حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمام

الوضوء بماء البحر

حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا أحمد بن حنبل ، ثنا أبو القاسم بن أبي الزناد ، حدّثني إسحاق بن حازم ، عن ابن مقسم عبيد الله ، عن جابر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته . هذا حديث ذكر الشيخ تقي الدين أن ابن السكن خرجه في مصنفه . وقال : هو أصح ما روي في هذا الباب ، وخالفه ابن منده في هذا ، فقال : روى هذا الحديث عبيد الله بن مقسم ، عن جابر ، وعن الأعرج ، عن أبي هريرة ، ولا يثبت ، والظاهر أن القول كما قاله ابن السكن ، وذلك أنّ رجال إسناده ثقات .

بيانه : أن أبا القاسم ابن أبي الزناد لما سئل عنه أبو زرعة ، فقال : اسمه كنيته ، لا يعرف له اسم ، وتبعه على ذلك الحافظان مسلم بن الحجاج وأبو عمر ، وغيرهما من المتأخرين ، وخالف ذلك أبو عمرو بن الصلاح ، فذكر أن اسمه مرداس ، أنا بذلك قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ، قال : أنا قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين ، أنا ابن الصلاح ، وأنبأ به جماعة من شيوخنا الشاميين عنه به . وقال عباس بن محمد : سئل عنه يحيى بن معين ، فقال : ليس به بأس ، قد سمع منه أحمد ، قرأت على الشيخ المعمر أبي زكريا المقدسي أخبركم ابن رواح إجازة ، إن لم يكن سماعا ، أنا الحافظ أبو طاهر قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية في يوم الأحد لعشرين من جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ، أنا الشيخ أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف بن عمران الهلالي بثغر سلماس من أصل سماعه سنة ست وخمسمائة ، أنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني قدم علينا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، ثنا أبي ، نا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان ، نا علي بن أحمد بن الصباح ، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ - رحمه الله - قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذكر أبا القاسم بن أبي الزناد ، فأثنى عليه ، وقال : كتبنا عنه وهو شاب . وأمّا إسحاق بن حازم .

وقيل : ابن أبي حازم المديني ، فروى عنه عبد الله بن وهب ، وعبد الله بن نافع ، وخالد بن مخلد ، ومعن بن عيسى ، قال فيه ابن معين : ثقة ، وكذلك قاله أحمد بن حنبل . وقال أبو حاتم الرازي : صالح الحديث . وخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن قانع ، ثنا محمد بن علي بن شعيب ، ثنا الحسن بن بشر ، ثنا المعافي بن عمران ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر .

ورواه الدارقطني ، عن علي بن الفضل ، ثنا أحمد بن أبي عمران ، نا سهل بن تمام ، ثنا مبارك بن فضالة ، عن أبي الزبير به ، قال : وخالفه عبد العزيز بن عمران ، وليس بالقوي . فأسنده عن أبي بكر الصديق ، وجعله عن وهب بن كيسان ، عن جابر ، ولما ذكره في العلل قال : تفرد به عبد العزيز ، وهو مدني ضعيف الحديث ، وقد روي عن أبي بكر من قوله غير مرفوع من رواية صحيحة من حديث عمرو بن دينار ، عن أبي الطفيل عنه . ورواه ابن زاطيا عن شيخ له ، من حديث عبيد الله بن عمر ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الطفيل ، عن أبي بكر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ووهم في رفعه ، والموقوف أصح .

ولما ذكره ابن صخر في فوائده ، قال : قال لنا أبو محمد الحسن بن علي : هذا حديث غريب من حديث أبي بكر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، انفرد بروايته بهذا الإِسناد محمد بن يحيى المدني ، وما كتبناه إلَّا من حديث عمر ، يعني ابن شبة ، وقد حدّث به الزيادي ، فقال : حدّثني أبو زيد النحوي ، يعني ابن شبة ، ثنا محمد بن يحيى ، حدّثني عبد العزيز .. . فذكره . وقال صاحب كتاب الوقوف على معرفة الموقوف : الصحيح موقوف على أبي بكر ، وفي هذا ردّ لما ذكره أبو عيسى من حديث أبي هريرة : وفي الباب عن جابر والفراسي ، وفيه أيضا حديث ابن عباس ، خرجه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة ، عن أبي التياح ، عن موسى بن سلمة عنه ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وشواهده كثيرة ، ولم يخرجاه .

وأبى ذلك الدارقطني ، فزعم أن وقفه هو الصواب . وفيه أيضا : حديث عليّ بن أبي طالب ، خرجه الحاكم من حديث محمد بن الحسين بن علي ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه عنه . وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، خرجه الحاكم من حديث الهقل بن زياد ، عن الأوزاعي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه .

