باب ثواب الطهور
نا سويد بن سعيد ، ثنا حفص بن ميسرة ، حدثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد اللّه الصنابحي ، عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : من توضأ فتمضمض واستنشق ، خرجت خطاياه من فيه وأنفه ، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه ، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه ، فإذا غسل يديه خرجت خطاياه من يديه ، فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه ، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه ، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة . هذا حديث مختلف في إرساله واتصاله ، وقد خرج مسلم معناه من حديث عمرو بن عبسة ، وفيه طول ، وفي آخره : فحدَّث عمرو بهذا الحديث أبا أمامة صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له أبو أمامة : يا عمرو بن عنبسة ، انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل ؟ فقال عمرو : لقد كبر سني ورقّ عظمي ، واقترب أجلي ، وما بي حاجة أن أكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على الله ، لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات - ما حدثت به أبدا ، ولكني سمعته أكثر من ذلك ، وكما رواه حفص هنا رواه عن مالك في الموطأ يحيى بن يحيى والقعنبي وجمهور الرواة . وقالت طائفة ، منهم مطرف ، وإسحاق بن عيسى الطباع عن مالك ، عن زيد ، عن عطاء ، عن أبي عبد اللّه الصنابحي ، واختلف عن زيد بن أسلم في ذلك ، فقالت طائفة عنه ما قال مالك في أكثر الروايات عنه .
وقالت طائفة أخرى : عن زيد ، عن عطاء ، عن أبي عبد اللّه الصنابحي . قال أبو عمر : وما أظن هذا الاضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم ، والصواب قول من قال فيه : ، وروى زهير بن محمد ، عن زيد ، عن عطاء ، عن عبد اللّه الصنابحي قال : سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول ، فذكر قوله : إنّ الشّمس تطلع ومعها قرن الشيطان . . الحديث ، وهو خطأ عند أهل العلم ، والصنابحي لم يلق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم قاله أبو عمر - ، وزهير بن محمد لا يحتج به إذا خالفه غيره ، قاله أبو عمر وقد روي عن ابن معين أنه سئل عن عبد اللّه الصنابحي يروي عنه المدنيون ، فقال : يشبه أن يكون له صحبة ، وأصح من هذا عن ابن معين أنه سئل عن أحاديث الصنابحي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لمن سأله : ليست له صحبة ، وبنحوه قاله الترمذي في كتاب العلل الكبير ، عن البخاري ، رحمهما اللّه تعالى .
وأما قول أبي عمر : إن زهير بن محمد لا يحتج به ، فليس كذلك ؛ لأنه ممن خرج حديثه الشيخان في صحيحيهما ، ومن كانت هذه حاله لا يقال فيه ما ذكره ، لا سيما مع عدم الحالة المصرَح بها ، بل هو في المعنى متابع مالكا ، وفي ذلك غنية ، واللّه أعلم . ، وإنما فيهم الصنابح بن الأعسر الأحمسي كوفي ، روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث ، وفي الباب أيضا أحد يقال له عبد اللّه الصنابحي ، . قال ابن إسحاق : عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد اللّه اليزني ، عن عبد الرحمن بن عسيلة ، قال : لم يكن بيني وبين وفَاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا خمس ليال ، توفي وأنا بالجحفة ، كذا زعم أبو عمر أن الذي يروي عنه مرثد هو الذي يروي عنه عطاء ، وأبو حاتم يخالف ذلك ، ، والذي يروي عنه أبو الخير فهو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ، روى عن أبي بكر ، ، وفي هذا أيضا توهيم من ادّعى أن مالكا وهم في تسميته عبد الله ، وقد قيل ذلك له ، فلم يرجع ؛ بل أصر عليه ، وزعم أن كذلك حفظ ، ووجده كذلك في كتابه ، ففي هذا دلالة أنه لم يرجع إلى ما قيل له ؛ لعلمه أنّه غير صواب ؛ إذ لو كان صوابا لكان أسرع الناس رجوعا إليه ، مع تسليمه أنّ الخطأ لا يسلم أحد منه .
