النهي عن الخلاء على قارعة الطريق
حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمرو بن خالد ، ثنا لهيعة ، عن قرة ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : نهى أن يصلى على قارعة الطريق ، أو يضرب الخلاء عليها ، أو يبال عليها . ابن لهيعة تقدم ذكره ، وقرة هو ابن عبد الرحمن بن حَيُويل ، أبو حَيُويل اسمه يحيى ، قال ابن حبان : من ثقات أهل مصر ، وخرّج حديثه في صحيحه ، ومسلم قرنه بغيره ، وأبو عيسى يصحح حديثه ، وكذلك الحاكم . وقال الأوزاعي : ما أحد أعلم بالزهري منه .
وقال ابن عدي : لم أر له حديثا منكرا جدا ، وأرجو أنه لا بأس به . وخالف ذلك أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وأبو داود ، وابن القطان . وعمرو بن خالد أبو خالد القرشي الأعشى الهاشمي ، مولاهم ، أصله كوفي ، قال فيه البخاري : منكر الحديث .
وقال أحمد بن حنبل : متروك الحديث ليس بشيء . وقال أحمد بن محمد : قال أبو عبد الله : عمرو بن خالد الواسطي كذاب ، يروي عن زيد بن علي ، عن آبائه نسخة موضوعة ، يكذب ، وكذلك قاله وكيع وإسحاق بن راهويه وأبو زرعة . وقال ابن معين : كذاب .
وقال أبو داود ويعقوب بن سفيان : لا شيء . وقد وردت أحاديث تدلّ على المنع من البول في مواضع مخصوصة ، منها : حديث أبي هريرة لا يبولن أحدكم في الماء الدائم في الصحيحين . وحديث ابن سرجس لا يبولن أحدكم في جحر من عند النسائي ، وإسناده صحيح ، وإن كان أبو عمرو ذكر أن أهل البصرة تفردوا به ، فلا بأس بذلك .
وحديث ابن عمر قال - عليه السلام - : لا تبولوا في الماء الناقع . ذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن نافع ، عنه . وفي مراسيل أبي داود ، عن أبي مجلز : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر أن ينهى أن يبال في قبلة المسجد .
وفيه عن مكحول : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يبال بأبواب المساجد . وعند العقيلي ، عن أبي هريرة : كان - عليه السلام - يكره البول في الهواء . وضعفه بأبي الفيض يوسف بن السفر .
وحديث ابن مغفل : لا يبولن أحدكم في مستحمه ، وقد تقدم ، وحديث رجل من الصحابة : نهى - عليه السلام - أن يتمشط أحدنا كل يوم ، أو يبول في مغتسله عند أبي داود . الموارد : جمع مورد ، وهو مفعل من الورود ، أي : الحضور ، قاله الجوهري ، ورد فلان ، ويردوا حضروا ، وأورده غيره : أحضره ، والموارد يقول : على طريق الماء ، وعلى منهل الماء ، والأول المراد في الحديث ، على ما قاله جماعة من العلماء ، والظاهر أن المراد هو الثاني ؛ وذلك أن الحديث رواه ابن عباس كما مر ، وفيه : أو في نقع الماء . وفي حديث سراقة : والماء .
وفيها البيان لمجمل المورد ؛ فوجب المصير إليه ؛ ولأن الحديث يفسر بعضه بعضا ، وإذا تقرر هذا فالذي يظهر تخصيصه بالماء الراكد لتقييد الإِطلاق بنقع الماء في حديث ابن عباس ، ولأن ما كثر وجرى لا تأثير للأخبثين فيه . وقارعة الطريق هي الجادة ، واشتُقت من القرع ، أي الضرب ، فهي مقروعة بالقدم وغيره ، وذلك من باب تسمية المفعول بالفاعل . وفيه منع التخلي بظل الأشجار المثمرة صونا لسواقط الثمر عن التنجيس ، والفقهاء يختلفون في المنع ؛ فمنهم من يطرده في جميع الزمان ، ومنهم من يخصه بزمن الثمار ؛ لحديث ابن عمر مرفوعا : نهى أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة أو ضفة نهر جارٍ .
وفي معناه تحريم التخلي فيما ينفع من الأمكنة ، كالبيداء والمربد ، ويحتمل التعميم ، وفي معنى الظل الشمس في الشتاء ؛ فإنها تقصد لمنع البرد ، كما أن الظل يقصده المسافر للقيلولة . يدل عليه ما رواه أبو خيثمة ، عن أبي قطن ، قلت لشعبة : لِمَ لمْ ترو عن فلان ؟ قال : رأيته يخرى في الشمس . فيحتمل ما قلناه أو على كشف عورته وقت ذاك .
والظل على ما حكاه ثعلب للشجرة وغيرها بالغداة ، والفيء بالعشي ، قال الشاعر : فلا الظل في وقت الضحى نستطيعه ولا الفيء من برد العشي نذوق قال : وأخبرت عن أبي عبيدة ، قال رؤبة بن العجاج : كلما كانت عليه الشمس فهو ظل . قال ابن سيده : وجمعه أظلال ، وظلال ، وظلول .