو بغيرها من القرآن ، وإذا ركع فليضع يده على ركبتيه ، وليسوي ظهره ، ولا يدبح تدبيح الحمار .
وحديث علي أجود إسنادا وأصح من حديث أبي سعيد ، وخالف ذلك الحاكم ؛ لما ذكره من جهة الثوري ، عن أبي سفيان ، عن أبي نضرة به ، قال : هذا حديث صحيح الإِسناد على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وشواهده عن أبي سفيان ، عن أبي نضرة كثيرة ، فقد رواه أبو حنيفة وحمزة الزيات وأبو مالك النخعي ، وأشهر إسناد فيه حديث ابن عقيل ، انتهى . وفيما قاله نظر ؛ وذلك لأن أبا طريف لم يخرج مسلم له شيئا ، وسيأتي الكلام على ضعفه ، ورواه البزار في مسنده ، عن علي بن المنذر ، نا محمد بن فضيل ، نا أبو سفيان به زاد : في كل ركعة قرأ بفاتحة الكتاب وسورة ، قال : وهذا الكلام لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا أبو سعيد بهذا الإِسناد ، وإن كان همّام قد روى عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن نقرأ في الصلاة بفاتحة الكتاب وما تيسر ، فحديث همام يؤيّد حديث أبي سفيان ، وإن كان بغير لفظه . انتهى .
وخرّجه الدارقطني بلفظ : مفتاح الصلاة الوضوء . أبو سفيان اسمه طريف بن شهاب الأشل . وقال البخاري : كان عطارديا ، وقال أيضا : أبو معاوية طريف بن سعد ، ويقال : طريف بن سفيان ، وجمع أبو عمر بين السعدي والعطاردي ، وهو الصحيح ؛ لأن عطارد هو من عوف بن كعب بن سور بن زيد مناه بن تميم ، وقال : أجمعوا على أنّه ضعيف الحديث .
انتهى . وأبو إسحاق الحربي يفهم من كلامه غير ما قاله أبو عمر ، وذلك أنه لما ذكره في كتاب العلل ، قال : ليس هو أوثق الناس ، وتقدّم تصحيح الحاكم حديثه . وقال ابن عدي : أسانيده مستقيمة ، وفي كتاب الدارقطني : حديث عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث ابن عقيل ، وإسناده لا بأس به ، وذلك أنه رواه عن محمد بن عمرو بن البختري ، قال الخطيب : كان ثقة ثبتا عن أحمد بن الخليل ، وقد وثّقه النسائي والحاكم ، ومحمد بن نعيم الضبيّ ، عن الواقدي محمد بن عمر ، وقد أثنى عليه مالك ، ووثقه غيره من الأئمة ، وسيأتي الكلام عليه مستوفى - إن شاء اللّه تعالى - عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، وهو مذكور في كتاب الثقات لابن حبان ، عن عباد بن تميم ، عن عمه عبد الله بن زيد به .
ورواه البيهقي في كتاب السنن الكبير ، عن أبي عبد اللّه الحافظ ، أنا أبو بكر بن إسحاق ، أنا الحسن بن علي بن زياد ، نا إبراهيم بن موسى الرازي ، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، نا شعبة ، عن حبيب بن زيد ، عن عباد بن تميم . وقاله أبو زرعة الرازي بسند متابع لما تقدّم ، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط ، قال : تفرّد به الواقدي ، ولا يروى عن ابن زيد إلا بهذا الإِسناد ، وحديث أم عمارة أصح ، يعني الحديث المذكور من عند أبي داود قبل ، واللّه أعلم . وخالف ذلك الحافظ أبو بكر بن خزيمة ؛ فرواه في صحيحه ، عن أبي كريب ، نا يحيى فذكره بلفظ : أتي بثلثي مد فتوضأ ، فجعل يدلك ذراعيه .
وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وفيه رد لما ذكره أبو عيسى من أن حديث علي أصح شيء في الباب ، وفيه ردّ عليه أيضا في قوله : وفي الباب عن علي وعائشة ، وكذا حديث جابر بن عبد اللّه المذكور عند أبي نعيم في تاريخه من حديث أبي داود عن سليمان بن معاذ الضبي عن أبي يحيى القتات ، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث سليمان بن قرم ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد عنه يرفعه : مفتاح الجنة الصلاة ، ومفتاح الصلاة الوضوء ، وقال ابن العربي : أصح شيء في هذا الباب وأحسن حديث مجاهد عن جابر ، وفيه نظر ، فما أسلفناه من الأحاديث أصح منه، وحديث ابن عباس مرفوعا : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم المذكور عنده من حديث نافع مولى يوسف السلمي ، عن عطاء عنه . وقال : لم يروه عن عطاء إلا نافع ، ولا عن نافع إلا سعدان بن يحيى ، تفرّد به سليمان بن عبد الرحمن ، ولا يُرْوَى عن ابن عباس إلَّا بهذا الإِسناد ، وأما الصحابة فقد روي عن جماعة منهم ذلك موقوفا ، منهم : ابن مسعود وابن عباس ، وإسناد حديثهما صحيح ، وعائشة . قال الطحاوي : ذهب قوم إلى أنّ الرجل إذا انصرف من صلاته بغير تسليم فصلاته باطلة ، وخالفهم في ذلك آخرون ، وافترقوا على قولين ؛ فمنهم من قال : إذا قعد مقدار التشهد فقد تمّت صلاته وإنْ لم يسلم ، ومنهم من قال : إذا رفع رأسه من آخر سجدة من صلاته فقد تمت صلاته ، وإن لم يتشهّد ولم يسلم ، فكان من الحجة للفريقين على أهل المقالة الأولى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : تحليلها التسليم ، إنما روي عن علي ، وقد روي عنه من رأيه في مثل ذلك ما يدل على أن معنى ذلك عنده على غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى ، وهو ما رواه أبو عوانة ، عن الحكم ، عن عاصم ، عن علي ، قال : إذا رفع رأسه من آخر سجدة ، فقد تمت صلاته .
وقد روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة ، عن ابن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا رفع رأسه من آخر السجود فقد مضت صلاته إذا هو أحدث وفي بعض ألفاظه : إذا قضى الإِمام الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن أتمّ معه الصلاة قبل أن يسلم الإِمام ، فقد تمّت صلاته ، فلا يعود فيها . قال أبو جعفر : فهذا معناه غير معنى الحديث الأوّل ، وقد روي بلفظ آخر : إذا رفع المصلي رأسه من آخر الصلاة ، وقضى تشهده ثم أحدث ، فقد تمت صلاته ، فلا يعود . واحتج الذين قالوا : لا تتم الصلاة حتى يقعد قدر التشهد ، بما نا فهد ، نا أبو نعيم وأبو غسان قالا : ثنا زهير ، عن الحسن بن الحر ، حدثني القاسم بن مخيمرة ، قال : أخذ علقمة بيدي فحدّثني أنَّ ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده فعلّمه التشّهد ، وقال فيه : فإذا فعلت هذا أو قضيت هذا فقد تمت صلاتكم ، إنْ شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد .
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنَّ ترك التسليم غير مفسد للصلاة ، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - : صلى الظهر خمسا ، فلما أخبر بصنيعه ثنى رجله فسجد سجدتين ، فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام ، ولم ير ذلك مفسدا للصلاة ، ولو رأى ذلك مفسدا لها لأعادها ، فلما لم يعدها ، وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم ؛ دَلَّ ذلك على أن السلام ليس من صلبها ، ألا ترى أنّه لو كان جاء بالخامسة وقد بقي عليها مما قبلها سجدة ، كان ذلك مفسدا للأربع ؛ لأنه خلطهن بما ليس منهن ، ولو كان السلام واجبا كوجوب السجود لكان حكمه أيضا كذلك ، ولكنّه بخلافه فهو سنّة . انتهى . وعليه فيه مآخذ : الأول : قوله : إنما روي عن علي ، يريد أنه لم يرو غيره ، وقد قدمنا حديثين من غير روايته ، أحدهما صحيح .
والثاني : ردّه المرفوع بالموقوف الذي هو من رواية عاصم بن ضمرة وهو متكلّم فيه ، حتى قال ابن عدي : تفرد عن علي بأحاديث باطلة ، لا يتابعه الرواة عليها ، والبلية منه . وقال ابن حبان : كان رديء الحفظ ، فاحش الخطأ ، يرفع عن علي قوله كثيرا ، فلما فحش ذلك منه استحق الترك . وعلى تقدير صحته يكون العمل بروايته ، لا برأيه ، هذا هو مذهب أكثر العلماء .
الثالث : ابن أنعم وابن رافع ضعيفان ، وحديث عبد الرحمن عن ابن عمرو منقطع فيما ذكره ابن أبي حاتم ، مع ضعفه ونكارة حديثه فيما قاله البخاري ، وبكر بن سوادة ، وإن كان ثقة ، فحديثه عن ابن عمرو لم أر أحدا صرح به ، ولا ذكر له رواية عنه فيما أعلم ، والذي وصفه به ابن يونس : روى عن سهل بن سعد والتابعين . الرابع : حديث ابن مسعود : فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك . وهي زيادة ذكر الخطيب وغيره أنها مدرجة ، وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .