باب ما جاء في مسح الأُذُنين
حدثنا هشام بن عمار ، ثنا الوليد ، ثنا حريز بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن المقدام بن معديكرب : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ فمسح برأسه وأذنيه ، ظاهرهما وباطنهما . هذا حديث لما ذكره أبو محمد الإشبيلي من عند أبي داود سكت عنه ، ، فإنها على قسمين : إما بإسقاط الثقات ، وإما بإسقاط الضعفاء ، كما أن التدليس أيضًا إمّا بإسقاط الثقات وإما بإسقاط الضعفاء ، فما كان من التدليس والتسوية بإسقاط الضعفاء ينقسم قسمين : قسم هو إسقاط ضعفاء عنده وعند غيره ، فهذا إذا فعله يكون به مجرَّحًا ، وقسم هو إسقاط قوم ضعفاء عند غيره ، ثقات عنده ، وهذا لا يكون به مجرحًا ، ومن هذا القبيل هو قول الدارقطني المحكي عن الوليد ، أعني : أن يكون يُسقط من بين الأوزاعي وبين أشياخه الثقات قومًا روى عنهم الأوزاعي ، وهم عند الوليد ثقات ، وكان غيره يضعفهم ، فلا يكون بعلمه المذكور مضعفا . والله أعلم .
انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأوّل : قوله : الوليد لم يقل في هذا الحديث : ثنا ، ولا ذكر عن حريز أنّه قال ذلك ، وهو ذهول شديد عن الكتاب الذي نقل منه ، أعني كتاب السنن ، فإنّ لفظه : ثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي ، عن الوليد ، عن حريز ، عن عبد الرحمن ، عن المقدام ، ثم قال : قال محمود : أخبرني حريز ، ثم رواه بعدّ عن محمود ، وهشام بن خالد ، قالا : ثنا الوليد بهذا الإِسناد ، قال : ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، زاد هشام : وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه ، فأحال أبو داود على الإسناد الأول . وقد صَرح محمود فيه بقول الوليد : أخبرني حريز ، وروى أبو المغيَرة ، عن حريز قال : حدّثني عبد الرحمن بن ميسرة قال : سمعت المقدام . .
فذكره ، وفيه : ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما . فعلى هذا الحديث إسناده واحد ، اختلف في بعض ألفاظه ، وفي اختصاره وإكماله ، فإذا كان واحدا فبرواية محمود عن الوليد يزول التدليس ، وبرواية أبي المغيرة عن حريز تزول التسوية ، وكذلك رواه أبو جعفر الطحاوي ، عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : ثنا حريز بن عثمان ، وكذا أسلفناه من عند ابن ماجه . الثاني : عيبه الوليد بالتدليس والتسوية ، وهو كما قال ، ولكن وقع لنا من غير روايته ، ذكرها بعد هذا الحديث أبو داود أيضا : من حديث الإمام أحمد بن حنبل ، ثنا أبو المغيرة ، ثنا حريز ، قال : حدّثني عبد الرحمن ، سمعتَ المقدام . .
فذكره بلفظ : فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما . تابع الوليد على روايته ، فكأنّ روايته لم تكن ، فإن اعترض معترض بأنّ حديث الوليد فيه ذكر الصماخ ، وهذا لا ذكر له فيه ، فالجواب ما أسلفناه من أنّه حديث واحد ، اختلف في اختصاره وإكماله ، وأنه روي بالمعنى ، فإدخال أصبعه لمسح باطن الأذنين هو معنى قوله : وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه . ويوضح ذلك قول الطبراني في الكبير إثر حديث أبي المغيرة ، ثنا هاشم بن مرثد ، ثنا صفوان بن صالح ، ثنا الوليد ، عن حريز ، عن ابن مَيسرة ، عن المقدام مثله ، ويؤيده حديث الربيع : وأدخل إصبعيه في جحري أذنيه .
الخامس : سكوته عن علة إن صحت كانت قادحة ، بخلاف ما ذكره من العلل ، ذكرها العسكري أبو أحمد ، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي أن المقدام بن معديكرب وفد على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقام بالمدينة أربعين يوما ثم هلك ، فعلى هذا يكون حديث عبد الرحمن بن ميسرة عنه منقطعًا ؛ لأنه ليس صحابيًا ، وإنما وفدت الوفود سنة تسع ، والله أعلم . ولما ذكر أبو عيسى حديث ابن عباس قال : وفي الباب عن الربيع ، وأغفل حديث الباب وحديثًا ذكره ابن وهب في مسنده ، فقال : ثنا أسامة بن زيد الليثي ، عن عطاء بن أبي رباح : أنّ عثمان مسح على باطن أذنيه وظاهرهما ، وقال : هكذا رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ . وذكره أيضًا القاضي أحمد بن علي في مسنده ، وهو قطعة من حديث تقدم الكلام عليه قبل من هذه الطريق المنقطعة ، ومن حديث عامر بن شقيق ، عن أبي وائل عنه ، وحديثًا عند أبي عوانة من جهة عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أنّ رجلا أتى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : كيف الطهور ؟ فدعى النبي - - عليه السلام - - بماء فتوضأ فأدخل أصبعيه السبابتين أذنيه ، فمسح بإبهاميه باطن أذنيه ، وبالسبابتين ظاهر أذنيه .
وحديثا في المستدرك ذكره في الشواهد الصحاح ، وصححه الطبري أيضا بسندهما من جهة حميد ، عن أنس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ فمسح باطن أذنيه وظاهرهما . ثم قال : زائدة بن قدامة ثقة مأمون ، وقد أسنده عن الثوري ، وخالفه البيهقي ، فزعم أن صوابه الوقف . وحديثًا عند البغوي من جهة عمرة قالت : سألت عائشة عن الأذنين ، قالت : هما من الرأس ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على أذنيه ظاهرهما وباطنهما إذا توضأ .
رواه عن طالوت ، ثنا اليمان أبو حذيفة عنها ، ولما ذكره الدارقطني أعله بقوله اليمان : ضعيف . ورواه النسائي في كتاب الكُنى من حديث سالم سبلان عنها ، وأرته وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- . وفيه : ومسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره ، ثم أمرت يديها بأذنيها ، ثم مرت على الخدين .
وحديثا عند البزار من جهة أبي الخنافس محمد بن حجر ، وهو ضعيف عن سعيد بن عبد الجبار ، عن أبيه ، عن أمه ، عن وائل بن حجر ، قال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأتي بإناء فيه ماء ، فذكر وضوءه ، ثم قال : وغسل باطن أذنيه وأدخل أصبعيه في باطن أذنيه . . الحديث .