وفيه أيضا : حديث أنس بن مالك ، أنا به يونس بن إبراهيم إذنا ومناولة ، عن ابن المقيرّ ، قال : أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري ، ثنا محمد بن علي من كتابه ، أنبأنا علي بن عمر قال : نا علي بن مبشر ، نا محمد بن حرب ، نا محمد بن يزيد ، عن أبان ، عن أنس به ، قال : أبان هو ابن أبي عياش ، وهو متروك الحديث . وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ذكره الدارقطني ، وقال : باطل بهذا الإسناد ، مقلوب . وفيه أيضا حديث العركي ، أنا به الإِمام تاج الدين ابن دقيق العيد - رحمه الله - إجازة ، عن الفقيه أبي الحسن بن الحميري ، قال : أنبأنا الحافظ أبو الطاهر بن سلفة ، قال : أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قراءة عليه ، وأنا أسمع بمصر ، قال : أنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي ، قال : أنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري ، قال : قرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا عثمان بن أبي شيبة ، نا حاتم بن إسماعيل ، عن حميد بن صخر ، عن عياش بن عباس ، عن عبد الله بن جرير ، عن العركي الذي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا رسول الله ، إنا نركب الأرمات ، فنبعد في البحر ، ومعنا ماء لشفاهنا .. .

الحديث . قال أبو القاسم : هكذا ثنا عثمان ، عن حاتم ، عن حميد بن صخر ، وهو وهم ، وإنما هو حميد بن زياد أبو صخر المدني ، وهو صالح الحديث ، قال : والعركي بلغني أن اسمه عبدود ، ورواه ابن قتيبة في غريبه ، عن القرشي ، ثنا محمد بن غياث المكي ، نا حاتم بن إسماعيل ، عن أسامة بن زيد ، عن أبي عبد الرحيم ، عن عبد الله بن رزين الغافقي ، عن العركي به . وأما البحر فمختلف فيه ؛ فزعم بعضهم أن ذلك يعم العذب والملح .

وقال بعضهم : بل ذلك مخصوص بالملح فقط ، وممن قال ذلك القزاز ، فإنه ذكر أنه سمي بذلك لسعته من قولهم : تبحر الرجل في العلم ؛ إذا اتسع فيه ، وإذا اجتمع الملح من الماء والعذب سموهما باسم الملح ، قال تعالى : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ، فجعل الماء العذب بحرًا لمقارنة الملح . قال الشاعر : وقد عاد عذب الماء بحرًا فزادني على مرضي أن أبحر المشرب العذب انتهى كلامه . وفيه تصريح بأن البحر إنما يطلق على الملح لا العذب ، وإن أطلق فعلى سبيل المجاز ، وكذا ذكره ابن فارس في محكمه بقوله : ماء بحر ، أي ملح ، يقال : أبحر الماء إذا ملح ، وفي الغريب المصنف عن الأموي والأصمعي : البحر هو الملح ، يقال فيه : قد أبحر الماء ، أي صار ملحا ، وكذا ذكره الزمخشري في أساس البلاغة بقوله : وماء بحر وصف به لملوحته ، وقد أبحر المشرب العذب ، قال ذو الرمة : بأرض هجان الترب وسمية الثرى غداة نأت عنها الملوحة والبحر وفي كلام الجوهري ما يفهم منه خلاف ذلك ؛ لقوله : البحر خلاف البر ، سمي بذلك لعمقه واتساعه ، والجمع : أبحر وبحار وبحور ، وكل نهر عظيم بحر ، قال عدي : سره ماله وكثرة ما يملك والبحر مُعْرضًا والسدير يعني : الفرات .

وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في كتاب المناسك وغيره : والبحر الماء العذب والملح ، وإليه نحا أبو محمد بن بري في كتابه المسمى بـ التنبيه والإِفصاح عمّا وقع في كتاب الصحاح ، الذي أنا بجميعه الشيخ تاج الدين أحمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد ، إذنًا عن الفقيه بهاء الدين عنه ، قال : كان الأموي يجعل البحر من الماء الملح فقط ، قال : وسمّي بحرًا لملوحته ، يقال : ماء بحر أي مالح ، وأما غيره فقال : إنما سمي بحرًا لسعته وانبساطه ، ومنه قولهم : إنّ فلانًا لبحر ، أي : واسع المعروف ، فعلى هذا يكون البحر للملح والعذب ، وشاهد العذب قول ابن مقبل : ونحن منعنا البحر أن تشربوا به وقد كان منكم ماؤه بمكان وقال جرير : اعطوا هنيدة تحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف كومًا مهاريس مثل الهضب لو وردت ماء الفرات لكاد البحر ينتزف وقال الكميت : أناس إذا وردت بحرهم صوادي العرائب لم تضرب وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر ، وجاء في التنزيل فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ قال أهل التفسير : هو نيل مصر ، وفي كتاب الجمهرة لابن دريد : والعرب تسمي الماء الملح والعذب بحرًا إذا كثر ، وفي التنزيل : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ يعني الملح والعذب . وفي كتاب الغريب لابن قتيبة : سئل ابن عباس عن الوضوء بماء البحر ، فقال : هما البحران لا تبال بأيهما توضأت ، والله أعلم . ذكره الأجدائي في كتاب الكفاية التي قرأتها على علامة وقته وشيخ مشائخ البلاد أبي حيان عن ظهر قلب في مجلس واحد ، وأخبرني بها عن الشيخ الصالح المقرئ رشيد الدين عبد النصير بن علي الهمداني وغيره ، عن أبي الفضل جعفر بن أبي البركات ، وأنبأني بها جماعة من أصحاب جعفر عنه ، عن أبي الفتح رضوان بن مخلوف ، عن أبي الحسن علي بن الحسن بن حفص القرشي سماعًا من والده .

