باب الأذنان من الرأس
حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمرو بن الحصين ، ثنا محمد بن عبد الله بن عُلاثة ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : الأذنان من الرأس . هذا حديث ، قال أبو محمد الإشبيلي : لا يصح ، ولم يبيّن لم ذلك ، وهو حديث معلل بأمرين : الأول : عمرو بن الحصين البصري العقيلي ، قال ابن أبي حاتم : سمع منه أبي . وقال : تركت الرواية عنه ، ولم يُحدّثنا بحديثه .
وقال : هو ذاهب الحديث ليس بشيء ، أخرج أوّل الشيء أحاديث مشبهة حسانا ، ثم أخرج بعد لابن عُلاثة أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا عنه ، فترك حديثه ، وسئل أبو زرعة عنه عندما امتنع عن التحديث عنه ، فقال : ليس هو في موضع من يحدث عنه ، هو واهي الحديث . وقال أبو الفتح الأزدي : ضعيف جدا ، يتكلّمون فيه ، وقال ابن عدي : حدث عن الثقات بغير حديث منكر ، وهو متروك الحديث . وقال الدارقطني : متروك .
وقال في السنن لما ذكر الحديث : عمرو وابن عُلاثة ضعيفان . ثم ذكره من رواية جماعة عن أبي هريرة وضعفها كلّها وأغفل ذكره الحافظ المقدسي في كماله ولا ينبغي له ذلك . الثاني : أبو اليُسير محمد بن عبد الله بن عُلاثة العقيلي ، قاضي بغداد لمحمد بن أبي جعفر ، ويُعرف بقاضي الجن ، وإن كان ابن معين وثقه .
وقال ابن سعد : كان ثقة إن شاء الله تعالى . وقال أبو زرعة : صالح ، فقد قال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال البخاري : في حديثه نظر .
وقال أبو الفتح الأزدي : لست أقنع من البخاري بهذا ، حديثه يدل على كذبه ، وكان أحد العُضل في التزيد ، وفي موضع آخر : كان واهي الحديث لا يحل كتب حديثه عن الأوزاعي ، وحديثه يدل على كذبه . قال أبو بكر الخطيب : قد أفرط الموصلي في الميل على ابن علاثة ، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن الحصين ، عن ابن علاثة ، فنسبه إلى الكذب لأجلها ، والعلة في تلك من جهة عمرو ؛ فإنّه كان كذابا . وأمّا ابن عُلاثة فقد وصفه ابن معين بالثقة ، ولم أحفظ لأحد من الأئمة فيه خلاف ما وصفه به يحيى .
انتهى كلامه . وما ذكرناه من كلام الأئمة يرد قوله . وقال ابن عدي : ابن عُلَاثة حسن ، وأرجو أنه لا بأس به .
وقال الدارقطني : عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات ، لا يحل ذكره إلا على جهة القدح فيه ، ورّد به ابن القطّان حديثًا ، وكذلك ابن طاهر ، وردّ حديث : ما عظمت نعمة الله على عبد بقوله : ليس بحجة . ولما ذكر أبو عيسى حديث شَهْر قال : وفي الباب عن أنس لم يزد شيئًا ، وقد تقدّم حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة ، وفيهما رّد لما ذكره .
وكذا حديث عبد الله بن عباس القائل فيه عبد الحق : هو ضعيف ، وأنكر ذلك أبو الحسن ، فقال : ليس هو عندي كذلك ، بل إما صحيح وإما حسن ، وبيانه هو ما ذكره الدارقطني ، ثنا محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري بمصر ، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ، ثنا أبو كامل ، ثنا غندر ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : الأذنان من الرأس . حدّثني به أبي قال : ثنا الباغندي ، ثنا أبو كامل بهذا مثله . هذا الإِسناد صحيح بثقة رواته واتصاله ، وإنما أعلّه الدارقطني بالاضطراب في إسناده ، فتبعه أبو محمد على ذلك ، وهو ليس بعلة فيه ، والذي قال فيه الدارقطني : هو أن أبا كامل تفرّد به من غندر ، ووهم فيه عليه ، هذا ما قال ، ولم يؤيّده بشيء ولا عضده بحجة ، غير أنّه ذكر أنّ ابن جريج الذي دار الحديث عليه يُروى عنه عن سليمان بن موسى ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا ، وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان مسند ومرسل .
انتهى كلامه . وفي قول ابن القطان ، وحدث به عن غندر أبو كامل والمعمري ، ففي قوله : والمعمري - رّد لما قاله الدارقطني من تفرّد أبي كامل به ، عن غندر . ورواه أيضًا من جهة محمد بن زياد الطحان ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس : سئل - عليه السلام - عن الأذنين . .
الحديث ، وحديث سلمة بن قيس الأشجعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : إذا توضأت فانثر ، وإذا استجمرت فأوتر ، والأذنان من الرأس . ذكره أبو بكر الحافظ في كتاب المدرج من الأحاديث من حديث خيثمة بن سليمان ، عن وزير بن القاسم الجبيلي ، عن آدم ، عن شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف عنه ، قال : قوله في هذا الحديث الأذنان من الرأس - خطأ فظيع ووهم شنيع ، وذلك أنّ المتن المرفوع آخره فأوتر ، حسب لا زيادة عليه ، والوهم في هذا الحديث من وزير ، وهمه على آدم أو من خيثمة ، وهمه على وزير . والحديث في كتاب آدم عن شعبة ، آخره : فأوتر ، وبعده في إثره ، بإسناد آخر عن عبد الله بن عمر : الأذنان من الرأس .
فأسقط الناقل لحديث سلمة ما بعده من إسناد حديث ابن عمر ، ووصل منه بلفظ حديث سلمة ، وقد روى معمر والثوري وزائدة وموسى بن مطير وقيس بن الربيع هذا الحديث ، فلم يزيدوا على ما قلت لك . وكذا رواه أبو الوليد ، عن شعبة ، عن منصور ، وروى إبراهيم بن الهيثم البلوي ، عن آدم ، عن شعبة حديث سلمة هذا ، وأتبعه بحديث ابن عمر ، وميّز كل واحد منهما عن صاحبه ، وحديث عبد الله بن عمر ذكره ابن عدي الحافظ من رواية زيد العمي ، عن نافع عنه ، وعن زيد : محمد بن الفضل بن عطية ، قال : ولعلّ البلاء منه ، فإنّه أضعف من زيد ، وذكره أيضا في ترجمة إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع عنه ، قال : وهذا الحديث لم يحدث به عن إسماعيل غير ضمرة ، ولا عن يحيى غير إسماعيل . وقال الدارقطني : رفعه وهم ، والصواب موقوف ، وحديث أبي موسى الأشعري ، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث علي بن سعيد الرازي ، ثنا الأحمر .
وقال : لم يروه عن الأشعث إلا علي بن مسهر ، تفرّد به علي بن زياد ، ولا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإِسناد . وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل : سمعت أبي وذكر حديث علي بن جعفر الأحمر ، عن عبد الرحيم بن سليمان ، عن أشعث ، عن الحسن عن أبي موسى مرفوعا : الأذنان من الرأس ، فقال أبي : ذاكرت أبا زرعة بهذا الحديث ، فقال : حدّثنا إبراهيم بن موسى ، عن عبد الرحيم ، فقال : عن أبي موسى موقوف . ولما ذكره ابن عدي قال : لا أعلم أحدا رفعه عن عبد الرحيم غير علي الأحمر .
وحديث عائشة قال فيه الدارقطني : إرساله أصح ، وحديث علي ذكره الدبوسي في الأسرار ، وحديث جابر بن عبد الله وسمرة بن جندب ذكرهما البيهقي في كتاب الخلافيات ، وأعلهما ، وعمم أبو محمد بن حزم بضعف سائر الأحاديث الّتي في الباب ، ووهاها ، وفيه نظر لما أسلفناه . قال أبو عمر في كتاب التمهيد : قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم وأشهب وغيرهم : الأذنان من الرأس ، إلا أنه قال : يستأنف لهما ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس ، فوافق الشافعي في هذا ؛ لأن الشافعي قال : يمسح الأذنين بماء جديد كما قال مالك ، ولكنه قال : هما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس ، واحتج بحديث ابن جدعان : أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ لهما ماء جديدا ، وكذلك روى : أنه - عليه السلام - مسح ، ومسك مسبحتيه لأذنيه ذكر ذلك أبو زيد ، وفي حديث عبد الله بن زيد المصحح إسناده عند البيهقي دلالة واضحة للشّافعي ، وهو : وأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه . وذكره أبو عبد الله بن البيع في النوع الخامس والعشرين من علوم الحديث بسند صحيح ، أنبأنا بذلك المسند المعمر أبو النون الدبوسي بقراءتي عليه ، عن ابن المقرئ ، أنبأنا الحافظ محمد بن ناصر السلامي عن ابن خلف أنا الحاكم قراءة عليه ، قال : أنا أبو علي الحافظ ، ثنا أبو الطاهر المديني بمصر ، ثنا حرملة بن يحيى ، ثنا ابن وهب ، ثنا عمرو بن الحارث ، عن حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد ، فذكره ، وقال : هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ، ولم يشركهم فيها أحد .