ذكر أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو السليماني في كتاب سماه الحث على اقتباس الحديث : قال إبراهيم بن المنذر : سمعت معن بن عيسى يقول : قلت لمالك بن أنس : إن الناس يقولون : إنك تخطئ في أسامي الرجال ، تقول : عبد الله الصنابحي ، وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي ، وتقول : عمر بن عثمان ، وإنما هو عمرو بن عثمان ، وتقول : عمر بن الحكم السلمي ، وإنما هو معاوية بن الحكم! فقال مالك : هكذا حفظنا ، وهكذا وقع في كتابي ، ونحن نخطئ ، ومَنْ يسلم من الخطأ ؟! ويزيد ذلك وضوحًا أيضًا ما ذكره الحاكم في المستدرك من حديث مالك عن زيد عن عطاء عن عبد الله الصنابحي : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وليس له علة ، وإنما خرجا حديث عثمان ، وأبي هريرة غير تام ، وعبد الله الصنابحي صحابي مشهور ، . وترجم ابن قانع في معجمه حرف العين المهملة باسم عبد الله الصنابحي ، وكذا ترجم عليه غيره من المؤلفين ، وأما النسائي فإنه ذكر في كتاب مسند حديث مالك هذا الحديث عن قتيبة ، ثم قال : عن الصنابحي ، ولم يسمه ، وهو ما أغفل ذكره أبو عمر ، قال أبو الحسن بن القطان : ونسبة الوهم إلى مالك أو مَنْ هو فوقه خطأ ، ولا سبيل إليه إلا بحجة بينة ، ومالك لم ينفرد بما قال من ذلك عن زيد ، بل قد وافقه عليه أبو غسان محمد بن مطرف أحد الثقات المخرج لهم في الصحيحين ، وفي كتاب أبي جعفر البغوي ، ثنا أبو أحمد ، أنا أبان البجلي ، حدثني أبو مسلم قال : دخلت على أبي أمامة وهو يتفلى في المسجد ، فذكر حديثا فيه : مَنْ توضأ فأسبغ الوضوء ، وغسل يديه ووجهه ، ومسح على رأسه وأذنيه ، ثم قام إلى صلاة مفروضة ، غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه ، وقبضت عليه يداه ، وسمعته أذناه ، ونظرته عيناه ، وحدث به نفسه من سوء ، وقال : سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصيه ، قال : ثنا الحسن بن موسى ، ثنا شيبان عن معاوية ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كعب بن مرة السلمي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا توضأت فغسلت كفيك ، خرجت ذنوبك من كفيك ، فذكره مطولًا ، فهذا كله يوضح لك أن ما قاله مالك ومَنْ تبعه صواب ، وما قاله أبو عمر عكسه ، وذكر البخاري في الأوسط : وحدثني يوسف بن راشد ، ثنا إسحاق الطباع ، أخبرني مالك ، عن زيد ، عن عطاء ، عن الصنابحي بن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ ، وهذا عندي أصح ، وفي كتاب التمهيد : أجمع العلماء على أن غسل الوجه ، واليدين ، والرجلين إلى الكعبين ، ومسح الرأس فرض ذلك كله ، لأمر الله تعالى به ، لا خلاف علمته في شيء من ذلك ، إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه بعد هذا في بابه إن شاء الله تعالى ، وقد استدل بعض مَنْ لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بهذا الحديث لخروج الخطايا معه ، فوجب التنزه عنه ، لأنه ماء الذنوب ، وهذا عندي لا وجه له ، لأن الذنوب لا تنجس الماء ، لأنها لا أشخاص لها ، ولا أجسام تمازج الماء ، فتفسده ، وإنما معنى قوله : خرجت الخطايا مع الماء إعلامًا منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم . وقد اختلف الفقهاء في الماء المستعمل : فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : لا يتوضأ به ، ومَنْ توضأ به أعاد ، لأنه ليس ماء مطلقًا ويتيمم واجده ، لأنه ليس بواجد ماءً ، وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج ، وهو قول الأوزاعي ، وأما مالك فقال : لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء ، ولا خير فيه ، ثم قال : إذا لم يجد غيره توضأ به ، ولم يتيمم ، لأنه ماء طاهر ، لم يغيره شيء .
وقال أبو ثور وداود : الوضوء بالمستعمل جائز ، لأنه ماء طاهر ، لا ينضاف إليه شيء ، وهو ماء مطلق ، واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة ، وإلى هذا ذهب محمد بن نصر المروزي ، ورُوي عن علي ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، والنخعي ، ومكحول ، والزهري ، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه ، فوجد في لحيته بللًا أن يمسح بذلك البلل رأسه . فهؤلاء كلهم اختاروا الوضوء بالماء المستعمل ، وأما مالك والشّافعي وأبو حنيفة ومن قال بقولهم ، فلا يجوز ذلك عندهم ، ولو فعل لم يجزه ، وكان عليه الإعادة لكلّ ما صلى بذلك الوضوء ؛ لأنه قد أُدِّيَ به فرض ، فلا يؤدى به فرض آخَر كالجمار وشبهها . قال أبو عمر : الجمار مختلف فيه .
وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا : إنَّ الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة ، واحتج بظاهر حديث الصنابحي ، وبمثله من الآثار ، وبقوله : فما ترون ذلك يُبْقِي من ذنوبه ، وهذا جهل بيّن ، وموافقة للمرجئة ، وكيف يجوز لذي لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها ، وهو يسمع قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ، وقوله تبارك وتعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا َ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ في آي كثيرة ، ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البرّ مكفرة للكبائر ، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه ولا قَاصد إليه ، ولا حضره في حينه ذلك الندم عليه لما كان لأمر اللّه تعالى بالتوبة معنى ، ولكان كلّ من توضأ وصلى ، يشهد له بالجنة بإثر سلامه من صلاته ، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر ، وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح ، وقد أجمع المسلمون أنَّ التوبة على المذنب فرض ، والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية ، وقال - عليه السلام - : الندم توبة . وقال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر . وهذا يبيّن لك ما ذكرنا ، ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات لمن اجتنب الكبائر ، فيكون على هذا المعنى قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ ، كفرنا عنكم الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض ، وإن لم تجتنبوا الكبائر ، ولم تتوبوا منها ، لم تنتفعوا بتكفير الصغائر ، إذا واقعتم الموبقات المهلكات ، وهذا كله قبل الموت ، وبهذا قال جماعة المسلمين ، وجاءت به الآثار الصحاح ، ولو تدبر هذا القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فيه ويديه ورأسه ورجليه ؛ لعلم أنّها الصغائر في الأغلب ، ولعلم أنها معفو عنها بترك الكبائر .
دليله : قوله - عليه السلام -: العينان يزنيان ، والفم يزني ، ويصدق ذلك كله الفرج ، أو يكذبه . يريد - واللّه أعلم - أن الفرج بعمله يوجب الهلكة ، وما لم يكن كذلك فأعمال البر تغسل ذلك كلّه ، واللّه أعلم .