باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا
حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا محمد بن يوسف ، عن سفيان ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي مالك الأشعري قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ثلاثًا ثلاثا . هذا حديث إسناده جيّد ، ولولا الاختلاف في حال رواته لقيل فيه : صحيحا ، لما عضده من الشواهد والمتابعات ، ولأنه لم يتكلم فيهما بقادح ، يُرّد به حديثهما ، وللعرفان بحال الواسطة وعينه ، أما ليث فهو ابن أبي سليم أنس . كذا ذكره ابن الجوزي ، ويشبه أن يكون وهم ؛ لأن العقيلي فرق بين ليث بن أبي سليم زياد ، وبين ليث بن أنس بن زنيم الليثي الراوي ، عن ابن سيرين ، يكنى أبا بكر ، ويقال بكير ، كوفي .
وإن كان ابن سرور ذكر أنّ الشيخين رويا له ، فيشبه أن يكون وهما ؛ وذلك أن الكلاباذي ، والحاكم ، واللالكائي ، والحبال ، والباجي ، لم يذكره أحد منهم في كتابه ، اللهم إلَّا لو قال : إنّ محمدا استشهد به ، وروى له في رفع اليدين ، وقرنه مسلم بأبي إسحاق الشيباني لكان صوابًا ، وكذلك قاله ابن معين ، زاد أبو الحسن : سئل وكيع عن حديث من حديثه ، فقال : ليث ليث ، وقال : كان سفيان لا يسمي ليثا . وقال البخاري : كان صدوقًا . وقال ابن عدي : أحاديثه صالحة ، وروى عنه شعبة ، والثوري ، وغيرهما من ثقات الناس ، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه ، فقد قال أبو معمر : كان ابن عيينة لا يحمد حفظه ، وفي رواية : ضعيف .
وقال ابن مهدي : ليث ، وعطاء بن السائب ، ويزيد بن أبي زياد ، ليث أحسنهم عندي . وقال جرير : كان ليث أكثرهم تخليطًا . وقال عيسى بن يونس : كان قد اختلط ، كان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن .
وقال أحمد بن حنبل : هو مضطرب الحديث ، ولكن حدث الناس عنه . وفي علل الترمذي عنه : لا يفرح بحديثه . وقال أبو زرعة وأبو حاتم : لا يشتغل به ، مضطرب الحديث .
زاد أبو حاتم : هو أحب إلي من يزيد بن أبي زياد . وقال الفلاس : كان يحيى لا يحدّث عنه ، وكان ابن مهدي يحدّث عنه . وقال الدارقطني : صاحب سنة ، وكذلك قاله ابن معين ، زاد أبو الحسن : يخرج حديثه ، إنّما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب .
وقال يحيى بن سعيد : لا يحمد حديثه . ذكره عنه الحاكم . وقال ابن سعد : كان رجلا صالحا عابدا ضعيفا في الحديث ، يقال : كان يسأل عطاء وطاوسا ومجاهدا عن الشيء ، فيختلفون فيه ، فيروي أنّهم اتفقوا من غير تعمّد لذلك .
وقال الساجي : صدوق فيه ضعف ، كان سيئ الحفظ ، كثير الغلط ، وكان أبو داود لا يدخل حديثه في كتاب السنن الذي صنفه . وفيما قاله نظر من حيث إنّ أبا داود إذا أطلق كان في العرف محمولا على السجستاني ، فإن كان عناه فهو قد خرج حديثه في كتابه ، وإن كان غيره فيلزمه بيانه . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : ضعيف .
وقال ابن عدي : له أحاديث صالحة ، وروى عنه شعبة ، والثوري وغيرهما من ثقات الناس ، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه . وفي تاريخ ابن أبي خيثمة : قال ابن معين : ليس بذاك ، وفي كتاب الآجري : قال يحيى : ليس به بأس ، وفي كتاب العقيلي عنه : هو أضعف من يزيد ، ويزيد فوقه ، وفي رواية : ضعيف ، إلَّا أنه كان يُكتب حديثه . وفي كتاب البلخي : قال صدقة بن الفضل المروزي : ليث أضعف العالمين .
وقال السعدي : يضعّف حديثه ، ليس بثبت . وقال ابن حبان : اختلط في آخر عمره ، فكان يقلب الأسانيد ، ويرفع المراسيل ، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم ، تركه القطان وابن مهدي ، وأحمد ، وابن معين . انتهى كلامه .
وفي إطلاقه ذلك نظر ؛ لأنا أسلفنا عن الفلاس تحديث القطان عنه ، وثناء أحمد عليه ، وكذلك ابن معين . والصواب في ذلك قول الساجي : كان يحيى القطان بأخرة لا يحدّث عنه ، ففي هذا جمع بين قول أبي حاتم والفلاس ، وأما ابن معين فلا وجه لما حكاه عنه . وقال ابن المديني : مجاهد أحبّ إلي منه .
وقال العجلي : كوفي جائز الحديث . وفي كتاب الآجري : قال أبو داود أحمد بن يونس سمعت فضيل بن عياض يقول : كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك ، سمعت أبا داود يقول : سمعت يحيى يقول : عامة شيوخه لا يعرفون . الثاني : شهر بن حوشب أبو سعيد ، ويقال : أبو عبد الله ، ويقال : أبو عبد الرحمن ، ويقال : أبو الجعد الأشعري الحمصي ، ويقال : الدمشقي ، وإن كان مسلم قد خرج حديثه مقرونا ، وحسّن الترمذي والبخاري حديثه ، وروى له في كتاب الأدب .
وقال أحمد : ما أحسن حديثه ، ووثّقه ، وفي رواية : هو حسن الحديث ، وقوى أمره ، قال : وإنما يتكلم فيه ابن عون ، يعني بقوله : تركوه ، وفي رواية : لا بأس به ، وفي رواية : ثبت . وقال العجلي : ثقة . وكذلك قاله ابن معين .
وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم . وقال موسى بن هارون : ضعيف ، وبمثله قاله ابن سَعْد . وقال يعقوب بن شيبة : سمعت ابن المديني ، وقيل له : ترضى حديث شهر ؟ فقال : أنا ما أحدّث عنه ، قال : وكان ابن مهدي يحدث عنه ، قال : وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمعا عليه يحيى وعبد الرحمن ، يعني على تركه .
قال يعقوب : وهو ثقة ، على أنّ بعضهم قد طعن فيه . وقال الفسوي في تاريخه : وإن قال ابن عون : تركوه ، فهو ثقة ، وفي هذا رّد لما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور : وثقه ابن معين وأبو زرعة الرازي ، وشذّ عنه سائر المشائخ ، والله أعلم . وقال أبو حاتم : هو أحبّ إلي من أبي هارون وبشر بن حرب ، وليس بدون أبي الزبير ، ولا يحتج به .
وقال أبو زرعة : لا بأس به . وقال محمد بن عبد الله بن عمّار : روى عنه النّاس ، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة ، قيل : يكون حديثه حجة ؟ قال : لا . وقال صالح بن محمد : لم يوقف منه على كذب ، وكان رجلًا يشك ، إلَّا أنه روى أحاديث تفرّد بها لم يشركه فيها أحد ، وقد تركه شعبة وطعن فيه ، ولم يحدّث عنه ابن مهدي .
وقال النسائي وابن عدي : ليس بالقوي . زاد ابن عدي : ولا يحتج بحديثه . وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات المعضلات ، عادل عبّاد بن منصور في الحج ، فسرق عيبته ، فهو القائل : لقد باع شهر دِينَهُ بخريطةٍ فمن يأمن القراء بعدك يا شهر كذا ذكره ، ويشبه أن يكون وهمًا ؛ لأنّ المعروف أنّ الخريطة إنمّا كانت من بيت المال ، حين وليه ليزيد بن المهُلب .
وقال الهذلي : كان على خزائن يزيد ، فلما سأله عنها أتاه بها ، فدعا يزيد الذي رفع عليه ، فشتمه ، وقال لشهر : هي لك ، فقال : لا حاجة لي فيها ، فقال القطامي الكلبي ، ويقال : سنان بن مُكْمل النميري ، البيت ، وبعده : أخذت له شيئًا طفيفًا وبعته من ابن خز نبيداد هذا هو الغَدْرُ وصحَّف بعض حفّاظ عصرنا هذا البيت ، فقال من ابن جرير : إنّ هذا هو الغَدْرُ ، ويقال : الشرقي المسمّى الوليد بن القطامي ، وهو الحسين بن جمال النسابة . وقال مرة النخعي لشهر : يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ لولاك كان كصالح القراء فتبيّن بما ذكرناه فساد قول من عَزا ذلك لعبّاد ، أعني الشعر والخريطة ، اللهم إلا لو ذكر خيانته له لكان صوابا من فعله ؛ لأن شعبة شهد عليه أنّه رافق رجلا من أهل الشام فخانه . فيما ذكره الساجي .
ثم ذكر قصته في بيت المال بعد ، فجعلهما مرّتين ، وهو الأشبه ، والله أعلم . وفي كتاب الترمذي ، عن النضر : شهر تركوه ، ويشبه أن يكون وهما ، وذلك أنّ الساجي والعقيلي والسعدي وغيرهم إنما ذكروا روايته عن ابن عون ، لا عن نفسه . وقال البستي : ضعيف .
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة ، عن ابن معين ، عن مسلم ، عن رجل ذهب على يحيى اسمه ، قال : كنت مع شهر في طريق مكة ، فكنّا إذا نزلنا منزلا قال : هاتوا عوديا سووا طنبوريا ، فإنا إنّما نأكل به خبزنا ، يعني الحديث ، وفي كتاب العقيلي نحوه ، وعن قتادة قال : جاء شهر يستأذن على الأمير ، قال : فخرج الآذن فقال : إن الأمير يقول : لا نأذن له فإنه سبائي قال : فقلت : إنّ خادم البيت يخبرك بما في أنفسهم ، قال : ثمّ قال قتادة : لا غفر الله لمن لا يستغفر لهما ، يعني عليا وعثمان رضي الله عنهما . وقال الساجي : فيه ضعف وليس بالحافظ . وقال السعدي : أحاديثه لا تشبه أحاديث النّاس ، عن عمرو بن خارجة : كنت آخذًا بزمام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن أسماء بنت يزيد قالت : كنت آخذة بزمام ناقته أيضًا ، كأنه مولع بزمام ناقة النبي - عليه السلام - ، وحديثه دال عليه ، فلا ينبغي أن يغتر به وبروايته ، وقال موسى بن هارون : ضعيف ، وذكره مسلم في مقدمته بالضعف ، وكذلك الرازي ، فتبين بمجموع ما ذكر أنّ لا قادح فيهما ، وذلك أن ليثا غالب ما رمي به الجمع والاختلاط ، أمّا الأول فهذا الحديث عار منه ، وأمّا الثاني فقد رمي به جماعة من المجمع على عدالتهم ، وهذا إنما كان اختلاطه في آخر عمره ، وسفيان ممن أخذ عنه قديما .
وأما رميه بالاختلاط وسُوْء الحفظ فقد أسلفنا له متابعات وشواهد أمن ذلك معها منهما ، وأمّا شهر فمعظم ما رمي به إّنما أتى على لسان شاعر مرمي بالكذب متغرّض ، لا يدرى أمحقّ أم مبطل ؟ ولئن كان محقا تؤول على أنّ له حقًا في بيت المال أخذ بعضه ، وهذا لا قدح فيه . وأمّا خيانته لعباد إن ثبت فيحتمل أن تكون مزحا أو ظفرا ، أو لأنه يرى اختلاف الآراء يوجب إباحة الأموال ، وذلك أن عبادًا رماه ابن حبان بالدعاء إلى القدر ، فإن كان بهذه المثابة كان عند بعضهم كافرًا ، وأما تسويته الطنبور فهو قول مردود بما ذكره عثمان بن نويرة عنه قال : دُعي شَهْر إلى وليمة وأنا معه ، فدخلنا فأصبنا من الطعام ، فلما سمع شهر المزمار وضع أصبعيه في أذنيه وخرج حتى لا يسمعه . وعلى تقدير صحته فهو مذهب لأهل المدينة مشهور لا عيب فيه على من تعاطاه ممن يراه ، وأمّا رميه بأنه سبائي فإنما جاء على لسان من لا يعرف اسمه ولا حاله ولا عينه ، ومثل هذا لا يقبل خبره ، فكيف تفرده بما لم يأت غيره من الأئمة ؟! ولئن كان ما قاله صحيحًا فلا عيب فيه على من لا يدعو إليه .
وأما ترك شعبة له فإنّما هو بسبب خيانته لعباد كما تقدّم مبينًا ، وأما قول ابن عون فيه : تركوه ، فقد قيل فيه بالنون والزاي ، بمعنى طعنوه ، وهو الصحيح ؛ لأنا أسلفنا كلام الأئمة ، وليس فيهم أحد تركه ولا حرج بذلك ، فبقي محمولًا على الطعن الذي بيّناه ، الذي لم يسلم غالبًا منه أحد . وأمّا قول السعدي فيحمل على بغضه للشيعة وتعصّبه عليهم لفرط نَصبه ، والله أعلم . وبنحو ما قلناه ذكره ابن القطان في كتاب الوهم والإِيهام فقال : لم أسمع لمضعفه حجة ، وما ذكروه من تزييه بزي الجند وسماعه الغناء بالآلات ، وقذفه بأخذ خريطة ، فكذب عليه ، إما لا يصح وإما خارج مخرج لا يضره ، وشر ما قيل فيه : إنه يروي منكرات عن ثقات ، وهذا إذا كثرت منه سقطت الرواية به ، والله أعلم .
وأما قول ابن دحية في كتابه العلم المشهور : وأعظم جرحه أنه كان شرطيًا للحجاج ، وليس كذلك ، ولئن كان إنّما كان عاملًا لابن المهلب ولئن عمل للحجاج حمل على جبره له ، كما جبر غيره . وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق ليس فيها ليث ، مشعرة بانقطاع ما بين شهر وأبي مالك بدخول واسطة بينهما ، ولكنه غير ضار لثقته وعدالته ، رواها ابن أبي شيبة في مسنده ، عن محمد بن بشر ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن شهر ، عن عبد الرحمن بن عمر أنَّ أبا مالك جمع قومه .. . فذكره مطولًا .