ورواه الترمذي بهذا الإسناد بلفظ : مسح رأسه بماء غير فضل يديه وقال : حسن صحيح . كذا قالَ : مسح رأسه ولم يذكر الأذنين . وكذا حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان إذا توضأ يعيد إصبعيه في الماء فيمسح بهما أذنيه .
وقال عبد الحق : روى هذا ابن جارية ، عن أبيه ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : تجديد الماء للأذنين ، وهو ضعيف ، وزعم ابن القطان أنه حديث لا وجود له أصلًا . وقال أبو عمر : وقول أبي ثور في ذلك كقوله سواء . وقال أحمد بن حنبل كقول مالك .
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : الأذنان من الرأس يمسحان مع الرأس بماء واحد . وروي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين مثل هذا القول . وقال ابن شهاب : الأذنان من الوجه .
وقال الشعبي : ما أقبل منهما من الوجه ، وظاهرهما من الرأس ، وبه قال الحسن بن حي وابن راهويه . وحكى ابن راهويه هذا القول عن الشافعي ، والمشهور ما تقدّم ذكره ، رواه عنه المزني والربيع والبويطي والزعفراني وغيرهم ، وقد روي عن أحمد مثل قول الشعبي وإسحاق . وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن ، وإن لم يمسح فلا شيء عليه ، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق ، فإنّه قال : إن ترك مسح أذنيه عمدا لم يجزه .
وقال أحمد : إنّ تركهما عمدًا أحببت أن يعيد ، وقد كان علي بن زياد صاحب مالك ، يقول : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدًا أعاد ، وهذا عند الفقهاء ضعيف ، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر ، ولو كان ذلك كذلك لم يُعرف الفرض الواجب من غيره . واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدا ؛ بأنّ ابن عمر كان يفعل ذلك ، وحجة أبي حنيفة حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كذلك فعل ، وحديث الصنابحي حيث قال - عليه السلام - : فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، كما قال في الوجه : من أشفار عينيه ، وفي اليدين : من تحت أظفاره . ومن المعلوم أن العمل في ذلك واحد بماء واحد ، واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود ، عن ابن عباس ، ومسح برأسه مسحة واحدة ، وأكثر الآثار على هذا ، وحجة من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه ، ويمسح باطنهما مع الرأس أن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه ، وهو مأخوذ من المواجهة ، فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب غسله ، وأمر عز وجل بمسح الرأس وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس ؛ لأنهما في الرأس فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس ، وهو قول ترده الآثار الثابتة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما من حديث علي وابن عباس وغيرهما .
وحجة ابن شهاب أنهما من الوجه ؛ لأنه ما لم ينبت عليه الشعر فهو من الوجه ، لا من الرأس إذا أدركته المواجهة ، ولمن يكن قفا ، والله تعالى قد أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا . وفي حديث عثمان : فأخذ ماء فمسح برأسه وأذنيه ، يغسل ظاهرهما وباطنهما . ومن الحجة له أيضًا ما صح عنه - عليه السلام - : أنّه كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه فشق سمعه وبصره ، فأضاف السمع إلى الوجه .
وحجة الشافعي في قوله : إن مسحهما سنة على حيالهما -إجماع العلماء على أنّ الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر . قال أبو محمد : ولا يختلف أحد في أنّ البياض الذي بين منابت الشّعر من الرأس وبين الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء . فمن المحال أن يكون بين أجزاء رأس الحي عضو ليس من الرأس ، وأن يكون بعض رأس الحي مباينًا لسائر رأسه ، وأيضًا لو كانا من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح الرأس ، وهذا لا يقوله أحد .
وحكى الخطابي أن قوله - عليه السلام - : الأذنان من الرأس - له تأويلان : أحدهما : يمسحان مع الرأس تبعًا له ، والآخر : أنهما يمسحان كما يمسح الرأس ولا يُغسلان كالوجه ، وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب ، لا إضافة تحقيق ، وإنما هو في معنى دون معنى ، كقوله : مولى القوم منهم ، أي في حكم النصرة والموالاة دون حكم النسب واستحقاق الإرث ، ولو أوصى رجل لبني هاشم لم يعط مواليهم ، ومولى اليهودي لا يؤخذ بَالجزية ، وفائدة الكلام ومعناه عندهم إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل ، وقطع الشبه فيها لما بينهما من الشبه في الصورة ، وذلك أنهما وجدتا في أصل الخلقة بلا الشعر ، وجُعلتا محلا لحاسة من الحواس ، ومعظم الحواس محلها الوجه ، فقيل : الأذنان من الرأس ؛ ليعلم أنهما ليسا من الوجه .