باب ما يقول إذا دخل الخلاء
حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا ابن أبي مريم ، ثنا يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول : اللَّهم إني أعوذ بك من الرجس النجس ، الخبيث المخبث ، الشيطان الرجيم . قال أبو الحسن القطان : نا أبو حاتم ، ثنا ابن أبي مريم ، فذكره ، ولم يقل في حديثه : الرجس النجس وإنّما قال : من الخبيث المخبث ، الشيطان الرجيم . هذا الحديث إسناده ضعيف لضعف رواته ، وقد تقدم ذكرهم قريبا .
وفي الباب حديث رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ، أنبأ به المسند شرف الدين المقرئ ، أنا الإِمام بهاء الدين إجازة ، أنا الأميرة قراءة عليها ، أنا ابن هراشة ، أنا ابن البزار ، أنا إسماعيل بن نصر ، عن عبد اللّه بن محمد بن ياسين صاحب حديث ، نا أحمد بن عبد الجبار السكوني ، ثنا أبو يوسف القاضي ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن أبي الأحوص ، عن عبد اللّه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الغائط قال : أعوذ باللّه من الخبث والخبائث . وأشار الترمذي إلى حديث جابر ، وأعل حديث أبي أمامة هذا ، وحديث بريدة من عند ابن عدي في كامله ، وضعفه بحسين بن عمر ، قال أبو سليمان الخطابي : الخبث بضم الباء : جماعة الخبيث ، والخبائث : جمع الخبيثة ، يريد ذكران الشياطين وإناثهم ، وعامة أصحاب الحديث يقولون : الخبث مسكنة الباء ، وهو غلط ، والصواب مضمومة الباء . وفيما قاله نظر ؛ لأنّ الذي أنكره هو الذي حكاه أبو عبيد بن سلام والفارابي في كتاب ديوان الأدب ، فلا إنكار على المحدثين إذًا، واللّه أعلم .
وأيضا ففعل - بضم الفاء والعين - تسكن عينه قياسا ، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك . وأمّا معناه فذكر ابن الأعرابي أنَّ أصله في كلام العرب المكروه ، فإن كان من الكلام فهو الشتم ، وإن كان من الملل فهو الكفر ، وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار . قال ابن الأنباري : الخبث : الكفر ، والخبائث الشياطين .
وقال غيره : الخبث : الشيطان ، والخبائث : المعاصي ، وزاد بعض المتأخرين على ابن الأعرابي : وقيل الخبائث : الأفعال المذمومة ، والخصال الرديئة ، وليس ذلك بزيادة لدخوله في معنى كلامه . وقوله : ( إذا دخل الخلاء ) ، يريد إذا أراد دخول الخلاء ، كما في صحيح البخاري ، وكقوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، ويحتمل أن يراد به ابتداء الدخول ، ويبنى عليه من دخل ونسي التعوذ ، هل يتعوذ أم لا ؟ كرهه ابن عباس وغيره ، وأجازه جماعة ، منهم ابن عمر ، أخذا بقول عائشة - رضي اللّه عنها - : كان يذكر اللّه على كل أحيانه . وقد نقل القولان عن مالك .
هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في الصحراء ، وهو ظاهر في لفظة : دخل . والحَشّ والحُشّ : البستان ، والجمع حشان ، كضيف وضيفان ، والحَشِّ والحُشِّ : المخرج أيضا ؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين ، والجمع حشوش ، والمحشة - بالفتح - الدبر ، ونهي عن إتيان النساء في محاشهن ، وربما جاء بالسين كما في الصحاح وفي الجمهرة ، ويسمى أيضا الحائش ، قال الشاعر : فقلت أثل زال عن حلاحل ومثمر من حائش حوامل وفي المغيث : واحد الحشوش حش ، ويجمع حشنان ، كبطن وبطنان ، فإذا استعمل في الكنيف فبالفتح لا غير ، سمي للجمع فيه ، وكل شيء جمعته فقد حششته ، وزعم الخطابي أنه يفتح ويضم كما تقدم من كلام الجوهري ، وكلامه صريح في الرد على أبي موسى ، واللّه أعلم .