وعن أبي محمد عبد الله ابن المؤلف لها أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الطرابلسي ، كلاهما عن مؤلّفها أبي إسحاق ، قال : والبحر : الماء الكثير المتسع ، عذبًا كان أو ملحا ، وإنما سمي بحرا لكثرة مائه . ومن أسمائه : اليم ، والدأماء ، والمهرقان ، وحصارة ، والقاموس : وسطه ، وغواريه : أمواجه ، والحال : طينه وترابه ، والعبر : ساحل البحر وهو الشّط ، والشاطئ ، والسيف ، والضف ، والضفة ، والجد ، والجدة ، والغيقة ، ويقال : ماء زَغْرَبَ ، وماء تليذم ، وماء خضرم ؛ إذا كان كثيرا متسعًا ، وفي الغريب المصنف : والبلاثق : الماء الكثير ، وفي كتاب الألفاظ لابن السكيت : وكذلك ماء سُعر ، وسعبر ، وطيس ، وطيسل ، وأديب ، وجوار على فعال أي : كثير . وفي كتاب تثقيف اللسان للحميري : ولا يقولون بحرا إلَّا لما كان ملحًا خاصة ، والبحر يقع على الملح والعذب .

انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث عيبه على من يقول ذلك من الناس ، ولا عيب عليهم ؛ لما أسلفناه من قول جماعة من أهل العلم باللغة ، والله أعلم . وأما السائل ، فزعم السمعاني أنه العركي ، قال : وهو اسم يشبه النسبة ، والله أعلم .

انتهى . وفيه نظر من حيث جعله اسما ، وليس كذلك ، بل هو نعت لمن كان صيادًا ، وقد سبق بيان ذلك في الكتاب الموسوم بـ رفع الارتياب في الكلام على اللباب ، وملخصه ما ذكره القزاز وغيره ، والعروك : الصيادون ، والواحد : عركي ، قال زهير : يغشى الحداة بها رعث الكثيب كما يغشى السَّفائن موج اللجة العرك وكتب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لقوم من اليهود : أنّ عليكم ربع ما أخرجت نخلكم ، وربع ما صاد عروككم ، ويزيد ذلك وضوحا قول البغوي : قيل : اسمه عبد ، كما أسلفناه ، واختلف في الوضوء من ماء البحر ؛ فكره الوضوء منه جماعة ، منهم : أبو هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وأبو العالية فيما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف . وفي الإشراف عن ابن المسيب : إذا ألجُئت إليه توضأ منه .

وقد انعقد الإِجماع على جواز الوضوء منه فيما حكاه ابن عبد البر ، وإنما كره الوضوء منه من كرهه لما روي في بعض الأحاديث من أنّ الله تعالى يسقط فيه الكواكب يوم القيامة ويصيره نارًا ، وفي حديث يعلى من تاريخ محمد بن إسماعيل مرفوعًا : البحر من جهنم ، أحاط بهم سرادقها ، والله لا أدخله حتى أعرض على الله تعالى وكنت لم أسمع بهذا الحديث ، فلما سافرت إلى الشام سنة تسع وسبعمائة في شوال نزلنا منزلة العريش على شاطئ البحر يوم الثلاثاء تاسعه ، وجب علي غسل ، فلما أن أردت أن أغتسل من البحر ، وجدت ناسا كثيرًا مختفين بالشاطئ ، فبصرت استضواء ، فنمت وقت القائلة ، فرأيت في منامي برية واسعة مليء جمرا كهيئة الكرسي إذا أوقد عليه ، فجعلت أفكر فيه ، فسمعت قائلا يقول : هذا البحر الملح صيره أو يصيره اللّه يوم القيامة نارًا ، فلا تقربه ، فاستيقظت فزعًا ولم أقربه ولا ماءه ، فلما قدمنا من الشام ومرت علينا أعوام رأيت هذا الحديث في كتب المسانيد ، فحمدت الله تعالى الذي وقاني شره وصدق رؤياي .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث