باب ما جاء في تخليل اللحية
حدثنا إسماعيل بن عبد الله البرقي ، ثنا محمد بن ربيعة الكلابي ، ثنا واصل بن السائب الرقاشي ، عن أبي سورة ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ، فخلل لحيته . هذا حديث قال الترمذي في كتاب العلل : سألت محمدًا عنه؟ فقال : هذا لا شيء ، فقلت : أبو سَوْرة ما اسمه؟ فقال : لا أدري ما يصنع به؟ عنده مناكير ، ولا يعرف له سماع من أبي أيوب ، ولما ذكره ابن حزم قال : فيه واصل ، وهو ضعيف ، وأبو أيوب هذا ليس هو بأبي أيوب الأنصاري ، قاله ابن معين . انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأول : تضعيفه واصلًا ، وذلك أمر لا يضر أحيانًا لو كان صحيحًا؛ لأنها كلمة مقولة في جماعة من الأئمة ، ولا ضرر فيها عليهم إلا بضميمة أخرى ، وهذا الرجل لا يحسن فيه هذا القول وحده ، إلا بما يضم إليه ، لأنه مما قال فيه البخاري ، وأبو حاتم الرازي : منكر الحديث ، وقال أبو عبد الرحمن النسائي ، والأزدي : متروك الحديث ، وقال أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو زرعة ، والدارقطني : ضعيف ، وقال ابن عدي : أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات ، وقال أبو داود عن ابن معين : ليس بشيء ، ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ذكر من حديثه هذا الحديث ، ثم قال : والرواية في التخليل فيها لين ، وفيها ما هو أصلح من هذا الإسناد ، وقال الساجي : منكر الحديث ، وبنحوه قاله يعقوب ، وابن طاهر ، فمن كان بهذه المثابة لا يحسن فيه قول ضعيف فقط .
الثاني : قوله : إن أبا أيوب هذا ليس بأبي أيوب الأنصاري ، وحديث الباب كافٍ في الرد عليه ، وكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء ، وأبو حاتم البستي حين ذكر أبا سورة في كتاب الثقات ، وأبو حاتم الحنظلي ، وأبو القاسم الطبراني ، وأبو بكر البزار ، وغيرهم من المتأخرين . الثالث : سكوته عن حال أبي سورة ، ولا ينبغي ذلك له؛ لأنه ممن قال فيه البخاري ما أسلفناه ، وقال أبو عيسى : يضعف في الحديث ، ضعفه ابن معين جدًّا ، وسمعت محمدًا يقول : أبو سورة منكر الحديث ، يروي عن أبي أيوب مناكير ، لا يتابع عليها ، وقال أبو الحسن الدارقطني : مجهول ، وقال الساجي : أبو سورة يحدث عن أبي أيوب منكر الحديث ، روى واصل بن السائب عنه أحاديث عن أبي أيوب مناكير يطول ذكرها . الرابع : انقطاع ما بينه وبين أبي أيوب المشار إليه أولًا ، فهذه علل ثلاث قوادح ، لو كان في الحديث منهن واحدة لكان مردودًا ، لا ما أبرزه هو من العلتين اللتين ذكرهما ، والله أعلم .
ولفظ البغوي في معجمه : إذا توضأ تمضمض ، ومسح لحيته من تحتها بالماء ، وقد روى التخليل جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، منهم : وائل بن حجر ، ذكر حديثه أبو عبد الرحمن في كتاب الكنى فقال : ثنا أحمد بن يوسف ، ثنا محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل أبو جعفر ، وحدثه عن سعيد بن عبد الجبار عن أبيه عن أمه عن وائل قال : خلل النبي -صلى الله عليه وسلم- لحيته ، ومسح باطن أذنيه ، ثم قال : رواه أحمد عنه ، ومنهم : عائشة ، ذكر حديثها أبو عبد الله الحاكم في مستدركه في باب الشواهد الصحاح من حديث شاذ بن فياض ، ثنا عمر بن أبي وهب ، عن موسى بن ثروان ، عن طلحة بن كريز عنها ، قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : عمر بن أبي وهب كيف هو؟ قال : ما أعلم به بأسًا ، وروى حديثه هذا في مسنده ، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات في باب من اسمه عمر ، وسمى أباه ثورًا ، قال : وهو الذي أعتق سلام بن أبي مطيع ، روى عنه ابن المبارك وعبد الصمد بن عبد الوارث . وموسى بن ثروان اضطرب فيه ، فشعبة يقول : ابن ثروان ، ووكيع يقول : سروان ، وأبو الحسن يقول : وردان ، وأخطأ في ذلك ، وقال غيره : مروان ، وقال غيره : موسى النجدي ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين ، وخرج مسلم حديثه في صحيحه متابعة ، وفي سؤالات حرب : ثنا شاذ بن فياض ، ثنا عمر بن أبي وهب عن موسى النجدي به ، ولما ذكر ابن حزم حديث عائشة هذا رده بقوله : فيه رجل مجهول ، لا يعرف من هو؟ شعبة يسميه عَمْرًا ، وأمية بن خالد يسميه عمر . انتهى كلامه ، وفيه نظر لما أسلفناه قبل .
ومنهم : علي بن أبي طالب رواه ابن مردويه في انتقائه على كتاب الطبراني عن يحيى بن عثمان ، ثنا زكريا بن عبد الخالق الواسطي ، ثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن أبي البختري الطائي عنه . وفي كتاب المراسيل لأبي حاتم ، ثنا الهسنجاني ، ثنا أحمد بن حنبل ، ثنا حجاج ، يعني ابن محمد ، نا شعبة قال : كان أبو إسحاق أكثر عن أبي البختري ، ولم يدرك أبو البختري عليًّا ، ولم يره ، سمعت أبي يقول : أبو البختري لم يدرك عليًّا ، ومنهم جابر بن عبد الله ، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أصرم بن غياث ، ثنا مقاتل ، عن الحسن عنه ، ولفظه : وضأت النبي -صلى الله عليه وسلم- غير مرة ولا مرتين ، فرأيته يخلل لحيته ، قال جابر : فنظرت إلى أصابعه من تحت لحيته ، ، وبقي علة غير انقطاع ما بين مقاتل والحسن المذكور قبل ، وهي انقطاع ما بين الحسن وجابر بن عبد الله ، نص على ذلك ابن المديني ، وأبو زرعة ، وبهز ، وأبو حاتم ، والبزار ، وأبو داود ، ومنهم أبو أمامة ، ذكر حديثه أبو القاسم في الكبير من حديث أبي غالب حزوَّر عنه عن عمر بن سليم الباهلي ، وحاله مختلف فيها : فأبو الحسن يوثقه ، وابن معين يقول : صالح الحديث ، وأبو زرعة يقول : صدوق ، وغيرهم يضعفه ، ومنهم : ابن عباس ، ذكر حديثه أبو القاسم في الأوسط من حديث شيبان بن فرُّوخ ، ثنا نافع أبو هرمز عن عطاء عنه ، وقال : لم يرو هذه اللفظة عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تخليل اللحية في الوضوء إلا نافع أبو هرمز ، تفرد به شيبان ، قال العقيلي : لا يتابع نافع عليه بهذا الإسناد لما رواه عنه عن ابن سيرين عن ابن عباس ، ومنهم أم سلمة ذكره ابن حزم ، ورده بخالد بن إياس العدوي من ولد أبي الجهم بن حذيفة ، وهو ساقط ، منكر الحديث ، وليس هو خالد بن إياس الذي يروي عنه شعبة ، ذاك بصري ثقة ، ومنهم ابن أبي أوفى ، وقد تقدم حديثه في باب الوضوء ثلاثًا ، ومنهم أبو الدرداء ، وأشار إليه ابن حزم ، وقال : حديث الحسن ، وعمرو بن الحارث مرسلان ، فأسقط بزعمه كل حديث رُوي في التخليل ، وكذا قال أبو عمر : رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه خلل لحيته في وضوئه من وجوه كثيرة ، كلها ضعيفة ، وبنحوه قاله العقيلي ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تخليل اللحية حديث ، خرجه أبو إسحاق بن عبيد في مسنده عن أبي زرعة ، ثنا هشام بن عمار ، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان ، قالا : ثنا إسماعيل بن عياش ، ثنا تمام بن نجيح الأسدي عن الحسن عنه قال : توضأ النبي - عليه السلام - فخلل لحيته بفضل وجهه . قال أبو محمد : ولا معنى لذلك في الغسل والوضوء ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وداود ، وذهب إلى إيجابه قوم ، منهم : عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وعطاء ، وابن جريج ، وابن سابط ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وسعيد بن جبير ، وروينا عن غير هؤلاء فعل التخليل دون أن يأمروا به ، منهم : عثمان ، وعمار ، وابن أبي أوفى ، وأبو الدرداء ، وعلي ، وإليه كان يذهب أحمد بن حنبل ، وهو قول أبي البختري ، وابن سيرين ، وأبي ميسرة ، والحسن ، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، وعبد الرزاق ، وقال ابن المنذر : قال إسحاق ، وأبو ثور : إذا ترك التخليل عامدًا أعاد ، وممن روينا عنه أنه كان يخلل لحيته : ابن عباس ، والحسن بن علي ، وأنس ، وممن روينا عنه أنه رخص في ترك ذلك : ابن عمر ، والحسين بن علي ، وطاوس ، والنخعي ، وأبو العالية ، والشعبي ، ومحمد بن علي ، ومجاهد ، والقاسم .
وقال سعيد بن عبد العزيز ، والأوزاعي : ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب . وقال أبو بكر : غسل ما تحت اللحية غير واجب ، إذ لا حجة تدل على وجوب ذلك . وقال الخطابي : يشبه أن يكون المأمور بتخليله من اللحي على سبيل الوجوب ما رقّ من الشعر منها ، فيُرى ما تحتها من البشرة ، والله أعلم .
وفي تاريخ ابن المبارك : وفي الحديث أنه قال : تحريك ما مر عليها من الماء ، وقال : ليس له قوة ، والله أعلم .